فذهب إلى الأول جماعات من المفسرين.
وإلى الثاني يشير قول ابن عمر، ويدل عليه بناء قوله - تعالى -: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ على آية القصر من غير ذكر الخوف ثانيا.
ثم مذهب الأكثرين أن القصر واجب.
وقال الشافعي: " إن شاء أتم، وإن شاء قصر؛ والقصر أفضل ". كذا في " المسوى ".
أقول: الحق وجوب القصر، والأحاديث مصرحة بما يقتضي ذلك، وأما ما يروى عن عائشة: أن النبي [ ﷺ ] كان يقصر في الصلاة ويتم، ويفطر ويصوم: فلم يثبت؛ كما صرح به جماعة من الحفاظ (١) .
وكذلك ما روي عنها: أنها فعلت ذلك ولم ينكر عليها رسول الله [ ﷺ ] ؛ وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة بما تسقط به حجيته (٢) .
وكذلك ما روي من أن عثمان أتم الصلاة بمنى! فلا حجة في ذلك، وقد صح إنكار بعض الصحابة عليه، واعتذاره عن ذلك؛ فلم يبق في المقام ما يوجب التردد.
والظاهر من الأدلة في القصر والإفطار: عدم الفرق بين من سفره في
стр. 387
طاعة، ومن سفره في معصية، لا سيما القصر؛ لأن صلاة المسافر شرعها الله كذلك، فكما أن الله شرع للمقيم صلاة التمام - من غير فرق بين من كان مطيعا ومن كان عاصيا بلا خلاف -: كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق.
وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولا زائدا على تناول أدلة الإفطار له؛ لأن القصر عزيمة، وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي، بل مشروعة لهما جميعا، بخلاف الإفطار؛ فإنه رخصة للمسافر، والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل، وإن كانت هنا عامة، وإنما المراد بطلان القياس، والركعتان في السفر تمام غير قصر.
ومعناه عند الحنفية: أنه لا يكون فرض المسافر غير ركعتين، وإن صلى أربعا ولم يقعد للتشهد بطلت صلاته، وإن قعد أتمها أربعا والأخريان نفل.
وعند الشافعية: أن المسافر إذا قصر في السفر؛ فليس عليه ما تركه إذا صار مقيما بخلاف الصوم، فإنه يعيد ما أفطر إذا صار مقيما.
( [وجوب القصر لمن خرج من بلده قاصدا للسفر دون بريد] :)
وإيجاب القصر (على من خرج من بلده قاصدا للسفر وإن كان دون بريد) (١) وجهه أن الله - تعالى - قال: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم
стр. 388
جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ ، والضرب في الأرض يصدق على كل ضرب، لكنه خرج الضرب - أي: المشي - لغير السفر؛ لما كان يقع منه [ ﷺ ] من الخروج إلى بقيع الغرقد ونحوه، ولا يقصر.
ولم يأت في تعيين قدر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء، فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرا لغة وشرعا، ومن خرج من بلده قاصدا إلى محل يعد في مسيره إليه مسافرا: قصر الصلاة، وإن كان ذلك المحل دون البريد.
ولم يأت من اعتبر البريد، واليوم، واليومين، والثلاثة، وما زاد على ذلك بحجة نيرة، وغاية ما جاءوا به حديث: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم "، وفي رواية: " يوما وليلة "، وفي رواية: " بريدا " (١) ، وليس في هذا الحديث ذكر القصر، ولا هو في سياقه، والاحتجاج به مجرد تخمين (٢) .
وأحسن ما ورد في التقدير: ما رواه شعبة، عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنسا عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله [ ﷺ ] إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال - أو ثلاثة فراسخ -: صلى ركعتين - والشك من شعبة -. أخرجه مسلم وغيره.
فإن قلت: محل الدليل في نهي المرأة عن السفر تلك المسافة بدون
стр. 389
محرم: هو كونه [ ﷺ ] سمى ذلك سفرا.
قلت: تسميته سفرا لا تنافي تسمية ما دونه سفرا، فقد سمى النبي [ ﷺ ] مسافة الثلاث سفرا، كما سمى مسافة البريد سفرا في ذلك الحديث؛ باعتبار اختلاف الرواية، وتسمية البريد سفرا لا ينافي تسمية ما دونه سفرا.
فإن قلت: أخرج الدارقطني، والبيهقي، والطبراني من حديث ابن عباس أنه [ ﷺ ] قال: " يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان " (١) .
قلت: هو ضعيف لا تقوم به الحجة؛ فإن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر؛ وهو متروك.
(٢)
قال الماتن: وفي المسألة مذاهب هذا أرجحها لدي.
وقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام.
وفي " العالمكيرية ": الصحيح أنه لا يشترط سير كل اليوم إلى الليل، فلو بكر في كل يوم ومشى إلى الزوال ثم نزل؛ يصير مسافرا.
وقال الشافعي: أربعة برد.
وقال مالك: وذلك أحب ما سمعت يقصر فيه الصلاة إلي، وتفسيرها ستة عشر فرسخا.
стр. 390
ويتجه على هذا أن قولهما متقاربان.
قال الأوزاعي: عامة الفقهاء يقولون: مسيرة يوم تام، وإنما يحل القصر إذا خرج من بيوت القرية.
قال العلماء: إذا جاوز عمران المصر: قصر.
أقول: مسألة أقل السفر قد اضطربت فيها الأقوال، وطال فيها النزاع، وتشعبت فيها المذاهب، وليس في ذلك شيء يستند إليه؛ إلا مجرد قول الرواة: قصر رسول الله -[ ﷺ ]- في كذا؛ من دون بيان لمقدار يرجع إليه.
وأصرح ما في ذلك؛ ما قاله بعض الرواة: أنه -[ ﷺ ]- كان يقصر إذا سافر ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ؛ هكذا على الشك! مع أنه لم يبين مقدار المسافة التي هي انتهاء سفره، وغاية ما وقع التعويل عليه أحاديث: " لا يحل لامرأة ... " كما تقدم، والمعمول عليه ههنا رواية البريد؛ لأن ما فوقها يعتبر فيه ذلك بفحوى الخطاب.
