← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

( [لا تجب الجمعة على المرأة، والعبد، والمسافر، والمريض] :) (إلا المرأة، والعبد، والمسافر، والمريض) : لحديث: " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة؛ إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض " أخرجه أبو داود (١) من حديث طارق بن شهاب، عن النبي -[ ﷺ ]- وقد أخرجه الحاكم من حديث طارق، عن أبي موسى. قال الحافظ: وصححه غير واحد. وفي حديث أبي هريرة وحديث جابر: ذكر المسافر. وفي الحديثين مقال معروف. والغالب أن المسافر لا يسمع النداء، وقد ورد أن الجمعة على من سمع النداء، كما في حديث ابن عمرو عند أبي داود (٢) . قال في " المسوى ": " واتفقوا على أنه لا جمعة على مريض، ولا مسافر، ولا امرأة، ولا عبد، وأنه إن صلاها منهم أحد سقط الفرض، وعلى أنه إن أم مريض أو مسافر جاز. وفي " المنهاج ": وتصح خلف العبد، والصبي، والمسافر - في الأظهر -، إذا تم العدد بغيره.

стр. 352

وفيه أيضا: ولا جمعة على معذور مرخص [له] في ترك الجماعة. وفي " العالمكيرية ": " المطر الشديد والاختفاء من السلطان الظالم؛ مسقط ". قال في " المنح ": " وكان -[ ﷺ ]- يرخص في تركها وقت المطر، ولو لم يبتل أسفل النعلين (١) ، وكان يرخص في السفر يوم الجمعة لا سيما للجهاد ". انتهى. ( [الجمعة لا تخالف الصلوات إلا في مشروعية الخطبة قبلها] :) (وهي كسائر الصلوات لا تخالفها) : لكونه لم يأت ما يدل على أنها تخالفها في غير ذلك. وفي هذا الكلام إشارة إلى رد ما قيل: إنه يشترط في وجوبها الإمام الأعظم، والمصر الجامع، والعدد المخصوص! فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد استحبابها؛ فضلا عن وجوبها؛ فضلا عن كونها شروطا، بل إذا صلى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعة؛ فقد فعلا ما يجب عليهما. فإن خطب أحدهما فقد عملا بالسنة، وإن تركا الخطبة فهي سنة فقط (٢) ، ولولا حديث طارق بن شهاب - المذكور قريبا - من تقييد الوجوب على كل مسلم بكونه في جماعة، ومن عدم إقامتها في زمنه [ ﷺ ] في غير جماعة: لكان فعلها فرادى مجزئا كغيرها من الصلوات.

стр. 353

وأما ما يروى من: " أربعة إلى الولاة ... ": فهذا قد صرح أئمة الشأن بأنه ليس من كلام النبوة (١) ، ولا من كلام من كان في عصرها من الصحابة، حتى يحتاج إلى بيان معناه أو تأويله، وإنما هو من كلام الحسن البصري. ومن تأمل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله - تعالى - عليهم في الأسبوع، وجعلها شعارا من شعائر الإسلام، وهي صلاة الجمعة؛ من الأقوال الساقطة، والمذاهب الزائغة، والاجتهادات الداحضة (٢) : قضى من ذلك العجب. فقائل يقول: الخطبة كركعتين، وإن من فاتته لم تصح جمعته؛ وكأنه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله -[ ﷺ ]- من طرق متعددة يقوي بعضها بعضا، ويشد بعضها من عضد بعض (٣) ، أن " من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة؛ فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته "، ولا بلغه غير هذا الحديث من الأدلة. وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلا بثلاثة مع الإمام ﴿ وقائل يقول: بأربعة﴾ وقائل يقول: بسبعة ﴿ وقال يقول: بتسعة﴾ وقائل يقول: باثني عشر!

стр. 354

وقائل يقول: بعشرين ﴿ وقائل يقول: بثلاثين﴾ وقائل يقول: لا تنعقد إلا بأربعين ﴿ وقائل يقول: بخمسين﴾ وقائل يقول: لا تنعقد إلا بسبعين ﴿ وقائل يقول: فيما بين ذلك﴾ وقائل يقول: بجمع كثير من غير تقييد ﴿ وقائل يقول: إن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع﴾ وحدّه بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف ﴿ وآخر قال أن يكون فيه جامع وحمام﴾ وآخر قال: أن يكون فيه كذا وكذا ﴿ وآخر قال: إنها لا تجب إلا مع الإمام الأعظم، فإن لم يوجد، أو كان مختل العدالة بوجه من الوجوه؛ لم تجب الجمعة ولم تشرع. ونحو هذه الأقوال، التي عليها أثارة من علم، ولا يوجد في كتاب الله - تعالى - ولا في سنة رسول الله [ ﷺ ] حرف واحد يدل على ما ادعوه من كون هذه الأمور المذكورة شروطا لصحة الجمعة، أو فرضا من فرائضها، أو ركنا من أركانها. فيا لله العجب﴾ ما يفعل الرأي بأهله، ومن يخرج من رؤوسهم من

стр. 355

الخزعبلات الشبيهة بما يتحدث الناس به في مجامعهم، وما يخبرونه في أسمارهم من القصص والأحاديث الملفقة، وهي عن الشريعة المطهرة بمعزل؟ ! يعرف هذا كل عارف بالكتاب والسنة، وكل متصف بصفة الإنصاف، وكل من ثبت قدمه، ولم يتزلزل عن طريق الحق بالقيل والقال. ومن جاء بالغلط؛ فغلطه رد عليه مضروب به في وجهه، والحكم بين العباد هو كتاب الله - تعالى -، وسنة رسوله -[ ﷺ ]- كما قال - سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ ، ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾ ، ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ . فهذه الآيات ونحوها تدل أبلغ دلالة، وتفيد أعظم فائدة؛ أن المرجع مع الاختلاف إلى حكم الله ورسوله، وحكم الله هو كتابه، وحكم رسوله بعد أن قبضه الله - تعالى - هو سنته؛ ليس غير ذلك، ولم يجعل الله - تعالى - لأحد من العباد - وإن بلغ في العلم أعلى مبلغ، وجمع منه ما لا يجمع غيره -، أن يقول في هذه الشريعة بشيء لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، والمجتهد - وإن جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل -؛ فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنا من كان. وإني - كما علم الله - لا أزال أكثر التعجب من وقوع مثل هذا للمصنفين، وتصديره في كتب الهداية، وأمر العوام والمقصرين باعتقاده والعمل به، وهو على شفا جرف هار، ولم يختص هذا بمذهب من المذاهب، ولا بقطر من الأقطار، ولا

