← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

عباس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ قال: " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى (١) رجل ذكر ". والمراد بالفرائض هنا: الأنصباء المقدرة. وأهلها: هم المستحقون لها بالنص. وما بقي بعد إعطاء ذوي الفرائض فرائضهم؛ فهو لأولى رجل ذكر. ( [مثال على العصبة] :) (والأخوات مع البنات عصبة) ؛ أي: يأخذن ما بقي من غير تقدير؛ كما يأخذه الرجل بعد فروض أهل الفروض؛ لحديث ابن مسعود عند البخاري وغيره: أن النبي ﷺ قضى في بنت، وبنت ابن، وأخت، بأن للبنت النصف، ولبنت الابن السدس؛ تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. وقد أفاد هذا أن ل بنت الابن مع البنت السدس؛ تكملة الثلثين. ( [المستحقون للسدس] :) (١ -[بنت الابن مع البنت] :) (ولبنت الابن مع البنت السدس؛ تكملة الثلثين) ، وقد قيل: إن ذلك مجمع عليه.

стр. 1472

(٢ - [الأخت لأب مع الأخت لأبوين] :) (٣ - [الجدة مع عدم الأم] :) (وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين، وللجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم) ؛ لحديث قبيصة بن ذؤيب عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي، وصححه وابن حبان، والحاكم؛ قال: " جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها؟ فقال: ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر، قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر، فسألته ميراثها؟ فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيكما خلت به فهو لها (١) . قال ابن حجر: وإسناده صحيح لثقة رجاله؛ إلا أن صورته مرسل؛ فإن قبيصة لا يصح سماعه من الصديق، ولا يمكن شهوده القصة؛ قاله ابن عبد البر، وقد اختلف في مولده، والصحيح: أنه ولد عام الفتح، فيبعد شهوده القصة. وأخرج عبد الله بن أحمد في " مسند أبيه "، وابن منده في " مستخرجه "، والطبراني في " الكبير "، من حديث عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قضى للجدتين من الميراث بالسدس بينهما، وهو من رواية إسحاق بن يحيى عن عبادة، ولم يسمع منه (٢) .

стр. 1473

وأخرج أبو داود والنسائي، من حديث بريدة: أن النبي ﷺ جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم. وصححه ابن السكن، وابن خزيمة، وابن الجارود، وقواه ابن عدي، وفي إسناده عبيد الله العتكي، وهو مختلف فيه. وأخرج الدارقطني عن عبد الرحمن بن يزيد - مرسلا -، قال: أعطى رسول الله ﷺ ثلاث جدات السدس؛ ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم " (١) . وأخرجه أيضا أبو داود في " المراسيل " عن إبراهيم النخعي. وأخرجه أيضا البيهقي من مرسل الحسن. وأخرجه الدارقطني من طرق عن زيد بن ثابت. وفي الباب آثار غير ما ذكر. قال في " البحر ": مسألة: فرضهن - يعني: الجدات - السدس وإن كثرن إذا استوين، وتستوي أم الأم وأم الأب؛ لا فضل بينهما، فإن اختلفن سقط الأبعد بالأقرب، ولا يسقطهن إلا الأمهات. والأب يسقط الجدات من جهة، والأم من الطرفين. أقول: التفاصيل والتفاريع المذكورة في الكتب ينبغي إمعان النظر في

стр. 1474

مستنداتها، ومجرد اجتهاد فرد من أفراد الصحابة ليس بحجة على أحد، وكذلك اجتهاد جماعة منهم لم يبلغوا حد الإجماع. (٤ - [للجد مع من لا يسقطه] :) (وهو للجد مع من لا يسقطه) ؛ لحديث عمران بن حصين: أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: إن ابن ابني مات؛ فما لي من ميراثه؟ قال: " لك السدس "، فلما أدبر دعاه، قال: " لك سدس آخر "، فلما أدبر دعاه، فقال: " إن السدس الآخر طعمة " (١) . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي - وصححه -. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن الحسن: أن عمر سأل عن فريضة رسول الله ﷺ في الجد؟ فقام معقل بن يسار المزني، فقال: قضى فيها رسول الله ﷺ ، قال: ماذا؟ قال: السدس، قال: مع من؟ قال: لا أدري، قال: لا دريت؛ فما تعني إذن؟ ! وهو منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من عمر (٢) . وقد أخرج البخاري ومسلم في " صحيحيهما " حديث الحسن عن معقل. وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم اختلافا كثيرا، ورويت عنهم قضايا متعددة.

