والبيهقي، والضياء المقدسي، وابن حبان - وصححه -، والبزار - وحسنه -.
وهو - كما يتناول الحامل المشتراة ونحوها -؛ كذلك يتناول من يجوز حملها من الغير كائنا من كان؛ لأن العلة كونه يسقي بمائه ولد غيره.
وأخرج الحاكم من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم، وقال: " لا تسق ماءك زرع غيرك ".
وأصله في " النسائي ".
وأخرج البخاري عن ابن عمر: إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو أعتقت؛ فلتستبرأ بحيضة، ولا تستبرأ العذراء.
ويدل على استبراء المشتراة التي هي حامل - أو مجوز حملها - الأدلة الواردة في المسبية؛ لأن العلة واحدة، وأما العذراء والصغيرة فليستا ممن تصدق عليه تلك العلة، وإن كان حمل العذراء البالغة ممكنا مع بقاء البكارة، ولكنه في غاية الندرة؛ فلا اعتبار به.
وأما ما أخرجه البخاري، وغيره: أن النبي ﷺ بعث عليا إلى اليمن ليقبض الخمس، فاصطفى علي منه سبية، فأصبح وقد اغتسل، ثم بلغ ذلك النبي ﷺ ؛ فلم ينكره؛ بل قال في بعض الروايات: " لنصيب علي أفضل من وصيفة "؛ فيحمل على أنها كانت صغيرة أو بكرا؛ جمعا بين الأدلة، أو أنه قد كان مضى لها من وقت الصبا ما تبين به أنها غير حامل.
(ومنقطعة الحيض) تستبرأ (حتى يتبين عدم حملها) ؛ لأنه لا يمكن العلم
стр. 842
بعدم الحمل إلا بذلك؛ إذ لا حيض؛ بل المفروض أنه منقطع لعارض؛ أو أنها ضهيأ (١) .
وأما من قد بلغت سن الإياس من الحيض؛ فقد صار حملها مأيوسا كحيضها، ولا اعتبار بالنادر.
(ولا تستبرأ بكر ولا صغيرة مطلقا، ولا يلزم) الاستبراء (على البائع ونحوه) ؛ لعدم الدليل على ذلك؛ لا بنص ولا بقياس صحيح؛ بل هو محض رأي.
стр. 843
(٧ - باب النفقة)
( [نفقة الزوجة واجبة على زوجها] :)
(تجب على الزوج للزوجة) ؛ لا أعرف في ذلك خلافا، وقد أوجبها القرآن الكريم، قال الله - تعالى -: ﴿وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ ، وقد قرر دلالة هذه الآية على المطلوب الموزعي في " تفسيره ".
ولحديث إذنه ﷺ لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها أبي سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف، وهو في " الصحيحين " وغيرهما.
ولقوله ﷺ لما سئل عن حق الزوجة على الزوج -: " أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت "؛ وهو عند أهل " السنن " وغيرهم.
قال في " المسوى ":
" تجب نفقة الزوجة على الزوج - موسرا كان أو معسرا -، قال - تعالى - ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله﴾ ، وقال - تعالى -: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ وقال - تعالى -: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ .
стр. 844
قلت: قال الشافعي: أي: لا يكثر من تعولون (١) .
وفيه دليل على أن على الرجل نفقة امرأته.
وقد أنكر على الشافعي بعض أهل العربية هذا التفسير، فأجاب البغوي بأن الكسائي قال: يقال: عال الرجل يعول: إذا كثر عياله، واللغة الجيدة: أعال.
وأجاب الزمخشري بأنه بيان حاصل المعنى، ووجهه أن يجعل من قولك: عال الرجل عياله يعولهم؛ كقولهم: مانهم يمونهم: إذا أنفق عليهم، ومن كثر عياله لزمه أن يعولهم، وهذا مما اتفق عليه أهل العلم ".
( [الأمور التي تضمنتها فتوى الرسول ﷺ لهند] :)
وقال ابن القيم في حديث هند المتقدم:
" تضمنت هذه الفتوى أمورا:
أحدها: أن نفقة الزوجة غير مقدرة؛ بل بالمعروف لنفي تقديرها، وإن لم يكن تقديرها معروفا في زمن رسول الله ﷺ ، ولا الصحابة، ولا التابعين، ولا تابعيهم.
الثاني: أن نفقة الزوجة من جنس نفقة الولد؛ كلاهما بالمعروف.
стр. 845
الثالث: انفراد الأب بنفقة أولاده.
الرابع: أن الزوج والأب إذا لم يبذل النفقة الواجبة عليه؛ فللزوجة والأولاد أن يأخذوا قدر كفايتهم بالمعروف.
الخامس: أن المرأة إذا قدرت على أخذ كفايتها من مال زوجها؛ لم يكن لها إلى الفسخ سبيل.
السادس: أن ما لم يقدره الله - تعالى - ورسوله من الحقوق الواجبة؛ فالمرجع فيه إلى العرف.
السابع: أن من منع الواجب عليه، وكان سبب ثبوته ظاهرا؛ فلمستحقه أن يأخذ بيده إذا قدر عليه؛ كما أفتى به النبي ﷺ هندا ". انتهى حاصله.
( [النفقة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص] )
أقول: هذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص، فنفقة زمن الخصب؛ المعروف فيها غير المعروف في زمن الجدب، ونفقة أهل البوادي؛ المعروف فيها ما هو الغالب عندهم، وهو غير المعروف من نفقة أهل المدن، وكذلك المعروف من نفقة الأغنياء على اختلاف طبقاتهم غير المعروف من نفقة الفقراء، والمعروف من نفقة أهل الرياسات والشرف غير المعروف من نفقة أهل الوضاعات.
فليس المعروف المشار إليه في الحديث هو شيء متحد؛ بل مختلف باختلاف الاعتبار، وقد أوضحت المقام في كتابي " دليل الطالب "، فليراجع.
стр. 846
وقال الماتن ﵀ في " الفتح الرباني " في جواب سؤال في الفرض للزوجة ونحوها ما لفظه:
" قد اختلفت المذاهب في تقدير النفقة بمقدار معين وعدم التقدير:
فذهب جماعة من أهل العلم - وهم الجمهور - إلى أنه لا تقدير للنفقة إلا بالكفاية، وقد اختلفت الرواية عن الفقهاء؛ فقال الشافعي: على المسكين والمتكسب مد، وعلى الموسر مدان، وعلى المتوسط مد ونصف.
وقال أبو حنيفة: على الموسر سبعة دراهم إلى ثمانية في الشهر، وعلى المعسر أربعة دراهم إلى خمسة.
قال بعض أصحابه: هذا التقدير في وقت رخص الطعام، وأما في غيره فيعتبر بالكفاية ". انتهى.
والحق: ما ذهب إليه القائلون بعدم التقدير؛ لاختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال والأشخاص؛ فإنه لا ريب أن بعض الأزمنة قد يكون أدعى للطعام من بعض، وكذلك الأمكنة؛ فإن بعضها قد يعتاد أهله أن يأكلوا في اليوم مرتين، وفي بعضها ثلاثا، وفي بعضها أربعا.
