-[ ﷺ ]- أمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، وهو في " الصحيح ".
وما قيل بأن الترك إنما كان لكثرة القتلى وضيق الحال: فمردود بما عند أحمد (١) في هذا الحديث عنه [ ﷺ ] ، أنه قال في قتلى أحد: " لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح أو كل دم؛ يفوح مسكا يوم القيامة ".
وأخرج أبو داود عن جابر، قال: رمي رجل بسهم في صدره - أو في حلقه -، فمات؛ فأدرج في ثيابه كما هو، ونحن مع رسول الله [ ﷺ ] ؛ وإسناده على شرط مسلم.
وعن ابن عباس عند أبي داود، وابن ماجة، قال: أمر النبي [ ﷺ ] بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم؛ وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي، وقد تكلم فيه جماعة، وفيه أيضا عطاء بن السائب؛ وفيه مقال (٢) .
وفي الباب أحاديث.
وبالجملة: فقد جرت السنة في الشهيد أن لا يغسل، ولم يرو أنه [[ ﷺ ]] غسل شهيدا؛ وبه قال الجمهور.
وأما من أطلق عليه اسم الشهيد - كالمطعون والمبطون (٣) والنفساء ونحوهم -: فقد حكى في " البحر " الإجماع على أنهم يغسلون.
стр. 422
(٣ - فصل: تكفين الميت)
( [تكفين الميت واجب ولو لم يملك غير الكفن] :)
(ويجب تكفينه) : الأصل في التكفين التشبه بحال النائم المسجى بثوبه.
أكمله في الرجل: إزار وقميص وملحفة أو حلة، وفي المرأة: هذه مع زيادة ما؛ لأنها يناسبها زيادة الستر.
(بما يستره) : لأمره -[ ﷺ ]- بإحسان الكفن؛ كما في حديث: " إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه "؛ وهو في " صحيح مسلم " وغيره من حديث أبي قتادة (١) ، والكفن الذي لا يستر ليس بحسن (٢) .
(ولو لم يملك غيره) ؛ أي: الكفن؛ لأمره -[ ﷺ ]- بتكفين مصعب بن عمير في النمرة (٣) التي لم يترك غيرها؛ كما في
стр. 423
" الصحيحين " وغيرهما من حديث خباب بن الأرت.
( [جواز الزيادة في الكفن مع القدرة من دون مغالاة] :)
(ولا بأس بالزيادة مع التمكن من غير مغالاة) : لما وقع منه -[ ﷺ ]- في كفن ابنته؛ فإنه كان يناول النساء ثوبا ثوبا؛ وهو عند الباب، فناولهن الحقو (١) ، ثم الدرع، ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر؛ أخرجه أحمد (٢) ، وأبو داود من حديث ليلى بنت قائف الثقفية.
وقد كفن -[ ﷺ ]- في ثلاثة اثواب سحولية (٣) جدد يمانية، ليس فيها قميص ولا عمامة؛ أدرج فيها إدراجا "؛ وهو في " الصحيحين ".
وأخرج أبو داود (٤) من حديث علي (٥) : " لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يسلب سريعا ".
стр. 424
أقول: أراد العدل بين الإفراط والتفريط، وأن لا ينتحلوا عادة الجاهلية في المغالاة.
والحاصل: أنه لا ريب في مشروعية الكفن للميت، ولا شك في عدم وجوب زيادة على الواحد، ولم يثبت عنه [ ﷺ ] كون الكفن على صفة من الصفات، أو عدد من الأعداد؛ إلا ما كان منه [ ﷺ ] في تكفين ابنته أم كلثوم.
وهذا الحديث - وإن كان فيه مقال - لكنه لا يخرج به عن حد الاعتبار.
فغاية ما يقال: إنه يستحب أن يكون كفن المرأة على هذه الصفة (١) ، وأما كفن الرجل؛ فلم يثبت عنه إلا الأمر بالتكفين في الثوب الواحد، كما في قتلى أحد، وفي الثوبين؛ كما في المحرم الذي وقصته ناقته.
وليس تكثير الأكفان والمغالاة في أثمانها بمحمود؛ فإنه لولا ورود الشرع به: لكان من إضاعة المال؛ لأنه لا ينتفع به الميت، ولا يعود نفعه على الحي، ورحم الله أبا بكر الصديق حيث قال: " إن الحي أحق بالجديد (٢) "؛ لما قيل له عند تعيينه لثوب من أثوابه في كفنه: " إن هذا خلق " (٣) .
стр. 425
والأولى أن يكون الكفن من الأبيض؛ لحديث: " البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والترمذي - وصححه -، والشافعي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وصححه ابن القطان.
وفي معناه أحاديث أخر عن عمران، وسمرة، وأنس، وابن عمر، وأبي الدرداء.
( [الشهيد يكفن في ثيابه التي قتل فيها] :)
(ويكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها) : فقد كان ذلك صنعه -[ ﷺ ]- في الشهداء المقتولين معه.
وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة من حديث ابن عباس، قال: أمر رسول الله -[ ﷺ ]- يوم أحد بالشهداء؛ أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وقال: " ادفنوهم بدمائهم وثيابهم " (١) .
وأخرج أحمد من حديث عبد الله بن ثعلبة: أن النبي -[ ﷺ ]- قال يوم أحد: " زملوهم في ثيابهم " (٢) .
( [تطييب بدن الميت وكفنه سنة] :)
(وندب تطييب بدن الميت وكفنه) : لحديث جابر عند أحمد، والبيهقي (٣) ،
стр. 426
والبزار - بإسناد رجاله رجال الصحيح -، قال: " قال رسول الله [ ﷺ ] : " إذا أجمرتم الميت؛ فأجمروه (١) ثلاثا ".