стр. 1475

وقد دل الدليل على أنه يستحق السدس، وأنه فرضه، فإذا صار إليه زيادة عليه؛ فهو طعمة، وذلك كما في حديث عمران. وإنما قيدنا استحقاقه للسدس بعدم المسقط؛ لأنه إذا كان معه من يسقطه كالأب؛ فلا شيء له، وهكذا إذا كان مع الجد؛ من يسقطه الجد فله بالميراث كله. أقول: ليس في الأحاديث المتقدمة ذكر من كان معه من الورثة، ولم يبق بعد ذلك إلا مجرد روايات من علماء الصحابة ومن بعدهم، وتمثيلات وتشبيهات ليست من الحجة في شيء، ولا يبعد أن يقال: بأنه أحق الميراث من الأخوة والأخوات مطلقا؛ لأنه إن لم يكن والدا حقيقة، فهو بمنزلة الوالد، والأب يسقط الأخوة والأخوات مطلقا. ومن زعم أنه وجد في الأب من المزايا ما لا يشاركه فيها الجد؛ فعليه الدليل، ومن قال: إن ثم دليلا يقتضي أن الجد يقاسم الأخوة، ويأخذ الباقي بعد الأخوات؛ فعليه أيضا الدليل. ( [بيان أنه لا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الابن أو ابن الابن أو الأب] :) (ولا ميراث للإخوة والأخوات مطلقا مع الابن أو ابن الابن أو الأب) ، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. ( [بيان الخلاف في ميراث الإخوة والأخوات مع الجد] :) (وفي ميراثهم مع الجد خلاف) ؛ لعدم ورود الدليل الذي تقوم به الحجة:

стр. 1476

فذهب جماعة من الصحابة - منهم أبو بكر - وعمر - إلى أن الجد أولى من الإخوة، وذهب جماعة - منهم علي وابن مسعود وزيد بن ثابت - إلى أن الجد يقاسم الإخوة. والخلاف في المسألة يطول، فمن قال: إنه يسقط الإخوة؛ قال: إنه يصدق عليه اسم الأب، وأجاب الآخرون بأنه مجاز لا تقوم به الحجة. ووقع الخلاف في كيفية المقاسمة؛ كما هو مبين في كتب الفرائض. ( [بيان أن الأخوة يرثون مع البنات؛ إلا الأخوة لأم] :) (ويرثون) ؛ أي: الأخوة (مع البنات؛ إلا الإخوة لأم) ؛ لحديث جابر عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، والحاكم، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع؛ قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا بمال؟ فقال: " يقضي الله في ذلك "، فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما، فقال: " أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك " (١) ، فهذا دليل على ميراث الإخوة مع البنات. وأما الإخوة لأم؛ فلا يرثون مع البنت؛ لقوله - تعالى -: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ الآية، وهي في الإخوة لأم كما في بعض القراءات. ( [بيان أن الأخ لأب يسقط مع الأخ لأبوين] :) (ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين) ؛ لحديث علي، قال: إنكم تقرؤون

стр. 1477

هذه الآية: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ ، وإن رسول ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات؛ الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم، وفي إسناده الحارث الأعور (١) . ولكنه قد وقع الإجماع على ذلك، والمراد بالأعيان: الإخوة لأبوين، والمراد ببني العلات: الإخوة لأب، ويقال للإخوة لأم: الأخياف. ( [المرتبة الثالثة: للورثة ذوي الأرحام] :) (وأولو الأرحام يتوارثون، وهم أقدم من بيت المال) ؛ لقوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ ؛ فإنها تفيد أنه إذا مات ميت، ولا وارث له إلا من هو من ذوي أرحامه - وهو من عدا العصبات وذوي السهام في مصطلح أهل الفرائض - فإنه يرثه، وقوله - تعالى -: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾ ، ولفظ الرجال والنساء والأقربين يشمل ذوي الأرحام. ومما يؤيد ذلك: حديث المقدام بن معد يكرب عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، والنسائي، والحاكم، وابن حبان وصححاه، عن النبي ﷺ قال: " من ترك مالا فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له؛ أعقل عنه وأرثه،

стр. 1478

والخال وارث من لا وارث له؛ يعقل عنه ويرثه ". وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسنه، من حديث عمر، عن النبي ﷺ ، بلفظ: " والخال وارث من لا وارث له ". وأخرجه بهذا اللفظ من حديث عائشة: الترمذي، والنسائي، والدارقطني، وحسنه الترمذي، وأعله الدارقطني بالاضطراب. وأخرجه عبد الرزاق عن رجل من أهل المدينة. وأخرجه العقيلي، وابن عساكر عن أبي الدرداء. وأخرجه ابن النجار عن أبي هريرة. كلها مرفوعة؛ وهو حديث له طرق؛ أقل أحواله أن يكون حسنا لغيره. ومن ذلك: حديث: " ابن أخت القوم منهم "، وهو حديث صحيح. ومن ذلك: ما ثبت من جعله ﷺ ميراث ابن الملاعنة لورثة أمه، وهم لا يكونون إلا ذوي الأرحام. والكلام على هذه الأحاديث مبسوط في " شرح المنتقى ". ويمكن أن يقال: إن حديث: " فما أبقت الفرائض؛ فلأولى رجل ذكر ": يدل على أن الذكور من ذوي الأرحام أولى من الإناث، فيكون حديث نفي ميراث العمة والخالة مفيدا لهذا المعنى ومقويا له؛ مع حديث: " الخال وارث ".

