( [يستحب لكل حاضر الحثو ثلاثا] :)
(ويستحب حثو التراب من كل من حضر ثلاث حثيات) : لحديث أبي هريرة: أن النبي [ ﷺ ] صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت، فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا؛ أخرجه ابن ماجة، وأبو داود؛ وإسناده صحيح، لا كما قال أبو حاتم (١) ﴿
وأخرج البزار، والدارقطني من حديث عامر بن ربيعة: أن النبي [ ﷺ ] حثى على قبر عثمان بن مظعون - ثلاثا - (٢) .
وفي الباب غير ذلك.
( [لا يرفع القبر زيادة على شبر] :)
(ولا يرفع القبر زيادة على شبر) : لحديث علي عند مسلم، وأحمد، وأهل " السنن ": أنه بعثه رسول الله [ ﷺ ] على أن لا يدع تمثالا إلا طمسه، ولا قبرا مشرفا إلا سواه.
وفي " مسلم " - أيضا - وغيره - من حديث جابر: أن النبي [ ﷺ ] نهى أن يبنى على القبر.
وأخرج سعيد بن منصور، والبيهقي من حديث جعفر بن محمد، عن
стр. 457
أبيه: أن رسول الله [ ﷺ ] رش على قبر ابنه إبراهيم، ووضع عليه حصباء، ورفعه شبرا (١) .
أقول: الأحاديث الصحيحة وردت بالنهي عن رفع القبور، وقد ثبت من حديث أبي الهياج ما تقدم، فما صدق عليه أنه قبر مرفوع أو مشرف - لغة -: فهو من منكرات الشريعة التي يجب على المسلمين إنكارها وتسويتها؛ من غير فرق بين نبي وغير نبي، وصالح وطالح، فقد مات جماعة من أكابر الصحابة في عصره [ ﷺ ] ، ولم يرفع قبورهم، بل أمر عليا بتسوية المشرف منها، ومات -[ ﷺ ]- ولم يرفع قبره أصحابه، وكان من آخر قوله: " لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "، ونهى أن يتخذوا قبره وثنا.
فما أحق الصلحاء والعلماء أن يكون شعارهم هو الشعار الذي أرشدهم إليه -[ ﷺ ]-!
وتخصيصهم بهذه البدعة المنهي عنها؛ تخصيص لهم بما لا يناسب العلم والفضل؛ فإنهم لو تكلموا لضجوا من اتخاذ الأبنية على قبورهم وزخرفتها؛
стр. 458
لأنهم لا يرضون بأن يكون لهم شعار من مبتدعات الدين ومنهياته، فإن رضوا بذلك في الحياة - كمن يوصي من بعده أن يجعل على قبره بناء، أو يزخرفه -؛ فهو غير فاضل، والعالم يزجره علمه عن أن يكون على قبره ما هو مخالف لهدي نبيه -[ ﷺ ]-.
فما أقبح ما ابتدعه جهلة المسلمين من زخرفة القبور وتشييدها ﴿وما أسرع ما خالفوا وصية رسول الله [ ﷺ ] عند موته، فجعلوا قبره على هذه الصفة التي هو عليها الآن﴾
وقد شد من عضد هذه البدعة؛ ما وقع من بعض الفقهاء من تسويغها لأهل الفضل، حتى دونوها في كتب الهداية، والله المستعان ﴿
ومثل هذا التسويغ: الكتب على القبور بعد ورود صريح النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة (١) ؛ كأنه لم يكف الناس ابتداعهم في مطعمهم ومشربهم وملبوسهم وسائر أمور دنياهم، فجعلوا على قبورهم شيئا من هذه البدع؛ لتنادي عليهم بما كانوا عليه حال الحياة، وتغالوا في ذلك حتى جعلوه مختصا بأهل العلم والفضل؛ اللهم غفرا﴾
стр. 459
وما جعلوه وجها لرفع القبور - وهو تمييزها لأجل الزيارة -: فهذا ممكن بوضع حجر على القبر، أو بوضع قضيب، أو نحو ذلك، لا بتشييد الأبنية، ورفع الحيطان والقبب، وتزويق الظاهر والباطن.
( [زيارة القبور مشروعة للرجال والنساء] :)
(والزيارة للموتى مشروعة) ، أي: زيارة القبور؛ لحديث: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه؛ فزوروها فإنها تذكر الآخرة "، أخرجه الترمذي - وصححه -؛ وهو في " صحيح مسلم ".
وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة بنحو ذلك.
وفي الباب أحاديث.
وقد قيل باختصاص ذلك بالرجال؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي [ ﷺ ] لعن زوارات القبور؛ أخرجه أحمد، وابن ماجة، والترمذي - وصححه -، وابن حبان في " صحيحه ".
وفي الباب عن حسان بن ثابت عند أحمد، وابن ماجة، والحاكم.
وعن ابن عباس عند أحمد، وأهل " السنن "، والحاكم، والبزار؛ بإسناد فيه صالح - مولى التوأمة -؛ وهو ضعيف.
وقد وردت أحاديث في نهي النساء عن اتباع الجنائز، وهي تقوي المنع من الزيارة.
стр. 460
وروى الأثرم في " سننه "، والحاكم (١) من حديث عائشة: أن النبي [ ﷺ ] رخص لهن في زيارة القبور.
وأخرج ابن ماجة عنها مختصرا: أن النبي [ ﷺ ] رخص في زيارة القبور.
فيمكن أنها أرادت الترخيص الواقع في قوله [ ﷺ ] : " فزوروها "؛ كما سبق، فلا يكون في ذلك حجة؛ لأن الترخيص العام لا يعارض النهي الخاص.
لكنه يؤيد ما روته عائشة: ما في " صحيح مسلم " عنها، أنها قالت: يا رسول الله ﴿كيف أقول إذا زرت القبور؟ قال: " قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين ... " الحديث.
وروى الحاكم: أن فاطمة - رضي الله تعالى عنها - كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة (٢) .
ويجمع بين الأدلة: بأن المنع لمن كانت تفعل في الزيارة ما لا يجوز من نوح ونحوه، والإذن لمن لم تفعل ذلك.
