وقد زعم الجلال في " ضوء النهار " أن من زعم أن حجه ﷺ مجمل بين بفعله فقد أسرف في الجهل، قال: " لأن اسم الحج ومسماه ظاهران "، ثم قال: " إن تلك التي فعلها ﷺ إنما هي أفعال، وهي لا تدل على الوجوب، حتى يعلم أنه فعلها على وجه الوجوب، وإلا فالظاهر القربة فقط، وهي لا تستلزم الوجوب ولا الشرطية ". انتهى.
ولعله لم يخطر بباله - حال تحرير هذا البحث - حديث: " خذوا عني مناسككم "، وهو حديث صحيح في " مسلم " وغيره، ولا ريب أنه يفيد وجوب مناسك الحج كما قدمنا.
( [دليل وجوب الحج على المكلف المستطيع فورا] :)
(يجب على كل مكلف مستطيع) : لنص الكتاب العزيز: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ ؛ وعليه إجماع الأمة؛ قالوا: الحج فريضة محكمة يكفر جاحدها، وقالوا: الحر المكلف القادر، إذا وجد الزاد والراحلة وأمن الطريق؛ يلزمه الحج؛ كذا في " المسوى ".
أقول: حديث تفسيره ﷺ للسبيل بالزاد والراحلة فيه مقال، ولكنه قد روي من طريق جماعة من الصحابة، وفي جميع الطرق علل، لا تمنع تقوية بعضها لبعض، ويشد من عضدها حديث: " من وجد زادا وراحلة "؛ وهو مروي من طريق ثلاثة من الصحابة، وفي جميعها مقال.
فالحاصل: أن مجموع ما ورد في تفسير السبيل بالزاد والراحلة، وترتيب الوجوب عليها؛ ينتهض للاحتجاج به على ذلك، فلا وجوب على من لم يجد الراحلة، كما أنه لا وجوب على من لم يجد الزاد، ولا وجه لقصر
стр. 597
السبيل على الزاد والراحلة، بل السلامة من المرض والأمن هما من السبيل، وكذلك المحرم للمرأة؛ لدلالة الدليل على ذلك.
ثم التحقيق: أن الشروط تنقسم إلى قسمين: شرط يتعلق بالفاعل، وشرط يتعلق بالفعل:
فالأول: يتوقف عليه تعلق الخطاب به.
والثاني: يتوقف عليه كونه مطلوبا من فاعله.
والأول - أيضا - هو الذي يقال له: شرط الإيجاب، وشرط الطلب.
والثاني: هو الذي يقال له: شرط الواجب، وشرط المطلوب.
وإيضاح هذا: أن التكليف والإسلام والحرية؛ شروط متعلقة بالفاعل، والزاد، والراحلة، والأمن، والمحرم؛ شروط متعلقة بالفعل، فجعل بعض شروط الفعل للوجوب، وبعضها للأداء؛ غير موافق لعقل ولا نقل، وأنت خبير بأن المرأة منهية عن السفر بدون محرم، كما ثبت النهي عن ذلك في " الصحيح "، ولم يثبت النهي عن الحج لمن لم يجد الراحلة مثلا، بل كان الإيجاب متعلقا بوجودها، وهذا يقتضي أن تحصيل المحرم أهم من تحصيل الراحلة؛ لأن السفر بدون محرم حرام، كما يقتضيه النهي بحقيقته، وكما يقتضيه لفظ: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام - أو يوما، أو ليلة، أو بريدا - بدون محرم "؛ على اختلاف الروايات.
ولم يرد ما يدل على تحريم السفر بدون الراحلة، فإيجاب الوصية بالحج على من ماتت ولها زاد وراحلة وليس لها محرم، دون من ماتت ولها زاد
стр. 598
ومحرم وليس لها راحلة: ليس بمناسب؛ فإن فاقدة المحرم لم تستطع إلى الحج سبيلا؛ كفاقدة الراحلة وزيادة.
ومعنى كون الشيء شرطا لتأدية شيء آخر: أن التأدية بدونه لا تصح، وهذا يعود إلى شرط الصحة، وهم لا يريدون هذا، بل معنى شرط الأداء عندهم: أن يكون المكلف قد كملت له شروط الصحة والوجوب، ولم يبق إلا التأدية؛ وهي مشروطة بشرط، وهذا اصطلاح قليل الثمرة، غاية ما فيه؛ أن من مات وقد كملت له شروط الصحة والوجوب، ولم يبق إلا شرط الأداء؛ وجب عليه الإيصاء بالحج، وقد تقدم ما هو الحق في ذلك.
(فوراً) : لحديث ابن عباس، عن النبي ﷺ : " تعجلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم ما يدري ما يعرض له "؛ أخرجه أحمد.
وأخرج أحمد - أيضا -، وابن ماجه من حديث ابن عباس، عن الفضل - أو أحدهما عن الآخر - قال: قال رسول الله ﷺ : " من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة "؛ وفي إسناده إسماعيل بن خليفة العبسي أبو إسرائيل، وهو صدوق ضعيف الحفظ.
وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وسعيد بن منصور، والبيهقي من حديث أبي أمامة مرفوعا: " من لم يحبسه مرض، أو حاجة ظاهرة، أو مشقة ظاهرة، أو سلطان جائر، فلم يحج؛ فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا "؛ وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وشريك، وفيهما ضعف.
وأخرجه الترمذي من حديث علي مرفوعا: " من ملك زادا وراحلة تبلغه
стр. 599
إلى بيت الله ولم يحج؛ فلا عليه أن يموت نصرانيا، أو يهوديا؛ وذلك لأن الله - تعالى - قال في كتابه: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ ".
قال الترمذي: غريب، وفي إسناده مقال والحديث يضعف، وهلال بن عبد الله الراوي له عن أبي إسحاق مجهول.
وقال العقيلي: لا يتابع عليه.
وقد روي من طريق ثالثة من حديث أبي هريرة عند ابن عدي بنحوه.
وروى سعيد بن منصور في " سننه " عن الحسن، قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية؛ ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين؛ وأخرجه أيضا البيهقي.
وقد ذهب إلى القول بالفور: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد: إنه على التراخي.
قال في " حجة الله البالغة " - تحت قوله ﷺ : " من ملك زادا وراحلة ... " الخ -:
" أقول: ترك ركن من أركان الإسلام يشبه بالخروج عن الملة، وإنما شبه تارك الحج باليهودي والنصراني، وتارك الصلاة بالمشرك؛ لأن اليهود والنصارى يصلون ولا يحجون، ومشركو العرب يحجون ولا يصلون.
стр. 600
والمصلحة المرعية في الحج إعلاء كلمة الله، وموافقة سنة إبراهيم ﵇، وتذكر نعمة الله عليه ". انتهى.
( [دليل وجوب العمرة] :)
وفي بعض نسخ المتن:
(وكذلك العمرة؛ وما زاد فهو نافلة) ، وفي حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ".
