الشيطان الرجيم "، ومنها: " أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم " (١) ، ثم يبسمل سرا؛ لما شرع الله - تعالى - لنا من تقديم التبرك باسم الله - تعالى - على القراءة، ولأن فيه احتياطاً، إذ قد اختلفت الرواية؛ هل هي آية من الفاتحة أم لا؟ فقد صح عن النبي [ ﷺ ] أنه كان يفتتح الصلاة؛ أي: القراءة ب ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ، ولا يجهر ب ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ . انتهى.
أقول: قد وقع الخلاف في البسملة من جهات:
الأولى: في كونها قرآنا في كل سورة أم لا؟
الثانية: في قراءتها في الصلاة، أو سرا في السرية وجهراً في الجهرية؟
ولأهل العلم في كل طرف من هذه الأطراف خلاف طويل ومنازعات كثيرة، والقراء؛ منهم من يقرؤها في أول كل سورة، ومنهم من لا يقرؤها.
وقد أورد شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى " ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره.
والحاصل: أن الحق ثبوت قراءتها، وأنها آية من كل سورة، وأنها تُقرأ في الصلاة؛ جهراً في الجهرية وسرا في السرية، وأحاديث عدم سماع جهره [ ﷺ ] بها؛ وإن كانت صحيحة؛ فالجمع بينها وبين أحاديث الجهر ممكن؛ بأن يُحمل نفي من نفى على أنه عرض له مانع من سماعها، فإن وقت قراءة
стр. 282
الإمام لها وقت اشتغال المؤتم بالدخول في الصلاة، والإحرام والتوجه، وتكبير القائمين إلى الصلاة، ورواة الإسرار هم مثل أنس وعبد الله بن مغفل، وهم - إذ ذاك - من صغار الصحابة، قد لا يقفون في الصفوف المتقدمة لأنها موقف كبار الصحابة، كما ورد الدليل بذلك.
وعلى كل تقدير: فالمثبت مقدم على النافي، وأحاديث الجهر و - إن كانت غير سليمة من المقال -؛ فهي قد بلغت في الكثرة إلى حد يشهد بعضها لبعض، مع كونها معتضدة بالرسم في المصاحف، وهو دليل علمي - كما قاله العضد وغيره -، فقد وافقت سائر الآيات القرآنية في ذلك، فالظاهر مع من قال بأن صفتها وصفة سائر الآيات متفقة.
وأما ما في " تنوير العينين " من أن ترك الجهر بالتسمية أولى من الجهر بها؛ لأن رواية ترك جهره أكثر وأوضح من جهره (١) . انتهى: فقد دفعه ما تقدم آنفاً.
(٥ - [التأمين] :)
(و) أما (التأمين) : فقد ورد به نحو سبعة عشر حديثاً، وربما تفيد أحاديثه الوجوب على المؤتم إذا أمّن إمامه، كما في حديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما بلفظ: " إذا أمّن الإمام فأمنوا "؛ فيكون ما في المتن مقيدا بغير المؤتم إذا أمّن إمامه.
وقد ذهب إلى مشروعيته جمهور أهل العلم.
стр. 283
ومما يؤكد مشروعيته: أن فيه إغاظة لليهود؛ لما أخرجه أحمد، وابن ماجه (١) ، والطبراني من حديث عائشة مرفوعاً: " ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول: آمين ".
قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": " السنة المحكمة الصحيحة؛ الجهر بآمين في الصلاة؛ كقوله في " الصحيحين ": " إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له "، ولولا جهره بالتأمين؛ لما أمكن المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في التأمين.
وأصرح من هذا؛ حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حُجْر بن عنبس، عن وائل بن حجر، قال: كان رسول الله [ ﷺ ] إذا قال: ﴿ولا الضالين﴾ ؛ قال: " آمين "، ورفع بها صوته.
وفي لفظ: وطول بها؛ رواه الترمذي وغيره وإسناده صحيح.
وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث، فقال: وخفض بها صوته.
وحكم أئمة الحديث وحفاظه في هذا لسفيان؛ فقال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل في هذا الباب؛ أصح من حديث شعبة، وأخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع، فقال: عن حجر أبي العنبس ﴿وإنما كنيته: أبو السكن، وزاد فيه: عن علقمة ابن وائل﴾ وإنما هو: حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر؛ ليس فيه: علقمة،
стр. 284
وقال: وخفض بها صوته، والصحيح: أنه جهر بها.
قال الترمذي: سألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة، إذا اختلفا؟ فقال: القول قول سفيان ... ، إلى قوله:
" فرُد هذا كله بقوله - تعالى -: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ ، والذي نزلت عليه هذه الآية؛ هو الذي رفع صوته بالتأمين، والذين أمروا بها؛ رفعوا به أصواتهم، ولا معارضة بين هذه الآية والسنة بوجه ما ". اه.
ثم أطال ابن القيم في بيان أدلة ترجيح هذه السنة وتقريرها، تركنا ذكرها مخافة الإطالة.
وفي " تنوير العينين " يظهر - بعد التعمق في الروايات والتحقيق - أن الجهر بالتأمين أولى من خفضه، لأن رواية جهره أكثر وأوضح من خفضه اه.
(٦ - [قراءة سورة أو آية مع الفاتحة] :)
(وقراءة غير الفاتحة معها) : لما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي قتادة: أن النبي -[ ﷺ ]- كان يقرأ في الظهر؛ في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب.
وورد ما يُشعر بوجوب قرآن مع الفاتحة من غير تعيين، كحديث أبي هريرة: أن النبي [ ﷺ ] أمره أن يخرج، فينادي: " لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد "، أخرجه أحمد، وأبو داود؛ وفي إسناده مقال!
стр. 285
ولكنه قد أخرج مسلم في " صحيحه " وغيره من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً "؛ وقد أعلها البخاري في " جزء القراءة " (١) .
وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد بلفظ: أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر.
قال ابن سيد الناس: وإسناده صحيح ورجاله ثقات.
وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح.
وأخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد بلفظ: " لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة ب ﴿الحمد﴾ وسورة "؛ وهو حديث ضعيف.
وهذه الأحاديث لا تقصر عن إفادة إيجاب قرآن مع الفاتحة من غير تقييد، بل مجرد الآية الواحدة يكفي، وأما زيادة على ذلك - كقراءة سورة مع الفاتحة في كل ركعة من الأولتين -؛ فليس بواجب، فيكون ما في المتن مقيداً بما فوق الآية.
قال في " الحجة البالغة ": " ثم يرتل سورة الفاتحة وسورة من القرآن ترتيلا، يمد الحروف، ويقف على رؤوس الآي، يخافت في الظهر والعصر، ويجهر الإمام في الفجر والمغرب والعشاء، ويقرأ في الفجر ستين آية إلى مئة؛ تداركاً لقلة ركعاته بطول قراءته، وفي العشاء ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ،
стр. 286
﴿والليل إذا يغشى﴾ ومثلهما، وحُمل الظهر على الفجر، والعصر على العشاء، وفي بعض الروايات: الظهر على العشاء، والعصر على المغرب، وفي بعضها: وفي المغرب بقصار المفصل؛ لضيق الوقت ". انتهى.