стр. 1479

وبذلك يجمع بين الأحاديث. وقد قال بمثل ذلك أبو حنيفة، وقد اختلف في ذلك الصحابة فمن بعدهم، وإلى توريث ذوي الأرحام ذهب الجمهور. وهذه الأدلة - كما تفيد إثبات التوارث بين ذوي الأرحام - تفيد تقديمهم على بيت المال، ومما يؤيد ذلك: حديث عائشة عند أحمد، وأهل " السنن "، وحسنه الترمذي: أن مولى للنبي ﷺ خر من عذق نخلة، فمات، فأتي به النبي ﷺ ، فقال: " هل له من نسب أو رحم؟ "، قالوا: لا، قالوا: " أعطوا ميراثه بعض أهل قريته ". فقوله: " أو رحم ": فيه دليل على تقديم ميراث ذوي الأرحام على الصرف إلى بيت مال المسلمين. وأخرج أبو داود، من حديث ابن عباس، قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما من الآخر، فنسخ ذلك آية الأنفال، فقال: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ ، وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، وفيه مقال. وأخرجه أيضا الدارقطني. وأخرج نحوه ابن سعد، عن أبي الزبير. وفي ذلك دليل على أن الآية في توريث ذوي الأرحام محكمة، وبها

стр. 1480

نسخ ما كان من الميراث بالمخالفة. ( [متى يصار إلى العول ؟] :) (فإن تزاحمت الفرائض فالعول) (١) ، وذلك هو الحق الذي لا يمكن الوفاء بما أمر الله به؛ إلا بالمصير إليه. وقد أوضح الماتن ذلك في رسالة مستقلة سماها " إيضاح القول في إثبات مسألة العول "، ودفع جميع ما قاله النافون للعول. وقد أوضحت المقام في " دليل الطالب على أرجح المطالب "، فليراجع. ( [من يرث ولد الملاعنة والزانية ؟] :) (ولا يرث ولد الملاعنة والزانية؛ إلا من أمه وقرابتها، والعكس) ؛ لحديث سهل بن سعد في " الصحيحين " وغيرهما في حديث الملاعنة: " أن ابنها كان ينسب إلى أمه، فجرت السنة: أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها ". وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ : أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. وفي إسناده أبو محمد (٢) .

стр. 1481

وأخرج أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث واثلة ابن الأسقع: أن النبي ﷺ قال: " إن المرأة تحوز ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عنه "؛ قال الترمذي: حسن غريب، وفي إسناده عمر بن روبة (١) التغلبي، وفيه مقال. وقد صحح هذا الحديث الحاكم. وأخرج أحمد، وأبو داود، من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا مساعاة (٢) في الإسلام، من ساعى في الجاهلية؛ فقد ألحقته بعصبته، ومن ادعى ولدا من غير رشدة (٣) ؛ فلا يرث ولا يورث ". وأخرج الترمذي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : " أيما رجل عاهر بحرة أو أمة؛ فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث "؛،

стр. 1482

وفي إسناده أبو محمد عيسى بن موسى القرشي الدمشقي؛ قال البيهقي: ليس بمشهور (١) . وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن شعيب - أيضا - عن أبيه، عن جده: أن النبي ﷺ قضى أن كل مستلحق ولد زنا لأهل أمه من كانوا حرة أو أمة، وذلك فيما استلحق في أول الإسلام. وفي إسناده محمد بن راشد المكحولي الشامي، وفيه مقال (٢) . وقد أجمع العلماء على أن ولد الملاعنة وولد الزنا لا يرثان من الأب، ولا من قرابته، ولا يرثونهما، وأن ميراثهما يكون لأمهما ولقرابتها، وهما يرثان منهم. ( [متى يرث المولود ؟] :) (ولا يرث المولود إلا إذا استهل) ؛ لحديث أبي هريرة عند أبي داود، عن النبي ﷺ قال: " إذا استهل المولود ورث " (٣) ، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال معروف. وقد روي عن ابن حبان تصحيحه. وأخرج أحمد في رواية ابنه عبد الله في " المسند " عن المسور بن مخرمة

стр. 1483

وجابر بن عبد الله، قالا: قضى رسول الله ﷺ : " لا يرث الصبي حتى يستهل " (١) . وأخرجه أيضا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، بلفظ: " إذا استهل السقط صلي عليه وورث " (١) ، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف. قال الترمذي: وروي مرفوعا، والموقوف أصح، وبه جزم النسائي، وقال الدارقطني في " العلل ": لا يصح رفعه. والمراد بالاستهلال: صدور ما يدل على حياة المولود من صياح، أو بكاء، أو نحوهما. ولا خلاف بين أهل العلم في اعتبار الاستهلال في الإرث. (وميراث العتيق لمعتقه، ويسقط بالعصبات، وله الباقي بعد ذوي السهام) ؛ لحديث: " الولاء لمن أعتق "، وهو ثابت في " الصحيح ". وأخرج أحمد عن قتادة، عن سلمى بنت حمزة: " أن مولاها مات وترك ابنته، فورث النبي ﷺ ابنته النصف، وورث يعلى النصف، وكان ابن سلمى " (٢) ، ورجال أحمد رجال الصحيح، ولكن