ولقوله [ ﷺ ] في حديث المحرم الذي وقصته ناقته: " ولا تمسوه بطيب "؛ وهو في " الصحيح " من حديث ابن عباس؛ فإن ذلك يشعر أن غير المحرم يطيب، ولا سيما مع تعليله [ ﷺ ] بقوله: " فإنه يبعث ملبيا ".
قال في " الحجة ": " فوجب المصير إليه ".
وإلى هذه النكتة أشار النبي [ ﷺ ] بقوله: " الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها (٢) ".
وأما ما قيل: تتبع بالطيب مساجده ﴿﴾ فلعل وجه ما قاله ابن مسعود ومن بعده، تكريم هذه الأعضاء لكون الاعتماد عليها في أشرف طاعات الله وهي الصلاة، ولم يرد في ذلك من المرفوع شيء، ولكنه يحسن لستر ما لعله يظهر من روائح الميت التي يتأذى بها المتولون لتجهيزه.
стр. 427
(٤ - فصل صلاة الجنازة)
( [الصلاة على الجنازة فرض كفاية] :)
(وتجب الصلاة على الميت) : لأن اجتماع أمة من المؤمنين شافعين للميت؛ له تأثير بليغ في نزول الرحمة عليه.
والصلاة على الأموات ثابتة ثبوتا ضروريا من فعله [ ﷺ ] وفعل أصحابه، ولكنها من واجبات الكفاية؛ لأنهم قد كانوا يصلون على الأموات في حياته [ ﷺ ] ولا يؤذونه (١) ؛ كما في حديث السوداء التي كانت تقم (٢) المسجد، فإنه لم يعلم النبي [ ﷺ ] إلا بعد دفنها، فقال لهم: " ألا آذنتموني؟ ! "؛ وهو في " الصحيح "، وامتنع من الصلاة على من عليه دين، وأمرهم بأن يصلوا عليه.
( [يقف الإمام حذاء رأس الرجل، ووسط المرأة] :)
(ويقوم الإمام حذاء رأس الرجل، ووسط المرأة) : لحديث أنس بن مالك: أنه صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه، فلما رفعت أتي بجنازة امرأة، فصلى عليها، فقام وسطها، فسئل عن ذلك، وقيل له: هكذا كان رسول الله [ ﷺ ] يقوم من الرجل حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، وابن ماجة.
стр. 428
ولفظ أبي داود: " هكذا كان رسول الله [ ﷺ ] يصلي على الجنازة كصلاتك؛ يكبر عليها أربعا، ويقوم عند رأس الرجل، وعجيزة المرأة؟ قال: نعم.
وفي " الصحيحين " من حديث سمرة، قال: صليت وراء رسول الله [ ﷺ ] على امرأة ماتت في نفاسها، فقام عليها رسول الله [ ﷺ ] في الصلاة وسطها ".
والخلاف في المسألة معروف، وهذا هو الحق.
أقول: الثابت عنه [ ﷺ ] ؛ أنه كان يقف مقابلا لرأس الرجل، ولم يثبت عنه غير ذلك.
وأما المرأة؛ فروي أنه كان يقوم مقابلا لوسطها، وروي أنه كان يقوم مقابلا لعجيزتها، ولا منافاة بين الروايتين، فالعجيزة يصدق عليها أنها وسط.
وإيثار ما ثبت عن رسول الله [ ﷺ ] عند أئمة الفن، الذين هم المرجع لغيرهم؛ واجب.
ولم يقل أحد من أهل العلم بترجيح قول أحد من الصحابة - أو من غيرهم - على قول رسول الله [ ﷺ ] وفعله، وهذا مما لا ينبغي أن يخفى.
( [التكبير أربعا أو خمسا على الجنازة] :)
(ويكبر أربعا أو خمسا) : لورود الأدلة بذلك.
أما الأربع فثبتت ثبوتا متواترا من طريق جماعة من الصحابة: أبي
стр. 429
هريرة، وابن عباس، وجابر، وعقبة بن عامر، والبراء بن عازب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود وغيرهم - رضي الله تعالى عنهم -.
وأما الخمس؛ فثبتت في " الصحيح " من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا؛ وإنه كبر على جنازة خمسا، فسألته؟ فقال: كان رسول الله [ ﷺ ] يكبرها "؛ أخرجه مسلم، وأحمد، وأهل " السنن ".
وأخرج أحمد عن حذيفة: أنه صلى على جنازة، فكبر خمسا، ثم التفت، فقال: ما نسيت ولا وهمت، ولكن كبرت كما كبر النبي [ ﷺ ] ، صلى على جنازة فكبر خمسا؛ وفي إسناده يحيى بن عبد الله الجابري؛ وهو ضعيف.
وقد اختلف الصحابة فمن بعدهم في عدد تكبير صلاة الجنازة: فذهب الجمهور إلى أنه أربع، وذهب جماعة من الصحابة فمن بعدهم إلى أنه خمس.
وقال القاضي عياض: اختلفت الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع.
قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع؛ على ما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك عندهم؛ فشذوذ لا يلتفت إليه (١) . اه.
وهذه الدعوى مردودة؛ فالخلاف في ذلك معروف بين الصحابة وإلى
стр. 430
الآن، ولا وجه لعدم العمل بالخمس بعد خروجها من مخرج صحيح مع كونها زيادة غير منافية؛ إلا أن يصح ما رواه ابن عبد البر في " الاستذكار " من طريق أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبيه: كان النبي -[ ﷺ ]- يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وسبعا وثمانيا، حتى جاء موت النجاشي، فخرج فكبر أربعا، ثم ثبت النبي -[ ﷺ ]- على أربع، حتى توفاه الله - تعالى - (١) .