لكن؛ لا ملازمة بين اعتبار المحرم للمرأة وبين وجوب القصر على غيرها من المسافرين؛ لأن علة مشروعية المحرم غير علة مشروعية القصر، فلم يبق في المسألة ما يصلح للاستناد إليه، فوجب الرجوع إلى ما يصدق عليه مسمى الضرب في الأرض على وجه يخالف ما يفعله المقيم من ذلك، وهو يصدق على من أراد سفرا زائدا على الميل، لا ما كان ميلا فما دون، فقد يتردد المقيم في الجوانب المقاربة لبلد إقامته، وقد كان -[ ﷺ ]- يخرج
стр. 391
إلى البقيع لزيارة الأموات ولا يقصر، وإن كان هذا لا يتم الاحتجاج به إلا بعد تسليم أنه خرج إلى هنالك، وحضر وقت الصلاة فصلى تماما ﴿وهو ممنوع، فالتعويل في استثناء الميل هو ما قدمنا، وفيه ما فيه، لولا أنه أوجب الرجوع إليه البقاء على الأصل، والفرار من التحكمات التي لا ترجع إلى شيء؛ كما يقول بعض أهل العلم: إن مسافة القصر ما بين الشام والعراق﴾ ونحو ذلك.
فالحاصل: أن الواجب الرجوع إلى ما يصدق عليه اسم السفر شرعا أو لغة أو عرفا لأهل الشرع، فما كان ضربا في الأرض يصدق عليه أنه سفر؛ وجب فيه القصر.
وأما ما رواه سعيد بن منصور (١) : أنه كان -[ ﷺ ]- إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة؛ فهو أيضا لا ينفي السفر فيما دون ذلك.
( [مدة القصر للمتردد] :)
(وإذا أقام ببلد مترددا قصر إلى عشرين يوما) ثم يتم، وجهه أن من حط رحله بدار إقامة؛ فقد ذهب عنه حكم السفر، وفارقته المشقة، فلولا أن الشارع سمى من أقام كذلك مسافرا، فقال: " أتموا يا أهل مكة! فإنا قوم سفر " (٢) : لما كان حكم السفر ثابتا له، فالواجب الاقتصار في القصر مع الإقامة على المقدار
стр. 392
الذي سوغه الشارع، وما زاد عليه؛ فللمسافر حكم المقيم، يجب عليه أن يتم صلاته؛ لأنه مقيم لا مسافر، وقد أقام النبي -[ ﷺ ]- بمكة في غزوة الفتح؛ قيل: ثماني عشرة ليلة، وقيل: تسع عشرة ليلة، وقيل: أقل من ذلك، وفي " صحيح البخاري " وغيره: تسع عشرة ليلة.
وأخرج أحمد، وأبو داود من حديث جابر، قال: أقام النبي -[ ﷺ ]- بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة.
وأخرجه أيضا ابن حبان، والبيهقي، وصححه ابن حزم، والنووي (١) ؛ فوجب علينا أن نقتصر على هذا المقدار ونتم بعد ذلك.
ولله در الحبر ابن عباس ﴿ما أفقهه وما أفهمه للمقاصد الشرعية﴾ فإنه قال فيما رواه عنه البخاري وغيره: لما فتح النبي -[ ﷺ ]- مكة: أقام فيها تسع عشرة، يصلي ركعتين، قال: فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة؛ قصرنا، وإن زدنا أتممنا ".
وأقول: هذا هو الفقه الدقيق، والنظر المبني على أبلغ تحقيق، ولو قال له جابر: أقمنا مع رسول الله [ ﷺ ] بتبوك عشرين ليلة نقصر الصلاة؛ لقال بموجب ذلك.
قال الماتن: وفي المسألة مذاهب؛ هذا أرجحها لدي. انتهى.
( [أقصى مدة يقصر فيها المسافر إذا أقام] :)
أقول: الظاهر فيمن أقام ببلد وحط الرحل يوما بعد يوم، وليلة بعد
стр. 393
ليلة: أنه لا يقصر الصلاة؛ لأنه غير مسافر، فلو لم يرد الدليل الدال على أن من أقام عازما على السفر؛ كان له حكم المسافر: لم يثبت القصر في حقه، فينبغي أن يقتصر على ما ورد ولا يجاوز، أما مع التردد وعدم العزم على إقامة أيام معينة: فلا يزال يقصر المسافر حتى يبلغ مدة إقامته مقدار المدة التي أقامها رسول الله [ ﷺ ] بمكة بعد الفتح، وأكثر ما قيل: عشرون ليلة، وقد روي أنه أقام في غزوة تبوك بمكان نحو ذلك، وروي أكثر.
فإن قيل: إن الاقتصار على مقدار إقامته [ ﷺ ] ، وعدم تجويز القصر فيما زاد عليها؛ لا يصلح للتمسك به؛ لأنه مجرد فعل لا دلالة فيه على قصر الجواز على تلك المدة، ومن أين لنا أنه لو عرض له ما يوجب إقامته فوق تلك المدة لما قصر الصلاة، بل كان يتمها؟
فيقال: هذا صحيح، ولم نقل: إن هذا الفعل يدل بمجرده على ذلك، بل قلنا: إن من حط رحله بمحل؛ فالظاهر أنه في ذلك الوقت غير مسافر فيما كان من الإقامة زائدا على ما يعتاده المسافرون؛ من الإراحة لأنفسهم ودوابهم يوما أو بعض يوم، وليلة أو بعض ليلة، فإذا سمي بعد إقامته أياما مسافرا؛ فهذه التسمية غير مناسبة لما هو الظاهر، فوجب الاقتصار على مقدار المدة التي أقامها الشارع وقصر الصلاة فيها، وقال: " إنا قوم سفر "، ومن زعم جواز القصر فيما زاد عليها؛ فعليه الدليل.