стр. 356

بعصر من العصور، بل تبع فيه الآخر الأول كأنه أخذه من أم الكتاب، وهو حديث خرافة، وقد كثرت التعيينات في هذه العبادة كما سبقت الإشارة إليها؛ بلا برهان، ولا قرآن، ولا شرع، ولا عقل! والبحث في هذا يطول جدا (١) . قال الماتن ﵀: وقد جمعت فيه مصنفين؛ مطولا ومختصراً، ولله الحمد. ( [مشروعية الخطبتين] :) (إلا في مشروعية الخطبتين قبلها) : لأن رسول الله -[ ﷺ ]- سنّ في الجمعة خطبتين يجلس بينهما، وما صلى بأصحابه جمعة من الجمع إلا وخطب فيها. إنما دعوى الوجوب إن كانت بمجرد فعله المستمر: فهذا لا يناسب ما تقرر في الأصول، ولا يوافق تصرفات الفحول، وسائر أهل المذهب المنقول، وأما الأمر بالسعي إلى ذكر الله: فغايته أن السعي واجب، وإذا كان هذا الأمر مجملا فبيانه واجب، فما كان متضمنا لبيان نفس السعي إلى الذكر: يكون واجبا؛ فأين وجوب الخطبة (٢) ؟

стр. 357

فإن قيل: إنه لما وجب السعي إليها كانت واجبة بالأولى؛ فيقال: ليس السعي لمجرد الخطبة، بل وإليها وإلى الصلاة، ومعظم ما وجب السعي لأجله هو الصلاة، فلا تتم هذه الأولوية. وهذا النزاع في نفس الوجوب، وأما في كون الخطبة شرطا للصلاة؛ فعدم وجود دليل يدل عليه لا يخفى على عارف؛ فإن شأن الشرطية أن يؤثر عدمها في عدم المشروط، فهل من دليل يدل على أن عدم الخطبة يؤثر في عدم الصلاة؟ (١) ثم اعلم أن الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده -[ ﷺ ]- من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة روح الخطبة الذي لأجله شرعت. وأما اشتراط الحمد لله، أو الصلاة على رسول الله، أو قراءة شيء من القرآن، فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتفاق مثل ذلك في خطبته -[ ﷺ ]- لا يدل على أنه مقصود متحتم وشرط لازم. ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ، دون ما يقع قبله من الحمد والصلاة عليه -[ ﷺ ]-، وقد كان عرف العرب المستمر أن أحدهم إذا أراد أن يقوم مقاماً ويقول مقالا، شرع بالثناء على الله وعلى رسوله. وما أحسن هذا وأولاه! ولكن ليس هو المقصود؛ بل المقصود ما بعده،

стр. 358

ولو قال قائل: إن من قام في محفل من المحافل خطيباً ليس له باعث على ذلك؛ إلا أن يصدر منه الحمد والصلاة لما كان هذا مقبولاً، بل كل طبع سليم يمجه ويرده. إذا تقرر هذا: عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث، فإذا فعله الخطيب؛ فقد فعل الأمر المشروع؛ إلا أنه إذا قدم الثناء على الله وعلى رسوله، أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية: كان أتم وأحسن (١) . ( [وقت الجمعة وقت الظهر] :) (ووقتها وقت الظهر) : لكونها بدلا عنه، وقد ورد ما يدل على أنها تجزئ قبل الزوال كما في حديث أنس: أنه كان -[ ﷺ ]- يصلي الجمعة، ثم يرجعون إلى القائلة يقيلون. وهو في " الصحيح ". ومثله من حديث سهل بن سعد في " الصحيحين ". وثبت في " الصحيح " من حديث جابر: أن النبي -[ ﷺ ]- كان يصلي الجمعة، ثم يذهبون إلى جمالهم، فيريحونها حين تزول الشمس. وهذا فيه التصريح بأنهم صلوها قبل زوال الشمس. وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل؛ وهو الحق.

стр. 359

وذهب الجمهور إلى أن أول وقتها أول وقت الظهر! ( [حكم تخطي رقاب الناس يوم الجمعة] :) (وعلى من حضرها أن لا يتخطى رقاب الناس) ؛ إلا إذا كان إماماً، أو كان بين يديه فرجة لا يصلها إلا بتخط، كما نقله المحلي عن " الروضة "؛ لحديث عبد الله بن بسر قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة؛ والنبي [ ﷺ ] يخطب، فقال له رسول الله [ ﷺ ] : " اجلس فقد آذيت "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة وغيره. ولحديث أرقم بن أبي الأرقم المخزومي، أن رسول الله -[ ﷺ ]- قال: " الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام؛ كالجارّ قُصبه (١) في النار "؛ أخرجه أحمد، والطبراني في " الكبير "، وفي إسناده مقال. (٢) وفي الباب أحاديث: منها عن معاذ بن أنس عند الترمذي، وابن ماجه، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة؛ اتخذ جسرا إلى جهنم "، قال الترمذي: حديث غريب (٣) ، والعمل عليه عند أهل العلم.

