← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وبعضها يدل على المنع، كما وردت في حلة السيراء؛ فإنه غضب لما رأى عليا قد لبسها، وقال: " إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمراً بين النساء "، وهو في " الصحيح ". والسيراء - قد قيل -: إنها المخلوطة بالحرير لا الحرير الخالص، وقيل: إنها الحرير الخالص المخطط، وقيل غير ذلك. ولكنه قد ورد في طريق من طرق هذا الحديث ما يفيد أنها غير خالصة؛ فأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجه (١) ، والدورقي هذا الحديث بلفظ: قال علي: أُهدي إلي رسول الله [ ﷺ ] حلة مسيرة؛ إما سَداها وإما لُحمتها "؛ فذكر الحديث. (٦ - [لبس ثوب الشهرة] :) (ولا ثوب شهرة) : لحديث: " من لبس ثوب شهرة في الدنيا؛ ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة "، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي؛ بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر. وهذا الوعيد يدل على أن لبسه محرم في كل وقت، فوقت الصلاة أولى بذلك. وأما الثوب المصبوغ بالصفرة والحمرة: فالأدلة في ذلك متعارضة؛ فلهذا لم نذكره، وقد أفرده الماتن برسالة مستقلة.

стр. 247

(٧ - [لُبس الثوب المغصوب] :) (ولا مغصوب) : لكونه ملك الغير، وهو حرام بالإجماع. (٨ - [استقبال عين الكعبة للمشاهد وجهتها للغائب بعد التأكد] :) (وعليه استقبال عين الكعبة إن كان مشاهداً لها أو في حكم المشاهد) وجوباً؛ لأنه قد تمكن من اليقين، فلا يُعدل عنه إلى الظن. والأحاديث المتواترة مصرحة بوجوب الاستقبال، بل هو نص القرآن الكريم: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ ؛ وعلى ذلك أجمع المسلمون، وهو قطعي من قطعيات الشريعة. (وغير المشاهد) ، ومن في حكمه (يستقبل الجهة بعد التحري) : لأن ذلك هو الذي يُمكنه ويدخل تحت استطاعته، ولم يكلفه الله - تعالى - ما لا يطيق، كما صرح بذلك في كتابه العزيز، وقد جعل النبي [ ﷺ ] بين المشرق والمغرب قبلة؛ كما في حديث أبي هريرة عند الترمذي، وابن ماجه. ومثل ذلك ورد عن الخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم -، وقد استقبل النبي [ ﷺ ] الجهة بعد خروجه من مكة المكرمة، وشرع للناس ذلك. أقول: استقبال القبلة هو من ضروريات الدين، فمن أمكنه استقبال القبلة تحقيقاً: فذلك الواجب عليه، مثل القاطن حولها المشاهد لها، من دون قطع مسافة، ولا تجشم مشقة، ومن لم يكن كذلك: ففرضه استقبال الجهة، وليس المراد من تلك الجهة الكعبة على الخصوص، بل المراد ما أرشد إليه [ ﷺ ] من كون بين المشرق والمغرب قبلة.

стр. 248

فمن كان في جهات اليمن وعرف جهة المشرق وجهة المغرب؛ توجه بين الجهتين، فإن تلك الجهة هي القبلة. وكذلك من كان بجهة الشام؛ يتوجه بين الجهتين من دون إتعاب للنفس في تقدير الجهات؛ فإن ذلك مما لم يرد به الشرع ولا كُلّف به العباد. والمحاريب (١) المنصوبة في المساجد والمشاهد المعمورة في بلاد المسلمين، الذين لهم عناية بأمر الدين؛ مغنية عن التكلف، وكذلك إخبار العدول المرضيين كافة، فإن من قال: هذه جهة القبلة، أو عمّر محراباً يأوي إليه الناس؛ لا شك أنه قد بلغ من التحري ما يبلغه من أراد تأدية صلاة أو صلوات في مكان من الأمكنة؛ لأن معرفة الجهة التي عرفناك بها من السير ما تراد لمعرفته لكون الجهات الأربع معلومة لكل عاقل. وقد يعرض اللبس في بعض المواطن على بعض الأفراد؛ إما لعدم ظهور ما يهتدي به في ظلمة الليل، أو حيلولة جبال عالية في أرض عالية لا يعرفها، مع تلون طرقها التي قد سلكها، فهذا فرضه أن يمعن النظر في تعريف الجهة، فإذا أعوزه الأمر توجه حيث شاء، هذا في الفرائض، وأما النوافل فقد خفف الشارع فيها وسوغ تأديتها على ظهر الراحلة إلى جهة القبلة وغير جهتها، بل سوّغ تأدية الفريضة في الأرض الندية على ظهر الراحلة، كما تجد ذلك في " المنتقى " و " شرحه ". فهذا خلاصة ما تعبدنا الله به في أمر القبلة، وهو يغنيك عن التفريعات الطويلة والتهويلات المهيلة في كتب الفقه.

стр. 249

(٤ - باب كيفية الصلاة) ( [كيفية الصلاة النبوية] :) وهي - على ما تواتر عنه [ ﷺ ] ، وتوارثته الأمة -: أن يتطهر، ويستر عورته، ويقوم ويستقبل القبلة بوجهه، ويتوجه إلى الله - تعالى - بقلبه، ويخلص له العمل، ويقول: " الله أكبر "؛ بلسانه، ويقرأ فاتحة الكتاب، ويضم معها - إلا في ثالثة الفرض ورابعته (١) - سورة من القرآن، ثم يركع وينحني بحيث يقتدر على أن يمسح ركبتيه برؤوس أصابعه، حتى يطمئن راكعاً، ثم يرفع رأسه حتى يطمئن قائماً، ثم يسجد على الآراب السبعة: اليدين والرجلين والركبتين والوجه، ثم يرفع رأسه حتى يستوي جالساً، ثم يسجد ثانيا كذلك، فهذه ركعة، ثم يقعد على رأس كل ركعتين ويتشهد، فإن كان آخر صلاته؛ صلى على النبي [ ﷺ ] ، ودعا أحب الدعاء إليه، وسلم على من يليه من الملائكة والمسلمين، فهذه صلاة النبي [ ﷺ ] ؛ لم يثبت أنه ترك شيئاً من ذلك قط عمداً من غير عذر في فريضة، وصلاة الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وهي التي توارثوا أنها مسمى الصلاة، وهي من ضروريات الملة. نعم؛ اختلف الفقهاء في أحرف منها؛ هل هي أركان الصلاة، لا يعتد

стр. 250

بها بدونها، أو واجباتها التي تنقص بتركها، أو أبعاض يُلام على تركها، وتجبر بسجدة السهو،؟ كذا في " الحجة البالغة ". ( [النية شرط للصلاة] :) (لا تكون شرعية إلا بالنية) : لقوله - تعالى -: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ . وروى مالك بإسناده - في غير رواية يحيى بن يحيى (١) -، عن النبي [ ﷺ ] : " إنما الأعمال بالنيات ". قلت: وعلى وجوب النية في ابتداء الصلاة أهل العلم. وعندي: أن المقدر في حديث " إنما الأعمال بالنية ": إن كان الحصول أو الوجود أو الثبوت أو الصحة - أو ما يلاقي هذه الأمور في المعنى الذي لا تكون تلك الصلاة شرعية إلا به -: فالنية في مثل الصلاة شرط من شروطها،؛ لأنه قد استلزم عدمها عدم الصلاة، وهذه خاصة الشروط. وإن كان المقدّر الكمال أو ما يلاقيه في المعنى الذي تكون الصلاة شرعية بدونه: فليست النية بواجبة؛ فضلا عن أن تكون شرطا، لكن قد عُرف رجحان التقدير المشعر بالمعنى الأول؛ لكون الحصر في " إنما " في معنى (ما الأعمال إلا بالنية) ، وإن اختلفا في أمور خارجة عن هذا؛ كما تقرر في علمي المعاني والأصول، والنفي يتوجه إلى المعنى الحقيقي، وهو الذات الشرعية، وانتفاؤها ممكن؛ لأن الموجود في الخارج ذات غير شرعية، وعلى فرض وجود

