وأما إذا وقع مع النسيان؛ فبعض أهل العلم ألحقه بمن أكل أو شرب ناسيا، وتمسك بقوله في الرواية الأخرى " من أفطر يوما من رمضان ناسيا؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة "، وبعضهم منع من الإلحاق.
أقول: إفساد الصوم بالوطء لا يعرف في مثل هذا خلاف، وقد ثبت في " الصحيحين " وغيرهما: أن المجامع في رمضان قال للنبي ﷺ : هلكت يا رسول الله ﴿قال: " وما أهلكك؟﴾ "، قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فأمره بالكفارة.
وفي رواية لأبي داود، وابن ماجه: أنه ﷺ قال له: " وصم يوما مكانه "؛ وهذه الزيادة مروية من أربع طرق، ويقوي بعضها بعضا.
ويدل على تحريم الوطء للصائم واجبا: مفهوم قوله - سبحانه - ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ .
( [يبطل الصوم بالقيء عمدا] :)
(والقيء عمداً) : لحديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: " من ذرعه القيء؛ فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا؛ فليقض "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم - وصححه -.
وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام؛ وفيه نظر؛ فإن ابن مسعود، وعكرمة، وربيعة قالوا: إنه لا يفسد الصوم، سواء كان غالبا أو مستخرجا؛ ما لم يرجع منه شيء باختياره، واستدلوا بحديث:
стр. 562
" ثلاث لا يفطّرن: القيء، والحجامة (١) ، والاحتلام "، أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد، وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف.
وعلى فرض صلاحيته للاستدلال؛ فلا يعارض حديث أبي هريرة؛ لأن هذا مطلق وذاك مقيد بالعمد.
أقول: حديث أبي هريرة المتقدم هو في عدة من كتب الحديث، وله طرق مختلفة ينتهض معها للاستدلال (٢) ، وفيه الفرق بين المتعمد للقيء وغير المتعمد، ولا يعارض هذا حديث أبي سعيد المتقدم؛ لأنه عام مخصص بحديث الفرق بين المتعمد وغير المتعمد، فيكون معناه: أن القيء إذا وقع من غير اختيار الصائم بل ذرعه؛ كان غير مفطر، وهذا الجمع لا بد منه.
ويؤيده حديث: أنه ﷺ قاء فأفطر (٣) ؛ فإن بعض الحفاظ فسره بأنه استقاء، والمراد بالاستقاء؛ تعمد القيء؛ كما صرح به أهل العلم.
( [يحرم الوصال] :)
(ويحرم الوصال) : لنهيه ﷺ عن ذلك؛ كما في حديث أبي هريرة، وابن عمر، وعائشة؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما.
стр. 563
وفي الباب أحاديث.
( [كفارة من أفطر عمدا] :)
(وعلى من أفطر عمدا كفارة ككفارة الظهار) : لحديث المجامع في رمضان؛ فإن النبي ﷺ قال له: " هل تجد ما تعتق رقبة؟ "، قال: لا، قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ "، قال: لا، قال: " فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ "، قال: لا، ثم أُتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: " تصدق بهذا "، قال: فهل على أفقر منا؟ ! فما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال: " اذهب فأطعمه أهلك "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة، وعائشة.
وقد قيل: إن الكفارة لا تجب على من أفطر عامدا بأي سبب، بل بالجماع فقط، ولكن الرجل إنما جامع امرأته؛ فليس في الجماع في نهار رمضان إلا ما في الأكل والشرب؛ لكون الجميع حلالا لم يحرم إلا لعارض الصوم.
وقد وقع في رواية من هذا الحديث: أن رجلا أفطر؛ ولم يذكر الجماع (١) .
стр. 564
أقول: إذا ورد ما يدل على وجوب مثل كفارة الظهار، وورد ما يدل على أنه يجزئ أقل منها،؛ كان ورود الأقل رخصة لمن لا يجد مثل كفارة الظهار، وهذا ظاهر لا لبس فيه.
( [تعجيل الفطر وتأخير السحور مندوب] :)
(ويُندب تعجيل الفطر وتأخير السحور) : لحديث سهل بن سعد، أن النبي ﷺ قال: " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما.
وعن أبي ذر، أن النبي ﷺ قال: " لا تزال أمتي بخير؛ ما أخروا السحور، وعجلوا الفطر " (١) ؛ أخرجه أحمد، وفي إسناده سليمان بن عثمان، قال أبو حاتم: مجهول.
وقد ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث زيد بن ثابت: أنه كان بين تسحره ﷺ ودخوله في الصلاة؛ قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.
وفي الباب أحاديث كثيرة.
(٣ - قضاء الصوم:)
( [من أفطر لعذر شرعي وجب عليه القضاء] :)
(يجب على من أفطر لعذر شرعي أن يقضي) كالمسافر والمريض، وقد
стр. 565
صرح بذلك القرآن الكريم: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ .
وقد ورد في الحائض حديث معاذة عن عائشة؛ وقد تقدم ذكره؛ والنفساء مثلها.
( [الفطر للمسافر رخصة] :)
(والفطر للمسافر ونحوه رخصة؛ إلا أن يخشى التلف، أو الضعف عن القتال؛ فعزيمة) ، الأحاديث في ذلك كثيرة:
منها: قوله ﷺ : " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر "؛ لما سأله حمزة بن عمرو الأسلمي عن الصوم في السفر؛ وهو في " الصحيحين " من حديث عائشة، وفيه دليل على تفويض الفطر في الصوم وعدمه إلى المسافر، ومن حمله على صوم التطوع فلم يصب؛ فإنه عند أبي داود، والحاكم - وصححه -: أنه قال: ربما صادفني هذا الشهر - يعني: رمضان -:
وأما حديث: أنه قيل له ﷺ : إن جماعة لم يفطروا في سفر من أسفاره، فقال: " أولئك العصاة ": فذاك لأنه ﷺ قد كان أمرهم بالإفطار في ذلك اليوم بخصوصه، فسماهم عصاة؛ لمخالفة أمره، لا لمجرد الصوم في السفر.
وأما حديث: " ليس من البر الصيام في السفر " - وهو متفق عليه -: ففي
стр. 566
رواية زادها النسائي في هذا الحديث: " عليكم برخص الله التي رخص لكم؛ فاقبلوا " (١) ؛ فالتصريح بالرخصة مشعر بأن الصوم عزيمة، وهو المطلوب.