وأما إذا نوى إقامة أيام معينة: فقد وقع الاضطراب في ذلك؛ فقيل: أربعة أيام، فإن نوى إقامة أكثر منها قصر، واستدل هذا القائل بإقامته [ ﷺ ] في مكة في حجة الوداع أربعة أيام يقصر الصلاة، ووجه الاستدلال بهذا؛ كالوجه
стр. 394
الذي ذكرناه مع التردد سواء بسواء، وهو أشف ما قيل.
وغاية ما تمسك به أهل الأقوال الآخرة: ما روي عن جماعة من الصحابة من الاجتهادات المختلفة، ولا حجة في ذلك، وما يقال من: أنها بمنزلة المرفوع لكونها ليست من مسارح الاجتهاد ﴿فمردود على أن التقدير بالأربع مع كونه أشف ما قيل - كما ذكرنا -؛ يمكن أن يقال عليه: إنما يتم الاستدلال به بعد ثبوت أنه [ ﷺ ] عزم على إقامة الأربع، ولم ينقل ذلك﴾
ويمكن أن يجاب بأن أعمال الحج لا يمكن الإتيان بها في دون تلك المدة، فالعزم على الإقامة قدرها لا بد منه.
وأما ما روي عن أنس، أنه قال: أقمنا مع النبي [ ﷺ ] عشرا؛ فهو محمول على جميع أيام الإقامة بمكة ونواحيها، وأما نفس الإقامة بمكة؛ فليست إلا أربعة أيام؛ فليعلم.
( [مدة القصر لمن عزم على إقامة أربع] :)
(وإذا عزم على إقامة أربع أتم بعدها) : وجهه ما عرفناك من أن المقيم لا يعامل معاملة المسافر؛ إلا على الحد الذي ثبت عن الشارع، ويجب الاقتصار عليه، وقد ثبت عنه مع التردد ما قدمنا ذكره.
وأما مع عدم التردد، بل العزم على إقامة أيام معينة: فالواجب الاقتصار على ما اقتصر عليه -[ ﷺ ]- مع عزمه على الإقامة في أيام الحج؛ فإنه ثبت في " الصحيحين ": أنه قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في اليوم
стр. 395
الثامن، ثم خرج إلى منى، فلما أقام النبي -[ ﷺ ]- بمكة أربعة أيام يقصر الصلاة - مع كونه لا يفعل ذلك إلا عازما على الإقامة إلى أن يعمل أعمال الحج -: كان ذلك دليلا على أن العازم على إقامة مدة معينة؛ يقصر إلى تمام أربعة أيام، ثم يتم، وليس ذلك لأجل كون النبي -[ ﷺ ]- لو أقام زيادة على الأربع لأتم؛ فإنا لا نعلم ذلك، ولكن وجهه ما قدمنا من أن المقيم العازم على إقامة مدة معينة لا يقصر إلا بإذن، كما أن المتردد كذلك، ولم يأت الإذن بزيادة على ذلك، ولا ثبت عن الشارع غيره.
قال الشافعي: لو نوى إقامة أربعة أيام بموضع؛ انقطع سفره بوصوله.
قال في " المنهاج ": ولا يُحسب منها يوما دخوله وخروجه على الصحيح.
وقال أبو حنيفة: لا يزال على حكم السفر، حتى ينوي الإقامة في بلدة أو قرية خمسة عشر يوما.
وقول أكثر أهل العلم: إنه يقصر أبدا ما لم يجمع إقامة (١) .
واختلف أصحاب الشافعي في حكاية مذهبه.
وحكاية البغوي: أنه إذا لم يجمع الإقامة، فزاد مكثه على أربعة أيام وهو عازم على الخروج أتم؛ إلا أن يكون في خوف أو حرب فيقصر.
وقد قصر رسول الله -[ ﷺ ]- عام الفتح
стр. 396
بحرب هوازن تسعة عشر أو ثمانية عشر يوما.
وله قول آخر موافق للجمهور.
قال الماتن: " واعلم أن هذه الثلاثة الأبحاث المذكورة في هذا الباب؛ هي من المعارك التي تتبلد عندها الأذهان، وقد اضطربت فيها المذاهب اضطراباً شديداً، وتباينت فيها الأنظار تباينا زائدا ". انتهى.
( [للمسافر الجمع تقديما أو تأخيرا بأذان وإقامتين] :)
(وله الجمع تقديما وتأخيرا) : وجهه ما ثبت في " الصحيحين " من حديث أنس، قال: " كان النبي -[ ﷺ ]- إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس؛ أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل؛ صلى الظهر ثم ركب.
وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني - وحسنه الترمذي - من حديث معاذ (١) : أن النبي -[ ﷺ ]- كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس؛ أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر؛ يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس؛ صلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار ".
وأخرج أحمد من حديث ابن عباس نحوه؛ وزاد: المغرب والعشاء.
وأخرجه أيضا البيهقي، والدارقطني، وصحح إسناده ابن العربي،
стр. 397
وتُعقِّب بأن في إسناده من لا يحتج بحديثه.
وللحديثين طرق يقوي بعضها بعضا، وليس فيها من المقال ما يبطل الاحتجاج بمجموعها.
ومن الجمع بين المغرب والعشاء: حديث ابن عمر الثابت في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي -[ ﷺ ]- كان إذا جد به السير؛ أخر المغرب حتى يغيب الشفق، ثم يجمع بينها وبين العشاء.
قال ابن القيم: " وكل هذه سنن في غاية الصحة والصراحة ولا معارض لها، فرُدّت بأنها أخبار آحاد وأوقات الصلوات ثابتة بالتواتر، كحديث إمامة جبريل ﵇ للنبي [ ﷺ ] ، وقوله للسائل عن المواقيت، وهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة في تفصيل الأوقات، مجمع عليها بين الأمة، وأحاديث الجمع غير صريحة؛ لجواز أن يكون المراد بها الجمع في الفعل وفي الوقت، فكيف يترك المبين للمجمل؟ !
