← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(الكتاب الثاني: كتاب الصلاة)

стр. 212

(٢ - كتاب الصلاة) (١ - باب مواقيت الصلاة) قال الله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ والأمر بمطلق الصلاة إنما يفيد الإتيان بها في زمان ومكان من دون تعيين؛ لأن مطلق الزمان والمكان من ضروريات الفعل. وأما الوقت الخاص الذي شرع الله فيه الصلاة، وكذلك كونها على هيئة مخصوصة مع شروط محصورة، فهذا لا دلالة للآية عليه بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام (١) ، ولم يدل على ذلك إلا السنة الثابتة عنه [ ﷺ ] قولاً وفعلاً، وليس في القرآن من ذلك إلا النادر القليل؛ كقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ فإنه في هذه الآية ذكر الوضوء، وهو شرط من شروط الصلاة، وقيد الأمر به بالقيام إليها، فكان ذلك مقيداً لوجوب الفعل، ولا بد للشرطية من دليل أخص من ذلك، وقد ورد في السنة ما يفيد الشرطية، وكذلك ورد في القرآن ذكر بعض هيآت الصلاة؛ كالسجود والركوع، ولكن بدون ذكر صفة ولا عدد، ولا كون ذلك في الموضع الذي بينته السنة المطهرة. ( [بيان أول وقت الظهر وآخره] :) (أول وقت الظهر) تعيين أول الأوقات وآخرها قد ثبت في الأحاديث

стр. 213

الصحيحة من تعليم جبرائيل ﵇ له [ ﷺ ] ، ومن تعليمه [ ﷺ ] لمن سأله، وغير ذلك من أقواله وأفعاله. (الزوال) أي: زوال الشمس، ويبين ذلك باخضرار الجدار إلى جهة الشرق، يعرفه كل ذي عينين. (وآخره مصير ظل الشيء مثله سوى فيء الزوال) فإن قلت: أخرج النسائي وأبو داود من حديث ابن مسعود: " كان قدر صلاة رسول الله [ ﷺ ] [الظهر] في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام " (١) . قلت: إنهم حملوه على الإبراد (٢) ؛ كما قاله ابن العربي المالكي في " القبس "، وتبعه الحافظ السيوطي، وأنه حديث قد قُدح فيه؛ فإنه من رواية عبيدة بن حميد الضبي الكوفي، عن أبي مالك سعد بن طارق، عن كثير بن مدرك، عن الأسود. وفي عبيدة وشيخه سعد خلاف، ففي " الميزان " في ترجمة سعد: " وثقه أحمد وابن معين، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه في القنوت ". وقد ضعف عبد الحق حديث تقدير صلاة رسول الله [ ﷺ ] بالأقدام في الشتاء والصيف. والعجب من الحافظ ابن حجر في " التخليص " لم يتكلم على لفظ

стр. 214

الحديث ولا سنده! وذكر كلام ابن العربي وأبطله السيد محمد الأمير في " اليواقيت ". نعم؛ أيام الشتاء يحسن التأني بالظهر حتى يحصل ظن أن الشمس لو كانت في كبد السماء أن قد زالت، لأنه يدرك بالحس والمشاهدة إذا كانت من جهة الجنوب، لأن ظلها يزداد في جهة الشرق زيادة كثيرة، لكن لا إلى الحد الذي يقدّر بالأقدام، وغايته أن ينظر في أمارات تحصل الظن بالزوال، وأهل الأقدام ليس معهم إلا الظن لا غير، وليس أحد مخاطباً بظن غيره بل بظن نفسه، فتأمل. ( [بيان أول وقت العصر وآخره] :) (وهو أول وقت العصر) أي: صيرورة ظله مثله. قال ابن القيم: وأنهم كانوا يصلونها مع النبي [ ﷺ ] ، ثم يذهب أحدهم إلى العوالي قدر أربعة أميال والشمس مرتفعة (١) . وقال أنس: صلى بنا رسول الله [ ﷺ ] العصر، فأتاه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله: إنا نريد أن ننحر جزوراً، وإنا نحب أن تحضرها، قال: " نعم "، فانطلق، وانطلقنا معه، فوجد الجزور لم تُنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس " (٢) ، ومحال أن يكون هذا بعد المثلين.

стр. 215

وفي " صحيح مسلم " عنه: " وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر " (١) ، ولا معارض لهذه السنن في الصحة ولا في الصراحة والبيان، فرُدّت بالمجمل من قوله [ ﷺ ] : " ومثل أهل الكتاب قبلكم كمثل رجل استأجر أجيراً، فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ... " (٢) الخ. ويا لله العجب ﴿أي دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثلين بنوع من أنواع الدلالة،؟﴾ وإنما يدل على أن من صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصر من نصف النهار إلى وقت العصر، وهذا لا ريب فيه. انتهى. (وآخره) أي: آخر وقت العصر صيرورة ظله مثليه. قال الشافعي: " آخر الوقت المختار للعصر أن يكون ظل كل شيء مثليه. وقيل: إلى أن تصفر الشمس، وآخر وقت الضرورة مغيب الشمس ". كذا في " المسوى ". وفي " الحجة البالغة ": وكثير من الأحاديث يدل على أن آخر وقت العصر أن تتغير الشمس، وهو الذي أطبق عليه الفقهاء، فلعل المثلين بيان لآخر الوقت المختار والذي يستحب فيه، أو نقول: لعل الشرع نظر - أولاً - إلى المقصود من اشتقاق العصر، أن يكون الفصل بين كل صلاتين نحواً من

стр. 216

ربع النهار، فجعل الأمد الآخر بلوغ الظل إلى المثلين، ثم ظهر من حوائجهم وأشغالهم ما يوجب الحكم بزيادة الأمد. وأيضا معرفة ذلك الحد تحتاج إلى ضرب من التأمل وحفظ الفيء الأصلي ورصده. وإنما ينبغي أن يُخاطب الناس في مثل ذلك بما هو محسوس ظاهر، فنفث الله تعالى في روعه [ ﷺ ] أن يجعل الأمد تغير قرص الشمس أو ضوئها، والله تعالى أعلم. (ما دامت الشمس بيضاء نقية) فإذا اصفرت خرج وقت العصر؛ لما ورد في ذلك من الأحاديث، منها حديث ابن عمرو، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور (١) الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس ". أخرجه مسلم وأحمد والنسائي وأبو داود. ولا يخالف ما وقع في هذا الحديث - في آخر وقت العصر والعشاء - ما ورد في بعض الأحاديث " أن آخر وقت العصر مصير ظل الشيء مثليه، وآخر وقت العشاء ذهاب ثلث الليل (٢) "؛ فإن هذا الحديث قد تضمن زيادة غير منافية للأصل؛ لأن وقت اصفرار الشمس هو متأخر عن المثلين، إذ هي تبقى

