← Фикх общий

Фикх общий · id 9293

الدرر البهية والروضة الندية والتعليقات الرضية

صديق حسن خان

Полный текст (1 572 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قال في " المسوى ": " إذا فارق الرجل امرأته وبينهما ولد صغير؛ فالأم وأم الأم أولى بالحضانة من الأب: لرواية مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت القاسم ابن محمد يقول: كانت عند عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار، فولدت له عاصم بن عمر، ثم إنه فارقها، فجاء عمر بن الخطاب قباء، فوجد ابنه عاصما يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام، فنازعته إياه، حتى أتيا أبا بكر الصديق، فقال عمر: ابني، وقالت المرأة: ابني، فقال أبو بكر: خل بينها وبينه، قال: فما راجعه عمر الكلام " (١) . ( [الأولى بحضانة الطفل بعد الأم الأب] :) (ثم الأب) ؛ وإن لم يرد بذلك دليل يخصه؛ لكنه قد استفيد من مثل قوله ﷺ للأم: " أنت أحق به ما لم تنكحي "؛ فإن هذا يدل على ثبوت أصل الحق للأب بعد الأم، ومن هو بمنزلتها؛ وهي الخالة، وكذلك إثبات التخيير بينه وبين الأم في الكفالة؛ فإنه يفيد إثبات حق له في الجملة. وقال في " المسوى ": " روى الشافعي بإسناده عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ خيّر غلاما بين أبيه وأمه، ثم طبق بين الحديث والأثر بأن المولود إذا كان دون سبع سنين؛ فالأم أولى به، وإذا بلغ سبع سنين وعقل عقل مثله؛ خُيّر بين الأبوين؛ سواء كان ذكرا أو أنثى، فأيهما اختاره يكون عنده.

стр. 877

وأخذ هذا النوع من التطبيق؛ من قضاء علي - رضي الله تعالى عنه -؛ فإنه خيّر صبيا - كان ابن سبع سنين، أو ثمان سنين - بين الأم والعم، وقال لأخيه الصغير منه: وهذا أيضا لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته. وقال أبو حنيفة: الأم أحق بالغلام حتى يأكل ويلبس وحده، وبالجارية حتى تحيض، ثم بعد ذلك الأب أحق بهما ". أقول: الحق أن الحضانة للأم، ثم للخالة؛ للدليل الذي قدمنا، ولا حضانة للأب ولا لغيره من الرجال والنساء؛ إلا بعد بلوغ الصبي سن التمييز، فإن بلغ إليه؛ ثبت تخييره بين الأم والأب (١) ، وإذا عُدما كان أمره إلى أوليائه إن وجدوا؛ وإلا كان إلى قرابته الذين ليسوا بأولياء، ويقدم الأقرب فالأقرب. ولكن ليس هذا الدليل اقتضى ذلك؛ بل لأن حضانة الصبي وكفالة أمره لا بد منه، والقرابة أولى به من الأجانب؛ بلا ريب، وبعض القرابة أولى من بعض، فأحقهم به - بعد عدم من وردت النصوص بثبوت حضانته - هو الأولياء؛ لكون ولاية النظر في مصالحه إليهم، ومع عدمهم تكون حضانته إلى الأقرب فالأقرب. هذا ما يقتضيه النظر الصحيح، ومن رام الوقوف على جميع العلل التي علل بها المختلفون في التقديم والتأخير في باب الحضانة؛ فعليه ب " الهدي " لابن القيم، ولكنه لم يترجح لدي إلا ما ذكرته ههنا، وذكره الماتن.

стр. 878

وقد يقال: إن حديث: " أنت أحق به ما لم تنكحي "؛ يفيد ثبوت أصل الحق في الحضانة للأب بعد الأم، ومن هو بمنزلتها؛ وهي الخالة، فتكون أهل الحضانة الأم، ثم الخالة، ثم الأب. ( [الأولى بالطفل قرابته إذا انعدمت الأم والخالة والأب] :) (ثم يعين الحاكم من القرابة من رأى فيه صلاحا) ؛ لأنه إذا عدمت الأم والخالة والأب؛ فالصبي محتاج إلى من يحضنه بالضرورة؛ والقرابة أشفق به، فيعين الحاكم من يقوم به منهم ممن يرى فيه صلاحا للصبي. وقد أخرج عبد الرزاق، عن عكرمة، قال: إن امرأة عمر بن الخطاب خاصمته إلى أبي بكر في ولد عليها، فقال أبو بكر: هي أعطف، وألطف، وأرحم، وأحنى، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج. فهذه الأوصاف تفيد أن أبا بكر جعل العلة: العطف، واللطف، والرحمة، والحنو. ( [يخير الصبي بين أبيه وأمه بعد ما يبلغ سن الاستقلال] :) (وبعد بلوغ سن الاستقلال يخير الصبي بين أبيه وأمه) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي - (١) : أن النبي ﷺ خير غلاما بين أبيه وأمه.

