به، ولم ينقل عنه ما يفيد ذلك.
وأما ما أخرجه أبو داود، والدارقطني، والبزار من حديث جابر بن سمرة قال: كان رسول الله -[ ﷺ ]- يأمرنا بأن نخرج الزكاة فيما نعد ": فقال ابن حجر في " التلخيص ": إن في إسناده جهالة.
وأما ما رواه الحاكم، والدارقطني عن عمران - مرفوعاً - بلفظ: " في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته " - بالزاي المعجمة (١) - فقد ضعف الحافظ في " الفتح " جميع طرقه، وقال في واحدة منها: هذا إسناد لا بأس به.
ولا يخفاك أن مثل هذا لا تقوم به الحجة لا سيما في التكاليف التي تعم بها البلوى.
على أنه قد قال ابن دقيق العيد: إن الذي رآه في " المستدرك " في هذا الحديث: " البر " - بضم الباء الموحدة وبالراء المهملة -، قال: والدارقطني رواه بالزاي، لكن من طريق ضعيفة، وهذا مما يوجب الاحتمال، فلا يتم الاستدلال، فلو فرضنا أن الحاكم قد صحح إسناد هذا الحديث - كما قال المحلي في " شرح المنهاج " -؛ لكان مجرد الاحتمال مسقطا للاستدلال، فكيف إذا قد عورض ذلك التصحيح بتضعيف الحفاظ لما صححه الحاكم؛ مع تأخر عصرهم عنه واستدراكهم عليه؟ !
стр. 492
ويؤيد عدم الوجوب: ما ثبت عنه -[ ﷺ ]- في " الصحيح " من حديث أبي هريرة: " ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه "؛ وظاهر ذلك عدم وجوب الزكاة في جميع الأحوال.
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على زكاة التجارة، وهذا النقل ليس بصحيح، فأول من يخالف في ذلك الظاهرية، وهم فرقة من فرق الإسلام.
أقول: وأما الاستدلال بقوله -[ ﷺ ]-: " وأما خالد؛ فقد حبس أدراعه وأعتده (١) في سبيل الله ": فلا تقوم به الحجة؛ إلا إذا كانت المطالبة له بزكاة ذلك الذي حبسه مع كونه للتجارة، فعرّفهم النبي -[ ﷺ ]- أنها قد صارت محبسة، وأنه لا زكاة فيها بعد التحبيس، وليس الأمر كذلك، بل الظاهر أنهم لما أخبروا النبي -[ ﷺ ]- بأن خالدا امتنع من الزكاة رد عليهم بذلك.
والمراد: أن من بلغ في التقرب إلى الله إلى هذا الحد - وهو تحبيس أدراعه وأعتده -؛ يبعد كل البعد أن يمتنع من تأدية ما أوجبه الله عليه من الزكاة، مع كونه قد تقرب بما لا يجب عليه، فلا يكون في ذلك دليل على وجوب زكاة التجارة.
وأما الاستدلال بقول عمر (٢) ؛ فهو (٣) ممن لا يقول بحجية قول
стр. 493
الصحابي، ولكنه إذا وافق قول الصحابي ما يعتقده؛ ضم إليه دعوى الإجماع السكوتي مجازفة.
إذا تقرر هذا: علمت أنه لا دليل يدل على وجوب زكاة التجارة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يقوم دليل ينقل عنها.
وأما ما حكاه ابن المنذر من الإجماع على زكاة التجارة: فلا أدري كيف تجاسر على هذا؟ ولو سلمناه لما قامت به حجة؛ إلا على من يقول بحجية الإجماع.
وقد عرفت ما هو الصواب في هذا الباب في كتابنا " حصول المأمول من علم الأصول " (١) .
وقد حقق الماتن ﵀ المقام في كتابه " إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول "؛ فليراجع.
( [لا تجب الزكاة في المستغلات] :)
(والمستغلات) : كالدور التي يكريها مالكها، وكذلك الدواب ونحوها؛ لعدم الدليل - كما قدمنا -، وأيضا حديث: " ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه "؛ يتناول هذه الحالة، أعني: حالة استغلالهما بالكراء لهما، وإن كان لا حاجة إلى الاستدلال؛ بل القيام مقام المنع يكفي.
أقول: هذه المسألة من غرائب العلماء التي ينبغي أن تكون مغفورة؛
стр. 494
باعتبار ما لهم من المناقب (١) ؛ فإن إيجاب الزكاة فيما ليس من الأموال التي تجب فيها الزكاة بالاتفاق - كالدور، والعقار، والدواب ونحوها - بمجرد تأجيرها بأجرة من دون تجارة في أعيانها - مما لم يُسمع به في الصدر الأول الذين هم خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، فضلا أن يسمع فيه بدليل من كتاب أو سنة، وقد كانوا يستأجرون، ويؤجرون، ويقبضون الأجرة من دورهم وضياعهم ودوابهم، ولم يخطر ببال أحدهم أنه يخرج في رأس الحول ربع عشر قيمة داره أو عقاره أو دوابه ﴿وانقرضوا وهم في راحة من هذا التكليف الشاق، حتى كان آخر القرن الثالث، من أهل المئة الثالثة، فقال بذلك من قال بدون دليل؛ إلا مجرد القياس على أموال التجارة، وقد عرفت الكلام في الأصل؛ فكيف يقوم الظل والعود أعوج؟﴾
مع أن هذا القياس في نفسه مختل بوجوه؛ منها: وجود الفارق بين الأصل والفرع؛ فإن الانتفاع بالمنفعة ليس كالانتفاع بالعين.
وأما العمومات التي أوردوها؛ فهي عن الدلالة على المطلوب بمراحل، والأمر أوضح من أن تُستغرق الأوقات في إبطاله ودفعه.
وأما ما زعموه من أن الموجب أولى من المسقط: فذلك - على عدم تسليمه - إنما هو بعد الاتفاق على أن الموجب والمسقط اجتمعا في أمر قد قضى الشرع بالوجوب في أصله، والأمر ههنا بالعكس؛ فإن الشرع لم يوجب في أعيان الدور والعقار - التي هي أصل الاستغلال - شيئا، ثم أين هذا الموجب؟ وما هو؟
стр. 495
(٣ - باب زكاة النبات)
( [تجب الزكاة في الأصناف الخمسة من النبات] :)
(يجب العُشر في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب) : وجوب الزكاة من هذه الأجناس، لشمول الأدلة الصحيحة لها، وللتنصيص عليها في حديث أبي موسى ومعاذ، حين بعثهما -[ ﷺ ]- إلى اليمن، يعلمان الناس أمر دينهم، فقال: " لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر "، أخرجه الحاكم، والبيهقي (١) ، والطبراني.
قال البيهقي: رواته ثقات؛ وهو متصل.
وأخرج الطبراني عن عمر، قال: إنما سن رسول الله [ ﷺ ] الزكاة في هذه الأربعة ... فذكرها.
وأخرج ابن ماجه، والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بلفظ: إنما سن رسول الله -[ ﷺ ]- الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب - زاد ابن ماجه -، والذرة؛ وفي
стр. 496
إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي (١) ؛ وهو متروك.