على أن استمراره على الأربع لا ينسخ ما وقع منه [ ﷺ ] من الخمس؛ ما لم يقل قولا يفيد ذلك.
وقد أخرج الطبراني في " الأوسط " (٢) عن جابر مرفوعا: " صلوا على موتاكم بالليل والنهار، والصغير والكبير، والدنيء والأمير؛ أربعا "؛ وفي إسناده عمرو بن هشام البيروتي؛ تفرد به عن ابن لهيعة، وما أحق هذا بأن لا يصح ولا يثبت!
وقد روى البخاري عن علي: أنه كبر على سهل بن حنيف ستا، وقال: إنه شهد بدرا.
وروى سعيد بن منصور عن الحكم بن عتيبة، أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا.
стр. 431
( [بعد التكبيرة الأولى يقرأ الفاتحة وسورة] :)
(ويقرأ بعد التكبيرة الأولى الفاتحة وسورة) : لحديث ابن عباس عند البخاري وأهل " السنن ": أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنه من السنة.
ولفظ النسائي: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر، فلما فرغ قال: سنة وحق.
وروى الشافعي في " مسنده " عن أبي أمامة بن سهل: أنه أخبره رجل من أصحاب النبي -[ ﷺ ]-: أن السنة في الصلاة على الجنازة؛ أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي -[ ﷺ ]-، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات، ولا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرا في نفسه؛ قال في " الفتح ": وإسناده صحيح.
وقد أخرجه عبد الرزاق، والنسائي بدون قوله: بعد التكبيرة، ولا قوله: ثم يسلم سرا في نفسه.
قال في " الحجة ": " ومن السنة قراءة الفاتحة؛ لأنها خير الأدعية وأجمعها، علمها الله - تعالى - عباده في محكم كتابه " أهـ.
والحاصل: أن الموطن موطن دعاء، لا موطن قراءة قرآن، فيتوجه الاقتصار على ما ورد وهو الفاتحة وسورة، ويكون ذلك بعد التكبيرة الأولى، ويشتغل فيما بعدها بمحض الدعاء.
стр. 432
( [الأدعية المأثورة في الصلاة على الميت] :)
(ويدعو بين التكبيرات بالأدعية المأثورة) : منها ما أخرجه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، قال: كان النبي -[ ﷺ ]- إذا صلى على جنازة قال: " اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم ﴿من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان ".
زاد أبو داود، وابن ماجه: " اللهم﴾ لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده ".
وأخرجه أيضا النسائي، وابن حبان، والحاكم، قال: وله شاهد صحيح من حديث عائشة نحوه.
وأخرج هذا الشاهد الترمذي، وأعله بعكرمة بن عمار.
وأخرج مسلم وغيره من حديث عوف بن مالك، قال: سمعت النبي -[ ﷺ ]- يقول: " اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وقه فتنة القبر، وعذاب النار ".
وقد وردت أدعية متنوعة في أحاديث صحيحة؛ هي أولى من الاستحسانات التي ذكرها الفقهاء في كتبهم من عند أنفسهم، فإنهم لم يقصدوا أنها أولى من الثابت عنه [ ﷺ ] ، ولكن فن الرواية هم عنه بمعزل، فضاقت عليهم المسالك؛ وهي واسعة.
стр. 433
قال في " الحجة البالغة ": ومن دعاء النبي [ ﷺ ] على الميت: " اللهم ﴿إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك؛ فقه من فتنة القبر وعذاب النار؛ وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم﴾ اغفر له وارحمه؛ إنك أنت الغفور الرحيم " (١) .
وأما الصلاة على الجنائز في المساجد: فغاية ما استدل به من قال بالكراهة؛ ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " من صلى على جنازة في المسجد؛ فلا شيء عليه " (٢) .
وأخرجه ابن ماجه بلفظ: " فليس له شيء ".
وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأجوبة:
منها: أنه ضعيف؛ كما قاله جماعة من الحفاظ؛ فإن في إسناده صالحاً - مولى التوأمة - (٣) .
ومنها: أن الذي في النسخ المشهورة الصحيحة من " سنن أبي داود " بلفظ: " فلا شيء عليه " كما تقدم.
وعلى فرض ثبوت الرواية باللفظ الآخر؛ فيجب تأويلها؛ لما ثبت من صلاته [ ﷺ ] على ابني بيضاء في المسجد.
стр. 434
بل أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة (١) : أن الصحابة صلوا على أبي بكر وعمر في المسجد.
وأما إنكار من أنكر على عائشة (٢) فلا حجة فيه، ولا سيما وقد انقطع عند أن قامت عليه الحجة.
وأما الصلاة على الجنازة فرادى؛ فأقول: الاستدلال ممن قال باشتراط التجميع فيها بأنه [ ﷺ ] ما صلى على جنازة إلا في جماعة: لا تتم به الحجة؛ لأن الأصل في كل صلاة مشروعة أن تكون كالصلوات الخمس في إجزائها فرادى كما تجزئ جماعة.
ومن زعم غير ذلك فعليه الدليل.
ولو كان فعلها منه [ ﷺ ] في جماعة تقوم به الحجة؛ للزم في صلاة الفرائض الخمس أن لا تصح إلا جماعة؛ لأنه [ ﷺ ] لم يؤدها إلا جماعة.
إذا تقرر هذا: فالاقتصار في الاستدلال لصحة صلاة الجنازة فرادى على ما ذكرناه مغن عن غيره؛ فإن تحقيق إجماع الصحابة على تجويز الصلاة عليه [ ﷺ ] عند موته فرادى (٣) ممنوع؛ لأنهم قد تفرقوا بعض تفرق في تلك الحال، وإن كان الباقون في المدينة جمهورهم وأكابرهم.