стр. 217

بيضاء نقية بعد المثلين، وكذلك نصف الليل، وهو متضمن لزيادة غير منافية لما وقع في رواية بلفظ " ثلث الليل "، على أن الرواية المتضمنة للزيادتين هي أصح من الأخرى (١) . ( [بيان أول وقت المغرب وآخره] :) (وأول وقت المغرب غروب الشمس) أي: سقوط القرص، وهو وقت الاختيار الذي يجوز أن يصلى فيه من غير كراهية، والعمدة فيه حديثان: حديث جبرائيل (٢) ﵇؛ فإنه صلى بالنبي [ ﷺ ] يومين، وحديث بريدة (٣) ؛ ففيه أنه [ ﷺ ] أجاب السائل عنها - أي: عن الأوقات - بأن صلى يومين، والمفسر منهما قاض على المبهم، وما اختلف يتبع فيه حديث بريدة؛ لأنه مدني متأخر، والأول مكي متقدم، وإنما يتبع الآخر. كذا في " الحجة ". (وآخره ذهاب الشفق الأحمر) جميع كتب اللغة مصرحة بهذا، وجميع

стр. 218

أشعار العرب ومن بعدهم، فمن زعم أن الشفق في لسان أهل اللغة - أو لسان أهل الشرع - يطلق على البياض فعليه الدليل، ولا دليل. ولو فُرض وجود ما يدل على ذلك فلا يُنكر ندوره، كما لا ينكر أن الشائع في لسان العرب وأهل الشرع إطلاقه على الحمرة، والحمل على الأعم الأغلب هو الواجب، ولا يُحمل على النادر، فليس ههنا ما يسوغ اختلاف المذاهب. قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق - كما في " صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمر - وقد تقدم -. وفي " صحيحه " - أيضا - عن أبي موسى، أن سائلا سأل رسول الله [ ﷺ ] عن المواقيت؟ فذكر الحديث، وفيه: " فأمره، فأقام المغرب حين وجبت الشمس، فلما كان اليوم الثاني قال: ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم قال: " الوقت ما بين هذين ". وهذا متأخر عن حديث جبرائيل ﵇؛ لأنه كان بمكة، وهذا قول وذلك فعل، وهذا يدل على الجواز، وذاك على الاستحباب، وهذا في " الصحيح " وذاك في " السنن "، وهذا يوافق قوله [ ﷺ ] : " وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها " (١) ، وإنما خُص منه الفجر بالإجماع، فما عداها من الصلوات داخل في عمومه، والفعل إنما يدل على الاستحباب، فلا يعارض العام ولا الخاص.

стр. 219

( [بيان أول وقت العشاء وآخره] :) (وهو) - أي: ذهاب الشفق وغروبه - (أول العشاء) للإجماع على دخوله بالشفق، والأحمر هو المتبادر منه؛ لأن وقت الاستحباب الذي يستحب أن يصلى فيه هو أوائل الأوقات؛ إلا العشاء. (وآخره نصف الليل) فالمستحب الأصلي تأخيرها، وهو قوله [ ﷺ ] : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء "، ولأنه أنفع في تصفية الباطن من الأشغال المنسية لذكر الله - تعالى -، وأقطع لمادة السمر بعد العشاء، لكن التأخير ربما يفضي إلى تقليل الجماعة، وتنفير القوم، وفيه قلب الموضوع، فلهذا كان النبي [ ﷺ ] إذا كثر الناس عجّل، وإذا قلوا أخّر. كذا في " الحجة "، فهذه علامات، وكان المعلم لها جبرائيل ﵇، ثم محمد رسول الله [ ﷺ ] للأمة. ( [بيان أول وقت الفجر وآخره] :) (وأول وقت الفجر إذا انشق الفجر) أي: ظهور الضوء المنتشر، وبينه [ ﷺ ] أشفى بيان، فقال لهم: " أنه يطلع معترضاً في الأفق "، و " أنه ليس الذي يلوح بياضه كذنب السِّرحان (١) "، وهذا شيء تدركه الأبصار، وقال - تعالى -: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ ، فجاء بلفظ التفعل، لإفادة أنه لا يكفي إلا التبين الواضح، أي: يتبين لكم شيئاً فشيئاً حتى يتضح؛ فإنه لا يتم تبينه وظهوره إلا بعد كمال ظهوره، فإنه يطلع - أولا -

стр. 220

تباشير الضوء، ثم ذنب السِّرحان وهو الفجر الكذاب، ثم يتضح نور الصباح الذي أبداه بقدرته فالق الإصباح، ولذلك قال الشاعر: (وأزرق الصبح يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب) قال ابن القيم: " إن النبي [ ﷺ ] كان يقرأ بالستين آية إلى المئة، ثم ينصرف منها والنساء لا يُعرفن من الغلس (١) ، وأن صلاته كانت في التغليس حتى توفاه الله - تعالى -، وأنه أسفر بها مرة واحدة، وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية، فرُد ذلك بمجمل حديث رافع بن خديج: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " (٢) ، وهذا - بعد ثبوته - إنما المراد به الإسفار بها دواماً، لا ابتداء، فيدخل فيها مغلسا ويخرج منها مسفرا، كما كان يفعله رسول الله [ ﷺ ] ، فقوله موافق لفعله لا مناقض له، وكيف يُظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه؟ ! " انتهى. (وآخره طلوع الشمس) : ومما ينبغي أن يُعلم: أن الله لم يكلف عباده في تعريف أوقات الصلوات بما يشق عليهم ويتعسر، فالدين يسر، والشريعة سمحة سهلة، بل جعل -[ ﷺ ]- للأوقات علامات حسية يعرفها كل أحد، فقال في الفجر: طلوع النور الذي هو من أوائل أجزاء النهار يعرفه كل أحد، وقال في الظهر: " إذا دحضت الشمس " (٣) ، إذا زالت الشمس،

