← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(٣ -[انقطاع الحيض] ، ٤ -[والنفاس] :) (وب انقطاع الحيض والنفاس) ولا خلاف في ذلك. وقد دل عليه نص القرآن ومتواتر السنة، وكذلك وقع الإجماع على وجوبه بانقطاع النفاس. (٥ - [الاحتلام مع وجود بلل] :) (و) كذلك وقع الإجماع على وجوبه (بالاحتلام) ؛ إلا ما يُحكى عن النخعي - رحمه الله تعالى -، ولكنه إنما يجب إذا وجد المحتلم بللاً. (مع وجود بلل) : كما في حديث عائشة ﵂، قالت: سئل رسول الله [ ﷺ ] عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً؟ فقال: " يغتسل "، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ فقال: " لا غسل عليه "؛ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه ﵏ ورجاله رجال الصحيح؛ إلا عبد الله بن عمر العمري؛ وفيه مقال خفيف (١) . وأخرج نحوه أحمد والنسائي - رحمهما الله - من حديث خولة بنت حكيم - رضي الله تعالى عنها -. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما - رحمهم الله تعالى - من حديث أم سلمة - رضي الله تعالى عنها -: أن أم سليم - رضي الله تعالى عنها - قالت:

стр. 177

يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق؛ فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال: " نعم؛ إذا رأت الماء ". وهذه الأحاديث ترد على من اعتبر أن يحصل للمحتلم شهوة ويتيقن ذلك. والمراد من البلل المني، فإن رأى بللاً ولم يتيقن أنه مني؛ لم يجب الغسل عند أكثر أهل العلم. قال في " الحجة ": " أراد الحكم على البلل دون الرؤيا؛ لأن الرؤيا تكون تارة حديث نفس، ولا تأثير له، وتارة تكون قضاء شهوة، ولا تكون بغير بلل، فلا يصلح لإدارة الحكم إلا البلل. وأيضا؛ فإن البلل شيء ظاهر يصلح للانضباط، وأما الرؤيا فإنها كثيراً ما تُنسى ". انتهى. (٦ - [الموت] :) (وبالموت) : المراد وجوب ذلك على الأحياء؛ إذ لا وجوب بعد الموت من الواجبات المتعلقة بالبدن؛ أي: يجب على الأحياء أن يغسلوا من مات. وقد حكى المهدي في " البحر " والنووي ﵀، الإجماع على وجوب غسل الميت، وناقش في ذلك بعض المتأخرين مناقشة واهية. وسيأتي الكلام على غسل الميت، وصفته وتفاصيله - إن شاء الله تعالى -.

стр. 178

وفي " الحجة ": وأما غسل الميت: فلأن الرشاش ينتشر في البدن. وجلست عند محتضر، فرأيت أن الملائكة الموكلة بالقبض لها نكاية عجيبة في المحتضرين، ففهمت أنه لا بد من تغيير الحالة لتنبه النفس لمخالفها. (٧ - [إسلام الكافر] :) (وبالإسلام) : وجهه ما أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن حبان، وابن خزيمة ﵏ عن قيس بن عاصم ﵁: أنه أسلم، فأمره النبي [ ﷺ ] أن يغتسل بماء وسدر. وصححه ابن السكن ﵀. وأخرج أحمد وعبد الرزاق، والبيهقي، وابن خزيمة، وابن حبان ﵏ من حديث أبي هريرة ﵁ أن ثمامة - رضي الله تعالى عنه - أسلم، فقال النبي [ ﷺ ] : " اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل " (١) . وأصله في " الصحيحين "، وليس فيهما الأمر بالاغتسال، بل فيهما أنه اغتسل. قال في " الحجة ": قال (٢) لآخر: " ألق عنك شعر الكفر "؛ وسره أن يتمثل عنده الخروج من شيء، أصرح ما يكون، والله تعالى أعلم. انتهى. وقد ذهب إلى الوجوب أحمد بن حنبل وأتباعه ﵏.

стр. 179

وذهب الشافعي ﵀ إلى عدم الوجوب. والحق الأول. ويؤيده ما وقع منه [ ﷺ ] من الأمر بالغسل عند الإسلام لواثلة بن الأسقع، وقتادة الرهاوي ﵁ كما أخرجه الطبراني ﵀، وأمره أيضا لعقيل بن أبي طالب ﵁، كما أخرجه الحاكم ﵀ في " تاريخ نيسابور "؛ وفي أسانيدها مقال (١) . ( [الفصل الثاني: كيفية الغسل] ) ( [تعريف الغسل] :) (والغسل الواجب هو أن يفيض الماء على جميع بدنه، أو ينغمس فيه) أقول: الغسل شرعاً ولغة هو ما ذُكر. وقد وقع النزاع في دخول الدلك في مسمى الغسل؛ ولكنه لا يخفى أن مجرد بل الثوب أو البدن من دون دلك لا يسمى غسلاً، كما يفهم ذلك من الاستعمالات العربية، وكما يفيد ذلك ما تقدم في بول الصبي: أنه [ ﷺ ] أتبعه الماء ولم يغسله؛ وهو في " صحيح مسلم " ﵀، وغيره. ( [وجوب المضمضة والاستنشاق] :) (مع المضمضة والاستنشاق) : فقد ثبتا في الغسل من فعله [ ﷺ ] ، ووجه الوجوب ما قدمناه في الوضوء.

стр. 180

وفيهما وفي السواك إزالة المخاط والبَخر. (والدلك لما يمكن دلكه، ولا يكون شرعياً إلا بالنية لرفع موجبه) لما قدمناه في الوضوء. ( [مندوبية الوضوء قبل الغسل ما عدا غسل القدمين] :) (ونُدب) لا أنه وجب؛ لأنه يصدق الغسل ويوجد مسماه بالإفاضة على جميع البدن من غير تقدم. (تقديم غسل أعضاء الوضوء إلا القدمين) : لما قد ثبت في " الصحيحين " وغيرهما: أنه كان [ ﷺ ] إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على سائر جسده، ثم يغسل رجليه، وهو من حديث عائشة ﵂. وورد في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ميمونة ﵂ بلفظ: أنه [ ﷺ ] أفرغ على يديه، فغسلهما مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم دلك يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مقامه، فغسل قدميه. وثبت عنه [ ﷺ ] : أنه كان لا يتوضأ بعد الغسل، كما أخرجه أحمد وأهل " السنن " ﵏. وقال الترمذي ﵀: حسن صحيح.

