أو التأخير إذا كان تشوف إلى الطعام أو خوف ضياع، وعدمه - إذا لم يكن كذلك - مأخوذ من حال العلة.
ومنها ما إذا كانت خوف فتنة؛ كامرأة أصابت بخورا، ولا اختلاف بين قوله [ ﷺ ] : " إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها "، وبين ما حكم به جمهور الصحابة من منعهن؛ إذ المنهي عنه الغيرة التي تنبعث من الأنفة دون خوف الفتنة، والجائز ما فيه خوف الفتنة، وذلك قوله [ ﷺ ] : " الغيرة غيرتان ... " (١) الحديث، وحديث عائشة: أن النساء أحدثن ... الحديث.
ومنها الخوف والمرض، والأمر فيهما ظاهر، ومعنى قوله [ ﷺ ] للأعمى: " أتسمع النداء؟ ... " الخ: أن سؤاله كان في العزيمة، فلم يرخص له.
( [ما القدر الذي تنعقد به صلاة الجماعة ؟] :)
(وتنعقد باثنين) ، وليس في ذلك خلاف، وقد ثبت في " الصحيح " من حديث ابن عباس: أنه صلى بالليل مع النبي -[ ﷺ ]- وحده، وقام (٢) عن يساره، فأداره إلى يمينه.
( [يزداد ثواب الجماعة بازدياد العدد] :)
(وإذا كثر الجمع كان الثواب أكثر) : لأنه قد ثبت عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله -[ ﷺ ]-: " صلاة الرجل مع
стр. 317
الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، وصححه ابن السكن، والعقيلي، والحاكم.
( [تصح إمامة المفضول للفاضل] :)
(ويصح بعد (١) المفضول) : لأنه -[ ﷺ ]- قد صلى بعد أبي بكر، وبعد غيره من الصحابة؛ كما في " الصحيح "، ولعدم وجود دليل يدل على أنه يكون الإمام أفضل، والأحاديث التي فيها: " لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه " (٢) ، ونحوها: لا تقوم بها الحجة، وعلى فرض أنها تقوم بها الحجة؛ فليس فيها إلا المنع من إمامة من كان ذا جرأة في دينه، وليس فيها المنع من إمامة المفضول.
وقد عورض ذلك بأحاديث تتضمن الإرشاد إلى الصلاة خلف كل بر وفاجر، وخلف من قال: لا إله إلا الله؛ وهي ضعيفة، وليست بأضعف مما عارضها ﴿
стр. 318
والأصل أن الصلاة عبادة تصح تأديتها خلف كل مصل، إذا قام بأركانها وأذكارها على وجه لا تخرج به الصلاة عن الصورة المجزئة، وإن كان الإمام غير متجنب للمعاصي، ولا متورع عن كثير مما يتورع عنه غيره، ولهذا إن الشارع إنما اعتبر حسن القراءة والعلم والسن، ولم يعتبر الورع والعدالة، فقال: " يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا " أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي مسعود.
وفي حديث مالك بن الحويرث: " وليؤمكما أكبركما "، وهو في " الصحيحين " وغيرهما.
وقد استخلف النبي -[ ﷺ ]- ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم، وهو أعمى.
والحاصل: أن الشارع اعتبر الأفضلية في القراءة، والعلم بالسنة، وقدم الهجرة، وعلو السن، فلا ينبغي للمفضول في مثل هذه الأمور أن يؤم الفاضل إلا بإذنه، ولا اعتبار بالفضل في غير ذلك.
( [الأولى أن يكون الإمام من الخيار] :)
(والأولى أن يكون الإمام من الخيار) : لحديث ابن عباس، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم "، رواه الدارقطني (١) .
стр. 319
وأخرج الحاكم في ترجمة مرثد الغنوي، عنه [ ﷺ ] : " إن سركم أن تقبل صلاتكم؛ فيؤمكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم " (١) .
قال في " منح المنة ": وكان [ ﷺ ] يجيز إمامة الأرقاء، وكان سالم - مولى أبي حذيفة - يصلي بالمهاجرين الأولين لما نزلوا بقباء (٢) لكونه أكثرهم قرآنا، وكان [ ﷺ ] يقول: " صلوا خلف كل بر وفاجر " (٣) ، وكانت الصحابة يصلون خلف الحجاج (٤) ، وقد أحصي الذين قتلهم من الصحابة والتابعين، فبلغوا مئة ألف وعشرين ألفا. اه.
أقول: الأحاديث الواردة - في الصلاة خلف كل بر وفاجر، وما قابلها من الأحاديث المقتضية للمنع من الصلاة خلف الفاجر، ومن كان ذا جرأة -: لم يبلغ منها شيء إلى حد يجوز العمل عليه، فوجب الرجوع إلى الأصل.
وأما عدم اعتبار قيد العدالة: فلعدم ورود دليل يدل عليه.
وأما كون الصلاة خلف كامل العدالة، واسع العلم، كثير الورع؛ أفضل وأحب: فلا نزاع في ذلك؛ إنما النزاع في كون ذلك شرطا من شروط الجماعة، مع أنه قد ثبت ما يدل على عدم الاعتبار، مثل حديث: " يصلون لكم؛ فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فعلى أنفسهم " - أو كما قال -، وهو حديث صحيح.
стр. 320
والحاصل: أن الدين يسر، وقد جاءنا [ ﷺ ] بالشريعة السمحة السهلة، ولم يأمرنا بالكشف عن الحقائق، وسن لنا أن نصلي بعد من كان بالنسبة إلى الواحد منا في الحضيض، باعتبار المزايا الموجبة للفضل، فإنه [ ﷺ ] صلى بعد أبي بكر، وعتاب بن أسيد (١) ، وهما بالنسبة إليه لا يعدان شيئا.
ولا ريب أن الذي ينبغي تقديمه لمثل هذه العبادة، ليكون وافد المؤتمين به إلى الله: هو من أرشد إليه [ ﷺ ] بقوله: " يؤم القوم أقرأهم ... " إلى آخر الحديث.