قلت: الحج المبرور: هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم.
( [من منكرات الحج تضييع الصلاة] :)
وفي " تنبيه الغافلين " للشيخ محيي الدين بن إبراهيم النحاس؛ في ذكر منكرات الحجاج:
" وأعظمها فتنة، وأجلها مصيبة، وأكثرها وجودا وبلية: هو تضييع أكثرهم الصلاة في الحج، وكثير منهم لا يتركونها؛ بل يضيعون أوقاتها، ويجمعونها على غير الوجه الشرعي، وذلك حرام بالإجماع، ومن تحقق أن ذلك نصيبه في حجه؛ حرم عليه الحج، رجلا كان أو امرأة.
قال ابن الحاج: وقد قال علماؤنا في المكلف: إذا علم أنه تفوته الصلاة الواحدة إذا خرج إلى الحج؛ فقد سقط الحج عنه.
стр. 601
وقد سئل (١) مالك في الذي يركب البحر ولا يجد موضعا يسجد فيه إلا على ظهر أخيه (٢) : أيجوز له الحج؟ فقال ﵀: أيركب حيث لا يصلي؟ ﴿ويل لمن ترك الصلاة﴾ ويل له ﴿
وأما النساء؛ فلا يمكن إحداهن الصلاة في وقتها المشروع إلا في النادر الذي لا حكم له، وسبب هذا المنكر العظيم أمراء الحاج وتهاونهم في الإنكار، وخوف المصلي من فوات الرفقة، ومشقة اللحوق بهم، فالواجب على الأمراء أن يقفوا بالحج في أوقات الصلاة إذا دخلت عليهم وهم مسافرون، ويتفقدوا من لم يصل من الجمّالين وغيرهم، ويشددوا عليهم في أمر الصلاة، ويمنعوا من يتقدم منهم قبل الصلاة، فإن لم يفعلوا؛ كان إثم من ترك الصلاة كذلك في أعناقهم، ومن تركها تهاونا وكسلا ولم يعلموا به؛ فإثمه في عنق نفسه، وحكمه مذكور في كتب الفقه ". انتهى حاصله (٣) .
(الفصل الثاني: وجوب تعيين نوع الحج بالنية)
( [تعيين نوع الحج بالنية واجب] :)
стр. 602
(ويجب تعيين نوع الحج بالنية) : لأن المناسك - على ما استفاض من الصحابة، والتابعين، وسائر المسلمين - أربعة: حج مفرد، وعمرة مفردة، وتمتع، وقران:
(من تمتع) : وهو أن يحرم الآفاقي بالعمرة في أشهر الحج، فيدخل مكة ويتم عمرته ويخرج من إحرامه، ثم يبقى حلالا حتى يحج، وعليه أن يذبح ما استيسر من الهدي.
(أو قران) : وهو أن يحرم الآفاقي بالحج والعمرة معا، ثم يدخل مكة ويبقى على إحرامه حتى يفرغ من أفعال الحج، وعليه أن يطوف طوافا واحدا، ويسعى سعيا واحدا - في قول -، وطوافين وسعيين، ثم يذبح ما استيسر من الهدي، فإذا أراد أن ينفر من مكة؛ طاف للوداع.
(أو إفراد) ؛ أي: حج مفرد أو عمرة مفردة، فالحج لحاضر مكة أن يحرم منها، ويجتنب في الإحرام الجماع ودواعيه، والحلق، وتقليم الأظفار، ولبس المخيط، وتغطية الرأس، والتطيب، والصيد، ويجتنب النكاح على قول، ثم يخرج إلى عرفات، ويكون فيها عشية عرفة، ثم يرجع منها بعد غروب الشمس، ويبيت بمزدلفة، ويدفع منها قبل شروق الشمس، فيأتي منى، ويرمي العقبة الكبرى، ويهدي إن كان معه، ويحلق أو يقصر، ثم يطوف للإفاضة في أيام منى، ويسعى بين الصفا والمروة.
وللآفاقي أن يحرم من ميقات.
فإن دخل مكة قبل الوقوف؛ طاف للقدوم ورمل فيه، وسعى بين الصفا والمروة، ثم بقي على إحرامه حتى يقوم بعرفة، ويرمي ويحلق، ويطوف، ولا رمل ولا سعي حينئذ.
стр. 603
والعمرة: أن يحرم من الحل، فإن كان آفاقيا فمن الميقات، فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر.
وبالجملة: فتعيين نوع الحج بالنية؛ لما تقدم في الوضوء.
وقد ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: " من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل "، قالت: وأهلّ رسول الله ﷺ بالحج، وأهلّ به ناس معه، وأهلّ معه ناس بالعمرة والحج، وأهلّ ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بعمرة.
وفي " البخاري " من حديث جابر: أن إهلال النبي ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته.
وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر، قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ؛ ما أهل رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد - يعني: مسجد ذي الحليفة -.
وقد وقع الخلاف في المحل الذي أهل منه رسول الله ﷺ على حسب اختلاف الرواة؛ فمنهم من روى أنه أهل من المسجد، ومنهم من روى أنه أهلّ حين استقلت به راحلته، ومنهم من روى أنه أهلّ لما علا شرف البيداء، وقد جمع بين ذلك ابن عباس، فقال: إنه أهلّ في جميع هذه المواضع، فنقل كل راو ما سمع.
قال في " الحجة البالغة ": " وبين ابن عباس أن الناس كانوا أتوه أرسالا، فأخبر كل واحد بما رآه ".
стр. 604
( [التمتع أفضل أنواع الحج] :)
(والأول) ؛ أي: التمتع (أفضلها) ؛ أي: الأنواع الثلاثة.
واعلم أن هذه المسألة قد طال فيها النزاع، واضطربت فيها الأقوال، فمنهم من قال بأن أفضل الأنواع القران؛ لكونه ﷺ حج قرانا على ما هو الصحيح، وإن كان قد ورد ما يدل على أنه حج إفرادا، لكن الأحاديث الصحيحة الثابتة في " الصحيحين " وغيرهما من طرق عديدة؛ مصرحة بأنه أهل بحج وعمرة، فلو لم يرد عنه ﷺ ما يدل على أن غير ما فعله أفضل مما فعله؛ لكان القران أفضل الأنواع، لكنه ورد ما يدل على ذلك.
ففي " الصحيحين " وغيرهما من حديث جابر، أن النبي ﷺ قال: " يا أيها الناس! أحلوا؛ فلولا الهدي معي فعلت كما فعلتم "، قال: فأحللنا، حتى وطئنا النساء، وفعلنا كما يفعل الحلال، حتى إذا كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر؛ أهللنا بالحج.
وثبت مثل ذلك في حديث جماعة من الصحابة بألفاظ: منها: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ ما سُقت الهدي، ولجعلتها عمرة ".