стр. 1484

قتادة لم يسمع من سلمى بنت حمزة. وأخرجه أيضا الطبراني. وأخرج الدارقطني من حديث ابن عباس: " أن مولى لحمزة توفي وترك ابنته وابنة حمزة، فأعطى النبي ﷺ ابنته النصف، وابنة حمزة النصف ". وأخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابنة حمزة. وكذلك أخرجه النسائي، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف. وقد وقع الاختلاف في اسم ابنة حمزة، فقيل: سلمى، وقيل: فاطمة. وفي الحديثين دليل على أن لذوي سهام العتيق سهامهم، والباقي للمعتق أو لعصبته. وقد وقع الخلاف فيمن ترك ذوي أرحامه ومعتقه؛ فروي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس: أن مولى العتاق لا يرث؛ إلا بعد ذوي الأرحام، وذهب غيرهم إلى أنه يقدم على ذوي الأرحام، ويأخذ الباقي بعض ذوي السهام، ويسقط بالعصبات. وقد روي: أن المولى كان لحمزة، واستدل به من قال: إنه يكون لذوي سهام المعتق الباقي بعد ذوي سهام العتيق.

стр. 1485

والصحيح: أنه مولى ابنة حمزة. وقد أخرج ابن أبي شيبة، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: " إن ميراث الولاء للأكبر من الذكور، ولا ترث النساء من الولاء؛ إلا ولاء من أعتقن، أو أعتقه من أعتقن " (١) . وأخرج البيهقي، عن علي، وعمر، وزيد بن ثابت: أنهم كانوا لا يورثون النساء من الولاء؛ إلا ولاء من أعتقن (١) . وأخرج البرقاني على شرط الصحيح، عن هذيل بن شرحبيل، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن الزبير، فقال: إني أعتقت عبدا لي وجعلته سائبة، فمات وترك مالا ولم يدع وارثا؟ قال عبد الله: إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإنما كان أهل الجاهلية يسيبون، وأنت ولي نعمته؛ فلك ميراثه، وإن تأثمت وتحرجت في شيء؛ فنحن نقبله ونجعله في بيت المال. ( [بيان تحريم بيع الولاء وهبته] :) (ويحرم بيع الولاء وهبته) ؛ لحديث ابن عمر في " الصحيحين "، وغيرهما عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيع الولاء وهبته. وفي الباب أحاديث - قد تقدم بعضها -:

стр. 1486

منها: حديث: " الولاء لحمة كلحمة النسب؛ لا يباع ولا يوهب " (١) ، وقد صححه ابن حبان. والبيهقي من حديث ابن عمر أيضا. وقد ذهب الجمهور إلى عدم جواز بيع الولاء وهبته، وخالف في ذلك مالك، وتقدمه بعض الصحابة. ( [لا توارث بين ملتين] :) (ولا توارث بين أهل ملتين) ؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، وابن السكن، من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: " لا يتوارث أهل ملتين شتى ". وأخرج الترمذي، من حديث جابر مثله بدون لفظ: " شتى (٢) "، وفي إسناده ابن أبي ليلى. وأخرج البخاري، وغيره من حديث أسامة، عن النبي ﷺ

стр. 1487

- قال: " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم "؛ وهو أيضا في " مسلم ". وأخرج البخاري، وغيره حديث: " وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ ! "، وكان عقيل وطالب كافرين. وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يرث المسلم من الكافر، ولا الكافر من المسلم، والخلاف في توارث الملل الكفرية المختلفة. وعموم حديث عبد الله بن عمرو وجابر يقتضي عدم التوارث. قال في " المسوى ": " والكفر ملة واحدة؛ يرث اليهودي من النصراني، وبالعكس ". أقول: وأما المرتد؛ فكافر ليس من أهل ملة الإسلام، فقد شملته الأحاديث المتقدمة. فمن زعم أنه يرث مال المرتد قرابته المسلمون؛ فعليه الدليل الصالح للتخصيص. ( [بيان أنه لا يجوز للقاتل أن يرث من المقتول] :) (ولا يرث القاتل من المقتول) ؛ لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: " لا يرث القاتل شيئا ".

стр. 1488

أخرجه أبو داود (١) والنسائي، وأعله الدارقطني، وقواه ابن عبد البر. وأخرج مالك في " الموطأ "، وأحمد، وابن ماجه، والنسائي، والشافعي، وعبد الرزاق، والبيهقي عن عمر بن الخطاب، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " ليس لقاتل ميراث " وفيه انقطاع. وأخرج الدارقطني، من حديث ابن عباس مرفوعا: " لا يرث القاتل شيئا " وفي إسناده كثير بن سليم (٢) ، وهو ضعيف. وأخرج البيهقي عنه حديثا آخر بلفظ: " من قتل قتيلا فإنه لا يرثه؛ وإن لم يكن له وارث غيره ". وفي لفظ: " وإن كان والده أو ولده "، وفي إسناده عمرو بن برق (٣) ، وهو ضعيف. وأخرج الترمذي، وابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ: " القاتل لا