стр. 251

مانع عن التوجه إلى المعنى الحقيقي؛ فلا ريب أن الصحة أقرب إلى المعنى الحقيقي من الكمال؛ لاستلزامها لعدم الاعتداد بتلك الذات، وترجيح أقرب المجازيٍ ن متعيِّن. فظهر بهذا أن القول بأن النية شرط للصلاة؛ أرجح من القول بأنها من جملة واجباتها. والكلام على هذا يطول ليس هذا موضع ذكره. ( [فروض الصلاة تنقسم إلى واجبات وأركان وشروط] :) (وأركانها كلها مفترضة) : لكونها ماهية الصلاة التي لا يسقط التكليف إلا بفعلها، وتُعدم الصورة المطلوبة بعدمها، وتكون ناقصة بنقصان بعضها، وهي: القيام، فالركوع، فالاعتدال، فالسجود، فالاعتدال، فالسجود، فالقعود للتشهد. وقد بين الشارع صفاتها وهيئاتها، وكان يجعلها قريبا من السواء، - كما ثبت في " الصحيح " عنه -. أقول: وجملة القول في هذا الباب: إنه ينبغي لمن كان يقتدر على تطبيق الفروع على الأصول، وإرجاع فرع الشيء إلى أصله، أن يجعل هذه الفروض المذكورة في هذا الباب منقسمة إلى ثلاثة أقسام: - واجبات: كالتكبير، والتسليم، والتشهد. - وأركان: كالقيام، والركوع، والاعتدال، والسجود، والاعتدال،

стр. 252

والسجود، والقعود للتشهد. - وشروط: كالنية، والقراءة. أما النية: فلما قدمنا. وأما القراءة: فلورود ما يدل على شرطيتها؛ كحديث: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "، وحديث: " لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب "، ونحوها، فإن النفي إذا توجه إلى الذات أو إلى صحتها؛ أفاد الشرطية؛ إذ هي تأثير عدم الشرط في عدم المشروط، وأصرح من مطلق النفي: النفي المتوجه إلى الإجزاء. والحاصل: أن شروط الشيء يقتضي عدمها عدمه، وأركانه كذلك؛ لأن عدم الركن يوجب عدم وجود الصورة المأمور بها على الصفة التي اعتبرها الشارع، وما كان كذلك لا يجزئ؛ إلا أن يقوم دليل على أن مثل ذلك الركن لا يخرج الصورة المأمور بها عن كونها مجزئة، كما يقول بعض أهل العلم في الاعتدال وقعود التشهد، وإن كان الحق خلاف ما قال. وأما الواجبات: فغاية ما يستفاد من دليلها - وهو مطلق الأمر -: أن تركها معصية، لا أن عدمها يستلزم عدم الصورة المأمور بها. إذا تقرر هذا: لاح لك أن هذه الفروض المعدودة في هذا الباب متوافقة في ذات بينها، والفرض والواجب مترادفان على ما ذهب إليه الجمهور، وهو الحق. وحقيقة الواجب: ما يمدح فاعله ويذم تاركه، والمدح على الفعل، والذم على الترك: لا يستلزمان البطلان؛ بخلاف الشرط، فإن حقيقته ما يستلزم عدمه عدم المشروط كما عرفت.

стр. 253

فاحفظ هذا التحقيق؛ تنتفع به في مواطن وقع التفريع فيها مخالفا للتأصيل، وهو كثير الوجود في مؤلفات الفقهاء من جميع المذاهب، وكثيرا ما تجد العارف بالأصول، إذا تكلم في الفروع؛ ضاقت عليه المسالك، وطاحت عنه المعارف، وصار كأحد الجامدين على علم الفروع؛ إلا جماعة منهم، ﴿وقليل ما هم﴾ ، ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ . ( [قعود التشهد الأوسط من سنن الصلاة] :) (إلا قعود التشهد الأوسط) : لكونه لم يأت في الأدلة ما يدل على وجوبه بخصوصه، كما ورد في قعود التشهد الأخير؛ فإن الأحاديث التي فيها الأوامر بالتشهد قد اقترنت بما يفيد أن المراد التشهد الأخير. فإن قلت: قد ذكر التشهد الأوسط في حديث المسيء، كما في رواية لأبي داود من حديث رفاعة، ولم يذكر فيه التشهد الأخير. قلت: لا تقوم الحجة بمثل ذلك، ولا يثبت به التكليف العام، والتشهد الأخير وإن لم يثبت ذكره في حديث المسيء؛ فقد وردت به الأوامر، وصرح الصحابة بافتراضه، وقد أوضح ذلك شيخنا العلامة الشوكاني في " حاشية الشفاء " إيضاحا حسنا؛ فلتراجع. ( [الاستراحة من سنن الصلاة] :) (والاستراحة) : لكونه لم يأت دليل يفيد وجوبها (١) ، وذكرها في حديث

стр. 254

المسيء وهم، كما صرح بذلك البخاري (١) . ( [تكبيرة الإحرام من واجبات الصلاة] :) (ولا يجب من أذكارها) : أي: الصلاة (إلا التكبير) ؛ لقوله تعالى: ﴿وربك فكبر﴾ ، ولقوله [ ﷺ ] في حديث المسيء: " إذا قمت إلى الصلاة فكبر "، ولما ورد من أن تحريم الصلاة التكبير. أقول: تعيين التكبير للدخول في الصلاة؛ محكم صريح؛ لقوله -[ ﷺ ]-: " لا يقبل الله صلاة أحدكم، حتى يضع الوضوء مواضعه، ثم يستقبل القبلة ويقول: الله أكبر " (٢) ، وبما تقدم من النصوص، وهي نصوص في غاية الصحة، فردت بالمتشابه من قوله - تعالى - ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ . ( [مشروعية رفع اليدين] :) قال في " الحجة ": فإذا كبر يرفع يديه إلى أذنيه ومنكبيه، وكل ذلك سنة. انتهى.

стр. 255

أقول: إن الأدلة على هذه السنة قد تواترت تواترا لا ينكره من له أدنى إلمام بعلم الأدلة، واختصت باجتماع العشرة المبشرة بالجنة على روايتها، ومعهم من الصحابة جماهير، ونقل جماعة من الحفاظ أنه لم يقع الخلاف في ذلك بين الصحابة، بل اتفقوا عليه. والحاصل: أنه قد نقل إلينا هذه السنة الذين نقلوا إلينا أعداد ركعات الصلاة، فإن لم يثبت بمثل ما ورد فيها مشروعيتها؛ فليس في الدنيا مشروع؛ لأن كثيرا مما وقع الإطباق على مشروعيته، وصار من قطعيات المرويات؛ لم يبلغ ما بلغ إليه نقل الرفع، وليس في المقام ما يصلح لمعارضة هذه السنة، لا من قوله [ ﷺ ] ، ولا من فعله، ولا عن أصحابه؛ من أقوالهم، ولا من أفعالهم، وقد درج عليها خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. وأما حديث البراء، قال: رأيت رسول الله [ ﷺ ] إذا افتتح الصلاة؛ رفع يديه ثم لم يعد: فهو قد تضمن إثبات الرفع عند الافتتاح، ولفظ: ثم لم يعد: قد اتفق الحفاظ عل أنه مدرج من قول يزيد بن أبي زياد، وقد رواه عنه بدونها جماعة من الأئمة منهم: شعبة، والثوري، وخالد الطحان، وزهير، وغيرهم، ومع هذا؛ فالحديث - من أصله - قد أطبق الأئمة على تضعيفه. وكما ثبت الرفع عند الافتتاح: ثبت عند الركوع، وعند الاعتدال منه؛ بأحاديث تقارب أحاديث الرفع عند الافتتاح. وكذلك ثبت الرفع عند القيام من التشهد الأوسط؛ بأحاديث صحيحة؛ كما سيأتي بيانه.