إنما الشأن فيمن يلعب به الشيطان في الوسوسة المفضية إلى إساءة الظن بأئمة الصلاة المتبعين للسنة، فيوقع في قلبه العداوة لكل واحد منهم، بمجرد خيالات مختلة وضلالات مضلة، فيقول له: هذا العالم لا يصلح للإمامة لكونه كذا ﴿وهذا الفاضل لا يصلح لها لكونه كذا﴾ (٢) ثم ينقله من درجة إلى درجة، ومن واحد إلى واحد، حتى لا يجد على ظهر البسيطة من يصلح لإمامة الصلاة ﴿فهذا مخدوع؛ قد لعب به الشيطان كيف يشاء، حتى أحرمه (٣) فضيلة الجماعة التي هي من أعظم شعائر الإسلام، وأجل أسباب الأجور، ومع هذا؛ فهو قد أوقعه في ورطة أخرى، وهي حمل جميع المسلمين على غير السلامة، فصار ظالما لكل واحد منهم مظلمة يستوفيها منه بين يدي الجبار.
стр. 321
وقد ينضم إلى هذه المصائب أن هذا الذي صار في يد الشيطان يلعب به كيف يشاء؛ قد يعتقد الفضل في نفسه، وأن الإمامة لم تكن تصلح إلا له، ولم يكن يصلح إلا لها، فيجتنب الجماعة ولا يقتدي بأحد من المسلمين، بل يجمع له جماعة يكون إمامهم، فهو أشقى ممن قبله؛ لأنه اعتقد أنه لم يبق في أرض الله من عباده الصلحاء سواه، فلا حياه الله ولا بياه!
( [الرجل يؤم النساء، لا العكس] :)
(ويؤم الرجل بالنساء، لا العكس) : لحديث أنس في " الصحيحين " وغيرهما: أنه صف هو واليتيم وراء النبي [ ﷺ ] ، والعجوز من ورائهم.
وقد أخرج الإسماعيلي (١) عن عائشة، أنها قالت: كان النبي [ ﷺ ] إذا رجع من المسجد صلى بنا.
وقد كانت النساء يصلين خلفه [ ﷺ ] في مسجده.
وليس في صلاة النساء خلف الرجل مع الرجال نزاع، وإنما الخلاف في صلاة الرجل بالنساء فقط، ومن زعم أن ذلك لا يصح؛ فعليه الدليل.
وأما عدم صحة إمامة المرأة بالرجل؛ فلأنها عورة، وناقصة عقل ودين، والرجال قوامون على النساء، ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، كما ثبت في " الصحيح "، ومن ائتم بالمرأة فقد ولاها أمر صلاته.
стр. 322
( [يؤم المفترض بالمتنفل، والعكس] :)
(والمفترض بالمتنفل، والعكس) : لحديث معاذ: أنه كان يؤم قومه بعد أن يصلي تلك الصلاة بعد النبي [ ﷺ ] ؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما.
وهذا دليل على جواز ذلك؛ لأنه كان متنفلا وهم مفترضون؛ لما في بعض الروايات من تصريح معاذ بأنه كان يصلي بقومه متنفلا، وهذه الزيادة المصرحة بالمطلوب - وإن كان فيها مقال معروف (١) - لكنها معتضدة بما عرف من حرص الصحابة على الأوفر أجرا، والأكمل ثوابا، ولا شك أن الصلاة خلفه [ ﷺ ] أفضل وأكمل وأتم.
وأما الجواب عن حديث معاذ؛ بأنه حكاية فعل: فساقط لاستلزامه لبطلان قسم من أقسام السنة المطهرة، وهو قسم الأفعال الذي دارت عليه رحى بيانات القرآن، وجماهير من أحكام الشريعة.
مع أن هذا الاعتذار غير نافع ههنا؛ لأن الحجة هي تقريره [ ﷺ ] لمعاذ ولقومه على ذلك، لا نفس فعل معاذ حتى يعتذر عنه بذلك!
وأما الجواب بأن فعل آحاد الصحابة لا يكون حجة: فكلام صحيح، ولكن الحجة ليست فعل معاذ؛ بل تقريره [ ﷺ ]- كما عرفت -.
وهذا من الوضوح بمكان لا يخفى.
والحاصل: أن الأصل صحة الاقتداء من كل مصل بكل مصل، فمن
стр. 323
زعم أن ثمّ مانعاً في بعض الصور؛ فعليه الدليل، فإن نهض به صح ما يقوله، وإن لم ينهض به بطل.
وأما صلاة المتنفل بعد المتنفل؛ فكما فعله [ ﷺ ] في صلاة الليل، وصلى معه ابن عباس، وكذلك صلاته بأنس واليتيم والعجوز وغير ذلك، والكل ثابت في " الصحيح ".
( [تجب متابعة الإمام في غير مبطل] :)
(وتجب المتابعة في غير مبطل) : لحديث: " إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه " وهو ثابت في " الصحيح " من حديث أبي هريرة، وأنس، وجابر، وثابت خارج " الصحيح " عن جماعة من الصحابة.
وورد الوعيد على المخالفة، كحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " أما يخشى أحدكم - إذا رفع رأسه قبل الإمام - أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يحول صورته صورة حمار؟ ! - "؛ أخرجه الجماعة.
ولا يتابعه في شيء يوجب بطلان صلاته، نحو أن يتكلم الإمام، أو يفعل أفعالاً تخرجه عن صورة المصلي، ولا خلاف في ذلك.
قال في " المسوى ": هو كذلك عند الجمهور؛ أنه يجب اتباع الإمام في جميع الحالات، وقوله: " إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً " منسوخ (١) .
стр. 324
ومعنى: كان الناس يصلون بصلاة أبي بكر - على الصحيح -: أنه كان
стр. 325
مسمعا لمن خلفه.
في " العالمكيرية ": إذا رفع المقتدي رأسه من الركوع والسجود قبل الإمام ينبغي أن يعود، ولا يصير ركوعين وسجودين.
قلت: عامة أهل العلم على أن هذا الفعل منهي عنه، وصلاته مجزئة، وأكثرهم يأمرونه بأن يعود إلى السجود.
( [لا يؤم رجل قوما يكرهونه] :)
(ولا يؤم الرجل قوما هم له كارهون) : لحديث عبد الله بن عمرو، أن رسول الله -[ ﷺ ]- يقول: " ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من يقدم قوماً وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دباراً، ورجل اعتبد محررة "، أخرجه أبو داود، وابن ماجه؛ وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وفيه ضعف (١) .
وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة، قال: قال رسول الله -[ ﷺ ]-: " ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون "، وقد حسنه الترمذي، وضعفه البيهقي (٢) .
قال النووي في " الخلاصة ": والأرجح قول الترمذي.
وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة يقوي بعضها بعضا.
стр. 326
أقول: ظاهر الأحاديث الواردة في الترهيب عن ذلك؛ أنه لا فرق بين كون الكارهين من أهل الفضل أو من غيرهم، فيكون مجرد حصول الكراهة عذرا لمن كان يصلح للإمامة في تركها.