стр. 1489

يرث " وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو ضعيف. وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، وهي تدل على أنه لا يرث القاتل؛ من غير فرق بين العامد والخاطئ، وبين الدية وغيرها من مال المقتول. وإليه ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأكثر أهل العلم. وقال مالك والنخعي: إن قاتل الخطأ يرث من المال دون الدية، وهو تخصيص بغير مخصص (١) . ويرده على الخصوص ما أخرجه الطبراني: أن عمر بن شيبة (٢) قتل امرأته خطأ، فقال النبي ﷺ : " أعقلها ولا ترثها ". وما أخرجه البيهقي: أن عديا الجذامي (٣) كان له امرأتان اقتتلتا، فرمى إحداهما فماتت، فلما قدم رسول الله ﷺ أتاه

стр. 1490

فذكر ذلك له، فقال له: " أعقلها ولا ترثها ". وأخرج البيهقي أيضا: أن رجلا رمى بحجر فأصاب أمه، فطالب في ميراثها، فقال له ﷺ : " حقك من ميراثها الحجر "، وأغرمه الدية، ولم يعطه من ميراثها شيئا. وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة مصرحة بذلك؛ ساقها البيهقي وغيره. قلت: وعليه عامة أهل العلم: أن من قتل مورثه لا يرثه؛ عمدا كان القتل أو خطأ. إلا أن أبا حنيفة قال: قتل الصبي لا يمنع الميراث! كذا في " المسوى ". ( [بيان إرث المماليك] :) وأما إرث المماليك من بعضهم البعض، أو من مواليهم؛ فقد قيل: إنه وقع الإجماع على أن الرق من موانع الإرث، وفي دعوى الإجماع نظر؛ فإن الخلاف في كون العبد يملك أو لا يملك معروف، ومقتضى ذلك إثبات الميراث. وليس في المقام ما يدل على عدم الإرث، وقد ورد من حديث ابن عباس: أن رجلا مات على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم

стр. 1491

-، ولم يترك وارثا إلا عبدا؛ فأعطاه ميراثه، أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، وحسنه الترمذي (١) ، وقد قيل: إنه صرف إليه ذلك صرفا، وهو خلاف الظاهر.

стр. 1492

(الكتاب الحادي والثلاثون: كتاب الجهاد والسير)

стр. 1493

(٣١ - كتاب الجهاد والسير) ( [الفصل الأول: أحكام الجهاد] ) ( [فضل الجهاد والترغيب فيه] :) (الجهاد) (١) ؛ قد ورد في فضله والترغيب فيه من الكتاب والسنة ما هو معروف، وقد أفرد ذلك بالتأليف جماعة من أهل العلم، وحررت فيه كتاب " العبرة بما جاء في الغزو والشهادة والهجرة "، وهو أجمع ما جمع في ذلك في هذا القطر والعصر. وقد أمر الله بالجهاد بالأنفس والأموال، وأوجب على عباده أن ينفروا إليه، وحرم عليهم التثاقل عنه. وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لغدوة (٢) أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها "، وهو في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث أنس.

стр. 1494

وثبت عنه ﷺ أنه قال: " إن الجنة تحت ظلال السيوف "، كما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي موسى، وابن أبي أوفى. وثبت في " صحيح البخاري "، وغيره: أن النبي ﷺ قال: " من اغبرت قدماه في سبيل الله؛ حرمه الله على النار ". وثبت عنه ﷺ أنه قال: " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها "، كما في " الصحيحين " من حديث سهل بن سعد. وأخرج أهل " السنن " (١) - وصححه الترمذي - من حديث معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال: " من قاتل في سبيل الله فواق (٢) ناقة؛ وجبت له الجنة ". فناهيك بعمل يوجب الله لصاحبه الجنة، ويحرمه على النار، ويكون مجرد الغدو إليه أو الرواح منه خيرا من الدنيا وما فيها. ( [متى يكون الجهاد فرض عين؟ ومتى يكون فرض كفاية ؟] :) (فرض كفاية) ؛ لما أخرجه أبو داود، عن ابن عباس قال: " ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ ، و ﴿ما كان لأهل المدينة﴾ إلى قوله: ﴿يعملون﴾ :

стр. 1495

نسختها الآية التي تليها: ﴿وما كان المؤمنون﴾ "، وقد حسنه ابن حجر (١) . قال الطبري: يجوز أن يكون ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ خاصا، والمراد به من استنفره النبي ﷺ فامتنع، قال ابن حجر: والذي يظهر لي أنها مخصوصة وليست بمنسوخة، وقد وافق ابن عباس على دعوى النسخ عكرمة والحسن البصري؛ كما روى ذلك الطبري عنهما. ومن الأدلة الدالة على أنه فرض كفاية: أنه كان ﷺ يغزو تارة بنفسه، وتارة يرسل غيره ويكتفي ببعض المسلمين، وقد كانت سراياه وبعوثه متعاقبة، والمسلمون بعضهم في الغزو وبعضهم في أهله. وإلى كونه فرض كفاية ذهب الجمهور. وقال الماوردي: إنه كان فرض عين على المهاجرين دون غيرهم. وقال السهيلي: كان عينا على الأنصار. وقال ابن المسيب: إنه فرض عين. وقال قوم: إنه كان فرض عين في زمن الصحابة. أقول: الأدلة الواردة في فرضية الجهاد كتابا وسنة: أكثر من أن تكتب