(٧ - [التشهد الأوسط] :)
(و) أما (التشهد الأوسط) : فلم يرد فيه ألفاظ تخصه، بل يقول فيه ما يقول في التشهد الأخير، ولكنه يسرع بذلك.
وفي " حاشية الشفاء " للشوكاني ﵀: " وأما ما يقال فيه؛ فهو ما يقال في التشهد الأخير سواء بسواء؛ إلا ما ورد تخصيصه بالآخر؛ فيختص به، وظاهر الأدلة الواردة في التشهد شامل للتشهدين جميعاً، إلا أنه ينبغي تخفيفه كما ورد الدليل بذلك، وأقل ما يقال فيه تشهد ابن مسعود، ويُضم إليه الصلاة على النبي وآله [ ﷺ ] بأخصر لفظ، فهذا لا ينافي التخفيف المشروع ". انتهى.
وقد روى أحمد، والنسائي من حديث ابن مسعود قال: إن محمداً قال: " إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه؛ فليدع به ربه "، ورجاله ثقات.
وأخرجه الترمذي بلفظ: علمنا رسول الله [ ﷺ ] إذا قعدنا في الركعتين.
стр. 287
فالتقييد بالقعود في كل ركعتين يفيد أن هذا التشهد هو التشهد الأوسط، ولكن ليس فيه ما ينفي زيادة الصلاة على النبي [ ﷺ ] ، وقد شرعها رسول الله [ ﷺ ] في التشهد مقترنة بالسلام على النبي [ ﷺ ] ، كما ورد بلفظ: قد علمنا كيف السلام عليك؛ فكيف الصلاة؟ وهو في " الصحيحين " من حديث كعب ابن عجرة.
وفي رواية من حديث ابن مسعود: فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟
وإنما لم يكن التشهد الأوسط واجباً ولا قعوده لأن النبي [ ﷺ ] تركه سهوا، فسبَّح الصحابة، فلم يعد له، بل استمر وسجد للسهو، فلو كان واجباً؛ لعاد له عند ذهاب السهو بوقوع التنبيه من الصحابة؛ فلا يقال: إن سجود السهو يكون لجبران الواجب كما يكون لجبران غير الواجب! لأنا نقول: محل الدليل ههنا هو عدم العود لفعله بعد التنبيه على السهو.
أقول: لا ريب أنه [ ﷺ ] لازم التشهد الأوسط، ولم يثبت في حديث من الأحاديث الحاكية لفعله [ ﷺ ] أنه تركه مرة واحدة، ولكن هذا القدر لا يثبت به الوجوب، وإن كان بيانا لمجمل واجب، وانضم إليه حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي "؛ لأن الاقتصار في حديث المسيء على بعض ما كان يفعله دون بعض يشعر بعدم وجوب ما لم يذكر فيه، وأحاديث التشهد الصحيحة التي فيها لفظ " قولوا " - وإن كان أصل الأمر للوجوب -؛ لكنه مصروف عن حقيقته بحديث المسيء.
ويشكل على ذلك قول ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا
стр. 288
التشهد ... الحديث؛ فإن هذه العبارة تدل على أن التشهد من المفترضات، ويمكن أن يقال: إن فهم ابن مسعود للفرضية لا يستلزم أن يكون الأمر كذلك؛ لأنه من مجالات الاجتهادات، واجتهاده ليس بحجة على أحد (١) ، وأيضا: بعض التشهد تعليم كيفية، وتعليم الكيفيات - وإن كان بلفظ الأمر - لا يدل على وجوبها، وما نحن بصدده من ذلك؛ فإنه وقع في جواب: كيف نصلي عليك؟ وإنما كان كذلك؛ لأن جواب السائل عن الكيفية يكون بالأمر، وإن كانت غير واجبة إجماعاً، تقول: كيف أغسل ثوبي وأحمل متاعي: فيقول المسؤول: افعل كذا؛ غير مريد لإيجاب ذلك عليك، بل لمجرد التعليم للهيئة المسؤول عنها ب (كيف؟) ؛ فلا بد أن يكون الشيء المسؤول عن كيفيته قد وجب بدليل آخر غير تعليم الكيفية (٢) .
وقد وقع في بعض طرق حديث المسيء ذكر للتشهد فراجعه في الموطن، فإن صحت تلك الطرق؛ كانت هي المفيدة للوجوب،
أما حديث: " إذا أحدث المصلي بعد آخر سجدة ": فليس مما تقوم به الحجة؛ فليعلم.
стр. 289
(٨ - [الأذكار الواردة في الصلاة] :)
(و) أما (الأذكار الواردة في كل ركن) : فكثيرة جدا:
منها تكبير الركوع والسجود، والرفع والخفض، كما دل عليه حديث ابن مسعود، قال: رأيت النبي [ ﷺ ] يكبر في كل رفع وخفض، وقيام وقعود.
وأخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي - وصححه -.
وأخرج نحوه البخاري، ومسلم من حديث عمران بن حصين.
وأخرج نحوه من حديث أبي هريرة.
وفي الباب أحاديث؛ إلا عند الارتفاع من الركوع؛ فإن الإمام والمنفرد يقولان: " سمع الله لمن حمده "، والمؤتم يقول: " اللهم ربنا ﴿ولك الحمد " (١) ؛ وهو في " الصحيح " من حديث أبي موسى.
قال في " حاشية الشفاء ": الظاهر من الأدلة أن الإمام والمنفرد يجمعان بين السمعلة والحمدلة، فيقولان: " سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا﴾ ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه "، وأما المؤتم ففيه احتمال (١) ، وقد أوضحت الصواب فيه في " شرح المنتقى ". انتهى.
قال ابن القيم في " الإعلام ": السنة الصريحة في قول الإمام: " ربنا! لك الحمد "؛ كما في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة: كان رسول الله [ ﷺ ] إذا
стр. 290
قال: " سمع الله لمن حمده "؛ قال: " اللهم ربنا ﴿لك الحمد ".
وفيهما - أيضا - عنه: كان رسول الله [ ﷺ ] يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: " سمع الله لمن حمده " حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: " ربنا﴾ لك الحمد ".
وفي " صحيح مسلم " عن ابن عمر: أن النبي [ ﷺ ] كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: " سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ﴿لك الحمد ": فرُدّت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله [ ﷺ ] : " إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربنا﴾ لك الحمد ". انتهى.
وأما ذكر الركوع فهو: " سبحان ربي العظيم "؛ وذكر السجود: " سبحان ربي الأعلى "، ويدعو بعد ذلك بما أحب من المأثور وغيره، وأقل ما يستحب من التسبيح في الركوع والسجود ثلاث؛ لحديث ابن مسعود: أن النبي [ ﷺ ] قال: " إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم، ثلاث مرات؛ فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ثلاث مرات؛ فقد تم سجوده، وذلك أدناه "، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ وفي إسناده انقطاع.