ثم لو فرض الإجماع على ذلك: فهو إجماع سكوتي، وانتهاضه
стр. 435
للاحتجاج فيه ما لا يخفى على عارف بالأصول.
ثم هذا مبني على صدور ذلك، ولم يرد إلا بإسناد ضعيف أنهم فعلوا ذلك.
وأما ما يقال: إنه [ ﷺ ] أوصاهم بأن يصلوا عليه فرادى، ففي إسناده عبد المنعم بن إدريس؛ وهو - كما قيل - كذاب، وصرح بعض الحفاظ بأن الحديث موضوع.
( [لا يصلى على الغال] :)
(ولا يصلى على الغال) (١) : لامتناعه [ ﷺ ] في غزاة خيبر من الصلاة على الغال (٢) ؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
стр. 436
( [لا يصلى على قاتل نفسه] :)
(وقاتل نفسه) : لحديث جابر بن سمرة عند مسلم، وأهل " السنن ": أن رجلا قتل نفسه بمشاقص (١) ، فلم يصل عليه النبي [ ﷺ ] .
( [لا يصلى على الكافر] :)
(والكافر) ، وذلك هو المعلوم منه [ ﷺ ] ؛ فإنه لم ينقل عنه أنه صلى على كافر، وقد صرح بذلك القرآن الكريم، قال الله ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره﴾ .
( [لا يصلى على الشهيد] :)
(والشهيد) ، وقد اختلفت الروايات في ذلك، وقد ثبت في " صحيح البخاري " من حديث جابر: أن النبي [ ﷺ ] لم يصل على شهداء أحد.
وأخرجه أيضا أهل " السنن ".
وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم من حديث أنس أنه [ ﷺ ] لم يصل عليهم.
أقول: لا يشك من له أدنى إلمام بفن الحديث؛ أن أحاديث الترك أصح إسنادا وأقوى متنا، حتى قال بعض الأئمة: إنه كان ينبغي لمن عارض أحاديث النفي بأحاديث الإثبات أن يستحي على نفسه، لكن الجهة التي جعلها المجوزون وجه ترجيح وهي الإثبات؛ لا ريب أنها من المرجحات الأصولية؛
стр. 437
إنما الشأن في صلاحية أحاديث الإثبات لمعارضة أحاديث النفي؛ لأن الترجيح فرع المعارضة.
والحاصل: أن أحاديث الإثبات مروية من طرق متعددة؛ لكنها جميعا متكلم عليها.
وقد أطال الماتن الكلام على هذا في " شرح المنتقى "، وسرد الروايات المختلفة واختلاف أهل العلم في ذلك؛ فليرجع إليه؛ فإن هذا المقام من المعارك.
( [يصلى على القبر وعلى الغائب] :)
(ويصلى على القبر وعلى الغائب) : لحديث - أنه -[ ﷺ ]- انتهى إلى قبر رطب، فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعا؛ وهو في " الصحيحين " من حديث ابن عباس.
وكذلك صلاته على قبر السوداء التي كانت تقم المسجد؛ وهو أيضا في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث أبي هريرة.
وصلى على قبر أم سعد، وقد مضى لذلك شهر؛ أخرجه الترمذي (١) .
وصلى على النجاشي هو وأصحابه؛ كما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث جابر، وأبي هريرة، وهو مات في دياره بالحبشة فصلى عليه النبي -[ ﷺ ]- بالمدينة.
стр. 438
والخلاف في الصلاة على القبر والغائب (١) معروف؛ ولم يأت المانع بشيء يُعتد به.
أقول: الأدلة ثابتة في الصلاة على القبر ثبوتا لا يقابله أهل العلم بغير القبول.
أما فيمن لم يصل عليه؛ فالأمر أوضح من أن يخفى، ولا تزال الصلاة مشروعة عليه؛ ما علم الناس أنه لم يصل عليه أحد.
وأما فيمن قد صُلي عليه: فلمثل حديث السوداء المتقدم، ومعلوم أن الميت لا يدفن في عصره [ ﷺ ] بدون صلاة عليه.
وأما المانعون من الصلاة على القبر مطلقا: فأشف ما استدلوا به؛ ما روي عنه [ ﷺ ] في حديث السوداء المذكور، أنه قال: " إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم " (٢) .
قالوا: فهذا يدل على اختصاصه [ ﷺ ] بذلك.
وتُعقِّب بأنه [ ﷺ ] لم ينكر على من صلى معه على القبور، ولو كان خاصا به لأنكر عليهم.
وأجيب عن هذا التعقب؛ بأن الذي يقع بالتبعية لا يصلح للاستدلال به على الفعل أصالة.
стр. 439
وأحسن ما يجاب به عن هذه الزيادة؛ بأنها مدرجة في هذا الحديث، كما بين ذلك جماعة من أصحاب حماد بن زيد (١) .
على أنه يمكن الجواب بأن كون الله ينور القبور بصلاة رسوله [ ﷺ ] عليها لا ينفي مشروعية الصلاة من غيره تأسيا به، لا سيما بعد قوله [ ﷺ ] : " صلوا كما رأيتموني أصلي ".
قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": " رُدت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها "، وهذا حديث صحيح، والذي قاله هو الذي صلى على القبر، فهذا قوله وهذا فعله، ولا يناقض أحدهما الآخر؛ فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر، فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان؛ بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه، فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه؛ فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين.
ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض، وبين كونه في بطنها؛ بخلاف سائر الصلوات؛ فإنها لم تشرع في القبور، ولا إليها؛ لأنها ذريعة إلى اتخاذها مساجد.