وكذلك الأحوال؛ فإن حالة الجدب تكون مستدعية لمقدار من الطعام أكثر من المقدار الذي تستدعيه حالة الخصب.
وكذلك الأشخاص؛ فإن بعضهم قد يأكل الصاع فما فوقه، وبعضهم قد يأكل نصف صاع، وبعضهم دون ذلك.
стр. 847
وهذا الاختلاف معلوم بالاستقراء التام، ومع العلم بالاختلاف؛ يكون التقدير على طريقة واحدة ظلما وحيفا.
ثم إنه لم يثبت في هذه الشريعة المطهرة التقدير بمقدار معين قط؛ بل كان ﷺ يحيل على الكفاية مقيدا لذلك بالمعروف؛ كما في حديث عائشة عند البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وأحمد ابن حنبل، وغيرهم: أن هندا قالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي؛ إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم؟ فقال: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ".
فهذا الحديث الصحيح؛ فيه الإحالة على الكفاية مع التقييد بالمعروف، والمراد به الشيء الذي يعرف، وهو خلاف الشيء الذي ينكر، وليس هذا المعروف الذي أرشد إليه الحديث شيئا معينا، ولا المتعارف بين أهل جهة معينة؛ بل هو في كل جهة باعتبار ما هو الغالب على أهلها، المتعارف بينهم.
مثلا؛ أهل صنعاء؛ المتعارف بينهم الآن أنهم ينفقون على أنفسهم وأقاربهم الحنطة والشعير والذرة، ويعتادون الإدام سمنا ولحما، فلا يحل أن يجعل طعام من تجب نفقته من طعام غير الثلاثة الأجناس المتقدمة: كالعدس، والفول، ولا من الشعير، والذرة فقط، ولا بدون إدام، ولا بإدام غير المعتاد كالزيت، والتلبينة، ونحو ذلك؛ فإن ذلك جميعه؛ وإن كان يصدق عليه لفظ الكفاية؛ لكنه لا يصدق عليه معنى المعروف، والعمل بالمطلق وإهمال قيده لا يحل.
وأما أهل البوادي المتصلة بصنعاء - والقريبة منها بمقدار بريد ودونه
стр. 848
وفوقه -؛ فالمعروف عندهم هو الكفاية من أي طعام كان؛ من غير سمن، ولا لحم؛ إلا في أندر الأحوال؛ بل يكتفون تارة بالتلبينة، وتارة بما يقوم مقامها.
فالمتوجه شرعا على من وجبت عليه النفقة؛ أن يدفع إلى من كان في مثل صنعاء ما هو المعروف لديهم مما قدمنا، وإلى من كان في البوادي ما قدمنا مما هو المعروف لديهم، ويعتبر في كل محل بعرف أهله، ولا يحل العدول عنه إلا مع التراضي.
وكذلك الحاكم يجب عليه مراعاة المعروف بحسب الأزمنة، والأمكنة، والأحوال، والأشخاص؛ مع ملاحظة حال الزوج في اليسار والإعسار؛ لأن الله - تعالى - يقول: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ .
وإذا تقرر لك أن الحق عدم جواز تقدير الطعام بمقدار معين؛ فكذلك لا يجوز تقدير الإدام بمقدار معين، بل المعتبر الكفاية بالمعروف.
وقد حكى صاحب " البحر " أنه قد قدر في اليوم أوقيتان دهنا من الموسر، ومن المعسر أوقية، ومن المتوسط أوقية ونصف.
وفي " شرح الإرشاد ": أنه يعتبر في الإدام تقدير القاضي باجتهاده عند التنازع، فيقدر في المد من الإدام ما يكفيه، ويقدر على الموسر ضعف ذلك، وعلى المتوسط بينهما، ويعتبر في اللحم عادة البلد للموسرين والمتوسطين كغيرهم.
قال الرافعي: وقد تغلب الفاكهة في أوقاتها فتجب.
ثم قال: وإنما يجب ما ذكر لزوجته إن لم تواكله حال كونها رشيدة، فإن
стр. 849
واكلته وهي رشيدة سقطت نفقتها؛ ثم ذكر كلاما طويلا.
وأقول: المرجع ما هو معروف عند أهل البلد في الإدام جنسا، ونوعا، وقدرا، وكذلك في الفاكهة، لا يحل الإخلال بشيء مما يتعارفون به؛ إن قدر من تجب عليه النفقة على ذلك، وكذلك ما يعتاد من التوسعة في الأعياد ونحوها، ويدخل في ذلك مثل القهوة والسليط (١) .
وبالجملة؛ فقد أرشد الشارع إلى ما هو معروف من الكفاية، وليس بعد هذا الكلام الجامع المفيد شيء من البيان.
وأما ما أجاب به عن الحديث بعض من لم يتمرن بعلم الأدلة، ولم يتدرب بمسالك الاجتهاد؛ من أنه لم يكن منه ﷺ على طريقة الحكم؛ بل على طريقة الإفتاء؛ فهذه غفلة كبيرة، وبعد عن الحقيقة؛ لأنه ﷺ لا يفتي إلا بما هو حق وشرع.
وقد تقرر أن السنة: أقواله، وأفعاله، وتقريراته؛ لا مجرد أحكامه فقط التي تكون بعد الخصومة وحضور المتخاصمين، ولو كانت السنة ليست إلا الأحكام الكائنة على تلك الصفة؛ لم يبق منها حجة على العباد إلا أقل من عشر معشارها؛ لأن صدور الحكم منه ﷺ على تلك الصفة؛ إنما وقع في قضايا محصورة؛ كقضية الحضرمي، والزبير، وعبد بن زمعة، والمتلاعنين.
فإن قلت: ما وجه ما يفعله كثير من القضاة في هذه الأزمنة؛ من تقدير
стр. 850
النفقة بقدح من الطعام متنوعا؟
قلت: هو من تقدير الكفاية بالمعروف؛ لأن القدح يكفي غالب الأشخاص شهرا؛ لا سيما في مثل صنعاء، فيكون للشخص في كل يوم نصف صاع، يأتي المجموع في ثلاثين يوما خمسة عشر صاعا، وهي قدح ينقص صاعا.
فهذا فيه ملاحظة للمعروف باعتبار الغالب، ولكن إذا انكشف أنه لا يكفي؛ بأن يكون الشخص أكولا؛ فلا يحل العمل بذلك الغالب؛ لأن فيه إهمالا لما أرشد إليه ﷺ من الكفاية، وهذا ليس فيه كفاية.
فالحاصل: أنه لا بد من ملاحظة أمرين:
أحدهما: الكفاية.
والثاني: كونها بالمعروف.