стр. 461
أقول: استدلوا للجواز بأحاديث الإذن العام بالزيارة، وغير خاف على عارف بالأصول؛ أن الأحاديث الواردة في النهي للنساء عن الزيارة، والتشديد في ذلك، حتى لعن [ ﷺ ] من فعلت ذلك؛ بل وردت أحاديث صحيحة في نهيهن عن اتباع الجنائز (١) ، فزيارة القبور ممنوعة منهن بالأولى، وشدد في ذلك حتى قال للبتول ﵂: " لو بلغت معهم - يعني: أهل الميت - الكدى؛ ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك " (٢) ؛ فهذه الأحاديث مخصصة لأحاديث الإذن العام بالزيارة.
لكنه يشكل على ذلك أحاديث أخر:
منها: حديث عائشة المتقدم: أن النبي [ ﷺ ] علمها كيف تقول إذا زارت القبور (٣) .
ومنها: ما أخرجه البخاري: أن النبي [ ﷺ ] مر بامرأة تبكي على قبر، ولم ينكر عليها الزيارة.
стр. 462
قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث؛ إنما هو للمكثرات من الزيارة؛ لما تقتضيه الصيغة من المبالغة - يعني: لفظ " زوارات " -.
قال: ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج.
( [كيف يقف الزائر للقبور ؟] :)
(ويقف الزائر مستقبلا للقبلة) : لحديث: أنه جلس رسول الله [ ﷺ ] مستقبل القبلة لما خرج إلى المقبرة؛ أخرجه أبو داود (١) من حديث البراء، وهو [ ﷺ ] خرج في هذا الحديث مع جنازة؛ فأفاد مشروعية قعود من خرج مع الجنازة مستقبلا حتى يدفن، وكذلك مشروعية الاستقبال للزائر؛ لكونه قد خرج إلى المقبرة كما يخرج من معه جنازة، وقعد كما يقعد.
( [ماذا يقول الزائر للقبور ؟] :)
وقد كان [ ﷺ ] يقول عند الزيارة: " السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين ﴿وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية "؛ فينبغي للزائر أن يقول كذلك.
وقال في " الحجة ": وفي رواية " السلام عليكم يا أهل القبور﴾ يغفر الله لنا ولكم، وأنتم سلفنا ونحن بالأثر (٢) "؛ والله - تعالى - أعلم.
стр. 463
( [يحرم اتخاذ القبور مساجد] :)
(ويحرم اتخاذ القبور مساجد) ، الأحاديث في ذلك كثيرة ثابتة في " الصحيحين " وغيرهما، ولها ألفاظ منها:
" لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".
وفي لفظ: " قاتل الله اليهود ... " الحديث.
وفي لفظ: " لا تتخذوا قبري مسجدا ".
وفي آخر: " لا تتخذوا قبري وثنا ".
واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها. (١)
وفي " مسلم ": " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها، ولا عليها " (٢) .
قال البيضاوي: " وأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه، لا لتعظيم له، ولا لتوجه نحوه: فلا يدخل في ذلك الوعيد " ﴿انتهى.
وتعقبه في " سبل السلام " وقال: قوله: لا لتعظيم له﴾ يقال: اتخاذ
стр. 464
المسجد بقربه، وقصد التبرك به تعظيم له، ثم أحاديث النهي مطلقة، ولا دليل على التعليل بما ذكر، والظاهر أن العلة سد الذريعة، والبعد عن التشبه بعبدة الأوثان التي تعظم الجمادات التي لا تسمع، ولا تنفع، ولا تضر، ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية، ولأنه سبب لإيقاد السرج عليها، الملعون فاعله، ومفاسد ما بني على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر.
وقد أخرج أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة عن ابن عباس: لعن رسول الله -[ ﷺ ] زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج (١) "؛ وقد حققنا ذلك في رسالة مستقلة. انتهى.
( [يحرم زخرفة القبور] :)
(وزخرفتها) : لحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله -[ ﷺ ]-: " ما أمرت بتشييد المساجد "؛ أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان.
قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى (٢) .
والتشييد: رفع البناء وتزيينه بالشيد، وهو الجص، والحديث ظاهر في الكراهة، أو التحريم؛ لقول ابن عباس: كما زخرفت اليهود والنصارى؛ فإن التشبه بهم محرم؛ وذلك أنه ليس المقصود من بناء المساجد إلا أن تكن الناس
стр. 465
من الحر والبرد، وتزيينه يشغل القلوب عن الإقبال على الطاعة، ويذهب الخشوع الذي هو روح جسم العبادة، والقول بأنه يجوز تزيين المحراب باطل!
قال المهدي في " البحر ": إن تزيين الحرمين لم يكن برأي ذي حل وعقد ولا سكوت رضا - أي: من العلماء -؛ وإنما فعله أهل الدول الجبابرة، من غير مؤاذنة لأحد من أهل الفضل، وسكت المسلمون والعلماء من غير رضا.
وهو كلام حسن.
وفي قوله -[ ﷺ ]-: " ما أمرت ": إشعار بأنه لا يحسن؛ فإنه لو كان حسنا لأمره الله - تعالى - به -[ ﷺ ]-.
وأخرج البخاري من حديث ابن عمر: أن مسجده -[ ﷺ ]- كان على عهده مبنيا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد رسول الله -[ ﷺ ]- باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جدرانه بالأحجار المنقشة، والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج.
قال ابن بطال: وهذا يدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تحسينه، فقد كان عمر - رضي الله تعالى عنه - مع كثرة الفتوحات في أيامه، وكثرة المال عنده؛ لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده؛ لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه، ثم قال عند عمارته: أكن
стр. 466
الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، ثم كان عثمان المال في زمنه أكثر، فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك أنكر بعض الصحابة عليه.
وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك، وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك؛ خوفا من الفتنة؛ فتأمل.
( [يحرم تسريج القبور] :)
(وتسريجها) : لحديث: " لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وحسنه -، وفي إسناده أبو صالح باذام، وفيه مقال. (١)
وأخرج أحمد، ومسلم، وأهل " السنن " عن جابر، قال: نهى النبي -[ ﷺ ]- أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه.