وأما ما روي بلفظ: " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ": فقد صحح جماعة من الحفاظ وقفه على عبد الرحمن بن عوف، ولا حجة في ذلك.
وفي " الصحيحين " من حديث أنس: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ ؛ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم.
وأخرج مسلم وغيره (٢) عن حمزة بن عمرو الأسلمي: أنه قال: يا رسول الله ﴿أجد مني قوة على الصوم، فهل علي جناح؟ فقال: هي رخصة من الله - تعالى -، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم؛ فلا جناح عليه ".
وفي " الصحيحين " من حديث جابر، قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: " ما هذا؟﴾ "، فقالوا: صائم، فقال: " ليس من البر الصوم في السفر ".
وأخرج مسلم (٣) ، وأحمد، وأبو داود من حديث أبي سعيد، قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله ﷺ : " إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم "، فكانت رخصة؛ فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر فقال: " إنكم
стр. 567
مصبِّحو عدوكم، والفطر أقوى لكم؛ فأفطروا "، فكانت عزيمة، ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله ﷺ في السفر.
وقد ذهب إلى كون الصوم رخصة في السفر: الجمهور.
وروي عن بعض الظاهرية - وهو محكي عن أبي هريرة -: أن الفطر في السفر واجب، وأن الصوم لا يجزئ.
والمراد ب (نحو المسافر) : الحبلى والمرضع؛ لما أخرجه أحمد، وأهل " السنن " - وحسنه الترمذي - من حديث أنس بن مالك الكعبي، أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم ".
( [من مات وعليه صوم صام عنه وليه] :)
(ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه) : لحديث عائشة في " الصحيحين " وغيرهما، " أن رسول الله ﷺ قال: " من مات وعليه صيام؛ صام عنه وليه "؛ وقد زاد البزار لفظ: " إن شاء ".
قال في " مجمع الزوائد ": " وإسناده حسن " (١) .
وبه قال أصحاب الحديث، وبعض الشافعية، وأبو ثور، والأوزاعي،
стр. 568
وأحمد بن حنبل.
قال البيهقي في " الخلافيات ": " هذه السنة ثابتة، لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في صحتها ".
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب صوم الولي عن وليه.
وقال في " الحجة ": ولا اختلاف بين قوله ﷺ : " من مات وعليه صوم؛ صام عنه وليه " وقوله فيه أيضا: " فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا "؛ إذ يجوز أن يكون كل من الأمرين مجزئا.
قال ابن القيم في " إعلام الموقعين " (١) : " وصح عنه ﷺ أنه قال: " من مات وعليه صيام؛ صام عنه وليه "، فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقالت: يصام عنه النذر والفرض.
وأبت طائفة ذلك، وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض.
وفصلت طائفة، فقالت: يصام النذر دون الفرض الأصلي، وهذا قول ابن عباس وأصحابه، والإمام أحمد وأصحابه؛ وهو الصحيح؛ لأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة؛ فكما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يسلم أحد عن أحد؛ فكذلك الصيام، وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين، فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه، وهذا محض الفقه، وطرد هذا أنه لا يحج عنه، ولا يزكي عنه؛ إلا إذا كان معذورا بالتأخير، كما يطعم الولي عمن أفطر
стр. 569
في رمضان لعذر، فأما المفطر من غير عذر أصلا (١) ؛ فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله - تعالى - التي فرّط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاء وامتحانا دون الولي، فلا ينفع توبة أحد عن أحد، ولا إسلامه عنه، ولا أداء الصلاة عنه، ولا غيرها من فرائض الله - تعالى - التي فرط فيها حتى مات، والله - تعالى - أعلم.
أقول: الظاهر - والله أعلم - أنه يجب على الولي أن يصوم عن قريبه الميت إذا كان عليه صوم، سواء أوصى أو لم يوص، كما هو مدلول الحديث، ومن زعم خلاف ذلك؛ فليأت بحجة تدفعه (٢) .
( [يكفّر الكبير العاجز عن الأداء والقضاء] :)
(والكبير العاجز عن الأداء والقضاء يكفر عن كل يوم بإطعام مسكين) : لحديث سلمة بن الأكوع الثابت في " الصحيحين " وغيرهما، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ ؛ كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
وأخرج هذا الحديث أحمد، وأبو داود عن معاذ بنحو ما تقدم؛ وزاد:
стр. 570
ثم أنزل الله ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ، فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام.
وأخرج البخاري عن ابن عباس، أنه قال: ليست هذه الآية منسوخة: هي للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما؛ فيطعمان مكان كل يوم مسكينا.
وأخرج أبو داود، عن ابن عباس، أنه قال: أثبتت للحبلى والمرضع أن يفطرا؛ ويطعما كل يوم مسكينا.
وأخرج الدارقطني، والحاكم - وصححاه - عن ابن عباس، أنه قال: رخص للشيخ الكبير أن يفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينا، ولا قضاء عليه.
وهذا من ابن عباس تفسير لما في القرآن، مع ما فيه من الإشعار بالرفع؛ فكان ذلك دليلا على أن الكفارة هي إطعام مسكين عن كل يوم.
أقول: لم يثبت في الكفارة على من لم يطق الصوم شيء من المرفوع في شيء من كتب الحديث، وليس في الكتاب العزيز ما يدل على ذلك؛ لأن قوله - تعالى -: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ ؛ إن كانت منسوخة - كما ثبت عن سلمة بن الأكوع عند أهل الأمهات كلهم: أنها كانت في أول الإسلام، فكان من أراد أن يفطر يفتدي؛ حتى نسختها الآية التي بعدها وهي قوله - تعالى - ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ، ومثل ذلك روي عن معاذ ابن جبل؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، ومثله عن ابن عمر؛ أخرجه البخاري -:
стр. 571
فالمنسوخ ليس بحجة بلا خلاف.
وإن كانت محكمة - كما رواه أبو داود عن ابن عباس -: فظاهرها جواز ترك الصوم لمن كان مطيقا غير معذور، ووجوب الفدية عليه، وهو خلاف ما أجمع عليه المسلمون.
وأما قول ابن عباس المتقدم: فكلام غير مناسب لمعنى الآية؛ لأنها في المطيقين، لا فيمن لا يستطيع أن يصوم كما قال، وكذلك ما رواه عنه أبو داود أنها أُثبتت للحبلى والمرضع، فإنه يدل على أنها منسوخة فيما عداهما.