وأما ذكر الاعتدال: فقد ثبت في " الصحيح " من حديث ابن عباس: أن النبي -[ ﷺ ]- كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: " اللهم ربنا! لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ".
стр. 291
وأما الذكر بين السجدتين: فقد روى الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم - وصححه - من حديث ابن عباس: أن النبي -[ ﷺ ]- كان يقول بين السجدتين: " اللهم! اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني ".
أقول: قد بين لنا [ ﷺ ] كيفية تسبيح الركوع والسجود بيانا شافيا، نقله لنا عنه الذين نقلوا إلينا سائر الأحكام الشرعية، فقالوا: كان يقول في ركوعه: " سبحان ربي العظيم "، وفي سجوده: " سبحان ربي الأعلى "، وكذلك أرشد إليه [ ﷺ ] قولاً.
وأما التقييد بعدد مخصوص: فلم يرد ما يدل عليه؛ إنما كان الصحابة يقدرون لبثه في ركوعه وسجوده تقادير مختلفة، والتطويل في الصلاة من السنن الثابتة؛ ما لم يكن المصلي إماماً لقوم؛ فإنه يصلي بهم صلاة أخفهم كما أرشد إليه -[ ﷺ ]-.
(٩ - [الاستكثار من الدعاء بخيري الدنيا والآخرة] :)
(و) الأحاديث في الأذكار الكائنة في الصلاة كثيرة جدا، فينبغي (الاستكثار من الدعاء) في الصلاة.
(بخيري الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد) : والأوْلى أن يأتي بهذه الأذكار قبل الرواتب؛ فإنه جاء في بعض الأذكار ما يدل على ذلك، كقوله: " من قال قبل أن ينصرف ويثني رجله من صلاة المغرب والصبح: لا إله إلا الله ... " (١) الخ، وكقول الراوي: كان إذا سلم من صلاته يقول بصوته
стр. 292
الأعلى: لا إله إلا الله ... " الخ، قال ابن عباس: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله -[ ﷺ ]- بالتكبير (١) .
وفي بعضها ما يدل ظاهراً كقوله: " دبر كل صلاة ".
وأما قول عائشة: كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: " اللهم أنت السلام ... " الخ فيحتمل وجوها ذكرتها في " شرح بلوغ المرام ".
وبالجملة: فالأدعية كلها بمنزلة أحرف القرآن؛ من قرأ منها شيئا فاز بالثواب الموعود.
وهذا الباب يحتمل البسط، وليس المراد هنا إلا الإشارة إلى ما يُحتاج إليه.
وقد ذكر الماتن هذه المسائل والأذكار في " شرح المنتقى "، وأورد كل ما يحتاج إليه على وجه لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره.
стр. 293
(٥ - باب متى تبطل الصلاة؟ وعمن تسقط ؟)
( [الفصل الأول] )
( [ما لا يجوز في الصلاة] :)
(١ - [الكلام] :)
(وتبطل الصلاة بالكلام) : لحديث زيد بن أرقم في " الصحيحين " وغيرهما، قال: كنا نتكلم في الصلاة؛ يكلم الرجل منا صاحبه حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ ؛ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
وهكذا حديث ابن مسعود في " الصحيحين " وغيرهما بلفظ: " إن في الصلاة لشغلا ".
وفي رواية لأحمد، والنسائي، وأبي داود، وابن حبان في " صحيحه ": " إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإنه أحدث من أمره أن لا يتكلم في الصلاة ".
ولا خلاف بين أهل العلم أن من تكلم عامدا عالما فسدت صلاته، وإنما الخلاف في كلام الساهي، ومن لم يعلم بأنه ممنوع.
فأما من لم يعلم؛ فظاهر حديث معاوية بن الحكم السلمي الثابت في
стр. 294
" الصحيح " أنه لا يعيد، وقد كان شأنه [ ﷺ ] أن لا يحرج على الجاهل، ولا يأمره بالقضاء في غالب الأحوال، بل يقتصر على تعليمه وعلى إخباره بعدم جواز ما وقع منه، وقد يأمره بالإعادة كما في حديث المسيء.
وأما كلام الساهي والناسي؛ فالظاهر أنه لا فرق بينه وبين العامد العالم في إبطال الصلاة.
قال أبو حنيفة: كلام الناسي يبطل الصلاة، وحديث أبي هريرة كان قبل تحريم الكلام ثم نسخ.
وفيه بحث؛ لأن تحريم الكلام كان بمكة، وهذه القصة بالمدينة.
وقال الشافعي: كلام الناسي لا يبطل الصلاة، وكلام العامد يبطلها ولو قل، وتأويل الحديث عنده: أن النبي [ ﷺ ] كان ناسيا، بانيا كلامه على أن الصلاة تمت وهو نسيان، وكلام ذي اليدين على توهم قصر الصلاة؛ فكان حكمه حكم الناسي، وكلام القوم كان جوابا للرسول، وإجابة الرسول لا تبطل الصلاة.
وقال مالك: إن كان كلام العمد يسيرا لإصلاح الصلاة لا يبطل، مثل أن يقال: لم تكمل، فيقول: قد أكملت، وحديث: نهينا عن الكلام، و: " لا تكلموا ": خص منه هذا النوع من الكلام. كذا في " المسوى ".
أقول: أما فساد صلاة من تكلم ساهيا؛ فلا أعرف دليلا يدل عليه؛ إلا عموم حديث النهي عن الكلام، وهو مخصص بمثل حديث تكلمه [ ﷺ ] بعد أن سلم على ركعتين، كما في حديث ذي اليدين، فإنه تكلم في تلك الحال
стр. 295
ساهيا عن كونه مصليا، وهو المراد بكلام الساهي؛ لأن المراد إصدار الكلام من غير قصد.
فإن قيل: إن ثم فرقا بين من تكلم وهو داخل الصلاة لم يخرج منها، وبين من تكلم وقد خرج منها ساهيا؛ فإن الأول أوقع الكلام حال الصلاة، والآخر أوقعه خارجها، واعتداده بما قد فعله قبل الخروج ساهيا؛ لا يوجب كونه بعد الخروج قبل الرجوع في الصلاة؛ وأدل دليل على ذلك: تكبيره للدخول بعد الخروج سهوا.
فيقال: الأدلة الواردة في رفع الخطاب عن الساهي مخصصة لذلك العموم، فاقتضى ذلك أن المفسد هو كلام العامد لا كلام الساهي.
وأما عدم أمره لمعاوية بن الحكم بالإعادة - كما في الحديث -: فيمكن أن يكون لتنزيل كلام الجاهل بالتحريم منزلة كلام الساهي، ويمكن أن يكون الجهل عذرا بمجرده.