стр. 181

وأخرجه البيهقي ﵀ أيضا بأسانيد جيدة. وقد روى ابن أبي شيبة ﵀، عن ابن عمر ﵁، مرفوعاً وموقوفاً؛ أنه قال - لما سئل عن الوضوء بعد الغسل -: وأي وضوء أعم من الغسل؟ ﴿ (١) وروي عن حذيفة ﵁، أنه قال: أما يكفي أحدكم أن يغتسل من قرنه إلى قدمه، حتى يتوضأ؟﴾ (٢) وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة ﵃ ومن بعدهم، حتى قال أبو بكر ابن العربي: إنه لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل، وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث. وهكذا نقل الإجماع ابن بطّال ﵀. وتُعقِّب بأنه قد ذهب جماعة - منهم أبو ثور، وداود، وغيرهما ﵏ إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء. وأما كون تقديم أعضاء الوضوء غير واجب: فلأنه يصدق الغسل ويوجد مسماه بالإفاضة على جميع البدن؛ من غير تقديم. ( [يستحب التيامن] :) (ثم التيامن) : لثبوته عنه [ ﷺ ] قولاً وفعلاً، عموماً وخصوصاً:

стр. 182

فمن العموم ما ثبت في " الصحيح ": " أنه [ ﷺ ] كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله ". ومن الخصوص ما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما: أنه بدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر في الغسل. وقد ثبت من قوله ما يفيد ذلك؛ ولا خلاف في استحباب التيامن. (فصل: [الأغسال المسنونة] ) (١ - [غسل الجمعة] :) (ويُشرع) ؛ أي: الغسل (لصلاة الجمعة) لحديث: " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل "، وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عمر ﵁. وقد تلقت الأمة هذا الحديث بالقبول، ورواه عن نافع ﵀ نحو ثلاث مئة نفس. ورواه من الصحابة - غير ابن عمر؛ ﵁ نحو أربعة وعشرين صحابياً. وقد ذهب إلى وجوبه جماعة. قال النووي ﵀: حُكي وجوبه عن طائفة من السلف ﵏، حكوه عن بعض الصحابة ﵃، وبه قال أهل الظاهر،

стр. 183

وحكاه ابن المنذر عن أبي هريرة وعمار ﵁، ومالك، وحكاه الخطابي عن الحسن البصري، وحكاه ابن حزم عن جمع من الصحابة ﵃ ومن بعدهم. وذهب الجمهور إلى أنه مستحب، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم بلفظ: " من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت؛ غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة (١) أيام " وبحديث سمرة ﵁، أن النبي [ ﷺ ] قال: " من توضأ للجمعة؛ فبها ونِعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي ﵏، وفيه مقال مشهور، وهو عدم سماع الحسن ﵀ من سمرة ﵀ (٢) ؛ وغير ذلك من الأحاديث، قالوا: وهي صارفة للأمر إلى الندب. ولكنه إذا كان ما ذكروه صالحاً لصرف الأمر؛ فهو لا يصلح لصرف مثل قوله [ ﷺ ] : " حق (٣) على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً؛ يغسل فيه رأسه وجسده "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁. وقد استوفى الماتن ﵀ الكلام على حكم غسل الجمعة في " نيل

стр. 184

الأوطار "، فليرجع إليه. ولا يخفى أن تقييد الغسل بالمجيء للجمعة يدل على أنه للصلاة لا لليوم. (٢ - [غسل العيدين] :) (وللعيدين) : فقد روي من فعله [ ﷺ ] من حديث الفاكه بن سعد ﵁: أنه [ ﷺ ] كان يغتسل يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم النحر؛ أخرجه أحمد، وابن ماجه، والبزار، والبغوي (١) ﵀. وأخرج نحوه ابن ماجه (٢) ﵀ من حديث ابن عباس ﵁. وأخرجه البزار (٣) ﵀ من حديث أبي رافع ﵁. وفي أسانيدها ضعف، ولكنه يقوي بعضها بعضاً (٤) ، ويقوي ذلك آثار عن الصحابة ﵃ جيدة (٥) . أقول: قد روي في ذلك أحاديث لم يصح منها شيء، ولا بلغ شيء.

стр. 185

منها إلى رتبة الحسن لذاته ولا لغيره. وأما اعتبار كون المغتسل يصلي صلاة العيد بذلك الغسل - أي: من دون أن يتخلل بين الغسل وبين الصلاة شيء من الأحداث -: فلا أحفظ فيه حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا قول صحابي، وما أحسن الاقتصار على ما ثبت، وإراحة العباد مما لم يثبت (١) . (٣ - [من غسل الميت] :) (ولمن غسل ميتاً) : وجهه ما أخرجه أحمد، وأهل " السنن " ﵏ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: " من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ "، وقد روي من طرق، وأعل بالوقف، وبأن في إسناده صالحاً - مولى التوأمة ﵀. ولكنه قد حسنه الترمذي ﵀، وصححه ابن القطان ﵀، وابن حزم. وقد روي من غير طريق (٢) . قال الحافظ ابن حجر ﵀: هو - لكثرة طرقه - أسوأ أحواله أن يكون حسنا، فإنكار النووي ﵀ على الترمذي ﵀ تحسينه معترض. وقال الذهبي ﵀: هو أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء

стр. 186

- ﵏. وذكر الماوردي ﵀ أن بعض أصحاب الحديث ﵏ خرّج لهذا الحديث مئة وعشرين طريقا. وقد روي نحوه عن علي ﵁ عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزار، والبيهقي ﵏، وعن حذيفة ﵁ عند البيهقي ﵀. قال ابن أبي حاتم - والدارقطني، رحمهما الله -: لا يثبت. وعن عائشة ﵂ من فعله [ ﷺ ] عند أحمد، وأبي داود - رحمهما الله -. وقد ذهب إلى الوجوب علي وأبو هريرة ﵄، والإمامية. وذهب الجمهور إلى أنه مستحب فقط. قالوا: وهذا الأمر المذكور في الحديث السابق مصروف عن الوجوب بحديث: " إن ميتكم يموت طاهراً؛ فحسبكم أن تغسلوا أيديكم " (١) ؛ أخرجه البيهقي، وحسنه ابن حجر - رحمهما الله -، ولحديث: كنا نغسل الميت؛ فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل؛ أخرجه الخطيب ﵀، عن ابن عمر ﵁، وصحح ابن حجر أيضا إسناده (٢) ، ولما وقع من الفتيا من

стр. 187

الصحابة ﵃ لأسماء بنت عميس - امرأة أبي بكر؛ ﵁ لما غسلته فقالت لهم: إن هذا يوم شديد البرد؛ وأنا صائمة؛ فهل علي من غسل؟ قالوا: لا. رواه مالك ﵀ في " الموطأ " (١) . (٤ - [الإحرام] :) (وللإحرام) : لحديث زيد بن ثابت ﵁: أنه رأى النبي [ ﷺ ] تجرد لإهلاله واغتسل؛ أخرجه الترمذي، والدارقطني، والبيهقي، والطبراني - وحسنه الترمذي -، وضعفه العقيلي ﵏. ولعل وجه التضعيف كون عبد الله بن يعقوب المدني (٢) في إسناده. قال ابن الملقن في " شرح المنهاج ": لعل الترمذي ﵀ حسنه؛ لأنه عرف عبد الله بن يعقوب؛ أي: عرف حاله. وفي الباب عن عائشة ﵂ عند أحمد ﵀، وعن أسماء ﵂ عند مسلم ﵀. وقد ذهب إلى استحباب غسل الإحرام الجمهور. وقال الحسن البصري ﵀، ومالك ﵀: إنه محتمل.

стр. 188

(٥ - [لدخول مكة] :) (ولدخول مكة) المكرمة - حرسها الله تعالى -؛ لما أخرجه مسلم عن ابن عمر ﵁: أنه كان لا يدخل مكة إلا بات بذي طُوى، حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارا، ويذكر عن النبي [ ﷺ ] أنه فعله. وأخرج البخاري ﵀ معناه. قال في " الفتح ": قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية. وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء.

стр. 189

(٦ - باب التيمم) قال الله - تعالى -: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ ؛ وقد كثر الاختباط في تفسير هذه الآية، والحق أن قيد عدم الوجود راجع إلى قوله - تعالى -: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء﴾ . ( [الأسباب المبيحة للتيمم] :) فتكون الأعذار ثلاثة: السفر، والمرض، وعدم الوجود في الحضر، وهذا ظاهر على قول من قال: إن القيد إذا وقع بعد جُمل متصلة كان قيداً (١) لآخرها. وأما من قال: أنه يكون قيداً للجميع إلا أن يمنع مانع: فكذلك أيضا (٢) ؛ لأنه قد وجد المانع ههنا من تقييد السفر والمرض بعدم الوجود للماء، وهو: أن كل واحد منهما عذر مستقل في غير هذا الباب - كالصوم -. ويؤيد هذا أحاديث التيمم الواردة مطلقة ومقيدة بالحضر.

стр. 190

فإن قلت: ما المعتبر في تسويغ التيمم للمقيم؟ هل هو عدم الوجود عند إرادة الصلاة كما هو الظاهر من الآية؟ أم عدم الوجود مع طلب مخصوص - كما قيل: إنه يطلب في كل جهة من الجهات الأربع في ميل -، أو ينتظر إلى آخر الوقت حتى لا يبقى إلا ما يسع الصلاة بعد التيمم؟ قلت: الحق أن المعتبر هو ما يصدق عليه مفهوم عدم الوجود المقيد بالقيام إلى الصلاة، فإذا دخل الوقت المضروب للصلاة، وأراد المصلي القيام إليها، فلم يجد حينئذ ما يتوضأ به، أو يغتسل في منزله ومسجده وما يقرب منهما: كان ذلك عذراً مسوغاً للتيمم. وليس المراد بعدم الوجود في ذلك أن لا يجده بعد الكشف والبحث وإحفاء (١) السؤال، بل المراد أن لا يكون معه علم أو ظن بوجود شيء منه هنالك، ولم يتمكن في تلك الحالة من تحصيله بشراء أو نحوه، فهذا يصدق عليه أنه لم يجد الماء عند أهل اللغة. والواجب حمل كلام الله على ذلك مع عدم وجود عرف شرعي (٢) ، وقد وقع منه [ ﷺ ] ما يشعر بما ذكرناه؛ فإنه تيمم في المدينة من جدار؛ كما ثبت ذلك في " الصحيحين " من دون أن يسأل ويطلب، ولم يصح عنه في الطلب شيء تقوم به الحجة، فهذا - كما يدل على عدم وجوب الطلب - يدل على عدم وجوب انتظار آخر الوقت. ويدل على ذلك حديث الرجلين اللذين تيمما في سفر، ثم وجدوا الماء،

