← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة. وكذا حكى الإجماع [أبو طالب - من أهل البيت -؛ كما حكى ذلك عنه في " البحرش، وكذا حكاه] (١) ابن رسلان في " شرح السنن ". وقد وقع الخلاف في (الآل) الذين تحرم عليهم الصدقة على أقوال؛ أظهرها أنهم بنو هاشم، وحكم مواليهم حكمهم في ذلك. أقول: الحق تحريم الزكاة أجمع على بني هاشم، سواء كانت الزكاة منهم، أو من غيرهم، وما استروح إليه من قال بجواز صدقة بعضهم لبعض من حديث العباس بن عبد المطلب، أنه قال: قلت: يا رسول الله ﴿إنك حرمت علينا صدقات الناس، هل تحل لنا صدقات بعضنا لبعض؟ قال: " نعم "، أخرجه الحاكم (٢) : فليس بصالح للاحتجاج به لما فيه من المقال، حتى قيل: إنه اتهم بعض رواته، كما حققه صاحب " الميزان "، وقد عرفت عموم أحاديث التحريم، فلا يجوز تخصيصها بمخصص غير ناهض. ( [تحرم الزكاة على الأقوياء المكتسبين] :) (و) تحرم (على الأغنياء والأقوياء المكتسبين) : وجهه ما في الأحاديث

стр. 527

الصحيحة الثابتة عن جماعة أنها " لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي ". وفي لفظ لأحمد، وأهل " السنن " من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار مرفوعا: " ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب ". وفي بعض الأخبار. " ولا لذي مرة قوي ". والمرة - بكسر الميم وتشديد الراء -: القوة وشدة العقل؛ كذا قال الجوهري. قال في " الحجة البالغة ": " وجاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال؛ أنها أوقية، أو خمسون درهما، وجاء أيضا أنها ما يغديه أو يعشيه، وهذه الأحاديث ليست متخالفة عندنا؛ لأن الناس على منازل شتى، ولكل واحد كسب لا يمكن أن يتحول عنه، فمن كان كاسبا بالحرفة؛ فهو معذور حتى يجد آلات الحرفة، ومن كان زارعا حتى يجد آلات الزرع، ومن كان تاجرا حتى يجد البضاعة، ومن كان على الجهاد مسترزقا بما يروح ويغدو من الغنائم، كما كان أصحاب رسول الله -[ ﷺ ]-، فالضابط فيه: أوقية، أو خمسون درهما، ومن كان كاسبا بحمل الأثقال في الأسواق، أو احتطاب الحطب وبيعه وأمثال ذلك؛ فالضابط فيه: ما يغديه ويعشيه ". أه. في " الموطأ " (١) من حديث عطاء بن يسار، أن رسول الله -[ ﷺ ]- قال: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل

стр. 528

الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله (١) ، أو لرجل له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغني ". قال في " المسوى ": " لا خلاف في صورة تبدل الأيدي، وكذا في العامل وابن السبيل، وأما الغارم والغازي؛ فتحل الصدقة لهما وإن كانا غنيين عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تحل إلا إذا كانا فقيرين. وظاهر الآية مع الشافعي؛ لأن الله - تعالى - جعلهما قسيمي الفقير والمسكين. وعند الحنفية: تحل الصدقة لمن ليس عنده نصاب غير مستغرق في حاجته، فلو ملك نصابا غير نام، لكنه غير مستغرق لم تحل له، ولو ملك نصبا كثيرة - إلا أنها مستغرقة - حلت له، ولا يحل السؤال إلا لمن لا يملك قوت يومه بعد ستر بدنه؛ كذا في " العالمكيرية ". قال في " شرح السنة ": إذا رأى الإمام السائل جلدا قويا، وشك في أمره؛ أنذره وأخبره بالأمر، فإن زعم أنه لا كسب له، أو له عيال لا يقوم كسبه بكفايتهم قبل منه وأعطاه ". أقول: يمكن أن يطبق بين الأحاديث باختلاف الأحوال، والأصل اعتبار معنى الحاجة والاستغناء بالكسب المتيسر، فالأوقية تمنع السؤال لمن كان حاله مثل حال المهاجر في زمان النبي -[ ﷺ ]-، كانوا مرتزقين من الفيء دفعة بعد دفعة، وفي الفيء قلة، والاحتطاب مانع من

стр. 529

السؤال لمن كان قويا حاذقا في الاحتطاب، أو أراد أن يسأل غير الإمام؛ وعلى هذا القياس غيرهما ". اه. أقول: قد قدمنا ما هو الحق في تفسير الغنى المانع من أخذ الزكاة، وقدمنا - أيضا - ما هو الحق في بعض الأصناف الثمانية من عدم اشتراط الفقر كالمجاهد ونحوه. ( [صرف الصدقة في ذوي الأرحام أفضل] :) ثم اعلم أن الأدلة طافحة بأن الصرف في ذوي الأرحام أفضل؛ من غير فرق بين الصدقة الواجبة والمندوبة، كما يدل على ذلك ترك الاستفصال في مقام الاحتمال (١) ، فإنه ينزل منزلة العموم. على أنه قد ورد التصريح في حديث أبي سعيد عند البخاري، أن النبي [ ﷺ ] قال لامرأة: " زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم ". وثبت عند البخاري، وأحمد عن معن بن يزيد، قال: أخرج أبي دنانير يتصدق بها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فقال: والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله -[ ﷺ ]-، فقال: " لك ما نويت يا يزيد ﴿ولك ما أخذت يا معن﴾ ". وهذه الأدلة إنما هي تبرع من القائل بالجواز والإجزاء، وإلا فهو قائم مقام المنع من كون القرابة أو وجوب النفقة مانعين، ولم يأت القائل بذلك بدليل ينفق في محل النزاع، على فرض أنه لم يكن بيد القائل بالجواز إلا

стр. 530

التمسك بالأصل، فكيف والأدلة عموما وخصوصا ناطقة بما ذهبوا إليه؟ ! ( [الكلام في الجزية والعشور على أهل الذمة] :) وأما أهل الذمة؛ فالذي ثبت عن رسول الله [ ﷺ ] وشرعه؛ هو أخذ الجزية من أهل الذمة بدلا عن دمائهم، وصالح بعض أهل الذمة على شيء معلوم يسلمونه في كل سنة، وهو الجزية أيضا، فقد تكون الجزية مضروبة على كل فرد من أفراد أهل الذمة كذا، وقد تكون مضروبة على الجميع بمقدار معين. وأما الاستئناس لقول عمر ﵁ بكونه بمشاورة الصحابة؛ فليس ذلك مستلزما لكونه إجماعا، وليس الحجة إلا إجماعهم، وليس فيه حجة على ثبوت مثل هذا التكليف الشاق على أهل الذمة، ولم يثبت هذا عن رسول الله [ ﷺ ] . وأما حديث: " ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى ": فهذا الحديث هو أشف ما يستدل به على المطلوب، وقد أخرجه أبو داود من طرق وفي بعضها مقال. وأخرجه أحمد، والبخاري في " التاريخ "، وساق الاضطراب في سنده (١) ، وقال: لا يتابع عليه، والراوي له عن النبي [ ﷺ ] رجل بكري، وهو مجهول، ولكن جهالة الصحابي غير قادحة، كما قرره شيخنا العلامة الشوكاني، في الرسالة التي سماها " القول المقبول في رد المجهول من غير صحابة الرسول ".