والجواب أن يقال: الجميع حق، والذي وقت هذه المواقيت وبينها بفعله وقوله؛ هو الذي شرع الجمع بقوله وفعله، فلا يؤخذ ببعض السنة ويترك بعضها؛ فأحاديث الجمع مع أحاديث الأفراد، بمنزلة أحاديث الأعذار والضرورات مع أحاديث الشروط والواجبات، فالسنة يبين بعضها بعضا، لا يرد بعضها ببعض.
ومن تأمل أحاديث الجمع: وجدها كلها صريحة في جمع الوقت، لا في جمع الفعل، وألفاظ السنة الصريحة ترده ".
стр. 398
كذا في " إعلام الموقعين ".
قال في " المسوى ": أكثر أهل العلم على جواز الجمع في السفر بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما.
وقالت الحنفية: لا يجوز، ومعنى الحديث عندهم: أن يؤخر إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها، ويعمل الأخرى في أول وقتها، فيحصل الجمع صورة (١) ، رووا ذلك عن علي، وسعد بن أبي وقاص.
وأما الجمع للحاج فمتفق عليه ". انتهى.
(بأذان وإقامتين) : لثبوت ذلك في " الصحيحين " في جمع مزدلفة.
стр. 399
(١٤ - باب صلاة الكسوفين)
( [صلاة الكسوفين سنة] :)
وهي صلاة الآيات (وهي سنة) .
قال الماتن في " شرحه ": أي: لعدم ورود ما يفيد الوجوب، ومجرد الفعل لا يفيد زيادة على كون المفعول مسنونا. انتهى.
وزاد في " السيل الجرار ": " اعلم أنه قد اجتمع ههنا في صلاة الكسوف الفعل والقول، ومن ذلك قوله [ ﷺ ] : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما كذلك؛ فافزعوا إلى المساجد "، وفي رواية: " فصلوا وادعوا "، والظاهر الوجوب؛ فإن صح ما قيل من وقوع الإجماع على عدم الوجوب؛ كان صارفا؛ وإلا فلا ". انتهى (١) .
قال في " الحجة البالغة ": " قد صح عن النبي [ ﷺ ] أنه صلاها جماعة،
стр. 400
وأمر أن ينادى بها: أن الصلاة جامعة، وجهر بالقراءة، فمن اتبع فقد أحسن، ومن صلى صلاة معتدا بها في الشرع؛ فقد عمل بقوله [ ﷺ ] : " فإذا رأيتم ذلك؛ فادعوا الله، وكبروا، وصلوا، وتصدقوا ". انتهى.
ورجح ابن القيم الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف لحديث عائشة في " صحيح البخاري ": أن رسول الله [ ﷺ ] قرأ قراءة طويلة، يجهر بها في صلاة الكسوف.
وأما قول سمرة: صلى بنا رسول الله [ ﷺ ] في كسوف، ولم نسمع له صوتا.
فقال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة.
( [أصح ما ورد في صفة صلاة الكسوفين] :)
(وأصح ما ورد في صفتها ركعتان؛ في كل ركعة ركوعان) : لثبوت ذلك في " الصحيحين " وغيرهما من حديث عائشة، وابن عمر، وابن عباس
(وورد ثلاثة) ركوعات في ركعة: فثبت ذلك من حديث جابر عند مسلم وغيره.
ومن حديث ابن عباس عند الترمذي - وصححه -.
ومن حديث عائشة عند أحمد، والنسائي.
(و) ورد (أربعة) في كل ركعة؛ لما ثبت في " صحيح مسلم " وغيره من حديث ابن عباس.
стр. 401
(و) ورد (خمسة) ركوعات في كل ركعة؛ أخرجه أبو داود، والحاكم، والبيهقي من حديث أبي بن كعب.
قال ابن القيم: " السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في صلاة الكسوف، تكرار الركوع في كل ركعة؛ لحديث عائشة، وابن عباس، وجابر، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري؛ كلهم روى عن النبي -[ ﷺ ]- تكرار الركوع في الركعة الواحدة، والذين رووا تكرار الركوع أكثر عددا، وأجل، وأخص برسول الله [ ﷺ ] من الذين لم يذكروه ". انتهى.
( [القراءة بين الركوعين] :)
(يقرأ بين كل ركوعين وورد في كل ركعة ركوع) فقط في " صحيح مسلم " من حديث سمرة (١) .
وأخرجه أبو داود، وأحمد، والنسائي، والحاكم، وصححه ابن عبد البر والحاكم من حديث النعمان بن بشير.
стр. 402
وأخرجه أبو داود، والنسائي، والحاكم من حديث قبيصة (١) .
قلت: وأجاب ابن القيم عن هذه الروايات من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن أحاديث تكرار الركوع أصح إسنادا، وأسلم من العلة والاضطراب، ولا سيما حديث عبد الله بن عمرو الذي في " الصحيحين "، وهذا أصح وأصرح من حديث كل ركعة بركوع، فلم يبق إلا حديث سمرة ونعمان؛ وليس منهما شيء في " الصحيح ".
والثاني: أن رواتها من الصحابة أكبر وأكثر، وأحفظ وأجل من سمرة ونعمان بن بشير؛ فلا ترد روايتهم بها.
الثالث: أنها متضمنة لزيادة؛ صح الأخذ بها. انتهى.
وأقول: قد رويت هذه الصلاة من فعله -[ ﷺ ]- على أنواع:
- ركعتين كسائر الصلوات في كل ركعة ركوع واحد.
- وركوعين في كل ركعة.
- وثلاثة وأربعة وخمسة كما تقدم.
والكل سنّة؛ أيها فعل المكلف؛ فقد فعل ما شرع له، واختيار الأصح منها على الصحيح هو دأب الراغبين في الفضائل، العارفين بكيفية الدلائل.