стр. 221

وقال في العصر: " والشمس بيضاء نقية "، وقال في المغرب: " إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا "، وقال في العشاء: من قدّر وقت صلاته بأنه كان يصليها وقت غروب الهلال ليلة ثالث الشهر، وورد التقدير بالشفق، وورد (١) التقدير بثلث الليل وبنصفه، فهذه العلامات لا تلتبس على أكمه. ( [بيان استغناء الشريعة عن علم النجوم] :) والنظر في النجوم - وإن كنت لا أظن ثبوت ذلك - هو النظر الذي يكون في الشمس والقمر والأظلة المقترنة بالنجوم، والمراد أنه يستدل على دخول وقت كذا بكون النجم في مكان كذا، كما يكون مثل ذلك في الشمس والقمر، لا أنه النظر المفضي إلى الاشتغال بعلم النجوم - المؤدي إلى الوقوع في مضايق عن الشريعة بمعزل -؛ فإن هذا علم نهى عنه الشارع، وحذر عن إتيان صاحبه، حتى جعل ذلك كفراً، فكيف يجعل طريقاً إلى أمر من أمور الشريعة ومهم من مهماتها؟ ! فمن ظن أن شيئا من علم الشريعة محتاج إلى علم النجوم المصطلح عليه (٢) ؛ فهو إما جاهل لا يدري بالشريعة، أو مغالط قد مالت نفسه إلى ما

стр. 222

نهى عنه الشارع، وأراد أن يدفع عن نفسه القالة، فاعتل بأنه لم يتعلق بمعرفة ذلك إلا لكونه قد تعلقت به معرفة أوقات الصلوات، وكثيرا ما نسمعه - من المشتغلين بذلك - يُدلي بهذه الحجة الباطلة، فيصدقه من لم يثبت قدمه في علم الشريعة المطهرة. ومن أعظم المروجات لهذه البلية ما وقع من جماعة من المشتغلين بعلم الفقه من تعداد النجوم وتقدير المنازل، والاستكثار من ذلك بما لا طائل تحته، إلا تأنيس المنجمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون! وحاصل الكلام: أن هذه تكاليف موجهة، كلف الله - تعالى - بها عباده، وعيّن أوقاتها تعييناً يعرفه العالم والجاهل، والقروي والبدوي، والحر والعبد، والذكر والأنثى على حد سواء، اشترك فيه كل هؤلاء، لا يحتاج معه إلى شيء آخر. (أمع الصبح للنجوم تجل ... أم مع الشمس للظلام بقاء) قال صاحب " سبل السلام ": التوقيت في الأيام والشهور والسنوات بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة، فلا يمكن عالم من علماء الدنيا أن يدعي أن ذلك كان في عصره -[ ﷺ ]-، أو عصر خلفائه الراشدين، وإنما هو بدعة لعلها ظهرت في عصر المأمون، حين أخرج كتب الفلاسفة وعرّبها، ومنها المنطق والنجوم؛ فإنه علم أولئك الذين قال الله - تعالى - فيهم: ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم﴾ ،

стр. 223

فأقل أحوال المقرين على حساب المنازل القمرية أنهم مبتدعون، وكل بدعة ضلالة. ولقد عظمت هذه البدعة في الحرمين الشريفين، فإنهم في مكة المكرمة لا يعتمدون إلا على ذلك، ولهم فيه أنواع مؤلفات مثل " الربع المجيَّب " (١) ونحوه؛ يدرِّسونه ويقرءونه ويعتمدونه، وهو من العلم الذي قال فيه رسول الله -[ ﷺ ]-: " علم لا ينفع وجهل لا يضر " (٢) . وهو من علم أهل الكتاب، فإن أعيادهم ونحوها تدور على حساب سير الشمس، ولعله دخل على المسلمين من علم اليونان وأهل الكتاب، ومات رسول الله -[ ﷺ ]- بعد أن أنزل الله - تعالى - عليه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ ، وكان أهل بيته وأصحابه ﵃ على ذلك؛ لا يعرفون منازل الزيادة والنقصان، ولا ما يجعله المتأخرون هو الميزان، ولا شيئاً من هذه الأمور التي صار ذلك التكليف المؤقت عليها يدور ". انتهى (٣) .

стр. 224

( [وقت صلاة النائم أو الساهي عنها] :) (ومن نام عن صلاته أو سها عنها فوقتها حين يذكرها) ؛ أي: وقت القضاء إذا ذكر، وقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة؛ كحديث أنس عند البخاري ومسلم وغيرهما، وحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره. وقد ورد المعنى من غير وجه، وهو قوله [ ﷺ ] : " من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ ". قلت: وعلى هذا أهل العلم، وقاسوا المفوت قصداً على النائم (١) . كذا في " المسوى ". ( [المعذور إذا أدرك ركعة في الوقت أدرك الصلاة] :) (ومن كان معذوراً) : لأن الأوقات للصلوات قد عينها الشارع، وحدد أوائلها وأواخرها بعلامات حسية، وجعل ما بين الوقتين لكل صلاة هو الوقت لتلك الصلاة، وجعل الصلاة المفعولة في غير هذه الأوقات المعينة صلاة المنافق وصلاة الأمراء الذين يميتون الصلاة، كقوله في حديث أنس - الثابت في " الصحيح " -، قال: سمعت رسول الله [ ﷺ ] يقول: " تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان؛ قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله إلا قليلاً "، وكقوله -[ ﷺ ]- لأبي ذر: " كيف أنت إذا كان عليك أمراء يميتون الصلاة - أو يؤخرون الصلاة عن

стр. 225

وقتها -؟ ! "، قلت: فما تأمرني؟ قال: " صلّ الصلاة لوقتها ... " الحديث؛ ونحو ذلك. وهكذا أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر، فكان ما ذكرناه دليلاً على أن إدراك الركعة في الوقت الخارج عن الأوقات المضروبة - كوقت طلوع الشمس وغروبها وطلوع الفجر - هو خاص بالمعذور، كمن مرض مرضاً شديداً لا يستطيع معه تأدية الصلاة، ثم شفي وأمكنه إدراك ركعة، وكالحائض إذا طهرت وأمكنها إدراك ركعة ونحو ذلك. ( [من أدرك ركعة في الوقت أدرك الصلاة] :) (وأدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها) ؛ أي: الصلاة، لما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة، كحديث أبي هريرة أن رسول الله [ ﷺ ] قال: " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك الصبح، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما. ونحو ذلك حديث عائشة عند " مسلم " وغيره، وقد ثبت من حديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما بلفظ: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (١) ، وهذا يشمل جميع الصلوات لا يخص شيئاً منها.