وقد لعن رسول الله [ ﷺ ] من فعل ذلك، فأين ما لعن فاعله وحذر منه، وأخبر أن أهله شرار الخلق - كما قال: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة
стр. 440
وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد " - إلى ما فعله [ ﷺ ] مراراً متكررة؟ ! وبالله التوفيق ".
стр. 441
(٥ - المشي بالجنازة)
( [المشي بالجنازة سريعا] :)
(ويكون المشي بالجنازة سريعاً) : لحديث أبي بكرة عند أحمد، والنسائي، وأبي داود، والحاكم، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله [ ﷺ ] ؛ وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا (١) .
وأخرج البخاري في " تاريخه " (٢) ، قال: أسرع النبي [ ﷺ ] ، حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ.
وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " أسرعوا بالجنازة، فإن كانت صالحة؛ قربتموها إلى الخير، وإن كان غير ذلك؛ فشر تضعونه عن رقابكم ".
وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسراع مستحب، وقال ابن حزم بوجوبه (٣) .
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المستحب التوسط؛ لحديث أبي موسى، قال: مرت برسول الله [ ﷺ ] جنازة تمخض مخض الزق، فقال رسول الله
стр. 442
[ ﷺ ] : " عليكم القصد "؛ أخرجه أحمد، وابن ماجة، والبيهقي؛ وفي إسناده ضعف.
وأخرج الترمذي، وأبو داود من حديث ابن مسعود، قال: سألنا رسول الله [ ﷺ ] عن المشي خلف الجنازة؟ فقال: " ما دون الخبب؛ فإن كان خيرا عجلتموه، وإن كان شرا؛ فلا يبعد إلا أهل النار "؛ وفي إسناده مجهول (١) .
ولا يخفاك أن حديث أبي موسى لا يصلح للاحتجاج به، على فرض عدم وجود ما يعارضه، فكيف وقد عارضه ما هو في " الصحيحين " بلفظ الأمر؟ !
وأما حديث ابن مسعود فلا ينافي الإسراع، لأن الخبب هو ضرب من العدو، وما دونه إسراع.
أقول: والحق هو القصد في المشي، فالأحاديث المصرحة بمشروعية الإسراع؛ ليس المراد بها الإفراط في المشي الخارج عن حد الاعتدال، والأحاديث التي فيها الإرشاد إلى القصد؛ ليس المراد بها الإفراط في البطء، فيجمع بين الأحاديث بسلوك طريقة وسطى بين الإفراط والتفريط، يصدق عليها أنه إسراع بالنسبة إلى الإفراط في البطء، وأنها قصد بالنسبة إلى الإفراط في الإسراع، فيكون المشروع دون الخبب، وفوق المشي الذي يفعله من يمشي في غير مهم.
ويدل على ذلك ما أخرجه الترمذي، وأبو داود (٢) عن ابن مسعود، قال: سألنا رسول الله -[ ﷺ ]- عن المشي خلف
стр. 443
الجنازة؟ فقال: ما دون الخبب.
وقد ضعفه جماعة بأبي ماجد المذكور في إسناده، قيل: إنه مجهول، وقيل: منكر الحديث، والراوي عنه يحيى الجابري؛ وهو ضعيف.
وأخرج أحمد، والنسائي، والحاكم عن أبي بكرة، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله -[ ﷺ ]-؛ وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا " (١) ؛ فمعنى: نكاد نرمل؛ أي: نقارب الرمل.
( [المشي مع الجنازة سنة] :)
(والمشي معها) سنة، وهو ظاهر لأنه -[ ﷺ ]- كان يمشي مع الجنائز هو وأصحابه، كما يفيد ذلك الأحاديث المتقدمة في صفة المشي، والأحاديث الآتية في التقدم والتأخر على الجنازة، ولحديث أبي هريرة الثابت في " الصحيح ": " من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا ... " الحديث.
( [حمل الجنازة سنة] :)
(والحمل لها سنة) : لحديث ابن مسعود، قال: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها؛ فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع؛ أخرجه ابن ماجة، وأبو داود الطيالسي، والبيهقي من رواية أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود عنه (٢) .
стр. 444
وفي الباب عن جماعة من الصحابة (١) ، والأحاديث يقوي بعضها بعضا، ولا تقصر عن إفادة مشروعية الحمل.
( [المتقدم على الجنازة والمتأخر عنها سواء] :)
(والمتقدم عليها والمتأخر عنها سواء) : لما ثبت في " صحيح مسلم " وغيره: أن الصحابة كانوا يمشون حول جنازة ابن الدحداح (٢) .
وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -، وابن حبان - وصححه أيضا -، والحاكم - وقال: على شرط البخاري (٣) - من حديث المغيرة: أن النبي -[ ﷺ ]- قال: " الراكب خلف الجنازة، والماشي أمامها؛ قريبا منها؛ عن يمينها أو عن يسارها ".
ولفظ أبي داود: " والماشي يمشي خلفها، وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها قريبا منها ".
وفي لفظ لأحمد، والنسائي، والترمذي: " الراكب خلف الجنازة،
стр. 445
والماشي حيث شاء منها ".
وأخرج أحمد، وأهل " السنن "، والدارقطني، والبيهقي، وابن حبان - وصححه - من حديث ابن عمر: أنه رأى النبي -[ ﷺ ]- وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المشي أمام الجنازة أفضل، وبعضهم إلى أن المشي خلفها أفضل.
أقول: فإذا لم يكن المشي أمام الجنازة أفضل: فأقل الأحوال أن يكون مساويا للمشي خلفها في الفضيلة، ولم يأت حديث صحيح ولا حسن؛ أن المشي خلف الجنازة أفضل، وأقوال الصحابة مختلفة، فالحق أن ذلك سواء.