стр. 403
وقد أورد على هذه الروايات المنسوبة إلى فعله -[ ﷺ ]- إشكال، هو: أنه لم يصلها -[ ﷺ ]- غير مرة واحدة، فكيف تشعبت الروايات إلى هذه الصفات.
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة؛ ذكرها الماتن ﵀ في " شرح المنتقى ".
وقد ثبت الجهر بالقراءة وثبت الإسرار، والجهر أصح.
والقيام بهذه السنة جماعة أفضل، وليست الجماعة شرطا فيها؛ لما في الأحاديث الصحيحة بلفظ: " فصلوا "، ولما في حديث قبيصة الهلالي يرفعه: أنه -[ ﷺ ]- قال: " إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة "؛ أخرجه أحمد، والنسائي (١) .
( [ماذا يندب عند الكسوفين ؟] :)
(ونُدب الدعاء والتكبير والتصدق والاستغفار) : لحديث أسماء: " فإذا رأيتم ذلك؛ فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا "؛ وهو في " الصحيحين ".
وفي حديث أبي موسى بلفظ: " فإذا رأيتم شيئا من ذلك؛ فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره "؛ وهو في " الصحيحين " أيضا.
وفي حديث المغيرة: " فإذا رأيتموهما؛ فادعوا الله وصلوا، حتى تنجلي "؛ وهو أيضا في " الصحيحين ".
стр. 404
(١٥ - باب صلاة الاستسقاء)
قال في " الحجة " (١) : " وقد استسقى النبي -[ ﷺ ]- لأمته مرات على أنحاء كثيرة، لكن الوجه الذي سنه لأمته؛ أن خرج بالناس إلى المصلى، متبذلا متواضعا متخشعا متضرعا، فصلى لهم ركعتين جهر بهم فيهما بالقراءة، ثم خطب واستقبل فيها القبلة يدعو، ورفع يديه وحوّل رداءه ". انتهى.
( [متى تسن صلاة الاستسقاء؟ وكم عدد ركعاتها ؟] :)
وهذه الصلاة مسنونة (تسن عند الجدب) : لعدم ورود ما يدل على الوجوب.
(ركعتان بعدهما خطبة) لكونه [ ﷺ ] خرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر ... الحديث بطوله، وفيه الدعاء وتحويل الرداء؛ وهو في " سنن أبي داود ".
وأخرجه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم، وصححه ابن السكن (٢) .
وأخرج أحمد، وابن ماجه (٣) ، وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال:
стр. 405
خرج النبي [ ﷺ ] يوما يستسقي، فصلى بنا ركعتين، بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا الله ، وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه؛ فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن.
وفي الباب أحاديث بمعنى ما ذكر، وهي متضمنة للدعاء برفع الجدب وبنزول المطر، وتحويل الأردية؛ من الإمام وغيره.
وروى سعيد بن منصور في " سننه " (١) : أن عمر استسقى، فلم يزد على الاستغفار.
قال أبو حنيفة: لا تسن الصلاة في الاستسقاء.
وقال الشافعي: ثبت من حديث عبد الله بن زيد، وابن عباس، أنه [ ﷺ ] صلى.
وروي ذلك من حديث جعفر بن محمد: عن النبي [ ﷺ ] ، وأبي بكر، وعمر (٢) .
قال في " إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء ": " الأوجه عندي: أن من دعا ولم يصل؛ فقد أصاب أصل الاستسقاء، وقد فعل ذلك النبي [ ﷺ ] وعمر، ومن صلى ودعا؛ فقد أصاب الأكمل الأفضل؛ فإن الدعاء أرجى في حرمة الصلاة، وقد ثبت عن النبي [ ﷺ ] وعمر ". انتهى.
وقد كان [ ﷺ ] يرفع يديه في الاستسقاء، حتى يُرى بياض إبطيه، وكان الصحابة فمن بعدهم يستسقون بأهل الصلاح، ولا سيما من كان من قرابة النبي
стр. 406
[ ﷺ ] ؛ كما فعل عمر؛ فإنه استسقى بالعباس (١) - رضي الله تعالى عنهما -.
( [ماذا تتضمن الخطبة ؟] :)
(تتضمن الذكر والترغيب في الطاعة، والزجر عن المعصية، ويستكثر الإمام ومن معه من الاستغفار والدعاء برفع الجدب) : لأن روح هذه الصلاة، وأساسها، وعمادها الذي لا تقوم بدونه: هو الاستكثار من الاستغفار قبلها وبعدها، وإخلاص التوبة من الذنوب التي يقارفها الإنسان، والخروج من التبعات والظلامات في الدماء والأموال والأعراض، وذلك غير مختص بفرد من الأفراد، بل يفعله كل أحد، ويشرع للإمام - أو من يقوم مقامه - أن يخطب الناس، ويذكرهم بما يفعلونه من الأسباب الموجبة للرحمة، وقد روي عنه [ ﷺ ] أنه خطب قبل الصلاة وخطب بعدها؛ فالكل سنة.
ومن جملة أدعيته [ ﷺ ] : " اللهم ﴿أغثنا، اللهم﴾ أغثنا "؛ كما في " الصحيحين " من حديث أنس.
ومن أدعيته [ ﷺ ] : " اللهم! اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً (٢) مَريعاً (٣) طبقاً (٤) غدقاً (٥) عاجلاً غير رائث (٦) "، وهذا لفظ ابن ماجه من حديث ابن عباس.
стр. 407
وهذه الألفاظ ثابتة من رواية غيره من الصحابة في غير " سنن ابن ماجه " (١) .
ومنها: " اللهم ﴿أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني، ونحن الفقراء؛ أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين "؛ وهو في " سنن أبي داود " بإسناد صحيح (٢) من حديث عائشة.
ومن دعائه: " اللهم﴾ اسق عبادك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت " (٣) ؛ إلى غير ذلك.
( [ما يصنع المصلون بأرديتهم ؟] :)
(ويحولون جميعا أرديتهم) : لما روي في ذلك - ما تقدم - من جعل الأيمن أيسر والأيسر أيمن.