стр. 256

( [قراءة الفاتحة في كل ركعة شرط للصلاة] :) (والفاتحة في كل ركعة) : لقوله [ ﷺ ] في حديث المسيء: " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن "، وفي لفظ من حديث المسيء لأبي داود: " ثم أقرأ بأم القرآن "، وكذلك في لفظ منه لأحمد، وابن حبان؛ بزيادة: " ثم اصنع ذلك في كل ركعة " - بعد قوله: " ثم اقرأ بأم القرآن " -، فكان ذلك بيانا ل " ما تيسر ". وورد ما يفيد وجوب الفاتحة في غير حديث المسيء كأحاديث: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "، وهي صحيحة. ويدل على وجوبها في كل ركعة: ما وقع في حديث المسيء؛ فإنه [ ﷺ ] وصف له ما يفعل في كل ركعة، وقد أمره بقراءة الفاتحة، فكانت من جملة ما يجب في كل ركعة، كما أنه يجب فعل ما اقترن بها في كل ركعة، بل ورد ما يفيد ذلك من لفظه [ ﷺ ] ، فإنه قال للمسيء: " ثم افعل ذلك في الصلاة كلها "؛ وهو في " الصحيح " من حديث أبي هريرة، قال ذلك بعد أن وصف له ما يفعل في الركعة الواحدة، لا في جملة الصلاة، فكان ذلك قرينة على أن المراد بالصلاة كل ركعة تماثل تلك الركعة من الصلاة. قال في " الحجة ": وما ذكره النبي [ ﷺ ] بلفظ الركنية، كقوله [ ﷺ ] : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب "، وقوله: " لا يجزيء صلاة الرجل، حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود "، وما سمى الشارع الصلاة به؛ فإنه تنبيه بليغ على كونه ركنا في الصلاة. انتهى. ( [قراءة الفاتحة ولو مؤتما] :) (ولو كان مؤتما) : فوجوب الفاتحة في كل ركعة على المؤتم؛ لما ورد من

стр. 257

الأدلة الدالة على أن المؤتم يقرأها خلف الإمام؛ كحديث: " لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب "، ونحوه، ولدخول المؤتم تحت هذه الأدلة المقتضية لوجوب الفاتحة في كل ركعة على كل مصل. قال في " الحجة البالغة ": " وإن كان مأموما؛ وجب عليه الإنصات والاستماع، فإن جهر الإمام لم يقرأ إلا عند الإسكاتة، وإن خافت فله الخيرة، فإن قرأ فليقرأ الفاتحة قراءة لا يشوش على الإمام. وهذا أولى الأقوال عندي، وبه يجمع بين أحاديث الباب ". انتهى. وفي " تنوير العينين " (١) دلائل الجانبين فيه قوية، لكن يظهر بعد التأمل في الدلائل؛ أن القراءة أولى من تركها، فقد عولنا فيه على قول محمد؛ كما نقل عنه صاحب " الهداية "، وتركنا الكلام. وقال ابن القيم في " الأعلام ": ردت النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة في تعيين قراءة الفاتحة فرضا؛ بالمتشابه من قوله - تعالى -: ﴿فاقرؤا ما تيسر منه﴾ ، وليس ذلك في الصلاة، وإنما يدل على قيام الليل، وبقوله للأعرابي: " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن "؛ وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة، وأن يكون الأعرابي لا يحسنها، وأن يكون لم يسيء في قراءتها، فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن، وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها، فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه، فلا يترك الصريح. انتهى.

стр. 258

وقال في " إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء " (١) : روى البيهقي عن يزيد بن شريك، أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب، فقلت: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قلت: وإن جهرت؟ قال: وإن جهرت ". قلت: روى أهل الكوفة عن أصحاب عمر الكوفيين: أن المأموم لا يقرأ شيئا. والجمع - أن القبيح - في الأصل - أن ينازع الإمام في القرآن، وقراءة المأموم قد تفضي إلى ذلك، ثم إن اشتغال المأموم بمناجاة ربه مطلوب، فتعارضت مصلحة ومفسدة، فمن استطاع أن يأتي بالمصلحة بحيث لا تخدشها مفسدة فليفعل، ومن خاف المفسدة ترك، والله تعالى أعلم. انتهى. أقول: الأوجه هو الإتيان بفاتحة الكتاب خلف الإمام، كما تشهد له أدلة السنة الصريحة من دون تعارض، والأمر بالإنصات في قوله - تعالى -: ﴿أنصتوا﴾ عام يتناول فاتحة الكتاب وغيرها، وكذلك حديث: " وإذا قرأ فأنصتوا " - وإن كان فيه مقال (٢) ؛ لا ينتهض معه للاستدلال، وعلى فرض انتهاضه؛ فغاية ما فيه أنه اقتضى أن الإنصات حال قراءة الإمام يجب على المؤتم، ولا يقرأ بفاتحة الكتاب ولا غيرها. وأما حديث: " خلطتم علي ": فلا يشك عارف أن خلط المؤتم على

стр. 259

إمامه إنما يكون إذا قرأ المؤتم جهرا، وأما إذا قرأ سرا فلا خلط، وكذلك المنازعة لا تكون إلا إذا سمع الإمام قراءة المؤتم. وأما حديث جابر في هذا الباب: فهو من قوله، ولم يرفعه إلى النبي [ ﷺ ]- كما في " الترمذي " " والموطأ " وغيرهما -، وقول الصحابي لا تقوم به حجة (١) ، فلم يبق ههنا ما يدل على منع قراءة المؤتم خلف الإمام حال قراءته؛ إلا الآية الكريمة، وحديث: " إذا قرأ فأنصتوا "، وهما عامان كما عرفت، يتناولان فاتحة الكتاب وغيرهما، والعام معرض للتخصيص، والمخصص ههنا موجود، وهو حديث عبادة بن الصامت، وهو حديث صحيح. وبناء العام على الخاص واجب باتفاق أهل الأصول، فلا معذرة عن قراءة فاتحة الكتاب حال قراءة الإمام، ولا سيما وقد دل الدليل على وجوبها على كل مصل في كل ركعة من ركعات صلاته (٢) . ( [التشهد الأخير من واجبات الصلاة] :) (والتشهد الأخير) : واجب؛ لورود الأمر به في الأحاديث الصحيحة، وألفاظه معروفة، وقد ورد بألفاظ من طريق جماعة من الصحابة، وفي كل تشهد ألفاظ تخالف التشهد الآخر. والحق الذي لا محيص عنه: أنه يجزئ للمصلي أن يتشهد بكل واحد من تلك التشهدات الخارجة من مخرج صحيح، وأصحها التشهد الذي علمه