وأخرج البيهقي من طريق مجاهد، قال: لم تكن الصدقة في عهد النبي -[ ﷺ ]- إلا في خمسة ... فذكرها (٢) .
وأخرج أيضا من طريق الحسن، فقال: لم يفرض الصدقة النبي [ ﷺ ] إلا في عشرة ... فذكر الخمسة المذكورة، والإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة.
وأخرج أيضا عن الشعبي، أنه قال: كتب رسول الله [ ﷺ ] إلى أهل اليمن: " إنما الصدقة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب "؛ قال البيهقي: هذه المراسيل طرقها مختلفة، وهي يؤكد بعضها بعضا، ومعها حديث أبي موسى، ومعها قول عمر، وعلي، وعائشة: ليس في الخضروات زكاة (٣) . انتهى.
( [ما سقت السماء ففيه العشر، وما سقي بالمسني فنصف العشر] :)
(وما كان يسقى بالمسني منها ففيه نصف العشر) : وجهه حديث جابر، عن النبي
стр. 497
[ ﷺ ] ، قال: " فيما سقت الأنهار والغيم عشر، وفيما سقي (١) بالسانية نصف العشر "؛ رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وأبو داود، قال (٢) : " الأنهار والعيون ".
وأخرج البخاري، وأحمد، وأهل " السنن " من حديث ابن عمر، أن النبي -[ ﷺ ]- قال: " فيما سقت السماء والعيون - أو كان عثريا - العشر، وفيما يسقى بالنضح نصف العشر "؛ فإن الذي هو أقل تعانيا وأكثر ريعا أحق بزيادة الضريبة، والذي هو أكثر تعانيا وأقل ريعا أحق بتخفيفها.
والعثري - بفتح العين المهملة والمثلثة وكسر الراء المهملة -: هو الذي يشرب بعروقه، وقيل: الذي في سواقي العيون ونحوها.
والحق وجوب الزكاة من العين، ولا يسوغ إخراج القيمة إلا لعذر مسوع، لحديث: " خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر "؛ أخرجه أبو داود، والحاكم - وصححه على شرط الشيخين (٣) -
стр. 498
وأما قول معاذ؛ فهو فعل صحابي لا حجة فيه، على أنه منقطع كما صرح بذلك الحفاظ (١) .
وأما الاعتذار عن الحديث بأنه لا ظاهر له؛ فهذه إحدى العصي التي يتوكأ عليها المقلدة!
( [نصاب النبات خمسة أوسق] :)
(ونصابها خمسة أوسق) : لحديث أبي سعيد في " الصحيحين " وغيرهما عن النبي [ ﷺ ] : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ".
وفي رواية لأحمد، وابن ماجه (٢) :
أن النبي -[ ﷺ ]- قال: " الوسق ستون صاعا ".
وفي رواية لأحمد، وأبي داود: " الوسق ستون مختوما " (٣) .
قال في " الحجة البالغة ": " وإنما قُدر من الحب والتمر خمسة أوسق؛
стр. 499
لأنها تكفي أهل بيت إلى سنة، وذلك لأن أقل البيت الزوج والزوجة، وثالث - خادم أو ولد بينهما -، وما يضاهي ذلك من أقل البيوت، وغالب قوت الإنسان رطل، أو مد من الطعام، فإذا أكل كل واحد من هؤلاء ذلك المقدار؛ كفاهم لسنة، وبقيت بقية لنوائبهم أو إدامهم " انتهى.
قال ابن القيم (١) : " وقد رُدت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشرات بخمسة أوسق بالمتشابه من قوله: " فيما سقت السماء العشر، وما سقي بنضح أو غرب (٢) ؛ فنصف العشر "، قالوا: وهذا يعم القليل والكثير، وقد عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية كالخاص، وإذا تعارضا قُدم الأحوط وهو الوجوب ﴿فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية؛ فإن طاعة الرسول فرض في هذا وفي هذا، ولا تعارض بينهما بحمد الله - تعالى - بوجه من الوجوه؛ فإن قوله: " فيما سقت السماء العشر "، إنما أريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين مفرقا بينهما في مقدار الواجب.
وأما مقدار النصاب؛ فسكت عنه في هذا الحديث، وبينه نصا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم - الذي لا يحتمل غير ما أُوِّل عليه البتة - إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يُتعلق فيه بعموم، لم يقصدوا بيانه بالخاص المحكم المبين، كبيان سائر العمومات بما يخصها من النصوص؟﴾ ". انتهى.
стр. 500
أقول: الأحاديث القاضية بإيجاب العشر أو نصف العشر تقتضي التسوية بين القليل والكثير.
وأحاديث: " لا زكاة فيما دون خمسة أوسق " تقتضي اختصاص الوجوب بمقدار معلوم، هو الخمسة الأوسق، وعدم الوجوب فيما دونها.
فالأحاديث الأولة (١) عامة لقليل ما أخرجت الأرض من الأنواع المخصوصة ولكثيره، والأحاديث الثانية خاصة ببعض ذلك الخارج دون بعض، مصرحة بنفي الوجوب عن دون الخمسة الأوسق بمنطوقها، مثبتة لوجوبها في الخمسة فصاعدا بمفهومها، وهي أحاديث صحيحة، فإهمالها - مع كونها خاصة، والرجوع إلى العامة - خارج عن سنن الإنصاف، ولم يكن بيد من أهملها شيء يدفعها؛ إلا مجرد تكليف العباد بما هو أشق الشكوك، كشكوك الموسوسين في الطهارة.
وهذا رسول الله -[ ﷺ ]- يقول: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمسة أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة "؛ ثبت هذا عنه في حديث واحد، فكان على من أوجب الزكاة فيما دون خمسة أوسق أن يوجبها فيما دون خمس أواق وخمس ذود؛ بل يوجبها فيما دون الأربعين من الغنم، والثلاثين من البقر، تمسكا بالعمومات القاضية بوجوب أصل الزكاة في الأموال، فإنه لا فرق بينها وبين حديث:
стр. 501
" فيما أخرجت الأرض العشر " (١) ، وليست المكيلات بالشك أولى من غيرها، والله المستعان.
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما أخرجت الأرض (٢) ، والمقام وإن كان حقيقا بأن يقع الإجماع عليه، لكن الخلاف لجماعة من العلماء أشهر من نار على علم، وكيف خفي على ابن المنذر مذهب أبي حنيفة ﵀، وهو متداول عند جميع أهل المذاهب، حتى قال ابن العربي المالكي: " إن أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين مذهب أبي حنيفة، وهو التمسك بالعموم "؟ ﴿انتهى.
وهذه غفلة من مثل هذا الحافظ، ناشئة عن الوسوسة التي قدمنا لك ذكرها، فإن الشارع أشفق بفقراء أمته من كل أحد، وأي قوة وأحوطية في شيء مخالف لنصه الصريح﴾ ؟
وكيف يخفى على عالم أن هذه - الشفقة التي هي المستندة لهذه المقالة - مستلزمة لظلم الأغنياء وأخذ أموالهم بدون طيبة من أنفسهم وأكلها بالباطل، وسيوف السلاطين تابعة لأقلام العلماء، فإذا أجبروا أهل الأموال على تسليم زكاة دون الخمسة الأوسق استناداً إلى قول من قال بذلك بمجرد الشك، والشفقة على الفقراء لا لما يقتضيه الاجتهاد؛ فهم شركاء في هذه المظلمة، التي هي محض أكل أموال الناس بالباطل.