وزاد الترمذي: وأن يكتب عليه، وأن يوطأ - وصححه -.
وأخرج النهي عن الكتابة - أيضا - النسائي.
وقال الحاكم: إن الكتابة - وإن لم يخرجها مسلم -: فهي على شرطه.
( [يحرم القعود على القبور] :)
(والقعود عليها) : لما أخرجه مسلم، وأحمد، وأهل " السنن " من حديث
стр. 467
أبي هريرة، (١) قال: " لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده: خير له من أن يجلس على قبر ". (٢)
وأخرج أحمد بإسناد صحيح، (٣) عن عمرو بن حزم، قال: رآني رسول الله -[ ﷺ ]- متكئا على قبر، فقال: " لا تؤذ صاحب هذا القبر ".
قال في " الحجة البالغة ": ومعنى: أن لا يقعد عليه؛ قيل: أن يلازمه المزورون، وقيل: أن يطأوا القبور، وعلى هذا؛ فالمعنى إكرام الميت، فالحق التوسط بين التعظيم الذي يقارب الشرك، وبين الإهانة وترك الموالاة به.
( [يحرم سب الأموات] :)
(وسب الأموات) : لقوله [ ﷺ ] : " لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا "؛ أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة.
وأخرج أحمد، والنسائي من حديث ابن عباس: " لا تسبوا أمواتنا؛ فتؤذوا أحياءنا "؛ وفي إسناده صالح بن نبهان؛ وهو ضعيف، ولكنه يشهد له ما ورد بمعناه من حديث سهل بن سعد، والمغيرة (٣) .
стр. 468
أقول: أما السباب للأموات من الشافعين لهم، القائمين بالصلاة عليهم: فما لهذا حمل الحاملون الجنازة إليهم؛ فإذا كان لا يستجيز الدعاء للميت، كمن يكون - مثلا - معلوم النفاق؛ فيدعو المصلي لنفسه، ولسائر المسلمين إذا ألجأته الضرورة إلى الصلاة عليه، و " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "؛ و " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "، طوبى لمن شغلته عيوبه عن عيوب الناس (١) .
قال بعض المقصرين لرجل من أهل العلم: ألا تلعن فلانا؟ ﴿قال: وهل تعبدنا الله بذلك؟﴾ قال: نعم، قال: فمتى عهدك بلعن الشيطان وفرعون؛ فإنهما من رؤوس هذه الطائفة التي زعمت أن الله تعبدك بلعنها؟ قال: لا أدري ﴿قال: لقد فرطت فيما تعبدك الله به، وتركت ما هو أحق بما تفعل﴾ فعرف ذلك المقصر خطأه (٢) .
( [التعزية مشروعة بألفاظ مأثورة] :)
(والتعزية مشروعة) : لحديث: " من عزى مصابا فله مثل أجره "، أخرجه ابن ماجة، والترمذي، والحاكم من حديث ابن مسعود، وقد أنكر هذا الحديث على علي بن عاصم (٣) .
стр. 469
وأخرج ابن ماجة من حديث عمرو بن حزم، عن النبي -[ ﷺ ]- قال: " ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة؛ إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة "؛ ورجال إسناده ثقات (١) .
وأخرج الشافعي من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، قال: لما توفي رسول الله -[ ﷺ ]- وجاءت التعزية؛ سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا؛ فإن المصاب من حرم الثواب "؛ وفي إسناده القاسم بن عبيد الله بن عمرو؛ وهو متروك (٢) .
وأخرج البخاري، ومسلم من حديث أسامة بن زيد، قال: كنا عند النبي [ ﷺ ] ، فأرسلت إليه إحدى بناته؛ تدعوه وتخبره أن صبيا لها - أو ابنا لها - في الموت، فقال للرسول: " ارجع إليها، فأخبرها أن لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب ".
فينبغي التعزية بهذه الألفاظ الثابتة في " الصحيح "، ولا يعدل عنها إلى
стр. 470
غيرها (١) .
( [إهداء الطعام لأهل الميت مشروع] :)
(وكذلك إهداء الطعام لأهل الميت) : لحديث عبد الله بن جعفر، قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل؛ قال النبي [ ﷺ ] : " اصنعوا لآل جعفر طعاما؛ فقد أتاهم ما يشغلهم "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وصححه ابن السكن، وحسنه الترمذي. (٢)
وأخرج نحوه أحمد، والطبراني، وابن ماجة من حديث أسماء بنت عميس - أم عبد الله بن جعفر -.
وأخرج أحمد، وابن ماجة بإسناد صحيح (٣) من حديث جرير، قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة.
ولا يعارض هذا ما قد ثبت (٤) عن النبي -[ ﷺ ] وشرف وكرم -.
стр. 471
(الكتاب الرابع: كتاب الزكاة)
стр. 472
(٤ - كتاب الزكاة)
( [الزكاة ركن من أركان الإسلام] :)
وهي فريضة من فرائض الدين، وركن من أركانه، وضروري من ضرورياته؛ ولكنها لا تجب إلا فيما أوجب فيه الشارع الزكاة من الأموال، وبينه للناس؛ فإن ذلك هو بيان لمثل قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ و ﴿آتوا الزكاة﴾ ، كما بين للناس قوله - تعالى -: ﴿أقيموا الصلاة﴾ ما شرعه الله - تعالى - من الصلوات التي بينها رسول الله [ ﷺ ] للناس.
قال الماتن: وقد توسع كثير من أهل العلم في إيجاب الزكاة في أموال لم يوجب الله الزكاة فيها، بل صرح النبي -[ ﷺ ]- في بعض الأموال بعدم الوجوب، كقوله: " ليس على المرء في عبده ولا فرسه صدقة ... " (١) .