وقد ذهب إلى هذا جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ كمالك وأحمد، وهو الحق؛ لأنه لم يعارض هذه الأدلة معارض، وقد أوضح فيها ﷺ أن نوع التمتع أفضل من النوع الذي فعله، وهو القران.
وقد أوضح الماتن حجج الأقوال، وما احتج به كل فريق في " شرح المنتقى "، والعبد الضعيف في " شرح بلوغ المرام "، وكذلك أوضح الماتن فيه؛
стр. 605
أن حجه ﷺ كان قرانا.
أقول: قد روى الفسخ عنه ﷺ أربعة عشر رجلا من الصحابة.
وأما قول أبي ذر؛ فليس بحجة على أحد؛ لأنه رأي صحابي فيما للاجتهاد فيه مسرح.
والحاصل: أن هذا البحث يطول الكلام عليه جدا، فمن رام العثور على الصواب؛ فعليه ب " شرح المنتقى "، أو ب " الهدي النبوي " للحافظ ابن القيم ﵀.
قال ابن القيم في " إعلام الموقعين ": " أفتى ﷺ بجواز فسخهم الحج إلى العمرة، ثم أفتاهم باستحبابه، ثم أفتاهم بفعله حتما، ولم ينسخه شيء بعده، وهو الذي ندين الله به؛ أن القول بوجوبه أقوى وأصح من القول بالمنع منه.
وقد صح عنه صحة لا شك فيها أنه قال: " من لم يكن أهدى؛ فليهل بعمرة، ومن أهدى؛ فليهل بحج ثم مع عمرة ".
وأما ما فعله هو: فإنه صح عنه أنه قرن بين الحج والعمرة من بضع وعشرين رواية عن ستة وعشرين نفسا من أصحابه، ففعل القران وأمر بفعله من ساق الهدي، وأمر بفسخه إلى التمتع من لم يسق الهدي، وهذا من فعله وقوله؛ كأنه رأي عين؛ وبالله التوفيق ".
( [توضيح ما يتعلق بحج الرسول ﷺ ] :)
فإن قيل: كيف وقع اختلاف بين الصحابة - رضي الله تعالى
стр. 606
عنهم - في صفة حجته ﷺ ؛ وهي حجة واحدة، وكل واحد منهم يخبر عن مشاهدة في قصة واحدة؟
قلت: قال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث؛ فمن مجد منصف، ومن مقصر متكلف، ومن مطيل مكثر، ومن مقتصر مختصر.
قال: وأوسعهم في ذلك نفسا؛ أبو جعفر الطحاوي الحنفي، فإنه تكلم في ذلك في زيادة على ألف ورقة، وتكلم معه في ذلك أيضا أبو جعفر الطبري، ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة، ثم المهلب، والقاضي أبو عبد الله بن المرابط، والقاضي أبو الحسن بن القصار البغدادي، والحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيرهم.
قال القاضي عياض: وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم، واخترناه من اختياراتهم، مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث: أن النبي ﷺ أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة؛ ليدل على جواز جميعها، ولو أمر بواحد لكان غيره يظن أنه لا يجزئ، فأضيف الجميع إليه، وأخبر كل واحد بما أمره به، وأباحه له، ونسبه إلى النبي ﷺ ؛ إما لأمره وإما لتأويله عليه. انتهى.
أقول: إنما ذكر المختلفون في أفضل الأنواع نوع حجته ﷺ ؛ لأنهم يقولون: إن النوع الذي اختاره ﷺ لنفسه لا يكون إلا فاضلا، ولا سيما والتلبية كانت عن وحي من الله ؛ كما في حديث: أنه نزل جبريل فقال: " قل: لبيك بحجة وعمرة ".
стр. 607
وقد اختلف في نوع حجته ﷺ ، والحق أنه قران كما قرر الماتن ذلك في " شرح المنتقى "، ولكنه قال بعد ذلك: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة "، يعني: كما فعل أصحابه ﷺ عن أمره، وهذا الحديث متفق على صحته كما تقدم، فدل على أن التمتع أفضل من القران بلا ريب.
ولا اعتبار بقول من قال: إنه ﷺ إنما قال ذلك تطييبا لقلوب أصحابه؛ حيث حجوا تمتعا لعدم الهدي؛ لأن المقام مقام تشريع، لا مقام جبر خواطر، وتطييب قلوب، فالحق أن التمتع أفضل.
وأما أنه متعين لا يجوز غيره - كما رجحه ابن القيم ﵀، وأطال الكلام في تقريره -؛ فلا (١) .
قال في " التكميل ": " اختلفوا في نسك النبي ﷺ ؛ أنه كان مفردا للحج، أو قارنا، أو متمتعا سائق الهدي؟ ووجه التطبيق: أن النبي ﷺ حين جمع الناس، وخرج من المدينة المنورة إلى مكة المعظمة؛ كان لا ينوي إلا الحج، فلما بات بذي الحليفة في العقيق؛ أُمر بالقران، فقال: " لبيك بحجة وعمرة "، فلما دخل مكة، وتذكر جهالة العرب أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وعرف أنه في آخر عمره ولا يعيش إلى قابل؛ أراد رد هذا الوهم بأبلغ وجه، فأمر الناس بفسخ إحرام الحج وجعله عمرة، وقال: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ ما سقت الهدي، وأحللت مع الناس كما حلوا "، فكان مفردا بحسب ابتداء النية والشهرة، وقارنا بحسب تلبيته من
стр. 608
العقيق؛ حيث أُمر: " صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة "، وكان متمتعا سائق الهدي بحسب الهم والرغبة، ولم ينقل تجديد الإحرام للحج يوم التروية، نعم؛ عُرف تجديد التلبية عند إنشاء السفر إلى عرفة من منى، فكان قارنا حقيقة، مفردا في أول الأمر، متمتعا في آخره ". انتهى.
قال في " المسوى ": " والتحقيق في هذه المسألة: أن الصحابة لم يختلفوا في حكاية ما شاهدوه من أفعال النبي ﷺ من أنه أحرم من ذي الحليفة، وطاف أول ما قدم، وسعى بين الصفا المروة، ثم خرج يوم التروية إلى منى، ثم وقف بعرفات، ثم بات بمزدلفة، ووقف بالمشعر الحرام، ثم رجع إلى منى، ورمى، ونحر، وحلق، ثم طاف طواف الزيارة، ثم رمى الجمار في الأيام الثلاثة؛ وإنما اختلفوا في التعبير عما فعل باجتهادهم وآرائهم.
فقال بعضهم: كان ذلك حجا مفردا، وكان الطواف الأول للقدوم، والسعي لأجل الحج، وكان بقاؤه على الإحرام؛ لأنه قصد الحج.