وروي: أنه قلبه ظهرا لبطن وحول الناس معه؛ أخرجه أحمد (٤) من حديث عبد الله بن زيد؛ وأصله في " الصحيح ".
стр. 408
(الكتاب الثالث: كتاب الجنائز)
стр. 409
(٣ - كتاب الجنائز)
(الفصل الأول: أحكام المحتضر)
( [دليل مشروعية زيارة المريض] :)
(من السنة عيادة المريض) : لأن الأحاديث في مشروعيتها متواترة، وقد جعلها الشارع من حقوق المسلم على المسلم.
ففي " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة، أن رسول الله -[ ﷺ ]- قال: " حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ".
وزاد مسلم: " النصيحة ".
وزاد البخاري من حديث البراء: " نصر المظلوم، وإبرار القسم ".
( [تلقين المحتضر] :)
(وتلقين المحتضر) ؛ وهو في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة.
(الشهادتين) : فوجب أن يحث على الذكر، والتوجه إلى الله - تعالى -؛
стр. 410
لتفارق نفسه وهي في غاشية من الإيمان، فيجد ثمرتها في معاده.
ودليله حديث أبي سعيد الثابت في " الصحيح "، عن النبي [ ﷺ ] ، قال: " لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله ".
وفي الباب أحاديث.
( [توجيه المحتضر للقبلة] :)
(وتوجيهه) (١) إلى القبلة؛ لحديث عبيد بن عمير، عن أبيه، أن رسول الله -[ ﷺ ]- قال - وقد سأله رجل عن الكبائر؟ - فقال: " هن تسع: الشرك، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات، وعقوق الوالدين، واستحلال البيت الحرام: قبلتكم أحياء وأمواتا "؛ أخرجه أبو داود (٢) ، والنسائي، والحاكم.
стр. 411
وقد أخرج البغوي في " الجعديات " (١) من حديث ابن عمر نحوه؛ وفي إسناده أيوب بن عتبة، وهو ضعيف.
وقد استدل بهذا على مشروعية توجيه المريض إلى القبلة ليموت إليها؛ لقوله -[ ﷺ ]-: " قبلتكم أحياء وأمواتا "، وفيه نظر؛ لأن المراد بقوله: " أحياء " عند الصلاة، وبقوله: " أمواتا " في اللحد، والمحتضر حي غير مصل، فلا يتناوله الحديث، وإلا لزم وجوب التوجه إلى القبلة على كل حي، وعدم اختصاصه بحال الصلاة! وهو خلاف الإجماع.
والأوْلى الاستدلال بما رواه الحاكم، والبيهقي، عن أبي قتادة: أن البراء بن معرور أوصى أن يُوجَّه إلى القبلة إذا احتضر، فقال رسول الله -[ ﷺ ]-: " أصاب الفطرة ". (٢)
стр. 412
وقد اختلف في الصفة التي يكون التوجه إلى القبلة عليها، فقيل: يكون مستلقيا ليستقبلها بكل وجهه، وقيل: على جنبه الأيمن؛ وهو الأولى.
أقول: وهو الصفة التي يوجه عليها في قبره، والصفة التي أمر -[ ﷺ ]- النائم أن ينام عليها.
ومن ذلك فعل البتول ﵂ (١) -، ولا وجه لاختيار الاستلقاء، إلا وهم أنه أكمل.
( [تغميض عيني المحتضر إذا مات] :)
(وتغميضه إذا مات) : لحديث شداد بن أوس عند أحمد، وابن ماجة، والحاكم (٢) ، والطبراني، والبزار، قال: قال رسول الله -[ ﷺ ]-: " إذا حضرتم موتاكم؛ فأغمضوا البصر؛ فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرا؛ فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت ".
وأخرج مسلم في " صحيحه ": أن النبي -[ ﷺ ]-
стр. 413
دخل على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: " إن الروح إذا قبض تبعه البصر ".
( [قراءة يس عند المحتضر] :)
(وقراءة يس عليه) : لحديث: " اقرأوا على موتاكم ﴿يس﴾ "؛ أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن حبان - وصححه - من حديث معقل بن يسار مرفوعا؛ وقد أعل (١) .
وقد أخرج نحوه صاحب " مسند الفردوس " من حديث أبي الدرداء، وأبي ذر.
وأخرج نحوه أيضا أبو الشيخ في " فضل القرآن " من حديث أبي ذر وحده (٢) .
قال ابن حبان في " صحيحه ": المراد بقوله: " اقرأوا على موتاكم ﴿يس﴾ ": من حضرته المنية لا الميت، وكذلك: " لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله ".
( [المبادرة بتجهيز الميت] :)
(والمبادرة بتجهيزه إلا لتجويز حياته) : لما أخرجه أبو داود من حديث الحصين بن وحوح (٣) : أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي -[ ﷺ ]-
стр. 414
يعوده، فقال: " إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت؛ فآذنوني به وأعجلوا (١) ؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله ".
وأخرج أحمد، والترمذي (٢) من حديث علي مرفوعا بلفظ: " ثلاث لا يؤخرن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفأ ".
وأما إذا كان يظن أنه لم يمت؛ فلا يحل دفنه حتى يقع القطع بالموت؛ كصاحب البرسام وغيره.
( [المبادرة بقضاء دين الميت] :)
(والقضاء لدينه) : لحديث امتناعه -[ ﷺ ]- من الصلاة على الميت الذي عليه دين، حتى التزم بذلك بعض الصحابة؛ والحديث معروف (٣) ، وحديث: " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه "؛ أخرجه أحمد، وابن ماجة، والترمذي - وحسنه - من حديث أبي هريرة.
( [تسجية الميت] :)
(وتسجيته) : لما وقع من الصحابة من تسجية رسول الله -[ ﷺ ]- عند موته ببرد حبرة، وهو في " الصحيحين " من حديث عائشة.