стр. 531

وفي بعض ألفاظ هذا الحديث عند أبي داود: " الخراج "، مكان: " العشور "؛ ولكن إنما يتم الاستدلال بهذا الحديث على المطلوب؛ لو كان المراد به هو نصف عشر ما يتجرون به كما زعموه، وليس كذلك؛ بل فيه خلاف. فقال في " القاموس ": " عشّرهم يُعشّرهم عشراً، وعُشوراً: أخذ عشر أموالهم ". اه. وقال في " النهاية ": " العشور جمع عشر؛ يعني: ما كان من أموالهم للتجارات دون الصدقات، والذي يلزمهم من ذلك عند الشافعي ما صولحوا عليه وقت العهد، فإن لم يصالحوا على شيء، فلا تلزمهم إلا الجزية. وقال أبو حنيفة ﵀: إن أخذوا من المسلمين إذا دخلوا بلادهم للتجارة؛ أخذنا منهم إذا دخلوا بلادنا للتجارة، ومنه: " احمدوا الله إذ رفع عنكم العشور " (١) ؛ يعني: ما كانت الملوك تأخذه منهم. ومنه أن وفد ثقيف اشترطوا أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا؛ أي: لا يؤخذ عشر أموالهم (٢) . اه كلام " النهاية ".

стр. 532

وقال الخطابي مثل ما نقله صاحب " النهاية " في أول كلامه. فحصل من جميع هذا أن العشور إما العشر، أو المال المصالح به، أو ما يؤخذ من تجار أهل الذمة إن أخذوا من تجارنا، أو ما يأخذه الملوك من الجبايات والضرائب، أو الخراج كما في بعض روايات الحديث، ومع هذا الاحتمال لا ينتهض للاستدلال به. والحاصل: أن الأصل في أموال الناس - مسلمهم وكافرهم - التحريم: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ ؛ فلا بد من دليل يدل على تحليل المطلوب؛ لأنه خارج عن الأقسام المسوغة؛ إذ ليس بجزية، ولا مال صلح، ولا خراج، ولا معاملة، ولا زكاة؛ لعدم صحتها منهم؛ لأن الكفر مانع. وأظهر ما يقال في معنى العشور؛ أحد أمرين: إما الخراج؛ لأن بعض ألفاظ الحديث يفسر بعضا، أو الضرائب التي تضرب عليهم - كالجزية ومال الصلح -، فيكون المراد أن المسلمين ليس عليهم الخراج؛ أي: لا يوضع في أموالهم ابتداء، وليس عليهم ضريبة في رقابهم أو أموالهم كاليهود، وحينئذ لم يبق ما يصلح للتمسك به على جواز أخذ نصف عشر أموال تجار أهل الذمة. ومما يؤيد ما ذكرناه في معنى العشور: ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله -[ ﷺ ]-: " لا تصلح قبلتان في أرض، وليس على مسلم جزية " (١) ؛ فيمكن أن يكون مفسرا لحديث: " ليس على المسلمين عشور "، ولم يثبت عن النبي

стр. 533

-[ ﷺ ]- تقدير ما يؤخذ من أهل الذمة؛ إلا ما في حديث معاذ: أن النبي [ ﷺ ] أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً؛ أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، والدارقطني، والبيهقي، وابن حبان، والحاكم. وهذا الحديث - وإن كان فيه مقال (١) - فهو لا يخرج به عن صلاحيته للاستدلال، فالوقوف على هذا المقدار متعين لا تجوز مجاوزته. وأما النقص منه - إذا رآه الإمام أو المسلمون - فلا بأس به؛ لأن الجزية حق لهم؛ يجوز لهم الاقتصار على بعض ما وجب. والظاهر أنه لا فرق بين الغني والفقير والمتوسط في أنهم يستوون في جواز أخذ هذا المقدار منهم؛ لأن الجزية لما كانت عوضا عن الدم كان ذو المال كمن لا مال له. وأما من ذهب إلى أنه يجب على الفقير نصف ما على المتوسط، وعلى المتوسط نصف ما على الغني، وجعلوا الغني من يملك ألف دينار أو ما يساويها، ويركب الخيل، ويتختم الذهب، والمتوسط دونه، تمسكا بما روي عن علي؛ أنه كان يجعل على المياسير من أهل الذمة ثمانية وأربعين درهما، وعلى الأوساط أربعة وعشرون، وعلى الفقراء اثني عشر: فهذا - مع كونه غير مرفوع إلى النبي [ ﷺ ]- لا تقوم به الحجة؛ لأن في إسناده أبا خالد الواسطي؛ ولا يحتج بحديثه إذا كان مرفوعاً، فكيف إذا كان موقوفاً؟ ! وكذلك لا تقوم الحجة بما أخرجه في " الموطأ " عن عمر: أنه كان يأخذ