فعلى كل حال؛ ليس في الآية دليل على وجوب الإطعام على من ترك الصوم وهو لا يطيقه، وهو محل النزاع، وإذا لم يوجد دليل في كتاب الله، ولا في سنة رسوله: فليس في غيرهما أيضا ما يدل على ذلك، فالحق عدم وجوب الإطعام، وقد ذهب إليه جماعة من السلف؛ منهم: مالك، وأبو ثور، وداود.
وكذا لا فدية على من حال عليه رمضان - وعليه رمضان أو بعضه، ولم يقضه -؛ لأنه لم يثبت في ذلك شيء صح رفعه، وغاية ما فيه آثار عن جماعة من الصحابة من أقوالهم، وليس بحجة على أحد، ولا تعبد الله بها أحدا من عباده، والبراءة الأصلية مستصحبة، فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح، وقد ذهب إلى هذا النخعي؛ وأبو حنيفة، وأصحابه.
وأما التفريق في قضاء رمضان: فقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عمر: أنه ﷺ سئل عن قضاء رمضان؟ فقال:
стр. 572
" إن شاء فرقه، وإن شاء تابعه "؛ وفي إسناده سفيان بن بشر؛ وقد ضعفه بعضهم.
وقال ابن الجوزي: ما علمنا أحدا طعن فيه، ثم صحح الحديث.
ويؤيد ما دل عليه هذا الحديث من التخيير: قوله - تعالى -: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ ؛ وهذه العدة تصدق على ما كان مجتمعا ومتفرقا؛ لأنه يحصل من كل واحد منهما عدة، والبراءة الأصلية قاضية بعدم التعبد بما هو أشق ما يصدق عليه معنى الآية دون ما هو أخف.
وأما ما يروى من أنه ﷺ قال: " من كان عليه صوم من رمضان فليسرده، ولا يقطعه " - كما أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة -: ففي إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم القاص، وقد ضعفه جماعة من الأئمة؛ وقال البيهقي: لا يصح، وأنكره أبو حاتم على عبد الرحمن.
وأما ابن القطان فقال: لم يأت من ضعفه بحجة (١) . انتهى.
ولكنه - مع ذلك - لا ينتهض للنقل عن مجرد البراءة الأصلية، فضلا عما عضدها.
стр. 573
(٢ - باب صوم التطوع)
(الفصل الأول: ما يستحب صيامه)
(١ - [صيام ستة أيام من شوال] :)
(يستحب صيام ست من شوال) : لحديث: " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال؛ فذاك صيام الدهر "، أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي أيوب.
وفي الباب أحاديث.
قال في " الحجة البالغة ": " والسر في مشروعيتها: أنها بمنزلة السنن الرواتب في الصلاة، تكمل فائدتها بالنسبة إلى أمزجة لم تتام فائدتها بهم، وإنما خص في بيان الفضيلة التشبه بصوم الدهر؛ لأن من القواعد المقررة أن الحسنة بعشر أمثالها، وبهذه الستة يتم الحساب ". انتهى.
أقول: ظاهر الحديث أنه يكفي صيام ست من شوال، سواء كانت من أوله، أو من أوسطه، أو من آخره، ولا يشترط أن تكون متصلة به لا فاصل بينها وبين رمضان؛ إلا يوم الفطر، وإن كان ذلك هو الأولى؛ لأن الاتباع - وإن صدق على جميع الصور -؛ فصدقه على الصورة التي لم يفصل فيها بين رمضان وبين الست إلا يوم الفطر الذي لا يصح صومه؛ لا شك أنه أولى.
стр. 574
وأما أنه لا يحصل الأجر إلا لمن فعل كذلك فلا؛ لأن من صام ستا من آخر شوال؛ فقد أتبع رمضان بصيام ست من شوال بلا شك، وذلك هو المطلوب.
(٢ - [صيام تسع ذي الحجة] :)
(وتسع ذي الحجة) : لما ثبت عنه ﷺ من حديث حفصة عند أحمد، والنسائي، قالت: أربع لم يكن يدعهن رسول الله ﷺ : صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر.
وأخرجه أبو داود بلفظ: كان يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل كل شهر، وأول اثنين من الشهر والخميس (١) .
وقد أخرج مسلم عن عائشة، أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صائما في العشر قط.
وفي رواية: لم يصم العشر قط.
وعدم رؤيتها وعلمها لا يستلزم العدم.
وآكد التسع يوم عرفة.
стр. 575
وقد ثبت في " صحيح مسلم " وغيره من حديث أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : " صوم يوم عرفة يكفّر سنتين؛ ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يكفّر سنة ماضية ".
(٣ - [صيام شهر المحرم] :)
(و) أما صيام شهر (محرم) : فلحديث أبي هريرة عند مسلم، وأحمد، وأهل " السنن ": أنه ﷺ سئل: أي الصيام بعد رمضان أفضل؟ فقال: " شهر الله المحرم ".
وآكده يوم عاشوراء؛ لما ورد فيه من الأحاديث الثابتة في " الصحيحين "، وغيرهما عن جماعة من الصحابة: أنه ﷺ صامه وأمر بصيامه، ثم قال: " هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء صام، ومن شاء فليفطر؛ وقد تقدم أنه يكفر سنة ماضية.
وثبت في " مسلم " (١) ، وغيره: أنه لما أمر بصيامه؛ قالوا: يا رسول الله! إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى؟ فقال: " إذا كان العام المقبل - إن شاء الله -؛ صمنا التاسع "، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ .
قلت: وعليه أهل العلم، واستحب أكثرهم أن يصوم التاسع والعاشر.
وفي " العالمكيرية ": ويكره صوم يوم عاشوراء مفردا. انتهى.
وفي الباب أحاديث أخرى أوردها الشيخ عبد الحق الحنفي الدهلوي في
стр. 576
" ما ثبت من السنة في أيام السنة ".
أقول: أما شهر المحرم؛ فلا ريب أنه قد خصه دليل صحيح ناطق؛ بأنه أفضل الصيام المتطوع به، ولم يعارضه في هذه الأفضلية إلا ما قيل في صوم يوم عرفة، وقد ذكر الجمع الماتن ﵀ في " شرح المنتقى ".