стр. 191

فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فقال [ ﷺ ] للذي لم يعد: " أصبت السنة "؛ أخرجه أبو داود، والحاكم وغيرهما من حديث أبي سعيد (١) ، فإنه يرد قول من قال بوجوب الانتظار إلى آخر الوقت على المتيمم، سواء كان مسافراً أو مقيماً. إذا تقرر لك هذا: استرحت عن الاشتغال بكثير من التفاريع المحررة في كتب الفقه؛ فإن هذه هي ثمرة الاجتهاد. فأي فرق بين من لا يفرق بين الغث والسمين من المجتهدين، وبين من هو في عداد المقلدين؟ ! ( [الخلاف في الصعيد الذي يتيمم به] :) قال في " القاموس ": والصعيد: التراب، أو وجه الأرض. انتهى. والثاني هو الظاهر من لفظ الصعيد؛ لأنه ما صعد؛ أي: علا وارتفع على وجه الأرض، وهذه الصفة لا تختص بالتراب، ويؤيد ذلك حديث: " جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً "؛ وهو متفق عليه من حديث جابر وغيره. وما ثبت في رواية بلفظ: " وتربتها طهوراً "؛ كما أخرجه مسلم من حديث حذيفة؛ فهو غير مستلزم لاختصاص التراب بذلك عند عدم الماء،؛ لأن غاية ذلك أن لفظ التراب دل بمفهومه على أن غيره من أجزاء الأرض لا يشاركه في الطهورية.

стр. 192

وهذا مفهوم لقب (١) لا ينتهض لتخصيص عموم الكتاب والسنة، ولهذا لم يعمل به من يعتد به من أئمة الأصول، فيكون ذكر التراب في تلك الرواية من باب التنصيص على بعض أفراد العام. وهكذا يكون الجواب عن ذكر التراب في غير هذا الحديث، ووجه ذكره: أنه الذي يغلب استعماله في هذه الطهارة، ويؤيد هذا ما تقدم من تيممه [ ﷺ ] من جدار. وأما الاستدلال بوصف الصعيد بالطيب، ودعوى أن الطيب لا يكون إلا تراباً طاهراً منبتاً لقوله - تعالى -: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ : فغير مفيد للمطلوب إلا بعد بيان اختصاص الطيب بما ذُكر، والضرورة تدفعه؛ فإن التراب المختلط بالأزبال أجود إخراجاً للنبات. قال الماتن في " شرح المنتقى " (٢) : ومن الأدلة الدالة على أن المراد خصوص التراب ما ورد في القرآن والسنة من ذكر الصعيد، فالأمر بالتيمم منه وهو التراب، لكنه قال في " القاموس ": والصعيد: التراب أو وجه الأرض، وفي " المصباح ": الصعيد وجه الأرض؛ تراباً كان أو غيره، قال الزجاج: لا أعلم اختلافا بين أهل اللغة في ذلك، قال الأزهري: ومذهب أكثر العلماء أن الصعيد في قوله - تعالى -: ﴿صعيدا طيبا﴾ هو التراب، وفي كتاب " فقه اللغة " للثعالبي: الصعيد تراب وجه الأرض، ولم يذكر غيره، وفي " المصباح " - أيضا -: ويقال: الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه: على التراب الذي وجه الأرض، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق.

стр. 193

ويؤيد حمل الصعيد على العموم تيممه [ ﷺ ] من الحائط؛ فلا يتم الاستدلال. وقد ذهب إلى تخصيص التيمم بالتراب الشافعي، وأحمد، وداود. وذهب مالك، وأبو حنيفة، وعطاء، والأوزاعي، والثوري إلى أنه يجزئ بالأرض وما عليها. قال: واستدل القائل بتخصيص التراب بما عند مسلم من حديث حذيفة مرفوعاً بلفظ: " وجُعلت تربتها لنا طهوراً "، وهذا خاص؛ فينبغي أن يُحمل عليه العام. وأجيب بأن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره، فلا يتم الاستدلال. ورُدّ بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ: " التراب "؛ أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث علي: " جُعل التراب لي طهوراً "؛ أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن (١) . وأجيب أيضا عن ذلك الاستدلال بأن تعليق الحكم بالتربة مفهوم لقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند أرباب الأصول، ولم يقل به إلا الدقاق، فلا ينتهض لتخصيص المنطوق. ورُدّ بأن الحديث سيق لإظهار التشريف، فلو كان جائزاً بغير التراب لما اقتصر عليه؛ وأنت خبير بأنه لم يقتصر على التراب إلا في هذه الرواية.

стр. 194

نعم؛ الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجداً دون الآخر، - كما سيأتي في حديث مسلم - يدل على الافتراق في الحكم. وأحسن من هذا أن قوله - تعالى - في آية المائدة: ﴿منه﴾ يدل على أن المراد التراب، وذلك لأن كلمة " مِن " للتبعيض (١) كما قال في " الكشاف ": أنه لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن والتراب؛ إلا معنى التبعيض. انتهى. فإن قلت: سلمنا التبعيض، فما الدليل على أن ذلك البعض هو التراب؟ قلت: التنصيص عليه في الحديث المذكور. انتهى. ( [ما يباح به التيمم] :) (يستباح به ما يستباح بالوضوء والغسل لمن لا يجد الماء) : لأن حكم التيمم مع العذر المسوغ له حكم الوضوء لمن لم يكن جنباً، وحكم الغسل لمن كان جنبا، يصلي به ما يصلي المتوضئ بوضوئه، ويستبيح به ما يستبيحه المغتسل بغسله، فيصلي به الصلوات المتعددة، ولا ينتقض بفراغ من صلاة، ولا بالاشتغال بغيره، ولا بخروج وقت على ما هو الحق. والخلاف في ذلك معروف. والأدلة الواردة لمشروعية التيمم عند عدم الماء ثابتة كتاباً وسنة. قال في " الحجة ": ولم أجد في حديث صحيح تصريحاً بأنه يجب أن