стр. 360

وفي " تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين ": ومنها: تخطي رقاب الناس يوم الجمعة؛ كذا عده الشيخ شمس الدين ابن القيم من الكبائر، وقد صرح النووي وغيره بأنه حرام. انتهى. قلت: وفي الباب عن عثمان وأنس - أيضا -. ( [الإنصات حال الخطبتين واجب] :) (وأن ينصت حال الخطبتين) : لحديث أبي هريرة، أن النبي [ ﷺ ] قال: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت؛ والإمام يخطب؛ فقد لغوت "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما. وأخرج أحمد، وأبو داود من حديث علي، قال: من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت؛ كان عليه كفل (١) من الوزر، ومن قال: صه؛ فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، ثم قال: هكذا سمعت نبيكم [ ﷺ ] . وفي إسناده مجهول. وفي الباب أحاديث عن جماعة من الصحابة. أقول: وحاصل ما يستفاد من الأدلة: أن الكلام منهي عنه حال الخطبة نهيا عاما، وقد خصص هذا النهي بما يقع من الكلام في صلاة التحية؛ من قراءة وتسبيح وتشهد ودعاء، والأحاديث المخصصة لمثل ما ذكر صحيحة (٢) ،

стр. 361

فلا محيص لمن دخل المسجد حال الخطبة من صلاة ركعتي التحية، إن أراد القيام بهذه السنة المؤكدة، والوفاء بما دلت عليه الأدلة؛ فإنه [ ﷺ ] أمر سُليكا الغطفاني - لما وصل إلى المسجد حال الخطبة، فقعد ولم يصل التحية - بأن يقوم فيصلي، فدل هذا على كون ذلك من المشروعات المؤكدة، بل من الواجبات، كما قرره شيخنا العلامة الشوكاني في رسالة مستقلة، وبينت أنا في " دليل الطالب إلى أرجح المطالب " وجوب صلاة التحية. ومن جملة مخصصات صلاة التحية حديث: " إذا جاء أحدكم والإمام يخطب؛ فليصل ركعتين "، وهو حديث صحيح متضمن للنص في محل النزاع. وأما ما عدا صلاة التحية؛ من الأذكار، والأدعية، والمتابعة للخطيب في الصلاة على النبي [ ﷺ ] : فلم يأت ما يدل على تخصيصها من ذلك العموم (١) . والمتابعة في الصلاة عليه [ ﷺ ]- وإن وردت بها أدلة قاضية بمشروعيتها -: فهي أعم من أحاديث منع الكلام حال الخطبة من وجه، وأخص منها من وجه؛ فيتعارض العمومان، وينظر في الراجح منهما، وهذا إذا كان اللغو المذكور في حديث: " ومن لغا فلا جمعة له " يشمل جميع أنواع الكلام (٢) . وأما إذا كان مختصا بنوع منه (٣) - وهو ما لا فائدة فيه -: فليس فيه ما يدل على منع الذكر والدعاء والمتابعة في الصلاة عليه [ ﷺ ] .

стр. 362

وأما حديث: " إذا دخل أحدكم المسجد، والإمام يخطب؛ فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام ": فقد أخرجه الطبراني في " الكبير " عن ابن عمر، وفي سنده ضعف، كما قاله صاحب " مجمع الزوائد "، فلا تقوم به الحجة. ولكنه قد روي ما يقويه: فأخرج أبو يعلى، والبزار عن جابر (١) ، قال: قال سعد بن أبي وقاص لرجل: لا جمعة لك، فقال النبي [ ﷺ ] : " لم يا سعد؟ ! "، فقال: لأنه تكلم وأنت تخطب، فقال النبي [ ﷺ ] : " صدق سعد "؛ وفي إسناده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف عند الجمهور. وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة. وقد ذكر العلامة الشوكاني في " شرح المنتقى " أحاديث تفيد معنى هذا الحديث؛ فليراجع. ويقويها ما يقال: إن المراد باللغو المذكور في الحديث التلفظ، وإن كان أصله ما لا فائدة فيه؛ بقرينة أن قول من قال لصاحبه: أنصت؛ لا يعد من اللغو؛ لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سماه النبي [ ﷺ ] لغوا. ويمكن أن يقال: إن ذلك الذي قال: أنصت؛ لم يؤمر في ذلك الوقت بأن يقول هذه المقالة؛ فكان كلامه لغوا حقيقة من هذه الحيثية.

стр. 363

( [يُندب التبكير للجمعة] :) (ونُدب له التبكير) : لحديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، أن رسول الله [ ﷺ ] قال: " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح؛ فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية؛ فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة؛ فكأنما قرب كبشا أقرن (١) ، ومن راح في الساعة الرابعة؛ فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة؛ فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ". وفي الباب أحاديث في مشروعية التبكير. قال في " المسوى شرح الموطأ ": " الأصح أن هذه الساعات ساعات لطيفة بعد الزوال (٢) ، لا الساعات التي يدور عليها حساب الليل والنهار ". انتهى. ( [يُندب التطيب والتجمل للجمعة] :) (والتطيب والتجمل) : لحديث أبي سعيد، عن النبي [ ﷺ ] ، قال: " على كل مسلم الغسل يوم الجمعة، ويلبس من صالح ثيابه، وإن كان له طيب مس منه "؛ أخرجه أحمد وأبو داود. وهو في " الصحيحين " بلفظ: " الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبا إن وجد ". وأخرج أحمد، والبخاري وغيرهما من حديث سلمان الفارسي، قال:

стр. 364

قال النبي -[ ﷺ ]-: " لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر بما استطاع من طهر، ويدّهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يروح إلى المسجد، ولا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت للإمام إذا تكلم: إلا غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة الأخرى ". وأخرج أحمد وغيره من حديث أبي أيوب، قال: سمعت رسول الله -[ ﷺ ]- يقول: " من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة، حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه، حتى يصلي: كان كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى "؛ ورجال إسناده ثقات (١) . وفي الباب أحاديث. ( [يندب الدنو من الإمام] :) (والدنو من الإمام) : لحديث سمرة عند أحمد، وأبي داود، أن النبي -[ ﷺ ]- قال: " احضروا الذكر، وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها " وفي إسناده انقطاع (٢) . وفي الباب أحاديث. ومن جملة ما يشرع يوم الجمعة الغسل، وقد تقدم الكلام عليه في باب الغسل.