(٤ - [صيام شهر شعبان] :)
(وشعبان) : لحديث أم سلمة: أن رسول الله ﷺ لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان؛ يصل به رمضان "؛ أخرجه أحمد، وأهل " السنن " - وحسنه الترمذي (١) -.
وفي " الصحيحين " من حديث عائشة: ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان؛ كان يصومه إلا قليلا؛ بل كان يصومه كله.
وفي لفظ: وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان.
(٥ - [صيام الاثنين والخميس] :)
(والاثنين والخميس) : لحديث عائشة: أن النبي ﷺ كان يتحرى صيام الاثنين والخميس؛ أخرجه أحمد، والترمذي - وصححه -، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان - وصححه -.
وأخرج نحوه أبو داود من حديث أسامة بن زيد.
стр. 577
وأخرجه أيضا النسائي، وفي إسناده مجهول؛ مع أنه قد صححه ابن خزيمة.
وأخرج أحمد، والترمذي من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: " تعرض الأعمال كل اثنين وخميس، فأحب أن يُعرض عملي؛ وأنا صائم ".
وفي " صحيح مسلم ": أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: " ذاك يوم ولدت فيه، وأنُزل علي فيه ".
(٦ - [صيام أيام البيض] :)
(وأيام البيض) : لحديث أبي قتادة عند مسلم وغيره، قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان؛ فهذا صيام الدهر كله ".
وأخرج أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن حبان - وصححه - من حديث أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا صمت من الشهر ثلاثة؛ فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة ".
وفي الباب أحاديث.
قال في " الحجة البالغة ": " وقد اختلفت الرواية في اختيار تلك الأيام؛ فورد: " يا أبا ذر! ... " إلخ.
وورد: كان يصوم من الشهر: السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر: الثلاثاء، والأربعاء، والخميس.
стр. 578
وورد: من غرة كل شهر ثلاثة أيام.
وورد: أنه أمر أم سلمة بثلاثة أولها الاثنين والخميس.
ولكل وجه ". انتهى.
(٧ - [صوم يوم وإفطار يوم أفضل التطوع] :)
(وأفضل التطوع؛ صوم يوم وإفطار يوم) : لحديث عبد الله بن عمرو في " الصحيحين " وغيرهما، أن رسول الله ﷺ قال: " صم في كل شهر ثلاثة أيام "، قلت: فإني أقوى من ذلك، فلم يزل يرفعني، حتى قال: " صم يوما، وأفطر يوما؛ فإنه أفضل الصيام، وهو صوم أخي داود ﵇ ".
قال في " الحجة البالغة ": " واختلفت سنن الأنبياء ﵈ في الصوم، فكان نوح ﵇ يصوم الدهر، وكان داود ﵇ يصوم يوما ويفطر يوما، وكان عيسى ﵇ يصوم يوما ويفطر يومين أو أياما، وكان النبي ﷺ في خاصة نفسه يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم، ولم يكن يستكمل صيام شهر؛ إلا رمضان، وذلك أن الصيام ترياق، والترياق لا يستعمل إلا بقدر المرض، وكان قوم نوح ﵇ شديدي الأمزجة، حتى روي عنهم ما روي، وكان داود ﵇ ذا قوة ورزانة، وهو قوله ﷺ : " وكان لا يفر إذا لاقى "، وكان عيسى ﵇ ضعيفا في بدنه، فارغا لا أهل له ولا مال، فاختار كل واحد ما يناسب الحال، وكان نبينا ﷺ عارفا بفوائد الصوم والإفطار، مطلعا على مزاجه وما يناسبه، فاختار بحسب مصلحة الوقت ما شاء ".
стр. 579
( [الفصل الثاني: ما يكره صومه] )
(١ - [صوم الدهر] :)
(ويُكره صوم الدهر) : لحديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا صام من صام الأبد "؛ وهو في " الصحيحين "، وغيرهما.
وأخرج أحمد، وابن حبان، وابن خزيمة، والبيهقي، وابن أبي شيبة من حديث أبي موسى، عن النبي ﷺ ، قال: " من صام الدهر؛ ضُيقت عليه جهنم هكذا "؛ وقبض كفه.
ولفظ ابن حبان: " ضُيقت عليه جهنم هكذا "؛ وعقد تسعين (١) ؛ ورجاله رجال الصحيح.
وهذه الأحاديث من أعظم الأدلة الدالة على أن صوم الدهر مخالف لهديه ﷺ ؛ لأنه نزّل صوم صائم الدهر منزلة العدم في الحديث الأول؛ وفي رواية: " لا صام من صام الدهر ولا أفطر "؛ والحديث صحيح.
ويؤيده ما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من نهيه ﷺ لابن عمرو لما أراد أن يصوم الدهر، وقال له: " لا تفعل "، وقال لما بلغه عن المتكلفين في العبادة، أنهم سألوا عن عبادته ﷺ ؟ فاستقلوها، فقال أحدهم: أصوم ولا أفطر، وقال الثاني: أقوم ولا أنام، وقال الثالث: لا أنكح النساء، فقال ﷺ : " أما أنا: فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي؛ فليس مني ".
стр. 580
وأما تقريره ﷺ لحمزة بن عمرو، قال له: يا رسول الله! إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: " إن شئت " - كما أخرجه الشيخان وغيرهما -: فليس فيه دليل على صوم الدهر؛ لأن السرد يصدق بصوم أيام متتابعة، وإن كانت بعض سنة، فضلا عن أكثر منها.
ومن جملة الوعيد لمن صام الدهر: حديث أبي موسى المتقدم، وهذا وعيد شديد، ومن زعم أنه ترغيب في صوم الدهر؛ فلم يصب (١) .
(٢ - [إفراد يوم الجمعة] :)
(وإفراد يوم الجمعة) : لحديث جابر في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم الجمعة.
وفي رواية: أن يفرد بصوم.
وفي الصحيحين " من حديث أبي هريرة: " لا تصوموا يوم الجمعة؛ إلا وقبله يوم أو بعده يوم ".
وفي لفظ لمسلم: " ولا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام؛ إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم ".
وفي الباب أحاديث.
قال الشافعي: يكره إفراد الجمعة.
وفي " العالمكيرية ": يستحب صوم يوم الجمعة بانفراده.
стр. 581
أقول: الأحاديث واردة بالنهي عنه، وحقيقة النهي التحريم؛ إذا لم يصم يوما قبله ولا يوما بعده.