стр. 534

على أهل الذهب من أهل الذمة الجزية أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما؛ لأنه فعل صحابي لا يصلح للاحتجاج به، فالاقتصار على ما في حديث معاذ متحتم. ويؤيده ما أخرجه البيهقي (١) عن أبي الحويرث - مرسلاً -: أن النبي [ ﷺ ] صالح أهل أيلة وكانوا ثلاث مئة رجل على ثلاث مئة دينار. وأما ما روي عن الشافعي، قال: سمعت بعض أهل العلم من أهل نجران يذكر أن قيمة ما أخذ من كل واحد أكثر من دينار: فهذا - مع كونه ليس بمرفوع ولا موقوف ولا معلوم قائله - لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن المأخوذ من أهل نجران إنما كان صلحا بمقدار من المال على جميعهم، ومحل النزاع ما يضرب على كل فرد ابتداء. ثم نقول: أموال أهل الحرب على أصل الإباحة، يجوز لكل أحد أخذ ما شاء منها كيف شاء قبل التأمين لهم، فيجوز للسلطان أن يأذن لهم بدخول بلاد المسلمين والتجارة فيها على ما شاء من قليل أو كثير، يأخذه من أموالهم؛ إنما الشأن في أخذ مثل ذلك من المسلمين الذين يسافرون للتجارة من أرض إلى أرض، فيأخذ منهم أهل الأرض التي يصلون إليها شطرا من أموالهم من غير نظر إلى كون ذلك زكاة تجارة ولا غيرها؛ بل لا يعتبرون في استحلال أخذه؛ إلا مجرد خروجهم من سفائن البحر، أو وصولهم من البر إلى حدود الأرض التي يخرجون إليها، فهذا عند التحقيق ليس هو إلا المكس من غير شك ولا شبهة، وقد حققت المقام في " إكليل الكرامة "؛ فليراجع.

стр. 535

(٥ - باب صدقة الفطر) ( [مقدار صدقة الفطر] :) (هي صاع من القوت المعتاد عن كل فرد) : لحديث ابن عمر في " الصحيحين " وغيرهما، قال: فرض رسول الله [ ﷺ ] زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير؛ على العبد، والحر، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير من المسلمين "، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وفي " صحيح مسلم "، وغيره: " ليس على المسلم في عبده صدقة؛ إلا صدقة الفطر ". وأخرج الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن عمر، قال: أمر رسول الله [ ﷺ ] بصدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد؛ عمن تمونون ". وأخرج نحوه الدارقطني من حديث علي؛ وفي إسناده ضعف؛ وله طرق. والخطابات في إخراجها على من ليس بمكلف؛ إنما هي كائنة مع المكلفين (١) .

стр. 536

وقد ذهب الجمهور إلى أنها صاع من البر وغيره. وذهب بعض الصحابة إلى أن الفطرة من البر نصف صاع، وقد حكاه ابن المنذر عن علي، وعثمان، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس، وابن الزبير، وأمه أسماء بنت أبي بكر؛ بأسانيد صحيحة، كما قال الحافظ، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقد تمسكوا بحديث ابن عباس مرفوعا: " صدقة الفطر: مدّان من قمح "؛ أخرجه الحاكم (١) . وأخرج نحوه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعاً. وفي الباب أحاديث تعضد ذلك، ولكن ليس هذا بإجماع من الصحابة، حتى يكون حجة. وقد أخرج ابن خزيمة، والحاكم في " صحيحيهما " (٢) : أن أبا سعيد قال لما ذكروا عنده صدقة رمضان: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله -[ ﷺ ]-: صاع تمر، أو صاع حنطة، أو صاع شعير، أو صاع أقط "، ولكن هذا - مع كونه غير مصرح باطلاع رسول الله -[ ﷺ ]- على ذلك ولا تقريره -: قد قال ابن خزيمة: ذكر

стр. 537

الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ، ولا أدري ممن الوهم! ؟ وكذلك قال أبو داود. وقد روى الحاكم (١) من حديث ابن عباس، والترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعاً أيضا: أن النبي [ ﷺ ] أمر صارخا بمكة ينادي: " إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم؛ صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو مملوك، حاضر أو باد: مُدّان من قمح، أو صاع من شعير، أو تمر ". وأخرج نحوه الدارقطني من حديث عصمة بن مالك بلفظ: " مدان من قمح "؛ وفي إسناده الفضل بن المختار وهو ضعيف. ويؤيده ما عند أبي داود، والنسائي عن الحسن - مرسلا - بلفظ: فرض رسول الله -[ ﷺ ]- هذه الصدقة: صاعا من تمر، أو من شعير، أو نصف صاع من قمح. وأخرج أيضا أبو داود (٢) من حديث عبد الله بن ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير بلفظ: قال رسول الله -[ ﷺ ]-: " صدقة الفطر صاع من بر، أو قمح عن كل اثنين ". وأخرج سفيان الثوري في " جامعه " عن علي موقوفا بلفظ: نصف صاع بر.

стр. 538

وهذه الروايات متعاضدة صالحة لتخصيص لفظ الطعام على فرض شموله للبر، كما قال بذلك بعض أهل العلم. قال في " المسوى ": في الحديث: " صدقة الفطر فريضة "؛ وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة: واجبة. وفيه: أنه لا يشترط لها النصاب؛ بل هي فريضة على الغني والفقير، وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من يملك نصابا، وإن لم يكن ناميا. وفيه: أنها تجب على الصغير والمجنون ومن لم يطق الصوم، وعليه أكثر أهل العلم. وفيه: أنها تجب عن الرقيق - مطلقا - سواء كانوا للتجارة، أو للخدمة، وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تجب عن رقيق التجارة. وفيه: أنها لا تجب عن العبد الكافر، وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة: تجب عنه. وفيه: أنه لا يجوز إخراج الدقيق والسويق ولا الخبز ولا القيمة؛ وعليه الشافعي.

стр. 539

وقال أبو حنيفة: يجوز كل ذلك. وفيه: أنه لا يجوز أقل من صاع من أي جنس أخرج، وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز من البر نصف صاع. وفيه: أن الواجب مقدر بصاع النبي -[ ﷺ ]-؛ وهو خمسة أرطال وثلث بالرطل العراقي، وقدرها بالقدح المصري: قدحان. وقال أبو حنيفة: بصاع الحجاز، وهو ثمانية أرطال. وقال الشافعي: تجب فطرة المرأة على زوجها. وقال أبو حنيفة: لا تجب عليه ". ( [وقت إخراج صدقة الفطر] :) (والوجوب على سيد العبد ومنفق الصغير ونحوه، ويكون إخراجها قبل صلاة العيد) : لحديث ابن عمر في " الصحيحين " وغيرهما: " أن رسول الله -[ ﷺ ]- أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ". فيه دليل على وجوب الإخراج في ذلك الوقت. وأخرج أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم - وصححه - عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: " فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها

стр. 540

بعد الصلاة؛ فهي صدقة من الصدقات " (١) ، وهذا يدل على أنها لا تجزئ بعد الصلاة؛ لأنها حينئذ صدقة كسائر الصدقات التي يتصدق بها الإنسان، وليست بزكاة الفطر. قال في " المسوى ": " السنة عند أهل العلم: أن يُخرج صدقة الفطر يوم العيد قبل الخروج إلى الصلاة، ولو عجلها بعد دخول رمضان يجوز، ولا يجوز تأخيرها عن يوم الفطر عند بعضهم. وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس ". وفي " سفر السعادة ": " وظاهر هذه الأحاديث أنها بعد الصلاة لا تجزئ ". اه. ( [من الذي لا تجب عليه صدقة الفطر ؟] :) (ومن لا يجد زيادة على قوت يومه وليلته فلا فطرة عليه) : لأنه إذا أخرج قوت يومه، أو بعضه كان مصرفا لا صارفا؛ لقوله [ ﷺ ] : " أغنوهم في هذا اليوم "، أخرجه البيهقي، والدارقطني من حديث ابن عمر (٢) . فإذا ملك زيادة على قوت يومه؛ أخرج الفطرة إن بلغ الزائد قدرها. ويؤيده تحريم السؤال على من ملك ما يغديه ويعشيه، كما أخرجه أحمد، وأبو داود من حديث سهل ابن الحنظلية مرفوعاً؛ لأن النصوص أطلقت ولم تخص غنيا ولا فقيرا.

стр. 541

وقد أخرج أحمد، وأبو داود عن عبد الله بن ثعلبة، قال: قال رسول الله [ ﷺ ] : " صدقة الفطر صاع تمر، أو صاع شعير عن كل رأس، أو صاع بر أو قمح بين اثنين: صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، غني أو فقير، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى ". وقد وقع الخلاف في تقدير ما يعتبر في وجوب زكاة الفطر: فقيل: ملك النصاب، وقيل: قوت عشر. أقول: التقدير بقوت عشرة أيام محض رأي؛ ليس عليه أثارة من علم، وليس هو أيضا على أسلوب مناسب باعتبار محض الرأي، فإن الرأي إذا لم يكن له علة معقولة، سائغة في العقل، مقبولة في الطبع؛ فهو مردود عند أهل الرأي! وقد ورد ما يدل على أن الفقير كالغني في الفطرة؛ ففي حديث ابن أبي صعير (١) عند أبي داود بلفظ: " غني أو فقير "، ويؤيده حديث ابن ثعلبة (١) المتقدم؛ لأن المراد أن الله يرد عليه من العوض خيرا مما أخرج. وقال مالك، والشافعي، وعطاء، وأحمد بن حنبل، وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكا لقوت يومه وليلته. والظاهر: أن من وجد ما يكفيه ومن يعول ليوم الفطر، ووجد صاعا

стр. 542

زائدا على ذلك أخرجه؛ لحديث: " أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم "، أخرجه البيهقي، والدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً. وأخرجه ابن سعد أيضا في " الطبقات " (١) من حديث عائشة وأبي سعيد. فظاهر قوله: " أغنوهم ": أنهم يصيرون أغنياء إذا نالوا ما يكفيهم في يومهم، والمراد أنهم أغنياء عن الطواف، وأن الغني في الفطرة من استغنى عن الطواف في يومه، والفقير من افتقر إلى الطواف في يومه، فيكون الوجوب متحتما على من وجد ما يغنيه في يومه؛ مع زيادة قدر ما يجب عليه من الفطرة، ويكون مصرفها من لم يجد ذلك، لا كما قالوا: إن مصرفها مصرف الزكاة! ( [مصرف صدقة الفطر مصرف الزكاة] :) (ومصرفها مصرف الزكاة) : لكونه -[ ﷺ ]- قد سماها زكاة، كقوله: " فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة "، وقول ابن عمر: إن رسول الله [ ﷺ ] أمر بزكاة الفطرة - وقد تقدما -، ولكنه ينبغي تقديم الفقير للأمر بإغنائهم في ذلك اليوم، فما زاد صُرف في سائر الأصناف. وقال في " سفر السعادة ": وكان يخص المساكين بهذه الصدقة، ولا يقسمها على الأصناف الثمانية، ولم يرد بذلك أمر أيضا، وبه قال بعض العلماء، ويجوز الصرف للأصناف الثمانية، بل خُص بها المساكين. انتهى.

стр. 543

(الكتاب الخامس: كتاب الخمس)

стр. 544

(٥ - كتاب الخمس) ( [يجب الخمس فيما يُغنم في القتال وفي الركاز] :) (يجب فيما يُغنم في القتال) وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله - تعالى - في كتاب الجهاد والسير. ولا فرق بين الأراضي والدور المأخوذة من الكفار وبين المنقولات؛ فإن الجميع مغنم في القتال. وأما الفيء - وهو ما أُخذ بغير قتال -: فحكمه مذكور في قوله - تعالى -: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى﴾ ، والمراد بقوله - تعالى -: ﴿من شيء﴾ ما بينه رسول الله [ ﷺ ] ، لا كل ما يطلق عليه اسم الغنيمة، بل ما غُنم بالقتال - كما في " النهاية " وغيرها -؛ ولو بقي على عمومه، لاستلزم وجوب الخمس في الأرباح والمواريث ونحوهما، وهو خلاف الإجماع، وما استلزم الباطل باطل. (وفي الركاز) الخمس؛ لأنه يشبه الغنيمة من وجه، ويشبه المجان، فجُعلت زكاته خمساً، لحديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، أن النبي [ ﷺ ] قال: " العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس ".

стр. 545

( [اختلاف العلماء في تعريف الركاز] :) والرِّكاز - بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي -: قال مالك والشافعي: الركاز دفن الجاهلية. وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما: إن المعدن ركاز. وخالفهم في ذلك الجمهور، فقالوا: لا يقال للمعدن: ركاز، واحتجوا بما وقع في هذا الحديث من التفرقة بينهما بالعطف، وأن ذلك يدل على المغايرة. وفي " القاموس " تفسير الركاز بالمعدن ودفين الجاهلية. وقال صاحب " النهاية ": إن الركاز يقع عليهما، وإن الحديث ورد في الدفين. هذا معنى كلامه. قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": " وفي قوله: " المعدن جبار " قولان: أحدهما: أنه إذا استأجر من يحفر له معدنا، فسقط عليه فقتله؛ فهو جبار؛ ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: " البئر جبار، والعجماء جبار ". والثاني: أنه لا زكاة فيه، ويؤيد هذا القول اقترانه بقوله: " وفي الركاز الخمس "، ففرق بين المعدن والركاز، فأوجب الخمس في الركاز؛ لأنه مال مجموع يؤخذ بغير كلفة ولا تعب، وأسقطها عن المعدن؛ لأنه يحتاج إلى كلفة وتعب في استخراجه، والله - تعالى - أعلم ". اه.