стр. 260

النبي [ ﷺ ] ابن مسعود، وهو ثابت في " الصحيحين " وغيرهما من حديثه، بلفظ: " التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله "، وفي بعض ألفاظه: " إذا قعد أحدكم فليقل ... ". ( [ذكر ألفاظ التشهد] :) قال في " الحجة البالغة ": وجاء في التشهد صيغ، أصحها تشهد ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -، ثم تشهد ابن عباس، وعمر - رضي الله تعالى عنهما - وهي كأحرف القرآن؛ كلها كاف وشاف. انتهى. قلت: اختار أبو حنيفة تشهد ابن مسعود، والشافعي تشهد ابن عباس، ومالك تشهد عمر، واختلافهم في المختار لا في الإجزاء. كذا في " المسوى ". وأما الصلاة على النبي [ ﷺ ] التي يفعلها المصلي في التشهد: فقد وردت بألفاظ، وكل ما صح منه أجزأ، ومن أصح ما ورد؛ ما ثبت في " الصحيح " بلفظ: " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد "؛ وزاد في " الحجة ": " اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد " انتهى. قال الماتن في " حاشية الشفاء ": وما ينبغي أن يعلم: أن التشهد وألفاظ الصلاة

стр. 261

على النبي [ ﷺ ] وآله ﵈؛ كلها مجزئة إذا وردت من وجه معتبر. وتخصيص بعضها دون بعض - كما يفعله بعض الفقهاء - قصور باع وتحكم محض، وأما اختيار الأصح منها وإيثاره مع القول بإجزاء غيره: فهو من اختيار الأفضل من المتفاضلات، وهو من صنيع المهرة بعلم الاستدلال والأدلة. انتهى. وقال في موضع آخر: التشهدات الثابتة عنه [ ﷺ ] موجودة في كتب الحديث، فعلى من رام التمسك بما صح عنه [ ﷺ ] أن ينظرها في دواوين الإسلام الموضوعة لجمع ما ورد من السنة، ويختار أصحها ويستمر عليها، أو يعمل تارة بهذا وتارة بهذا؛ مثلا يتشهد في بعض الصلوات بتشهد ابن مسعود، وفي بعضها بتشهد ابن عباس، وفي بعضها بتشهد غيرهما، فالكل واسع، والأرجح هو الأصح، لكن كونه الأصح؛ لا ينافي إجزاء الصحيح. انتهى. قلت: عامة أهل العلم على أن الصلاة على النبي [ ﷺ ] مستحبة في التشهد الأخير غير واجبة، وإلى هذا يشير لفظ ابن عمر وعائشة في باب التشهد، وأن التشهد الأول ليس محلا لها. وذهب الشافعي - وحده - إلى وجوبها في التشهد الأخير، فإن لم يصل لم تصح صلاته (١) ، وإلى استحبابها في التشهد الأول.

стр. 262

( [وجوب التعوذ من أربع] :) وورد ما يفيد وجوب التعوذ من أربع؛ كما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير؛ فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال ". وورد نحو ذلك من حديث عائشة، وهو في " الصحيحين " وغيرهما. فيكون هذا التعوذ من تمام التشهد، ثم يتخير المصلي بعد ذلك من الدعاء أعجبه، كما أرشد إلى ذلك رسول الله [ ﷺ ] . قال في " الحجة ": وورد في صيغ الدعاء في التشهد: " اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ". وورد: " اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ". ( [التسليم من واجبات الصلاة] :) (والتسليم) : وهو واجب؛ لكون النبي [ ﷺ ] جعله تحليل الصلاة، فلا تحليل لها إلا به، فأفاد ذلك وجوبه، وإن لم يذكر في حديث المسيء. قال في " الحجة ": " وجب أن لا يكون الخروج من الصلاة إلا بكلام هو

стр. 263

أحسن كلام الناس، أعني: السلام، وأن يوجب ذلك ". انتهى. قال ابن القيم: " إن السنة الصحيحة الصريحة المحكمة عن النبي [ ﷺ ] التي رواها خمس عشرة نفسا من الصحابة: أنه كان يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: " السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله "؛ منهم عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن سمرة، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، ووائل بن حجر، وأبو مالك الأشعري، وعدي بن عميرة الحضرمي، وطلق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رمثة، والأحاديث بذلك ما بين صحيح وحسن، فرد ذلك بخمسة أحاديث مختلف في صحتها، واردة في تسليمة واحدة ". انتهى. وقد أطال في الجواب عنها إلى خمسة أوراق (١) ، فليرجع إليه. قلت: وعامة أهل العلم على أنه يسلم تسليمتين عن يمينه وعن شماله، واحتجوا بحديث عبد الله بن مسعود، عن النبي [ ﷺ ] ؛ رواه أبو داود، والترمذي، ولفظه: أن النبي [ ﷺ ] كان يسلم عن يمينه: " السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيمن، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده الأيسر "، رواه النسائي، وأحمد، وابن حبان، والدارقطني، وغيرهم. وفي الباب عن سهل بن سعد، وحذيفة، ومغيرة بن شعبة، وواثلة بن

стр. 264

الأسقع، ويعقوب بن الحصين (١) . ووقع في " صحيح ابن حبان " من حديث ابن مسعود زيادة: " وبركاته "، وهي عند ابن ماجة أيضا، وعند أبي داود أيضا في حديث وائل بن حجر. فالعجب من ابن الصلاح؛ كيف يقول: إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث؛ إلا في رواية وائل بن حجر؟ ﴿كذا في " التلخيص ". وقال مالك: يسلم الإمام والمنفرد تسليمة واحدة: السلام عليكم؛ لا يزيد على ذلك، ويستحب للمأموم أن يسلم ثلاثا: عن يمينه، وعن شماله، وتلقاء وجهه؛ يردها على إمامه. كذا في " المسوى ". أقول: وورود التسلمية الواحدة فقط لا يعارض الثابت مما فيه زيادة عليها، وهي أحاديث التسليمتين؛ لما عرفناك غير مرة أن الزيادة التي لم تكن منافية يجب قبولها، فالقول بتسليمتين إعمال لجميع ما ورد، بخلاف القول بتسليمة فإنه إهدار لأكثر الأدلة بدون مقتض. وأما كون التسليم واجبا أو غير واجب فقد تقرر أن المرجع حديث المسيء، وأنه لا وجوب لغير ما لم يذكر فيه؛ إلا أن يثبت إيجابه بعد تاريخ حديث المسيء إيجابا، لا يمكن صرفه بوجه من الوجوه (٢) .

стр. 265

( [وجوب الطمأنينة في الصلاة] :) وأما الطمأنينة في حال الركوع والسجودين: فلا خلاف في ذلك. وأما في حال الاعتدال من الركوع وبين السجدتين: فخالف في ذلك قوم، والحق أنه من آكد فرائض الصلاة في الموطنين؛ بل المشروع إطالتهما، وقد ثبت عنه [ ﷺ ] ما يدل على ذلك، كما في حديث البراء: أنه حزر أركان صلاته [ ﷺ ] ، وعد من جملتها الاعتدال من الركوع، والاعتدال بين السجدتين، فوجدها قريبا من السواء؛ وهذا يدل على أنه كان يلبث فيهما كما يلبث في الركوع والسجود، وثبت أنه -[ ﷺ ]- كان يقف في اعتداله من الركوع كاعتداله من السجود، حتى يظن من رآه أنه قد نسي؛ لإطالته لهما، وثبت من أدعية فيهما ما يدل على طولهما. فالحاصل: أن أصل الاطمئنان في الركوع والسجود والاعتدالين: ركن من أركان الصلاة لا تتم بدونه. وأما طول اللبث زيادة عن الاطمئنان: فمن السنن المؤكدة؛ لأنه لم يذكر في حديث المسيء، وقد صارت هذه السنة متروكة في الاعتدال إلى غاية؛ بل صار الاطمئنان فيهما مما يقل وجوده، وما أحق من نازعته نفسه إلى اتباع الآثار المصطفوية أن يثبت معتدلا من ركوعه، ومعتدلا من سجوده، ويدعو بالأدعية المأثورة فيهما، ويجعل مقدار اللبث كمقدار لبثه في الركوع والسجود ﴿فذلك هو السنة التي لا يجهل ورودها إلا جاهل﴾ والله المستعان.