стр. 365

( [من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها] :) (ومن أدرك ركعة منها فقد أدركها) : لحديث: " من أدرك ركعة من صلاة الجمعة؛ فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته ". فهذا - وإن كان فيه مقال - غايته الإعلال بالإرسال، فقد ثبت رفعه من طريق جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة؛ فإنه روي عنه من ثلاث عشرة طريقا، ومن ثلاث طرق (١) عن ابن عمر، وبعضها يؤيد بعضا، فهي لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره. وقد أخرجه الحاكم من ثلاث طرق عن أبي هريرة، وقال فيها: " على شرط الشيخين ". (٢) فالعجب من أن يُؤْثر على هذا كله قول عمر بن الخطاب، ويدعم بتلك العصا التي لا يأخذها إلا الزمن، أو من ضاقت عليه المسالك، فيقال: ولم يرد خلافه عن أحد من الصحابة! والحال أن أول المخالفين له رسول الله [ ﷺ ] ؛ بعموم قوله وخصوصه. والحاصل: أن الحديث له طرق كثيرة يصير بها حسنا لغيره، وقد قدمنا

стр. 366

أنها كسائر الصلوات، وليست الخطبة شرطا من شروط الجمعة حتى يتوقف إدراك الصلاة على إدراك الخطبة، فمن زعم أن صلاة الجمعة تختص بحكم يخالف سائر الصلوات؛ فعليه الدليل. وقد أوضح الماتن المقال في أبحاث مطولة وقعت مع بعض الأعلام، مشتملة على ما يحتاج إليه في هذا البحث؛ فليرجع إلى ذلك فهو مفيد جدا. ( [صلاة الجمعة يوم العيد رخصة] :) (وهي في يوم العيد رخصة) : لحديث زيد بن أرقم، أن النبي [ ﷺ ] صلى العيد في يوم جمعة، ثم رخص في الجمعة، فقال: " من شاء أن يجمع فليجمع "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والحاكم، وصححه علي بن المديني (١) . وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والحاكم من حديث أبي هريرة، عن النبي [ ﷺ ] ، أنه قال: " قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة؛ وإنا مجمعون " (٢) ؛ وقد أعل بالإرسال، وفي إسناده أيضا بقية بن الوليد. وفي الباب أحاديث عن ابن عباس، وابن الزبير وغيرهما.

стр. 367

وظاهر أحاديث الترخيص يشمل من صلى العيد ومن لم يصل (١) بل روى النسائي، وأبو داود أن ابن الزبير في أيام خلافته لم يصل بالناس الجمعة بعد صلاة العيد، فقال ابن عباس لما بلغه ذلك: أصاب السنة؛ وفي إسناده مقال (٢) . أقول: الظاهر أن الرخصة عامة للإمام وسائر الناس، كما يدل على ذلك ما ورد من الأدلة. وأما قوله [ ﷺ ] : " ونحن مجمعون ": فغاية ما فيه أنه أخبرهم بأنه سيأخذ بالعزيمة، وأخذه بها لا يدل على أن لا رخصة في حقه، وحق من تقوم بهم الجمعة؛ وقد تركها ابن الزبير في أيام خلافته - كما تقدم -، ولم ينكر عليه الصحابة ذلك.

стр. 368

(١١ - باب صلاة العيدين) ( [صلاة العيدين سنة] :) قد اختلف أهل العلم: هل صلاة العيد واجبة أم لا؟ والحق الوجوب؛ لأنه [ ﷺ ] مع ملازمته لها قد أمرنا بالخروج إليها، كما في حديث أمره [ ﷺ ] للناس أن يغدوا إلى مصلاهم، بعد أن أخبره الركب برؤية الهلال، وهو حديث صحيح. وثبت في " الصحيح " من حديث أم عطية، قالت: أمرنا رسول الله [ ﷺ ] أن نُخرج في الفطر والأضحى العواتق (١) والحُيّض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. فالأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب (٢) ، والرجال أولى من النساء بذلك؛ لأن الخروج وسيلة إليها، ووجوب الوسيلة يستلزم وجوب المتوسل إليه، بل ثبت الأمر القرآني بصلاة العيد؛ كما ذكره أئمة التفسير في قوله - تعالى -: ﴿فصل لربك وانحر﴾ ؛ فإنهم قالوا: المراد صلاة العيد.

стр. 369

ومن الأدلة على وجوبها: أنها مسقطة للجمعة إذا اتفقتا في يوم واحد، وما ليس بواجب لا يسقط ما كان واجباً. ( [صلاة العيد ركعتين] :) (هي ركعتان) : يجهر فيهما بالقراءة، يقرأ عند إرادة التخفيف: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك﴾ ، وعند الإتمام: ﴿ق﴾ و ﴿اقتربت الساعة﴾ . وعند الشافعي: تشرع صلاة العيد جماعة للمنفرد والعبد والمرأة والمسافر، ولا يخطب المنفرد، ويخطب إمام المسافرين. وعند أبي حنيفة: تجب صلاة العيد على كل من تجب عليه صلاة الجمعة، ويشترط لصلاة العيد ما يشترط لصلاة الجمعة. كذا في " المسوى " وغيره. ( [التكبير في الركعة الأولى سبع، وفي الثانية خمس قبل القراءة] :) (في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الثانية خمس كذلك) : لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي [ ﷺ ] كبّر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة؛ سبعا في الأولى وخمسا في الثانية؛ أخرجه أحمد، وابن ماجه. وقال أحمد: أنا أذهب إلى هذه. قال العراقي: إسناده صالح. ونقل الترمذي في " العلل " - المفردة - عن البخاري أنه قال: إنه حديث صحيح.