ولا ينافيه رواية من روى أنه -[ ﷺ ]- مشى أمامها أو خلفها؛ فذلك سواء؛ لأن المشي مع الجنازة إنما يكون أمامها أو خلفها أو في جوانبها، وقد أرشد إلى ذلك النبي -[ ﷺ ]- كما تقدم، فكل مكان من الأمكنة المذكورة هو من جملة ما أرشد إليه.
قال في " الحجة ": " وهل يمشي أمام الجنازة أو خلفها؟ وهل يحملها أربعة أو اثنان؟ وهل يسل من قبل رجليه، أو من القبلة؟
المختار: أن الكل واسع، وأنه قد صح في الكل حديث أو أثر " (١) أه.
( [الركوب مع الجنازة مكروه] :)
(ويكره الركوب) : لحديث ثوبان، قال: خرجنا مع رسول الله -
стр. 446
[ ﷺ ]- فرأى ناسا ركبانا، فقال: " ألا تستحيون؟ إن ملائكة الله على أقدامهم، وأنتم على ظهور الدواب "؛ أخرجه ابن ماجة، والترمذي (١) .
وأخرج أبو داود (٢) من حديث ثوبان - أيضا -: أن رسول الله -[ ﷺ ]- أتي بدابة وهو مع جنازة، فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة، فركب، فقيل له؟ ! فقال: " إن الملائكة كانت تمشي، فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت ".
وقد خرج -[ ﷺ ]- مع جنازة ابن الدحداح ماشيا، ورجع على فرس؛ كما في حديث جابر بن سمرة عند الترمذي - وقال: صحيح -.
ولا يعارض الكراهة ما تقدم من قوله: " الراكب خلف الجنازة؛ لأنه يمكن أن يكون ذلك لبيان الجواز مع الكراهة، أو المراد بأن كون الراكب خلفها
стр. 447
أن يكون بعيدا على وجه لا يكون في صورة من يمشي مع الجنازة.
( [يحرم النعي على الميت] :)
(ويحرم النعي) : لحديث حذيفة عند أحمد، وابن ماجة، والترمذي - وصححه -: أن النبي [ ﷺ ] نهى عن النعي (١) .
وحديث ابن مسعود، عن النبي [ ﷺ ] : " إياكم والنعي؛ فإن النعي عمل الجاهلية "؛ أخرجه الترمذي؛ وفي إسناده أبو حمزة ميمون الأعور، وليس بالقوي.
وفي الباب أحاديث.
والذي في " الصحاح " و " القاموس " و " النهاية " وغيرها من كتب اللغة: أن النعي: الإخبار بموت الميت، فظاهره تحريم ذلك، وإن لم يصحبه ما يستنكر كما كانت تفعله الجاهلية من إرسال من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق.
ولكنه قد ثبت أنه [ ﷺ ] نعى النجاشي للناس في اليوم الذي مات فيه؛ أي: أخبرهم، وأخبر بقتلى مؤتة، وقال في السوداء التي كانت تقم المسجد: " ألا أخبرتموني بموتها؟ ! "؛ فدلت هذه الأحاديث على جواز الإعلام بمجرد الموت؛ لمن يحضر الغسل والتكفين والصلاة، والمنع منه لغير ذلك.
стр. 448
( [تحرم النياحة على الميت] :)
(والنياحة) : لحديث: " من نيح عليه يعذب (١) بما نيح عليه "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث المغيرة.
وعلى النياحة تحمل الأحاديث الواردة في النهي عن البكاء، وأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
وفي " صحيح مسلم " من حديث ابن عمر، عن النبي [ ﷺ ] ، قال: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه ".
وأخرج أحمد، ومسلم من حديث أبي مالك الأشعري: " النائحة - إذا لم تتب قبل موتها - تقام يوم القيامة؛ وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب ".
وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي موسى بلفظ: أنا بريء مما بريء منه رسول الله [ ﷺ ] ؛ فإن رسول الله [ ﷺ ] بريء من الصالقة (٢) ، والحالقة، والشاقة ".
стр. 449
أقول: الأحاديث في هذا الباب قد اختلفت، فمنها ما فيه الإذن بمطلق البكاء، ومنها ما فيه النهي عن مطلق البكاء، ووردت أحاديث مصرحة بالنهي عن النوح، كما تقدم بعض ذلك؛ ولم يأت ما يدل على جوازه.
واختلف الناس في الجمع بين الأحاديث، فالذي يترجح: الجزم بتحريم نفس النوح؛ لأنه أمر زائد على البكاء.
وأما ما لا يستطاع دفعه من دمع العين، وما عجز الطبع عن كتمه من الصوت فلا مانع منه، وعليه تحمل أحاديث الإذن بالبكاء، وفيها ما يرشد إلى هذا؛ فليعلم.
( [يحرم اتباع الجنازة بنار] :)
(واتباعها بنار، وشق الجيب، والدعاء بالويل والثبور) : لحديث أبي بردة، قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت، فقال: لا تتبعوني بمجمر، قالوا: أو سمعت فيه شيئا؟ ! قال: نعم، من رسول الله -[ ﷺ ]-؛ أخرجه ابن ماجة؛ وفي إسناده مجهول (١) .
وقد كان هذا الفعل من أفعال الجاهلية.
وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن مسعود، أن النبي -[ ﷺ ]
стр. 450
قال: " ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ".
( [السنة أن لا يقعد المتبع للجنازة حتى توضع] :)
(ولا يقعد المتبع لها حتى توضع) : لحديث: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها، فمن اتبع؛ فلا يجلس حتى توضع "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي سعيد.
وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة نحوه.
وقد وردت أحاديث صحيحة في القيام للجنازة إذا مرت بمن كان قاعدا، كحديث: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها، حتى تخلفكم أو توضع "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عمر وغيره.