وغالب الكراهات الكائنة بين هذا النوع الإنساني - خصوصا في هذه الأزمنة - راجعة إلى أغراض دنيوية ﴿
والراجع هنا إلى أغراض دينية أقل قليل، ومع كونه كذلك؛ فغالبه صادر عن اعتقادات فاسدة، وخيالات مختلفة، كما يقع بين المتخالفين في المذاهب، فإن العصبية الناشئة بينهم تعمي بصائرهم عن الصواب، فلا يقيم أحدهم للآخر وزنا، ولا ينظر إليه إلا بعين السخط لا بعين الرضا، فيرى محاسنه مساوئ كائنة ما كانت.
وقد تقع هذه العداوة بين أهل مذهب واحد؛ باعتبار الاختلاف في كون أحدهم من المشتغلين بالدين والعلم، والآخر من الجهلة المتهتكين.
وكثيرا ما ترى أرباب المعاصي إذا رأوا أرباب الدين والعلم تضيق بهم الأرض بطولها والعرض، ولا يطيقونهم بغضا (١) .
فإن كان ثَمّ دليل يدل على تخصيص الكراهة بما كان منها راجعاً إلى ما هو مختص بالله ، كمن يكره إنسانا لكونه مكبا على المعاصي، أو متهاونا بما أوجبه الله عليه: فهذه الكراهة هي الكبريت الأحمر﴾ لا توجد حقيقتها إلا عند أفراد من العباد.
стр. 327
وإن لم يوجد دليل يخصص الكراهة بذلك: فالأولى لمن عرف أن جماعة من الناس يكرهونه - لا لسبب، أو لسبب ديني -: أن لا يؤمهم؛ وأجره في الترك يفضل أجره في الفعل.
( [من أمّ فليخفف] :)
(ويصلي بهم صلاة أخفهم) : لما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة، أن النبي -[ ﷺ ]- قال: " إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، فإذا صلى لنفسه؛ فليطول ما شاء ".
وفي الباب أحاديث صحيحة واردة في التخفيف.
قال في " الحجة ": وكان رسول الله -[ ﷺ ]- يطول ويخفف على ما يرى من المصلحة الخاصة بالوقت، واختار بعض السور في بعض الصلوات لفوائد، من غير حتم ولا طلب مؤكد، فمن اتبع فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، وقصة معاذ في الإطالة مشهورة. انتهى حاصله.
وأما ارتفاع الإمام عن المأموم: فلا يضر؛ قدر القامة ولا فوقها، لا في المسجد ولا في غيره، من غير فرق بين الارتفاع والانخفاض، والبعد والحائل، ومن زعم أن شيئا من ذلك تفسد به الصلاة؛ فعليه الدليل.
ولا دليل إلا ما روي عن حذيفة: أنه أم الناس بالمدائن على دكان ... الحديث؛ أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.
стр. 328
وفي رواية للحاكم التصريح برفعه.
ورواه أبو داود من وجه آخر؛ وفيه: قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله [ ﷺ ] يقول: " إذا أمّ الرجل القوم: فلا يقم أرفع من مقامهم - أو نحو ذلك - ... " الحديث، وفي إسناده الرجل المجهول.
ورواه البيهقي أيضا.
ففي هذين الحديثين دليل على منع الإمام من الارتفاع عن المؤتم، ولكن هذا النهي يحمل على التنزيه؛ لحديث صلاته [ ﷺ ] على المنبر كما في " الصحيحين " وغيرهما.
ومن قال: إنه [ ﷺ ] فعل ذلك للتعليم كما وقع في آخر الحديث: فلا يفيده ذلك؛ لأنه لا يجوز له في حال التعليم إلا ما هو جائز في غيره.
ولا يصح القول باختصاص ذلك بالنبي [ ﷺ ] .
وقد جمع الماتن - رحمه الله تعالى - في هذا البحث رسالة مستقلة؛ جوابا عن سؤال بعض الأعلام، فمن أحب تحقيق المقام فليرجع إليها.
( [لا يؤم الرجل في سلطانه] :)
(ويقدم السلطان ورب المنزل) : لما ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو مرفوعاً: " لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه "، وفي لفظ: " لا يؤمن الرجل الرجل في أهله ولا سلطانه ".
وورد تقييد جواز ذلك بالإذن.
стр. 329
وفي لفظ لأبي داود " لا يُؤم الرجل في بيته ".
وأخرج أحمد وأبو داود: والترمذي، والنسائي عن مالك بن الحويرث، قال: سمعت رسول الله [ ﷺ ] يقول: " من زار قوما فلا يؤمهم، ليؤمهم رجل منهم ".
( [الترتيب في الأحق بالإمامة] :)
(والأقرأ، ثم الأعلم، ثم الأسن) : لما في حديث أبي مسعود بلفظ: " يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله؛ فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة؛ فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة؛ فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً "، وهو في " الصحيح ".
وإنما لم يذكر الهجرة في المتن؛ لأنه لا هجرة بعد الفتح، كما في الحديث الصحيح.
( [اختلال صلاة الإمام عليه فقط] :)
(وإذا اختلت صلاة الإمام كان ذلك عليه، لا على المؤتمين به) : لحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " يصلون بكم؛ فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم "، أخرجه البخاري وغيره.
وأخرج ابن ماجه من حديث سهل بن سعد نحوه.
( [بيان موقف المؤتمين] :)
(وموقفهم) ، أي: المؤتمين (خلفه) ؛ أي: خلف الإمام (إلا الواحد فعن
стр. 330
يمينه) : لحديث جابر بن عبد الله: أنه صلى مع النبي [ ﷺ ] فجعله عن يمينه، ثم جاء آخر، فقام عن يسار النبي [ ﷺ ] ، فأخذ بأيديهما، فدفعهما حتى أقامهما خلفه. وهو في " الصحيح ".
وقد كان هذا فعله وفعل أصحابه في الجماعة؛ يقف الواحد عن يمين الإمام، والإثنان فما زاد خلفه.
وقد ذهب الجمهور إلى وجوب ذلك.
وقال سعيد بن المسيب: إنه مندوب فقط.
وروي عن النخعي: أن الواحد يقف خلف الإمام.
( [إمامة النساء وسط الصف] :)
(وإمامة النساء وسط الصف) : لما روي من فعل عائشة: أنها أمّت النساء فقامت وسط الصف؛ أخرجه عبد الرزاق، والدارقطني، والبيهقي، وابن أبي شيبة، والحاكم (١) .