وقال بعضهم: كان ذلك تمتعا بسوق الهدي، وكان الطواف الأول للعمرة، كأنهم سموا طواف القدوم والسعي بعده عمرة، وإن كان للحج، وكان بقاؤه على الإحرام؛ لأنه كان متمتعا بسوق الهدي.
وقال بعضهم: كان ذلك قرانا، والقران لا يحتاج إلى طوافين وسعيين.
وهذا الاختلاف سبيله سبيل الاختلاف في الاجتهاديات.
أما أنه سعى تارة أخرى بعد طواف الزيارة - سواء قيل بالتمتع أو القران -؛ فإنه لم يثبت في الروايات المشهورة، بل ثبت عن جابر أنه لم يسع بعده ". انتهى.
стр. 609
قال النووي في " شرح صحيح مسلم ": " وأما إحرامه ﷺ بنفسه؛ فأخذ بالأفضل، فأحرم مفردا للحج، وبه تظاهرت الروايات الصحيحة، وأما الروايات بأنه كان متمتعا؛ فمعناها: أمر به، وأما الروايات بأنه كان قارنا؛ فإخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه، بل إخبار عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل من حجهم، وقلبه إلى عمرة لمخالفة الجاهلية؛ إلا من كان معه هدي، وكان هو ﷺ ومن معه هدي في آخر إحرامهم قارنين؛ يعني: أنهم أدخلوا العمرة على الحج؛ وفعل ذلك مواساة لأصحابه، وتأنيسا لهم في فعلها في أشهر الحج، لكونها كانت منكرة عندهم في أشهر الحج؛ ولم يمكنه التحلل معهم بسبب الهدي، واعتذر إليهم بذلك في ترك مواساتهم، فصار النبي ﷺ قارنا في آخر أمره، وقد اتفق جمهور العلماء على جواز إدخال الحج على العمرة، وشذ بعض الناس فمنعه ". انتهى.
(ويكون الإحرام) ؛ وهو في الحج والعمرة بمنزلة التكبير في الصلاة، فيه تصوير الإخلاص والتعظيم، وضبط عزيمة الحج بفعل ظاهر، وفيه جعل النفس متذللة خاشعة لله بترك الملاذ والعادات المألوفة، وأنواع التجمل، وفيه تحقيق معاناة التعب والتشعث والتغير لله.
أقول: وليس في إيجاب الإحرام - على غير من دخل لأحد النسكين - دليل.
أما الآية - أعني: قوله - تعالى -: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ -؛ فإنها بيان لما حرمه عليهم من الصيد حال الإحرام، في قوله تعالى -: ﴿إلا ما يتلى
стр. 610
عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ - وقد عُلم أنه لا إحرام إلا لأحد النسكين -، ثم أخبرهم بإباحة الصيد لهم إذا حلوا.
وأما قول ابن عباس؛ فاجتهاد منه، وليس ذلك من الحجة في شيء، والمقام مقام اجتهاد، ولهذا خالفه ابن عمر، فجاوز الميقات غير محرم، كما روى ذلك عنه مالك في " الموطإ ".
وقد كان المسلمون في عصره ﷺ يختلفون إلى مكة لحوائجهم، ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم بإحرام، كقصة الحجاج بن علاط، وكذلك قصة أبي قتادة لما عقر حمار الوحش داخل الميقات وهو حلال، وقد كان أرسله لغرض قبل الحج، فجاوز الميقات غير مريد للحج ولا للعمرة، والبراءة الأصلية مستصحبة؛ فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح يجب العمل به.
وقد ذهب إلى جواز المجاوزة من غير إحرام - لغير الحاج والمعتمر - ابن عمر والشافعي في أخير قوليه.
وأما إيجاب الدم على من جاوز - معللا ذلك بأنه ترك نسكا -: ففاسد؛ فإن الإحرام ليس بنسك لغير من أراد الحج أو العمرة، على أنه لم يثبت عنه ﷺ أنه قال: " من ترك نسكا فعليه دم "؛ وإنما روي ذلك عن ابن عباس؛ كما في " الموطإ ".
( [الإحرام من المواقيت المكانية المحددة] :)
(من المواقيت المعروفة) : لحديث ابن عباس في " الصحيحين " وغيرهما، قال: وقّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا
стр. 611
الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، قال: " فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن؛ لمن كان يريد الحج والعمرة ".
وفائدة التأقيت: المنع عن تأخير الإحرام، فلو قدم عليها جاز.
أقول: قال قوم: إن رسول الله ﷺ لم يوقت لأهل العراق ذات عرق، وإنما وقته عمر بن الخطاب ﵁.
قلت: قد ذهب إلى هذا طاوس، ورواه أحمد بن حنبل عن ابن عباس، وإليه ذهب جماعة من الشافعية - كالغزالي والرافعي والنووي وغير هؤلاء -، ووجه ذلك؛ ما قاله ابن خزيمة وابن المنذر من أنه لم يصح أنه ﷺ وقّت ذات عرق لأهل العراق في حديث صحيح.
قال الحافظ في " الفتح ": " لعل من قال: إنه غير منصوص؛ لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق من طرقه لا تخلو عن مقال، لكن الحديث بمجموع طرقه يقوى ". انتهى.
وقد ذكر الماتن ﵀ في " شرح المنتقى " من روى حديث توقيت ذات عرق لأهل العراق من الصحابة، ومجموع ما رووه لا يخرج عن حد الحسن لغيره، وهو مما تقوم به الحجة.
( [يحرم من كان دون المواقيت من مكانه] )
(ومن كان دونها فمهله) من (أهله) وكذلك (حتى أهل مكة) يهلون منها.
стр. 612
ومثله في " الصحيحين " أيضا من حديث ابن عمر.
وفي رواية من حديثه لأحمد: أنه قاس الناس ذات عرق بقرن.
وفي " البخاري " من حديثه: أن عمر قال لأهل البصرة والكوفة: انظروا حذو قرن من طريقكم، قال: فحد لهم ذات عرق.
في " المسوى ": " وميقات المكي للحج جوف مكة، وللعمرة الحل.
في " العالمكيرية ": والتنعيم أفضل.
وفي المنهاج ": أفضل بقاع الحل الجعران (١) ، ثم التنعيم، ثم الحديبية ".
وأما الغسل للإحرام: ففيه حديث خارجة بن زيد - حسنه الترمذي، وضعفه العقيلي -.
وأما حديث جابر في ولادة أسماء وغسلها: فهو صحيح، ولكنه قد قيل: إن أمرها بذلك ليس للإحرام؛ بل لقذر النفاس، وكذلك أمره للحائض.
وقد أخرج الحاكم، والبيهقي من حديث ابن عباس: أنه ﷺ اغتسل ولبس ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم أحرم بالحج؛ وفي إسناده يعقوب بن عطاء، وهو ضعيف.