(٢ - [الاشتغال بما ليس منها] :)
(وبالاشتغال بما ليس منها) : وذلك مقيد بأن يخرج به المصلي عن هيئة الصلاة، كمن يشتغل مثلا بخياطة، أو نجارة، أو مشي كثير، أو التفات طويل، أو نحو ذلك.
وسبب بطلانها بذلك أن الهيئة المطلوبة من المصلي قد صارت بذلك الفعل متغيرة عما كانت عليه، حتى صار الناظر لصاحبها لا يعده مصليا.
أقول: اختلفت أنظار أهل العلم في تعريف الفعل الكثير المفسد للصلاة
стр. 296
والمبطل لها، والذي أراه طريقا إلى معرفة الفعل الكثير؛ أن ينظر المتكلم في ذلك إلى ما صدر منه [ ﷺ ] من الأفعال، مثل حمله لأمامة بنت أبي العاص، وطلوعه ونزوله في المنبر وهو في حال الصلاة، ونحو ذلك مما وقع منه [ ﷺ ] ؛ لا لإصلاح الصلاة، فيحكم بأنه غير كثير، وكذلك ما وقع لقصد إصلاح الصلاة؛ مثل خلعه [ ﷺ ] للنعل، وإذنه بمقاتلة الحية - وما أشبه ذلك -؛ ينبغي الحكم بأنه غير كثير بالأولى، وما خرج عن الواقع من أفعاله، والمسوغ بأقواله، فهو فعل غير مشروع، ورجع في كونه مفسدا وغير مفسد إلى الدليل، فإن ورد ما يدل على أحد الطرفين كان العمل عليه، وإن لم يرد فالأصل الصحة، والفساد خلاف الأصل، لا يصار إليه إلا لقيام دليل يدل على الفساد، ولكنه إذا صدر من المصلي من الأفعال - التي لمجرد العبث - ما يخرج به عن هيئة من يؤدي هذه العبادة؛ مثل أن يشتغل بعمل من الأعمال التي لا مدخل لها في الصلاة، ولا في إصلاحها؛ نحو حمل الأثقال، والخياطة، والنسخ ونحو ذلك: فهذا غير مصل.
فإذا قال قائل بفساد صلاته؛ فهو من حيث إنه قد فعل ما ينافي الصلاة.
وأما الاستدلال بحديث: " اسكنوا في الصلاة ": فهو - مع كونه لا يفيد إلا الوجوب، والواجب لا يستلزم عدمه فساد ما هو واجب فيه -: مخصص بجميع ما فعله [ ﷺ ] ، أو أذن به، أو قرره.
وما خرج عن ذلك؛ ففعله غير جائز، بل يجب تركه فقط؛ فمن تركه كان ممدوحا، ومن فعله كان مذموما.
стр. 297
ومن قال: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده (١) ، والنهي يقتضي الفساد - كما هو مذهب طائفة من أهل الأصول -: فغاية ما هناك أن ذلك الفعل الذي فعله ولم يتركه - كما يجب عليه - فاسد، وأما كون الصلاة التي فعل فيها ذلك الفعل فاسدة؛ فشيء آخر.
قال مجد الدين الفيروزآبادي في " الصراط المستقيم ": " ولسماع بكاء الطفل كان يخفف الصلاة، وأحيانا كان يتعلق به وهو في الصلاة طفل فيحمله على عاتقه، وأحيانا كان يأتي الحسين وهو في السجود، فيركب على ظهره المبارك، فيطيل السجود لأجله، وأحيانا كانت عائشة تأتي وهو في الصلاة؛ وقد غلق الباب، فيخطو ليفتح الباب لها، وأحيانا كان يسلم عليه وهو في الصلاة، فيجيب بالإشارة باسطا يده، وقد يومئ برأسه المبارك، وكانت عائشة نائمة تجاه صلاته، فكان عند السجود يضع يده على رجلها؛ لتخلي مكان السجود بضم رجلها، وكان قد يصل إلى آية السجدة على المنبر، فيهبط إلى الأرض ليسجد ثم يصعد، واختصم وليدتان من بني عبد المطلب، فتصارعتا، فلما دنتا منه أمسكهما بيده وفرق بينهما (٢) ، وكان يبكي في الصلاة كثيرا، ويتنحنح أحيانا لحاجة، ويصلي منتعلا وغير منتعل، وقال: " صلوا في نعالكم خلافا لليهود ". اه.
قال في " الحجة البالغة ": " إن النبي [ ﷺ ] قد فعل أشياء في الصلاة بيانا للمشروع، وقرر على أشياء، فذلك وما دونه لا يبطل الصلاة.
والحاصل من الاستقراء: أن القول اليسير - مثل: ألعنك بلعنة الله،
стр. 298
ويرحمك الله، وياثكل أماه ﴿وما شأنكم تنظرون إلي؟﴾ والبطش اليسير مثل وضع صبية من العاتق ورفعها، وغمز الرجل، ومثل فتح الباب، والمشي اليسير؛ كالنزول من درج المنبر إلى مكان - ليتأتى منه السجود في أصل المنبر -، والتأخر من موضع الإمام إلى الصف، والتقدم إلى الباب المقابل ليفتح، والبكاء خوفا من الله - تعالى -، والإشارة المفهمة، وقتل الحية والعقرب، واللحظ يمينا وشمالا من غير لي العنق -: لا يفسد، وإن تعلق القذر بجسده أو ثوبه - إذا لم يكن بفعله، أو كان لا يعلمه - لا يفسد ". اه.
قلت: اتفقوا على أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة.
في " العالمكيرية " (١) : إن حمل صبيا أو ثوبا على عاتقه؛ لم تفسد صلاته، وإن حمل شيئا يتكلف في حمله؛ فسدت.
وفي " المنهاج ": الكثرة بالعرف، فالخطوتان والضربتان قليل، والثلاث كثير، وتبطل بالوثبة الفاحشة، لا الحركات الخفيفة المتوالية، كتحريك أصابعه في سبحة، أو حك - في الأصح -.
وفي " العالمكيرية ": لو فتح على غير إمامه تفسد؛ إلا إذا عنى به التلاوة دون التعليم، وإن فتح على إمامه؛ فالصحيح لا تفسد بحال.
وفي " المنهاج ": " لو نطق بنظم القرآن بقصد التفهيم، ك ﴿يا يحيى خذ الكتاب﴾ ، قصد معه قراءة؛ لم تفسد، وإلا بطلت "؛ كذا في " المسوى ".
стр. 299
(٣ - [ترك شرط أو ركن عمدا] :)
(وبترك شرط) : كالوضوء، فلأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط.
(أو ركن) : لكون ذهابه يوجب خروج الصلاة عن هيئتها المطلوبة.
(عمدا) ، وإذا ترك الركن فما فوقه سهوا فعله، وإن كان قد خرج عن الصلاة، كما وقع منه -[ ﷺ ]- في حديث ذي اليدين؛ فإنه سلم على ركعتين ثم أخبر بذلك، فكبر وفعل الركعتين المتروكتين.