стр. 546

قال مالك: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي سمعت أهل العلم يقولون: إن الركاز إنما هو دفن يوجد من دِفن الجاهلية؛ ما لم يُطلب بمال، ولم يُتكلف فيه نفقة ولا كبير عمل ولا مؤنة، فأما ما طُلب بمال، وتُكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة؛ فليس بركاز. قال في " المسوى ": " هو أظهر أقوال الشافعي في تفسير الركاز، وله قول: إن المعدن من الركاز أو بمنزلة الركاز، وعليه أبو حنيفة. والمراد بالركاز على أظهر أقوال الشافعي: هو الدفين الجاهلي من النقد. وأما الإسلام؛ فإن عُلم مالكه فله؛ وإلا فلقطة، وإنما يملكه الواجد، وتجب فيه الزكاة إذا وُجد في موات أو ملك أحياء، فإن وجد في ملك شخص فللشخص، أو في مسجد أو شارع؛ فلقطة. قال مالك: المعدن بمنزلة الزرع، يؤخذ منه مثل ما يؤخذ من الزرع، يؤخذ منه إذا خرج من المعدن من يومه ذلك، ولا يُنتظر به الحول، كما يؤخذ من الزرع إذا حُصد العشر ولا يُنتظر به أن يحول عليه الحول. قلت: وبه قال الشافعي في أظهر أقواله، ولم يوجب في غير الذهب والفضة. وقال الشافعي - في حديث معادن القبلية (١) في قول آخر -: ليس هذا مما

стр. 547

يثبته أهل الحديث، ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي [ ﷺ ] ؛ إلا إقطاعه. وأما الزكاة فليست مروية عنه، كذا روى عنه البيهقي في " سننه ". أقول: ولو كانت الزكاة مروية؛ فليس ذلك نصا في ربع العشر، بل يحتمل معنيين آخرين: أحدهما: يؤخذ منه الخمس وهو زكاة، وهو قول للشافعي، والحصر بالنسبة إلى الكل. والثاني: إذا ملكه وحال عليه الحول؛ تؤخذ منه الزكاة؛ وهو قول جمع من المحدثين ". انتهى. ( [لا يجب الخمس في غير الغنائم والركاز] :) (ولا يجب فيما عدا ذلك) : لعدم الإيجاب الشرعي، والبقاء تحت البراءة الأصلية. وقال أبو حنيفة: الخمس في كل جوهر ينطبع كالحديد والنحاس. أقول: إن إيجاب الزكاة في جميع المعادن، ومجاوزة ذلك إلى صيد البر والبحر والمسك والحطب والحشيش - كما فعله كثير من المصنفين -: ليس بصواب؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك، والأصل في أموال العباد التي قد دخلت في أملاكهم بوجه من الوجوه المقتضية للملك؛ هو الحرمة، ولا يجوز أخذ شيء منها إلا بطيبة من نفس مالكها: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه "، وإلا كان أكلا بالباطل: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ .

стр. 548

والمتيقن وجوب الخمس في الغنيمة من القتال، وفي معدن الذهب والفضة؛ لما أخرجه البيهقي (١) في حديث الركاز بزيادة: قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ ! قال: " الذهب والفضة التي خلقت في الأرض يوم خُلقت "، وهو - وإن كان في إسناده سعيد بن أبي سعيد المقبري -: فهو لا يقصر عن صلاحية حديثه للتفسير؛ فليعلم. ( [مصرف الغنائم والركاز] :) (ومصرفه) ؛ أي: مصرف الزكاة عند الشافعي، ومصرف خمس الفيء عند أبي حنيفة. (من في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ ) ؛ وكفى بها دليلا على ذلك. وفي " حجة الله البالغة ": " يوضع سهم الرسول [ ﷺ ] بعده في مصالح المسلمين؛ الأهم فالأهم، وسهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب، الفقير منهم والغني، والذكر والأنثى، وعندي أنه يخير الإمام في تعيين المقادير، وكان عمر - رضي الله تعالى عنه - يزيد في فرض آل النبي [ ﷺ ] من بيت المال، ويعين المدين منهم، والناكح، وذا الحاجة، وسهم اليتامى لصغير فقير لا أب له، وسهم الفقراء والمساكين لهم، يفوض كل ذلك إلى الإمام، يجتهد في الفرض، وتقديم الأهم فالأهم، ويفعل ما أدى إليه اجتهاده،

стр. 549

ويقسم أربعة أخماسه في الغانمين، يجتهد الإمام أولا في حال الجيش، فمن كان نفله أوفق بمصلحة المسلمين نفل له. وأما الفيء؛ فمصرفه ما بين الله - تعالى -: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ إلى قوله: ﴿رءوف رحيم﴾ ، ولما قرأها عمر قال: هذه استوعبت المسلمين؛ فيصرفه إلى الأهم فالأهم، ويُنظر في ذلك إلى مصالح المسلمين لا مصلحته الخاصة. واختلفت كيفية قسمة الفيء: فكان رسول الله [ ﷺ ] إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى الأعزب حظا. وكان أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - يقسم للحر والعبد؛ يتوخى كفاية الحاجة. ووضع عمر الديوان على السوابق والحاجات، فالرجل وقِدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وعياله، والرجل وحاجته. والأصل في كل ما كان مثل هذا من الاختلاف: أن يُحمل على أنه إنما فعل ذلك على الاجتهاد، فتوخى كل المصلحة بحسب ما رأى في وقته ". انتهى حاصله. [انتهى المجلد الأول من كتاب " التعليقات الرضية على الروضة الندية "، ويتلوه: المجلد الثاني - منه -، وأوله: ٦ - كتاب الصيام]

стр. 550

(الكتاب السادس: كتاب الصيام)

стр. 551

(٦ - كتاب الصيام) (١ - أحكام الصيام) (الفصل الأول: وجوب صوم رمضان) ( [صيام رمضان ركن من أركان الدين] :) (يجب صيام رمضان) وهو ركن من أركان الدين، وضروري من ضرورياته. ( [يجب صوم رمضان برؤية الهلال من عدل أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما] :) (لرؤية هلاله من عدل) : لصيامه ﷺ ، وأمره للناس بالصيام لما أخبره عبد الله بن عمر أنه رآه، أخرجه أبو داود، والدارمي، وابن حبان، والحاكم - وصححاه -. وصححه أيضا ابن حزم من حديث ابن عمر بلفظ: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه (١) .