والحديث محتمل؛ فيمكن أن يكون الغسل للإحرام، ويمكن أن يكون
стр. 613
لغيره، كإذهاب وعثاء السفر، أو التبرد أو نحوهما.
ولم يثبت أنه ﷺ أمر أحدا من الناس أن يغتسل للإحرام؛ إلا ما وقع منه الأمر للحائض والنفساء دون غيرهما، فدل ذلك على أن اغتسالهما للقذر، ولو كان للإحرام؛ لكان غيرهما أولى بذلك منهما، فمع الاحتمال في فعله - وعدم صدور الأمر منه -؛ لا تثبت المشروعية أصلا.
وأما إزالة التفث (١) قبل الإحرام: فلم يرد في هذا شيء يصلح لإثبات مثل هذا الحكم الشرعي؛ وهو الاستحباب.
وأما ما قيل من أنه يقاس على تطييبه ﷺ : فقياس فاسد، ولا سيما وقد ورد عنه ﷺ الإرشاد إلى ترك الشعر والبشر بعد رؤية هلال ذي الحجة لمن أراد أن يضحي؛ كما في " صحيح مسلم "، وسائر " السنن " من حديث أم سلمة؛ والحاج أولى بهذه السنة من غيره؛ لأنه في شغل شاغل عن ذلك.
وقد أخرج الترمذي من حديث ابن عمر: أن رجلا قال للنبي ﷺ : من الحاج يا رسول الله؟ ! قال: " الشعث التفل (٢) ".
وقد كان ابن عمر إذا أفطر من رمضان وهو عازم على الحج في ذلك العام؛ لم يأخذ من رأسه ولا من لحيته شيئا؛ حتى يحج كما في " الموطإ ".
стр. 614
والحاصل: أن التساهل في الأحكام الشرعية بلا دليل - بل إثبات ما قام الدليل على خلافه -: ليس من دأب أهل الإنصاف.
( [الفصل الثالث: فصل محظورات الإحرام] )
(١ - [لباس المخيط] :)
(ولا يلبس المحرم القميص) : الفرق بين المخيط وما في معناه وبين غير ذلك: أن الأول ارتفاق وتجمل وزينة، والثاني ستر عورة، وترك الأول تواضع لله، وترك الثاني سوء أدب؛ كذا في " الحجة ".
(ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس، ولا زعفران، ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، ولا تنتقب (١) المرأة، ولا تلبس القفازين، وما مسه الورس والزعفران) : لحديث ابن عمر في " الصحيحين " وغيرهما، قال: سئل رسول الله ﷺ ما يلبس المحرم؟ فقال: " لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس (٢) ، ولا زعفران، ولا الخفين؛ إلا أن لا يجد نعلين؛ فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ".
قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم.
стр. 615
وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : " من لم يجد نعلين؛ فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا؛ فليلبس سراويل ".
وفي " الصحيحين " نحوه من حديث ابن عباس.
وأخرج أحمد، والبخاري، والنسائي، والترمذي - وصححه - من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: " لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين ".
زاد أبو داود، والحاكم، والبيهقي: " وما مس الورس والزعفران من الثياب ".
والقفاز - بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي -: ما تلبسه المرأة في يدها، فتغطي أصابعها وكفها عند معاناة شيء.
(٢ - [التطيب ابتداء] :)
(ولا يتطيب ابتداء) ، ويجوز له أن يستمر على الطيب الذي كان على بدنه قبل الإحرام؛ فذلك هو الراجح؛ جمعا بين الأدلة.
وقد أوضح الماتن ذلك في " شرح المنتقى "، و " حاشية الشفاء " وغيرهما.
قال صاحب " سبل السلام " في " منسكه ": " ولما أراد الإحرام اغتسل لإحرامه، ثم طيبته عائشة بذريرة وطيب فيه مسك في يديه ورأسه، حتى كان وبيص (١) المسك يُرى في مفارقه ولحيته ﷺ ، ثم استدامه ولم يغسله ". انتهى.
стр. 616
(٣ - [الأخذ من الشعر والبشرة إلا لعذر] :)
(ولا يأخذ من شعره وبشره إلا لعذر) : لحديث كعب بن عجرة في " الصحيحين " وغيرهما، قال: كان بي أذى من رأسي، فحُملت إلى النبي ﷺ والقمل بتناثر على وجهي، فقال: " ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى! أتجد شاة؟ "، قلت: لا، فنزلت الآية ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ ، قال: " هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين - نصف صاع -؛ طعاما لكل مسكين ".
وقد تقدم الكلام على إزالة التفث؛ فليراجع.
(٤ - [الجدال والرفث والفسق] :)
(ولا يرفث ولا يفسق ولا يجادل) : لنص القرآن الكريم: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ ؛ وهذه الأمور لا تحل للحلال، ولكنها مع الإحرام أغلظ.
وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من حج ولم يرفث ولم يفسق؛ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ".
قال الحافظ المنذري: الرفث يطلق ويراد به الجماع، ويطلق ويراد به الفحشاء، ويطلق ويراد به خطاب الرجل المرأة فيما يتعلق به الجماع.
وقد نُقل [أن] معنى هذا الحديث كل واحد من هذه الثلاثة عن جماعة من العلماء.
стр. 617
قلت: فيحرم الجميع.
وقال مالك: الرفث إصابة النساء، والله - تعالى - أعلم؛ قال الله - تعالى -: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ .
والفسوق الذبح للأنصاب، والله - تعالى - أعلم؛ قال - تعالى: ﴿أو فسقا أهل لغير الله به﴾ .
والجدال في الحج: أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة بقُزح (١) ، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، فكانوا يتجادلون، يقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فقال الله - تعالى -: ﴿لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم﴾ ؛ فهذا الجدال في الحج، فيما نُرى، والله - تعالى - أعلم.
وأما فساد الحج بالجماع قبل الوقوف بعرفة: فإن كان الدليل (٢) على هذا
стр. 618
الفساد أقوال الصحابة؛ فمع كون الروايات عنهم إنما هي بطريق البلاغ - كما ذكره مالك في " الموطإ "، وليس ذلك بحجة لو كان في المرفوع فضلا عن الموقوف -: فقد عرفت غير مرة أن قول الصحابي ليس بحجة؛ إنما الحجة في إجماعهم عند من يقول بحجية الإجماع.
وأما الاستدلال على ذلك بما أخرجه أبو داود في " المراسيل " بإسناد رجاله ثقات: أن رجلا جامع امرأته وهما محرمان، فسألا النبي ﷺ ؟ فقال: " اقضيا نسككما، واهديا هديا ": فالمرسل لا حجة فيه على ما هو الحق (١) .
وأما الاستدلال بقوله - تعالى -: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ : فعلى تسليم أن الرفث هو الجماع؛ غاية ما يدل عليه المنع منه، لا أنه يفسد الحج، وإلا لزم في الجدال أنه يفسد الحج؛ ولا قائل بذلك (٢) .