وقد كان للصحابة أموال وجواهر، وتجارات وخضراوات، ولم يأمرهم -[ ﷺ ]- بتزكية ذلك، ولا طلبها منهم، ولو كانت واجبة في شيء من ذلك؛ لبين للناس ما نزل إليهم، فقد أوردنا في هذا المختصر ما تجب فيه، وأشرنا إلى أشياء من الأموال التي لا زكاة فيها، مما قد جعله بعض أهل العلم من الأموال التي تجب فيها الزكاة؛ كما ستسمع ذلك. ا. هـ
стр. 473
(تجب في الأموال التي ستأتي) - ببيانها عن قريب -.
واجتمعت الأمة على أن منع الزكاة كبيرة.
قال في " العالمكيرية ": " هي فريضة محكمة، يكفر جاحدها، ويقتل مانعها ".
قال مالك: الأمر عندنا: أن كل من منع فريضة من فرائض الله - تعالى -، فلم يستطع المسلمون أخذها: كان حقا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه، وبلغه (١) أن أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - قال: " لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه "؛ كذا في " المسوى ".
( [تجب الزكاة على المالك المكلف] :)
(إذا كان المالك مكلفا) : اعلم أن هذه المقالة قد ينبو عنها ذهن من يسمعها؛ فإذا راجع الإنصاف، ووقف حيث أوقفه الحق؛ علم أن هذا هو الحق.
وبيانه أن الزكاة هي أحد أركان الإسلام، ودعائمه وقوائمه، ولا خلاف أنه لا يجب شيء من الأربعة الأركان - التي الزكاة خامستها - على غير مكلف، فإيجاب الزكاة عليه؛ إن كان بدليل: فما هو؟ ! فما جاء عن الشارع في هذا شيء مما تقوم به الحجة.
كما يروى عن النبي -[ ﷺ ]-: أنه أمر
стр. 474
بالاتجار في أموال الأيتام؛ لئلا تأكلها الزكاة، فلم يصح ذلك في شيء مرفوعا إلى النبي [ ﷺ ] ؛ فليس مما تقوم به الحجة (١) .
( [اختلاف الصحابة بوجوب الزكاة في مال اليتيم] :)
وأما ما روي عن بعض الصحابة: فلا حجة فيه أيضا، وقد عورض بمثله؛ كما روى البيهقي (٢) عن ابن مسعود قال: من ولي مال يتيم، فليحص عليه السنين، فإذا رفع إليه ماله؛ أخبره بما فيه من الزكاة؛ فإن شاء زكى، وإن شاء ترك.
وروي نحو ذلك عن ابن عباس.
وإن قال قائل: إن الخطاب في الزكاة عام، كقوله: ﴿خذ من أموالهم﴾ ، ونحوه: فذلك ممنوع، وليس الخطاب في ذلك إلا لمن يصلح له الخطاب، وهم المكلفون، وأيضا؛ بقية الأركان - بل وسائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمكلف -: الخطابات بها عامة للناس، والصبي من جملة الناس، فلو كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغا لإيجابها على غير المكلفين؛ لكان العموم في غيرها كذلك، وأنه باطل بالإجماع، وما استلزم الباطل باطل.
مع أن تمام الآية - أعني: قوله - تعالى -: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ يدل على عدم وجوبها على الصبي؛ وهو قوله: ﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾ ؛ فإنه لا معنى لتطهير الصبي والمجنون، ولا لتزكيته، فما جعلوه مخصصا لغير المكلفين
стр. 475
في سائر الأركان الأربعة؛ لزمهم أن يجعلوه مخصصا في الركن الخامس - وهو الزكاة -.
وبالجملة: فأموال العباد محرمة بنصوص الكتاب والسنة، لا يحللها إلا التراضي، وطيبة النفس، أو ورود الشرع كالزكاة، والدية، والأرش، والشفعة، ونحو ذلك، فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله - سيما من كان قلم التكليف عنه مرفوعا -؛ فعليه البرهان.
والواجب على المنصف أن يقف موقف المنع، حتى يزحزحه عنه الدليل.
ولم يوجب الله - تعالى - على ولي اليتيم والمجنون أن يخرج الزكاة من مالهما، ولا أمره بذلك، ولا سوغه له، بل وردت في أموال اليتامى تلك القوارع التي تتصدع لها القلوب، وترجف لها الأفئدة.
( [الراجح أن الكفار مخاطبون بجميع الشرعيات] :)
أقول: وأما اشتراط الإسلام: فالراجح أن الكفار مخاطبون بجميع الشرعيات، لكنه منع صحتها منهم مانع الكفر، فليس الإسلام شرطا في الوجوب، بل الكفر مانع عن الصحة، والمكلف مخاطب برفع الموانع التي لا يجزيء عنه ما وجب عليه مع وجودها؛ فخذ هذه قاعدة كلية في كل باب من الأبواب التي يجعلون الإسلام فيها شرطا للوجوب.
واما اشتراط الحرية: فلا ريب أن هذا الاشتراط؛ إنما يتم على قول من قال: إن العبد لا يملك، وهي مسألة قد تعارضت فيها الأدلة بما لا يتسع المقام لبسطه.
стр. 476
وهذه شرطية حقيقية عند القائل بعدم تملك العدم؛ لأنه لا يجب على العبد أن يسعى في تحرير نفسه لتجب عليه الزكاة؛ لما تقرر أن تحصيل شرط الواجب ليجب: لا يجب، فلا وجوب على العبد حال العبودية، بخلاف الكافر؛ فإن الوجوب ثابت عليه في حال كفره، ولكنه لا تتم تأدية الواجب؛ إلا بإزالة المانع؛ وهو الكفر، وما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه.
ومن ههنا يتبين لك الفرق بين هاتين القاعدتين:
فالاولى: تستعمل قبل وجوب ذلك الواجب على الشخص.
والثانية: بعد وجوبه عليه مع مانع يمنعه عنه.
ومما ينبغي أن يجعل شرطا في وجوب الزكاة: التكليف - كما فعل الماتن ﵀، مع أنها مشروعة للتطهرة والتزكية؛ كما نطق بذلك القرآن، وهما لا يكونان لغير المكلفين، فمن أوجب على الصبي زكاة في ماله - تمسكا بالعمومات -؛ فليوجب عليه بقية الأركان الأربعة تمسكا بالعمومات!