стр. 226

قلت: هذا الحديث يحتمل وجوها: أحدها من أدرك ركعة من الصلاة في الوقت؛ فالجميع أداء وإلا فقضاء، وهو الأصح عند الشافعية. وقال أبو حنيفة بذلك في العصر خاصة (١) . وثانيها: من أدرك من المعذورين من الوقت ما يسع ركعة من الصلاة؛ فقد وجبت عليه تلك الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة وقول للشافعي. وثالثها: أن الجماعة تدرك بركعة، وهو وجه للشافعية. وقال أبو حنيفة: لو أدرك التشهد كان مدركاً للجماعة. كذا في " المسوى ". فمن صلى ركعة في الوقت، والباقي خارج الوقت؛ لا يكون عند الشافعي كمن صلى الكل خارج الوقت. وقال أبو حنيفة مثله؛ إلا في صلاة العصر خاصة. وقد رد ابن القيم على من قال بكونها خلاف الأصول، ورده بالمتشابه من نهيه [ ﷺ ] عن الصلاة وقت طلوع الشمس أتم رد - في " إعلام الموقعين " -؛ فليرجع إليه. ( [وجوب المحافظة على الوقت] :) (والتوقيت واجب) : لما ورد في ذلك من الأوامر الصحيحة بتأدية الصلاة

стр. 227

لوقتها، والنهي عن فعلها في غير وقتها المضروب لها. (والجمع لعذر جائز) ؛ أي: بين الصلاتين إن كان صورياً (١) ، وهو فعل الأولى في آخر وقتها، والأخرى في أول وقتها، فليس بجمع في الحقيقة؛ لأن كل صلاة مفعولة في وقتها المضروب لها، وإنما هو جمع في الصورة، ومنه جمعه [ ﷺ ] في المدينة المنورة من غير مطر ولا سفر - كما في " الصحيح " من حديث ابن عباس وغيره -؛ فإنه قد وقع التصريح في بعض الروايات بما يفيد ذلك، بل فسره من رواه بما يفيد أنه الجمع الصوري. وقد أوضح الماتن ذلك في رسالة مستقلة، فالمراد بالجمع الجائز للعذر هو جمع المسافر والمريض، وفي المطر، كما وردت بذلك الأدلة الصحيحة (٢) . وقد اختلف في جواز الجمع بين الصلاتين لغير هذه الأعذار، أو مع عدم العذر. والحق عدم جواز ذلك، كما حققه المجتهد الرباني شيخنا العلامة محمد ابن علي الشوكاني في " الفتح الرباني "، وغيره من مؤلفاته المباركة عليها ولها وفيها. ( [المتيمم والماسح على الجبيرة] :) (والمتيمم وناقص الصلاة) : كمن به مرض يمنعه عن استيفاء بعض أركانها.

стр. 228

(أو الطهارة) : كمن في بعض أعضاء وضوئه ما يمنعه من غسله بالماء. (يصلون كغيرهم من غير تأخير) : وجهه أنهم داخلون في الخطاب المشتمل على تعيين الأوقات وبيان أولها وآخرها، ولم يأت ما يدل على أنهم خارجون عنها، وأن صلاتهم لا تجزئ إلا في آخر الوقت. ولم يعول من أوجب التأخير على شيء تقوم به الحجة، بل ليس بيده إلا مجرد الرأي البحت، كقولهم: إن صلاتهم بدلية، ونحو ذلك! وهذا لا يغني من الحق شيئاً. أقول: لم يأت ما يدل على وجوب التأخير على من كان ناقص صلاة أو طهارة من كتاب ولا سنة، بل التيمم مشروع عند عدم الماء إذا حضر وقت الصلاة، وكذلك من كانت به علة لا يتمكن معها من استيفاء الطهارة أو الصلاة؛ جاز له أن يصلي إذا حضر وقت الصلاة كيف أمكن، وذلك هو المطلوب منه والواجب عليه، ولو كان التأخير واجباً على من كان كذلك؛ لبينه الشارع؛ لأنه من الأحكام التي تعم بها البلوى. ولا فرق بين من كان راجياً لزوال العلة في آخر الوقت، ومن كان آيساً من زوالها في الوقت، ومن زعم أنه يجب تأخير صلاة من الصلوات على فرد من أفراد العباد؛ لم يُقبل منه ذلك إلا بدليل. وأما ما يقال من أن الصلاة الناقصة أو الطهارة الناقصة بدل عن الصلاة الكاملة أو الطهارة الكاملة: فكلام لا ينفق في مواطن الخلاف، ولا تقوم بمثله الحجة على أحد.

стр. 229

على أن البدلية غير مسلَّمة، وعلى فرض تسليمها: فلا نسلم أن البدل لا يجزئ إلا عند تعذر المبدَل إلى آخر الوقت، فإنهم يجعلون الظهر أصلا والجمعة بدلا، والجمعة مجزئة في أول وقت الظهر، بل لا يجزئ في ذلك الوقت غيرها لمن لم يكن معذوراً. ثم لو سلمنا أن البدل لا يجزئ إلا عند تعذر المبدل، فوقت التعذر هو وقت الصلاة مثلا، فإذا دخل أول جزء من أجزاء الوقت، والمبدل متعذر: كان البدل في ذلك الوقت مجزئا، ومن زعم غير هذا جاءنا بحجة. ( [بيان الأوقات التي تكره فيها الصلاة] :) (و) أما كون (أوقات الكراهة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، وعند الزوال، وبعد العصر حتى تغرب) : فلما ثبت في " الصحيح " عن جماعة من الصحابة مرفوعاً؛ من النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس (١) ، وعند الزوال، وورد في روايات أخر: النهي عن الصلاة في الثلاثة الأوقات: وقت الطلوع، ووقت الزوال، ووقت الغروب. قال في " الحجة ": " الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر منها فليفعل " (٢) ، غير أنه نهي عن خمسة أوقات: ثلاثة منها أوكد نهيا من الباقيين وهي الساعات الثلاث إذا طلعت الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تتضيف (٣) للغروب حتى تغرب، لأنها أوقات صلاة المجوس.

стр. 230

وأما الآخران فقوله [ ﷺ ] : " لا صلاة بعد الصبح حتى تبزغ الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب " ولذلك صلى فيهما النبي [ ﷺ ] تارة. وروي استثناء نصف النهار يوم الجمعة (١) . واستنبُط جوازها في الأوقات الثلاثة في المسجد الحرام من حديث: " يا بني عبد مناف! من ولي منكم من أمر الناس شيئا فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار " (٢) . وعلى هذا فالسر في ذلك أنهما (٣) وقت ظهور شعائر الدين ومكانه فعارضا المانع (٤) من الصلاة ". انتهى. وأقول: الأحاديث في النهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر قد صحت بلا ريب، وهي عمومات قابلة للتخصيص بما هو أخص منها مطلقاً، لا بما هو أعم منها من وجه، وأخص منها من وجه، كأحاديث الأمر بصلاة تحية المسجد (٥) ؛ فإنه من باب تعارض العمومين، والواجب المصير