стр. 552

وأخرج أهل " السنن "، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم من حديث ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: إني رأيت الهلال - يعني رمضان -، فقال: " أتشهد أن لا إله إلا الله؟ "، قال: نعم، قال: " أتشهد أن محمدا رسول الله؟ "، قال: نعم، قال: " يا بلال! أذن في الناس؛ فليصوموا غدا " (١) . وأخرج الدارقطني، والطبراني من طريق طاوس، قال: شهدت المدينة؛ وبها ابن عمر وابن عباس، فجاء رجل إلى واليها، وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته؟ فأمراه أن يجيزه، وقالا: إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة الرجلين. قال الدارقطني: تفرد به حفص بن عمر الأيلي؛ وهو ضعيف. وقد ذهب إلى العمل بشهادة الواحد: ابن المبارك، وأحمد بن حنبل، والشافعي في أحد قوليه. قال النووي: وهو الأصح. وذهب مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري إلى أنه يعتبر اثنان،

стр. 553

واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وفيه: " فإن شهد شاهدان مسلمان؛ فصوموا وأفطروا "، أخرجه أحمد، والنسائي. وفي حديث أمير مكة الحارث بن حاطب، قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية؛ فإن لم نره وشهد شاهدا عدل؛ نسكنا بشهادتهما "؛ أخرجه أبو داود، والدارقطني، وقال: هذا الإسناد متصل صحيح. وغاية ما في الحديثين: أن مفهوم الشرط يدل على عدم قبول الواحد، ولكن أحاديث قبول الواحد أرجح من هذا المفهوم، وقد حققه الماتن ﵀ في كتابه " إطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال ". ويؤيد وجوب العمل بخبر الواحد: الأدلة الدالة على قبول أخبار الآحاد على العموم؛ إلا ما خصه دليل، فمحل النزاع مندرج تحت العموم بعد التنصيص عليه بما في حديث الأعرابي، وبما في حديث ابن عمر. وأما التأويل باحتمال أن يكون قد شهد عند النبي ﷺ رجل قبل شهادة ابن عمر؛ فلو كان مجرد هذا الاحتمال قادحا في الاستدلال؛ لم يبق دليل شرعي إلا وأمكن دفعه بمثل هذا التأويل الباطل. في " المسوى ": اختلفوا في هلال رمضان: فقيل: يثبت بشهادة الواحد، وعليه أبو حنيفة، وقيل: لا بد من عدلين، وعليه مالك، وللشافعي قولان كالمذهبين؛ أظهرهما الأول، ولا فرق عنده بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة.

стр. 554

وقال أبو حنيفة في الصحو: لا بد من جمع كثير. وفي " العالمكيرية ": إذا رأوا الهلال قبل الزوال أو بعده؛ لا يصام به ولا يفطر، وهو من الليلة المستقبلة. وفي " الأنوار ": وإذا رؤي الهلال بالنهار يوم الثلاثين فهو لليلة المستقبلة ". (أو إكمال عدة شعبان) : لحديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، قال: قال رسول الله ﷺ : " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم؛ فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ". والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وفي " الحجة البالغة ": لما كان وقت الصوم مضبوطا بالشهر القمري باعتبار رؤية الهلال، وهو تارة ثلاثون يوما، وتارة تسع وعشرون: وجب في صورة الاشتباه أن يرجع إلى هذا الأصل، وأيضا مبنى الشرائع على الأمور الظاهرة عند الأميين دون التعمق والمحاسبات النجومية، بل الشريعة واردة بإخمال ذكرها، وهو قوله ﷺ : " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ". انتهى. ( [يصام رمضان ثلاثين يوما ما لم يظهر هلال شوال] :) (ويصوم ثلاثين يوما ما لم يظهر هلال شوال قبل إكمالها) : وجهه ما ورد من الأدلة الصحيحة أن الهلال إذا غم صاموا ثلاثين يوما، كحديث أبي هريرة المذكور، ومثله في " صحيح مسلم " من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن

стр. 555

عباس عند أحمد، والنسائي، والترمذي - وصححه -، ومن حديث عائشة عند أحمد، وأبي داود، والدارقطني بإسناد صحيح، وغير ذلك من الأحاديث؛ وفيها التصريح بإكمال العدة ثلاثين يوما؛ في بعضها عدة شعبان، وفي بعضها ما يفيد أنها عدة رمضان، وفي بعضها الإطلاق وعدم التقييد بأحد الشهرين. قال في " الحجة ": " قوله ﷺ : " شهرا عيد لا ينقصان؛ رمضان وذو الحجة " (١) قيل: لا ينقصان معا، وقيل: لا يتفاوت أجر ثلاثين وتسعة وعشرين، وهذا الآخر أقعد بقواعد التشريع، كأنه أراد سد أن يخطر في قلب أحد ذلك ". انتهى. أقول: يمكن أن يقال: إن هذا إخبار من الشارع بعدم دخول النقص في الشهرين المذكورين، فما ورد عنه أنه يكون الشهر تسعة وعشرين عام مخصص بالشهرين المذكورين، وما ورد في خصوص شهر رمضان، مما يدل على أنه قد يكون تسعة وعشرين؛ فيمكن أن يقال فيه: إن ذلك إنما هو باعتبار ما ظهر للناس من طلوع الهلال عليهم، وفي نفس الأمر ذلك الشهر هو ثلاثون يوما. قال بعض المحققين: التكليف الشهري علق معرفة وقته برؤية الهلال دخولا وخروجا، أو إكمال العدة ثلاثين يوما، فهل في الأكوان أوضح من هذا البيان؟ ! والتوقيت في الأيام والشهور بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة. انتهى. أقول: إن الرؤية التي اعتبرها الشارع في قوله: " صوموا لرؤيته " هي