стр. 266

( [سنن الصلاة] :) (وما عدا ذلك فسنن) : لأنه لم يرد فيها ما يفيد وجوبها من أمر بالفعل، أو نهي عن الترك، غير مصروفين عن المعنى الحقيقي، أو وعيد شديد يفيد الوجوب، ولا ذكر شيء منها في حديث المسيء؛ إلا على وجه لا تقوم به الحجة، أو تقوم به، وقد ورد ما يفيد أنه غير واجب. والحاصل: أن مرجع واجبات الصلاة كلها هو حديث المسيء، فما ذكره [ ﷺ ] فيه كان واجبا، وما لم يذكره فليس بواجب، لكن قد تشعبت روايات حديث المسيء، وثبت في بعضها ما لم يثبت في البعض الآخر، فعلى من أراد تحقيق الحق؛ أن يجمع طرقه الصحيحة (١) ، ويحكم بوجوب ما اشتملت عليه، أو شرطيته، أو ركنيته؛ بحسب ما يقتضيه الدليل، وما خرج عنه خرج عن ذلك. وقد جمع ما صح من طرقه شيخنا الحافظ الرباني العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى " في موضع واحد منه؛ فمن رام ذلك فليرجع إليه (٢) . ( [الرفع في المواضع الأربعة] :) (وهي الرفع في المواضع الأربعة) ؛ أي: عند تكبيرة الإحرام، وعند

стр. 267

الركوع، وعند الاعتدال من الركوع، هذه الثلاثة المواضع في كل ركعة، والموضع الرابع عند القيام إلى الركعة الثالثة، فقد دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة. أما عند التكبير فقد روي ذلك عن النبي [ ﷺ ] نحو خمسين رجلا من الصحابة، منهم العشرة المبشرة بالجنة، ورواه كثير من الأئمة عن جميع الصحابة من غير استثناء. وقال الشافعي: روى الرفع جمع من الصحابة، لعله لم يرد قط حديث بعدد أكثر منهم. وقال ابن المنذر: لم يختلف أهل العلم أن رسول الله [ ﷺ ] كان يرفع يديه. وقال البخاري في " جزء رفع اليدين ": روى الرفع تسعة عشر نفسا من الصحابة. وسرد البيهقي في " السنن " وفي " الخلافيات " أسماء من روى الرفع؛ نحوا من ثلاثين صحابيا. وقال الحسن، وحميد بن هلال: كان أصحاب رسول الله -[ ﷺ ]- يرفعون أيديهم، ولم يستثن أحدا منهم. كذا في " التلخيص ". وقال النووي في " شرح مسلم ": إنها أجمعت على ذلك عند تكبيرة

стр. 268

الإحرام، وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك، وقد ذهب إلى وجوبه داود الظاهري، وأبو الحسن أحمد بن سيار، والنيسابوري، والأوزاعي، والحميدي، وابن خزيمة (١) . وأما الرفع عند الركوع وعند الاعتدال منه: فقد رواه زيادة على عشرين رجلا من الصحابة، عن النبي [ ﷺ ] . وقال محمد بن نصر المروزي: إنه أجمع علماء الأمصار على ذلك إلا أهل الكوفة. وأما الرفع عند القيام إلى الركعة الثالثة: فهو ثابت في " الصحيح " من حديث ابن عمر، وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والترمذي - وصححه -، وصححه أيضا أحمد بن حنبل من حديث علي بن أبي طالب، عن النبي -[ ﷺ ]-. وفي " حجة الله البالغة ": فإذا أراد أن يركع رفع يديه حذو منكبيه، وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في السجود، وهو من الهيئات التي فعلها النبي [ ﷺ ] مرة وتركها أخرى، والكل سنة، وأخذ بكل واحد جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهذا أحد المواضع التي اختلف فيها الفريقان: أهل المدينة، وأهل الكوفة، ولكل واحد أصل أصيل، والحق عندي في مثل ذلك أن الكل سنة،

стр. 269

ونظيره الوتر بركعة واحدة، أو بثلاث، والذي يرفع أحب إلي ممن لا يرفع؛ فإن أحاديث الرفع أكثر وأثبت، غير أنه لا ينبغي لإنسان في مثل هذه الصور، أن يثير على نفسه فتنة عوام بلده، وهو قوله -[ ﷺ ]-: " لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة "؛ ولا يبعد أن يكون ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - ظن أن السنة المتقررة آخرا هو تركه لما تلقن من أن مبنى الصلاة على سكون الأطراف، ولم يظهر له أن الرفع فعل تعظيمي، ولذلك ابتدىء به في الصلاة، أو لما تلقن من أنه فعل ينبيء عن الترك، فلا يناسب كونه في أثناء الصلاة، ولم يظهر له أن تجديد التنبيه لترك ما سوى الله - تعالى - عند كل فعل أصلي من الصلاة مطلوب. والله - تعالى - أعلم. قوله: لا يفعل ذلك في السجود؛ أقول: القومة شرعت فارقة بين الركوع والسجود، فالرفع معها رفع للسجود، فلا معنى للتكرار. انتهى بحروفه. وفي " التكميل " للشيخ رفيع الدين الدهلوي - ولد صاحب " الحجة البالغة " -: اختلفوا في سنية رفع اليدين في الصلاة بعد التحريمة (١) ، مع اتفاقهم على أنه لم يصح فيه أمر باستحباب، ولا بيان فضيلة، ولا نهي الصحابة عنه قط، وعلى أنه ثبت عنه [ ﷺ ] فعله مدة، إلا أنه زاد ابن مسعود، فقال: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله [ ﷺ ] ؟ ! فلم يرفع يديه إلا في أول مرة، وظاهر أنه لم يرد تركه أبدا، وإنما أراد تركه آخرا، كما يشعر به بعض ما ينقل عنه أن آخر الأمرين ترك الرفع، ولا يدرى مدة الترك، فيحتمل أنه تركه في أيام المرض للضعف، فظن قوم أن سنيته كانت بمجرد الفعل، فبطلت