فإذا عُلم مقدار الكفاية؛ كان المرجع في صفاتها إلى المعروف، وهو الغالب في البلد، وإذا لم يُعلم حال الشخص في مقدار ما يكفيه، أو وقع الاختلاف بينه وبين من يجب عليه إنفاقه؛ كان القول قول من يدعي ما هو المتعارف به.
مثلا؛ إذا قال من له النفقة: لا يكفيه إلا قدحان، وقال من عليه النفقة: قدح؛ كان القول قول من عليه النفقة؛ بكونه مدعيا لما هو الغالب في العادة، وإذا تبين حال من له النفقة، وجب الرجوع إلى ذلك؛ لما عرفناك من أنه لا
стр. 851
يحل الوقوف على مقدار معين على طريق القطع والبت.
ثم الظاهر من قوله ﷺ : " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف "؛ أن ذلك غير مختص بمجرد الطعام والشراب؛ بل يعم جميع ما يُحتاج إليه، فيدخل تحته الفضلات التي قد صارت بالاستمرار عليها مألوفة؛ بحيث يحصل التضرر بمفارقتها، أو التضجر، أو التكدر، ويختلف ذلك بالأشخاص، والأزمنة، والأمكنة، والأحوال، ويدخل فيه الأدوية ونحوها، وإليه يشير قوله - تعالى -: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ ؛ فإن هذا نص في نوع من أنواع النفقات؛ أن الواجب على من عليه النفقة رزق من عليه إنفاقه، والرزق يشمل ما ذكرناه.
قال في " الانتصار ": ومذهب الشافعي: لا تجب أجرة الحمام وثمن الأدوية وأجرة الطبيب؛ لأن ذلك يراد لحفظ البدن؛ كما لا يجب على المستأجر أجرة إصلاح ما انهدم من الدار.
وقال في " الغيث ": " الحجة أن الدواء لحفظ الروح؛ فأشبه النفقة ". انتهى.
قلت: هو الحق؛ لدخوله تحت عموم قوله: " ما يكفيك "، وتحت قوله: ﴿رزقهن﴾ ؛ فإن الصيغة الأولى عامة باعتبار لفظ ما، والثانية عامة لأنها مصدر مضاف، وهي من صيغ العموم، واختصاصه ببعض المستحقين للنفقة لا يمنع من الإلحاق.
وبمجموع ما ذكرناه؛ يتقرر لك أن الواجب على من عليه النفقة لمن له النفقة؛ هو ما يكفيه بالمعروف، وليس المراد تفويض أمر ذلك إلى من له
стр. 852
النفقة، وأنه يأخذ ذلك بنفسه حتى يرد ما أورده السائل من خشية السرف في بعض الأحوال؛ بل المراد تسليم ما يكفي على وجه لا سرف فيه؛ بعد تبين مقدار ما يكفي بإخبار المخبرين، أو تجريب المجربين؛ كما سبق، وهو معنى قوله ﷺ : " بالمعروف "؛ أي: لا بغير المعروف، وهو السرف والتقتير.
( [الرشد شرط في المرأة لأخذ النفقة من الزوج بغير علمه] :)
نعم؛ إذا كان الرجل لا يسلم ما يجب عليه من النفقة؛ جاز لنا الإذن لمن له النفقة بأن يأخذ ما يكفيه إذا كان من أهل الرشد؛ لا إذا كان من أهل السرف والتبذير؛ فإنه لا يجوز لنا تمكينه من مال من عليه النفقة؛ لأن الله - تعالى - يقول: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ ؛ بل ورد ما يدل على عدم جواز دفع أموال من لا رشد لهم إليهم؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ ؛ فجعل الرشد شرطا لدفع أموالهم؛ فكيف يجوز دفع أموال غيرهم إليهم مع عدم الرشد؟ !
ولكن يجب علينا إذا كان من عليه النفقة متمردا، ومن له النفقة ليس بذي رشد؛ أن نجعل الأخذ إلى ولي من لا رشد له، أو إلى رجل عدل.
وأما ما ورد في بعض التفاسير؛ من أن المراد بالسفهاء في قوله - تعالى -: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ : تمكين المرأة من مال الرجل كما ذكره السائل؛ فذلك إنما هو باعتبار أن غالب نوع النساء خال عن الرشد؛ وإلا فلا شك أن عدم الرشد يوجد في غيرهن كالصبيان، والمجانين، ومن يلتحق بهم من البله، والمعتوهين، وكثير ممن ﴿ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾ .
стр. 853
ولا نشك - أيضا - أن في النساء من لها من الرشد والكمال ما لا يوجد إلا في أفراد الرجال، ومنهن هند بنت عتبة المذكورة في الحديث؛ فإنها كانت من سروات (١) نساء قريش المشهورات بحسن العقل وكمال الفطنة؛ كما يعرف ذلك من عرف أخبارها، ومحاورتها رسول الله ﷺ عند مبايعته لها.
فالحاصل: أنه لا ملازمة بين القول بوجوب الكفاية في النفقة؛ وبين حضور السرف؛ بل الأمر كما قدمنا، والله أعلم.
( [نفقة المطلقة رجعيا واجبة على الزوج] :)
(والمطلقة رجعيا) ؛ لحديث فاطمة بنت قيس: أنه قال لها ﷺ : " إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة "؛ أخرجه أحمد، والنسائي (٢) .
وفي لفظ لأحمد: " فإذا لم يكن عليها رجعة؛ فلا نفقة ولا سكنى "؛ وفي إسناده مجالد بن سعيد.
وقد توبع، وأعل بالوقف، ولكن الرفع زيادة مقبولة إذا صح مخرجها أو حسن.
وقد أثبت لها القرآن الكريم السكنى؛ قال الله - تعالى -: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا
стр. 854
تخرجوهن من بيوتهن﴾ ، ويستفاد من النهي عن الإخراج وجوب النفقة من السكنى، ويؤيده قوله - تعالى -: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم﴾ .
ويدل على وجوب النفقة، قوله - تعالى -: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾ ، وقوله - تعالى - في آخر الآية الأولى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ ؛ وهو الرجعة، فكان ذلك في الرجعية.
( [لا نفقة للبائنة إلا أن تكون حاملا] :)
(لا بائنا) ؛ فالبائنة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لحديث فاطمة بنت قيس عند مسلم وغيره، عن النبي ﷺ في المطلقة ثلاثا: " لا نفقة ولا سكنى ".
وفي " الصحيحين " وغيرهما عنها، أنها قالت: طلقني زوجي ثلاثا، فلم يجعل لي رسول الله ﷺ لا نفقة ولا سكنى.
وقد صح حديثها؛ فلا نزاع.
وقد أخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، أنه قال لها رسول الله ﷺ : " لا نفقة لك؛ إلا أن تكوني حاملا ".
وقد أنكر عليها عمر وعائشة هذا الحديث، وقال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت؟ !
وقد قالت فاطمة حين بلغها ذلك: بيني وبينكم كتاب الله؛ قال الله - تعالى -: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ ، حتى قال: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد
стр. 855
ذلك أمرا﴾ ؛ فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ !
وقد ذهب إلى عدم وجوب النفقة والسكنى للبائنة: أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وأتباعهم، وحكاه في " البحر " عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والإمامية.
وذهب الجمهور إلى أنه لا نفقة لها، ولها السكنى؛ لقوله - تعالى -: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجْدكم﴾ .
وقد تقدم ما يدل على أنها في الرجعية.
وذهب عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وأهل الكوفة إلى وجوب النفقة والسكنى.
( [لا نفقة للمعتدة من وفاة إلا أن تكون حاملا] :)
(ولا في عدة الوفاة؛ فلا نفقة ولا سكنى؛ إلا أن تكونا حاملتين) ؛ لعدم وجود دليل يدل على ذلك في غير الحامل، ولا سيما بعد قوله ﷺ :
" إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة، فإذا لم يكن عليها رجعة؛ فلا نفقة ولا سكنى ".
ويؤيده - أيضا - تعليل الآية المتقدمة بقوله - تعالى -: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) ؛ وهو الرجعة، ولم يبق في عدة الوفاة ذلك الأمر.
стр. 856
ويفيده - أيضا - مفهوم الشرط في قوله - تعالى -: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ ، وهي أيضا تدل على وجوب النفقة للحامل؛ سواء كانت في عدة الرجعي، أو البائن، أو الوفاة.
وكذلك يدل على ذلك قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: " لا نفقة لك؛ إلا أن تكوني حاملا ".
وقد روى البيهقي، عن جابر يرفعه - في الحامل المتوفى عنها - قال: " لا نفقة لها ".
قال ابن حجر: ورجاله ثقات؛ لكنه قال: المحفوظ وقفه.
فلو صح رفعه لكان نصا في محل النزاع.
وينبغي أن يقيد عدم وجوب السكنى لمن في عدة الوفاة؛ بما تقدم في وجوب اعتدادها في البيت الذي بلغها موت زوجها وهي فيه؛ فإن ذلك يفيد أنها إذا كانت في بيت الزوج بقيت فيه حتى تنقضي العدة، ويكون ذلك جمعا بين الأدلة؛ من باب تقييد المطلق أو تخصيص العام؛ فلا إشكال.
قال في " المسوى ":
" اختلف أهل العلم في السكنى للمعتدة عن الوفاة؛ فقال أبو حنيفة: لا سكنى لها؛ بل تعتد حيث شاءت، وقال مالك: لها السكنى، وللشافعي قولان كالمذهبين، ومنشأ ذلك تردده في تأويل حديث فريعة، فرأى مرة أن إذنه لها في الخروج حكم، وقوله: " امكثي في بيتك " استحباب، ورأى مرة أخرى أن إذنه صار منسوخا بقوله آخرا: " امكثي في بيتك ".
стр. 857
أقول: يحتمل أن يكون إذنه لها من حيث إنها ذكرت أن زوجها لم يتركها في مسكن يملكه ". انتهى.
أقول: الحق؛ أن المتوفى عنها زوجها لا تستحق - في عدة الوفاة - لا نفقة ولا سكنى؛ سواء كانت حاملا أو حائلا؛ لزوال سبب النفقة بالموت، واختصاص آية السكنى بالمطلقة رجعيا، واختصاص آية إنفاق الحامل بالمطلقة كما تقدم.
فإذا مات وهي في بيته؛ اعتدت فيه؛ لا لأن لها السكنى؛ بل لوجوب الاعتداد عليها في البيت الذي مات وهي فيه.
مع أن في حديث الفريعة؛ أنها قالت للنبي ﷺ : إن زوجها لم يتركها في منزل يملكه، فأمرها أن تعتد في ذلك المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه، وهو غير مملوك له.
وبهذا يتضح أن ذلك لا يستلزم وجوب السكنى من تركة الميت؛ بل هو أمر تعبد الله به المرأة، فإن كان المنزل ملكها فذاك، وإن كان ملك غيرها وجب عليها تسليم الأجرة مع الطلب؛ سواء كان ملكا لورثة الزوج أو لغيرهم.
وعلى هذا يحمل قوله - تعالى -: ﴿غير إخراج﴾ ، وقوله: ﴿ولا يخرجن﴾ ، وقوله: ﴿ولا تخرجوهن﴾ .
فتقرر بمجموع ما ذكر؛ أن المتوفى عنها مطلقا كالمطلقة بائنا - إذا لم تكن المطلقة بائنا حاملا - في عدم وجوب النفقة والسكنى، فإن كانت المطلقة بائنا حاملا فلها النفقة ولا سكنى لها.
стр. 858
وأما المطلقة الرجعية؛ فلها النفقة والسكنى؛ سواء كانت حاملا أو حائلا.
وأما المطلقة قبل الدخول؛ فلا عدة عليها، فالنفقة ساقطة بلا ريب، وكذلك السكنى والمتعة المذكورة لها في القرآن؛ هي عوض عن المهر.
والملاعنة لا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها إن كانت كالمطلقة بائنا كانت مثلها في ذلك، وإن كانت كالمتوفى عنها زوجها فكذلك.
ولا ريب أن فرقتها أشد من فرقة المطلقة بائنا؛ لأن هذه يجوز نكاحها في حال من الأحوال؛ بخلاف تلك.
( [نفقة الوالد على ولده واجبة والعكس] :)
(وتجب على الوالد الموسر لولده المعسر) ؛ لحديث هند بنت عتبة المتقدم، ويؤيده ما تقدم في الفطرة من وجوبها على الرجل ومن يمون.
وأما العكس؛ فلأن النفقة هي أقل ما يفيده قوله - تعالى -: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ ، وقوله: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ .
وقوله ﷺ : " أنت ومالك لأبيك "؛ أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن الجارود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وحديث: " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه؛ فكلوا من أموالهم "، أخرجه أحمد، وأهل " السنن "، وابن حبان، والحاكم.
ويؤيد ذلك حديث: من أبر يا رسول الله؟ ! قال: " أمك "، قال: ثم
стр. 859
من؟ قال: " أمك "، قال: ثم من؟ قال: " أباك "؛ وهو في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث أبي هريرة.
قال في " المسوى ":
" تجب على الابن نفقة الأبوين إذا كان موسرا وهما معسران؛ قال - تعالى -: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ ، وقال: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ .
ومن المعلوم؛ أنه ليس من الإحسان، ولا من المصاحبة بالمعروف؛ أن يموتا جوعا والولد في أرغد عيش.
قلت: على هذا أهل العلم؛ إلا أن الشافعي قال: إن كان واحد منهما قويا سويا يمكنه تحصيل قوته؛ لا تجب نفقته وإن كان معسرا.
وأوجب سائر الفقهاء نفقتهم عند الإعسار؛ ولم يشترطوا الزمانة ".
وفي " إعلام الموقعين ":
" وسأله ﷺ : من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: " أمك "، قال: ثم من؟ قال: " ثم أمك "، قال: ثم من؟ قال: " ثم أبوك "؛ متفق عليه.