وبالجملة: فالأصل في أموال العباد الحرمة: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ ، " لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة من نفسه "، ولا سيما أموال اليتامى؛ فإن القوارع القرآنية، والزواجر الحديثية - فيها - أظهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، فلا يأمن ولي اليتيم - إذا أخذ الزكاة من ماله - من التبعة؛ لأنه أخذ شيئا لم يوجبه الله على المالك، ولا على الولي، ولا على المال:
أما الأول: فلأن المفروض؛ أنه صبي لم يحصل له ما هو مناط التكاليف
стр. 477
الشرعية، وهو البلوغ.
وأما الثاني: فلأنه غير مالك للمال؛ والزكاة لا تجب على غير مالك.
وأما الثالث: فلأن التكاليف الشرعية مختصة بهذا النوع الإنساني، لا تجب على دابة ولا جماد؛ والله أعلم.
стр. 478
(١ - باب زكاة الحيوان)
( [تجب الزكاة في الأنواع الثلاثة من الحيوانات] :)
(إنما تجب منه في النعم) ، أي: الماشية، وهي في أكثر البلدان الإبل، والبقر، والغنم، ويجمعها اسم الأنعام.
وأما الخيل فلا تكثر صرمها (١) ، ولا تناسل نسلا وافرا؛ إلا في أقطار يسيرة، كتركستان؛ كذا في " الحجة ".
(وهي الإبل والبقر والغنم) : " فتؤخذ من كل صرمة من الإبل ناقة، ومن كل قطيع من البقر بقرة، ومن كل ثلة من الغنم شاة مثلا، ثم يعرف كل واحد من هذه بالمثال، والقسمة، والاستقراء؛ ليتخذ ذلك ذريعة إلى معرفة الحدود الجامعة المانعة ... "؛ كذا في " الحجة ".
وكونها لا تجب في غير الثلاثة الأنواع من الحيوانات: فلأن الذي بين للناس ما نزل إليهم لم يوجبها عليهم في غيرها.
وأما ما ورد من ذكر حق الله - تعالى - في الخيل؛ فالمراد به الجهاد.
стр. 479
(١ - فصل: [نصاب الإبل] )
(إذا بلغت الإبل خمسا ففيها شاة، ثم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض (١) أو ابن لبون (٢) ، وفي ست وثلاثين ابنة لبون (٣) ، وفي ست وأربعين (٤) حقة، وفي إحدى وستين جذعة (٥) ، وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا زادت ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة) .
( [التفصيل في بيان نصاب الإبل] :)
هذا التفصيل في فرائض الصدقة؛ هو الثابت في حديث أنس: أن أبا بكر كتب لهم أن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله -[ ﷺ ]- على المسلمين، ثم ذكر فيه ما يجب في كل عدد - كما في هذا المختصر -، ثم قال فيه: فإذا تباين أسنان الإبل في فرائض الصدقات؛ فمن بلغت عنده صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين، إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا جذعة؛ فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما، أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده،
стр. 480
وعنده ابنة لبون، فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين؛ إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون، وليست عنده إلا حقة؛ فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما، أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون، وليست عنده ابنة لبون، وعنده ابنة مخاض؛ فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين؛ إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض، وليس عنده إلا ابن لبون ذكر؛ فإنه يقبل منه، وليس معه شيء، ومن لم تكن معه إلا أربع من الإبل؛ فليس شيء إلا أن يشاء ربها.
وقد أخرج هذا الحديث أحمد، والنسائي، وأبو داود.
وأخرجه - أيضا - البخاري مفرقا في " صحيحه ".
قال ابن حزم: هذا كتاب في نهاية الصحة، عمل به الصديق بحضرة العلماء، ولم يخالفه أحد، وصححه ابن حبان وغيره.
وقد أخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي - وحسنه -، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي نحو ما اشتمل عليه المختصر من حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: كان رسول الله -[ ﷺ ]- قد كتب الصدقة، ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي، فأخرجها أبو بكر، فعمل بها حتى توفي، ثم أخرجها عمر من بعده، فعمل بها، قال: فلقد هلك عمر يوم هلك؛ وإن ذلك لمقرون بوصيته ... ثم ذكر الحديث.
قال في " الحجة ": وقد استفاض ذلك من رواية أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وعمرو بن حزم، وغيرهم، بل صار متواترا بين المسلمين. انتهى.
стр. 481
(٢ - فصل: نصاب البقر)
(ويجب في ثلاثين من البقر تبيع (١) أو تبيعة، وفي أربعين مسنة (٢) ثم كذلك (٣)) : يدل على ذلك ما أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، وابن حبان، والحاكم - وصححاه - (٤) من حديث معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله -[ ﷺ ]- إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، فإذا زادت على الأربعين؛ فلا شيء في الزائد، حتى يبلغ سبعين وفيها تبيع ومسنة إلى ثمانين، وفيها مسنتان، ثم كذلك.
وقال ابن عبد البر في " الاستذكار ": لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقرة على ما في حديث معاذ، وأنه النصاب المجمع عليه.
(٣ - فصل: [نصاب الغنم] )
(ويجب في أربعين من الغنم شاة، إلى مائة وإحدى وعشرين وفيها شاتان، إلى مائتين وواحدة وفيها ثلاث شياة، إلى ثلاثمائة وواحدة وفيها أربع، ثم في كل مائة شاة) : هذا التفصيل هو الثابت في حديث أنس، وحديث ابن عمر - اللذين تقدم تخريجهما في باب زكاة الإبل -، وقد وقع الإجماع على ذلك.
стр. 482
(٤ - فصل: في الجمع والتفريق، والأوقاص)
( [لا يجوز الجمع بين مفترق، ولا التفريق بين مجتمع] :)
(ولا يجمع بين مفترق من الأنعام ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) : لنهيه [ ﷺ ] عن ذلك، كما في كتاب أبي بكر المحكي عن رسول الله -[ ﷺ ]- وقد تقدمت الإشارة إليه -، وكذلك في حديث ابن عمر حاكيا لكتاب رسول الله -[ ﷺ ]- في ذلك، كما سبقت الإشارة إليه، وكذلك وقع التصريح بالنهي عن ذلك في غير الحديثين المذكورين؛ فإن فيه النهي كذلك.