стр. 1496

ههنا، ولكن لا يجب ذلك إلا على الكفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، وقبل أن يقوم به البعض هو فرض عين على كل مكلف، وهكذا يجب على من استنفره الإمام أن ينفر، ويتعين ذلك عليه ولهذا توعد الله - سبحانه - من لم ينفر مع رسول الله ﷺ . ويدل على عدم وجوب الجهاد على الجميع قوله : ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، فتحمل هذه الآية على أنه قد قام بالجهاد من المسلمين من يكفي، وأن الإمام لم يستنفر غير من قد خرج للجهاد. وبهذا تعرف أن الجمع بين هذه الآيات ممكن، فلا يصار إلى القول بالترجيح أو النسخ. وأما غزو الكفار، ومناجزة أهل الكفر، وحملهم على الإسلام، أو تسليم الجزية، أو القتل؛ فهو معلوم من الضرورة الدينية؛ ولأجله بعث الله - تعالى - رسله وأنزل كتبه، وما زال رسول الله ﷺ منذ بعثه الله - سبحانه إلى أن قبضه إليه جاعلا هذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شؤونه. وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام، ولا لبعضها. وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة؛ فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال؛ مع ظهور القدرة عليهم، والتمكن من حربهم، وقصدهم إلى ديارهم (١) . وأما غزو البغاة إلى ديارهم - فإن كان ضررهم يتعدى إلى أحد من أهل

стр. 1497

الإسلام؛ إذا ترك المسلمون غزوهم إلى ديارهم - فذلك واجب دفعا لضررهم، وإن كان ضررهم لا يتعدى؛ فقد أخلوا بواجب الطاعة للإمام، والدخول فيما دخل فيه سائر المسلمين، ولا شك أن ذلك معصية عظيمة. لكن إذا كانوا مع هذا مسلّمين للواجبات، غير ممتنعين من تأدية ما يجب تأديته عليهم؛ تركوا وشأنهم؛ مع تكرير الموعظة لهم، وإقامة الحجة عليهم. وأما إذا امتنعوا من ذلك؛ فقد تظاهروا بالبغي، وجاهروا بالمعصية، وقد قال الله : ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ ، وقد أجمع الصحابة على العزيمة التي عزمها أبو بكر الصديق ﵁ من المقاتلة لمن فرق بين الصلاة والزكاة. وسيأتي الكلام على صفة مقاتلة البغاة في الفصل الذي عقده الماتن لذلك. ( [لا يشترط السلطان العادل لوجوب الجهاد] :) (مع كل بر وفاجر) ؛ لأن الأدلة الدالة على وجوب الجهاد - من الكتاب والسنة - وعلى فضيلته والترغيب فيه وردت غير مقيدة بكون السلطان أو أمير الجيش عادلا. بل هذه فريضة من فرائض الدين، أوجبها الله - تعالى - على عباده المسلمين؛ من غير تقييد بزمن أو مكان أو شخص، أو عدل أو جور. فتخصيص وجوب الجهاد بكون السلطان عادلا ليس عليه أثارة من علم، وقد يبلي الرجل الفاجر في الجهاد ما لا يبليه البار العادل، وقد ورد بهذا الشرع؛ كما هو معروف.

стр. 1498

وأخرج أحمد في " المسند " - من رواية ابنه عبد الله (١) -، وأبو داود (٢) ، وسعيد بن منصور من حديث أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، لا تكفره بذنب، ولا تخرجه عن الإسلام بعمل، والجهاد ماض مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ". ولا يعتبر في الجهاد إلا أن يقصد المجاهد بجهاده أن تكون كلمة الله هي العليا كما ثبت في حديث أبي موسى في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء؛ فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله ". ( [في جهاد التطوع: لا بد من إذن الوالدين] :) (إذا أذن الأبوان) ؛ لحديث عبد الله بن عمرو، قال: جاء رجل إلى النبي

стр. 1499

- ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال: " أحي والداك؟ "، قال: نعم، قال: " ففيهما فجاهد " (١) . وفي رواية لأحمد، وأبي داود، وابن ماجه: قال: يا رسول الله ﴿إني جئت أريد الجهاد معك، ولقد أتيت وإن والدي يبكيان؟ قال: " فارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما ". وقد أخرج هذا الحديث مسلم من وجه آخر (٢) . وأخرج أبو داود (٣) من حديث أبي سعيد، أن رجلا هاجر إلى النبي ﷺ من اليمن، فقال: " هل لك أحد باليمن؟ "، فقال: أبواي، فقال: " أذنا لك؟ "، فقال: لا، فقال: " ارجع إليهما واستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد؛ وإلا فبرهما "، وصححه ابن حبان. وأخرج أحمد (٤) والنسائي، والبيهقي من حديث معاوية بن جاهمة السلمي: أن جاهمة أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله﴾ أردت الغزو، وجئتك أستشيرك،؟ فقال: " هل لك من أم؟ "، قال: نعم، فقال: " الزمها؛ فإن الجنة عند رجليها "، وقد اختلف في إسناده اختلافا كثيرا.