وروي مثل ذلك عن أم سلمة؛ أخرجه الشافعي، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والدارقطني.
стр. 331
قال ابن القيم: في " المسند " و " السنن " (١) من حديث عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة بنت الحارث: أن رسول الله [ ﷺ ] كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنا كان يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها.
قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرا.
ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله [ ﷺ ] : " تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ": لكفى.
وأخرج البيهقي بسنده عن عائشة: أن رسول الله [ ﷺ ] قال: " لا خير في جماعة النساء؛ إلا في صلاة أو جنازة " (٢) .
والاعتماد على ما تقدم.
فرُدّت هذه السنن بالمتشابه من قوله [ ﷺ ] : " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة "، رواه البخاري.
وهذا إنما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء.
وأما الرواية والشهادة والفتيا والإمامة: فلا تدخل في هذا.
ومن العجب: أن من خالف هذه السنة جوّز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين ﴿فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم، ولم تفلح أخواتها من النساء إذا أمتهن؟﴾ انتهى حاصله.
стр. 332
( [بيان ترتيب المؤتمين] :)
(وتقدم صفوف الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء) : لحديث أبي مالك الأشعري: أن النبي -[ ﷺ ]- كان يجعل الرجال قدّام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان. أخرجه أحمد.
وأخرج بعضه أبو داود؛ وفي إسناده شهر بن حوشب (١) .
ويؤيده ما في " الصحيحين " من حديث أنس: أنه قام هو واليتيم خلف النبي [ ﷺ ] ؛ وأم سليم خلفهم.
(و) أما كون (الأحق بالصف الأول) هم (أولو الأحلام والنهى) : فلحديث أبي مسعود الأنصاري الثابت في " الصحيح " أن النبي -[ ﷺ ]- قال: " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ".
وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي (٢) ، قال: كان رسول الله -[ ﷺ ]- يحب أن يليه المهاجرون والأنصار؛ ليأخذوا عنه.
قال في " الحجة ": ولئلا يشق على أولي الأحلام تقديم من دونهم عليهم. انتهى.
стр. 333
( [على المؤتمين تسوية الصفوف] :)
(و) أما كون الأمر (على الجماعة أن يسووا صفوفهم وأن يسدوا الخلل) (١) : فلما رواه أبو داود (٢) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله -[ ﷺ ]-: " وسِّطوا الإمام، وسدوا الخلل ".
وفي " الصحيحين " من حديث أنس: أن رسول الله -[ ﷺ ]- قال: " سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة ".
وعنه أيضا في " الصحيحين ": كان رسول الله -[ ﷺ ]- يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر، فيقول: " تراصوا واعتدلوا ".
وثبت في " الصحيح " من حديث نعمان بن بشير، أنه قال -[ ﷺ ]-: " عباد الله! لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم ".
قلت: وهو قول أهل العلم؛ أن تسوية الصفوف سنة.
( [إتمام الصف الأول، ثم الذي يليه] :)
(وأن يتموا الصف الأول، ثم الذي يليه، ثم كذلك) : لما ورد في الأحاديث الصحيحة من أمره -[ ﷺ ]- بإتمام الصف الأول، ثم الذي يليه، ثم كذلك.
стр. 334
فالسنة أن لا يقف المؤتم في الصف الثاني؛ وفي الصف الأول سعة، ثم لا يقف في الصف الثالث؛ وفي الصف الثاني سعة، ثم كذلك.
وورد أيضا أن الوقوف يمنة الصف أولى وأفضل.
وأما الاعتداد بالركعة التي لحق الإمام فيها راكعا: ففيه خلاف لجماعة من الأئمة، والحق عدم الاعتداد بها بمجرد إدراك ركوعها من دون قراءة الفاتحة (١) ، ومن أراد الوقوف على الحقيقة فليرجع إلى: " شرح المنتقى "، و " طيب النشر "، و " السيل الجرار " و " حاشية الشفاء "، و " الفتح الرباني "، و " دليل الطالب "، فالمسألة من المعارك.
وأما جعل ما أدركه مع الإمام: أول صلاته؛ فهذا هو الحق، فالهيئة المشروعة في الصلاة لا تتغير بتقديم أو تأخير؛ بل الأصل الأصيل البقاء على الصفة المشروعة، فيفعل الداخل مع الإمام - بعد أن فاته بعض الركعات - ما يفعله لو كان داخلا معه في الابتداء، أو كان منفرداً.
وحديث " فاقضوا " - وإن كان صحيحاً - فحديث " أتموا " أصح منه (٢) .
стр. 335
وقد أمكن الجمع؛ بحمل معنى القضاء على التمام؛ لأنه أحد معانيه (١) ، ولكن يترك المؤتم مخالفة إمامه في الأركان، فلا يقعد في موضع ليس بموضع قعود للإمام، وإن كان موضع قعود له، ولا يدع القعود في موضع قعود للإمام، وإن لم يكن موضع قعود له؛ لأن الاقتداء والمتابعة لازمان في صلاة الجماعة، وتركهما يخرج الصلاة عن كونها صلاة جماعة، وقد ورد الأمر بالمتابعة في الأركان بيانا لقوله: " لا تختلفوا على إمامكم "، ولم يرد الأمر بذلك في الأذكار.
стр. 336
(٨ - باب سجود السهو)
سنّ رسول الله -[ ﷺ ]- فيما إذا قصّر الإنسان في صلاته؛ أن يسجد سجدتين تداركاً لما فرّط، ففيه شبه القضاء وشبه الكفارة، والمواضع التي ظهر فيها النص أربعة؛ وسيأتي.
قال في " سِفر السعادة ": " من جملة منن الحق - تعالى - ونعمه على الأمة المحمدية: أن النبي -[ ﷺ ]- كان يسهو في الصلاة، لتقتدي الأمة به في التشريع، وإذ ذاك يقول: " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني " وقال: " إنما أَنسى أو أُنسى لأسُنّ " (١) ؛ يعني: لأسُنّ ما شُرع في جبر ذلك ". انتهى.
( [ما هو سجود السهو ؟] :)
(هو سجدتان قبل التسليم أو بعده) ، ووجه التخيير: أن النبي [ ﷺ ] صح عنه أنه سجد قبل التسليم، وصح عنه أنه سجد بعده.