وأما ترك ما لم يكن شرطا ولا ركنا من الواجبات؛ فلا تبطل به الصلاة؛ لأنه لا يؤثر عدمه في عدمها، بل حقيقة الواجب: ما يمدح فاعله ويذم تاركه، وكونه يذم لا يستلزم أن صلاته باطلة.
والحاصل: أن الشروط للشيء هي التي تثبت بدليل يدل على انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط، نحو أن يقول الشارع: من لم يفعل كذا فلا صلاة له، أو يأتي عن الشارع ما هو تصريح بعدم الصحة، أو بعدم القبول أو الأجر، أو يثبت عنه النهي عن الإتيان بالمشروط بدون الشرط؛ لأن النهي يدل على الفساد المرادف للبطلان على ما هو الحق.
وأما كون الشيء واجبا: فهو يثبت بمجرد طلبه من الشارع، ومجرد الطلب لا يستلزم زيادة على كون الشيء واجبا، فتدبر هذا؛ تسلم من الخبط والخلط.
стр. 300
( [الفصل الثاني: على من تجب الصلوات الخمس؟ وعمن تسقط ؟] )
( [تجب الصلاة على المكلف] :)
(ولا تجب) الصلوات المكتوبة الخمس (على غير مكلف) : لأن خطاب التكليف لا يتناول غير مكلف، ولا خلاف في ذلك في الواجبات الشرعية.
وأما ما ورد من تعويد الصبيان وتمرينهم: فالخطاب في ذلك للمكلفين، والوجوب عليهم لا على الصغار.
( [عمن تسقط الصلاة ؟] :)
(١ - [عن العاجز عن الإشارة] :)
(وتسقط عمن عجز عن الإشارة) : لأن إيجابها على المريض مع بلوغه إلى ذلك الحد؛ هو من تكليف ما لا يطاق، ولم يكلف الله - تعالى - أحدا فوق طاقته.
(٢ - [عن المغمى عليه حتى خرج وقتها] :)
(و) كذلك (عمن أغمي عليه حتى خرج وقتها) : فلا وجوب عليه؛ لأنه غير مكلف في الوقت.
( [كيف يصلي المريض ؟] :)
(ويصلي المريض قائما ثم قاعدا ثم على جنب) : لحديث عمران بن
стр. 301
حصين عند البخاري، وأهل " السنن "، وغيرهم قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي -[ ﷺ ]- عن الصلاة؟ فقال: " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب "؛ وقد نطق بمضمون ذلك القرآن الكريم.
وإذا تعذر على المصلي صفة من صفات صلاة العليل الواردة؛ أتى بالصلاة على صفة أخرى مما ورد، ثم يفعل ما قدر عليه ودخل تحت استطاعته: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ، " وإذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ".
стр. 302
(٦ - باب صلاة التطوع)
( [دليل مشروعية سنة الظهر والعصر] :)
(هي: أربع قبل الظهر، وأربع بعده، وأربع قبل العصر) : لما ثبت في ذلك من حديث أم حبيبة، قالت: سمعت رسول الله [ ﷺ ] يقول: " من صلى أربع ركعات قبل الظهر، وأربعا بعدها؛ حرمه الله على النار "؛ رواه أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي، وابن حبان -.
قال في " سفر السعادة ": وكان يفصل بين هذه الأربع بتسليمتين.
قال أمير المؤمنين علي: كان النبي [ ﷺ ] يصلي قبل الظهر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم (١) على الملائكة المقربين، ومن معهم من المسلمين والمؤمنين؛ رواه أحمد، والترمذي - محسنا -. اه.
وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي عن ابن عمر، أن النبي [ ﷺ ] قال: " رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا " - وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان وابن خزيمة -.
( [دليل مشروعية سنة المغرب] :)
(وركعتان بعد المغرب) : قال في " سفر السعادة ": وفي سنة المغرب سنتان:
стр. 303
إحداهما: أن لا يتكلم بينهما وبين الفريضة؛ لما في الحديث: " من صلى ركعتين بعد المغرب - قال مكحول: يعني قبل أن يتكلم -: رُفعت صلاته في عليين " (١) .
الثانية: أن تكون في البيت: دخل رسول الله [ ﷺ ] مسجد بني الأشهل وصلى المغرب، فلما فرغ رأى أهل المسجد اشتغلوا بصلاة السنة، فقال: " هذه صلاة البيوت " (٢) ، وفي لفظ ابن ماجه: " اركعوا هاتين في بيوتكم " (٣) .
حاصله: أن عادة حضرة سيدنا رسول الله [ ﷺ ] : أنه كان يصلي جميع السنن في بيته؛ إلا أن يكون بسبب، وكان يقول: " أيها الناس! صلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة " اه.
وقال - أيضا -: وكان الصحابة يصلون قبل المغرب ركعتين، ولم يمنعهم [ ﷺ ] من ذلك، وثبت في " الصحيحين "؛ أنه [ ﷺ ] قال: " صلوا قبل المغرب "، وقال في الثالثة: " لمن شاء "؛ كراهة أن يتخذها الناس سنة، فصلاتها مندوبة مستحبة، لكن لا تبلغ درجة الرواتب. اه.
( [دليل مشروعية سنة العشاء والفجر] :)
(وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) : لما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر، قال: حفظت عن رسول الله -[ ﷺ ]-
стр. 304
ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الغداة ".
وأخرج - نحوه - مسلم في " صحيحه "، وأحمد، والترمذي - وصححه - من حديث عبد الله بن شقيق.
وأخرج - نحوه - مسلم، وأهل " السنن " من حديث أم حبيبة.
ولا ينافي هذا ما تقدم من الدليل الدال على مشروعية أربع قبل الظهر وأربع بعده؛ لأن هذه زيادة مقبولة.
وثبت في " الصحيحين " من حديث عائشة أن النبي -[ ﷺ ]- لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر.
وثبت في " صحيح مسلم " وغيره من حديثها: " أن ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها ".
وفيهما أحاديث كثيرة.
قال في " سفر السعادة ": وكان يحافظ على ركعتي الفجر؛ بحيث إنه كان يواظب عليهما في السفر أيضا، ولم يرو أنه [ ﷺ ] صلى في السفر شيئا من السنن الرواتب؛ إلا سنة الفجر وصلاة الوتر.
وللعلماء في أفضلية سنة الفجر وصلاة الوتر قولان:
قال بعضهم: سنة الفجر آكد.
стр. 305
وقال بعضهم: بل الوتر.
وكما أن الوتر واجب عند البعض؛ كذا سنة الفجر تجب عند البعض (١) .
وقال بعض المشايخ: سنة الفجر ابتداء العمل، والوتر ختم العمل، فلا جرم صرفنا العناية لشأنهما، ولهذا السبب شُرع فيهما قراءة سورة الإخلاص، وسورة ﴿قل يا﴾ (٢) ؛ لاشتمالهما على توحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد، كما بيناه في كتاب " حاصل كورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص " (٣) . اه.