стр. 231

إلى الترجيح، فإن أمكن ترجيح أحدهما على الآخر وجب العمل به، وإن لم يمكن؛ وجب المصير إلى الترجيح بأمور خارجة، فإن تعذّر من جميع الوجوه؛ فالتخيير أو الاطراح في مادة. إذا تقرر هذا: فما عورضت به أحاديث النهي عن الصلاة في الوقتين المذكورين لا يصلح للمعارضة: أما حديث الرجلين اللذين أمرهما [ ﷺ ] بالإعادة (١) ؛ فقد اختلفت الرواية؛ ففي بعض الروايات أنه قال: " هذه فريضة وتلك نافلة "، وفي بعضها عكس ذلك، وعلى الرواية الأولى: لا معارضة، وعلى الثانية: غاية ما هناك أن ذلك يكون مخصصا لأحاديث النهي بمثل حال الرجلين، وهو من دخل مسجد جماعة يصلون فيه فريضة في أحد الوقتين، فإنه يتنفل معهم. وحديث: أنه [ ﷺ ] كان يصلي ركعتين بعد العصر (٢) ؛ قد تبين في روايات الحديث الثابتة في الأمهات أنه وفد عليه وفد عبد القيس، فشغلوه عن ركعتي الظهر، فصلاهما بعد العصر، وكان هديه [ ﷺ ] أنه إذا فعل شيئاً داوم عليه، حتى سألته بعض نسائه، وقالت: هل نقضيهما إذا فاتتانا؟ فقال: " لا " (٣) .

стр. 232

وقد ذكر من روى ذلك وما عليه شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى " (١) . وأما حديث: " لا تمنعوا طائفاً ... ": فهو مع كونه غير صلاة - وإن كان مشبهاً بها؛ فليس المشبه كالمشبه به هو أيضا عام مخصص بأحاديث النهي، أو خاص بنوع من أنواع الصلاة وهو الطواف؛ فليعلم.

стр. 233

(٢ - باب الأذان) ( [حكم الأذان] :) أقول: هذه العبادة من أعظم شعائر الإسلام، وأشهر معالم الدين، فإنها وقعت المواظبة عليها منذ شرعها الله إلى أن مات رسول الله [ ﷺ ] : في ليل ونهار، وحضر وسفر، ولم يُسمع بأنه وقع الإخلال بها، أو الترخيص في تركها. (يشرع) : وقد اختلف في وجوبه، والظاهر الوجوب؛ لأمره [ ﷺ ] بذلك في غير حديث. والحاصل: أنه ما ينبغي في مثل هذه العبادة العظيمة أن يتردد متردد في وجوبها؛ فإنها أشهر من نار على علم، وأدلتها هي الشمس المنيرة. ( [شروط المؤذن] :) (لأهل كل بلد أن يتخذوا مؤذناً) : وأما كون المؤذن مكلفا ذَكراً؛ فهذا هو الظاهر؛ لأن الأذان عبادة شرعية لا تجزئ إلا من مكلَّف بها، ولم يُسمع في أيام النبوة ولا في الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم أنه وقع التأذين المشروع - الذي هو إعلام بدخول الوقت، ودعاء إلى الصلاة - من امرأة قط. وأما أذان المرأة لنفسها، أو لمن يحضر عندها من النساء، مع عدم رفع

стр. 234

الصوت رفعاً بالغاً: فلا مانع من ذلك، بل الظاهر أن النساء ممن يدخل في الخطاب بالأذان، ولم يأت ما تقوم به الحجة، لا في كون المؤذن طاهراً من الحدث الأكبر، ولا من الحدث الأصغر؛ لأن ما هو مرفوع في ذلك لم يصح، وما هو موقوف على صحابي أو تابعي لا تقوم به الحجة. وإن كان التطهر للمؤذن من الحدثين هو الأولى والأحسن؛ فقد كره النبي [ ﷺ ] أن يرد السلام وهو محدث حدثاً أصغر حتى توضأ - كما في رواية (١) -، وتيمم - كما في أخرى (٢) -، والأذان أولى بذلك من مجرد السلام. قال الماتن في " حاشية الشفاء ": وظاهر الأحاديث أنه لا يصح أذان غير المتوضئ. وقد ورد حديث يدل على اشتراط كون المؤذن متوضئاً، أخرجه الترمذي بلفظ: " لا يؤذن إلا متوضئ " (٣) ، وقد أُعل بالانقطاع والإرسال، ويشهد له (٤) حديث: " إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر "، أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. ( [الأذان بالألفاظ المشروعة] :) (ينادى بألفاظ الأذان المشروعة) : لإعلامهم بمواقيت الصلاة، وللتمسك

стр. 235

بشعائر الإسلام، فقد كان الغزاة في أيام النبوة وما بعدها إذا جهلوا حال أهل القرية، تركوا حربهم حتى يحضر وقت الصلاة، فإن سمعوا أذاناً كفّوا عنهم، وإن لم يسمعوا قاتلوهم مقاتلة المشركين (١) . وأما غير أهل البلد، كالمسافر والمقيم بفلاة من الأرض؛ فيؤذن لنفسه ويقيم، فإن كانوا جماعة أذن لهم أحدهم وأقام. وألفاظ الأذان قد ثبتت في أحاديث كثيرة، وفي بعضها اختلاف بزيادة ونقص، وقد تقرر أن العمل على الزيادة التي لا تنافي المزيد، فما ثبت من وجه صحيح مما فيه زيادة تعين قبوله، كتربيع الأذان وترجيع الشهادتين، ولا تطرح الزيادة إذا كانت أدلة الأصل أقوى منها؛ لأنه لا تعارض حتى يصار إلى الترجيح، كما وقع لكثير من أهل العلم في هذا الباب وغيره من الأبواب، بل الجمع ممكن بضم الزيادة إلى الأصل، وهو مقدم على الترجيح، وقد وقع الإجماع على قبول الزيادة التي لم تكن منافية كما تقرر في الأصول، وأدلة إفراد الإقامة أقوى من أدلة تشفيعها، ولكن التشفيع مشتمل على زيادة خارجة من مخرج صالح للاعتبار، فكان العلم على أدلة التشفيع متعيناً. ( [دخول الوقت شرط لصحة الأذان إلا في الفجر] :) (عند دخول وقت الصلاة) : إلا الأذان للفجر قبل دخول وقتها؛ لما في " الصحيحين " من حديث سالم بن عبد الله، عن النبي -[ ﷺ ]- أنه قال: " إن بلالا يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم ".