وما أحسن الوقوف على الحدود الشرعية، والمشي على الطريقة النبوية!
стр. 502
فذلك هو الورع الخالص، وخير الهدي هدي محمد -[ ﷺ ]-.
( [لا زكاة في الرقيق ولا في الخيل والبغال والحمر] :)
(ولا شيء فيما عدا ذلك) ؛ قال المجد في " الصراط المستقيم ": " ولم يكن من العادة النبوية أخذ الزكاة من الخيل، والرقيق، والبغال، والحمر، والبقول، والبطيخ، والخيار، والعسل، والفواكه التي لا تدخل المكيال ولا تصلح للادخار؛ إلا الرطب والعنب، فإنه كان يأخذ الزكاة منهما، لا يفرق بين الرطب واليابس ". انتهى.
( [لا زكاة في الخضراوات] :)
(كالخضراوات وغيرها) : حديث الخضراوات أخرجه الدارقطني، والحاكم، والأثرم في " سننه ": أن عطاء بن السائب قال: أراد عبد الله بن المغيرة أن يأخذ صدقة من أرض موسى بن طلحة من الخضراوات، فقال له موسى بن طلحة: ليس لك ذلك، إن رسول الله -[ ﷺ ]- كان يقول: " ليس في ذلك صدقة "؛ وهو مرسل قوي (١) .
وقد أخرجه الدارقطني، والحاكم من حديث إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عمه موسى بن طلحة، عن معاذ؛ بلفظ: وأما القثاء، والبطيخ، والرمان، والقصب؛ فعفو عفا عنه رسول الله -[ ﷺ ]-.
стр. 503
قال الحافظ: وفيه ضعف وانقطاع (١) .
وروى الترمذي بعضه من حديث موسى بن طلحة، عن معاذ.
وقد رواه ابن عدي من وجه آخر عن أنس.
والدارقطني من حديث علي، ومن حديث محمد بن جحش، ومن حديث عائشة.
ورواه أيضا البيهقي عن علي وعمر موقوفا.
[و] في طرق حديث الخضروات مقال، لكنه روي من طرق كثيرة يشهد بعضها لبعض؛ فينتهض للاحتجاج به، وإذا انضم إلى ما تقدم في وجوب الزكاة في تلك الأجناس الأربعة، أو الخمسة؛ انتهض الجميع للاحتجاج بلا شك ولا شبهة.
وقد رويت تلك الروايات بلفظ الحصر على تلك الأجناس كما سبق، وكان ذلك هو البيان منه -[ ﷺ ]- لما أنزله الله - تعالى -، فلا تجب في غير ذلك من النباتات.
وقد ذهب إلى ذلك الحسن البصري، والحسن بن صالح، والثوري، والشعبي.
وأيضا: يمكن الجمع بطريق أخرى، وهي: أن هذه الأدلة المذكورة هنا مخصصة لعمومات القرآن والسنة، وذلك واضح، ولا يصح جعل ذلك من
стр. 504
باب التنصيص على بعض أفراد العام؛ لما في ذلك من الحصر تارة، والنفي لما عدا ما ذُكر أخرى.
أقول: العمومات الشاملة للخضراوات كقوله - تعالى -: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ ، وقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ، وقوله [ ﷺ ] : " فيما سقت السماء العشر "؛ قد خُصصت بمخصصات كثيرة، منها: حديث الأوساق، ومنها: الأحاديث القاضية بأن الزكاة لا تجب إلا في الأربعة الأنواع: الشعير، والحنطة، والتمر، والزبيب، هذا في الأشياء التي تنبت على وجه الأرض، وفيما عداها السوائم الثلاث والذهب والفضة؛ والواجب بناء العام على الخاص، كما هو إجماع من يُعتد به من أهل العلم، فلا وجوب فيما عدا هذه الثلاثة الأمور، سواء كان من الخضراوات أو غيرها.
بل قد ورد في الخضراوات بخصوصها ما يدل على عدم وجوب الزكاة فيها من طرق يشهد بعضها لبعض، كما أوضح ذلك الماتن في " شرح المنتقى ".
فليكن هذا البحث منك على ذُكر؛ فإن الاحتجاج بمثل هذه العمومات قد كثر في أهل العلم مع عدم الالتفات إلى الأدلة الخاصة، والذهول عن وجوب بناء العام على الخاص.
والحاصل: أن رسول الله [ ﷺ ] قد بين للناس ما نُزّل إليهم، ففرض على الأمة فرائض في بعض أملاكهم، ولم يفرض عليهم في البعض الآخر، ومات على ذلك، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول، فمن زعم أنها تجب الزكاة في غير ما بينه رسول الله [ ﷺ ] متمسكا بالعمومات القرآنية؛ كان محجوجا بما ذكرناه، هذا على فرض أنه لم يثبت عنه إلا مجرد
стр. 505
البيان من دون ما يفيد عدم الوجوب في البعض المسكوت عنه، فكيف وقد ثبت عنه ما يفيد ذلك؟ !
كحديث أبي موسى، ومعاذ، عند الحاكم والبيهقي والطبراني: أن رسول الله [ ﷺ ] لما بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم؛ قال: " لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر "؛ قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل (١) .
وأخرج الطبراني عن عمر، قال: إنما سن رسول الله [ ﷺ ] الزكاة في هذه الأربعة ... فذكرها.
ونحوه عن جماعة من الصحابة، وفي بعضها ذكر الذرة (٢) ، ولكن من طريق لا تقوم بمثلها الحجة.
( [تجب الزكاة في العسل] :)
(ويجب في العسل العشر) : وجهه حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي [ ﷺ ] : أنه أخذ من العسل العشر؛ أخرجه ابن ماجه.
وقال الدارقطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحارث، وابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب.
ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرو بن شعيب.
стр. 506
ومثله حديث أبي سيارة عند أحمد، وابن ماجه، وأبي داود (١) ، والبيهقي، قال: قلت: يا رسول الله! إن لي نحلا، قال: فأد العشور؛ وهو منقطع.
وأخرج الترمذي عن ابن عمر: أن رسول الله [ ﷺ ] قال في العسل: " في كل عشرة أزقاق زق؛ وفي إسناده صدقة السمين، وهو ضعيف الحفظ.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً، بلفظ: " أدوا العشر في العسل "، وفي إسناده منير بن عبد الله وهو ضعيف.
والجميع لا يقصر عن الصلاحية للاحتجاج به (٢) .
وفي العسل أحاديث أخرى لم ينتهض شيء منها للاحتجاج به، وقد جمعها الماتن في " شرح المنتقى "؛ فليراجع.
( [يجوز تعجيل الزكاة] :)
(ويجوز تعجيل الزكاة) : لحديث علي: أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي [ ﷺ ] في تعجيل صدقته قبل أن تحل؟ فرخص له في ذلك "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، وقد قيل: إنه مرسل (٣) .