وما روي عنه ﷺ من أنه كان يصومه؛ لا يصلح لجعله قرينة صارفة؛ لوجهين:
الأول: أنه لم ينقل أنه كان يصومه منفردا؛ بل الظاهر أنه كان يصومه على غير الصفة التي نهانا عنها.
الثاني: أن فعله لا يعارض قوله الخاص بالأمة؛ كما تقرر في الأصول، وعلى فرض عدم الاختصاص لقوله بالأمة بل شموله له ولهم: فهو مخصص له من العموم، وذلك لا يصلح قرينة صارفة للنهي عن معناه الحقيقي.
(٣ - [إفراد يوم السبت] :)
(ويوم السبت) : لحديث الصماء بنت بسر عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، والطبراني، والبيهقي، وصححه ابن السكن، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تصوموا يوم السبت؛ إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجر؛ فليمضغه ".
( [الفصل الثالث: ما يحرم صومه] )
(١ - [صوم العيدين] :)
(ويحرم صوم العيدين) : لحديث أبي سعيد في " الصحيحين "، وغيرهما،
стр. 582
عن رسول الله ﷺ : أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم النحر.
وقد أجمع المسلمون على ذلك.
(٢ - [صوم أيام التشريق] :)
(وأيام التشريق) : لنهيه ﷺ عن الصوم فيها، كما ثبت ذلك من طريق جماعة من الصحابة.
وقد سرد أحاديثه الماتن في " شرح المنتقى ".
(٣ - [استقبال رمضان بيوم أو يومين] :)
(واستقبال رمضان بيوم أو يومين) : لحديث أبي هريرة في " الصحيحين " وغيرهما، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين؛ إلا أن يكون رجل كان يصوم صوما؛ فليصمه ".
ويؤيده حديث أبي هريرة أيضا عند أصحاب " السنن " - وصححه ابن حبان، وغيره (١) - مرفوعا بلفظ: " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ".
وفي الباب أحاديث.
والخلاف طويل مبسوط في المطولات.
أقول: وما زال الخلاف في هذه المسألة من عصر الصحابة إلى الآن،
стр. 583
وقد صارت مركزا من المراكز التي يتغالى الناس في أمرها إثباتا ونفيا، ولم يحتج أحد منهم بأن النبي ﷺ كان يصومه.
وأما ما احتجوا به من العمومات الدالة على مشروعية مطلق الصوم واستحبابه: فنحن نقول بموجبها، ونقول: هي مخصصة بأحاديث أمره ﷺ بالصوم لرؤية الهلال، والإفطار لرؤيته، أو إكمال العدة كما صح في جميع دواوين الإسلام، وبأحاديث نهيه ﷺ عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، وهو في " الصحيح "؛ بل ورد النهي عن صوم النصف الأخير من شعبان.
وقال عمار: من صام يوم الشك؛ فقد عصى أبا القاسم؛ وهو صحيح.
بل قال ابن عبد البر: لا يختلفون في رفعه.
ولعل مراده أن له حكم الرفع، لا أن القائل له هو النبي ﷺ ؛ فهذا إذا لم يصلح لتخصيص العمومات لم يصلح مخصص قط.
ومن نظر إلى ما يقع من عوام المسلمين - بل ومن بعض خواصهم في هذه الأعصار من التجاري على الصوم والإفطار بمجرد الشكوك والخيالات، التي هي عن الشريعة بمعزل -: قضى العجب، وبكى على الدين، وانتظر القيامة.
стр. 584
(٣ - باب الاعتكاف)
( [مشروعية الاعتكاف] :)
(يشرع) : لا خلاف في مشروعية الاعتكاف، وقد كان يعتكف النبي ﷺ في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، كما ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي هريرة.
( [يصح الاعتكاف في كل وقت في المساجد] :)
(ويصح في كل وقت في المساجد) : لأنه ورد الترغيب فيه، ولم يأت ما يدل على أنه يختص بوقت معين.
وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث ابن عمر: أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: " فأوف بنذرك ".
وأما كونه لا يكون إلا في المساجد؛ فلأن ذلك هو معنى الاعتكاف شرعا؛ إذ لا يسمى من اعتكف في غيرها معتكفا شرعا.
وقد ورد ما يدل على ذلك؛ كحديث: " لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة "؛ أخرجه ابن أبي شيبة (١) ، وسعيد بن منصور من حديث حذيفة.
стр. 585
قال في " المسوى ": " الاعتكاف جائز في كل مسجد، فإن لم يكن المسجد جامعا: فالخروج للجمعة واجب عليه، فإذا خرج يبطل اعتكافه عند الشافعي، فيحتاج إلى نية جديدة لما يستقبله إن كان تطوعا، ولا يبطل عند أبي حنيفة كما لو خرج لقضاء الحاجة ".
أقول: لا ريب أن مسمى الاعتكاف الشرعي لا يحصل إلا إذا كان في المسجد، ولهذا لم تختلف الأمة في اعتبار ذلك؛ إلا ما يروى عن محمد بن عمر بن لبابة المالكي؛ فإنه أجازه في كل مكان.
وإنما اختلفوا هل يجزىء الاعتكاف في كل مسجد؟ أم في الثلاثة المساجد فقط؟ أم في المسجد الحرام فقط؟
والظاهر أنه يجزىء في كل مسجد؛ قال - تعالى -: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ ؛ ولا حجة في قول عائشة، ولا في قول حذيفة (١) في هذا الباب.
( [أفضل الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان] :)
(وهو في رمضان آكد سيما في العشر الأواخر منه) : أفضل وآكد؛ لكونه ﷺ كان يعتكف فيها؛ ولم يرد ما يدل على توقيته بيوم أو أكثر، ولا على اشتراط الصيام؛ إلا من قول عائشة.
وحديث نذر عمر - المتقدم - يرده.
стр. 586
وكذلك حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: " ليس على المعتكف صيام؛ إلا أن يجعله على نفسه " (١) ، أخرجه الدارقطني، والحاكم، وقال: " صحيح الإسناد "، ورجح الدارقطني، والبيهقي وقفه.
وبالجملة: فلا حجة إلا في الثابت من قوله ﷺ ، ولم يثبت عنه ما يدل على أنه لا اعتكاف إلا بصوم، بل ثبت عنه ما يخالفه في نذر عمر.