وأخرج مسلم من حديث علي، قال: قام النبي -[ ﷺ ]-؛ يعني: في الجنازة؛ ثم قعد.
وفي رواية من حديثه، قال: كان رسول الله -[ ﷺ ]- أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس؛ رواه أحمد، وابن ماجة، وأبو داود، وابن حبان.
وأخرج أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبزار من حديث عبادة بن الصامت: أن يهوديا قال - لما كان النبي [ ﷺ ] يقوم للجنازة -: هكذا نفعل، فقال النبي [ ﷺ ] : " اجلسوا وخالفوهم "؛ وفي إسناده بشر بن أبي رافع، وليس
стр. 451
بالقوي - كما قال الترمذي -، وقال البزار: تفرد به بشر وهو لين.
فأفاد ما ذكرناه:
( [القيام للجنازة منسوخ] :)
(أن القيام لها) إذا مرت (منسوخ) ، وأما قيام الماشي خلفها حتى توضع على الأرض: فمحكم لم ينسخ (١) .
قال القاضي عياض: ذهب جمع من السلف إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بحديث علي هذا.
أقول: وهذا الحديث - بلفظ: ثم قعد -؛ لا يصلح لنسخ الأحاديث الصحيحة المصرحة بأمره [ ﷺ ] لنا بالقيام، وعلل ذلك بأن الموت فزع، وقام لجنازة، فقيل: إنها جنازة يهودي! فقال: " أليست نفسا؟ " (٢) ؛ فغاية ما يدل عليه قعوده - من بعد - هو أن القيام ليس بواجب عليه، وقد تقرر في الأصول أنه إذا فعل فعلا - لم يظهر منه التأسي به فيه، وكان ذلك مخالفا لما قد أمر به الأمة أو نهاها عنه -؛ فإنه يكون مختصا به، ويبقى حكم الأمر أو النهي للأمة على حاله (٣) .
стр. 452
ولفظ: أمرنا بالجلوس (١) ؛ إن بلغ إلى حد الاعتبار صلح للنسخ، ويؤيده حديث عبادة بن الصامت المتقدم - وفيه ما تقدم -، والمقام عندي من المضايق.
стр. 453
(٦ - فصل: دفن الميت)
( [مواراة الميت ثابت في الشريعة ثبوتا ضروريا] :)
(ويجب دفن الميت) ، أي: مواراة جيفته (في حفرة) قبر؛ بحيث لا تنبشه السباع، و (تمنعه من السباع) ، ولا تخرجه السيول المعتادة.
ولا خلاف في ذلك، وهو ثابت في الشريعة ثبوتا ضروريا.
وقال النبي [ ﷺ ] : " احفروا وأعمقوا وأحسنوا "؛ أخرجه النسائي (١) ، والترمذي - وصححه -.
( [جواز الضرح واللحد، مع أن اللحد أولى] :)
(ولا بأس بالضرح، واللحد أولى) : لأن اللحد أقرب من إكرام الميت، وإهالة التراب على وجهه - من غير ضرورة - سوء أدب.
ودليله حديث: أن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح، وأن أبا طلحة كان يلحد "، وقد أخرجه ابن ماجة (٢) من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف.
стр. 454
وأخرج أحمد، وابن ماجة من حديث أنس، قال: لما توفي رسول الله [ ﷺ ] كان رجل يلحد وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا له "، وإسناده حسن (١) .
فتقريره [ ﷺ ] للرجلين في حياته ٠ هذا يلحد وهذا يضرح -؛ يدل على أن الكل جائز.
وأما أولوية اللحد: فلحديث ابن عباس، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : اللحد لنا والشق لغيرنا "؛ أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، وقد حسنه الترمذي، وصححه ابن السكن؛ مع أن في إسناده عبد الأعلى بن عامر؛ وهو ضعيف.
وأخرج أحمد، والبزار، وابن ماجة من حديث جرير نحوه، وفيه عثمان ابن عمير؛ وهو ضعيف (٢) .
وقد ذهب إلى ذلك الأكثر.
وحكى النووي في " شرح مسلم " (٣) اتفاق العلماء على جواز اللحد والشق.
وعلى كل حال: اللحد أولى للخروج من الريبة، وإن كان المقام مقام احتمال.
стр. 455
( [كيف يدخل الميت في قبره ؟] :)
(ويدخل الميت من مؤخر القبر) : لحديث عبد الله بن يزيد: أنه أدخل ميتا من قبل رجلي القبر، وقال: هذا من السنة؛ أخرجه أبو داود (١)
وأخرج ابن ماجة (٢) من حديث أبي رافع، قال: سل رسول الله [ ﷺ ] سعد بن معاذ سلا.
وقد روى الشافعي من حديث ابن عباس، وأبو بكر النجاد (٣) من حديث ابن عمر: أن النبي [ ﷺ ] سل من قبل رأسه سلا.
وقد روى البيهقي من حديث ابن عباس، وابن مسعود، وبريدة: أنهم أدخلوا النبي [ ﷺ ] من جهة القبلة (٤) ؛ وقد ضعفها البيهقي.
ولا يعارض السنة ما وقع من بعض الصحابة عند دفنه [ ﷺ ]
( [كيف يوضع الميت في قبره ؟] :)
(ويوضع على جنبه الأيمن مستقبلا) ؛ وهو مما لا أعلم فيه خلافا.
стр. 456
( [يستحب لكل حاضر الحثو ثلاثا] :)
(ويستحب حثو التراب من كل من حضر ثلاث حثيات) : لحديث أبي هريرة: أن النبي [ ﷺ ] صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت، فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا؛ أخرجه ابن ماجة، وأبو داود؛ وإسناده صحيح، لا كما قال أبو حاتم (١) ﴿
وأخرج البزار، والدارقطني من حديث عامر بن ربيعة: أن النبي [ ﷺ ] حثى على قبر عثمان بن مظعون - ثلاثا - (٢) .