стр. 270

بالترك، وقوم أن الترك بعذر، وبغير نهي لا ينفي السنية كترك القيام للفرض بالعذر؛ فهي - إذا - باقية، فلا مناقشة للمجتهدين في أصل سنيته في الجملة ولا في بقاء جوازه، وإن منعه بعض المتعصبة؛ إذ ليس مما يخالف أفعال الصلاة؛ لبقائه في التحريمة والقنوت والعيدين، فلا نكير على فاعله لأحد، بل في بقاء سنيته بناء على الظن، فلا نزاع إلا في المواظبة والرجحان، وحيث واظب عليه جمع بلغوا حد الاستفاضة فوق الشهرة، ولم يتعرض [ ﷺ ] لفعلهم كما تعرض لرفع اليد في السلام؛ حيث قال: " ما بال أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ ! "؛ وهو [ ﷺ ] كان يرى خلفه كما يرى أمامه، فثبت بقاء سنيته. وتركه [ ﷺ ] أحيانا؛ كما رواه ابن مسعود، والبراء بن عازب، وعدم التعرض لتاركه يقضي بسقوط تأكيده. ولم يبلغ أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - خبر هذا الجمع، إنما روى له الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -، فرجح عليه أبو حنيفة حمادا، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود: بكثرة الفقه لا بكثرة الحفظ، فكأنه ظن أنه تفطن ابن مسعود للنسخ دون ابن عمر؛ حيث لم يرفع إلا في التحريمة؛ بناء على أن السكوت في معرض البيان يفيد الحصر، وما يذكر (١) عن الشافعي من عدم الرفع عند قبره مشعر بعدم التأكيد. انتهى. وفي " تنوير العينين " للشيخ محمد إسماعيل الشهيد الدهلوي - حفيد

стр. 271

صاحب " حجة الله البالغة " -: " إن رفع اليدين عند الافتتاح، والركوع، والقيام منه، والقيام إلى الثالثة سنة غير مؤكدة من سنن الهدى، فيثاب فاعله بقدر ما فعل، إن دائما فبحسبه، وإن مرة فبمثله، ولا يلام تاركه وإن تركه مدة عمره. وأما الطاعن العالم بالحديث - أي: من ثبت عنده الأحاديث المتعلقة بهذه المسالة -: فلا إخاله إلا فيمن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ونريد بسنة الهدى ههنا فعل غير فرض، وغير مختص بالنبي -[ ﷺ ]- فعله هو والخلفاء الراشدون - رضي الله تعالى عنهم -، أو أمروا به وأقروا عليه؛ قربة، ولم ينسخ ولم يترك بالإجماع، وبغير المؤكدة: ما فعلوه مرة وتركوه أخرى. فبقولنا: فعل؛ خرج به عدم الرفع، فإن العدم ليس بفعل، نعم؛ إذا كان العدم مستمرا في زمان النبي -[ ﷺ ]- والخلفاء الراشدين - رضي الله تعالى عنهم -، فقطعه يكون بدعة، وليس في مفهوم البدعة إزالة السنة حتى يلزم كون العدم سنة، بل مفهومها فعل لم يفهم في زمنهم. وبقولنا: غير فرض؛ خرجت الفرائض كلها. وبقولنا: غير مختص؛ خرجت النوافل المختصة به -[ ﷺ ]-؛ كالوصال في الصوم. وبقولنا: لم ينسخ؛ خرجت السنن المنسوخة؛ كالقيام للجنازة. وبقولنا: لم يترك بالإجماع؛ خرجت السنن المتروكة به كالرفع بين السجدتين. انتهى.

стр. 272

وفيما لا بد منه أن رفع اليدين عند الإمام الأعظم ليس بسنة، ولكن أكثر الفقهاء والمحدثين يثبتونه. انتهى. وفي " سفر السعادة ": إن الأخبار والآثار التي رويت في هذا الباب تبلغ إلى أربع مئة. انتهى. قال شارحه الشيخ عبد الحق الدهلوي: " إن الرفع وعدم الرفع كلاهما سنة ". انتهى. وقد مر الجواب عنه. وفي " سفر السعادة " - العربي (١) -: " وقد ثبت رفع اليدين في هذه المواضع الثلاثة، ولكثرة رواته؛ شابه المتواتر، فقد صح في هذا الباب أربع مئة خبر وأثر؛ رواه العشرة المبشرة، ولم يزل على هذه الكيفية حتى رحل عن هذا العالم، ولم يثبت غير هذا. انتهى بعبارته. ونقل ابن الجوزي في " نزهة الناظر للمقيم والمسافر "، عن المزني، أنه قال: سمعت الشافعي يقول: لا يحل لأحد سمع حديث رسول الله -[ ﷺ ]- في رفع اليدين في افتتاح الصلاة، وعند الركوع، والرفع من الركوع أن يترك الاقتداء بفعله -[ ﷺ ]-؛ وهذا صريح في أنه يوجب ذلك ". انتهى. وبالجملة: فقد ثبت رفع اليدين في المواضع الأربعة المذكورة بروايات صحيحة ثابتة، وآثار مرضية راجحة، ومذاهب حقة صادقة عن النبي -

стр. 273

[ ﷺ ]-، وعن كبراء الصحابة، وعظماء العلماء والفقهاء والمجتهدين، بحيث لا يشوبها نسخ ولا تعارض، حتى ادعى بعضهم التواتر، ولا أقل من أن تكون مشهورة. كذا في " التنوير ". ٢ - [الضم] : (والضم) لليدين؛ أي: اليمنى على اليسرى حال القيام، إما على الصدر، أو تحت السرة، أو بينهما؛ بأحاديث تقارب العشرين في العدد، ولم يعارض هذه السنن معارض، ولا قدح أحد من أهل العلم بالحديث في شيء منها، وقد رواه عن النبي [ ﷺ ] نحو ثمانية عشر صحابياً، حتى قال ابن عبد البر: إنه لم يأت فيه عن النبي [ ﷺ ] خلاف. وفي " تنوير العينين ": " إن وضع اليد على الأخرى أولى من الإرسال؛ لأن الإرسال لم يثبت عن النبي -[ ﷺ ]-، ولا عن أصحابه، بل ثبت الوضع بروايات صحيحة ثابتة عن النبي -[ ﷺ ]- وعن أصحابه - رضي الله تعالى عنهم -، كما روى مالك في " الموطأ "، والبخاري في " صحيحه " عن سهل بن سعد، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة "؛ قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك إلى النبي [ ﷺ ] . وروى الترمذي عن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: كان رسول الله [ ﷺ ] يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه، قال الترمذي: وفي الباب عن وائل بن حجر، وغطيف بن الحارث، وابن عباس، وابن مسعود، وسهل بن سعد. قال أبو عيسى: حديث هلب حديث حسن.

стр. 274

والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي [ ﷺ ] والتابعين ومن بعدهم: يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة. ورأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة. ورأى بعضهم أن يضعهما تحت السرة، وكل ذلك واسع عندهم ". انتهى. وكذلك أخرج مسلم عن وائل بن حجر، وابن مسعود. والنسائي عن وائل بن حجر. والبخاري، والحاكم عن علي. وابن أبي شيبة عن غطيف بن الحارث، وقبيصة بن هلب عن أبيه، ووائل بن حجر، وعلي، وأبي بكر الصديق، وأبي الدرداء، أنه قال: من أخلاق النبيين: وضع اليمين على الشمال في الصلاة. وعن الحسن، أنه قال: قال رسول الله -[ ﷺ ]-: " كأني أنظر إلى أحبار بني إسرائيل واضعي أيمانهم على شمائلهم في الصلاة " (١) . وهكذا أخرج عن أبي مجلز، وأبي عثمان النهدي، ومجاهد، وأبي الجوزاء.