стр. 1500

وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجب استئذان الأبوين في الجهاد، ويحرم إذا لم يأذنا أو أحدهما؛ لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، قالوا: وإذا تعين الجهاد فلا إذن. ويدل على ذلك ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن عمر (١) ، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأل عن أفضل الأعمال؟ قال: " الصلاة "، قال: ثم مه؟ قال: " الجهاد "، قال: فإن لي والدين، قال: " آمرك بوالديك خيرا "، فقال: والذي بعثك نبيا؛ لأجاهدن ولأتركنهما، قال: " فأنت أعلم ". قالوا: وهو محمول على جهاد فرض العين، أي: حيث يتعين على من له أبوان أو أحدهما؛ توفيقا بين الحديثين (٢) . ( [الجهاد بإخلاص يكفر الخطايا؛ إلا حقوق الآدميين] :) (وهو مع إخلاص النية يكفر الخطايا؛ إلا الدين) ؛ لحديث أبي قتادة عند مسلم، وغيره أن رجلا قال: يا رسول الله ﴿أرأيت إن قتلت في سبيل الله؛ يكفر عن خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ :

стр. 1501

" نعم؛ وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر؛ إلا الدين؛ فإن جبرائيل ﵇ قال لي ذلك ". وأخرج مثله أحمد (١) والنسائي من حديث أبي هريرة. وأخرج مسلم، وغيره من حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " يغفر الله للشهيد كل ذنب؛ إلا الدَّين فإن جبرائيل ﵇ قال لي ذلك ". وأخرج الترمذي - وحسنه - من حديث أنس نحوه. (ولحق به) ؛ أي: بالدين كل (حقوق الآدميين) ؛ من غير فرق بين دم، أو عرض، أو مال؛ إذ لا فرق بينها. ( [بيان حكم الاستعانة بالمشركين في الجهاد] :) (ولا يستعان فيه) ؛ أي: في الجهاد (بالمشركين؛ إلا لضرورة) ؛ لقوله ﷺ لمن أراد الجهاد معه من المشركين: " ارجع فلن أستعين بمشرك "، فلما أسلم استعان به، وهو في " صحيح مسلم "، وغيره من حديث أبي هريرة (٢) .

стр. 1502

وأخرج أحمد، والشافعي، والبيهقي، والطبراني نحوه من حديث حبيب (١) بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، ورجال إسناده ثقات. وأخرج أحمد، والنسائي، من حديث أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تستضيئوا بنار المشركين "، وفي إسناده أزهر بن راشد، وهو ضعيف، وبقية إسناده ثقات. وقد أخرج الشافعي (٢) من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ استعان بناس من اليهود يوم خيبر. وأخرجه أبو داود في " مراسيله " من حديث الزهري. وأخرجه أيضا الترمذي مرسلا. وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث ذي مخبر (٣) قال:

стр. 1503

سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ستصالحون الروم صلحا، وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم ". وقد ذهب جماعة من العلماء إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وذهب آخرون إلى جوازها. وقد استعان النبي ﷺ بالمنافقين في يوم أحد، وانخزل (١) عنه عبد الله بن أبي بأصحابه. وكذلك استعان بجماعة منهم في يوم حنين. وقد ثبت في السير أن رجلا يقال له: قزمان، خرج مع النبي ﷺ يوم أحد وهو مشرك، فقتل ثلاثة من بني عبد الدار حملة لواء المشركين؛ حتى قال ﷺ : " إن الله ليأزر (٢) هذا الدين بالرجل الفاجر ". وخرجت خزاعة مع النبي ﷺ على قريش عام الفتح وهم مشركون. فيجمع بين الأحاديث؛ بأن الاستعانة بالمشركين لا تجوز إلا لضرورة؛ لا إذا لم تكن ثم ضرورة (٣) .

стр. 1504

( [متى تجب على الجيش طاعة الأمير ؟] :) (وتجب على الجيش طاعة أميرهم؛ إلا في معصية الله) ؛ لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما، أن النبي ﷺ قال: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني ". وعن ابن عباس في قوله - تعالى -: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ ؛ قال: " نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، بعثه رسول الله ﷺ في سرية ". أخرجه أحمد (١) ، وأبو داود، وهو في " الصحيحين ". وفيهما - أيضا - من حديث علي، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فعصوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا، ثم قال: أوقدوا نارا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا وتطيعوا! ؟ فقالوا: بلى، قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال:

стр. 1505

" لو دخلوها لم يخرجوا منها أبدا "، وقال: " لا طاعة في معصية الله؛ إنما الطاعة في المعروف ". والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيها التصريح بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما تجب طاعة الأمراء ما لم يأمروا بمعصية الله. ( [على الأمير مشاورة الغزاة والرفق بهم] :) (وعليه) ؛ أي: على الأمير (مشاورتهم، والرفق بهم، وكفهم عن الحرام) ؛ لدخول ذلك تحت قوله: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ ، وقد كان رسول الله ﷺ يشاور الغزاة معه في كل ما ينوبه، ووقع منه ذلك في غير موطن. وأخرج مسلم، وغيره من حديث أنس: أن النبي ﷺ شاور أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان ... ، والقصة مشهورة، وأجاب عليه سعد بن عبادة بقوله: " والذي نفسي بيده؛ لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ". وأخرج أحمد، والشافعي (١) من حديث أبي هريرة، قال: ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ . وأخرج مسلم، وغيره من حديث عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اللهم ﴿من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم؛ فارفق به ".