стр. 370

وفي رواية لأبي داود، والدارقطني: " التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الأخيرة، والقراءة بعدهما كلتيهما "؛ وإسناد الحديث صالح، وقد صححه البخاري. وأخرج الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني: أن النبي -[ ﷺ ]- كبّر في العيدين! في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الثانية خمسا قبل القراءة؛ وقد حسنه الترمذي، وأُنكر عليه تحسينه؛ لأن في إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده؛ وهو متروك. قال النووي: لعله اعتضد بشواهد وغيرها. انتهى. قال العراقي: إن الترمذي إنما تبع في ذلك البخاري، فقد قال في كتاب " العلل " المفردة: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه، وبه أقول. انتهى. وقد أخرجه ابن ماجه بدون ذكر القراءة. وأخرجه الدارقطني، وابن عدي، والبيهقي؛ وفي إسناده كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده. قال الشافعي، وأبو داود: إنه ركن من أركان الكذب. وقال ابن حبان: له نسخة موضوعة، عن أبيه، عن جده. وأخرج ابن ماجه من حديث سعد القرظ (١) المؤذن: أن رسول الله

стр. 371

-[ ﷺ ]- كان يكبّر في العيدين؛ في الأولى سبعا قبل القراءة، وفي الآخرة خمسا قبل القراءة. قال العراقي: وإسناده ضعيف. وفي الباب أحاديث تشهد لذلك، والجميع يصلح للاحتجاج به. وفي المسألة عشرة مذاهب؛ هذا أرجحها (١) . قال في " الحجة ": يكبر في الأولى سبعا قبل القراءة، والثانية خمسا قبل القراءة ". وعمل الكوفيين؛ أن يكبر أربعا كتكبير الجنائز في الأولى قبل القراءة وفي الثانية بعدها، وهما سنتان وعمل الحرمين أرجح ". انتهى. أقول: الذي دلت عليه الأدلة؛ أن يكون التكبير مقدما على القراءة في الركعتين، كما ثبت ذلك من فعله -[ ﷺ ]- في حديث عمرو بن عوف المزني المتقدم (٢) ، ولم يأت من قال بمشروعية تقديم القراءة في الركعتين، أو تأخيرها في الأولى وتقديمها في الثانية بحجة قط. ثم اعلم أن الحافظ قال في " التلخيص ": قوله: ويقف بين كل تكبيرتين بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة؛ روي مثل ذلك عن ابن مسعود قولا وفعلا. قلت: رواه الطبراني والبيهقي موقوفاً؛ وسنده قوي، وفيه عن حذيفة.

стр. 372

وأبي موسى مثله، وعن عمر أنه كان يرفع يديه في التكبيرات؛ رواه البيهقي؛ وفيه ابن لهيعة. واحتج ابن المنذر والبيهقي بحديث روياه من طريق بقية (١) ، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه في الرفع عند الإحرام والركوع والرفع منه، وفي آخره: يرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع ". انتهى قال في " شرح المنتقى ": " والظاهر عدم وجوب التكبير - كما ذهب إليه الجمهور -؛ لعدم وجدان دليل يدل عليه ". انتهى. والحاصل: أنه سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا. قال ابن قدامة: ولا أعلم فيه خلافا. قالوا: وإن تركه لا يسجد للسهو. وروي عن مالك وأبي حنيفة أنه يسجد للسهو. والحق الأول. ( [الخطبة بعد صلاة العيد] :) (ويخطب بعدها) ؛ يأمر بتقوى الله - تعالى - ويُذكِّر ويعظ، لما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي سعيد، قال: كان النبي [ ﷺ ] يخرج يوم

стр. 373

الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس؛ والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثا (١) أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف ". وفي الباب من حديث جابر عند مسلم وغيره. وأول من خطب قبل الصلاة في العيد، مروان، وأنكر عليه ذلك. وأخرج النسائي، وابن ماجة، وأبو داود من حديث عبد الله بن السائب، قال: شهدت مع النبي [ ﷺ ] العيد فلما قضى الصلاة قال: " إنا نريد أن نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب " (٢) . ( [التجمل بالثياب في العيد مستحب] :) (ويستحب) في العيد (التجمل) بالثياب، فقد ثبت في " الصحيحين ": أن عمر وجد حلة في السوق من إستبرق (٣) تباع، فأخذها، فأتى بها النبي [ ﷺ ] ، فقال: يا رسول الله! ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد، فقال: " إنما هذه لباس من لا خلاق (٤) له ".

стр. 374

وأخرج الشافعي عن شيخه إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده: أن النبي [ ﷺ ] كان يلبس برد حبرة (١) في كل عيد. وشيخ الشافعي ضعيف، ولكنه قد تابعه سعيد بن الصلت، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس ... بمثله. أخرجه الطبراني (٢) . وأخرج ابن خزيمة (٣) عن جابر: أن النبي [ ﷺ ] كان يلبس البرد الأحمر في العيدين وفي الجمعة. ( [السنة صلاة العيدين في المصلى] :) (والخروج إلى خارج البلد) : لمواظبته [ ﷺ ] على ذلك (٤) ، وصلى بهم [ ﷺ ] صلاة العيد في المسجد لمطر وقع؛ كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود، وابن ماجة، والحاكم؛ وفي إسناده مجهول. ( [يستحب مخالفة الطريق] :) (ومخالفة الطريق) : لحديث أبي هريرة عند البخاري وغيره، قال: كان النبي [ ﷺ ] إذا كان يوم العيد خالف الطريق (٥) .

стр. 375

وأخرج أبو داود، وابن ماجة نحوه من حديث ابن عمر. وفي الباب أحاديث غير ما ذكر. ( [يستحب الأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى] :) (والأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى) : لما ثبت في " الصحيح " من حديث أنس، قال: كان النبي [ ﷺ ] لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترا. وأخرج أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي من حديث بريدة، قال: كان رسول الله [ ﷺ ] لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع. زاد أحمد: فيأكل من أضحيته. وفي الباب أحاديث. ( [بيان أول وقت صلاة العيدين] :) (ووقتها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال) : لما أخرجه أحمد بن الحسن البناء في " كتاب الأضاحي " (١) من حديث جندب، قال: كان النبي -[ ﷺ ]- يصلي بنا يوم الفطر؛ والشمس على قيد رمحين، والأضحى على قيد رمح ".