стр. 275

وأما ما روي من الإرسال عن بعض التابعين - من نحو الحسن، وإبراهيم، وابن المسيب، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، كما أخرجه ابن أبي شيبة -: فإن بلغ عندهم حديث الوضع؛ فمحمول على أنه لم يحسبوه سنة من سنن الهدى، بل حسبوه عادة من العادات، فمالوا إلى الإرسال؛ لأصالته مع جواز الوضع، فعملوا بالإرسال بناء على الأصل؛ إذ الوضع أمر جديد يحتاج إلى الدليل، وإذ لا دليل لهم؛ فاضطروا إلى الإرسال، لا أنه ثبت عندهم الإرسال، وإلى ذلك يشير قول ابن سيرين حيث سئل عن الرجل يمسك بيمينه شماله؟ قال: إنما فعل ذلك من أجل الدم. كما أخرج ابن أبي شيبة. وأما ما أخرج أبو بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن إبراهيم، قال: سمعت عمرو بن دينار، قال: كان ابن الزبير إذا صلى يرسل يديه! فهي رواية شاذة مخالفة لما روى الثقات عنه. كما أخرج أبو داود عن زرعة بن عبد الرحمن، قال: سمعت ابن الزبير يقول: صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنة. وإن سُلّم كونها صحيحة؛ فهذه فعله، والفعل لا عموم له، ورواية الوضع عنه مرفوعة لأنه نسبه إلى السنة، وقول الصحابي: من السنة؛ في حكم الرفع، كما حُقق في كتب أصول الحديث. ومع هذا لعله لم ير الوضع من سنن الهدى، وفهم الصحابي ليس بحجة - كما مضى -، لا سيما إذا كان مخالفاً لأجله الصحابة، كأميري المؤمنين أبي بكر الصديق، وعلي المرتضى، وابن عباس، وابن مسعود، وسهل بن سعد، ونحوهم.

стр. 276

على أنها مخالفة للأحاديث المرفوعة المشهورة، وأعمال الصحابة المستفيضة في باب الوضع، فينبغي أن لا يعوّل عليها، وتسقط على الاعتبار ولا يلتفت إليها. وأما مالك بن أنس: فقد اضطربت الروايات عنه: فالمدنيون من أصحابه رووا عنه أمر الوضع مطلقاً، سواء كان في الفرض أو النفل، كما يشهد به حديث " الموطأ " عن سهل بن سعد، وأثره عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري. والمصريون من أصحابه رووا عنه الإرسال في الفرض والوضع في النفل. وعبد الرحمن بن القاسم روى عنه الإرسال مطلقاً. وروى أشهب عنه إباحة الوضع. وتلك الروايات - أي: روايات المصريين وابن القاسم عنه - وإن عمل بها المتأخرون من المالكية، لكنها روايات شاذة مخالفة لرواية جمهور أصحابه، فلا تخرق الإجماع والاتفاق، ولا تصادم ما ادعينا من الإطباق، ولكونها شاذة أولها ابن الحاجب في " مختصره في الفقه " بالاعتماد على الأرض إذا رفع رأسه من السجدة ونهض إلى القيام. ووضع اليدين تحت السرة وفوقها متساويان؛ لأن كلا منهما مروي عن أصحاب النبي -[ ﷺ ]-:

стр. 277

أخرج أبو داود، وأحمد، وابن أبي شيبة عن علي (١) : السنة وضع الكف في الصلاة تحت السرة. رواه رزين وغيره. في " سفر السعادة ": وضع الكف تحت الصدر في " صحيح ابن خزيمة ". قال الترمذي: رأى بعضهم أن يضعهما فوق السرة، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت السرة، وكل ذلك واسع عندهم؛ كما ذكرناه سابقا. وقال الشيخ ابن الهمام: " ولم يثبت حديث صحيح يوجب (٢) العمل في كون الوضع تحت الصدر، وفي كونه تحت السرة، والمعهود من الحنفية هو كونه تحت السرة، وعن الشافعية تحت الصدر، وعند أحمد قولان كالمذهبين، والتحقيق المساواة بينهما؛ كما ذكرنا سابقا، والله - تعالى - أعلم بأحكامه ". انتهى. وقال ابن القيم في " إعلام الموقعين " بعد تخريج الأخبار والآثار في وضع اليمنى على اليسرى: رُدّت هذه الآثار برواية ابن القاسم عن مالك قال: تركه أحب إليّ! ولا أعلم شيئاً ردت به سواه. انتهى.

стр. 278

وفي " حاشية الشفاء ": " ومن الغرائب أنها صارت في هذه الديار، وفي هذه الأعصار - عند العامة ومن يشابههم، ممن يظن أنه قد ارتفع عن طبقتهم - من أعظم المنكرات، حتى إن المتمسك بها يصير في اعتقاد كثير في عداد الخارجين عن الدين، فترى الأخ يعادي أخاه، والوالد يفارق ولده، إذا رآه يفعل واحدة منها - أي: من هذه السنن -، وكأنه صار متمسكاً بدين آخر، ومنتقلاً إلى شريعة غير الشريعة التي كان عليها، ولو رآه يزني، أو يشرب الخمر، أو يقتل النفس، أو يعق أحد أبويه، أو يشهد الزور، أو يحلف الفجور: لم يجر بينه وبينه من العداوة ما يجري بينه وبينه بسبب التمسك بهذه السنن أو ببعضها، لا جرم هذه علامات آخر الزمان، ودلائل حضور القيامة وقرب الساعة ". انتهى. والإشارة بقوله: " بهذه السنن "؛ إلى رفع اليدين في المواضع الأربعة، وضم اليدين في الصلاة. قال: وأعجب من فعل العامة الجهلة وأغرب: سكوت علماء الدين وأئمة المسلمين عن الإنكار على من جعل المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وتلاعب بالدين وبسنة سيد المرسلين. انتهى. (٣ - [التوجه بعد تكبيرة الإحرام] :) (والتوجه) : فقد وردت فيه أحاديث بألفاظ مختلفة، ويجزئ التوجه بواحد منها، إذا خرج من مخرج صحيح، وأصحها الاستفتاح المروي من حديث أبي هريرة، وهو في " الصحيحين " وغيرهما، بل قد قيل: إنه تواتر لفظاً، وهو: " اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب،

стр. 279

اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ". قال في " الحجة ": " وقد صح في ذلك صيغ منها: " اللهم باعد بيني. . " إلى آخره، ومنها: " إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا، شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " (١) ومنها: " سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك "، ومنها: " الله أكبر كبيراً - ثلاثاً -، والحمد لله كثيراً - ثلاثاً -، وسبحان الله بكرة وأصيلا - ثلاثاً - ". والأصل في الاستفتاح حديث علي - في الجملة -، وأبي هريرة، وعائشة، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وغيرهم، وحديث عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة، وثوبان، وكعب بن عجرة في سائر المواضع، وغير هؤلاء ". انتهى ملخصاً. قلت: ذهب الشافعي في دعاء الافتتاح إلى حديث علي - رضي الله تعالى عنه -: " إني وجهت وجهي ... " الخ. وأبو حنيفة إلى حديث عائشة: " سبحانك اللهم وبحمدك ... " الخ. وقال مالك: لا نقول شيئاً من ذلك.