قال الإمام أحمد: الطاعة للأب وللأم ثلاثة أرباع البر ".
( [نفقة المملوك واجبة على سيده] :)
(وعلى السيد لمن يملكه) : لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره: أن النبي ﷺ قال: " للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ".
стр. 860
وحديث: " فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس "، وهو في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث أبي ذر.
قلت: وذلك أنه مشغول بخدمته عن الاكتساب، فوجب أن يكون كفاية عليه.
وعليه أهل العلم.
( [النفقة على الأقرباء مستحبة لصلة الرحم] :)
(ولا تجب على القريب لقريبه إلا من باب صلة الرحم) ؛ لعدم ورود دليل يخص ذلك؛ بل جاءت أحاديث صلة الرحم وهي عامة، والرحم المحتاج إلى نفقة أحق الأرحام بالصلة.
وقد قال - تعالى -: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾ ، ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ .
وعند أبي داود: أن رجلا سأل النبي ﷺ : من أبر؟ قال: " أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ومولاك الذي يلي ذلك، حق واجب، ورحم موصولة " (١) .
وقال: " ثم الأقرب فالأقرب ".
وفي المسألة مذاهب مختلفة؛ قد بسطها صاحب " الهدي " وغيره.
стр. 861
وأما ما قيل من أن المراد بمثل هذه الأدلة صلة الرحم؛ فقد أجيب عن ذلك بأن الله - سبحانه - سماه حقا.
على أنه لو سُلم؛ لم يكن قادحا في الاستدلال؛ فإن من ترك قريبه بغير نفقة ولا كسوة، مع حاجته إليهما؛ لم يكن واصلا لرحمه - لا لغة، ولا عرفا، ولا شرعا -.
ومن أنكر هذا فليخبرنا: ما هي الصلة التي تختص بها الرحم لأجل كونه رحما، ويمتاز بها عن الأجنبي؟ فإنه لا يمكنه أن يعين مسقطا للنفقة؛ إلا وكان أولى بإسقاط ما عداها.
فالحاصل: أن من وجد ما يكفيه، وكان له زيادة يستغني عنها؛ وجب عليه أن ينفقها على المحاويج من قرابته، ويقدم الأقرب فالأقرب كما دلت عليه الأدلة السالفة، وهذا هو معنى الغنى - أي: الاستغناء عن فضلة تفضل على الكفاية -، لا ما ذكره الفقهاء من تلك التقديرات التي لا ترجع إلى دليل عقل ولا نقل.
( [الكسوة واجبة وكذا السكن مع النفقة] :)
(ومن وجبت نفقته وجبت كسوته وسكناه) ؛ لما يستفاد من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة المتقدم ذكرها.
стр. 862
(٨ - باب الرضاع)
( [بكم رضعة يثبت حكم الرضاع] :)
(إنما يثبت حكمه بخمس رضعات) ؛ لحديث عائشة عند مسلم، وغيره: أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نُسخ بخمس رضعات، فتوفي رسول الله ﷺ ؛ وهن فيما يُقرأ من القرآن.
وللحديث طرق ثابتة في " الصحيح ".
ولا يخالفه حديث عائشة: أن النبي ﷺ قال: " لا تحرم المصة ولا المصتان "؛ أخرجه أحمد، ومسلم، وأهل " السنن "، وكذلك حديث أم الفضل عند مسلم وغيره: أن النبي ﷺ قال: " لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، والمصة والمصتان "، وفي لفظ: " لا تحرم الإملاجة (١) ولا الإملاجتان "، وأخرج نحوه أحمد، والنسائي، والترمذي من حديث عبد الله بن الزبير:
لأن غاية ما في هذه الأحاديث: أن المصة والمصتين، والرضعة والرضعتين، والإملاجة والإملاجتين؛ لا يحرمن.
وهذا هو معنى الأحاديث منطوقا، وهو لا يخالف حديث الخمس
стр. 863
الرضعات؛ لأنها تدل على أن ما دون الخمس لا يحرم.
وأما معنى هذه الأحاديث مفهوما - وهو أنه يحرم ما زاد على الرضعة والرضعتين -؛ فمدفوع بحديث الخمس، وهي مشتملة على زيادة، فوجب قبولها والعمل بها، ولا سيما عند قول من يقول: إن بناء الفعل على المنكر يفيد التخصيص.
والرضعة: هي أن يأخذ الصبي الثدي فيمتص منه، ثم يستمر على ذلك؛ حتى يتركه باختياره لغير عارض.
وقد ذهب إلى اعتبار الخمس: ابن مسعود، وعائشة، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن حزم، وجماعة من أهل العلم.
وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب.
وذهب الجمهور إلى أن الرضاع الواصل إلى الجوف يقتضي التحريم، وإن قل.
قال في " المسوى ":
" ذهب الشافعي إلى أنه لا يثبت حكم الرضاع بأقل من خمس رضعات متفرقات، وذهب أكثر الفقهاء - منهم مالك، وأبو حنيفة - إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم، وقال بعضهم: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات؛ لقوله ﷺ : " لا تحرم المصة ولا المصتان " (١) .
стр. 864
ويحكى عن بعضهم أن التحريم لا يقع بأقل من عشر رضعات، وهو قول شاذ.
والظاهر أن عائشة وحفصة إنما كانتا تذهبان إلى عشر رضعات؛ تورعا وتشفيا للخاطر؛ لا من جهة حكم الشرع؛ كما ذكرنا في لبن الفحل.
قال البغوي: " قول عائشة: فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ في القرآن: أرادت به قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله ﷺ ؛ حتى كان بعض من لم يبلغه النسخ يقرأ على الرسم الأول؛ لأن النسخ لا يتصور بعد رسول الله ﷺ .
ويجوز بقاء الحكم مع نسخ التلاوة؛ كالرجم في الزنا حكمه باق مع ارتفاع التلاوة في القرآن، أو أن الحكم يثبت بأخبار الآحاد؛ ويجب العمل به، والقرآن لا يثبت بأخبار الآحاد؛ فلم يجز كتبه بين الدفتين ". انتهى.
وتمامه في كتابنا " إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ "، فليرجع إليه.
أقول: اعلم أن الأحاديث قد اختلفت في هذه المسألة اختلافا كثيرا، وكذلك اختلفت المذاهب، ونحن نعرفك بما هو الحق الذي يجتمع فيه جميع الأدلة فنقول:
أما ما ورد من الرضاع مطلقا من دون تقييد بعدد؛ فالأحاديث الواردة بذكر العدد تفيد تقييده؛ كما هو شأن المطلق والمقيد.
وقد أفاد حديث: " لا تحرم المصة والمصتان، والإملاجة والإملاجتان "،
стр. 865
وحديث: " لا تحرم الرضعة الواحدة ": أن الرضعة والرضعتين لا تحرمان، فلو لم يرد إلا هذا؛ لكانت الثلاث مقتضية للتحريم، ولكنه ثبت في " الصحيح " عن عائشة، أنها قالت: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم قالت: خمس رضعات معلومات يحرمن، وصرحت بأن العشر منسوخة بالخمس، وصرحت أيضا بأنه توفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن، وليس من شرط القرآن تواتر النقل على ما هو الحق.