أما ما صح عنه مما يدل على أنه قبل التسليم: فحديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد، وابن ماجه، والترمذي - وصححه -، قال: سمعت رسول الله [ ﷺ ] يقول: " إذا شك أحدكم، فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين! فليجعلها
стр. 337
واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا ﴿فليجعلها ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا﴾ فليجعلها ثلاثا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس - قبل أن يسلم - سجدتين ".
وفي الباب أحاديث: منها ما هو في " الصحيح "؛ كحديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا! فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ".
ومنها ما هو في غير " الصحيحين ".
وأما ما صح عنه مما يدل على أنه بعد التسليم: فكحديث ذي اليدين الثابت في " الصحيحين "؛ فإن فيه أنه -[ ﷺ ]- سجد بعد ما سلم.
وحديث ابن مسعود وهو في " الصحيحين " وغيرهما مرفوعا بلفظ: " إذا شك أحدكم في صلاته؛ فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين ".
وحديث المغيرة بن شعبة: أنه صلى بقوم، فترك التشهد الأوسط، فلما فرغ من صلاته، سلم ثم سجد سجدتين وسلم، وقال: هكذا صنع بنا رسول الله -[ ﷺ ]-. رواه أحمد والترمذي - وصححه -.
وحديث ابن مسعود الثابت في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي -[ ﷺ ]- صلى الظهر خمسا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال:
стр. 338
" لا؛ وما ذاك؟ ! " فقالوا: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعد ما سلم.
فهذه الأحاديث المصرحة بالسجود تارة قبل التسليم، وتارة بعده: تدل على أنه يجوز جميع ذلك.
ولكنه ينبغي في موارد النصوص أن يفعل كما أرشد إليه الشارع، فيسجد قبل التسليم فيما أرشد إلى السجود فيه قبل التسليم، ويسجد بعد التسليم فيما أرشد فيه إلى السجود بعد التسليم، وما عدا ذلك؛ فهو بالخيار، والكل سنة.
قال في " سفر السعادة ": وسجد للسهو قبل السلام في بعض المواضع، وبعده في بعضها، فجعله الإمام الشافعي في كل حال قبل السلام.
والإمام أبو حنيفة جعله بعد السلام في كل حال.
وقال الإمام مالك: يسجد لسهو النقصان قبل السلام، ولسهو الزيادة في الصلاة بعد السلام، وإن اجتمع سهوان، أحدهما زائد والآخر ناقص؛ يسجد لهما قبل السلام. "
وقال الإمام أحمد: يسجد قبل السلام في المحل الذي سجد فيه النبي -[ ﷺ ]- قبل السلام، وما عداه يسجد للسهو بعد السلام.
وقال داود الظاهري: لا يسجد للسهو إلا في هذه المواطن الخمس التي سجد فيها رسول الله -[ ﷺ ]-، ولو سها في غيرها
стр. 339
لا يسجد للسهو، ولم يعرض له -[ ﷺ ]- الشك في الصلاة، لكن قال: " من شك فليبن على اليقين "، ولم يعتبر الشك، ويسجد للسهو قبل السلام.
وقال الإمام أبو حنيفة: إن كان له ظن بنى علي غالب ظنه، وإن لم يكن له ظن بنى على اليقين.
وقال الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد: بنى على اليقين مطلقا. انتهى.
ولا يشك منصف أن الأحاديث الصحيحة مصرحة بأنه كان يسجد في بعض الصلوات قبل السلام، وفي بعضها بعد السلام، فالجزم بأن محلهما بعد السلام فقط طرح لبعض الأحاديث الصحيحة، لا لموجب إلا لمجرد مخالفتها لما قاله فلان أو فلان! كما أن الجزم بأن محلهما قبل التسليم فقط طرح لبعض الأحاديث الصحيحة لمثل ذلك.
والمذاهب في المسألة منتشرة؛ قد بسطها الماتن في " شرح المنتقى ".
والحق عندي: أن الكل جائز وسنة ثابتة، والمصلي مخير بين أن يسجد قبل أن يسلم: أو بعد أن يسلم، وهذا فيما كان من السهو غير موافق للسهو الذي سجد له [ ﷺ ] قبل السلام أو بعده.
وأما في السهو الذي سجد له [ ﷺ ] : فينبغي الاقتداء به في ذلك، وإيقاع السجود في المواضع الذي أوقعه فيه -[ ﷺ ]- مع الموافقة في السهو، وهي مواضع محصورة مشهورة، يعرفها من له اشتغال بعلم السنة المطهرة.
стр. 340
( [بم يكون سجود السهو ؟] :)
(و) أما كون سجود السهو (بإحرام وتشهد وتحليل) : فقد ثبت عنه -[ ﷺ ]-: أنه كبّر وسلّم؛ كما في حديث ذي اليدين الثابت في " الصحيح "، وفي غيره من الأحاديث.
وأما التشهد: فلحديث عمران بن حصين: أن النبي -[ ﷺ ]- صلى بهم، فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم. أخرجه أبو داود، والترمذي - وحسنه -، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين (١) .
وقد روي نحو ذلك من حديث المغيرة وابن مسعود وعائشة.
( [أسباب سجود السهو] :)
(١ - [لترك مسنون] :)
(و) أما كونه (يشرع لترك مسنون) : فلحديث سجوده -[ ﷺ ]- لترك التشهد الأوسط، ولحديث: " لكل سهو سجدتان " (٢) ،
стр. 341
والكلام فيه معروف.
ونحو ذلك إذا كان ذلك المسنون تركه المصلي سهوا؛ لأنه قد ثبت أن سجود السهو فيه ترغيم للشيطان، كما في حديث أبي سعيد الثابت في " الصحيح "، ولا يكون الترغيم إلا مع السهو؛ لأنه من قبل الشيطان.
وأما مع العمد: فهو من قبل المصلي، وقد فاته ثواب تلك السنة.
قلت: مذهب أبي حنيفة والشافعي: أن من سلم من ركعتين ساهيا أتم وسجد سجدتين، وهو في مذهب أبي حنيفة خاص بمن سلم على رأس الركعتين على ظن أنهما أربعة، فلو سلم على رأسهما على ظن أنهما جمعة أو على أنه مسافر؛ فإنه يستقبل الصلاة. كذا في " العالمكيرية " في فصل المفسدات.
واستخرج له الشافعي علة، وهي فعل شيء يبطل الصلاة، عمده دون سهوه.
أقول ما وقع من اصطلاح الفقهاء على تسميته هيئة؛ هو لا يخرج به عن كونه مندوبا، وتخصيص وجوب السجود للسهو بترك ما كان مسنونا دون ما كان مندوبا لا دليل عليه، ولا سيما وهذه الأسماء إنما هي اصطلاحات حادثة.