стр. 236

وفي " صحيح مسلم " عن سمرة، عن النبي -[ ﷺ ]-: " لا يغرنكم نداء بلال، ولا هذا البياض، حتى ينفجر الفجر "؛ وهو في " الصحيحين " من حديث ابن مسعود، ولفظه: " لا يمنع أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن - أو ينادي - ليرجع قائمكم وينبه نائمكم ". قال مالك: لم يزل الصبح ينادى لها قبل الفجر. فردت هذه السنة لمخالفتها الأصول والقياس على سائر الصلوات، وبحديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن بلالاً أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي -[ ﷺ ]- أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام ولا ترد السنة الصحيحة بمثل ذلك؛ فإنها أصل بنفسها، وقياس وقت الفجر على غيره من الأوقات لو لم يكن فيه إلا مصادمة للسنة لكفى في رده، فكيف والفرق قد أشار إليه -[ ﷺ ]-؟ ! وهو ما في النداء قبل الوقت من المصلحة والحكمة، التي لا تكون في غير الفجر، وإذا اختص وقتها بأمر لا يكون في سائر الصلوات؛ امتنع الإلحاق. وأما حديث حماد، عن أيوب (١) : فحديث معلول عند أئمة الحديث، لا تقوم به حجة. كذا في " إعلام الموقعين ". وقد أطال ابن القيم في تعليل هذا الحديث، والجواب عنه وعن غيره؛ فليرجع إليه.

стр. 237

( [متابعة السامع للمؤذن سنة] :) (ويشرع للسامع أن يتابع المؤذن) : لما قد ثبت في " الصحيح " من حديث أبي سعيد، أن النبي -[ ﷺ ]- قال: " إذا سمعتم النداء؛ فقولوا مثل ما يقول المؤذن ". وفي الباب عن جماعة من الصحابة بنحو هذا. وورد مفصلاً مبيناً من حديث عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله -[ ﷺ ]-: " إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله - من قلبه - دخل الجنة "؛ أخرجه مسلم وغيره. وأخرج نحوه البخاري. وقد اختار بعض العلماء الجمع عند الحيعلتين بين المتابعة للمؤذن والحوقلة، وهو جمع حسن (١) ؛ وإن لم يكن متعيناً.

стр. 238

( [الكلام على الإقامة] :) (ثم تشرع الإقامة على الصفة الواردة) : أقول: قد ثبت تشفيع الأذان وإيتار الإقامة في " الصحيحين " وغيرهما. وروي من وجه صحيح تشفيع جميع ألفاظ الإقامة. وورد في الإقامة من وجه صحيح ما يدل على إيتارها، إلا التكبير في أولها وآخرها، و: قد قامت الصلاة، فإن ذلك يكون مثنى مثنى. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الكل سنة، وأيها فعلها المؤذن والمقيم؛ فقد فعل ما هو حق وسنة. قال الماتن في " شرح المنتقى " - بعد ما ذكر اختلاف الناس في ذلك، وأطال في بيانه -: إذا عرفت هذا: تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج بها، وأحاديث إفراد الإقامة، وإن كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في " الصحيحين "، لكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة، فالمصير إليها لازم، لا سيما مع تأخر تاريخ بعضها. انتهى. ثم اعلم أن هذا الشعار لا يختص بصلاة الجماعات، بل كل مصل عليه أن يؤذن ويقيم، لكن من كان في جماعة كفاه أذان المؤذن لها وإقامته. ثم الظاهر أن النساء كالرجال (١) ؛ لأنهن شقائقهم، والأمر لهم أمر لهن، ولم يرد ما ينتهض للحجة في عدم الوجوب عليهن، فإن الوارد في ذلك في

стр. 239

أسانيده متروكون، لا يحل الاحتجاج بهم، فإن ورد دليل يصلح لإخراجهن فذاك، وإلا فهن كالرجال.

стр. 240

(٣ - باب شروط الصلاة) (ويجب على المصلي تطهير ثوبه) : (١ - [طهارة الثوب] :) لنص القرآن: ﴿وثيابك فطهر﴾ ، ولقوله [ ﷺ ] لمن سأله: هل يصلي في الثوب الذي يأتي فيه أهله؟ فقال: " نعم؛ إلا أن يرى فيه شيئاً، فيغسله "، أخرجه أحمد وابن ماجه، ورجال إسناده ثقات. ومثله عن معاوية، قال: قلت لأم حبيبة: هل كان النبي [ ﷺ ] يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم؛ إذا لم يكن فيه أذى؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ بإسناد رجاله ثقات. ومنها حديث خلعه [ ﷺ ] النعل (١) ؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان، وله طرق عن جماعة من الصحابة يقوي بعضها بعضا. ومنها الأدلة المتقدمة في تعيين النجاسات. (٢ - [طهارة البدن] :) (وبدنه) : لأنه أولى من تطهير الثوب، ولما ورد من وجوب تطهيره.

стр. 241

(٣ - [طهارة المكان] :) (ومكانه من النجاسة) : لما ثبت عنه [ ﷺ ] من رش الذنوب على بول الأعرابي، ونحو ذلك. وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تطهير الثلاثة للصلاة، وذهب جمع إلى أن ذلك شرط لصحة الصلاة، وذهب آخرون إلى أنه سنة، والحق الوجوب؛ فمن صلى ملابساً لنجاسة عامداً؛ فقد أخل بواجب، وصلاته صحيحة، والشرطية التي يؤثر عدمها في عدم المشروط - كما قرره أهل الأصول -؛ لا يصلح للدلالة عليها إلا ما كان يفيد ذلك، مثل نفي القبول، أو نحو: لا صلاة لمن صلى في مكان متنجس، أو النهي عن الصلاة في المكان المتنجس؛ لدلالة النهي على الفساد (١) . وأما مجرد الأمر فلا يصلح لإثبات الشروط؛ اللهم إلا على قول من قال: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فليكن هذا منك على ذُكْر، فإنك إن تفطنت له رأيت العجب في كتب الفقه، فإنهم كثيراً ما يجعلون الشيء شرطاً، ولا يستفاد من دليله غير الوجوب، وكثيراً ما يجعلون الشيء واجباً، ودليله يدل على الشرطية، والسبب الحامل على ذلك: عدم مراعاة القواعد الأصولية والذهول عنها. والحاصل: أن ما دل على الشرطية دل على الوجوب وزيادة، وهو تأثير بطلان المشروط، وما دل على الوجوب لا يدل على الشرطية؛ لأن غاية

стр. 242

الواجب أن تاركه يُذم، وأما أنه يستلزم بطلان الشيء الذي ذلك الواجب جزء من أجزائه، أو عارض من عوارضه: فلا. فمن حكم على الشيء بالوجوب، وجعل عدمه موجباً للبطلان، أو حكم على الشيء بالشرطية، ولم يجعل عدمه موجباً للبطلان: فقد غفل عن هذين المفهومين. وفي المقام أدلة مختلفة ومقالات طويلة، ليس هذا محل بسطها. (٤ - [ستر العورة] :) (وستر عورته) : لقوله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ؛ قلت: الزينة: ما وارى عورتك ولو عباءة، قاله مجاهد، والمسجد: الصلاة، ولما وقع منه [ ﷺ ] من الأمر بسترها في كل الأحوال، كما في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك "، قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: " إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها "، قلت: فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: " الله ﵎ أحق أن يُستحيا منه "، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وعلقه البخاري، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم. ومن ذلك قوله [ ﷺ ] لعلي: " لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت "، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، والبزار؛ وفي إسناده مقال (١) .