ولو سلم ذلك؛ فالقراءة الآحادية منزّلة منزلة أخبار الآحاد.
ولكن ههنا إشكال، وهو أن حديث: " لا تحرم المصة والمصتان "؛ دل بمفهوم العدد على أن الثلاث والأربع يثبت بهما التحريم، وحديث الخمس دل بمفهومه على أنهما لا يحرمان.
وأقول: قد تقرر في علم المعاني والبيان: أن الإخبار بالفعل المضارع يفيد الحصر، وصرح بذلك الزمخشري في " الكشاف "، ولا سيما إذا بني الفعل على المنكر؛ كما هو مقرر في مواطنه، فيكون قد انضم إلى مفهوم العدد في الخمس مفهوم الحصر، فلا يثبت التحريم بدونها.
ويؤيد ذلك ما ورد في بعض ألفاظ حديث سهلة بنت سهيل: أنه ﷺ قال: " أرضعي سالما خمس رضعات تحرمي عليه " (١) ، وهذا التركيب في قوة: " إن ترضعيه خمسا تحرمي عليه "، فانضم إلى مفهومي العدد والحصر مفهوم الشرط، وكما تصلح هذه الأدلة لتقييد مطلق القرآن؛ تصلح أيضا لتقييد
стр. 866
حديث: " الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم "، وحديث: " الرضاعة من المجاعة " (١) ؛ هذا على فرض أن الرضعة والرضعتين تنبت اللحم، فيكون المراد أن المقتضي للتحريم من الرضاع الذي ينبت اللحم، والذي في زمن المجاعة هو ما كان على صفة مخصوصة؛ وهي خمس رضعات.
هذا تقرير الاستدلال على وجه تجتمع فيه الأدلة.
وأما الجواب عن الوجوه التي ذكروها في دفع ما ذكرناه من الأدلة؛ فقد بسطه الماتن ﵀ في " وبل الغمام حاشية شفاء الأوام "، فمن شاء الاطلاع على ذلك؛ فليراجعه.
( [لا يثبت حكم الرضاع إلا مع وجود اللبن] :)
(مع تيقن وجود اللبن) ؛ لأنه سبب ثبوت حكم الرضاع، فلو لم يكن وجوده معلوما، وارتضاع الصبي منه معلوما؛ لم يكن لإثبات حكم الرضاع وجه مسوغ.
قال في " الحجة البالغة ":
" يعتبر في الإرضاع شيئان:
أحدهما: القدر الذي يتحقق به هذا المعنى، فكان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات.
والثاني: أن يكون الرضاع في أول قيام الهيكل، وتشبّح صورة الولد؛
стр. 867
وإلا فهو غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد التشبّح وقيام الهيكل؛ كالشاب يأكل الخبز ". انتهى.
( [لا رضاع إلا ما كان في حولين] :)
(وكون الرضيع قبل الفطام) ؛ لحديث أم سلمة عند الترمذي - وصححه -، والحاكم - وصححه أيضا -، قال: قال رسول الله ﷺ :
" لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي (١) ، وكان قبل الفطام ".
وأخرج سعيد بن منصور، والدارقطني، والبيهقي، وابن عدي من حديث ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا رضاع إلا ما كان في الحولين ".
وقد صحح البيهقي وقفه، ورجحه ابن عدي، وابن كثير (٢) .
وأخرج أبو داود الطيالسي، من حديث جابر، عن النبي ﷺ قال: " لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام ".
وقد قال المنذري: إنه لا يثبت.
стр. 868
وفي " الصحيحين " وغيرهما (١) من حديث عائشة، قالت: لما دخل علي رسول الله ﷺ وعندي رجل، فقال: " من هذا؟ " قلت: أخي من الرضاعة، قال: " يا عائشة ﴿انظرن من إخوانكن؛ فإنما الرضاعة من المجاعة ".
( [يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب] :)
(ويحرم به ما يحرم بالنسب) ، قد تقدم الاستدلال عليه فيمن يحرم نكاحه - من (كتاب النكاح) -؛ من أم، وأخت، وغيرهما.
( [قول المرضعة مقبول] :)
(ويقبل قول المرضعة) ؛ لما أخرجه البخاري وغيره من حديث عقبة بن الحارث: أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما (٢) ، قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ ؟ فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له، فقال: " وكيف [وقد قيل؟﴾ ] (٣) وقد زعمت أنها أرضعتكما؟ ﴿"، فنهاه.
وفي لفظ: " دعها عنك "، وهو في " الصحيح ".
وفي لفظ آخر: " كيف وقد قيل؟﴾ "، ففارقها عقبة.
стр. 869
وقد ذهب إلى ذلك: عثمان، وابن عباس، والزهري، والحسن، وإسحاق، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وروي عن مالك.
وأما دفع الحجة بأنها شهدت على تقرير فعلها؛ فهذه قاعدة فقهية لم يرد بها كتاب الله، ولا سنة رسوله.
وهذا الحديث أول حجة يبطلها؛ فكيف يكون الأمر بالعكس؟ !
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
( [حكم إرضاع الكبير لتجويز النظر] :)
(ويجوز إرضاع الكبير ولو كان ذا لحية لتجويز النظر) ؛ لحديث زينب بنت أم سلمة، قالت: قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك هذا الغلام الأيفع الذي ما أحب أن يدخل علي﴾ فقالت عائشة: ما لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة؟ ﴿وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله﴾ إن سالما يدخل علي وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه؟ ! فقال رسول الله ﷺ : " أرضعيه حتى يدخل عليك "؛ أخرجه مسلم، وغيره.
وقد أخرج نحوه البخاري من حديث عائشة (١) أيضا.
وقد روى هذا الحديث من الصحابة: أمهات المؤمنين، وسهلة بنت سهيل (٢) ، وزينب بنت أم سلمة.
стр. 870
ورواه من التابعين جماعة كثيرة، ثم رواه عنهم الجمع الجم.
وقد ذهب إلى ذلك: علي، وعائشة، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، والليث بن سعد، وابن علية، وداود الظاهري، وابن حزم؛ وهو الحق.
وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك.
قال ابن القيم:
" أخذ طائفة من السلف بهذه الفتوى؛ منهم عائشة، ولم يأخذ به أكثر أهل العلم، وقدموا عليها أحاديث توقيت الرضاع المحرم بما قبل الفطام وبالصغر وبالحولين لوجوه:
أحدها: كثرتها؛ وانفراد حديث سالم.
الثاني: أن جميع أزواج النبي ﷺ سوى عائشة - في شق المنع.
الثالث: أنه أحوط.
الرابع: أن رضاع الكبير لا ينبت لحما، ولا ينشز عظما، فلا يحصل به البعضية التي هي سبب التحريم.