стр. 195

يتيمم لكل فريضة، أو لا يجوز التيمم للآبق ونحوه، وإنما ذلك من التخريجات (١) ، وإنما لم يفرق بين بدل الغسل والوضوء، ولم يشرع التمرغ؛ لأن من حق ما لا يعقل - بادي الرأي - أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار، فإنه هو الذي اطمأنت نفوسهم به في هذا الباب، ولأن التمرغ فيه بعض الحرج، فلا يصلح رافعاً للحرج بالكلية. وفي معنى المرض البرد الضار - لحديث (٢) عمرو بن العاص ﵁. والسفر ليس بقيد، إنما هو صورة لعدم وجدان الماء، تتبادر إلى الذهن، وإنما لم يؤمر بمسح الرِّجْل بالتراب؛ لأن الرِّجل محل الأوساخ، وإنما يؤمر بما ليس حاصلاً ليحصل التنبيه به. انتهى. (أو خشي الضرر من استعماله) : لما أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني ﵏، من حديث جابر ﵁، قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون له رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة؛ وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله [ ﷺ ] ؛ أخبرناه بذلك؟ فقال: " قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ ! فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه، ثم يمسح عليه ويغسل

стр. 196

سائر جسده (١) ". وقد تفرد به الزبير بن خريق (٢) ﵀ وليس بالقوي، وقد صححه ابن السكن ﵀. وروي من طريق أخرى عن ابن عباس ﵄. وقد ذهب إلى مشروعية التيمم بالعذر الجمهور.

стр. 197

وذهب أحمد بن حنبل ﵀، وروي عن الشافعي ﵀ في قول له - أنه لا يجوز التيمم لخشية الضرر. ولا أدري كيف صحة ذلك عنهما (١) ؟ ﴿فإن هذا الحديث يؤيده قوله - تعالى -: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ الآية. وكذلك حديث المسح على الجبائر (٢) المروي عن علي ﵁. وكذلك حديث عمرو بن العاص: لما بعثه رسول الله [ ﷺ ] في غزوة ذات السلاسل، فاحتلم في ليلة باردة، فتيمم وصلى بأصحابه، فلما قدموا ذكروا ذلك لرسول الله [ ﷺ ] ؟ فقال: " يا عمرو﴾ أصليت مع أصحابك وأنت جنب؟ "، فقال: ذكرت قوله الله - تعالى -: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ ، فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله [ ﷺ ] ، ولم يقل شيئاً. رواه أحمد، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، وأخرجه البخاري تعليقاً (٣) . قال في " الحجة ": وكان عمر وابن مسعود ﵄ لا يريان التيمم عن الجنابة، وحملا الآية على اللمس (٤) ، وأنه ينقض الوضوء، لكن حديث عمران وعمار يشهد بخلاف ذلك.

стр. 198

( [أعضاء التيمم] :) (وأعضاؤه: الوجه ثم الكفان يمسحهما) ؛ أي: الوجه والكفين؛ لما ورد من الأحاديث الصحيحة قولاً وفعلاً، وقد أشار بالعطف ب (ثم) إلى الترتيب بين الوجه والكفين. وأما الاقتصار على الكفين: فلكون الأحاديث الصحيحة مصرحة بذلك: منها حديث عمار بن ياسر: أن النبي [ ﷺ ] أمره بالتيمم للوجه والكفين؛ أخرجه الترمذي وغيره - وصححه -. ومنها ما في " الصحيحين " من حديث عمار - أيضا -: أن النبي [ ﷺ ] قال له: " إنما كان يكفيك هكذا "، وضرب النبي [ ﷺ ] بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. وفي لفظ للدارقطني: " إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين ". وقد ذهب إلى أنه يُقتصر من اليدين على الكفين عطاء، ومكحول، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وعامة أصحاب الحديث. هكذا في " شرح مسلم ". وذهب الجمهور إلى أن المسح في التيمم إلى المرفقين. وذهب الزهري إلى أنه يجب المسح إلى الإبطين. وقال الخطابي: إنه لم يختلف أحد من أهل العلم في أنه لا يلزم مسح

стр. 199

ما وراء المرفقين. والحق ما ذهب إليه الأولون؛ لأن الأدلة التي استدل بها الجمهور منها ما لا ينتهض للاحتجاج به، كحديث ابن عمر عند الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، مرفوعاً بلفظ: " التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين "؛ وفي إسناده علي بن ظبيان (١) ، قال الدارقطني: وثقه (٢) يحيى بن [سعيد بن] القطان وهشيم وغيرهما، وقال الحافظ: هو ضعيف؛ ضعفه ابن القطان، وابن معين، وغير واحد. وأما ما ورد فيه لفظ اليدين - كما وقع في بعض روايات من حديث عمار -: فالمطلق يحمل على المقيد بالكفين. واحتج الزهري بما ورد في رواية من حديث عمار أيضا بلفظ: ". . إلى الآباط "؛ وقد نسخ ذلك ما قال الشافعي. ( [كيفية التيمم] :) (مرة بضربة واحدة) : لأن ذلك هو الثابت في الأحاديث الصحيحة، ولم يثبت ما يخالف ذلك من وجه صحيح. وقد ذهب إلى كون التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين الجمهور. وذهب جماعة من الأئمة والفقهاء إلى أن الواجب ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين.

стр. 200

وذهب ابن المسيب وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاثة ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين. (ناوياً مسمياً) لما تقدم في الوضوء؛ لأنه بدل عنه، وأدلة النية شاملة لكل عمل. ( [نواقض التيمم] :) (ونواقضه نواقض الوضوء) : لما ذكرنا من البدلية (١) ، ومن أثبت للتيمم شيئاً من النواقض لم يثبت في الوضوء؛ لم يقبل منه ذلك إلا بدليل، ولم نجد دليلاً تقوم به الحجة يصلح لذلك، فالواجب الاقتصار على نواقض الوضوء. وأما وجود الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة بالتيمم؛ فقد صرح النبي -[ ﷺ ]- لمن لم يعد الصلاة من الرجلين اللذين سألاه بعد أن صلياها بالتيمم، ثم وجدا الماء، أن الذي لم يعد أصاب السنة، والحديث معروف (٢) . وأما قوله للذي أعاد: " لك الأجر مرتين "؛ فلكونه قد كرر العبادة معتقداً وجوب ذلك، فكان له الأجر الآخر لذلك. وليس المراد ههنا إلا الإجزاء وسقوط الوجوب، وقد أفاد ذلك قوله [ ﷺ ] : " أصبت السنة "، مع ما في إصابة السنة من الخير والبركة، والتعريض (٣)