ومعنى التفريق بين مجتمع؛ أن يكون لثلاثة أنفار - لكل واحد أربعون شاة - فإذا لم يجمعوها كان على كل واحد شاة، وإذا جمعوها لم يجب فيها إلا شاة.
وصورة الجمع بين مفترق، أن يكون لرجلين مائتا شاة وشاة، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة، ونحو ذلك من الصور.
وهذا على اعتبار المسرح والمراح والخلطة، وإن اختلف المالكون، كما دلت على ذلك الأدلة.
( [لا شيء فيما دون النصاب] :)
(ولا شيء فيما دون الفريضة) ، ولا خلاف في ذلك (ولا في الأوقاص) ؛
стр. 483
وهي ما بين الفريضتين، فلا خلاف في ذلك أيضا؛ إلا في رواية عن أبي حنيفة.
وفي حديث معاذ عند أحمد وغيره: أن الأوقاص لا فريضة فيها.
( [تراجع الخليطين بالسوية] :)
(وما كان من خليطين فيتراجعان بالسوية) : لما وقع في الكتابين المذكورين من قوله -[ ﷺ ]-: " وما كان من خليطين؛ فإنهما يتراجعان بالسوية ".
والمراد: أنهما إذا خلطا ما يملكانه من المواشي فبلغت النصاب؛ أخرجا زكاة تلك الماشية المخلوطة، وكان على كل واحد بحساب ماشيته.
وصورة ذلك: أن يكون لكل واحد منهما عشرون شاة، فيأخذ المصدق - من الأربعين - شاة من ملك أحدهما، فيرجع على صاحبه بنصف قيمتها.
وهذا على أن مجرد خلط الشريكين بملكيهما يصيرهما بمنزلة الماشية المملوكة لرجل واحد، وهو الحق كما دلت على ذلك الأدلة.
( [الأنواع التي نهي المصدق عن أخذها] :)
(ولا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار ولا عيب ولا صغيرة ولا أكولة ولا ربى ولا ماخض، ولا فحل غنم) : لما في كتاب أبي بكر بلفظ: " ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس ".
وفي كتاب عمر المحكي عن النبي -[ ﷺ ]-:
стр. 484
" لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب ".
وفي حديث عبد الله بن معاوية الغاضري - مرفوعا - بلفظ: " ولا تعطي الهرمة، ولا الدرنة، ولا المريضة، ولا الشرط (١) اللئيمة، ولكن من أوسط أموالكم "؛ أخرجه أبو داود، والطبراني بإسناد جيد.
وأخرج مالك في " الموطأ "، والشافعي عن سفيان بن عبد الله الثقفي: أن عمر بن الخطاب نهى المصدق أن يأخذ الأكولة، والربى، والماخض، وفحل الغنم.
وقد روى ذلك عن النبي -[ ﷺ ]- ابن أبي شيبة في " مسنده ".
والهرمة: الكبيرة التي سقطت أسنانها.
وذات العوار: - بفتح العين المهملة وضمها -؛ قيل: هي العوراء، وقيل: هي المعيبة.
وقد شمل قوله: " ولا عيب " كل ما فيه عيب يعد عند العارفين بالمواشي نقصا؛ فإنه لا يخرج في الصدقة، فتدخل في ذلك الدرنة - بفتح الدال المهملة مشددة بعدها راء مكسورة ثم نون -؛ وهي: الجرباء.
والشرط اللئيمة: هي صغار المال وشراره.
стр. 485
واللئيمة: البخيلة باللبن وغيرها.
وأما الأكولة: فهي - بفتح الهمزة وضم الكاف -؛ العاقر من الشاة.
والربى: - بضم الراء وتشديد الباء الموحدة -؛ الشاة التي تربى في البيت للبنها.
والماخض: الحامل (١) .
وفحل الغنم: هو الذي ينزو عليها؛ لأن المالك يحتاج إليه، وإن لم يكن من الخيار.
стр. 486
(٢ - باب زكاة الذهب والفضة)
( [النصاب والحول شرطان لوجوب زكاة الذهب والفضة] :)
لا خلاف في وجوب الزكاة في الذهب ولا الفضة مع النصاب والحول، ولهذا قال الماتن ﵀:
(إذا حال على أحدهما الحول ربع العشر) ؛ وذلك لأن الكنوز أنفس المال، يتضررون بإنفاق المقدار الكثير منها، فمن حق زكاته أن يكون أخف الزكوات، والذهب محمول على الفضة.
(نصاب الذهب عشرون دينارا، ونصاب الفضة مائتا درهم) : لحديث علي، قال: قال رسول الله -[ ﷺ ]-: " قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة؛ من كل أربعين درهما درهما، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين؛ ففيهما خمسة دراهم "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
وفي لفظ: " وليس فيما دون المائتين زكاة "؛ وفي إسناده مقال، وقد حسنه ابن حجر، ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه (١) .
وأخرج أحمد، ومسلم من حديث جابر، قال: قال رسول الله -
стр. 487
[ ﷺ ]-: " ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، وليس فيما دون خمس أوسق من التمر صدقة ".
وأخرجه أحمد، والبخاري من حديث أبي سعيد.
وأخرج أبو داود من حديث علي، قال: إذا كان لك مائتا درهم، وحال عليها الحول؛ ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني: في الذهب -، حتى يكون لك عشرون دينارا، فإذا كانت لك عشرون دينارا، وحال عليها الحول؛ ففيها نصف دينار "؛ وفي إسناده مقال، ولكنه حسنه الحافظ ابن حجر، ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه - كالحديث الأول - (١) .
وقد وقع الإجماع على أن نصاب الفضة مئتا درهم، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حبيب الأندلسي، والخمس الأواقي المذكورة في الحديث: هي مئتا درهم؛ لأن وزن كل أوقية أربعون درهما.
وذهب إلى أن نصاب الذهب عشرون دينارا الجمهور.