الخامس: أنه يحتمل أن هذا كان مختصا بسالم وحده، ولهذا لم يجئ ذلك إلا في قصته.
السادس: أن رسول الله ﷺ دخل على عائشة وعندها رجل قاعد،
стр. 871
فاشتد ذلك عليه وغضب، فقالت: إنه أخي من الرضاعة، فقال: " انظرن من إخوانكن من الرضاعة؛ فإنما الرضاعة من المجاعة "؛ متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وفي قصة سالم مسلك؛ وهو أن هذا كان موضع حاجة؛ فإن سالما كان قد تبناه أبو حذيفة ورباه، ولم يكن له منه ومن الدخول على أهله بد، فإذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك؛ فالقول به مما يسوغ فيه الاجتهاد.
ولعل هذا المسلك أقوى المسالك، وإليه كان شيخنا يجنح، والله تعالى أعلم ". انتهى.
أقول: الحاصل: أن الحديث المتقدم صحيح، وقد رواه الجم الغفير عن الجم الغفير؛ خلفا عن سلف، ولم يقدح فيه من رجال هذا الشأن أحد، وغاية ما قاله من يخالفه؛ أنه ربما كان منسوخا، ويجاب بأنه لو كان منسوخا لوقع الاحتجاج على عائشة بذلك، ولم ينقل أنه قال قائل به؛ مع اشتهار الخلاف بين الصحابة.
وأما الأحاديث الواردة بأنه لا رضاع إلا في الحولين وقبل الفطام؛ فمع كونها فيها مقال؛ لا معارضة بينها وبين رضاع سالم؛ لأنها عامة وهذا خاص، والخاص مقدم على العام، ولكنه يختص بمن عرض له من الحاجة إلى إرضاع الكبير ما عرض لأبي حذيفة وزوجته سهلة؛ فإن سالما لما كان لهما كالابن، وكان في البيت الذي هما فيه، وفي الاحتجاب مشقة عليهما؛ رخص ﷺ في الرضاع على تلك الصفة.
стр. 872
فيكون رخصة لمن كان كذلك، وهذا لا محيص عنه.
قال في " المسوى ":
" يجب إحياء المولود بالإرضاع حولين كاملين؛ إلا إذا اجتمع رأي الوالدين عن تشاور منهما؛ على أن الفطام لا يضره؛ فحينئذ يجوز الفطام قبل الحولين، والمرضع يجوز أن تكون الوالدة أو الظئر المسترضعة، فإن لم تتيسر المسترضعة، أو لم يقدر الوالد على استئجارها؛ تعينت الوالدة؛ فإن أرضعت الوالدة؛ فليس لها إلا النفقة والكسوة بالمعروف مما كان بسبب الزوجية، وإن أرضعت الظئر فلها أجرها؛ قال - تعالى -: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله﴾ .
قلت: الظاهر: أن الوالدات تعم المطلقات وغيرها، وقيل: تختص بالمطلقات؛ لأن سياق الآية في قصة المطلقات.
أقول: وحينئذ يؤخذ حكم غير المطلقات بالأولى؛ وقوله: ﴿على المولود له﴾ : يدل على أن الوالدة ما دامت زوجة أو معتدة لا تستحق الأجر، وعليه أبو حنيفة.
وقوله: ﴿على الوارث مثل ذلك﴾ : المراد منه وارث الأب، وهو
стр. 873
الصبي؛ أي: مؤن المرضعة من ماله إذا مات الأب.
قوله: ﴿فإن أرادا فصالا﴾ ؛ يعني: قبل الحولين؛ قوله: ﴿أن تسترضعوا﴾ ؛ أي: المراضع؛ ﴿أولادكم﴾ ؛ أي: تأخذوا مراضع لأولادكم.
قوله: ﴿ما آتيتم﴾ ؛ أي: ما أردتم إيتاءه؛ كقوله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ ". انتهى.
стр. 874
(٩ - باب الحضانة)
( [الأولى بحضانة الطفل أمه؛ ما لم تنكح] :)
(الأولى بالطفل أمه ما لم تنكح) ؛ لحديث عبد الله بن عمرو: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني؟ فقال: " أنت أحق به ما لم تنكحي (١) "؛ أخرجه أحمد (٢) ، وأبو داود، والبيهقي، والحاكم - وصححه -.
وقد وقع الإجماع على أن الأم أولى بالطفل من الأب.
وحكى ابن المنذر الإجماع على أن حقها يبطل بالنكاح، وقد روي عن عثمان أنه لا يبطل بالنكاح؛ وإليه ذهب الحسن البصري، وابن حزم، واحتجوا ببقاء ابن أم سلمة في كفالتها بعد أن تزوجت بالنبي ﷺ .
ويجاب عن ذلك؛ بأن مجرد البقاء مع عدم المنازع لا يُحتج به؛ لاحتمال أنه لم يبق له قريب غيرها.
стр. 875
واحتجوا أيضا بما سيأتي في حديث ابنة حمزة؛ فإن النبي ﷺ قضى بأن الحق لخالتها، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب، وقد قال: " الخالة بمنزلة الأم ".
ويجاب عن هذا؛ بأنه لا يدفع النص الوارد في الأم، ويمكن أن يقال: إن هذا يكون دليلا على ما ذهبت إليه الحنفية؛ من أن النكاح إذا كان لمن هو رحم للصغير (١) ؛ فلا يبطل به الحق، ويكون حديث ابنة حمزة مقيدا لقوله ﷺ : " ما لم تنكحي ".
(ثم الخالة) أولى بعد الأم ممن عداها؛ لحديث البراء بن عازب في " الصحيحين " وغيرهما: أن ابنة حمزة اختصم فيها (٢) علي وجعفر وزيد، فقال علي: أنا أحق بها؛ هي ابنة عمي ﴿وقال جعفر: بنت عمي وخالتها؛ تحتي﴾ وقال زيد: ابنة أخي! فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها وقال: " الخالة بمنزلة الأم " (٣) ؛ والمراد بقول زيد: ابنة أخي؛ أن حمزة قد كان النبي ﷺ آخى بينهما.
ووجه الاستدلال بهذا الحديث: أنه قد ثبت بالإجماع أن الأم أقدم الحواضن، فمقتضى التشبيه أن تكون الخالة أقدم من غيرها؛ من غير فرق بين الأب وغيره، وقد قيل: إن الأب أقدم منها إجماعا، وليس ذلك بصحيح، والخلاف معروف، والحديث يحج من خالفه.
стр. 876
قال في " المسوى ":
" إذا فارق الرجل امرأته وبينهما ولد صغير؛ فالأم وأم الأم أولى بالحضانة من الأب: لرواية مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت القاسم ابن محمد يقول: كانت عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار، فولدت له عاصم بن عمر، ثم إنه فارقها، فجاء عمر بن الخطاب قباء، فوجد ابنه عاصما يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام، فنازعته إياه، حتى أتيا أبا بكر الصديق، فقال عمر: ابني، وقالت المرأة: ابني، فقال أبو بكر: خل بينها وبينه، قال: فما راجعه عمر الكلام " (١) .