والمروي في هذا الحديث المرسل هو إيجاب الهدي عليهما، والهدي يصدق على الشاة والبقرة والبدنة، ولا وجه لإيجاب أشد ما يطلق عليه اسم الهدي.
ولا حجة فيما رواه في " الموطإ " عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل واقع أهله وهو بمنى قبل أن يفيض؟ فأمره أن ينحر بدنة؛ ولا يصح تقييد المطلق به ولا تفسير المجمل.
стр. 619
فالحاصل: أن البراءة الأصلية مستصحبة، ولا ينقل عنها إلا ناقل صحيح تقوم به الحجة، وليس ههنا ما هو كذلك، فمن وطئ قبل الوقوف أو بعده، قبل الرمي أو قبل طواف الزيارة: فهو عاص يستحق العقوبة، وتغفر له بالتوبة، ولا يبطل حجه، ولا يلزمه شيء، ومن زعم غير هذا؛ فعليه الدليل المرضي، فليس بين أحد وبين الحق عداوة.
( [النكاح والإنكاح] :)
(ولا ينكح ولا يُنكح ولا يخطب) : لحديث عثمان - الثابت في " مسلم " وغيره -، أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينكح المحرم ولا يُنكح، ولا يخطب " (١) .
وفي الباب أحاديث.
وأما ما في " الصحيحين " وغيرهما: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم:
فقد عارضه ما في " صحيح مسلم " وغيره من حديث ميمونة: أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال.
وما أخرجه أحمد، والترمذي - وحسنه (٢) - من حديث أبي رافع: أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة حلالا، وكان أبو رافع السفير بين رسول الله ﷺ وبين ميمونة.
وهما أعرف بذلك.
стр. 620
وعلى فرض صحة خبر ابن عباس ومطابقته للواقع: فلا يعارض الأحاديث المصرحة بالنهي، بل يكون هذا خاصا بالنبي ﷺ ؛ كما قرر الماتن في مؤلفاته: أن فعله ﷺ إذا خالف ما أمر الأمة به أو نهاهم عنه؛ يكون مختصا به.
قال في " الحجة البالغة ": " اختار أهل الحجاز من الصحابة والتابعين والفقهاء أن السنة للمحرم أن لا ينكح ولا يُنكح، واختار أهل العراق أنه يجوز له ذلك، ولا يخفى عليك أن الأخذ بالاحتياط أفضل.
وعلى الأول: السر فيه أن النكاح من الارتفاقات المطلوبة أكثر من الصيد، ولا يقاس الإنشاء على الإبقاء؛ لأن الفرح والطرب إنما يكون في الابتداء، ولذلك يضرب بالعروس المثل في هذا الباب دون البقاء ". انتهى.
(٦ - [قتل الصيد] :)
(ولا يقتل صيدا) : فإن الله - تعالى - حرم على المحرم صيد البر ما دام حرما.
والمراد من الصيد عند الشافعي: كل صيد مأكول بري، فذبح الأنعام ليس منه، وكذا ما ليس بمأكول، وكذا الصيد البحري (١) .
وعند أبي حنيفة: غير المأكول قد يكون صيدا.
( [بيان جزاء قتل الصيد] :)
(ومن قتله فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل) : لما ورد
стр. 621
بذلك القرآن الكريم: ﴿ومن قتله منكم متعمدا (١) فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام﴾ .
أقول: ههنا أمران: أحدهما: اعتبار المماثلة، الثاني: حكم العدلين.
وظاهره أن العدلين إذا حكما بغير المماثل لم يلزم حكمهما؛ لأنه قال: ﴿يحكم به﴾ ؛ أي: بالمماثل.
وحق العدالة أن لا يقع من صاحبها الحكم بغير المماثل؛ إلا لغلط أو طرو شبهة؛ بأن المعتبر في المماثلة هو هذا الوصف دون هذا الوصف؛ والواقع بخلافه.
ثم الظاهر أن العدلين إذا حكما بحكم في السلف؛ لا يكون ذلك الحكم لازما للخلف، بل تحكيم العدلين ثابت عند كل حادثة تحدث في قتل الصيد.
إذا تقرر لك هذا: فاعلم أن جعل الظبي مشبها بالشاة دون التيس؛ مخالف للمشاهد المحسوس؛ فإن الظبي يشبه التيس في غالب ذاته وصفاته، ولا مشابهة بينه وبين الشاة في غالب ذاته وصفاته، وكذلك الحمامة؛ فإنها لا تشبه الشاة في شيء من الأوصاف، وكذلك سائر الطيور ليس بمشابه للشاة في شيء.
стр. 622
وإذا صح عن بعض السلف أنه حكم في شيء منها بشاة؛ فذلك غير لازم لنا؛ لما عرفت من أن حكم العدلين لا بد أن يكون بالمثل، كما صرح به القرآن الكريم.
(٧ - [الأكل مما صيد لأجله] :)
(ولا يأكل ما صاده غيره) : لحديث الصعب بن جثامة في " الصحيحين " وغيرهما: أنه أهدى إلى رسول الله ﷺ حمارا وحشيا (١) وهو بالأبواء أو بودان (٢) ، فرده عليه، فلما رأى في وجهه؛ قال: " إنا لم نرده عليك؛ إلا أنا حرم ".
وأخرج مسلم نحوه من حديث زيد بن أرقم.
وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي قتادة: أن النبي ﷺ أكل من صيده الذي صاده وهو حلال، وكان النبي ﷺ محرما، فأكل عضد حمار الوحش الذي صاده.
وجمع بين حديث الصعب وحديث أبي قتادة المتفق عليه؛ بأنه ﷺ إنما امتنع من أكل صيد الصعب لكونه صاده لأجله، وأكل من صيد أبي قتادة لكونه لم يصده لأجله، فلو كان صيد الحلال حراما على المحرم لما أكل منه ﷺ ، وقرر الصحابة على الأكل منه، فهذا يدل على جواز أكل المحرم لصيد الحلال.
стр. 623
ويدل على ذلك أيضا حديث جابر عند أحمد، وأهل " السنن "، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، أن النبي ﷺ قال: " صيد البر لكم حلال وأنتم حرم؛ ما لم تصيدوه أو يُصد لكم "؛ وهذا الحديث وإن كان فيه مقال (١) ؛ فهو لا يقدح في انتهاضه للاستدلال، وهو نص في الفرق باعتبار القصد وعدمه.
( [جواز أكل صيد الحلال إذا لم يصده لأجل المحرم] :)
(إلا إذا كان الصائد حلالا، ولم يصده لأجله) ، ولا بد من ضبط الصيد؛ فإن الإنسان قد يقتل ما يريد أكله، وقد يقتل ما لا يريد أكله، وإنما يريد به التمرن بالاصطياد، وقد يقتل ويريد أن يدفع شره عنه، أو عن أبناء جنسه، وقد يذبح بهيمة الأنعام.