стр. 415
وذلك لا يكون إلا بجري العادة بذلك في حياته -[ ﷺ ]-.
( [جواز تقبيل الميت] :)
(ويجوز تقبيله) : لتقبيله -[ ﷺ ]- لعثمان بن مظعون وهو ميت، كما في حديث عائشة عند أحمد، وابن ماجة، والترمذي - وصححه -.
وفي " الصحيح " من حديثها، وحديث ابن عباس: أن أبا بكر قبل النبي [ ﷺ ] بعد موته.
( [على المريض أن يحسن الظن بربه] :)
(وعلى المريض أن يحسن الظن بربه) ، والأحاديث في ذلك كثيرة، ولو لم يكن منها إلا حديث النهي عن أن يموت الميت؛ إلا وهو حسن الظن بربه (١) ، وحديث المريض الذي زاره النبي [ ﷺ ] ، فقال: " كيف تجدك؟ " فقال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال: " ما اجتمعا في قلب امريء في مثل هذا الموطن؛ إلا دخل الجنة " (٢) . - أو كما قال -.
( [على المريض أن يتوب من ذنوبه] :)
(ويتوب إليه) ، والآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في ذلك لا يتسع
стр. 416
المقام لبسطها.
وفي " الصحيحين ": " أن الله يفرح بتوبة عبده "، وأن باب التوبة مفتوح لا يغلق.
( [على المريض أن يتخلص مما عليه من حقوق، وأقله بالوصية] :)
(ويتخلص عن كل ما عليه) ، ووجوب ذلك معلوم.
وإذا أمكن - بإرجاع كل شيء لمن هو له؛ من دين أو وديعة أو غصب أو غير ذلك -: فهو الواجب.
وإن لم يكن في الحال: فالوصية المفصلة هي أقل ما يجب.
وورد الأمر بالوصية، وأنه لا يحل لأحد أن يبيت إلا ووصيته عند رأسه؛ كما في الأحاديث الصحيحة.
стр. 417
(٢ - فصل: غسل الميت)
( [وجوب غسل الميت على الأحياء] :)
(ويجب غسل الميت المسلم على الأحياء) ؛ وهو مجمع عليه، كما حكى ذلك النووي، والمهدي في " البحر ".
ومستند هذا الإجماع أحاديث الأمر بالغسل والترغيب فيه، كالأمر منه [ ﷺ ] بغسل الذي وقصته (١) ناقته، وبغسل ابنته زينب؛ وهما في " الصحيح ".
( [القريب أولى بغسل قريبه] :)
(والقريب أولى بالقريب إذا كان من جنسه) : لحديث: " ليليه أقربكم إن كان يعلم، فإن لم يكن يعلم؛ فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة "؛ أخرجه أحمد (٢) ، والطبراني، وفي إسناده جابر الجعفي، والحديث إن كان لا يصلح للاحتجاج به، ولكن للقرابة مزية وزيادة حنو وشفقة، توجب كمال العناية، ولا شك أنها وجه مرجح؛ مع علم القريب بما يحتاج إليه في الغسل.
( [أحد الزوجين أولى بالآخر] :)
(وأحد الزوجين بالآخر) أولى؛ لقوله [ ﷺ ] لعائشة: " ما ضرك لو مت
стр. 418
قبلي فغسلتك وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك؟ ﴿" أخرجه أحمد، وابن ماجة، والدارمي، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وفي إسناده محمد بن إسحاق، ولم ينفرد به؛ فقد تابعه عليه صالح بن كيسان (١) .
وأصل الحديث في " البخاري " (٢) بلفظ: " ذاك لو كان وأنا حي؛ فأستغفر لك وأدعو لك ".
وقالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ ما غسل رسول الله [ ﷺ ] إلا نساؤه "؛ أخرجه أحمد وابن ماجة وأبو داود (٣) .
وقد غسلت الصديق زوجته أسماء - كما تقدم في الغسل لمن غسل ميتا -؛ وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكروه (٤) .
وغسل علي فاطمة؛ كما رواه الشافعي، والدارقطني، وأبو نعيم، والبيهقي بإسناد حسن.
стр. 419
وقد ذهب إلى ذلك الجمهور.
قال في " المسوى ": " اتفقوا على جواز غسل المرأة زوجها، واختلفوا في غسل الزوج امرأته.
قالت الحنفية: لا يجوز، فإن لم يكن إلا الزوج يممها.
وقال الشافعي: يجوز؛ لما مر ".
( [غسل الميت ثلاثا أو خمسا أو أكثر] :)
(ويكون الغسل ثلاثا أو خمسا أو كثر بماء وسدر) (١) : لقوله [ ﷺ ] للنسوة الغاسلات لابنته زينب: " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك - إن رأيتن - بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا "؛ وهو في " الصحيحين " من حديث أم عطية.
وفي لفظ لهما أيضا: " اغسلنها وترا: ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك؛ إن رأيتن ".
وفيه دليل على تفويض عدد الغسلات إلى الغاسل.
قال في " الحجة ": " إنما أمر بالسدر وزيادة الغسلات؛ لأن المريض مظنة الأوساخ والرياح المنتنة ". اه.
(وفي الآخرة كافور) : لقوله [ ﷺ ] : " واجعلن في الآخرة كافورا "، كما
стр. 420
سبق، وإنما أمر بالكافور في الآخرة؛ لأن من خاصيته أن لا يسرع التغير فيما استعمل [فيه] .
ويقال: من فوائده أنه لا يقرب منه حيوان مؤذ.
( [تقديم الميامن في غسل الميت] :)
(وتقدم الميامن) : ليكون غسل الموتى بمنزلة غسل الأحياء، وليحصل إكرام هذه الأعضاء.
ودليله قوله [ ﷺ ] في حديث أم عطية هذا: " ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ".
قال ابن القيم: " السنة الصحيحة الصريحة في ضفر رأس الميت ثلاث ضفائر، كقوله في " الصحيحين " في غسل ابنته: " اجعلوا رأسها ثلاثة قرون "، قالت أم عطية: ضفرنا رأسها وناصيتها وقرنيها، ثلاثة قرون، وألقيناه من خلفها.