стр. 243

ولكنه يعضده حديث محمد بن [عبد الله بن] جحش، قال: مر رسول الله [ ﷺ ] على معمر؛ وفخذاه مكشوفتان، فقال: " يا معمر! غط فخذيك؛ فإن الفخذين عورة "، أخرجه أحمد، والبخاري في " صحيحه " تعليقاً، وأخرجه - أيضا - في " تاريخه "، والحاكم في " المستدرك ". وروى الترمذي، وأحمد من حديث ابن عباس مرفوعاً: " الفخذ عورة ". وأخرج نحوه مالك في " الموطأ "، وأحمد، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، وابن حبان - وصححه -، وعلقه البخاري. وقد عارض أحاديث: " الفخذ عورة " أحاديث أخر، وليس فيها إلا أنه [ ﷺ ] كشف عن فخذه يوم خيبر أو في بيته، ولا يصلح ذلك لمعارضة ما تقدم. وورد في الركبة ما يفيد أنها تُستر، وما يخالف ذلك. وأما والمرأة؛ فورد حديث: " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم؛ وقد روي موقوفاً ومرفوعاً من حديث عائشة، ومن حديث أبي قتادة. ومما يفيد وجوب ستر العورة: أحاديث النهي عن الصلاة في الثوب الواحد ليس على عاتق المصلي منه شيء، وفي بعضها: " فليخالف بين طرفيه "، وفي بعضها: " وإن كان ضيقا فاتزر به "، وكلها في " الصحيح "، ولكن ليس فيها ما يستفاد منه الشرطية التي صرح بها جماعة من المصنفين. وحديث الخمار إذا انتهض للاستدلال به على الشرطية: فهو خاص

стр. 244

بالمرأة، وقد عرفت مما سلف أن الذي يستلزم عدمه عدم الصلاة - أي: بطلانها - هو الشرط أو الركن، لا الواجب، فمن زعم أن من ظهر شيء من عورته في الصلاة، أو صلى بثياب متنجسة؛ كانت صلاته باطلة: فهو مطالب بالدليل، ولا ينفعه مجرد الأوامر بالستر أو التطهير؛ فإن غاية ما يستفاد منها الوجوب. ( [أشياء ورد النهي عنها في الصلاة] :) (١ - [اشتمال الصماء] :) (ولا يشتمل الصماء) : لحديث أبي هريرة: أن النبي [ ﷺ ] نهى أن يشتمل الصماء "، وهو في " الصحيحين ". وفي لفظ فيهما: " ... وأن يشتمل في إزاره إذا ما صلى؛ إلا أن يخالف بطرفيه على عاتقه ". وأخرج نحوه الجماعة من حديث أبي سعيد. واشتمال الصماء: هو أن يجلل جسده بالثوب، لا يرفع منه جانباً، ولا يبقى ما يخرج منه يده. (٢ - [السدل] :) (ولا يسدل) : لحديث النهي عن السدل في الصلاة؛ وهو عند أحمد وأبي داود، والترمذي، والحاكم في " المستدرك "، وفي الباب عن جماعة من الصحابة.

стр. 245

والسدل: هو إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه، بل يلتحف به، ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك. (٣ - [الإسبال] :) (ولا يسبل) : لما ورد من الأحاديث الصحيحة من النهي عن إرسال الإزار، والمراد بالإسبال: أن يرخي إزاره حتى يجاوز الكعبين. (٤ - [كفت الثوب أو الشعر] :) (ولا يكفت) : لأنه قد ورد النهي عن أن يكفت الرجل ثوبه أو شعره، أما كفت الثوب: فكمن يأخذ طرف ثوبه، فيغرزه في حجزته أو نحو ذلك، وأما كفت الشعر: فنحو أن يأخذ منه خصلة مسترسلة، فيكفتها في شعر رأسه، أو يربطها بخيط إليه، أو نحو ذلك. (٥ - [لبس ثوب الحرير] :) (ولا يصلي في ثوب حرير) : والأحاديث في ذلك كثيرة، وكلها يدل على المنع من لبس ثوب الحرير الخالص. وأما المشوب: فالمذاهب في ذلك معروفة؛ فبعض الأحاديث يدل على أنه إنما يحرم الخالص لا المشوب، كحديث ابن عباس عند أحمد، وأبي داود (١) ، قال: إنما نهى رسول الله [ ﷺ ] عن الثوب المصمت من القز. قال ابن عباس: أما السدي والعلم؛ فلا نرى به بأسا.

стр. 246

وبعضها يدل على المنع، كما وردت في حلة السيراء؛ فإنه غضب لما رأى عليا قد لبسها، وقال: " إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمراً بين النساء "، وهو في " الصحيح ". والسيراء - قد قيل -: إنها المخلوطة بالحرير لا الحرير الخالص، وقيل: إنها الحرير الخالص المخطط، وقيل غير ذلك. ولكنه قد ورد في طريق من طرق هذا الحديث ما يفيد أنها غير خالصة؛ فأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجه (١) ، والدورقي هذا الحديث بلفظ: قال علي: أُهدي إلي رسول الله [ ﷺ ] حلة مسيرة؛ إما سَداها وإما لُحمتها "؛ فذكر الحديث. (٦ - [لبس ثوب الشهرة] :) (ولا ثوب شهرة) : لحديث: " من لبس ثوب شهرة في الدنيا؛ ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة "، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي؛ بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر. وهذا الوعيد يدل على أن لبسه محرم في كل وقت، فوقت الصلاة أولى بذلك. وأما الثوب المصبوغ بالصفرة والحمرة: فالأدلة في ذلك متعارضة؛ فلهذا لم نذكره، وقد أفرده الماتن برسالة مستقلة.