( [دليل مشروعية سنة الضحى] :)
(وصلاة الضحى) ؛ والأحاديث فيها متواترة عن جماعة من الصحابة.
وأقلها ركعتان،؛ كما في حديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، وأكثرها اثنتا عشرة ركعة؛ كما دلت على ذلك الأدلة.
وفي " الحجة البالغة ": وللضحى ثلاث درجات: أقلها ركعتان، وفيها أنها تجزي عن الصدقات الواجبة على كل سلامي ابن آدم.
وثانيتها: أربع ركعات، وفيها عن الله - تعالى -: " يا ابن آدم ﴿اركع لي أربع ركعات من أول النهار؛ أكفك آخره ".
وثالثها: ما زاد عليها؛ كثماني ركعات وثنتي عشرة.
стр. 306
وأكمل أوقاته؛ حين يرتحل النهار وترمض الفصال (١) . اه.
( [سنة صلاة الليل] :)
(وصلاة الليل) ؛ والأحاديث فيها صحيحة متواترة، لا يتسع المقام لبسطها: قال - تعالى -: ﴿إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا﴾ ، وقال [ ﷺ ] : " صلوا بالليل والناس نيام ".
وكانت العناية بصلاة التهجد أكثر، فبين [ ﷺ ] فضائلها، وضبط آدابها وأذكارها، قال: " عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، مكفرة للسيئات، منهاة عن الإثم " (٢) ؛ وغير ذلك.
(وأكثرها ثلاث عشرة ركعة) ، وقد كان -[ ﷺ ]- يصلي صلاة الليل على أنحاء مختلفة، فتارة يصلي ركعتين ركعتين ثم يوتر بركعة، وتارة يصلي أربعا أربعا، وتارة يجمع بين زيادة على الأربع، وذلك كله سنة ثابتة.
قال في " الحجة البالغة ": صلاها النبي [ ﷺ ] على وجوه، والكل سنة.
قال في " المنح " (٣) : " قالت عائشة: ولا أعلم رسول الله [ ﷺ ] قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلة حتى أصبح ". اه.
стр. 307
( [سنة الوتر] :)
(يوتر في آخرها بركعة) : إما منفردة أو منضمة إلى شفع قبلها.
قال ابن القيم: " ووردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس متصلة وسبع متصلة، كحديث أم سلمة: كان رسول الله [ ﷺ ] يوتر بسبع وبخمس، لا يفصل بسلام ولا كلام؛ رواه أحمد، وكقول عائشة: كان رسول الله [ ﷺ ] يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس إلا في آخرهن " متفق عليه، وكحديث عائشة: أنه يصلي من الليل تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسن رسول الله [ ﷺ ] وأخذه اللحم؛ أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأول "، وفي لفظ عنها: فلما أسن وأخذه اللحم؛ أوتر بسبع ركعات، لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة، وفي لفظ: صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن.
وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها، فرُدّت بقوله [ ﷺ ] : " صلاة الليل مثنى مثنى "؛ وهو حديث صحيح، ولكن الذي قاله هو الذي أوتر بالسبع والخمس، وسنته كلها حق يصدق بعضها بعضا، فالنبي [ ﷺ ] أجاب السائل له عن صلاة الليل بأنها: " مثنى مثنى "، ولم يسأله عن الوتر، وأما السبع والخمس والتسع والواحدة: فهي صلاة الوتر، والوتر اسم للواحدة المنفصلة عما قبلها، وللخمس والسبع والتسع المتصلة، كالمغرب اسم للثلاث المتصلة، فإن انفصلت الخمس والسبع بسلامين كالإحدى عشرة،؛ كان الوتر
стр. 308
اسم الركعة المفصولة وحدها، كما قال [ ﷺ ] : " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة؛ توتر له ما قد صلى "، فاتفق فعله [ ﷺ ] وقوله، وصدق بعضه بعضا ". اه.
والحق أن الوتر سنة، هو أوكد السنن، بينه علي، وابن عمر، وعبادة ابن الصامت، وإليه ذهب أكثر العلماء، إلا أبا حنيفة خاصة؛ فإنه واجب على الصحيح عنده، وثلاث ركعات لا يزيد ولا ينقص!
قال في " المسوى ": " وأقل الوتر ركعة في قول أكثرهم، وأكثره إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة، وأدنى الكمال ثلاث، وما زاد فهو أفضل ". اه.
وكان النبي [ ﷺ ] إذا صلاها ثلاثا؛ يقرأ في الأولى ب ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ ، وفي الثانية ب ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ، وفي الثالثة ب ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين.
( [بيان وقت الوتر] :)
أقول: دلت الأخبار على أن وقت الوتر بعد الفراغ من العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر، وهذا هو عين ما أفتى به أبو موسى، وفتواه هي الثابتة عن رسول الله [ ﷺ ] ؛ أخرجه مسلم في " صحيحه " من حديث أبي سعيد، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " أوتروا قبل أن تصبحوا ".
وأخرج ابن حبان عنه [ ﷺ ] ، أنه قال: " إذا طلع الفجر؛ فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر ".
стр. 309
والأحاديث في الباب كثيرة، والأحاديث الثابتة في إيتاره [ ﷺ ] بركعة أكثر من أن تحصى، فهي صالحة لتخصيص ما هو من العمومات في أعلى طبقة، فكيف بما لا صحة له قط؟ ﴿وحديث البتيراء لم يصح (١) .
والذي ينبغي التعويل عليه في دفع الوجوب؛ الأحاديث المصرحة بأن الوتر غير واجب.
والوتر عبارة عن آخر صلاة الليل؛ وقد ثبت في ذلك صفات متعددة بأحاديث صحيحة - كما تقدمت الإشارة إلى ذلك -.
والحاصل: أن لصلاة الليل - باعتبار وترها - ثلاث عشرة صفة، كما ذكر ذلك ابن حزم في " المحلى "، فالقول بأن الوتر ثلاث ركعات فقط لا يجوز أن يكون الإيتار بغيرها﴾ ضيق عطن، وقصور باع، ولمثل هذا صار أكثر فقهاء العصر لا يعرفون الوتر إلا بأنها ثلاث ركعات بعد صلاة العشاء، حتى إن كثيراً منهم يكون له قيام في الليل وتهجد، فتراه يصلي الركعات المتعددة ويظن أن الوتر شيء قد فعله، وأنه لا يتعلق له بهذه الصلاة التي يفعلها في الليل، وهو لا يدري أن الوتر هو ختام صلاة الليل، وأنه لا صلاة بعده إلا الركعتان المعروفتان بسنة الفجر، وكثيرا ما يقع الإنسان في الابتداع وهو يظن أنه في الاتباع! والسبب عدم الشغل بالعلم وسؤال أهل الذكر.