فرد ذلك بأنه يشبه زينة الدنيا ﴿وإنما يرسل شعرها شقتين على ثديها﴾ !
وسنة رسول الله [ ﷺ ] أحق بالاتباع. اه.
( [الشهيد لا يغسل] :)
(ولا يغسل الشهيد) : بل يدفن في ثيابه ودمائه؛ تنويها بما فعل، وليتمثل صورة بقاء عمله بادي الرأي، وهذا هو الحق؛ لما ثبت في شهداء أحد أنه
стр. 421
-[ ﷺ ]- أمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، وهو في " الصحيح ".
وما قيل بأن الترك إنما كان لكثرة القتلى وضيق الحال: فمردود بما عند أحمد (١) في هذا الحديث عنه [ ﷺ ] ، أنه قال في قتلى أحد: " لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح أو كل دم؛ يفوح مسكا يوم القيامة ".
وأخرج أبو داود عن جابر، قال: رمي رجل بسهم في صدره - أو في حلقه -، فمات؛ فأدرج في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله [ ﷺ ] ؛ وإسناده على شرط مسلم.
وعن ابن عباس عند أبي داود، وابن ماجة، قال: أمر النبي [ ﷺ ] بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم؛ وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي، وقد تكلم فيه جماعة، وفيه أيضا عطاء بن السائب؛ وفيه مقال (٢) .
وفي الباب أحاديث.
وبالجملة: فقد جرت السنة في الشهيد أن لا يغسل، ولم يرو أنه [[ ﷺ ]] غسل شهيدا؛ وبه قال الجمهور.
وأما من أطلق عليه اسم الشهيد - كالمطعون والمبطون (٣) والنفساء ونحوهم -: فقد حكى في " البحر " الإجماع على أنهم يغسلون.
стр. 422
(٣ - فصل: تكفين الميت)
( [تكفين الميت واجب ولو لم يملك غير الكفن] :)
(ويجب تكفينه) : الأصل في التكفين التشبه بحال النائم المسجى بثوبه.
أكمله في الرجل: إزار وقميص وملحفة أو حلة، وفي المرأة: هذه مع زيادة ما؛ لأنها يناسبها زيادة الستر.
(بما يستره) : لأمره -[ ﷺ ]- بإحسان الكفن؛ كما في حديث: " إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه "؛ وهو في " صحيح مسلم " وغيره من حديث أبي قتادة (١) ، والكفن الذي لا يستر ليس بحسن (٢) .
(ولو لم يملك غيره) ؛ أي: الكفن؛ لأمره -[ ﷺ ]- بتكفين مصعب بن عمير في النمرة (٣) التي لم يترك غيرها؛ كما في
стр. 423
" الصحيحين " وغيرهما من حديث خباب بن الأرت.
( [جواز الزيادة في الكفن مع القدرة من دون مغالاة] :)
(ولا بأس بالزيادة مع التمكن من غير مغالاة) : لما وقع منه -[ ﷺ ]- في كفن ابنته؛ فإنه كان يناول النساء ثوبا ثوبا؛ وهو عند الباب، فناولهن الحقو (١) ، ثم الدرع، ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر؛ أخرجه أحمد (٢) ، وأبو داود من حديث ليلى بنت قائف الثقفية.
وقد كفن -[ ﷺ ]- في ثلاثة اثواب سحولية (٣) جدد يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة؛ أدرج فيها إدراجا "؛ وهو في " الصحيحين ".
وأخرج أبو داود (٤) من حديث علي (٥) : " لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يسلب سريعا ".
стр. 424
أقول: أراد العدل بين الإفراط والتفريط، وأن لا ينتحلوا عادة الجاهلية في المغالاة.
والحاصل: أنه لا ريب في مشروعية الكفن للميت، ولا شك في عدم وجوب زيادة على الواحد، ولم يثبت عنه [ ﷺ ] كون الكفن على صفة من الصفات، أو عدد من الأعداد؛ إلا ما كان منه [ ﷺ ] في تكفين ابنته أم كلثوم.
وهذا الحديث - وإن كان فيه مقال - لكنه لا يخرج به عن حد الاعتبار.
فغاية ما يقال: إنه يستحب أن يكون كفن المرأة على هذه الصفة (١) ، وأما كفن الرجل؛ فلم يثبت عنه إلا الأمر بالتكفين في الثوب الواحد، كما في قتلى أحد، وفي الثوبين؛ كما في المحرم الذي وقصته ناقته.
وليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود؛ فإنه لولا ورود الشرع به: لكان من إضاعة المال؛ لأنه لا ينتفع به الميت، ولا يعود نفعه على الحي، ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال: " إن الحي أحق بالجديد (٢) "؛ لما قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: " إن هذا خلق " (٣) .
стр. 425
والأولى أن يكون الكفن من الأبيض؛ لحديث: " البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والترمذي - وصححه -، والشافعي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وصححه ابن القطان.
وفي معناه أحاديث أخر عن عمران، وسمرة، وأنس، وابن عمر، وأبي الدرداء.
( [الشهيد يكفن في ثيابه التي قتل فيها] :)
(ويكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها) : فقد كان ذلك صنعه -[ ﷺ ]- في الشهداء المقتولين معه.
وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة من حديث ابن عباس، قال: أمر رسول الله -[ ﷺ ]- يوم أحد بالشهداء؛ أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وقال: " ادفنوهم بدمائهم وثيابهم " (١) .
وأخرج أحمد من حديث عبد الله بن ثعلبة: أن النبي -[ ﷺ ]- قال يوم أحد: " زملوهم في ثيابهم " (٢) .
( [تطييب بدن الميت وكفنه سنة] :)
(وندب تطييب بدن الميت وكفنه) : لحديث جابر عند أحمد، والبيهقي (٣) ،