وقد روي عن الحسن وطاوس ما يخالف ذلك؛ وهو مردود.
وذهب إلى اعتبار الحول الأكثر.
وذهب ابن عباس، وابن مسعود، وداود إلى أنه يجب على المالك إذا استفاد نصابا أن يزكيه في الحال؛ تمسكا بما دل على مطلب الوجوب؛ وهو
стр. 488
إهمال للقيد.
( [الأدلة في زكاة الحلي متعارضة] :)
(ولا شيء فيما دون ذلك) : قال في " الحجة ": " وهل في الحلي زكاة؟ الأحاديث فيه متعارضة، وإطلاق الكنز عليه بعيد، ومعنى الكنز حاصل، والخروج من الاختلاف أحوط ".
وفي " الموطأ " (١) : كانت عائشة تلي بنات أخيها، يتامى في حجرها، لهن الحلي؛ فلا تخرج من حليهن الزكاة.
قال مالك: من كان عنده تبر أو حلي - من ذهب أو فضة - لا ينتفع به للبس؛ فإن عليه فيه الزكاة في كل عام، بوزن فيؤخذ ربع عشره؛ إلا أن ينقص من وزن عشرين دينارا عينا، أو مئتي درهم، فإن نقص من ذلك؛ فليس فيه زكاة.
وإنما تكون الزكاة إذا كان إنما يمسكه لغير اللبس، فأما التبر والحلي المكسور، الذي يريد أهله صلاحه ولبسه؛ فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون عند أهله، فليس على اهله فيه زكاة (٢) .
قال مالك: ليس في اللؤلؤ، ولا في المسك، ولا في العنبر زكاة.
стр. 489
قلت: قال به الشافعي في أظهر قوليه، وخصه بالمباح.
وأما المحظور - كالأواني وكالسوار والخلخال للرجل -: فتجب فيه الزكاة بكل حال.
وعند الحنفية: تجب في الحلي إذا كان من ذهب أو فضة، دون اللؤلؤ ونحوه.
( [لا تجب الزكاة في الجواهر] :)
(ولا زكاة في غيرهما من الجواهر) كالدر، والياقوت، والزمرد، والألماس (١) واللؤلؤ، والمرجان ونحوها؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك، والبراءة الأصلية مستصحبة، وقد تقدم في أول كتاب الزكاة ما يفيد هذا.
أقول: ليس من الورع ولا من الفقه؛ أن يوجب الإنسان على العباد ما لم يوجبه الله عليهم؛ بل ذلك من الغلو المحض، والاستدلال بمثل: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ؛ يستلزم وجوب الزكاة في كل جنس من أجناس ما يصدق عليه اسم المال، ومنه الحديد، والنحاس، والرصاص، والثياب، والفراش، والحجر، والمدر، وكل ما يقال له: مال؛ على فرض أنه ليس من أموال التجارة، ولم يقل بذلك أحد من المسلمين، وليس ذلك لورود أدلة تخصص الأموال المذكورة من عموم: ﴿خذ من أموالهم﴾ ، حتى يقول قائل: إنها تجب زكاة؛ ما لم يخصه دليل؛ لبقائه تحت العموم، بل الذي شرع الله فيه الزكاة من أموال عباده؛ هو أموال مخصوصة، وأجناس معلومة، ولم يوجب عليهم
стр. 490
الزكاة في غيرها.
فالواجب حمل الإضافة في الآية الكريمة على العهد؛ لما تقرر في علم الأصول والنحو والبيان: أن الإضافة تنقسم إلى الأقسام التي تنقسم إليها اللام، ومن جملة أقسام اللام: العهد، بل قال المحقق الرضي: إنه الأصل في اللام.
إذا تقرر هذا: فالجواهر، واللآليء، والدر، والياقوت، والزمرد، والعقيق، واليسر، وسائر ما له نفاسة وارتفاع قيمة: لا وجه لإيجاب الزكاة فيه، والتعليل للوجوب بمجرد النفاسة؛ ليس عليه أثارة من علم ﴿ولو كان ذلك صحيحا؛ لكان في المصنوعات من الحديد - كالسيوف والبنادق ونحوها -، ما هو أنفس وأعلى ثمنا، ويلحق بذلك الصين، والبلور، واليشم، وما يتعسر الإحاطة به من الأشياء التي فيها نفاسة، وللناس إليها رغبة.
فما أحسن الإنصاف والوقوف على الحد الذي رسمه الشارع، وإراحة الناس من هذه التكاليف التي ما أنزل الله بها من سلطان﴾
على أن الآية التي أوقعت كثيرا من الناس في إيجاب الزكاة فيما لم يوجبه الله - وهي ﴿خذ من أموالهم﴾ - قد ذكر أئمة التفسير؛ أنها في صدقة النفل، وليست في صدقة الفرض التي نحن بصددها.
( [حكم الزكاة في أموال التجارة] :)
(وأموال التجارة) لما قدمنا من عدم قيام دليل يدل على ذلك، وقد كانت التجارة في عصره -[ ﷺ ]- قائمة في أنواع مما يتجر
стр. 491
به، ولم ينقل عنه ما يفيد ذلك.
وأما ما أخرجه أبو داود، والدارقطني، والبزار من حديث جابر بن سمرة قال: كان رسول الله -[ ﷺ ]- يأمرنا بأن نخرج الزكاة فيما نعد ": فقال ابن حجر في " التلخيص ": إن في إسناده جهالة.
وأما ما رواه الحاكم، والدارقطني عن عمران - مرفوعاً - بلفظ: " في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته " - بالزاي المعجمة (١) - فقد ضعف الحافظ في " الفتح " جميع طرقه، وقال في واحدة منها: هذا إسناد لا بأس به.
ولا يخفاك أن مثل هذا لا تقوم به الحجة لا سيما في التكاليف التي تعم بها البلوى.