وأما ما روي عن الحسن البصري، أنه قال: أجمع المسلمون على أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن (٢) :
стр. 310
فإن أراد أن الإجماع وقع على هذا القدر، وأنه لا يجوز الإيتار بغيره: فهو من البطلان بمكان لا يخفى على عارف، فهذه الدفاتر الإسلامية الحاكية لمذاهب الصحابة الذين أدركهم الحسن البصري، ولمذاهب التابعين الذين هو واحد منهم، قاضية بخلاف هذه الحكاية، وهي بين أيدينا.
وإن أراد أن هذه الصفة هي إحدى صفات الوتر: فنحن نقول بموجب ذلك، فقد روي الإيتار بثلاث، ولكنه روي النهي عن الإيتار بثلاث (١) كما أوضح ذلك الماتن ﵀ في " شرح المنتقى "، فتعارضت رواية الثلاث ورواية النهي.
والعالم بكيفية الاستدلال لا يخفى عليه الصواب، وقد تقدم أن حديث البتيراء لا أصل له (٢) ، على أن النسخ لا يتم ادعاؤه إلا بعد معرفة التاريخ؛ لأن الناسخ لا يكون إلا متأخرا بإجماع المسلمين القائلين بثبوت أصل النسخ في هذه الشريعة المطهرة، فدعوى النسخ بمجرد الاحتمال مجازفة عظيمة، ولا سيما إذا كان المدعي لذلك لم يتعب نفسه في علوم السنة المطهرة.
( [سنة تحية المسجد] :)
(وتحية المسجد) : لحديث " إذا دخل أحدكم المسجد؛ فلا يجلس حتى يصلي ركعتين "؛ أخرجه الجماعة من حديث أبي قتادة، وفي ذلك أحاديث كثيرة.
стр. 311
وقد وقع الاتفاق على مشروعية تحية المسجد، وذهب أهل الظاهر إلى أنهما واجبتان، وذلك غير بعيد (١) ، وقد حقق الماتن المقام في " شرح المنتقى "، وفي رسالة مستقلة.
( [صلاة الاستخارة] :)
(و) صلاة (الاستخارة) ، وفيها أحاديث كثيرة منها: حديث جابر عند البخاري وغيره؛ بلفظ: كان رسول الله -[ ﷺ ]- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها؛ كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: " إذا همّ أحدكم بالأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم ﴿إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم،؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم﴾ إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله -؛ فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله -؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به - قال -، ويسمي حاجته ".
قال في " الحجة البالغة ": وعندي أن إكثار الاستخارة في الأمور ترياق مجرب بتحصيل شبه الملائكة، وضبط النبي [ ﷺ ] آدابها ودعاءها، فشرع ركعتين، وعلّم: اللهم! إني أستخيرك ... الخ. اه.
стр. 312
( [صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة] :)
(وركعتان بين كل أذان وإقامة) : لحديث: " بين كل أذانين صلاة "، قال ذلك ثلاث مرات، ثم قال: " لمن شاء "؛ وهو حديث صحيح.
والمراد بالأذانين: الأذان والإقامة تغليبا؛ كالقمرين والعمرين.
стр. 313
(٧ - باب صلاة الجماعة)
( [حكم صلاة الجماعة] :)
(هي من آكد السنن) وأعظم الشعائر الإسلامية وأفضل القرب الدينية؛ لما ورد فيها من الترغيبات، حتى إنه [ ﷺ ] صرح بأنها تزيد على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة؛ كما في " الصحيحين "، ووقع منه الإخبار بأنه قد هم بأن يحرق على المتخلفين دورهم.
قال ابن القيم: ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة، فترك الصلاة في الجماعة هو من الكبائر. اه.
ولازمها [ ﷺ ] من الوقت الذي شرعها الله - تعالى - فيه إلى أن قبضه الله - تعالى - إليه، ولم يرخص [ ﷺ ] في تركها لمن سمع النداء، فإنه سأله الرجل الأعمى أن يصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: " هل تسمع النداء؟ "، قال: نعم، قال: " فأجب "، وكل ما ذكرناه ثابت في " الصحيح ".
وثبت في " الصحيح " أيضا عن ابن مسعود، أنه قال: " لقد رأيتنا؛ وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ".
قال ابن القيم: وهذا فوق الكبيرة. اه.
стр. 314
" ولقد كان الرجل يؤتى به، يهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصف " (١) .
أقول: أما كونها فريضة متحتمة؛ فالأدلة متعارضة، ولكن ههنا طريقة أصولية يجمع بها بين هذه الأدلة؛ وهي أن أحاديث أفضلية الجماعة مشعرة بأن صلاة المنفرد مجزئة، وهي أحاديث كثيرة؛ مثل حديث: " الذي ينتظر الصلاة مع الإمام؛ أفضل من الذي يصلي وحده ثم ينام "؛ وهو في " الصحيح ".
ومنه حديث المسيء صلاته - المشهور -؛ فإنه أمره بأن يعيد الصلاة منفردا.
ومنه حديث: " ألا رجل يتصدق على هذا؟ " عند أن رأى رجلا يصلي منفردا.
ومن ذلك أحاديث التعليم لأركان الإسلام؛ فإنه لم يأمر من علمه بأن لا يصلي إلا في جماعة، مع أنه قال لمن قال له؛ لا يزيد على ذلك ولا ينقص: " أفلح - وأبيه (٢) - إن صدق ".
ونحو ذلك من الأدلة؛ فالجميع صالح لصرف: " فلا صلاة له "؛ الواقع في الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة إلى نفي الكمال، لا إلى نفي الصحة.
стр. 315
وأما ما وقع منه [ ﷺ ] من الهم بتحريق المتخلفين: فهو وإن لم يكن قولا ولا فعلا ولا تقريرا، لكنه لا يكون ما يهم به إلا جائزا، ولا يجوز التحريق بالنار لمن ترك ما لم يفرض عليه: فالجواب عنه قد بسطه شيخنا العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى ".
قال في " الحجة البالغة ": لما كان في شهود الجماعة حرج للضعيف، والسقيم، وذي الحاجة: اقتضت الحكمة أن يرخص في تركها عند ذلك؛ ليتحقق العدل بين الإفراط والتفريط.
فمن أنواع الحرج؛ ليلة ذات برد ومطر، ويستحب عند ذلك قول المؤذن: ألا صلوا في الرحال (١) .
ومنها حاجة يعسر التربص بها كالعشاء إذا حضر؛ فإنه ربما يتشوف إليه، وربما يضيع الطعام.
وكمدافعة الأخبثين؛ فإنه بمعزل عن فائدة الصلاة، مع ما به من اشتغال النفس.
ولا اختلاف بين حديث: " لا صلاة بحضرة الطعام "، وحديث: " لا تؤخر الصلاة لطعام ولا غيره " (٢) ؛ إذ يمكن تنزيل كل واحد على صورة أو معنى، والمراد نفي وجوب الحضور؛ سدا لباب التعمق، وعدم التأخير هو الوظيفة لمن أمن شر التعمق، وذلك كتنزيل فطر الصائم وعدمه على الحالين،
стр. 316
أو التأخير إذا كان تشوف إلى الطعام أو خوف ضياع، وعدمه - إذا لم يكن كذلك - مأخوذ من حال العلة.