فأيها الصيد؟
فأخبر ﷺ أن المحرّم منه ما صاده المحْرم أو صيد لأجله، وما لم يكن كذلك فإنه حلال، كما أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : " صيد البر حلال لكم؛ ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ".
وفي لفظ: " أو يصد لكم ".
فما ورد من الأحاديث في ذلك تحريما وتحليلا: حمل على ذلك التفصيل.
стр. 624
(٨ - [قطع شجر الحرم إلا الإذخر] :)
(ولا يعضد (١) من شجر الحرم إلا الإذخر (٢)) : لحديث ابن عباس في " الصحيحين " وغيرهما، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرام؛ لا يعضد شجره، ولا يُختلى خلاه (٣) ، ولا يُنفَّر صيده، ولا تُلتقط لقطته إلا لمعرّف "، قال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه لا بد لهم منه؛ فإنه للقيون (٤) والبيوت؟ فقال: " إلا الإذخر ".
وأخرجا نحوه أيضا من حديث أبي هريرة.
( [يجوز للمحرم قتل الفواسق] :)
(ويجوز له قتل الفواسق الخمس) : لحديث عائشة في " الصحيحين " وغيرهما، قالت: أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور.
وفي " الصحيحين " أيضا من حديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " خمس من الدواب؛ ليس في قتلهن جناح ".
стр. 625
وفي " صحيح مسلم " من حديث ابن عمر زيادة: " الحية ".
وكذلك في حديث ابن عباس عند أحمد بإسناد فيه ليث بن أبي سليم.
قال البغوي: " اتفق أهل العلم على أنه يجوز للمحرم قتل هذه الأعيان المذكورة في الخبر، ولا شيء عليه في قتلها.
وقاس الشافعي عليها كل حيوان لا يؤكل لحمه، فقال: لا فدية على من قتلها في الإحرام أو الحرم ".
( [صيد المدينة وشجره كحرم مكة] :)
(وصيد حرم المدينة وشجره كحرم مكة) : لحديث علي، قال: قال رسول الله ﷺ : " المدينة حرم؛ ما بين عير إلى ثور "؛ وهو في " الصحيحين " وغيرهما.
وفي " الصحيحين " أيضا من حديث عباد بن تميم، أن رسول الله ﷺ قال: " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ".
وفي الباب أحاديث في " الصحيحين " وغيرهما عن جماعة من الصحابة.
قال ابن القيم: " ورُدت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي رواها بضعة وعشرون صحابيا في أن المدينة حرم يحرم صيدها، ودعوى أن ذلك خلاف الأصول ومعارضتها بالمتشابه من قوله ﷺ : " يا أبا عمير! ما فعل النُّغير (١) ".
стр. 626
ويالله العجب ﴿أي الأصول التي خالفتها هذه السنن، وهي من أعظم الأصول؟ فهلا رد حديث أبي عمير لمخالفته لهذه الأصول؟﴾ ونحن نقول: معاذ الله ﴿أن نرد لرسول الله ﷺ سنة صحيحة غير معلومة النسخ أبدا.
وحديث أبي عمير يحتمل أربعة أوجه، قد ذهب إلى كل منها طائفة:
أحدها: أن يكون متقدما على أحاديث تحريم المدينة؛ فيكون منسوخا.
الثاني: أن يكون متأخرا عنها معارضا لها؛ فيكون ناسخا.
الثالث: أن يكون النغير مما صيد خارج المدينة ثم أدخل المدينة كما هو الغالب من الصيود.
الرابع: أن يكون رخصة لذلك الصغير دون غيره، كما رخص لأبي بردة في التضحية بالعناق دون غيره.
فهو متشابه كما ترى، فكيف يجعل أصلا يقدم على تلك النصوص الكثيرة المحكمة الصريحة التي لا تحتمل إلا وجها واحدا؟﴾ ". انتهى.
( [من قطع شجر المدينة أو خبطه سلب] :)
(إلا أن من قطع شجره أو خبطه كان سلبه حلالا لمن وجده) : لحديث سعد ابن أبي وقاص: أنه ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا، أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد، فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئا نفّلنيه رسول الله ﷺ ، وأبى أن يرد عليهم؛ أخرجه مسلم، وأحمد.
стр. 627
وفي لفظ لأحمد، وأبي داود، والحاكم - وصححه -، أن رسول الله ﷺ قال: " من رأيتموه يصيد فيه شيئاً؛ فلكم سلبه ".
أقول: عندي أنه لا يجب على من قتل صيدا - أو قطع شجرا من حرم المدينة -، لا جزاء ولا قيمة، بل يأثم فقط، ويكون لمن وجده يفعل ذلك أخْذ سلبه؛ ولا يجب على الحلال في صيد حرم مكة ولا شجره شيء؛ إلا مجرد الإثم.
وأما من كان محرما: فعليه الجزاء الذي ذكره الله إذا قتل صيدا، وليس عليه شيء في شجر مكة؛ لعدم ورود دليل تقوم به الحجة.
وما يروى عنه ﷺ أنه قال في الدوحة الكبيرة: " إذا قُطعت من أصلها؛ بقرة ": لم يصح.
وما يروى عن بعض السلف لا حجة فيه.
والحاصل: أنه لا ملازمة بين النهي عن قتل الصيد وقطع الشجر، وبين وجوب الجزاء أو القيمة؛ بل النهي يفيد بحقيقته التحريم، والجزاء والقيمة لا يجبان إلا بدليل، ولم يرد دليل إلا قول الله - تعالى -: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ الآية؛ وليس فيها إلا ذكر الجزاء فقط؛ فلا يجب غيره.
( [صيد وجّ وشجره حرام] :)
(ويحرم صيد وجّ) - بفتح الواو وتشديد الجيم -: اسم واد بالطائف (وشجره) : لحديث الزبير، أن النبي ﷺ قال:
стр. 628
" إن صيد وج وعضاهه (١) حرام؛ محرم لله "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والبخاري في " تاريخه "، وحسنه المنذري (٢) ، وصححه الشافعي.
وأخرج أبو داود من حديث الزبير بن العوام بلفظ، أن النبي ﷺ قال: " صيد وجّ محرم "، وحسنه الترمذي (٣) ، وصححه الشافعي.
стр. 629
وقد ذهب إلى ما في الحديث: الشافعي؛ وهو الحق.
ولم يأت من قدح في الحديث بما يصلح للقدح المستلزم لعدم ثبوت التكليف بما تضمنه.
( [الفصل الرابع: فصل ما يجب عمله أثناء الطواف] )
[طواف القدوم سبعة أشواط] :
(وعند قدوم الحاج مكة يطوف للقدوم) : لأن النبي ﷺ لما دخل المسجد الحرام؛ بدأ بالطواف ولم يصل تحية المسجد؛ فإن تحية المسجد الحرام الطواف بالبيت.