стр. 201

بأن ما عدا ذلك مخالف للسنة كما لا يخفى. وأما القول بأن من أسباب التيمم تعذر استعمال الماء وخوف سبيله - ونحو ذلك -: فلا يخفى أن هذه داخلة تحت ما ذكرناه من عدم الماء أو خشية الضرر من استعماله؛ فإن من تعذر عليه استعمال الماء؛ هو عادم للماء؛ إذ ليس المراد الوجود الذي لا ينفع، فمن كان يشاهد ماء في قعر بئر، يتعذر عليه الوصول إليه بوجه من الوجوه؛ فهو عادم، وهكذا خوف السبيل الذي يسلك إلى الماء، وهكذا من كان ينجسه - ولا محالة - إذا استعمله، وهكذا من كان يحتاجه للشرب؛ فهو عادم له بالنسبة إلى الوضوء. وأما ما قيل من أن فوات الصلاة باستعمال الماء وإدراكها بالتيمم سبب من أسباب التيمم! فليس على ذلك دليل، بل الواجب استعمال الماء، وهو إن كان تراخيه عن تأدية الصلاة إلى ذلك الوقت لعذر مسوغ للتأخير - كالنوم والسهو ونحوهما -؛ فلم يوجب الله - تعالى - عليه إلا تأدية الصلاة في ذلك الوقت بالطهور الذي أوجبه الله - تعالى -، وإن كان التراخي لا لعذر إلى وقت لو استعمل الوضوء فيه لخرج الوقت: فعليه الوضوء وقد باء بإثم المعصية. وأما ما قيل من الطلب إلى مقادير محدودة: فليس على ذلك حجة نيرة.

стр. 202

(٧ - باب الحيض والنفاس) ( [الفصل الأول: أحكام الحيض] ) ( [عدم وجود دليل بتحديد أقل الحيض وأكثره] :) (لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم به الحجة، وكذلك الطهر) ؛ لأن ما ورد في تقدير أقل الحيض والطهر وأكثرهما، فهو إما موقوف ولا تقوم به الحجة، أو مرفوع ولا يصح، فلا تعويل على ذلك ولا رجوع إليه، بل المعتبر لذات العادة المتقررة هو العادة، وغير المعتادة تعمل بالقرائن المستفادة من الدم. ( [تعمل المرأة بعادتها] :) (فذات العادة المتقررة تعمل عليها) فقد صح في غير حديث اعتبار الشارع للعادة كحديث: " إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي " أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة. وأخرج مسلم وغيره من حديثها - نحو ذلك -. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أم سلمة: " أنها استفتت النبي [ ﷺ ] في امرأة تهراق الدم؟ فقال: " لتنتظر قدر الليالي

стр. 203

والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر (١) فتدع الصلاة " وهو حديث صالح للاحتجاج به. وكذلك حديث زينب بنت جحش: " أن النبي [ ﷺ ] قال في المستحاضة: " تجلس أيام أقرائها " أخرجه النسائي (٢) . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ( [تعمل المرأة غير المعتادة بالقرائن المستفادة من الدم] :) (وغيرها ترجع إلى القرائن) المستفادة من الدم؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي [ ﷺ ] : " إن كان دم الحيض فإنه أسود يُعرف (٣) ، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي؛ فإنما هو عِرْق " أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأخرجه أيضا الدارقطني، والبيهقي، والحاكم، - أيضا - بزيادة: " فإنما هو داء عرَض، أو ركضة من الشيطان، أو عرق انقطع " (٤) .

стр. 204

( [صفات دم الحيض] :) (فدم الحيض يتميز عن غيره، فتكون حائضا إذا رأت دم الحيض) أخرج أبو داود، والنسائي؛ من حديث فاطمة بنت أبي حبيش، أنه قال [ ﷺ ] : " دم الحيض أسود يُعرف " صححه ابن حزم، وأخرج النسائي من حديث عائشة مرفوعاً - نحوه (١) -. وأخرج الطبراني، والدارقطني من حديث أبي أمامة مرفوعاً، بلفظ: " دم الحيض لا يكون إلا أسود " (٢) ، فدلت هذه الأحاديث على أنه لا يقال للصفرة والكُدرة: دم حيض، ولا يعتد بها سواء كانت بين دمي حيض أو بعد دم الحيض، وليس التحيض بين دمي الحيض مع تخلل الصفرة والكدرة لأجلهما، بل لكون ما توسط بين دمي الحيض حيضا، كما لو لم يخرج دم أصلا بين دمي الحيض. ولا يعارض هذا ما أخرجه في " الموطأ " - وعلقه في " البخاري " -: أن

стр. 205

النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدِّرَجة فيها الصفرة والكدرة من دم الحيض ليسألنها عن الصلاة؟ فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء "؛ فإن هذا - مع كونه رأيا (١) منها - ليس بمخالف لما تقدم؛ لأنها لم تخبرهن بأن الصفرة والكدرة حيض، إنما أمرتهن بالانتظار إلى حصول دليل يدل على أنه قد انقضى الحيض، وهو خروج القصة، فمتى خرجت لم يخرج بعدها دم حيض، ولم تأمرهن بالانتظار ما دامت الصفرة والكدرة. وهذا واضح لا يخفى. ( [تعريف المستحاضة وأحكامها) :) (ومستحاضة) ؛ وهي التي يستمر خروج الدم منها. (إذا رأت غيره) تعمل على العادة المتقررة، فتكون فيها حائضاً تثبت لها فيه أحكام الحائض، وفي غير أيام العادة تكون طاهراً لها حكم الطاهر. ( [تُعامل المستحاضة كالطاهرة] :) (وهي كالطاهرة) كما أفادت ذلك الأحاديث الصحيحة الواردة من غير