وقد روى أبو داود عن عائشة مرفوعا من حديث: " ولا اعتكاف إلا بصوم ".
ورواه غيره من قولها، ورجح ذلك الحفاظ.
أقول: اعلم أن كون الشيء شرطا لشيء آخر، أو ركنا له أو فرضا من فروضه: لا يثبت إلا بدليل؛ لأنه حكم شرعي أو وضعي، ولم يأت ما يدل على أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم، بل ثبت الترغيب منه ﷺ في الاعتكاف؛ ولم ينقل إلينا أنه اعتبر ذلك، ولو كان معتبرا؛ لبينه للأمة.
وأما اعتكافه ﷺ في صومه: فلا يستلزم أن يكون الاعتكاف كذلك؛ لأنه أمر اتفاقي، ولو كان ذلك معتبرا؛ لكان اعتكافه في مسجده معتبرا؛ فلا يصح من أحد الاعتكاف في غيره، وأنه باطل.
وأما قول عائشة المتقدم: فظاهر هذا السياق أن لفظ: " ولا اعتكاف إلا بصوم "؛ ليس من بيان السنة المذكورة في أول كلامها، بل ابتداء كلام منها، فقد أخرجه النسائي؛ ولم يذكر فيه قولها: من السنة.
стр. 587
وكذلك أخرجه أيضا من حديث مالك؛ وليس فيه ذلك.
وقال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: من السنة.
وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: لا يخرج، وما عداه ممن دونها.
وكذلك رجح ذلك البيهقي (١) ؛ كما ذكره ابن كثير في " إرشاده ".
ومما يؤيد هذا: حديث: " من اعتكف فواق ناقة "، وكذلك حديث: " ليس على المعتكف صيام "؛ وفيهما مقال أوضحه الماتن ﵀ في " شرح المنتقى ".
وقد ثبت عنه ﷺ ، أنه اعتكف عشرا من شوال، ولم ينقل عنه أنه صامها، بل روي (٢) عنه أنه اعتكف العشر الأول من شوال، ولا يخفى أن يوم الفطر من جملتها، وليس بيوم صوم.
فالحق عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف لما تقدم، ولما ثبت: أن عمر سأل النبي ﷺ ، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ فقال: " أوف بنذرك "؛ وهو متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: " يوما " مكان: " ليلة ".
وما في " الصحيحين " أرجح مما في أحدهما؛ إذا لم يمكن الجمع.
стр. 588
وقد جمع ابن حبان، وغيره بأنه نذر اعتكاف ليلة ويوم.
وفي رواية أبي داود، والنسائي: أن النبي ﷺ قال له: " اعتكف وصم "؛ ولكن في إسناده عبد الله بن بديل، وهو ضعيف، وقد ذكر ابن عدي، والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار.
وقال الحافظ في " الفتح ": إن رواية من روى: " يوما " شاذة.
وإذا عرفت ما تقدم من عدم انتهاض ما احتجوا به على شرطية الصوم؛ فالحق الحقيق بالقبول: أن الاعتكاف يكون ساعة فما فوقها.
بل حديث: " من اعتكف فواق ناقة "؛ يدل على أنه يكون أقله لحظة مختطفة، وهذا الحديث - وإن لم يكن صالحا للاحتجاج به -: فالأصل عدم التقدير بوقت معين، والدليل على مدعي ذلك.
ثم كون اليوم الكامل شرطا للصوم لا يستلزم أن يكون شرطا للاعتكاف؛ لأنه يمكن الاعتكاف بعض اليوم مع الصوم لكل اليوم، فاليوم شرط الصوم لا شرط الاعتكاف؛ على تسليم أن الصوم شرط.
( [استحباب الاجتهاد في العمل في العشر الأواخر من رمضان] :)
(ويستحب الاجتهاد في العمل فيها) : لحديث عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل كله، وأيقظ أهله، وشد المئزر؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما.
стр. 589
( [مشروعية قيام ليالي القدر] :)
(وقيام ليالي القدر) : لحديث أبي هريرة في " الصحيحين "، وغيرهما، عن النبي ﷺ : " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه ".
وفي تعيين ليلة القدر أحاديث مختلفة، وأقوال جاوزت الأربعين؛ ذكرتها في " مسك الختام شرح بلوغ المرام " بالفارسية؛ وقد استوفاها الماتن في " نيل الأوطار ".
وفي " حاشية الشفاء " للماتن:
" أقول: في تعيينها مذاهب يطول تعدادها، وقد بسطتها في " شرح المنتقى "، فكانت سبعة وأربعين قولا، وذكرت أدلتها، وبينت راجحها من مرجوحها، ورجحت أنها في أوتار العشر الأواخر؛ لما ذكرته هنالك ". انتهى.
قال في " الحجة البالغة ": إن ليلة القدر ليلتان:
إحداهما: ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم، وفيها نزل القرآن جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك نجما نجما، وهي ليلة في السنة، ولا يجب أن تكون في رمضان، نعم؛ رمضان مظنة غالبة لها، واتفق أنها كانت في رمضان عند نزول القرآن.
والثانية: يكون فيها نوع من انتشار الروحانية، ومجيء الملائكة إلى الأرض، فيتفق المسلمون فيها على الطاعات، فتتعاكس أنوارهم فيما بينهم،
стр. 590
ويتقرب منهم الملائكة، ويتباعد منهم الشياطين، ويستجاب منهم أدعيتهم وطاعاتهم، وهي ليلة في كل رمضان في أوتار العشر الأواخر، تتقدم وتتأخر فيها، ولا تخرج منها، فمن قصد الأولى قال: هي في كل سنة، ومن قصد الثانية قال: هي في العشر الأواخر من رمضان (١) .
وقال رسول الله ﷺ : " أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها؛ فليتحرها في السبع الأواخر "، وقال: " أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين "، فكان ذلك في ليلة إحدى وعشرين.
واختلاف الصحابة فيها مبني على اختلافهم في وجدانها.
ومن أدعية من وجدها: " اللهم ﴿إنك عفو تحب العفو؛ فاعف عني ".
وفي " المسوى ": " اختلفوا في [أي] ليلة هي أرجى؟ والأقوى أنها ليلة في أوتار العشرة الأخيرة تتقدم وتتأخر.
وقول أبي سعيد: إنها ليلة إحدى وعشرين.