стр. 1506

وأخرج مسلم - أيضا - من حديث معقل بن يسار، عن النبي ﷺ ، قال: " ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجتهد لهم، ولا ينصح لهم؛ إلا لم يدخل الجنة ". وأخرج أبو داود (١) من حديث جابر، قال: " كان رسول الله ﷺ يتخلف في المسير، فيرجي الضعيف، ويردف ويدعو لهم ". وأخرج أحمد، وأبو داود من حديث سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة كذا وكذا، فضيق الناس الطريق، فبعث رسول الله ﷺ مناديا فنادى: " من ضيق منزلا، أو قطع طريقا؛ فلا جهاد له ". وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وسهل بن معاذ ضعيف (٢) . وقد جاءت الأدلة المفيدة للقطع بوجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن

стр. 1507

المنكر، وأحق الناس بذلك الأمير. ( [مشروعية التورية إذا أراد غزوا] :) (ويشرع للإمام إذا أراد غزوا أن يوري بغير ما يريده) ؛ لحديث كعب بن مالك، عن النبي ﷺ : أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وهو في " الصحيحين "، وغيرهما. ( [مشروعية الاستطلاع إذا أراد الإمام غزوا] :) (و) يشرع له (أن يذكي (١) العيون، ويستطلع الأخبار) ؛ لحديث جابر في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب: " من يأتيني بخبر القوم؟ "، قال الزبير: أنا ... الحديث. وثبت في " صحيح مسلم "، وغيره: أن النبي ﷺ بعث عينا ينظر عير أبي سفيان. وثبت أنه بعث من يأتيه بمقدار جيش المشركين يوم بدر، وغيره. وكان يأمر من يستطلع أخبار العدو، ويقف في المواضع التي بينه وبينهم. وذلك مدون في الكتب الموضوعة في السيرة والغزوات. ( [مشروعية ترتيب الجيش واتخاذ الرايات] :) (و) يشرع له أن (يرتب الجيوش، ويتخذ الرايات والألوية) ، وقد وقع منه

стр. 1508

صلى الله عليه وسلم من ترتيب جيوشه عند ملاقاته للعدو ما هو مشهور، وكان يأمر بعضا يقف في هذا المكان، وآخرين في المكان الآخر، وقال للرماة يوم أحد: إنهم يقفون حيث عينه لهم، ولا يفارقوا ذلك المكان، ولو تخطفه هو ومن معه الطير. وقد كانت له رايات؛ كما في حديث ابن عباس عند الترمذي (١) ، وأبي داود، قال: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض. وأخرج أبو داود من حديث سماك بن حرب، عن رجل من قومه، عن آخر منهم، قال: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء، وفي إسناده مجهول. وأخرج أهل " السنن "، والحاكم، وابن حبان من حديث جابر: أن النبي ﷺ دخل مكة ولواؤه أبيض (٢) . وفي حديث الحارث بن حسان: أنه رأى في مسجد رسول الله ﷺ رايات سودا، أخرجه الترمذي، وابن ماجه، ورجاله رجال الصحيح. وفي الباب أحاديث. ( [وجوب الدعوة قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال] :) (وتجب الدعوة قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال: إما الإسلام، أو

стр. 1509

الجزية، أو السيف) ؛ لحديث سليمان بن بريدة، عن أبيه عند مسلم، وغيره قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية؛ أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: " اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين؛ فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام؛ فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها؛ فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا؛ فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، وإن أبوا؛ فاستعن بالله عليهم وقاتلهم ... " الحديث. وفي الباب أحاديث. وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تقديم الدعوة لمن لم تبلغهم الدعوة، ولا تجب لمن قد بلغتهم. وذهب قوم إلى الوجوب مطلقا. وقوم إلى عدم الوجوب مطلقا. ( [حكم قتل النساء والشيوخ والأطفال] :) (ويحرم قتل النساء والأطفال والشيوخ إلا) ؛ أن يقاتلوا، فيدفعوا بالقتل

стр. 1510

(لضرورة) ؛ لحديث ابن عمر في " الصحيحين "، وغيرهما، قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ﷺ ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان. وأخرج أبو داود من حديث أنس: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا صغيرا، ولا امرأة "، وفي إسناده خالد بن الفرز (١) ، وفيه مقال. وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من حديث رباح (٣) بن ربيع؛ أنه قال ﷺ : " لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا "، والعسيف: الأجير. وأخرج أحمد (٤) من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: " لا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع "، وفي إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وهو ضعيف، وقد وثقه أحمد. وأخرج أحمد أيضا، والإسماعيلي في " مستخرجه " من حديث كعب بن
следующие страницы →