ومنها ما إذا كانت خوف فتنة؛ كامرأة أصابت بخورا، ولا اختلاف بين قوله [ ﷺ ] : " إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها "، وبين ما حكم به جمهور الصحابة من منعهن؛ إذ المنهي عنه الغيرة التي تنبعث من الأنفة دون خوف الفتنة، والجائز ما فيه خوف الفتنة، وذلك قوله [ ﷺ ] : " الغيرة غيرتان ... " (١) الحديث، وحديث عائشة: أن النساء أحدثن ... الحديث.
ومنها الخوف والمرض، والأمر فيهما ظاهر، ومعنى قوله [ ﷺ ] للأعمى: " أتسمع النداء؟ ... " الخ: أن سؤاله كان في العزيمة، فلم يرخص له.
( [ما القدر الذي تنعقد به صلاة الجماعة ؟] :)
(وتنعقد باثنين) ، وليس في ذلك خلاف، وقد ثبت في " الصحيح " من حديث ابن عباس: أنه صلى بالليل مع النبي -[ ﷺ ]- وحده، وقام (٢) عن يساره، فأداره إلى يمينه.
( [يزداد ثواب الجماعة بازدياد العدد] :)
(وإذا كثر الجمع كان الثواب أكثر) : لأنه قد ثبت عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله -[ ﷺ ]-: " صلاة الرجل مع
стр. 317
الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، وصححه ابن السكن، والعقيلي، والحاكم.
( [تصح إمامة المفضول للفاضل] :)
(ويصح بعد (١) المفضول) : لأنه -[ ﷺ ]- قد صلى بعد أبي بكر، وبعد غيره من الصحابة؛ كما في " الصحيح "، ولعدم وجود دليل يدل على أنه يكون الإمام أفضل، والأحاديث التي فيها: " لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه " (٢) ، ونحوها: لا تقوم بها الحجة، وعلى فرض أنها تقوم بها الحجة؛ فليس فيها إلا المنع من إمامة من كان ذا جرأة في دينه، وليس فيها المنع من إمامة المفضول.
وقد عورض ذلك بأحاديث تتضمن الإرشاد إلى الصلاة خلف كل بر وفاجر، وخلف من قال: لا إله إلا الله؛ وهي ضعيفة، وليست بأضعف مما عارضها ﴿
стр. 318
والأصل أن الصلاة عبادة تصح تأديتها خلف كل مصل، إذا قام بأركانها وأذكارها على وجه لا تخرج به الصلاة عن الصورة المجزئة، وإن كان الإمام غير متجنب للمعاصي، ولا متورع عن كثير مما يتورع عنه غيره، ولهذا إن الشارع إنما اعتبر حسن القراءة والعلم والسن، ولم يعتبر الورع والعدالة، فقال: " يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا " أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي مسعود.
وفي حديث مالك بن الحويرث: " وليؤمكما أكبركما "، وهو في " الصحيحين " وغيرهما.
وقد استخلف النبي -[ ﷺ ]- ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم، وهو أعمى.
والحاصل: أن الشارع اعتبر الأفضلية في القراءة، والعلم بالسنة، وقدم الهجرة، وعلو السن، فلا ينبغي للمفضول في مثل هذه الأمور أن يؤم الفاضل إلا بإذنه، ولا اعتبار بالفضل في غير ذلك.
( [الأولى أن يكون الإمام من الخيار] :)
(والأولى أن يكون الإمام من الخيار) : لحديث ابن عباس، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم "، رواه الدارقطني (١) .
стр. 319
وأخرج الحاكم في ترجمة مرثد الغنوي، عنه [ ﷺ ] : " إن سركم أن تقبل صلاتكم؛ فيؤمكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم " (١) .
قال في " منح المنة ": وكان [ ﷺ ] يجيز إمامة الأرقاء، وكان سالم - مولى أبي حذيفة - يصلي بالمهاجرين الأولين لما نزلوا بقباء (٢) لكونه أكثرهم قرآنا، وكان [ ﷺ ] يقول: " صلوا خلف كل بر وفاجر " (٣) ، وكانت الصحابة يصلون خلف الحجاج (٤) ، وقد أحصي الذين قتلهم من الصحابة والتابعين، فبلغوا مئة ألف وعشرين ألفا. اه.
أقول: الأحاديث الواردة - في الصلاة خلف كل بر وفاجر، وما قابلها من الأحاديث المقتضية للمنع من الصلاة خلف الفاجر، ومن كان ذا جرأة -: لم يبلغ منها شيء إلى حد يجوز العمل عليه، فوجب الرجوع إلى الأصل.
وأما عدم اعتبار قيد العدالة: فلعدم ورود دليل يدل عليه.
وأما كون الصلاة خلف كامل العدالة، واسع العلم، كثير الورع؛ أفضل وأحب: فلا نزاع في ذلك؛ إنما النزاع في كون ذلك شرطا من شروط الجماعة، مع أنه قد ثبت ما يدل على عدم الاعتبار، مثل حديث: " يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فعلى أنفسهم " - أو كما قال -، وهو حديث صحيح.
стр. 320
والحاصل: أن الدين يسر، وقد جاءنا [ ﷺ ] بالشريعة السمحة السهلة، ولم يأمرنا بالكشف عن الحقائق، وسن لنا أن نصلي بعد من كان بالنسبة إلى الواحد منا في الحضيض، باعتبار المزايا الموجبة للفضل، فإنه [ ﷺ ] صلى بعد أبي بكر، وعتاب بن أسيد (١) ، وهما بالنسبة إليه لا يعدان شيئا.
ولا ريب أن الذي ينبغي تقديمه لمثل هذه العبادة، ليكون وافد المؤتمين به إلى الله: هو من أرشد إليه [ ﷺ ] بقوله: " يؤم القوم أقرأهم ... " إلى آخر الحديث.
إنما الشأن فيمن يلعب به الشيطان في الوسوسة المفضية إلى إساءة الظن بأئمة الصلاة المتبعين للسنة، فيوقع في قلبه العداوة لكل واحد منهم، بمجرد خيالات مختلة وضلالات مضلة، فيقول له: هذا العالم لا يصلح للإمامة لكونه كذا ﴿وهذا الفاضل لا يصلح لها لكونه كذا﴾ (٢) ثم ينقله من درجة إلى درجة، ومن واحد إلى واحد، حتى لا يجد على ظهر البسيطة من يصلح لإمامة الصلاة ﴿فهذا مخدوع؛ قد لعب به الشيطان كيف يشاء، حتى أحرمه (٣) فضيلة الجماعة التي هي من أعظم شعائر الإسلام، وأجل أسباب الأجور، ومع هذا؛ فهو قد أوقعه في ورطة أخرى، وهي حمل جميع المسلمين على غير السلامة، فصار ظالما لكل واحد منهم مظلمة يستوفيها منه بين يدي الجبار.