وقال المزني، وابن خزيمة: إنها تنتقل كل سنة ليلة؛ جمعا بين الأخبار.
قال في " الروضة ": وهو قوي.
ومذهب الشافعي أنها لا تلزم ليلة بعينها.
стр. 591
وفي " المنهاج ": وميل الشافعي إلى أنها ليلة الحادي والثالث والعشرين.
وعن أبي حنيفة: أنها في رمضان، لا يدرى أية ليلة هي؟ وقد تتقدم وتتأخر.
وعندهما كذلك؛ إلا أنها متعينة لا تتقدم ولا تتأخر ".
( [لا يخرج المعتكف إلا لحاجة] :)
(ولا يخرج المعتكف إلا لحاجة) : لما ثبت من حديث عائشة في " الصحيحين "، عنه ﷺ : أنه كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان؛ إذا كان معتكفا.
وأخرج أبو داود، عنها قالت: كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه؛ وفي إسناده ليث بن أبي سليم.
قال الحافظ: والصحيح عن عائشة من فعلها؛ أخرجه مسلم وغيره، وقال: صح ذلك عن علي.
وأخرج أبو داود عن عائشة أيضا، قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة؛ إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع.
وأخرجه أيضا النسائي؛ وليس فيه: قالت: السنة.
стр. 592
قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: قالت: السنة.
وجزم الدارقطني بأن القدر من حديث عائشة قولها: لا يخرج، وما عداه ممن دونها (١) .
قال في " المسوى ": اتفق أهل العلم على أن المعتكف يخرج للغائط والبول، ولا يفسد به اعتكافه، ولا يخرج للأكل والشرب، ويجوز غسل الرأس، وترجيل الشعر، وما في معناه.
وأكثرهم على أنه لا يجوز له الخروج لعيادة المريض، وصلاة الجنازة؛ إلا أن يخرج لحاجة فيسأل المريض مارا.
وإن شرط في اعتكافه الخروج لشيء من هذا؛ جاز له أن يخرج عند الشافعي، ولا يجوز عند أبي حنيفة؛ كذا في " شرح السنة ".
стр. 593
(الكتاب السابع: كتاب الحج)
стр. 594
(٧ - كتاب الحج)
(١ - باب: أحكام الحج)
(الفصل الأول: وجوب الحج)
( [تعريف الحج] :)
أقول: الحج في اللغة: القصد، فمعنى قوله - تعالى -: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ : قصد البيت، والقصد لا إجمال فيه، وأما قوله ﷺ : " خذوا عني مناسككم "؛ فهو أمر بالاقتداء به في أفعاله وأقواله، والأمر يفيد الوجوب، فتكون المناسك التي بينها ﷺ واجبة، ولا يخرج عن الوجوب منها؛ إلا ما خصه دليل.
( [لا دليل على اختلال الحج باختلال بعض المناسك إلا الوقوف بعرفة] :)
وأما كونه لا يصح الحج إلا بفعل جميع المناسك، أو يختل باختلال بعضها: فلا دليل على ذلك؛ لأن الذي يؤثر عدمه في العدم، هو الشرط لا الواجب، وليس في أدلة مناسك الحج ما يفيد تأثير عدمه في عدم الحج؛ إلا الوقوف بعرفة، ولا ريب أنه نسك من مناسك الحج يختص بمزية لا توجد في غيره من المناسك؛ لحديث: " الحج عرفة، من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ".
стр. 595
أخرجه أحمد، وأصحاب " السنن "، والحاكم، والبيهقي، وابن حبان من حديث عبد الرحمن بن نعيم الدؤلي.
وأخرج من تقدم ذكره من حديث عروة بن مضرس: " من صلى معنا هذه الصلاة - يعني: صلاة يوم النحر -، وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا؛ فقد تم حجه وقضى تفثه ".
وصحح هذا الحديث جماعة من الحفاظ؛ كالحاكم، والدارقطني، وابن العربي (١) .
وفي رواية من حديث عبد الرحمن المذكور: " من جاء عرفة قبل أن يطلع الفجر؛ فقد أدرك الحج ".
وفي رواية لأبي نعيم: " ومن لم يدرك جمعا؛ فلا حج له ".
فهذه الروايات تدل على أن الوقوف بعرفة ركن من الأركان التي لا يتم الحج بدونها.
وههنا بحث؛ وهو أن الاستدلال ببعض أفعاله على الوجوب، وبعضها على الندب تحكم، وكذلك القول بأن بعضها نسك، وبعضها غير نسك، والظاهر أن جميع أفعاله الصادرة عنه في حجته مناسك؛ لأنه لم يبين لنا أن النسك هو هذا الفعل دون هذا، ولكن لا بد أن تكون الأفعال مقصودة لذاتها؛ كالإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي، ورمي الجمار، لا ما كان غير مقصود لذاته، كالمبيت بمنى ليالي الرمي، أو كان بسبب غير الحج؛ كجمع الصلاتين في مزدلفة، ونحو ذلك.
стр. 596
وقد زعم الجلال في " ضوء النهار " أن من زعم أن حجه ﷺ مجمل بين بفعله فقد أسرف في الجهل، قال: " لأن اسم الحج ومسماه ظاهران "، ثم قال: " إن تلك التي فعلها ﷺ إنما هي أفعال، وهي لا تدل على الوجوب، حتى يعلم أنه فعلها على وجه الوجوب، وإلا فالظاهر القربة فقط، وهي لا تستلزم الوجوب ولا الشرطية ". انتهى.
ولعله لم يخطر بباله - حال تحرير هذا البحث - حديث: " خذوا عني مناسككم "، وهو حديث صحيح في " مسلم " وغيره، ولا ريب أنه يفيد وجوب مناسك الحج كما قدمنا.
( [دليل وجوب الحج على المكلف المستطيع فورا] :)
(يجب على كل مكلف مستطيع) : لنص الكتاب العزيز: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ ؛ وعليه إجماع الأمة؛ قالوا: الحج فريضة محكمة يكفر جاحدها، وقالوا: الحر المكلف القادر، إذا وجد الزاد والراحلة وأمن الطريق؛ يلزمه الحج؛ كذا في " المسوى ".
أقول: حديث تفسيره ﷺ للسبيل بالزاد والراحلة فيه مقال، ولكنه قد روي من طريق جماعة من الصحابة، وفي جميع الطرق علل، لا تمنع تقوية بعضها لبعض، ويشد من عضدها حديث: " من وجد زادا وراحلة "؛ وهو مروي من طريق ثلاثة من الصحابة، وفي جميعها مقال.