وقد روي عن علي بلفظ آخر من طريق أخرى؛ أخرجها البيهقي، أن
стр. 507
النبي [ ﷺ ] قال: " إنا كنا احتجنا، فأسلفنا العباس صدقة عامين؛ ورجاله ثقات؛ إلا أن فيه انقطاعاً.
وفي " الصحيح " من حديث أبي هريرة، أن النبي [ ﷺ ] قال في زكاة العباس: " هي عليّ ومثلها معها "؛ لما قيل: إنه منع من الصدقة، وقد قيل: إنه كان تسلف منه صدقة عامين، فدل على أنه يجزئ عن المعجل أن يسقط الوجوب عند الاتصاف به، ولا شك أن التعجل لا يكون تعجيلا إلا إذا كان قبل الوجوب.
( [توزع زكاة كل محلة على فقرائها] :)
(وعلى الإمام أن يرد صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم) : وجهه حديث أبي جحيفة، قال: قدم علينا مصدق رسول الله [ ﷺ ] ، فأخذ الصدقة من أغنيائنا، فجعلها في فقرائنا، فكنت غلاما يتيما، فأعطاني منها قلوصا؛ أخرجه الترمذي - وحسنه -.
وحديث عمران بن حصين: أنه استُعمل على الصدقة، فلما رجع قيل له: أين المال؟ فقال: وللمال أرسلتني؟ ! أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله [ ﷺ ] ، ووضعناه حيث كنا نضعه؛ أخرجه أبو داود، وابن ماجه.
وعن طاوس، قال: كان في كتاب معاذ: من خرج من مخلاف إلى مخلاف؛ فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته؛ أخرجه الأثرم، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح (١) .
стр. 508
وفي " الصحيحين " عن معاذ: أن النبي [ ﷺ ] لما بعثه إلى اليمن قال له: " خذها من أغنيائهم، وضعها في فقرائهم ".
( [تجزئ الزكاة وإن دفعت لسلطان جائر] :)
(ويبرأ رب المال بدفعها إلى السلطان وإن كان جائرا) : لحديث ابن مسعود في " الصحيحين " وغيرهما، أن رسول الله [ ﷺ ] قال: " إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها " قالوا: يا رسول الله ﴿فما تأمرنا؟ قال: " تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم ".
وأخرج مسلم، والترمذي - وصححه - من حديث وائل بن حُجر، قال: سمعت رسول الله [ ﷺ ] ورجل يسأله، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم؟﴾ فقال: " اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حُملوا وعليكم ما حُملتم ".
وأخرج أبو داود من حديث جابر بن عتيك (١) - مرفوعاً - بلفظ: " سيأتيكم ركب مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون؛ فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم ".
وأخرج الطبراني (٢) عن سعد بن أبي وقاص - مرفوعاً -: " ادفعوا إليهم ما صلوا الخمس ".
стр. 509
وفي الباب آثار عن الصحابة؛ حتى أخرج البيهقي عن عمر، أنه قال: ادفعوها إليهم وإن شربوا الخمر؛ وإسناده صحيح.
وأخرج أحمد (١) من حديث أنس: أن رجلا قال لرسول الله [ ﷺ ] : إذا أديت الزكاة إلى رسولك؛ فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال: " نعم، إذا أديتها إلى رسولي؛ فقد برئت منها إلى الله ورسوله، فلك أجرها، وإثمها على من بدلها ".
وأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة: إذا أتاك المصدق فأعطه صدقتك، فإن اعتدى عليك؛ فوله ظهرك ولا تلعنه وقل: اللهم ﴿إني أحتسب عندك ما أخذ مني.
وقد ذهب إلى ما دلت عليه هذه الأدلة الجمهور، وأن الدفع إلى السلطان أو بأمره يجزي المالك، وإن صرفها في غير مصرفها، سواء كان عادلاً أو جائراً.
أقول: لا ريب أن مجموع الأدلة يقتضي أن أمر الزكاة إلى النبي [ ﷺ ] ؛ فإن قوله - تعالى -: ﴿خذ من أموالهم﴾ خطاب له، إن سُلم أنه في صدقة الفرض، وقد تقدم ما فيه.
وأنص من الآية على المطلوب حديث: " أمرت أن آخذها من أغنيائكم "، وأحاديث بعثه [ ﷺ ] للسعاة، وأمره لهم بأخذ الصدقات.
стр. 510
ومن ذلك الأدلة الواردة في الاعتداد بما أخذه سلاطين الجور، فإنها متضمنة لوجوب الدفع إليهم، والاجتزاء بما دفع إليهم:
ومن ذلك حديث: " من أعطاها مؤتجرا فله أجره، ومن منعها فإنا نأخذها وشطر ماله " (١) .
ومنها الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب طاعة أولي الأمر.
ولكن لا يخفى أن مجموع هذه الأدلة وإن أفاد أن للأئمة والسلاطين المطالبة بالزكاة وقبضها، ووجوب الدفع إليهم عند طلبهم لها؛ فليس فيها ما يدل على أن رب المال إذا صرفها في مصرفها قبل أن يطالبه الإمام بتسليمها لا تجزئه، ولا يجوز له ذلك؛ لأن الوجوب على أرباب الأموال، والوعيد الشديد لهم، والترغيب تارة والترهيب أخرى، لمن عليه الزكاة إذا لم يخرجها، يستفاد من مجموعه أن لهم ولاية الصرف.
أما مع عدم الإمام: فظاهر.
وأما مع وجوده من غير طلب منه: فكذلك أيضا، ويؤيد ذلك حديث: " أما خالد فقد حبس أدرعه وأعتده في سبيل الله "؛ فإنه [ ﷺ ] أجاب بذلك على من قال له: إن خالداً منع من تسليم الزكاة.
وأما مع المطالبة من الإمام؛ فالظاهر أنه لا يجوز لرب المال الصرف؛ لأنه عصيان لمن أمر الله بطاعته، ولكن؛ هل يجزئه ذلك أم لا؟
стр. 511
الظاهر الإجزاء؛ لأنه لا ملازمة بين كونه عاصيا لأمر الإمام، وبين عدم الإجزاء، ومن زعم ذلك طولب بالدليل.
فإن قيل: الدليل ما تقدم من قوله [ ﷺ ] : " ... ومن منعها فإنا نأخذها وشطر ماله ": فيقال: الحديث - على ما فيه من المقال - لا يصلح للاستدلال به على هذا؛ لأن المراد أنه منع الزكاة؛ ولم يسلمها إلى الإمام، ولا صرفها في مصارفها، كما هو مدلول المنع الواقع على ضمير الزكاة في الحديث، كما في أحاديث الوعيد لمانع الزكاة، فإن المراد به المانع لها عن الإخراج مطلقاً.
ومما يؤيد ثبوت الولاية لرب المال قوله - تعالى -: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ ؛ ففي هذه الآية أعظم متمسك وأوضح مستند، ومن زعم أنها في صدقة النفل بدليل السياق؛ فلم يصب؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما تقرر في الأصول.