وإلا؛ فالمسنون والمندوب إليه معناهما - لغة - أعم من معناهما اصطلاحا، وأيضا الفرق بين المسنون والمندوب إنما هو اصطلاح لبعض أهل الأصول دون جمهورهم.
وغاية ما هناك: أن المسنون هو المندوب المؤكد، وصدق اسم السهو على
стр. 342
ترك المندوب كصدقه على ترك المسنون، فيندرج تحت حديث: " لكل سهو سجدتان "، وتحقق الزيادة والنقص حاصل لكل واحد منهما، فمدعي التفرقة بينهما مطالب بالدليل (١) .
ولا ريب أن بعض ما عدوه من الهيئات لا يتحقق، مثل ترك نصب القدم، وترك وضع اليدين.
(٢ - [لزيادة ركعة] :)
(و) أما كونه يشرع (للزيادة ولو ركعة سهوا) : فللحديث المتقدم، وما دون الركعة بالأولى.
قال في " المسوى ": " عند الحنفية: إن سها عن القعدة الآخرة وقام إلى الخامسة رجع إلى القعدة؛ ما لم يسجد، وتشهد ثم سجد للسهو، وإن قيد الخامسة بالسجدة بطل فرضه، ولو قعد في الرابعة ثم قام ولم يسلم؛ عاد إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة، وسلم وسجد للسهو، وإن قيدها بالسجدة تم فرضه؛ فيضم إليها ركعة أخرى لتكونا تطوعا، فإن لم يضم وقطع الصلاة لم يلزمه القضاء؛ لأنه إنما شرع ظنا.
وعند الشافعية: في أية حالة ذكر أنها خامسة؛ قعد وألغى الزائد، وراعى ترتيب الصلاة مما قبل الزائد، ثم سجد للسهو، وفي معنى الركعة عنده الركوع والسجود.
ويتجه على مذهب الحنفية أن يقال في حديث ابن مسعود: إنه حكاية
стр. 343
حال؛ فلعله قام بعد القعدة ولم يضم السادسة؛ لبيان أنه غير واجب ". انتهى.
(٣ - [عند الشك في العدد] :)
(و) أما (للشك في العدد) : ففيه الأحاديث المتقدمة المصرحة بأن من شك في العدد بنى على اليقين وسجد للسهو.
قال في " الحجة البالغة ": " وهو الأول من المواضع الأربع التي ظهر فيها النص، وفي معناه الشك في الركوع والسجود.
والثاني: زيادة الركعة كما سبق، وفي معناه زيادة الركن.
والثالث: أنه [ ﷺ ] سلم من ركعتين، فقيل له في ذلك؟ فصلى ما ترك وسجد سجدتين، وأيضا روي أنه سلم وقد بقي عليه ركعة بمثله، وفي معناه أن يفعل سهوا ما يبطل عمده.
الرابع: أنه [ ﷺ ] قام من الركعتين - كما مر -، وفي معناه ترك التشهد في القعود، وقوله [ ﷺ ] : " إذا قام الإمام من الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس، وإن استوى قائما؛ فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو ".
أقول: في الحديث دليل على أن من كان قريب الاستواء؛ ربما يستوي؛ فإنه لا يجلس؛ خلافا لما عليه العامة " (١) . انتهى.
وفي " المسوى ": " اختلفوا في ذلك:
стр. 344
فعند الشافعية: إذا شك في صلاته بنى على اليقين؛ وهو الأقل؛ سواء كان شك في ركعة أو ركن.
وعند الحنفية: إن كان ذلك أول مرة سها؛ يستقبل الصلاة، وإن كان يعرض له كثيرا؛ بنى على أكبر رأيه؛ لحديث ابن مسعود: " إذا شك أحدكم في صلاته؛ فليتحر الصواب ".
وقال أحمد: يطرح الشك؛ إما بأخذ الأقل وإما بالتحري، فإن اختار الأول؛ سجد قبل السلام، وإن اختار الثاني؛ سجد بعده ". انتهى.
( [متابعة الإمام في سجود السهو] :)
(وإذا سجد الإمام تابعه المؤتم) : لأن ذلك من تمام الصلاة، ولأنه كان يسجد الصحابة إذا سجد النبي [ ﷺ ] ، وقد ورد الأمر بمتابعة الإمام كما سبق.
стр. 345
(٩ - باب القضاء للفوائت)
( [الاختلاف في قضاء الفوائت المتروكة] :)
(إن كان الترك عمدا - لا لعذر - فدين الله تعالى أحق أن يقضى) : وقد اختلف أهل العلم في قضاء الفوائت المتروكة لا لعذر: فذهب الجمهور إلى وجوب القضاء.
وذهب داود الظاهري وابن حزم وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا قضاء على العامد غير المعذور، بل قد باء بإثم ما تركه من الصلاة، وإليه ذهب شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية.
ولم يأت الجمهور بدليل يدل على ذلك، ولم أجد أنا دليلا لهم من كتاب ولا سنة؛ إلا ما ورد في حديث الخثعمية؛ حيث قال لها النبي -[ ﷺ ]-: " فدين الله أحق أن يقضى "، وهو حديث صحيح، وفيه من العموم الذي يفيده المصدر المضاف ما يشمل هذا الباب؛ فهذا الدليل ليس بأيدي الموجبين سواه (١) .
وقد اختلف أهل الأصول: هل القضاء يكفي فيه دليل وجوب المقضي؟
стр. 346
أم لا بد من دليل جديد يدل على وجوب القضاء؟
والحق أنه لا بد من دليل جديد؛ لأن إيجاب القضاء هو تكليف مستقل غير تكليف الأداء، ومحل الخلاف هو الصلاة المتروكة لغير عذر عمدا.
وأقول: حكمه ما في الأحاديث الصحيحة: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويحجوا البيت، ويصوموا رمضان، فمن فعل ذلك؛ فقد عصم دمه وماله إلا بحقه "، ومن لم يفعل فلا عصمة لدمه وماله؛ بل نحن مأمورون بقتاله، كما أمر رسول الله [ ﷺ ] ، والمقاتلة تستلزم القتل، ثم التوبة مقبولة، فتارك الصلاة إن تاب وأناب؛ وجب علينا أن نخلي سبيله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ فمن علمنا أنه ترك صلاة من الصلوات الخمس؛ وجب علينا أن نؤذنه بالتوبة، فإن فعل فذاك، وإن لم يفعل قتلناه؛ حكم الله ﴿ومن أحسن من الله حكما﴾ .