وفي الباب غير ذلك.
( [لا يرفع القبر زيادة على شبر] :)
(ولا يرفع القبر زيادة على شبر) : لحديث علي عند مسلم، وأحمد، وأهل " السنن ": أنه بعثه رسول الله [ ﷺ ] على أن لا يدع تمثالا إلا طمسه، ولا قبرا مشرفا إلا سواه.
وفي " مسلم " - أيضا - وغيره - من حديث جابر: أن النبي [ ﷺ ] نهى أن يبنى على القبر.
وأخرج سعيد بن منصور، والبيهقي من حديث جعفر بن محمد، عن
стр. 457
أبيه: أن رسول الله [ ﷺ ] رش على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء، ورفعه شبرا (١) .
أقول: الأحاديث الصحيحة وردت بالنهي عن رفع القبور، وقد ثبت من حديث أبي الهياج ما تقدم، فما صدق عليه أنه قبر مرفوع أو مشرف - لغة -: فهو من منكرات الشريعة التي يجب على المسلمين إنكارها وتسويتها؛ من غير فرق بين نبي وغير نبي، وصالح وطالح، فقد مات جماعة من أكابر الصحابة في عصره [ ﷺ ] ، ولم يرفع قبورهم، بل أمر عليا بتسوية المشرف منها، ومات -[ ﷺ ]- ولم يرفع قبره أصحابه، وكان من آخر قوله: " لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "، ونهى أن يتخذوا قبره وثنا.
فما أحق الصلحاء والعلماء أن يكون شعارهم هو الشعار الذي أرشدهم إليه -[ ﷺ ]-!
وتخصيصهم بهذه البدعة المنهي عنها؛ تخصيص لهم بما لا يناسب العلم والفضل؛ فإنهم لو تكلموا لضجوا من اتخاذ الأبنية على قبورهم وزخرفتها؛
стр. 458
لأنهم لا يرضون بأن يكون لهم شعار من مبتدعات الدين ومنهياته، فإن رضوا بذلك في الحياة - كمن يوصي من بعده أن يجعل على قبره بناء، أو يزخرفه -؛ فهو غير فاضل، والعالم يزجره علمه عن أن يكون على قبره ما هو مخالف لهدي نبيه -[ ﷺ ]-.
فما أقبح ما ابتدعه جهلة المسلمين من زخرفة القبور وتشييدها ﴿وما أسرع ما خالفوا وصية رسول الله [ ﷺ ] عند موته، فجعلوا قبره على هذه الصفة التي هو عليها الآن﴾
وقد شد من عضد هذه البدعة؛ ما وقع من بعض الفقهاء من تسويغها لأهل الفضل، حتى دونوها في كتب الهداية، والله المستعان ﴿
ومثل هذا التسويغ: الكتب على القبور بعد ورود صريح النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة (١) ؛ كأنه لم يكف الناس ابتداعهم في مطعمهم ومشربهم وملبوسهم وسائر أمور دنياهم، فجعلوا على قبورهم شيئا من هذه البدع؛ لتنادي عليهم بما كانوا عليه حال الحياة، وتغالوا في ذلك حتى جعلوه مختصا بأهل العلم والفضل؛ اللهم غفرا﴾
стр. 459
وما جعلوه وجها لرفع القبور - وهو تمييزها لأجل الزيارة -: فهذا ممكن بوضع حجر على القبر، أو بوضع قضيب، أو نحو ذلك، لا بتشييد الأبنية، ورفع الحيطان والقبب، وتزويق الظاهر والباطن.
( [زيارة القبور مشروعة للرجال والنساء] :)
(والزيارة للموتى مشروعة) ، أي: زيارة القبور؛ لحديث: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه؛ فزوروها فإنها تذكر الآخرة "، أخرجه الترمذي - وصححه -؛ وهو في " صحيح مسلم ".
وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة بنحو ذلك.
وفي الباب أحاديث.
وقد قيل باختصاص ذلك بالرجال؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي [ ﷺ ] لعن زوارات القبور؛ أخرجه أحمد، وابن ماجة، والترمذي - وصححه -، وابن حبان في " صحيحه ".
وفي الباب عن حسان بن ثابت عند أحمد، وابن ماجة، والحاكم.
وعن ابن عباس عند أحمد، وأهل " السنن "، والحاكم، والبزار؛ بإسناد فيه صالح - مولى التوأمة -؛ وهو ضعيف.
وقد وردت أحاديث في نهي النساء عن اتباع الجنائز، وهي تقوي المنع من الزيارة.
стр. 460
وروى الأثرم في " سننه "، والحاكم (١) من حديث عائشة: أن النبي [ ﷺ ] رخص لهن في زيارة القبور.
وأخرج ابن ماجة عنها مختصرا: أن النبي [ ﷺ ] رخص في زيارة القبور.
فيمكن أنها أرادت الترخيص الواقع في قوله [ ﷺ ] : " فزوروها "؛ كما سبق، فلا يكون في ذلك حجة؛ لأن الترخيص العام لا يعارض النهي الخاص.
لكنه يؤيد ما روته عائشة: ما في " صحيح مسلم " عنها، أنها قالت: يا رسول الله ﴿كيف أقول إذا زرت القبور؟ قال: " قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين ... " الحديث.
وروى الحاكم: أن فاطمة - رضي الله تعالى عنها - كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة (٢) .
ويجمع بين الأدلة: بأن المنع لمن كانت تفعل في الزيارة ما لا يجوز من نوح ونحوه، والإذن لمن لم تفعل ذلك.