نعم؛ تطبيق الأدلة الواردة منه [ ﷺ ] على من بعده من الأئمة والسلاطين حتى يكون لهم مثل الذي له في أمر الزكاة؛ يحتاج إلى فضل نظر، ولا يقنع الناظر بمجرد الإجماع السكوتي الواقع من الناس بعد عصره [ ﷺ ] .
وأما قتال الصحابة لمانعي الزكاة؛ فلكونهم ارتدوا بذلك، وصمموا على منع إخراجها، وقد أمر [ ﷺ ] أمته بقتال الناس حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويفعلوا سائر أركان الإسلام.
وأعظم ما يُستأنس به ما ورد في طاعة السلاطين؛ وإن ظلموا، وأن
стр. 512
دفعها إليهم من الطاعة لهم؛ كما في حديث ابن مسعود، أن رسول الله [ ﷺ ] قال: " إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها "، قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: " تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم "، أخرجه الشيخان وغيرهما.
وعن وائل بن حُجر، قال: سمعت رسول الله [ ﷺ ] ورجل يسأله، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم؟ قال: " اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حُملوا، وعليكم ما حُملتم "، أخرجه مسلم وغيره.
وفي الباب أحاديث كثيرة، وهي تفيد وجوب طاعتهم فيما طلبوا إذا كان في معروف غير معصية، وطلبهم للزكاة من المعروف إذا كانوا يجعلونها في أمر غير معصية الله، والأمر بالطاعة فرع ثبوت الولاية، وثبوتها يستلزم الإجزاء، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من الصحابة فمن بعدهم.
ويؤيد ذلك حديث جابر بن عتيك عند أبي داود مرفوعاً بلفظ " سيأتيكم ركب مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون؛ فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم ".
وأخرج الطبراني من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا: " ادفعوا إليهم؛ ما صلوا الخمس ".
ويغني عن جميع هذا؛ التكليف بطاعة سلاطين الجور ما أقاموا الصلاة، وفي بعض الأحاديث الأمر بالطاعة للظلمة ما لم يظهروا كفرا؛ فمن طلب الزكاة منهم؛ لم تتم الطاعة له التي كلفنا الله بها إلا بالدفع إليه، والله أعدل
стр. 513
أن يجمع على رب المال في ماله زكاتين: زكاة للظالم المأمور بطاعته، وزكاة أخرى تصرف إلى غيره.
стр. 514
(٤ - باب مصارف الزكاة)
( [مصارف الزكاة ثمانية] :)
(هي ثمانية كما في الآية) الكريمة: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ ؛ فإنها تضمنت الثمانية الأنواع، الذين هم مصارف الزكاة.
وقد أخرج أبو داود عن زياد بن الحارث الصدائي، قال: أتيت رسول الله [ ﷺ ] فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله -[ ﷺ ]-: " إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك "؛ وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وفيه مقال (١) .
قال في " المسوى ": الفقير: هو - عند الشافعي - من لا مال له، ولا حرفة تقع منه موقعا.
وعند أبي حنيفة من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب، أو قدر نصاب
стр. 515
غير تام وهو مستغرق في الحاجة.
والمسكين: هو - عند الشافعي - من له مال أو حرفة تقع منه موقعاً، ولا يغنيه.
وعند أبي حنيفة: من لا شيء له، فيحتاج إلى المسألة لقوته، أو ما يواري بدنه.
والعامل: له مثل عمله سواء كان فقيرا أو غنيا؛ وعليه أهل العلم.
والمؤلفة قلوبهم قسمان: من أسلم ونيته ضعيفة، أو له شرف يُتوقع بإعطائه إسلام غيره، فيُعطون من الزكاة - على الأصح من مذهب الشافعي -.
وقال أبو حنيفة: سقط سهمهم لغلبة الإسلام.
والرقاب: هم المكاتبون؛ عند الشافعية والحنفية.
والغارم: هو - عند أبي حنيفة - من لزمه دين ولا يملك نصابا فاضلا عن دينه، أو كان له مال على الناس لا يمكنه أخذه.
وعند الشافعي قسمان: من استدان لنفسه في غير معصية، والأظهر اشتراط الحاجة، أو استدان لإصلاح البين ويعطى مع الغنى.
وسبيل الله: غزاة لا فيء لهم، ويشترط فقرهم عند أبي حنيفة.
وعند الشافعي: يعطون مع الغنى.
وابن السبيل: هو الغريب المنقطع عن ماله عند الحنفية، أو منشئ سفر،
стр. 516
أو مجتاز له حاجة عند الشافعية.
وشرط هؤلاء الأصناف الإسلام عند أهل العلم.
وعند الشافعي: يجب استيعاب الأصناف الثمانية إن كان هناك عامل؛ وإلا فاستيعاب السبعة، وتجب التسوية بين الأصناف لا بين آحاد الصنف.
وعند أبي حنيفة: لو صرف الكل إلى صنف واحد أو شخص واحد؛ يجوز.
قال مالك: الأمر عندنا في قسم الصدقات: أن ذلك لا يكون إلا على وجه الاجتهاد من الوالي، فأي الأصناف كانت الحاجة فيه والعدد: أوثر ذلك الصنف بقدر ما يرى الوالي، وعسى أن ينتقل ذلك إلى الصنف الآخر بعد عام أو عامين أو أعوام، فيؤثر أهل الحاجة والعدد حيثما كان ذلك، وعلى هذا أدركت من أرضى من أهل العلم. انتهى.
قال الماتن: " وقد أطال أئمة التفسير والحديث والفقه الكلام على الأصناف الثمانية، وما يعتبر في كل صنف، والحق أن المعتبر صدق الوصف شرعا، أو لغة؛ فمن صدق عليه أنه فقير كان مصرفا، وكذلك سائر الأوصاف، وإذا لم يكن للوصف حقيقة شرعية؛ وجب الرجوع إلى مدلوله اللغوي، وتفسيره به؛ فما وقع من الشروط والاعتبارات المذكورة لأهل العلم؛ إن كانت داخلة في مدلول الوصف لغة أو شرعاً أو لدليل يدل على ذلك؛ كانت معتبرة، وإلا فلا اعتبار لشيء منها ". انتهى.
стр. 517
( [الكلام على الفقير والمسكين] :)
أقول: الواجب الجزم بأن الفقير من ليس بغني، والغني قد ثبت في الشريعة المطهرة تعريفه، كما أخرجه أهل " السنن " من حديث ابن مسعود مرفوعاً: أنه قيل: يا رسول الله! وما الغنى؟ قال: " خمسون درهما أو قيمتها من الذهب "، فمن لم يملك هذا المقدار فهو فقير؛ لأنه إذا ارتفع عنه اسم الغنى ثبت له الفقر؛ إذ النقيضان لا يرتفعان، كما لا يجتمعان، ولا بد من كونه يملك معها ما لا بد منه من ملبوس وفراش ومسكن، حاصله ما تدعو الضرورة إليه؛ لأن من المعلوم أنه -[ ﷺ ]- لم يرد بذلك المقدار قيمة ما يلبسه ويسكنه، ويلحق بذلك ما لا يتم له القيام بالأمور الدينية أو الدنيوية بدونه، كآلة الجهاد للمجاهد، وكتب العلم للعالم، وآلة الصناعة للصانع؛ فمن ملك مما هو خارج عن هذه الأمور ما يساوي خمسين درهماً؛ كان كمن ملك الخمسين أو قيمتها من الذهب فيكون غنيا، ومن لم يملك ذلك المقدار فهو فقير تحل له الزكاة، والمصير إلى ما قررناه متحتم.