على أنه قد قال ابن دقيق العيد: إن الذي رآه في " المستدرك " في هذا الحديث: " البر " - بضم الباء الموحدة وبالراء المهملة -، قال: والدارقطني رواه بالزاي، لكن من طريق ضعيفة، وهذا مما يوجب الاحتمال، فلا يتم الاستدلال، فلو فرضنا أن الحاكم قد صحح إسناد هذا الحديث - كما قال المحلي في " شرح المنهاج " -؛ لكان مجرد الاحتمال مسقطا للاستدلال، فكيف إذا قد عورض ذلك التصحيح بتضعيف الحفاظ لما صححه الحاكم؛ مع تأخر عصرهم عنه واستدراكهم عليه؟ !
стр. 492
ويؤيد عدم الوجوب: ما ثبت عنه -[ ﷺ ]- في " الصحيح " من حديث أبي هريرة: " ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه "؛ وظاهر ذلك عدم وجوب الزكاة في جميع الأحوال.
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على زكاة التجارة، وهذا النقل ليس بصحيح، فأول من يخالف في ذلك الظاهرية، وهم فرقة من فرق الإسلام.
أقول: وأما الاستدلال بقوله -[ ﷺ ]-: " وأما خالد؛ فقد حبس أدراعه وأعتده (١) في سبيل الله ": فلا تقوم به الحجة؛ إلا إذا كانت المطالبة له بزكاة ذلك الذي حبسه مع كونه للتجارة، فعرّفهم النبي -[ ﷺ ]- أنها قد صارت محبسة، وأنه لا زكاة فيها بعد التحبيس، وليس الأمر كذلك، بل الظاهر أنهم لما أخبروا النبي -[ ﷺ ]- بأن خالدا امتنع من الزكاة رد عليهم بذلك.
والمراد: أن من بلغ في التقرب إلى الله إلى هذا الحد - وهو تحبيس أدراعه وأعتده -؛ يبعد كل البعد أن يمتنع من تأدية ما أوجبه الله عليه من الزكاة، مع كونه قد تقرب بما لا يجب عليه، فلا يكون في ذلك دليل على وجوب زكاة التجارة.
وأما الاستدلال بقول عمر (٢) ؛ فهو (٣) ممن لا يقول بحجية قول
стр. 493
الصحابي، ولكنه إذا وافق قول الصحابي ما يعتقده؛ ضم إليه دعوى الإجماع السكوتي مجازفة.
إذا تقرر هذا: علمت أنه لا دليل يدل على وجوب زكاة التجارة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يقوم دليل ينقل عنها.
وأما ما حكاه ابن المنذر من الإجماع على زكاة التجارة: فلا أدري كيف تجاسر على هذا؟ ولو سلمناه لما قامت به حجة؛ إلا على من يقول بحجية الإجماع.
وقد عرفت ما هو الصواب في هذا الباب في كتابنا " حصول المأمول من علم الأصول " (١) .
وقد حقق الماتن ﵀ المقام في كتابه " إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول "؛ فليراجع.
( [لا تجب الزكاة في المستغلات] :)
(والمستغلات) : كالدور التي يكريها مالكها، وكذلك الدواب ونحوها؛ لعدم الدليل - كما قدمنا -، وأيضا حديث: " ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه "؛ يتناول هذه الحالة، أعني: حالة استغلالهما بالكراء لهما، وإن كان لا حاجة إلى الاستدلال؛ بل القيام مقام المنع يكفي.
أقول: هذه المسألة من غرائب العلماء التي ينبغي أن تكون مغفورة؛
стр. 494
باعتبار ما لهم من المناقب (١) ؛ فإن إيجاب الزكاة فيما ليس من الأموال التي تجب فيها الزكاة بالاتفاق - كالدور، والعقار، والدواب ونحوها - بمجرد تأجيرها بأجرة من دون تجارة في أعيانها - مما لم يُسمع به في الصدر الأول الذين هم خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، فضلا أن يسمع فيه بدليل من كتاب أو سنة، وقد كانوا يستأجرون، ويؤجرون، ويقبضون الأجرة من دورهم وضياعهم ودوابهم، ولم يخطر ببال أحدهم أنه يخرج في رأس الحول ربع عشر قيمة داره أو عقاره أو دوابه ﴿وانقرضوا وهم في راحة من هذا التكليف الشاق، حتى كان آخر القرن الثالث، من أهل المئة الثالثة، فقال بذلك من قال بدون دليل؛ إلا مجرد القياس على أموال التجارة، وقد عرفت الكلام في الأصل؛ فكيف يقوم الظل والعود أعوج؟﴾
مع أن هذا القياس في نفسه مختل بوجوه؛ منها: وجود الفارق بين الأصل والفرع؛ فإن الانتفاع بالمنفعة ليس كالانتفاع بالعين.
وأما العمومات التي أوردوها؛ فهي عن الدلالة على المطلوب بمراحل، والأمر أوضح من أن تُستغرق الأوقات في إبطاله ودفعه.
وأما ما زعموه من أن الموجب أولى من المسقط: فذلك - على عدم تسليمه - إنما هو بعد الاتفاق على أن الموجب والمسقط اجتمعا في أمر قد قضى الشرع بالوجوب في أصله، والأمر ههنا بالعكس؛ فإن الشرع لم يوجب في أعيان الدور والعقار - التي هي أصل الاستغلال - شيئا، ثم أين هذا الموجب؟ وما هو؟
стр. 495
(٣ - باب زكاة النبات)
( [تجب الزكاة في الأصناف الخمسة من النبات] :)
(يجب العُشر في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب) : وجوب الزكاة من هذه الأجناس، لشمول الأدلة الصحيحة لها، وللتنصيص عليها في حديث أبي موسى ومعاذ، حين بعثهما -[ ﷺ ]- إلى اليمن، يعلمان الناس أمر دينهم، فقال: " لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر "، أخرجه الحاكم، والبيهقي (١) ، والطبراني.
قال البيهقي: رواته ثقات؛ وهو متصل.
وأخرج الطبراني عن عمر، قال: إنما سن رسول الله [ ﷺ ] الزكاة في هذه الأربعة ... فذكرها.
وأخرج ابن ماجه، والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بلفظ: إنما سن رسول الله -[ ﷺ ]- الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب - زاد ابن ماجه -، والذرة؛ وفي