стр. 206

وجه، فإذا لم تكن لها عادة متقررة كالمبتدأة والملتبسة عليها عادتها؛ فإنها ترجع إلى التمييز، فإن دم الحيض أسود يُعرف - كما قال -[ ﷺ ] فتكون إذا رأت دماً كذلك: حائضاً، وإذا رأت دماً ليس كذلك: طاهراً. وقد أطال الناس الكلام في هذا الباب في غير طائل، وكثرت فيه التفريعات والتدقيقات، والأمر أيسر من ذلك. (وتغسل أثر الدم) لقوله [ ﷺ ] في حديث عائشة الثابت في " الصحيح ": " فاغسلي عنك الدم وصلي "، وقد ورد ما يفيد معنى ذلك من غير وجه. ( [المستحاضة تتوضأ لكل صلاة] :) (وتتوضأ لكل صلاة) وذلك هو الذي ورد من وجه معتبر (١) ، وإذا جمعت بين الصلاتين فأخرت الأولى إلى آخر وقتها، وقدمت الثانية في أول وقتها كان لها أن تصليهما بوضوء واحد. ولم يأت في شيء من الأحاديث الصحيحة إيجاب الغسل لكل صلاة، ولا لكل صلاتين، ولا في كل يوم، بل الذي صح إيجاب الغسل عند انقضاء وقت حيضها المعتاد، أو عند انقضاء ما يقوم مقام العادة من التمييز بالقرائن، كما في حديث عائشة في " الصحيحين " وغيرهما بلفظ: " فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي ". وأما ما في " صحيح مسلم ": " أن أم حبيبة كانت تغتسل لكل صلاة ":

стр. 207

فلا حجة في ذلك؛ لأنها فعلته من جهة نفسها، ولم يأمرها النبي [ ﷺ ] بذلك، بل قال لها: " امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي "؛ فإن ظاهر هذه العبارة أنها تغتسل بعد المكث قدْر ما كانت تحبسها الحيضة، وذلك هو الغسل الكائن عند إدبار الحيضة، وليس فيه ما يدل على أنها تغتسل لكل صلاة. وقد ورد الغسل لكل صلاة من طرق لا تقوم بمثلها الحجة (١) ، لا سيما مع معارضتها لما ثبت في " الصحيح "، ومع ما في ذلك من المشقة العظيمة على النساء الناقصات العقول والأديان، والشريعة سمحة سهلة، ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ، ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ . ( [أحكام الحائض] :) (والحائض لا تصلي ولا تصوم) لما ورد في ذلك من الأدلة الصحيحة؛ كحديث: " أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ ! "، وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي سعيد - وهو مجمع عليه -، وكان هذا شأن الحائض في زمن النبوة وأيام الصحابة فمن بعدهم، أنها تدع الصلاة والصوم أيام حيضتها، وتقضي الصوم لا الصلاة بعد طهرها. ولم يخالف في ذلك غير الخوارج (٢) ، ولا ريب أن القضاء إن كان بدليل الأصل - كما ذهب إليه البعض - فلا وجوب للأصل ههنا، ولا دليل عليه في حال الحيض، وإن كان بدليل جديد غير دليل المقضي، فلم يقم في الصلاة

стр. 208

وقام في الصيام، فطاح القياس وذهب الإلزام. ( [الحائض لا توطأ حتى تغتسل بعد الطهر] :) (و) أما كونها (لا توطأ حتى تغتسل بعد الطهر) فذلك نص الكتاب العزيز؛ قال الله - تعالى - ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ ، والأحاديث في ذلك كثيرة؛ منها قوله [ ﷺ ] : " اصنعوا كل شيء إلا النكاح " وهو في " الصحيح "، وهو مجمع على تحريم ذلك، ليس فيه خلاف. وتحريم الصلاة والصوم على الحائض كما تقدم، وكذلك وطؤها: هو إلى غاية هي الغسل بعد الطهر - كما صرحت بذلك الأدلة -. ( [الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة] :) (و) أما كونها (تقضي الصيام) فلحديث عائشة بلفظ: " فنؤمر بقضاء الصيام ولا نؤمر بقضاء الصلاة "، وهو في " الصحيحين " وغيرهما. وقد نقل ابن المنذر والنووي وغيرهما إجماع المسلمين على ذلك، وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبون على الحائض قضاء الصلاة! ولا يقدح في إجماع الأمة مخالفة هؤلاء الذين هم كلاب النار (١) . (فصل: [أحكام النفساء] ) ( [أكثر النفاس أربعون يوماً ولا حد لأقله] :)

стр. 209

(والنفاس أكثره أربعون يوماً) لحديث أم سلمة، قالت: " كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله [ ﷺ ] أربعين يوماً " أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني، والحاكم (١) ، وللحديث طرق يقوي بعضها بعضاً. وإلى ذلك ذهب الجمهور. وقد قيل: إن أكثره ستون يوماً، وقيل: سبعون يوماً، وقيل: خمسون، وقيل: نيف وعشرون، والحق الأول، وهذا القدر هو أرجح ما قيل؛ لأن ما عداه خال عن الدليل. (و) أما كونه (لا حد لأقله) فلم يأت في ذلك دليل، بل ما دام الدم باقياً كانت المرأة نفساء، فإن انقطع قبل الأربعين اقتطع عنها حكم النفاس، فإن جاوز دمها الأربعين عاملت نفسها معاملة المستحاضة إذا جاوزت أيام العادة المتقررة. ( [أحكام النفساء كأحكام الحائض] :) (وهو) أي: النفاس (كالحيض) في تحريم الوطء وترك الصلاة والصيام، ولا خلاف في ذلك، وكذلك لا تقضي النفساء الصلاة. في رواية لأبي داود من حديث أم سلمة، قالت: " كانت المرأة من نساء النبي [ ﷺ ] تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي -[ ﷺ ]- بقضاء صلاة النفاس ".