وأما إطلاق اسم الكفر عليه؛ فقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، وتأويلها لم يوجبه الله علينا؛ ولا أذن لنا فيه (١) .
ومن غرائب بعض الفقهاء التردد في إطلاق اسم الفسق عليه، معللا ذلك بأن التفسيق لا يجوز إلا بدليل قطعي! مع أنه يرمي بالكفر من خالفه في أدنى معتقداته التي لم يأذن الله لنا باعتقادها، فضلا عن التكفير بها، والله المستعان.
وأما كيفية القضاء؛ فأقول: لا شك أن تقديم المقضية على المؤداة،
стр. 347
وتقديم الأولى من المقضيات على الأخرى: هو الأولى والأحب، ولو لم يرد في ذلك إلا فعله [ ﷺ ] في يوم الخندق؛ لكان فيه كفاية.
وإنما الشأن في كون ذلك متحتما لا يجوز غيره.
( [وجوب الإيمان بالصلاة المتروكة لعذر] )
(وإن كان) ؛ أي: الترك (لعذر) : من نوم، أو سهو، أو نسيان، أو اشتغال بملاحمة القتال مع عدم إمكان صلاة الخوف والمسايفة (فليس بقضاء) ، بل تجب تأدية تلك الصلاة المتروكة عند زوال العذر، وذلك وقتها، وفعلها فيه أداء، كما يفيد ذلك أحاديث: " من نام عن صلاة أو سها عنها؛ فوقتها حين يذكرها " (١) - وقد تقدمت في أول كتاب الصلاة -؛ وفي ذلك خلاف.
والحق أن ذلك هو وقت الأداء، لا وقت القضاء؛ للتصريح منه [ ﷺ ] أن وقت الصلاة المنسية، أو التي نام عنها المصلي؛ وقت الذكر.
وأما المتروكة لغير نوم وسهو، كمن يترك الصلاة لاشتغاله بالقتال - كما سبق -؛ فقد شغل النبي [ ﷺ ] وأصحابه يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر، وما صلوهما إلا بعد هوي (٢) من الليل، كما أخرجه أحمد، والنسائي من حديث أبي سعيد.
وهو في " الصحيحين " من حديث جابر.
стр. 348
وليس فيه ذكر الظهر، بل العصر فقط، ولذلك قال الماتن:
(بل أداء في وقت زوال العذر، إلا صلاة العيد) المتروكة لعذر؛ وهو عدم العلم بأن ذلك اليوم يوم عيد.
(ففي ثانيه) ؛ أي: تفعل في اليوم الثاني، ولا تفعل في يوم العيد بعد خروج الوقت، إذا حصل العلم بأن ذلك اليوم يوم عيد؛ لحديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له: أنه غم عليهم الهلال، فأصبحوا صياما، فجاء ركب من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله -[ ﷺ ]- أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان في " صحيحه "، وصححه ابن المنذر، وابن السكن، وابن حزم، والخطابي، وابن حجر في " بلوغ المرام " (١) .
أقول: وأما الكافر إذا أسلم: فلا يجب عليه القضاء على كل حال؛ لأن القائل بأنه غير مخاطب بالشرعيات ينفي عنه الوجوب حال الكفر، والقائل أنه مخاطب؛ يجعل الخطاب باعتبار الثواب والعقاب، لا باعتبار وجوب الأداء أو القضاء، فالإسلام يجب ما قبله بلا خلاف.
والظاهر أن المرتد حكمه حكم غيره من الكفار في عدم وجوب القضاء؛ لأن الدليل يصدق عليه كما يصدق على غيره من الكفار.
стр. 349
(١٠ - باب صلاة الجمعة)
( [الجمعة فريضة من فروض الأعيان] :)
(تجب على كل مكلف) : لأن الجمعة فريضة من فرائض الله - تعالى -، وقد صرح بذلك كتاب الله ، وما صح من السنة المطهرة، كحديث أنه [ ﷺ ] هم بإحراق من يتخلف عنها (١) ، وهو في " الصحيح " من حديث ابن مسعود، وكحديث أبي هريرة: " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين "؛ أخرجه مسلم وغيره.
ومن ذلك حديث حفصة مرفوعا: " رواح الجمعة واجب على كل محتلم "؛ أخرجه النسائي بإسناد صحيح.
وحديث طارق بن شهاب: " الجمعة حق واجب على كل مسلم "؛ أخرجه أبو داود وسيأتي.
وقد واظب عليها النبي [ ﷺ ] من الوقت الذي شرعها الله - تعالى - فيه إلى أن قبضه الله .
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين.
стр. 350
وقال ابن العربي: الجمعة فرض بإجماع الأمة.
وقال ابن قدامة في " المغني ": أجمع المسلمون على وجوب الجمعة، وإنما الخلاف: هل هي من فروض الأعيان؟ أو من فروض الكفايات؟
ومن نازع في فرضية الجمعة فقد أخطأ ولم يصب.
قال في " المسوى ": " اتفقت الأمة على فرضية الجمعة، وأكثرهم على أنها من فروض الأعيان، واتفقوا على أنه لا جمعة في العوالي، وأنه يشترط لها الجماعة، وأن الوالي إن حضر فهو الإمام، ثم اختلفوا في الوالي، وشرط الموضع، والجماعة.
قال الشافعي: كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلا أحرارا مقيمين؛ تجب عليهم الجمعة، ولا تنعقد إلا بأربعين رجلا كذلك، والوالي ليس بشرط.
وقال أبو حنيفة: لا جمع إلا في مصر جامع أو في فنائه، وتنعقد بأربعة، والوالي شرط.
وقال مالك: إذا كان جماعة في قرية، بيوتها متصلة وفيها سوق ومسجد يجمع فيه؛ وجبت عليهم الجمعة.
وفي " مختصر ابن الحاجب ": لا تجزيء الأربعة ونحوها، ولا بد من قوم تتقرى بهم القرية، ولا يشترط السلطان على الأصح.
قال في " العالمكيرية ": القروي إذا دخل المصر، ونوى أن يخرج في يومه ذلك قبل دخول الوقت، أو بعد دخوله؛ لا جمعة عليه " (١) . انتهى.