стр. 556

الرؤية الليلية لا الرؤية النهارية، فليست بمعتبرة، سواء كانت قبل الزوال أو بعده، ومن زعم خلاف هذا؛ فهو عن معرفة المقاصد الشرعية بمراحل. واحتجاج من احتج برؤية الذين أخبروا النبي ﷺ بأنهم رأوه بالأمس باطل، كاحتجاج من احتج على وجوب الإتمام بقوله - تعالى -: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ ، وكلا الدليلين لا دلالة لهما على محل النزاع: أما الأول: فإنهم إنما أخبروا عن الرؤية في الوقت المعتبر، وذلك مرادهم بلفظ: أمس، كما لا يخفى على عالم. وأما الثاني: فالمراد به وجوب إتمام الصيام إلى الوقت الذي يسوغ فيه الإفطار؛ تعيينا لوقته الذي لا يكون صوما بدونه. والحاصل: أن المجادلة عن هذا القول الفاسد - وهو الاعتداد برؤية الهلال نهارا - يأباه الإنصاف. وإن قال المتحذلق: إن الاعتبار بالرؤية؛ وقد وقعت؛ لحديث: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته "، والاعتبار بعموم اللفظ، ونحو ذلك من المجادلات التي لا يجهل صاحبها أنه غالط أو مغالط، ولو كان هذا صحيحا لوجب الإفطار عند كل رؤية للهلال في أي وقت من أوقات الشهر، وهو باطل بالضرورة الدينية. ( [اختلاف مذاهب العلماء في المطلع] :) (وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة) : وجهه الأحاديث المصرحة

стр. 557

بالصيام لرؤيته والإفطار لرؤيته، وهي خطاب لجميع الأمة، فمن رآه منهم في أي مكان؛ كان ذلك رؤية لجميعهم. وأما استدلال من استدل بحديث كريب عند مسلم وغيره: أنه استهل عليه رمضان وهو بالشام، فرأى الهلال ليلة الجمعة، فقدم المدينة، فأخبر بذلك ابن عباس، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، ثم قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ وله ألفاظ -: فغير صحيح؛ لأنه لم يصرح ابن عباس بأن النبي ﷺ أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عباس أنه أمرهم بإكمال الثلاثين أو يروه، ظنا منه أن المراد بالرؤية رؤية أهل المحل؛ وهذا خطأ في الاستدلال، أوقع الناس في الخبط والخلط، حتى تفرقوا في ذلك على ثمانية مذاهب. وقد أوضح الماتن المقام في الرسالة التي سماها " إطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال ". قال في " المسوى ": " لا خلاف في أن رؤية بعض أهل البلد موجبة على الباقين، واختلفوا في لزوم رؤية أهل بلد أهل بلد آخر. والأقوى - عند الشافعي -: يلزم حكم البلد القريب دون البعيد. وعند أبي حنيفة: يلزم مطلقا ". ( [وجوب تبييت النية قبل الفجر في صوم الفرض] :) (وعلى الصائم النية قبل الفجر) : لحديث حفصة، عن النبي -

стр. 558

صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: " من لم يجمع الصيام قبل الفجر؛ فلا صيام له "؛ أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، وابن خزيمة، وابن حبان - وصححاه -، ولا ينافي ذلك رواية من رواه موقوفا، فالرفع زيادة يتعين قبولها، على ما ذهب إليه أهل الأصول، وبعض أهل الحديث. وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم، وخالفهم آخرون، واستدلوا بما لا تقوم به الحجة (١) . أما حديث أمره ﷺ لمن أصبح صائما أن يتم صومه في يوم عاشوراء؛ فغاية ما فيه: أن من لم يتبين له وجوب الصوم إلا بعد دخول النهار؛ كان ذلك عذرا له عن التبييت (٢) . وأما حديث: أنه ﷺ دخل على بعض نسائه ذات يوم، فقال: " هل عندكم من شيء؟ "، فقالوا: لا، فقال: " فإني إذن صائم ": فذلك في صوم التطوع. قال في " المسوى ": قال الشافعي: يشترط للفرض التبييت، ويصح النفل بنيته قبل الزوال. وقال أبو حنيفة: يكفي في الفرض والنفل أن ينوي قبل نصف النهار، ولا بد في القضاء والكفارات من التبييت. أقول: وأما أنه يجب تجديد النية لكل يوم؛ فلا يخفى أن النية هي مجرد القصد إلى الشيء، أو الإرادة له من دون اعتبار أمر آخر، ولا ريب أن من

стр. 559

قام في وقت السحر، وتناول طعامه وشرابه في ذلك الوقت من دون عادة له به، في غير أيام الصوم؛ فقد حصل له القصد المعتبر؛ لأن أفعال العقلاء لا تخلو عن ذلك، وكذلك الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لا يكون إلا من قاصد للصوم بالضرورة، إذا لم يكن ثم عذر مانع عن الأكل والشرب غير الصوم، ولا يمكن وجود مثل ذلك من غير قاصد؛ إلا إذا كان مجنونا أو ساهيا أو نائما، كمن ينام يوما كاملا. وإذا تقرر هذا؛ فمجرد القصد إلى السحور قائم مقام تبييت النية عند من اعتبر التبييت، ومجرد الإمساك عن المفطرات وكف النفس عنها في جميع النهار يقوم أيضا مقام النية عند من لم يعتبر التبييت، ومن قال: إنه يجب في النية زيادة على هذا المقدار؛ فليأت بالبرهان؛ فإن مفهوم النية لغة وشرعا لا يدل على غير ما ذكرناه، وهكذا سائر العبادات؛ فإن مجرد قصدها كاف من غير احتياج إلى زيادة على ذلك. مثلا؛ يكفي في نية الوضوء مجرد دخول المكان المعتاد لذلك، والاشتغال بغسل الأعضاء المخصوصة على الصفة المشروعة، وكذلك في الصلاة؛ يكفي الدخول في المحل الذي تقام فيه، والتأهب لها، والشروع فيها على الصفة المشروعة، فإن القصد والإرادة لازمان لهذه الأفعال؛ لعدم صدور مثل ذلك من العقلاء؛ لمجرد اللعب والعبث. (٢ - فصل مبطلات الصوم) ( [يبطل الصوم بالأكل والشرب عمدا] :) (يبطل بالأكل والشرب) عمدا، لا خلاف في ذلك، وأما مع النسيان؛

стр. 560

فلا؛ لما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من نسي وهو صائم، فأكل وشرب؛ فليتم صومه؛ فإنما الله أطعمه وسقاه ". وفي لفظ للدارقطني بإسناد صحيح: " فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه ". وفي لفظ آخر للدارقطني، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم: " من أفطر يوما من رمضان ناسيا؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة "؛ وإسناده صحيح أيضا؛ قاله الحافظ ابن حجر (١) . وأخرج الدارقطني من حديث أبي سعيد مرفوعا: " من أكل في شهر رمضان ناسيا؛ فلا قضاء عليه ". قال ابن حجر: وإسناده وإن كان ضعيفا؛ لكنه صالح للمتابعة، فأقل درجات هذا الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنا، فيصلح للاحتجاج به. انتهى. وقد ذهب إلى العمل بهذا: الجمهور، وهو الحق، ومن قابل هذه السنة بالرأي الفاسد؛ فرأيه رد عليه، مضروب في وجهه. ( [يبطل الصوم بالجماع عمدا] :) (و) هكذا (الجماع) ؛ لا خلاف في أنه يبطل الصيام إذا وقع من عامد،