والحق أن الفقير والمسكين متحدان، يصح إطلاق كل واحد من الاسمين على من لم يجد فوق ما تدعو الضرورة إليه خمسين درهما، وليس في قوله - تعالى -: ﴿كانت لمساكين﴾ ما ينافي هذا؛ لأن ملكهم لها لا يخرجهم عن صدق اسم الفقر والمسكنة عليهم، لما عرفت من أن آلات ما تقوم به المعيشة مستثناة، والسفينة للملاح كدابة السفر لمن يعيش بالمكاراة، والضرب في الأرض.
وليس في الآية الكريمة ما يدل على أن صدقة كل إنسان تُصرف في كل
стр. 518
صنف من الأصناف الثمانية، بحيث يحصل لكل صنف مقدار معين، وهذا أوضح.
ثم أقول: كتاب الله وسنة رسوله مصرحان بأن الفقير يُعطى من الزكاة، وليس فيهما التقييد بمقدار معين، وليس المعتبر إلا اتصاف المصرف وهو الفقير والمسكين، ومن كان الفقر شرطا للصرف فيه بصفة الفقر أو المسكنة؛ فمن صرف إليه في تلك الحال فقد صرف إلى مصرف شرعي، وإن أعطاه مالا جما، وأنصباء متعددة؛ فهو إنما اتصف بصفة الغني بعد الصرف إليه، وذلك غير ضائر للصارف ولا مانع من الإجزاء.
ومن زعم أنه لا يجوز إلا دون النصاب؛ فعليه الدليل الصالح لتقييد ما كان مطلقا من الأدلة وتخصيص ما كان عاما، وليس هناك إلا مجرد تخيلات فاسدة، لم تُبن على أساس صحيح.
وأما الغارم؛ فظاهر إطلاق الآية يشمل من عليه دين، سواء كان غنيا أو فقيرا، مؤمنا أو فاسقا، في طاعة أو معصية.
أما عدم الفرق بين الغني والفقير؛ فليس فيه إشكال؛ لدخولهما تحت الآية، ولاستثناء الغارم من حديث: " لا تحل الصدقة لغني ".
وما سلكه صاحب " المنار " من التخصيص والتعميم، فوهم منشؤه تجريد النظر إلى لفظ " غني " من غير نظر إلى تمام الحديث المشتمل على استثناء خمسة، أحدهم الغارم.
وأما عدم الفرق بين المؤمن والفاسق؛ فلإطلاق الآية، لا سيما إذا كان
стр. 519
ما استدانه الفاسق في غير سرف ولا معصية، فلا معنى لاشتراط الإيمان.
وأما عدم الفرق بين الدين في طاعة أو معصية؛ فلتناول الإطلاق له، وإذا ورد ما يقتضي التقييد بما لزم في طاعة فله حكمه.
نعم؛ إذا كانت الإعانة له تستلزم إغراءه على المعاصي، ووقوعه فيما يحرم عليه؛ فلا ريب أنه ممنوع لأدلة أخرى، وأما إذا لزمه الدين في السرف والمعصية، ثم تاب وأقلع وطلب أن يعان من الزكاة على القضاء؛ فالظاهر عدم المنع.
وأما سبيل الله؛ فالمراد هنا الطريق إليه ، والجهاد - وإن كان أعظم الطرق إلى الله لكن لا دليل على اختصاص هذا السهم به؛ بل يصح صرف ذلك في كل ما كان طريقا إلى الله ؛ هذا معنى الآية لغة، والواجب الوقوف على المعاني اللغوية، حيث لم يصح النقل هنا شرعاً.
وأما اشتراط الفقر في المجاهد؛ ففي غاية البعد! بل الظاهر إعطاؤه نصيبا وإن كان غنيا، وقد كان الصحابة ﵃ يأخذون من أموال الله التي من جملتها الزكاة في كل عام، ويسمون ذلك عطاء، وفيهم الأغنياء والفقراء، وكان عطاء الواحد منهم يبلغ إلى ألوف متعددة، ولم يسمع من أحد منهم أنه لا نصيب للأغنياء في العطاء، ومن زعم ذلك فعليه الدليل.
فإن قال: الدليل حديث: " إن الصدقة لا تحل لغني "؛ قلنا: أصناف مصارف الزكاة ثمانية، أحدها الفقير، فمن لم يكن فيه إلا كونه فقيرا بدون
стр. 520
اتصافه بوصف آخر من أوصاف أصناف مصارف الزكاة؛ فلا ريب أنه إذا صار غنيا لم تحل له.
وأما من أخذها بمسوغ آخر غير الفقر، وهو كونه مجاهداً أو غارماً أو نحوهما؛ فهو لم يأخذها لكونه فقيرا حتى يكون الغنى مانعا؛ بل أخذها لكونه مجاهدا أو غارما أو نحوهما، فتدبر هذا؛ فهو مفيد.
( [ممن يشملهم سبيل الله] :)
ومن جملة سبيل الله: الصرف في العلماء الذين يقومون بمصالح المسلمين الدينية؛ فإن لهم في مال الله نصيبا، سواء كانوا أغنياء أو فقراء (١) ؛ بل الصرف في هذه الجهة من أهم الأمور؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء وحملة الدين، وبهم تحفظ بيضة الإسلام، وشريعة سيد الأنام، وقد كان علماء الصحابة يأخذون من العطاء ما يقوم بما يحتاجون إليه مع زيادات كثيرة يتفوضون بها في قضاء حوائج من يرد عليهم من الفقراء وغيرهم، والأمر في ذلك مشهور، ومنهم من كان يأخذ زيادة على مئة ألف درهم.
ومن جملة هذه الأموال التي كانت تفرق بين المسلمين على هذه الصفة الزكاة، وقد قال -[ ﷺ ]- لعمر لما قال له يعطي
стр. 521
من هو أحوج منه: " ما آتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف، ولا سائل فخذه، وما لا؛ فلا تتبعه نفسك "، كما في " الصحيح "؛ والأمر ظاهر.
وأما ابن السبيل؛ فإذا كان فقيرا لا يملك شيئا في وطنه ولا في غيره؛ فلا نزاع في أنه يعان على سفره بنصيب غير النصيب الذي يأخذه لأجل فقره، وإن كان غنيا في وطنه، وفي المحل الذي يريد السفر منه؛ فلا نزاع أنه لا يأخذ شيئا لكونه ابن السبيل.
وإن كان غنيا في وطنه، ولم يتمكن من ماله في المحل الذي يريد السفر منه؛ فإن كان لا يمكنه القرض؛ فلا ريب أنه يعان على سفره؛ لأنه كالفقير لعدم إمكان انتفاعه بماله بوجه من الوجوه، وإن كان يمكنه القرض فهذا محل النزاع.