стр. 280

ومعنى قوله عندي؛ أنه ليس بسنة لازمة. وأشار البغوي إلى أن الاختلاف في أذكار الصلاة من دعاء الافتتاح، وذكر الركوع والسجود، وما بعد التشهد - بين الأئمة - من الاختلاف المباح. فذكر كل أصح ما عنده، وليس أحد ينكر ما عند الآخر. (بعد التكبيرة) : لأنه لم يأت في ذلك خلاف عن النبي [ ﷺ ] ، بل كل من روى عنه الاستفتاح روى أنه بعد التكبيرة، ولم يأت في شيء أنه توجه قبلها، وقد أوضح ذلك العلامة الشوكاني في " حاشية الشفاء ". وأما ما يتوجه به: فهو الذي ثبت عنه -[ ﷺ ]- وفيه الصحيح والأصح، والوقوف على ذلك ممكن بالنظر في مختصر من مختصرات الحديث، وسبحان الله وبحمده ﴿ما فعلت هذه المذاهب بأهلها؟﴾ (٤ - [التعوذ قبل القراءة] :) (و) أما (التعوذ) : فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة: أن النبي [ ﷺ ] كان يفعله بعد الاستفتاح قبل القراءة؛ ولفظه: " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه "؛ كما أخرجه أحمد، وأهل " السنن " من حديث أبي سعيد الخدري. قال في " الحجة ": ثم يتعوذ؛ لقوله - تعالى -: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ ، وفي التعوذ صيغ؛ منها: " أعوذ بالله من

стр. 281

الشيطان الرجيم "، ومنها: " أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم " (١) ، ثم يبسمل سرا؛ لما شرع الله - تعالى - لنا من تقديم التبرك باسم الله - تعالى - على القراءة، ولأن فيه احتياطاً، إذ قد اختلفت الرواية؛ هل هي آية من الفاتحة أم لا؟ فقد صح عن النبي [ ﷺ ] أنه كان يفتتح الصلاة؛ أي: القراءة ب ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ، ولا يجهر ب ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ . انتهى. أقول: قد وقع الخلاف في البسملة من جهات: الأولى: في كونها قرآنا في كل سورة أم لا؟ الثانية: في قراءتها في الصلاة، أو سرا في السرية وجهراً في الجهرية؟ ولأهل العلم في كل طرف من هذه الأطراف خلاف طويل ومنازعات كثيرة، والقراء؛ منهم من يقرؤها في أول كل سورة، ومنهم من لا يقرؤها. وقد أورد شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى " ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. والحاصل: أن الحق ثبوت قراءتها، وأنها آية من كل سورة، وأنها تُقرأ في الصلاة؛ جهراً في الجهرية وسرا في السرية، وأحاديث عدم سماع جهره [ ﷺ ] بها؛ وإن كانت صحيحة؛ فالجمع بينها وبين أحاديث الجهر ممكن؛ بأن يُحمل نفي من نفى على أنه عرض له مانع من سماعها، فإن وقت قراءة

стр. 282

الإمام لها وقت اشتغال المؤتم بالدخول في الصلاة، والإحرام والتوجه، وتكبير القائمين إلى الصلاة، ورواة الإسرار هم مثل أنس وعبد الله بن مغفل، وهم - إذ ذاك - من صغار الصحابة، قد لا يقفون في الصفوف المتقدمة لأنها موقف كبار الصحابة، كما ورد الدليل بذلك. وعلى كل تقدير: فالمثبت مقدم على النافي، وأحاديث الجهر و - إن كانت غير سليمة من المقال -؛ فهي قد بلغت في الكثرة إلى حد يشهد بعضها لبعض، مع كونها معتضدة بالرسم في المصاحف، وهو دليل علمي - كما قاله العضد وغيره -، فقد وافقت سائر الآيات القرآنية في ذلك، فالظاهر مع من قال بأن صفتها وصفة سائر الآيات متفقة. وأما ما في " تنوير العينين " من أن ترك الجهر بالتسمية أولى من الجهر بها؛ لأن رواية ترك جهره أكثر وأوضح من جهره (١) . انتهى: فقد دفعه ما تقدم آنفاً. (٥ - [التأمين] :) (و) أما (التأمين) : فقد ورد به نحو سبعة عشر حديثاً، وربما تفيد أحاديثه الوجوب على المؤتم إذا أمّن إمامه، كما في حديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما بلفظ: " إذا أمّن الإمام فأمنوا "؛ فيكون ما في المتن مقيدا بغير المؤتم إذا أمّن إمامه. وقد ذهب إلى مشروعيته جمهور أهل العلم.

стр. 283

ومما يؤكد مشروعيته: أن فيه إغاظة لليهود؛ لما أخرجه أحمد، وابن ماجه (١) ، والطبراني من حديث عائشة مرفوعاً: " ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول: آمين ". قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": " السنة المحكمة الصحيحة؛ الجهر بآمين في الصلاة؛ كقوله في " الصحيحين ": " إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له "، ولولا جهره بالتأمين؛ لما أمكن المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في التأمين. وأصرح من هذا؛ حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حُجْر بن عنبس، عن وائل بن حجر، قال: كان رسول الله [ ﷺ ] إذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ ؛ قال: " آمين "، ورفع بها صوته. وفي لفظ: وطول بها؛ رواه الترمذي وغيره وإسناده صحيح. وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث، فقال: وخفض بها صوته. وحكم أئمة الحديث وحفاظه في هذا لسفيان؛ فقال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل في هذا الباب؛ أصح من حديث شعبة، وأخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع، فقال: عن حجر أبي العنبس ﴿وإنما كنيته: أبو السكن، وزاد فيه: عن علقمة ابن وائل﴾ وإنما هو: حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر؛ ليس فيه: علقمة،

стр. 284

وقال: وخفض بها صوته، والصحيح: أنه جهر بها. قال الترمذي: سألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة، إذا اختلفا؟ فقال: القول قول سفيان ... ، إلى قوله: " فرُد هذا كله بقوله - تعالى -: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ ، والذي نزلت عليه هذه الآية؛ هو الذي رفع صوته بالتأمين، والذين أمروا بها؛ رفعوا به أصواتهم، ولا معارضة بين هذه الآية والسنة بوجه ما ". اه. ثم أطال ابن القيم في بيان أدلة ترجيح هذه السنة وتقريرها، تركنا ذكرها مخافة الإطالة. وفي " تنوير العينين " يظهر - بعد التعمق في الروايات والتحقيق - أن الجهر بالتأمين أولى من خفضه، لأن رواية جهره أكثر وأوضح من خفضه اه. (٦ - [قراءة سورة أو آية مع الفاتحة] :) (وقراءة غير الفاتحة معها) : لما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي قتادة: أن النبي -[ ﷺ ]- كان يقرأ في الظهر؛ في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب. وورد ما يُشعر بوجوب قرآن مع الفاتحة من غير تعيين، كحديث أبي هريرة: أن النبي [ ﷺ ] أمره أن يخرج، فينادي: " لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد "، أخرجه أحمد، وأبو داود؛ وفي إسناده مقال!

стр. 285

ولكنه قد أخرج مسلم في " صحيحه " وغيره من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً "؛ وقد أعلها البخاري في " جزء القراءة " (١) . وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد بلفظ: أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. قال ابن سيد الناس: وإسناده صحيح ورجاله ثقات. وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح. وأخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد بلفظ: " لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة ب ﴿الحمد﴾ وسورة "؛ وهو حديث ضعيف. وهذه الأحاديث لا تقصر عن إفادة إيجاب قرآن مع الفاتحة من غير تقييد، بل مجرد الآية الواحدة يكفي، وأما زيادة على ذلك - كقراءة سورة مع الفاتحة في كل ركعة من الأولتين -؛ فليس بواجب، فيكون ما في المتن مقيداً بما فوق الآية. قال في " الحجة البالغة ": " ثم يرتل سورة الفاتحة وسورة من القرآن ترتيلا، يمد الحروف، ويقف على رؤوس الآي، يخافت في الظهر والعصر، ويجهر الإمام في الفجر والمغرب والعشاء، ويقرأ في الفجر ستين آية إلى مئة؛ تداركاً لقلة ركعاته بطول قراءته، وفي العشاء ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ،
следующие страницы →