стр. 561

وأما إذا وقع مع النسيان؛ فبعض أهل العلم ألحقه بمن أكل أو شرب ناسيا، وتمسك بقوله في الرواية الأخرى " من أفطر يوما من رمضان ناسيا؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة "، وبعضهم منع من الإلحاق. أقول: إفساد الصوم بالوطء لا يعرف في مثل هذا خلاف، وقد ثبت في " الصحيحين " وغيرهما: أن المجامع في رمضان قال للنبي ﷺ : هلكت يا رسول الله ﴿قال: " وما أهلكك؟﴾ "، قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فأمره بالكفارة. وفي رواية لأبي داود، وابن ماجه: أنه ﷺ قال له: " وصم يوما مكانه "؛ وهذه الزيادة مروية من أربع طرق، ويقوي بعضها بعضا. ويدل على تحريم الوطء للصائم واجبا: مفهوم قوله - سبحانه - ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ . ( [يبطل الصوم بالقيء عمدا] :) (والقيء عمداً) : لحديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: " من ذرعه القيء؛ فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا؛ فليقض "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم - وصححه -. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام؛ وفيه نظر؛ فإن ابن مسعود، وعكرمة، وربيعة قالوا: إنه لا يفسد الصوم، سواء كان غالبا أو مستخرجا؛ ما لم يرجع منه شيء باختياره، واستدلوا بحديث:

стр. 562

" ثلاث لا يفطّرن: القيء، والحجامة (١) ، والاحتلام "، أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد، وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. وعلى فرض صلاحيته للاستدلال؛ فلا يعارض حديث أبي هريرة؛ لأن هذا مطلق وذاك مقيد بالعمد. أقول: حديث أبي هريرة المتقدم هو في عدة من كتب الحديث، وله طرق مختلفة ينتهض معها للاستدلال (٢) ، وفيه الفرق بين المتعمد للقيء وغير المتعمد، ولا يعارض هذا حديث أبي سعيد المتقدم؛ لأنه عام مخصص بحديث الفرق بين المتعمد وغير المتعمد، فيكون معناه: أن القيء إذا وقع من غير اختيار الصائم بل ذرعه؛ كان غير مفطر، وهذا الجمع لا بد منه. ويؤيده حديث: أنه ﷺ قاء فأفطر (٣) ؛ فإن بعض الحفاظ فسره بأنه استقاء، والمراد بالاستقاء؛ تعمد القيء؛ كما صرح به أهل العلم. ( [يحرم الوصال] :) (ويحرم الوصال) : لنهيه ﷺ عن ذلك؛ كما في حديث أبي هريرة، وابن عمر، وعائشة؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما.

стр. 563

وفي الباب أحاديث. ( [كفارة من أفطر عمدا] :) (وعلى من أفطر عمدا كفارة ككفارة الظهار) : لحديث المجامع في رمضان؛ فإن النبي ﷺ قال له: " هل تجد ما تعتق رقبة؟ "، قال: لا، قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ "، قال: لا، قال: " فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ "، قال: لا، ثم أُتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: " تصدق بهذا "، قال: فهل على أفقر منا؟ ! فما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال: " اذهب فأطعمه أهلك "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة، وعائشة. وقد قيل: إن الكفارة لا تجب على من أفطر عامدا بأي سبب، بل بالجماع فقط، ولكن الرجل إنما جامع امرأته؛ فليس في الجماع في نهار رمضان إلا ما في الأكل والشرب؛ لكون الجميع حلالا لم يحرم إلا لعارض الصوم. وقد وقع في رواية من هذا الحديث: أن رجلا أفطر؛ ولم يذكر الجماع (١) .

стр. 564

أقول: إذا ورد ما يدل على وجوب مثل كفارة الظهار، وورد ما يدل على أنه يجزئ أقل منها،؛ كان ورود الأقل رخصة لمن لا يجد مثل كفارة الظهار، وهذا ظاهر لا لبس فيه. ( [تعجيل الفطر وتأخير السحور مندوب] :) (ويُندب تعجيل الفطر وتأخير السحور) : لحديث سهل بن سعد، أن النبي ﷺ قال: " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما. وعن أبي ذر، أن النبي ﷺ قال: " لا تزال أمتي بخير؛ ما أخروا السحور، وعجلوا الفطر " (١) ؛ أخرجه أحمد، وفي إسناده سليمان بن عثمان، قال أبو حاتم: مجهول. وقد ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث زيد بن ثابت: أنه كان بين تسحره ﷺ ودخوله في الصلاة؛ قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. وفي الباب أحاديث كثيرة. (٣ - قضاء الصوم:) ( [من أفطر لعذر شرعي وجب عليه القضاء] :) (يجب على من أفطر لعذر شرعي أن يقضي) كالمسافر والمريض، وقد

стр. 565

صرح بذلك القرآن الكريم: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ . وقد ورد في الحائض حديث معاذة عن عائشة؛ وقد تقدم ذكره؛ والنفساء مثلها. ( [الفطر للمسافر رخصة] :) (والفطر للمسافر ونحوه رخصة؛ إلا أن يخشى التلف، أو الضعف عن القتال؛ فعزيمة) ، الأحاديث في ذلك كثيرة: منها: قوله ﷺ : " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر "؛ لما سأله حمزة بن عمرو الأسلمي عن الصوم في السفر؛ وهو في " الصحيحين " من حديث عائشة، وفيه دليل على تفويض الفطر في الصوم وعدمه إلى المسافر، ومن حمله على صوم التطوع فلم يصب؛ فإنه عند أبي داود، والحاكم - وصححه -: أنه قال: ربما صادفني هذا الشهر - يعني: رمضان -: وأما حديث: أنه قيل له ﷺ : إن جماعة لم يفطروا في سفر من أسفاره، فقال: " أولئك العصاة ": فذاك لأنه ﷺ قد كان أمرهم بالإفطار في ذلك اليوم بخصوصه، فسماهم عصاة؛ لمخالفة أمره، لا لمجرد الصوم في السفر. وأما حديث: " ليس من البر الصيام في السفر " - وهو متفق عليه -: ففي
следующие страницы →