قد استفاض عن الصحابة أن أول شيء كانوا يبدأون به الطواف بالبيت، ثم لا يحلون؛ رواه الشيخان.
ولا يسن طواف القدوم لمن أحرم من مكة؛ وعليه أهل العلم.
في " المنهاج ": يختص طواف القدوم بحاج دخل مكة قبل الوقوف.
(سبعة أشواط) : الأقرب - والله أعلم -: أن الطواف يوافق الصلاة، فمن شك: هل طاف ستة أشواط أو سبعة أشواط؟ فليطرح الشك وليتحر الصواب،
стр. 630
فإن أمكنه ذلك عمل عليه، وإن لم يمكنه فليبن على الأقل، كما ورد بذلك الدليل الصحيح.
وشرع الطواف في الأصل؛ لإغاظة المشركين كما في حديث ابن عباس، قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم (١) حمى يثرب، فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم؛ متفق عليه.
وفي " الصحيحين " من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول؛ خب (٢) ثلاثا، ومشى أربعا.
وفي لفظ: رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثا، ومشى أربعا.
وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن عمر، أنه قال: فيم الرملان الآن، والكشف عن المناكب وقد أطى (٣) الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله؟ ! ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ .
وقد ذهب الجمهور إلى فرضية الطواف للقدوم.
стр. 631
وقال أبو حنيفة: سنة.
وروي عن الشافعي أنه كتحية المسجد.
والحق الأول؛ لقوله - تعالى -: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ .
( [يرمل الحاج في الثلاثة الأولى من الطواف] :)
(يرمل في الثلاثة الأولى، ويمشي فيما بقي) :
قال في " الحجة ": " وأول طواف بالبيت رمل واضطباع (١) ، وبعده سعي بين الصفا والمروة، وكان عمر أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما، ثم تفطن إجمالا أن لهما سببا آخر غير منقض، فلم يتركهما ".
( [يقبل الحاج الحجر الأسود] :)
(ويقبل الحجر الأسود) : لما في " الصحيحين " من حديث عمر: أنه كان يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنقع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك ما قبّلتك.
وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم من حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " يأتي هذا الحجر يوم القيامة؛ له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحق ".
стр. 632
وفي الباب أحاديث.
وأما الابتداء بالحجر: فلأنه وجب عند التشريع أن يعين محل البداية وجهة المشي، والحجر أحسن مواضع البيت؛ لأنه نازل من الجنة، واليمين أيمن الجهتين.
(أو يستلمه) ، وثبت عنه ﷺ في استلامه ثلاث صفات: أحدها: تقبيله، وثانيها: أنه وضع يده عليه ثم قبلها، وثالثها: أنه يشير إليه بالمحجن (١) .
ولم يقل: طوافي لكذا، ولا افتتحه بالتكبير كما يفعله كثير ممن لا علم عنده، وذلك من البدع المنكرة.
(بمحجن ويقبل المحجن) : لما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عباس، قال: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن.
وأخرج نحوه مسلم من حديث أبي الطفيل، وزاد: ويقبل المحجن.
(ونحوه) ؛ أخرج أحمد من حديث عمر، أن النبي ﷺ قال له: " يا عمر! إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر؛ فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلة فاستلمه؛ وإلا فاستقبله وهلل وكبر "؛ وفي إسناده مجهول (٢) .
стр. 633
( [ويستلم الحاج الركن اليماني] :)
(ويستلم الركن اليماني) : لما أخرج أحمد، والنسائي عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: " إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا "؛ وفي إسناده عطاء بن السائب (١) .
وفي " الصحيحين " وغيرهما من حديث ابن عمر، قال: لم أر النبي ﷺ يمس من الأركان إلا اليمانيين.
وأخرج البخاري في " تاريخه "، وأبو يعلى من حديث ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يقبل الركن اليماني؛ وفي إسناده عبد الله بن مسلم بن هرمز؛ وهو ضعيف (٢) .
وأخرج أحمد، وأبو داود من حديثه: أن النبي ﷺ كان يقبل الركن اليماني، ويضع خده عليه.
قال صاحب " سبل السلام " (٣) : " وكان يقول عند استلامهما: " بسم الله والله أكبر "، وكان كلما أتى الحجر يقول: " الله أكبر ".
ولم يحفظ له دعاء معين في الطواف؛ إلا أنه أخرج أبو داود، وابن
стр. 634
حبان (١) : أنه يقول بين الركنين: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ ، وفي الطواف: " اللهم! قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كل غائب لي بخير "، أخرجه الحاكم.
وفي " مصنف ابن أبي شيبة ": " لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ".
والموضع موضع دعاء، فيختار فيه ما شاء ". انتهى.
قلت: إنما خص الركنين اليمانيين بالاستلام - كما ذكره ابن عمر - من أنهما باقيان على بناء إبراهيم دون الركنين الآخرين، فإنهما من تغيرات الجاهلية، وإنما اشترط له شروط الصلاة كما ذكره ابن عباس؛ لأن الطواف يشبه الصلاة في تعظيم الحق وشعائره، فحمل عليها.
( [القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد] :)
(ويكفي القارن طواف واحد، وسعي واحد) : لكونه ﷺ حج قرانا على الأصح، واكتفى بطواف واحد للقدوم، وبسعي واحد، ولا دليل على وجوب طوافين وسعيين.
وأخرج الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا: " من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأة طواف واحد وسعي واحد "؛ وقد حسنه الترمذي.
أقول: الأدلة القاضية بأن الواجب على القارن ليس إلا طواف واحد
стр. 635
وسعي واحد: ثابتة قولا وفعلا:
أما القول: فحديث ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " من قرن بين حجه وعمرته؛ أجزأه لهما طواف واحد "؛ أخرجه أحمد، وابن ماجة.
وأخرجه أيضا الترمذي بلفظ: " من أحرم بالحج والعمرة؛ أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما، حتى يحل منهما جميعا "، وقال " " هذا حديث حسن ".
وأخرجه أيضا سعيد بن منصور بنحو لفظ الترمذي.
وأما إعلال الطحاوي لهذا الحديث بالوقف: فقد رده غيره من الحفاظ؛ لأن الطحاوي قال: إن الدراوردي أخطأ في رفعه، وإنه موقوف، فأجابوا عنه بأن الدراوردي صدوق، وأن رفعه حجة (١) .
ومن القول؛ حديث طاوس عن عائشة: أن النبي ﷺ قال لها: " يسعك طوافك لحجك وعمرتك "، أخرجه أحمد، ومسلم.
وأخرج أيضا مسلم من طريق مجاهد عنها: أن النبي ﷺ قال لها: " يجزي عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك ".
وأما أحاديث الفعل: فأخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة: أن الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافا واحدا.