стр. 376

وأخرج أبو داود، وابن ماجة (١) من حديث عبد الله بن بسر - صاحب رسول الله -[ ﷺ ]-: أنه خرج مع الناس يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا فرغنا ساعتنا هذه؛ وذلك حين التسبيح - أي: حين وقت صلاة العيد -. وأخرج الشافعي - مرسلا -: أن النبي [ ﷺ ] كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران، أن عجل الأضحى وأخر الفطر. وفي إسناده إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي؛ وهو ضعيف. وقد وقع الإجماع على ما أفادته الأحاديث؛ وإن كانت لا تقوم بمثلها الحجة (٢) . ( [بيان آخر وقت صلاة العيدين] :) وأما آخر وقت صلاة العيدين: فزوال الشمس. وإذا كان الغدو من بعد طلوع الشمس إلى الزوال - كما قال بعض أهل العلم -: فحديث أمره [ ﷺ ] للركب أن يغدوا إلى مصلاهم يدل على ذلك. قال في " البحر ": وهي من بعد انبساط الشمس إلى الزوال. ولا أعرف فيه خلافا.

стр. 377

( [لا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين] :) (ولا أذان فيها ولا إقامة) : لما ثبت في " الصحيح " من حديث جابر بن سمرة قال: صليت مع النبي [ ﷺ ] غير مرة ولا مرتين بغير أذن ولا إقامة. وثبت في " الصحيحين " عن ابن عباس، أنه قال: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. وفي الباب أحاديث. وأما تكبير أيام التشريق: فلا شك في مشروعية مطلق التكبير في الأيام المذكورة، ولم يثبت تعيين لفظ مخصوص، ولا وقت مخصوص، ولا عدد مخصوص، بل المشروع الاستكثار منه دبر الصلوات وسائر الأوقات. فما جرت عليه عادة الناس اليوم - استنادا إلى بعض الكتب الفقهية - من جعله عقب كل صلاة فريضة ثلاث مرات، وعقب كل صلاة نافلة مرة واحدة، وقصر المشروعية على ذلك فحسب! ليس عليه أثارة من علم فيما أعلم، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة؛ أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى. وأما صفة التكبير: فأصح ما ورد فيه؛ ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان، قال: كبروا، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا. قال في " شرح المنتقى " - نقلا عن " الفتح " -: وقد أحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك؛ لا أصل لها. انتهى.

стр. 378

قال الشوكاني: " والظاهر أن تكبير التشريق لا يختص استحبابه بعقب الصلوات، بل هو مستحب في كل وقت من تلك الأيام؛ كما تدل على ذلك الآثار (١) " انتهى.

стр. 379

(١٢ - باب صلاة الخوف) (وقد صلاها رسول الله [ ﷺ ] على صفات مختلفة) ؛ قيل: على ستة عشر، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: أقل من ذلك. وقد صح منها أنواع: (١ - [صلاة الإمام بكل طائفة ركعتين بسلام] :) فمنها: أنه [ ﷺ ] صلى بكل طائفة ركعتين، فكان للنبي [ ﷺ ] أربع، وللقوم ركعتان. وهذه الصفة ثابتة في " الصحيحين " من حديث جابر. (٢ - [صلاة الإمام بكل طائفة ركعة] :) ومنها: أنه صلى بكل طائفة ركعة؛ فكان له ركعتان، وللقوم ركعة. وهذه الصفة أخرجها النسائي بإسناد رجاله ثقات. (٣ - [اشتراك الطائفتين مع الإمام، وتقدم الثانية، وتأخر الأولى، والسلام جميعا] :) ومنها: أنه صلى بهم جميعا، فكبر وكبروا، وركع وركعوا، ورفع

стр. 380

ورفعوا، ثم سجد وسجد معه الصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي [ ﷺ ] السجود والصف الذي يليه؛ انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، وفعلوا كالركعة الأولى، ولكنه قد صار الصف المؤخر مقدما، والمقدم مؤخرا، ثم سلم النبي [ ﷺ ] وسلموا جميعا. وهذه الصفة ثابتة في " صحيح مسلم " وغيره من حديث جابر، ومن حديث أبي عياش الزرقي عند أحمد، وأبي داود، والنسائي. (٤ - [صلاة الإمام بكل طائفة ركعة، وقضاء كل طائفة ركعة] :) ومنها: أنه -[ ﷺ ]- صلى بإحدى الطائفتين ركعة؛ والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك، ثم صلى النبي [ ﷺ ] ركعة، ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ركعة. وهذه الصفة ثابتة في " الصحيحين " من حديث ابن عمر. (٥ - [اشتراك الطائفتين مع الإمام في القيام والسلام] :) ومنها: أنها قامت مع النبي -[ ﷺ ]- طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، وظهورهم إلى القبلة، فكبر فكبروا جميعا: الذين معه والذين مقابل العدو، ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد، فسجدت التي تليه؛ والآخرون قيام مقابل العدو، ثم قام وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التي كانت