وأما صرف الزكاة كلها في صنف واحد؛ فهذا المقام خليق بتحقيق الكلام:
والحاصل: أن الله سبحانه جعل الصدقة مختصة بالأصناف الثمانية غير سائغة لغيرهم، واختصاصها بهم لا يستلزم أن تكون موزعة بينهم على السوية، ولا أن يقسط كل ما حصل من قليل أو كثير عليهم؛ بل المعنى أن جنس الصدقات لجنس هذه الأصناف؛ من وجب عليه شيء من جنس الصدقة ووضعه في جنس الأصناف، فقد فعل ما أمره الله به، وسقط عنه ما أوجبه الله عليه، ولو قيل: إنه يجب على المالك إذا حصل له شيء تجب فيه الزكاة تقسيطه على جميع الأصناف الثمانية - على فرض وجودهم جميعا -؛ لكان
стр. 522
ذلك مع ما فيه من الحرج والمشقة مخالفا لما فعله المسلمون؛ سلفهم وخلفهم، وقد يكون الحاصل شيئا حقيرا، لو قسط على جميع الأصناف لما انتفع كل صنف بما حصل له - ولو كان نوعا واحدا فضلا أن يكون عددا -.
إذا تقرر لك هذا: لاح لك عدم صلاحية ما وقع منه -[ ﷺ ]- من الدفع إلى سلمة بن صخر (١) من الصدقات للاستدلال.
ولم يرد ما يقتضي إيجاب توزيع كل صدقة صدقة على جميع الأصناف.
وكذلك لا يصلح للاحتجاج حديث أمره [ ﷺ ] لمعاذ أن يأخذ الصدقة من أغنياء أهل اليمن، ويردها في فقرائهم؛ لأن تلك - أيضا - صدقة جماعة من المسلمين، وقد صرفت في جنس الأصناف.
وكذلك حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله -[ ﷺ ]- فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من هذه الصدقة، فقال له رسول الله -[ ﷺ ]-: " إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك "؛ لأن في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي؛ وقد تكلم فيه غير واحد.
стр. 523
وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج؛ فالمراد بتجزئة الصدقة تجزئة مصارفها، كما هو ظاهر الآية التي قصدها -[ ﷺ ]-، ولو كان المراد تجزئة الصدقة نفسها، وأن كل جزء لا يجوز صرفه في غير الصنف المقابل له؛ لما جاز صرف نصيب ما هو معدوم من الأصناف إلى غيره، وهو خلاف الإجماع من المسلمين.
وأيضا؛ لو سلم ذلك؛ لكان باعتبار مجموع الصدقات التي تجتمع عند الإمام، لا باعتبار صدقة كل فرد، فلم يبق ما يدل على وجوب التقسيط؛ بل يجوز إعطاء بعض المستحقين بعض الصدقات وإعطاء بعضهم بعضا آخر.
نعم؛ إذا جمع الإمام جميع صدقات أهل قطر من الأقطار، وحضر عنده جميع الأصناف الثمانية؛ كان لكل صنف حق في مطالبته بما فرضه الله، وليس عليه تقسيط ذلك بينهم بالسوية، ولا تعميمهم بالعطاء؛ بل له أن يعطي بعض الأصناف أكثر من البعض الآخر، وله أن يعطي بعضهم دون بعض، إذا رأى في ذلك صلاحا عائدا على الإسلام وأهله.
مثلا: إذا جمعت لديه الصدقات وحضر الجهاد، وحقت المدافعة عن حوزة الإسلام من الكفار أو البغاة؛ فإن له إيثار صنف المجاهدين بالصرف إليهم، وإن استغرق جميع الحاصل من الصدقات، وهكذا إذا اقتضت المصلحة إيثار غير المجاهدين.
( [تحرم الزكاة على بني هاشم ومواليهم] :)
(وتحرم على بني هاشم) ، وبنو عبد المطلب مثلهم.
أقول: الأحاديث القاضية بتحريم ذلك عليهم قد تواترت تواترا معنويا،
стр. 524
ولم يأت من خادع نفسه بتسويغها بشيء ينبغي الالتفات إليه، بل مجرد هذيان هو عن الحق بمعزل، واحتج لعدم التحريم بحديث: " إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم "، قال: فإذا منعوا ذلك حلت لهم الزكاة، وفي إسناده حسين بن قيس الرحبي؛ الملقب بحنش (١) .
قال الهيثمي: وفيه كلام كثير، وقد وثقه أبو محصن (٢) .
وقال في " خلاصة البدر المنير ": ضعفوه.
وليس في هذا - مع كونه أشف ما جاء به هو وغيره ممن ترخص في هذا الأمر - ما يدل على الحل؛ لأنهم إذا منعوا ما يحل لهم؛ لم يحل لهم ما حرم عليهم، فما وزان هذا إلا وزان قول القائل: لا يحل الزنا؛ لأن في النكاح ما يغني عنه ﴿فهل يقول من له أدنى تمسك بالعلم: إنه إذا لم يقدر على النكاح حل له الزنا؟﴾
وأما التعليل للتحريم بالتهمة له -[ ﷺ ]-، وقد زالت بموته، فحلت لقرابته، كما رواه عن أبي حنيفة ﵀: فمجرد تخمين لا مستند له، وتخيل لا مرشد إليه، ولو كان الأمر كذلك؛ لكانت التهمة في الخمس وصفي الغنيمة أدخل وأشد؛ والله المستعان.
(ومواليهم) : لحديث أبي هريرة مرفوعا وفيه: " إنا لا نأكل الصدقة "، وفي
стр. 525
لفظ: " إنا لا تحل لنا الصدقة "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما.
وفي حديث أبي رافع: " إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -، وابن حبان، وابن خزيمة - وصححاه أيضا -.
وفي رواية لأحمد (١) ، والطحاوي من حديث الحسن بن علي: " لا تحل لآل محمد الصدقة ".
وفي حديث المطلب بن ربيعة، أنه [ ﷺ ] قال: " إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد؛ إنما هي أوساخ الناس "؛ وهو في " صحيح مسلم ".
وفي الباب أحاديث.
قال في " الحجة البالغة ": " إنما كانت أوساخا؛ لأنها تكفر الخطايا، وتدفع البلايا، وتقع فداء عن العبد في ذلك، فيتمثل في مدارك الملأ الأعلى أنها هي، فتدرك بعض النفوس العالية أن فيها ظلمة، وقد يشاهد أهل المكاشفة (٢) تلك الظلمة، وكان سيدي الوالد - قدس سره - يحكي ذلك من نفسه (٢) .
وأيضا؛ المال الذي يأخذه الإنسان من غير مبادلة عين أو نفع، ولا يراد به احترام وجهه؛ فيه ذلة ومهانة، ويكون لصاحب المال عليه فضل ومنة؛ وهو قوله [ ﷺ ] : " اليد العليا خير من اليد السفلى "؛ فلا جرم أن التكسب بهذا النوع شر وجوه المكاسب، لا يليق بالمطهرين المنوه بهم في الملة ". اهـ.
стр. 526
قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة.
وكذا حكى الإجماع [أبو طالب - من أهل البيت -؛ كما حكى ذلك عنه في " البحرش، وكذا حكاه] (١) ابن رسلان في " شرح السنن ".