стр. 247

(٧ - [لُبس الثوب المغصوب] :) (ولا مغصوب) : لكونه ملك الغير، وهو حرام بالإجماع. (٨ - [استقبال عين الكعبة للمشاهد وجهتها للغائب بعد التأكد] :) (وعليه استقبال عين الكعبة إن كان مشاهداً لها أو في حكم المشاهد) وجوباً؛ لأنه قد تمكن من اليقين، فلا يُعدل عنه إلى الظن. والأحاديث المتواترة مصرحة بوجوب الاستقبال، بل هو نص القرآن الكريم: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ ؛ وعلى ذلك أجمع المسلمون، وهو قطعي من قطعيات الشريعة. (وغير المشاهد) ، ومن في حكمه (يستقبل الجهة بعد التحري) : لأن ذلك هو الذي يُمكنه ويدخل تحت استطاعته، ولم يكلفه الله - تعالى - ما لا يطيق، كما صرح بذلك في كتابه العزيز، وقد جعل النبي [ ﷺ ] بين المشرق والمغرب قبلة؛ كما في حديث أبي هريرة عند الترمذي، وابن ماجه. ومثل ذلك ورد عن الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم -، وقد استقبل النبي [ ﷺ ] الجهة بعد خروجه من مكة المكرمة، وشرع للناس ذلك. أقول: استقبال القبلة هو من ضروريات الدين، فمن أمكنه استقبال القبلة تحقيقاً: فذلك الواجب عليه، مثل القاطن حولها المشاهد لها، من دون قطع مسافة، ولا تجشم مشقة، ومن لم يكن كذلك: ففرضه استقبال الجهة، وليس المراد من تلك الجهة الكعبة على الخصوص، بل المراد ما أرشد إليه [ ﷺ ] من كون بين المشرق والمغرب قبلة.

стр. 248

فمن كان في جهات اليمن وعرف جهة المشرق وجهة المغرب؛ توجه بين الجهتين، فإن تلك الجهة هي القبلة. وكذلك من كان بجهة الشام؛ يتوجه بين الجهتين من دون إتعاب للنفس في تقدير الجهات؛ فإن ذلك مما لم يرد به الشرع ولا كُلّف به العباد. والمحاريب (١) المنصوبة في المساجد والمشاهد المعمورة في بلاد المسلمين، الذين لهم عناية بأمر الدين؛ مغنية عن التكلف، وكذلك إخبار العدول المرضيين كافة، فإن من قال: هذه جهة القبلة، أو عمّر محراباً يأوي إليه الناس؛ لا شك أنه قد بلغ من التحري ما يبلغه من أراد تأدية صلاة أو صلوات في مكان من الأمكنة؛ لأن معرفة الجهة التي عرفناك بها من السير ما تراد لمعرفته لكون الجهات الأربع معلومة لكل عاقل. وقد يعرض اللبس في بعض المواطن على بعض الأفراد؛ إما لعدم ظهور ما يهتدي به في ظلمة الليل، أو حيلولة جبال عالية في أرض عالية لا يعرفها، مع تلون طرقها التي قد سلكها، فهذا فرضه أن يمعن النظر في تعريف الجهة، فإذا أعوزه الأمر توجه حيث شاء، هذا في الفرائض، وأما النوافل فقد خفف الشارع فيها وسوغ تأديتها على ظهر الراحلة إلى جهة القبلة وغير جهتها، بل سوّغ تأدية الفريضة في الأرض الندية على ظهر الراحلة، كما تجد ذلك في " المنتقى " و " شرحه ". فهذا خلاصة ما تعبدنا الله به في أمر القبلة، وهو يغنيك عن التفريعات الطويلة والتهويلات المهيلة في كتب الفقه.

стр. 249

(٤ - باب كيفية الصلاة) ( [كيفية الصلاة النبوية] :) وهي - على ما تواتر عنه [ ﷺ ] ، وتوارثته الأمة -: أن يتطهر، ويستر عورته، ويقوم ويستقبل القبلة بوجهه، ويتوجه إلى الله - تعالى - بقلبه، ويخلص له العمل، ويقول: " الله أكبر "؛ بلسانه، ويقرأ فاتحة الكتاب، ويضم معها - إلا في ثالثة الفرض ورابعته (١) - سورة من القرآن، ثم يركع وينحني بحيث يقتدر على أن يمسح ركبتيه برؤوس أصابعه، حتى يطمئن راكعاً، ثم يرفع رأسه حتى يطمئن قائماً، ثم يسجد على الآراب السبعة: اليدين والرجلين والركبتين والوجه، ثم يرفع رأسه حتى يستوي جالساً، ثم يسجد ثانيا كذلك، فهذه ركعة، ثم يقعد على رأس كل ركعتين ويتشهد، فإن كان آخر صلاته؛ صلى على النبي [ ﷺ ] ، ودعا أحب الدعاء إليه، وسلم على من يليه من الملائكة والمسلمين، فهذه صلاة النبي [ ﷺ ] ؛ لم يثبت أنه ترك شيئاً من ذلك قط عمداً من غير عذر في فريضة، وصلاة الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وهي التي توارثوا أنها مسمى الصلاة، وهي من ضروريات الملة. نعم؛ اختلف الفقهاء في أحرف منها؛ هل هي أركان الصلاة، لا يعتد

стр. 250

بها بدونها، أو واجباتها التي تنقص بتركها، أو أبعاض يُلام على تركها، وتجبر بسجدة السهو،؟ كذا في " الحجة البالغة ". ( [النية شرط للصلاة] :) (لا تكون شرعية إلا بالنية) : لقوله - تعالى -: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ . وروى مالك بإسناده - في غير رواية يحيى بن يحيى (١) -، عن النبي [ ﷺ ] : " إنما الأعمال بالنيات ". قلت: وعلى وجوب النية في ابتداء الصلاة أهل العلم. وعندي: أن المقدر في حديث " إنما الأعمال بالنية ": إن كان الحصول أو الوجود أو الثبوت أو الصحة - أو ما يلاقي هذه الأمور في المعنى الذي لا تكون تلك الصلاة شرعية إلا به -: فالنية في مثل الصلاة شرط من شروطها،؛ لأنه قد استلزم عدمها عدم الصلاة، وهذه خاصة الشروط. وإن كان المقدّر الكمال أو ما يلاقيه في المعنى الذي تكون الصلاة شرعية بدونه: فليست النية بواجبة؛ فضلا عن أن تكون شرطا، لكن قد عُرف رجحان التقدير المشعر بالمعنى الأول؛ لكون الحصر في " إنما " في معنى (ما الأعمال إلا بالنية) ، وإن اختلفا في أمور خارجة عن هذا؛ كما تقرر في علمي المعاني والأصول، والنفي يتوجه إلى المعنى الحقيقي، وهو الذات الشرعية، وانتفاؤها ممكن؛ لأن الموجود في الخارج ذات غير شرعية، وعلى فرض وجود
следующие страницы →