стр. 381

مقابل العدو، فركعوا وسجدوا، ورسول الله -[ ﷺ ]- كما هو، ثم قاموا فركع ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا؛ ورسول الله -[ ﷺ ]- قاعد ومن معه، ثم كان السلام؛ فسلم وسلموا جميعا، فكان لرسول الله -[ ﷺ ]- ركعتان، وللقوم لكل طائفة ركعتان. وهذه الصفة أخرجها أحمد، والنسائي، وأبو داود. (٦ - [صلاة الإمام بكل طائفة ركعة، وانتظاره لقضاء كل طائفة ركعة] :) ومنها: أنه [ ﷺ ] صلى بطائفة ركعة، وطائفة وجاه العدو، ثم ثبت قائما، فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، فأتموا لأنفسهم فسلم بهم. وهذه الصفة ثابتة في " الصحيحين " من حديث سهل بن أبي حثمة. وإنما اختلفت صلاته [ ﷺ ] في الخوف؛ لأنه كان في كل موطن يتحرى ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة. (وكلها مجزئة) : لأنها وردت على أنحاء كثيرة، وكل نحو روي عن النبي [ ﷺ ] ؛ فهو جائز، يفعل الإنسان ما هو أخف عليه، وأوفق بالمصلحة حالتئذ؛ كذا في " الحجة ". أقول: من زعم من أهل العلم أن المشروع من صلاة الخوف ليس إلا صفة من الصفات الثابتة دون ما عداها: فقد أهدر شريعة ثابتة، وأبطل سنة

стр. 382

قائمة بلا حجة نيرة، وغالب ما يدعو إلى ذلك ويوقع فيه: قصور الباع، وعدم الاعتناء بكتب السنة المطهرة. فالحق الحقيق بالقبول: جواز جميع ما ثبت من الصفات. وقد ذكر هنا صاحب " المنتقى " أنواعا هي حاصل ما ذكره المحدثون مما بلغ إلى رتبة الصحيح، وثم صفات أخر ليست ببالغة إلى تلك الرتبة. فإن قلت: ما الحكمة في وقوع هذه الصلاة على أنواع مختلفة؟ قلت: أمران: الأول: اقتضاء الحادثة لذلك، والمقتضيات مختلفة؛ ففي بعض المواطن تكون بعض الصفات أنسب من بعض؛ لما يكون فيها من أخذ الحذر، والعمل بالحزم ما يناسب الخوف العارض، فقد يكون الخوف في بعض المواطن شديدا والعدو متصلا أو قريبا، وفي بعض المواطن قد يكون الخوف خفيفا والعدو بعيدا، فتكون هذه الصفة أولى بهذا الموطن، وهذه أولى بهذا الموطن. الأمر الثاني: أنه -[ ﷺ ]- فعلها متنوعة إلى تلك الأنواع لقصد التشريع وإرادة البيان للناس. وأما صلاة المغرب: فقد وقع الإجماع على أنه لا يدخلها القصر. ووقع الخلاف: هل الأولى أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعتين، والثانية ركعة أو العكس؟

стр. 383

ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي -[ ﷺ ]-. وقد روي (١) أن عليا - رضي الله تعالى عنه - صلاها ليلة الهرير (٢) . واختلفت الرواية في حكاية فعله كما اختلفت الأقوال؛ والظاهر أن الكل جائز، وإن صلى لكل طائفة ثلاث ركعات فيكون له ست ركعات، وللقوم ثلاث ركعات، فهو: صواب؛ قياسا على فعله في غيرها، وقد تقرر صحة إمامة المتنفل بالمفترض؛ كما سبق. ( [الصلاة في شدة الخوف وما يباح فيها من كلام وإيماء] :) (وإذا اشتد الخوف والتحم القتال صلاها الراجل والراكب - ولو إلى غير القبلة - ولو بالإيماء -) ؛ ويقال لصلاة الخوف عند التحام القتال: صلاة المسايف. أخرج البخاري عن ابن عمر في تفسير سورة البقرة بلفظ: فإن كان خوف أشد من ذلك: صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله [ ﷺ ] .

стр. 384

وهو في " مسلم " من قول ابن عمر؛ بنحو ذلك. وقد رواه ابن ماجة عن ابن عمر: أن النبي [ ﷺ ] وصف صلاة الخوف وقال: " فإن كان خوف أشد من ذلك: فرجالا وركبانا ". وأخرج أحمد، وأبو داود - بإسناد حسن (١) - عن عبد الله بن أنيس، قال: بعثني رسول الله [ ﷺ ] إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عرنة وعرفات، فقال: " اذهب فاقتله "، قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي، أوميء إيماء نحوه، فلما دنوت منه ... الحديث. ومن البعيد؛ أن لا يخبر النبي [ ﷺ ] بذلك، ولو أنكره لذكر ذلك.

стр. 385

(١٣ - باب صلاة السفر) ( [وجوب القصر في السفر] :) (يجب القصر) : لحديث عائشة الثابت في " الصحيح "، أن النبي [ ﷺ ] قال (١) : " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين؛ فزيدت في الحضر، وأقرت في السفر ". فهذا يشعر بأن صلاة السفر باقية على الأصل، فمن أتم؛ فكأنه صلى في الحضر الثنائية أربعا، والرباعية ثمانيا عمدا. وثبت أيضا في " الصحيح " أن النبي [ ﷺ ] قال: " صدقة تصدق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته ". وكان النبي [ ﷺ ] يقتصر في جميع أسفاره على القصر. قلت: اتفقت الأمة على جواز القصر في السفر. واختلف المفسرون في قوله - تعالى -: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح﴾ : أنزلت في السفر؛ وقيد الخوف اتفاقي؟ أو في الخوف وقيد السفر اتفاقي؟ والمراد في القصر؛ الإيماء في الركوع والسجود؟

стр. 386

فذهب إلى الأول جماعات من المفسرين. وإلى الثاني يشير قول ابن عمر، ويدل عليه بناء قوله - تعالى -: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ على آية القصر من غير ذكر الخوف ثانيا. ثم مذهب الأكثرين أن القصر واجب. وقال الشافعي: " إن شاء أتم، وإن شاء قصر؛ والقصر أفضل ". كذا في " المسوى ". أقول: الحق وجوب القصر، والأحاديث مصرحة بما يقتضي ذلك، وأما ما يروى عن عائشة: أن النبي [ ﷺ ] كان يقصر في الصلاة ويتم، ويفطر ويصوم: فلم يثبت؛ كما صرح به جماعة من الحفاظ (١) . وكذلك ما روي عنها: أنها فعلت ذلك ولم ينكر عليها رسول الله [ ﷺ ] ؛ وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة بما تسقط به حجيته (٢) . وكذلك ما روي من أن عثمان أتم الصلاة بمنى! فلا حجة في ذلك، وقد صح إنكار بعض الصحابة عليه، واعتذاره عن ذلك؛ فلم يبق في المقام ما يوجب التردد. والظاهر من الأدلة في القصر والإفطار: عدم الفرق بين من سفره في