وقد وقع الخلاف في (الآل) الذين تحرم عليهم الصدقة على أقوال؛ أظهرها أنهم بنو هاشم، وحكم مواليهم حكمهم في ذلك.
أقول: الحق تحريم الزكاة أجمع على بني هاشم، سواء كانت الزكاة منهم، أو من غيرهم، وما استروح إليه من قال بجواز صدقة بعضهم لبعض من حديث العباس بن عبد المطلب، أنه قال: قلت: يا رسول الله ﴿إنك حرمت علينا صدقات الناس، هل تحل لنا صدقات بعضنا لبعض؟ قال: " نعم "، أخرجه الحاكم (٢) : فليس بصالح للاحتجاج به لما فيه من المقال، حتى قيل: إنه اتهم بعض رواته، كما حققه صاحب " الميزان "، وقد عرفت عموم أحاديث التحريم، فلا يجوز تخصيصها بمخصص غير ناهض.
( [تحرم الزكاة على الأقوياء المكتسبين] :)
(و) تحرم (على الأغنياء والأقوياء المكتسبين) : وجهه ما في الأحاديث
стр. 527
الصحيحة الثابتة عن جماعة أنها " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي ".
وفي لفظ لأحمد، وأهل " السنن " من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار مرفوعا: " ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب ".
وفي بعض الأخبار. " ولا لذي مرة قوي ".
والمرة - بكسر الميم وتشديد الراء -: القوة وشدة العقل؛ كذا قال الجوهري.
قال في " الحجة البالغة ": " وجاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال؛ أنها أوقية، أو خمسون درهما، وجاء أيضا أنها ما يغديه أو يعشيه، وهذه الأحاديث ليست متخالفة عندنا؛ لأن الناس على منازل شتى، ولكل واحد كسب لا يمكن أن يتحول عنه، فمن كان كاسبا بالحرفة؛ فهو معذور حتى يجد آلات الحرفة، ومن كان زارعا حتى يجد آلات الزرع، ومن كان تاجرا حتى يجد البضاعة، ومن كان على الجهاد مسترزقا بما يروح ويغدو من الغنائم، كما كان أصحاب رسول الله -[ ﷺ ]-، فالضابط فيه: أوقية، أو خمسون درهما، ومن كان كاسبا بحمل الأثقال في الأسواق، أو احتطاب الحطب وبيعه وأمثال ذلك؛ فالضابط فيه: ما يغديه ويعشيه ". أه.
في " الموطأ " (١) من حديث عطاء بن يسار، أن رسول الله -[ ﷺ ]- قال: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل
стр. 528
الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله (١) ، أو لرجل له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغني ".
قال في " المسوى ": " لا خلاف في صورة تبدل الأيدي، وكذا في العامل وابن السبيل، وأما الغارم والغازي؛ فتحل الصدقة لهما وإن كانا غنيين عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا تحل إلا إذا كانا فقيرين.
وظاهر الآية مع الشافعي؛ لأن الله - تعالى - جعلهما قسيمي الفقير والمسكين.
وعند الحنفية: تحل الصدقة لمن ليس عنده نصاب غير مستغرق في حاجته، فلو ملك نصابا غير نام، لكنه غير مستغرق لم تحل له، ولو ملك نصبا كثيرة - إلا أنها مستغرقة - حلت له، ولا يحل السؤال إلا لمن لا يملك قوت يومه بعد ستر بدنه؛ كذا في " العالمكيرية ".
قال في " شرح السنة ": إذا رأى الإمام السائل جلدا قويا، وشك في أمره؛ أنذره وأخبره بالأمر، فإن زعم أنه لا كسب له، أو له عيال لا يقوم كسبه بكفايتهم قبل منه وأعطاه ".
أقول: يمكن أن يطبق بين الأحاديث باختلاف الأحوال، والأصل اعتبار معنى الحاجة والاستغناء بالكسب المتيسر، فالأوقية تمنع السؤال لمن كان حاله مثل حال المهاجر في زمان النبي -[ ﷺ ]-، كانوا مرتزقين من الفيء دفعة بعد دفعة، وفي الفيء قلة، والاحتطاب مانع من
стр. 529
السؤال لمن كان قويا حاذقا في الاحتطاب، أو أراد أن يسأل غير الإمام؛ وعلى هذا القياس غيرهما ". اه.
أقول: قد قدمنا ما هو الحق في تفسير الغنى المانع من أخذ الزكاة، وقدمنا - أيضا - ما هو الحق في بعض الأصناف الثمانية من عدم اشتراط الفقر كالمجاهد ونحوه.
( [صرف الصدقة في ذوي الأرحام أفضل] :)
ثم اعلم أن الأدلة طافحة بأن الصرف في ذوي الأرحام أفضل؛ من غير فرق بين الصدقة الواجبة والمندوبة، كما يدل على ذلك ترك الاستفصال في مقام الاحتمال (١) ، فإنه ينزل منزلة العموم.
على أنه قد ورد التصريح في حديث أبي سعيد عند البخاري، أن النبي [ ﷺ ] قال لامرأة: " زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم ".
وثبت عند البخاري، وأحمد عن معن بن يزيد، قال: أخرج أبي دنانير يتصدق بها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله -[ ﷺ ]-، فقال: " لك ما نويت يا يزيد ﴿ولك ما أخذت يا معن﴾ ".
وهذه الأدلة إنما هي تبرع من القائل بالجواز والإجزاء، وإلا فهو قائم مقام المنع من كون القرابة أو وجوب النفقة مانعين، ولم يأت القائل بذلك بدليل ينفق في محل النزاع، على فرض أنه لم يكن بيد القائل بالجواز إلا
стр. 530
التمسك بالأصل، فكيف والأدلة عموما وخصوصا ناطقة بما ذهبوا إليه؟ !
( [الكلام في الجزية والعشور على أهل الذمة] :)
وأما أهل الذمة؛ فالذي ثبت عن رسول الله [ ﷺ ] وشرعه؛ هو أخذ الجزية من أهل الذمة بدلا عن دمائهم، وصالح بعض أهل الذمة على شيء معلوم يسلمونه في كل سنة، وهو الجزية أيضا، فقد تكون الجزية مضروبة على كل فرد من أفراد أهل الذمة كذا، وقد تكون مضروبة على الجميع بمقدار معين.
وأما الاستئناس لقول عمر ﵁ بكونه بمشاورة الصحابة؛ فليس ذلك مستلزما لكونه إجماعا، وليس الحجة إلا إجماعهم، وليس فيه حجة على ثبوت مثل هذا التكليف الشاق على أهل الذمة، ولم يثبت هذا عن رسول الله [ ﷺ ] .
وأما حديث: " ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى ": فهذا الحديث هو أشف ما يستدل به على المطلوب، وقد أخرجه أبو داود من طرق وفي بعضها مقال.
وأخرجه أحمد، والبخاري في " التاريخ "، وساق الاضطراب في سنده (١) ، وقال: لا يتابع عليه، والراوي له عن النبي [ ﷺ ] رجل بكري، وهو مجهول، ولكن جهالة الصحابي غير قادحة، كما قرره شيخنا العلامة الشوكاني، في الرسالة التي سماها " القول المقبول في رد المجهول من غير صحابة الرسول ".