فالحاصل: أن مجموع ما ورد في تفسير السبيل بالزاد والراحلة، وترتيب الوجوب عليها؛ ينتهض للاحتجاج به على ذلك، فلا وجوب على من لم يجد الراحلة، كما أنه لا وجوب على من لم يجد الزاد، ولا وجه لقصر
стр. 597
السبيل على الزاد والراحلة، بل السلامة من المرض والأمن هما من السبيل، وكذلك المحرم للمرأة؛ لدلالة الدليل على ذلك.
ثم التحقيق: أن الشروط تنقسم إلى قسمين: شرط يتعلق بالفاعل، وشرط يتعلق بالفعل:
فالأول: يتوقف عليه تعلق الخطاب به.
والثاني: يتوقف عليه كونه مطلوبا من فاعله.
والأول - أيضا - هو الذي يقال له: شرط الإيجاب، وشرط الطلب.
والثاني: هو الذي يقال له: شرط الواجب، وشرط المطلوب.
وإيضاح هذا: أن التكليف والإسلام والحرية؛ شروط متعلقة بالفاعل، والزاد، والراحلة، والأمن، والمحرم؛ شروط متعلقة بالفعل، فجعل بعض شروط الفعل للوجوب، وبعضها للأداء؛ غير موافق لعقل ولا نقل، وأنت خبير بأن المرأة منهية عن السفر بدون محرم، كما ثبت النهي عن ذلك في " الصحيح "، ولم يثبت النهي عن الحج لمن لم يجد الراحلة مثلا، بل كان الإيجاب متعلقا بوجودها، وهذا يقتضي أن تحصيل المحرم أهم من تحصيل الراحلة؛ لأن السفر بدون محرم حرام، كما يقتضيه النهي بحقيقته، وكما يقتضيه لفظ: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام - أو يوما، أو ليلة، أو بريدا - بدون محرم "؛ على اختلاف الروايات.
ولم يرد ما يدل على تحريم السفر بدون الراحلة، فإيجاب الوصية بالحج على من ماتت ولها زاد وراحلة وليس لها محرم، دون من ماتت ولها زاد
стр. 598
ومحرم وليس لها راحلة: ليس بمناسب؛ فإن فاقدة المحرم لم تستطع إلى الحج سبيلا؛ كفاقدة الراحلة وزيادة.
ومعنى كون الشيء شرطا لتأدية شيء آخر: أن التأدية بدونه لا تصح، وهذا يعود إلى شرط الصحة، وهم لا يريدون هذا، بل معنى شرط الأداء عندهم: أن يكون المكلف قد كملت له شروط الصحة والوجوب، ولم يبق إلا التأدية؛ وهي مشروطة بشرط، وهذا اصطلاح قليل الثمرة، غاية ما فيه؛ أن من مات وقد كملت له شروط الصحة والوجوب، ولم يبق إلا شرط الأداء؛ وجب عليه الإيصاء بالحج، وقد تقدم ما هو الحق في ذلك.
(فوراً) : لحديث ابن عباس، عن النبي ﷺ : " تعجلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم ما يدري ما يعرض له "؛ أخرجه أحمد.
وأخرج أحمد - أيضا -، وابن ماجه من حديث ابن عباس، عن الفضل - أو أحدهما عن الآخر - قال: قال رسول الله ﷺ : " من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة "؛ وفي إسناده إسماعيل بن خليفة العبسي أبو إسرائيل، وهو صدوق ضعيف الحفظ.
وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وسعيد بن منصور، والبيهقي من حديث أبي أمامة مرفوعا: " من لم يحبسه مرض، أو حاجة ظاهرة، أو مشقة ظاهرة، أو سلطان جائر، فلم يحج؛ فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا "؛ وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وشريك، وفيهما ضعف.
وأخرجه الترمذي من حديث علي مرفوعا: " من ملك زادا وراحلة تبلغه
стр. 599
إلى بيت الله ولم يحج؛ فلا عليه أن يموت نصرانيا، أو يهوديا؛ وذلك لأن الله - تعالى - قال في كتابه: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ ".
قال الترمذي: غريب، وفي إسناده مقال والحديث يضعف، وهلال بن عبد الله الراوي له عن أبي إسحاق مجهول.
وقال العقيلي: لا يتابع عليه.
وقد روي من طريق ثالثة من حديث أبي هريرة عند ابن عدي بنحوه.
وروى سعيد بن منصور في " سننه " عن الحسن، قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية؛ ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين؛ وأخرجه أيضا البيهقي.
وقد ذهب إلى القول بالفور: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد: إنه على التراخي.
قال في " حجة الله البالغة " - تحت قوله ﷺ : " من ملك زادا وراحلة ... " الخ -:
" أقول: ترك ركن من أركان الإسلام يشبه بالخروج عن الملة، وإنما شبه تارك الحج باليهودي والنصراني، وتارك الصلاة بالمشرك؛ لأن اليهود والنصارى يصلون ولا يحجون، ومشركو العرب يحجون ولا يصلون.
стр. 600
والمصلحة المرعية في الحج إعلاء كلمة الله، وموافقة سنة إبراهيم ﵇، وتذكر نعمة الله عليه ". انتهى.
( [دليل وجوب العمرة] :)
وفي بعض نسخ المتن:
(وكذلك العمرة؛ وما زاد فهو نافلة) ، وفي حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ".
قلت: الحج المبرور: هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم.
( [من منكرات الحج تضييع الصلاة] :)
وفي " تنبيه الغافلين " للشيخ محيي الدين بن إبراهيم النحاس؛ في ذكر منكرات الحجاج:
" وأعظمها فتنة، وأجلها مصيبة، وأكثرها وجودا وبلية: هو تضييع أكثرهم الصلاة في الحج، وكثير منهم لا يتركونها؛ بل يضيعون أوقاتها، ويجمعونها على غير الوجه الشرعي، وذلك حرام بالإجماع، ومن تحقق أن ذلك نصيبه في حجه؛ حرم عليه الحج، رجلا كان أو امرأة.
قال ابن الحاج: وقد قال علماؤنا في المكلف: إذا علم أنه تفوته الصلاة الواحدة إذا خرج إلى الحج؛ فقد سقط الحج عنه.