стр. 351
( [لا تجب الجمعة على المرأة، والعبد، والمسافر، والمريض] :)
(إلا المرأة، والعبد، والمسافر، والمريض) : لحديث: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة؛ إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض " أخرجه أبو داود (١) من حديث طارق بن شهاب، عن النبي -[ ﷺ ]-
وقد أخرجه الحاكم من حديث طارق، عن أبي موسى.
قال الحافظ: وصححه غير واحد.
وفي حديث أبي هريرة وحديث جابر: ذكر المسافر.
وفي الحديثين مقال معروف.
والغالب أن المسافر لا يسمع النداء، وقد ورد أن الجمعة على من سمع النداء، كما في حديث ابن عمرو عند أبي داود (٢) .
قال في " المسوى ": " واتفقوا على أنه لا جمعة على مريض، ولا مسافر، ولا امرأة، ولا عبد، وأنه إن صلاها منهم أحد سقط الفرض، وعلى أنه إن أم مريض أو مسافر جاز.
وفي " المنهاج ": وتصح خلف العبد، والصبي، والمسافر - في الأظهر -، إذا تم العدد بغيره.
стр. 352
وفيه أيضا: ولا جمعة على معذور مرخص [له] في ترك الجماعة.
وفي " العالمكيرية ": " المطر الشديد والاختفاء من السلطان الظالم؛ مسقط ".
قال في " المنح ": " وكان -[ ﷺ ]- يرخص في تركها وقت المطر، ولو لم يبتل أسفل النعلين (١) ، وكان يرخص في السفر يوم الجمعة لا سيما للجهاد ". انتهى.
( [الجمعة لا تخالف الصلوات إلا في مشروعية الخطبة قبلها] :)
(وهي كسائر الصلوات لا تخالفها) : لكونه لم يأت ما يدل على أنها تخالفها في غير ذلك.
وفي هذا الكلام إشارة إلى رد ما قيل: إنه يشترط في وجوبها الإمام الأعظم، والمصر الجامع، والعدد المخصوص! فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد استحبابها؛ فضلا عن وجوبها؛ فضلا عن كونها شروطا، بل إذا صلى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعة؛ فقد فعلا ما يجب عليهما.
فإن خطب أحدهما فقد عملا بالسنة، وإن تركا الخطبة فهي سنة فقط (٢) ، ولولا حديث طارق بن شهاب - المذكور قريبا - من تقييد الوجوب على كل مسلم بكونه في جماعة، ومن عدم إقامتها في زمنه [ ﷺ ] في غير جماعة: لكان فعلها فرادى مجزئا كغيرها من الصلوات.
стр. 353
وأما ما يروى من: " أربعة إلى الولاة ... ": فهذا قد صرح أئمة الشأن بأنه ليس من كلام النبوة (١) ، ولا من كلام من كان في عصرها من الصحابة، حتى يحتاج إلى بيان معناه أو تأويله، وإنما هو من كلام الحسن البصري.
ومن تأمل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله - تعالى - عليهم في الأسبوع، وجعلها شعارا من شعائر الإسلام، وهي صلاة الجمعة؛ من الأقوال الساقطة، والمذاهب الزائغة، والاجتهادات الداحضة (٢) : قضى من ذلك العجب.
فقائل يقول: الخطبة كركعتين، وإن من فاتته لم تصح جمعته؛ وكأنه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله -[ ﷺ ]- من طرق متعددة يقوي بعضها بعضا، ويشد بعضها من عضد بعض (٣) ، أن " من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة؛ فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته "، ولا بلغه غير هذا الحديث من الأدلة.
وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلا بثلاثة مع الإمام ﴿
وقائل يقول: بأربعة﴾
وقائل يقول: بسبعة ﴿
وقال يقول: بتسعة﴾
وقائل يقول: باثني عشر!
стр. 354
وقائل يقول: بعشرين ﴿
وقائل يقول: بثلاثين﴾
وقائل يقول: لا تنعقد إلا بأربعين ﴿
وقائل يقول: بخمسين﴾
وقائل يقول: لا تنعقد إلا بسبعين ﴿
وقائل يقول: فيما بين ذلك﴾
وقائل يقول: بجمع كثير من غير تقييد ﴿
وقائل يقول: إن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع﴾
وحدّه بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف ﴿
وآخر قال أن يكون فيه جامع وحمام﴾
وآخر قال: أن يكون فيه كذا وكذا ﴿
وآخر قال: إنها لا تجب إلا مع الإمام الأعظم، فإن لم يوجد، أو كان مختل العدالة بوجه من الوجوه؛ لم تجب الجمعة ولم تشرع.
ونحو هذه الأقوال، التي عليها أثارة من علم، ولا يوجد في كتاب الله - تعالى - ولا في سنة رسول الله [ ﷺ ] حرف واحد يدل على ما ادعوه من كون هذه الأمور المذكورة شروطا لصحة الجمعة، أو فرضا من فرائضها، أو ركنا من أركانها.
فيا لله العجب﴾ ما يفعل الرأي بأهله، ومن يخرج من رؤوسهم من
стр. 355
الخزعبلات الشبيهة بما يتحدث الناس به في مجامعهم، وما يخبرونه في أسمارهم من القصص والأحاديث الملفقة، وهي عن الشريعة المطهرة بمعزل؟ !
يعرف هذا كل عارف بالكتاب والسنة، وكل متصف بصفة الإنصاف، وكل من ثبت قدمه، ولم يتزلزل عن طريق الحق بالقيل والقال.
ومن جاء بالغلط؛ فغلطه رد عليه مضروب به في وجهه، والحكم بين العباد هو كتاب الله - تعالى -، وسنة رسوله -[ ﷺ ]- كما قال - سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ ، ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾ ، ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ .
فهذه الآيات ونحوها تدل أبلغ دلالة، وتفيد أعظم فائدة؛ أن المرجع مع الاختلاف إلى حكم الله ورسوله، وحكم الله هو كتابه، وحكم رسوله بعد أن قبضه الله - تعالى - هو سنته؛ ليس غير ذلك، ولم يجعل الله - تعالى - لأحد من العباد - وإن بلغ في العلم أعلى مبلغ، وجمع منه ما لا يجمع غيره -، أن يقول في هذه الشريعة بشيء لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، والمجتهد - وإن جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل -؛ فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنا من كان.
وإني - كما علم الله - لا أزال أكثر التعجب من وقوع مثل هذا للمصنفين، وتصديره في كتب الهداية، وأمر العوام والمقصرين باعتقاده والعمل به، وهو على شفا جرف هار، ولم يختص هذا بمذهب من المذاهب، ولا بقطر من الأقطار، ولا