( [الأولى بحضانة الطفل بعد الأم الأب] :)
(ثم الأب) ؛ وإن لم يرد بذلك دليل يخصه؛ لكنه قد استفيد من مثل قوله ﷺ للأم: " أنت أحق به ما لم تنكحي "؛ فإن هذا يدل على ثبوت أصل الحق للأب بعد الأم، ومن هو بمنزلتها؛ وهي الخالة، وكذلك إثبات التخيير بينه وبين الأم في الكفالة؛ فإنه يفيد إثبات حق له في الجملة.
وقال في " المسوى ": " روى الشافعي بإسناده عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ خيّر غلاما بين أبيه وأمه، ثم طبق بين الحديث والأثر بأن المولود إذا كان دون سبع سنين؛ فالأم أولى به، وإذا بلغ سبع سنين وعقل عقل مثله؛ خُيّر بين الأبوين؛ سواء كان ذكرا أو أنثى، فأيهما اختاره يكون عنده.
стр. 877
وأخذ هذا النوع من التطبيق؛ من قضاء علي - رضي الله تعالى عنه -؛ فإنه خيّر صبيا - كان ابن سبع سنين، أو ثمان سنين - بين الأم والعم، وقال لأخيه الصغير منه: وهذا أيضا لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته.
وقال أبو حنيفة: الأم أحق بالغلام حتى يأكل ويلبس وحده، وبالجارية حتى تحيض، ثم بعد ذلك الأب أحق بهما ".
أقول: الحق أن الحضانة للأم، ثم للخالة؛ للدليل الذي قدمنا، ولا حضانة للأب ولا لغيره من الرجال والنساء؛ إلا بعد بلوغ الصبي سن التمييز، فإن بلغ إليه؛ ثبت تخييره بين الأم والأب (١) ، وإذا عُدما كان أمره إلى أوليائه إن وجدوا؛ وإلا كان إلى قرابته الذين ليسوا بأولياء، ويقدم الأقرب فالأقرب.
ولكن ليس هذا الدليل اقتضى ذلك؛ بل لأن حضانة الصبي وكفالة أمره لا بد منه، والقرابة أولى به من الأجانب؛ بلا ريب، وبعض القرابة أولى من بعض، فأحقهم به - بعد عدم من وردت النصوص بثبوت حضانته - هو الأولياء؛ لكون ولاية النظر في مصالحه إليهم، ومع عدمهم تكون حضانته إلى الأقرب فالأقرب.
هذا ما يقتضيه النظر الصحيح، ومن رام الوقوف على جميع العلل التي علل بها المختلفون في التقديم والتأخير في باب الحضانة؛ فعليه ب " الهدي " لابن القيم، ولكنه لم يترجح لدي إلا ما ذكرته ههنا، وذكره الماتن.
стр. 878
وقد يقال: إن حديث: " أنت أحق به ما لم تنكحي "؛ يفيد ثبوت أصل الحق في الحضانة للأب بعد الأم، ومن هو بمنزلتها؛ وهي الخالة، فتكون أهل الحضانة الأم، ثم الخالة، ثم الأب.
( [الأولى بالطفل قرابته إذا انعدمت الأم والخالة والأب] :)
(ثم يعين الحاكم من القرابة من رأى فيه صلاحا) ؛ لأنه إذا عدمت الأم والخالة والأب؛ فالصبي محتاج إلى من يحضنه بالضرورة؛ والقرابة أشفق به، فيعين الحاكم من يقوم به منهم ممن يرى فيه صلاحا للصبي.
وقد أخرج عبد الرزاق، عن عكرمة، قال: إن امرأة عمر بن الخطاب خاصمته إلى أبي بكر في ولد عليها، فقال أبو بكر: هي أعطف، وألطف، وأرحم، وأحنى، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج.
فهذه الأوصاف تفيد أن أبا بكر جعل العلة: العطف، واللطف، والرحمة، والحنو.
( [يخير الصبي بين أبيه وأمه بعد ما يبلغ سن الاستقلال] :)
(وبعد بلوغ سن الاستقلال يخير الصبي بين أبيه وأمه) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي - (١) : أن النبي ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه.
стр. 879
وفي لفظ (١) : أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عتبة، وقد نفعني، فقال رسول الله ﷺ : " استهما عليه "، قال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : " هذا أبوك وهذه أمك؛ فخذ بيد أيهما شئت "، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به.
أخرجه أهل " السنن "، وابن أبي شيبة؛ وصححه الترمذي، وابن حبان، وابن القطان.
وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني من حديث عبد الحميد بن جعفر الأنصاري (٢) عن جده: أن جده أسلم - وأبت امرأته أن تسلم، فجاء بابن صغير له لم يبلغ، قال: فأجلس النبي ﷺ الأب ههنا والأم ههنا، ثم خيره؛ وقال: " اللهم اهده "؛ فذهب إلى أبيه.
قال ابن القيم:
" الحضانة قضي فيها خمس قضايا:
إحداها: قضى بابنة حمزة لخالتها، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب، وقال: " الخالة بمنزلة الأم "، فتضمن هذا القضاء: أن الخالة قائمة مقام الأم في الاستحقاق، وأن تزوجها لا يسقط حضانتها إذا كانت جارية.
стр. 880
القضية الثانية: أن رجلا جاء بابن له صغير لم يبلغ، فاختصم فيه هو وأمه، ولم يسلم، فأجلس رسول الله ﷺ الأب ههنا، وأجلس الأم ههنا، ثم خير الصبي وقال: " اللهم ﴿اهده "، فذهب إلى أمه؛ ذكره أحمد.
القضية الثالثة: أن رافع بن سنان أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي ﷺ وقالت: ابنتي فطيم - أو شبيهه -، وقال رافع: ابنتي، فقال رسول الله ﷺ : " اقعد ناحية " وقال لها: " اقعدي ناحية "، فأقعد الصبية بينهما، ثم قال: " ادعواها "، فمالت إلى أمها، فقال النبي ﷺ : " اللهم﴾ اهدها "، فمالت إلى أبيها؛ فأخذها؛ ذكره أحمد.
القضية الرابعة: جاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني ... الخ؛ ذكره أبو داود.
القضية الخامسة: جاءته ﷺ امرأة فقالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء ... الخ؛ ذكره أبو داود.
فعلى هذه القضايا الخمس؛ تدور الحضانة؛ وبالله التوفيق ".
(فإن لم يوجد) من له في ذلك حق بنص الشرع (أكفله من كان له في كفالته مصلحة) ؛ لكونه محتاجا إلى ذلك، فكانت المصلحة معتبرة في بدنه كما اعتبرت في ماله.
وقد دلت على ذلك الأدلة الواردة في أموال اليتامى من الكتاب والسنة.