стр. 210

وقد تقدم الإجماع على ذلك في الحائض، وهو في النفاس إجماع كذلك. ولعل الخوارج يخالفون ههنا كما خالفوا هنالك! ولا يُعتد بهم.

стр. 211

(الكتاب الثاني: كتاب الصلاة)

стр. 212

(٢ - كتاب الصلاة) (١ - باب مواقيت الصلاة) قال الله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ والأمر بمطلق الصلاة إنما يفيد الإتيان بها في زمان ومكان من دون تعيين؛ لأن مطلق الزمان والمكان من ضروريات الفعل. وأما الوقت الخاص الذي شرع الله فيه الصلاة، وكذلك كونها على هيئة مخصوصة مع شروط محصورة، فهذا لا دلالة للآية عليه بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام (١) ، ولم يدل على ذلك إلا السنة الثابتة عنه [ ﷺ ] قولاً وفعلاً، وليس في القرآن من ذلك إلا النادر القليل؛ كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ فإنه في هذه الآية ذكر الوضوء، وهو شرط من شروط الصلاة، وقيد الأمر به بالقيام إليها، فكان ذلك مقيداً لوجوب الفعل، ولا بد للشرطية من دليل أخص من ذلك، وقد ورد في السنة ما يفيد الشرطية، وكذلك ورد في القرآن ذكر بعض هيآت الصلاة؛ كالسجود والركوع، ولكن بدون ذكر صفة ولا عدد، ولا كون ذلك في الموضع الذي بينته السنة المطهرة. ( [بيان أول وقت الظهر وآخره] :) (أول وقت الظهر) تعيين أول الأوقات وآخرها قد ثبت في الأحاديث

стр. 213

الصحيحة من تعليم جبرائيل ﵇ له [ ﷺ ] ، ومن تعليمه [ ﷺ ] لمن سأله، وغير ذلك من أقواله وأفعاله. (الزوال) أي: زوال الشمس، ويبين ذلك باخضرار الجدار إلى جهة الشرق، يعرفه كل ذي عينين. (وآخره مصير ظل الشيء مثله سوى فيء الزوال) فإن قلت: أخرج النسائي وأبو داود من حديث ابن مسعود: " كان قدر صلاة رسول الله [ ﷺ ] [الظهر] في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام " (١) . قلت: إنهم حملوه على الإبراد (٢) ؛ كما قاله ابن العربي المالكي في " القبس "، وتبعه الحافظ السيوطي، وأنه حديث قد قُدح فيه؛ فإنه من رواية عبيدة بن حميد الضبي الكوفي، عن أبي مالك سعد بن طارق، عن كثير بن مدرك، عن الأسود. وفي عبيدة وشيخه سعد خلاف، ففي " الميزان " في ترجمة سعد: " وثقه أحمد وابن معين، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه في القنوت ". وقد ضعف عبد الحق حديث تقدير صلاة رسول الله [ ﷺ ] بالأقدام في الشتاء والصيف. والعجب من الحافظ ابن حجر في " التخليص " لم يتكلم على لفظ

стр. 214

الحديث ولا سنده! وذكر كلام ابن العربي وأبطله السيد محمد الأمير في " اليواقيت ". نعم؛ أيام الشتاء يحسن التأني بالظهر حتى يحصل ظن أن الشمس لو كانت في كبد السماء أن قد زالت، لأنه يدرك بالحس والمشاهدة إذا كانت من جهة الجنوب، لأن ظلها يزداد في جهة الشرق زيادة كثيرة، لكن لا إلى الحد الذي يقدّر بالأقدام، وغايته أن ينظر في أمارات تحصل الظن بالزوال، وأهل الأقدام ليس معهم إلا الظن لا غير، وليس أحد مخاطباً بظن غيره بل بظن نفسه، فتأمل. ( [بيان أول وقت العصر وآخره] :) (وهو أول وقت العصر) أي: صيرورة ظله مثله. قال ابن القيم: وأنهم كانوا يصلونها مع النبي [ ﷺ ] ، ثم يذهب أحدهم إلى العوالي قدر أربعة أميال والشمس مرتفعة (١) . وقال أنس: صلى بنا رسول الله [ ﷺ ] العصر، فأتاه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله: إنا نريد أن ننحر جزوراً، وإنا نحب أن تحضرها، قال: " نعم "، فانطلق، وانطلقنا معه، فوجد الجزور لم تُنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس " (٢) ، ومحال أن يكون هذا بعد المثلين.

стр. 215

وفي " صحيح مسلم " عنه: " وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر " (١) ، ولا معارض لهذه السنن في الصحة ولا في الصراحة والبيان، فرُدّت بالمجمل من قوله [ ﷺ ] : " ومثل أهل الكتاب قبلكم كمثل رجل استأجر أجيراً، فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ... " (٢) الخ. ويا لله العجب ﴿أي دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثلين بنوع من أنواع الدلالة،؟﴾ وإنما يدل على أن من صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصر من نصف النهار إلى وقت العصر، وهذا لا ريب فيه. انتهى. (وآخره) أي: آخر وقت العصر صيرورة ظله مثليه. قال الشافعي: " آخر الوقت المختار للعصر أن يكون ظل كل شيء مثليه. وقيل: إلى أن تصفر الشمس، وآخر وقت الضرورة مغيب الشمس ". كذا في " المسوى ". وفي " الحجة البالغة ": وكثير من الأحاديث يدل على أن آخر وقت العصر أن تتغير الشمس، وهو الذي أطبق عليه الفقهاء، فلعل المثلين بيان لآخر الوقت المختار والذي يستحب فيه، أو نقول: لعل الشرع نظر - أولاً - إلى المقصود من اشتقاق العصر، أن يكون الفصل بين كل صلاتين نحواً من
следующие страницы →