стр. 387

طاعة، ومن سفره في معصية، لا سيما القصر؛ لأن صلاة المسافر شرعها الله كذلك، فكما أن الله شرع للمقيم صلاة التمام - من غير فرق بين من كان مطيعا ومن كان عاصيا بلا خلاف -: كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق. وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولا زائدا على تناول أدلة الإفطار له؛ لأن القصر عزيمة، وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي، بل مشروعة لهما جميعا، بخلاف الإفطار؛ فإنه رخصة للمسافر، والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل، وإن كانت هنا عامة، وإنما المراد بطلان القياس، والركعتان في السفر تمام غير قصر. ومعناه عند الحنفية: أنه لا يكون فرض المسافر غير ركعتين، وإن صلى أربعا ولم يقعد للتشهد بطلت صلاته، وإن قعد أتمها أربعا والأخريان نفل. وعند الشافعية: أن المسافر إذا قصر في السفر؛ فليس عليه ما تركه إذا صار مقيما بخلاف الصوم، فإنه يعيد ما أفطر إذا صار مقيما. ( [وجوب القصر لمن خرج من بلده قاصدا للسفر دون بريد] :) وإيجاب القصر (على من خرج من بلده قاصدا للسفر وإن كان دون بريد) (١) وجهه أن الله - تعالى - قال: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم

стр. 388

جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ ، والضرب في الأرض يصدق على كل ضرب، لكنه خرج الضرب - أي: المشي - لغير السفر؛ لما كان يقع منه [ ﷺ ] من الخروج إلى بقيع الغرقد ونحوه، ولا يقصر. ولم يأت في تعيين قدر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء، فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرا لغة وشرعا، ومن خرج من بلده قاصدا إلى محل يعد في مسيره إليه مسافرا: قصر الصلاة، وإن كان ذلك المحل دون البريد. ولم يأت من اعتبر البريد، واليوم، واليومين، والثلاثة، وما زاد على ذلك بحجة نيرة، وغاية ما جاءوا به حديث: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم "، وفي رواية: " يوما وليلة "، وفي رواية: " بريدا " (١) ، وليس في هذا الحديث ذكر القصر، ولا هو في سياقه، والاحتجاج به مجرد تخمين (٢) . وأحسن ما ورد في التقدير: ما رواه شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنسا عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله [ ﷺ ] إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال - أو ثلاثة فراسخ -: صلى ركعتين - والشك من شعبة -. أخرجه مسلم وغيره. فإن قلت: محل الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون

стр. 389

محرم: هو كونه [ ﷺ ] سمى ذلك سفرا. قلت: تسميته سفرا لا تنافي تسمية ما دونه سفرا، فقد سمى النبي [ ﷺ ] مسافة الثلاث سفرا، كما سمى مسافة البريد سفرا في ذلك الحديث؛ باعتبار اختلاف الرواية، وتسمية البريد سفرا لا ينافي تسمية ما دونه سفرا. فإن قلت: أخرج الدارقطني، والبيهقي، والطبراني من حديث ابن عباس أنه [ ﷺ ] قال: " يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان " (١) . قلت: هو ضعيف لا تقوم به الحجة؛ فإن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر؛ وهو متروك. (٢) قال الماتن: وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدي. وقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام. وفي " العالمكيرية ": الصحيح أنه لا يشترط سير كل اليوم إلى الليل، فلو بكر في كل يوم ومشى إلى الزوال ثم نزل؛ يصير مسافرا. وقال الشافعي: أربعة برد. وقال مالك: وذلك أحب ما سمعت يقصر فيه الصلاة إلي، وتفسيرها ستة عشر فرسخا.

стр. 390

ويتجه على هذا أن قولهما متقاربان. قال الأوزاعي: عامة الفقهاء يقولون: مسيرة يوم تام، وإنما يحل القصر إذا خرج من بيوت القرية. قال العلماء: إذا جاوز عمران المصر: قصر. أقول: مسألة أقل السفر قد اضطربت فيها الأقوال، وطال فيها النزاع، وتشعبت فيها المذاهب، وليس في ذلك شيء يستند إليه؛ إلا مجرد قول الرواة: قصر رسول الله -[ ﷺ ]- في كذا؛ من دون بيان لمقدار يرجع إليه. وأصرح ما في ذلك؛ ما قاله بعض الرواة: أنه -[ ﷺ ]- كان يقصر إذا سافر ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ؛ هكذا على الشك! مع أنه لم يبين مقدار المسافة التي هي انتهاء سفره، وغاية ما وقع التعويل عليه أحاديث: " لا يحل لامرأة ... " كما تقدم، والمعمول عليه ههنا رواية البريد؛ لأن ما فوقها يعتبر فيه ذلك بفحوى الخطاب. لكن؛ لا ملازمة بين اعتبار المحرم للمرأة وبين وجوب القصر على غيرها من المسافرين؛ لأن علة مشروعية المحرم غير علة مشروعية القصر، فلم يبق في المسألة ما يصلح للاستناد إليه، فوجب الرجوع إلى ما يصدق عليه مسمى الضرب في الأرض على وجه يخالف ما يفعله المقيم من ذلك، وهو يصدق على من أراد سفرا زائدا على الميل، لا ما كان ميلا فما دون، فقد يتردد المقيم في الجوانب المقاربة لبلد إقامته، وقد كان -[ ﷺ ]- يخرج
следующие страницы →