стр. 879

وفي لفظ (١) : أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عتبة، وقد نفعني، فقال رسول الله ﷺ : " استهما عليه "، قال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : " هذا أبوك وهذه أمك؛ فخذ بيد أيهما شئت "، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. أخرجه أهل " السنن "، وابن أبي شيبة؛ وصححه الترمذي، وابن حبان، وابن القطان. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني من حديث عبد الحميد بن جعفر الأنصاري (٢) عن جده: أن جده أسلم - وأبت امرأته أن تسلم، فجاء بابن صغير له لم يبلغ، قال: فأجلس النبي ﷺ الأب ههنا والأم ههنا، ثم خيره؛ وقال: " اللهم اهده "؛ فذهب إلى أبيه. قال ابن القيم: " الحضانة قضي فيها خمس قضايا: إحداها: قضى بابنة حمزة لخالتها، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب، وقال: " الخالة بمنزلة الأم "، فتضمن هذا القضاء: أن الخالة قائمة مقام الأم في الاستحقاق، وأن تزوجها لا يسقط حضانتها إذا كانت جارية.

стр. 880

القضية الثانية: أن رجلا جاء بابن له صغير لم يبلغ، فاختصم فيه هو وأمه، ولم يسلم، فأجلس رسول الله ﷺ الأب ههنا، وأجلس الأم ههنا، ثم خير الصبي وقال: " اللهم ﴿اهده "، فذهب إلى أمه؛ ذكره أحمد. القضية الثالثة: أن رافع بن سنان أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي ﷺ وقالت: ابنتي فطيم - أو شبيهه -، وقال رافع: ابنتي، فقال رسول الله ﷺ : " اقعد ناحية " وقال لها: " اقعدي ناحية "، فأقعد الصبية بينهما، ثم قال: " ادعواها "، فمالت إلى أمها، فقال النبي ﷺ : " اللهم﴾ اهدها "، فمالت إلى أبيها؛ فأخذها؛ ذكره أحمد. القضية الرابعة: جاءته امرأة فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني ... الخ؛ ذكره أبو داود. القضية الخامسة: جاءته ﷺ امرأة فقالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء ... الخ؛ ذكره أبو داود. فعلى هذه القضايا الخمس؛ تدور الحضانة؛ وبالله التوفيق ". (فإن لم يوجد) من له في ذلك حق بنص الشرع (أكفله من كان له في كفالته مصلحة) ؛ لكونه محتاجا إلى ذلك، فكانت المصلحة معتبرة في بدنه كما اعتبرت في ماله. وقد دلت على ذلك الأدلة الواردة في أموال اليتامى من الكتاب والسنة.

стр. 881

(الكتاب العاشر: كتاب البيوع)

стр. 882

(١٠ - كتاب البيوع) (١ - أنواع البيوع المحرمة) ( [المعتبر في صحيح البيع: رضا الطرفين] :) (المعتبر فيه مجرد التراضي) ، وحقيقة التراضي لا يعلمها إلا الله تعالى. والمراد هنا: أمارته كالإيجاب والقبول، وكالتعاطي عند القائل به. وعلى هذا أهل العلم. (ولو بإشارة) ، وينعقد بالكناية (من قادر على النطق) ؛ لكونه لم يرد ما يدل على ما اعتبره بعض أهل العلم من ألفاظ مخصوصة، وأنه لا يجوز البيع بغيرها، ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: بعت منك، وبعتك؛ فإنا لا ننكر أن البيع يصح بذلك، وإنما النزاع في كونه لا يصح إلا بها، ولم يرد في ذلك شيء، وقد قال الله - تعالى -: ﴿تجارة عن تراض﴾ ، فدل ذلك على أن مجرد التراضي هو المناط. ولا بد من الدلالة عليه بلفظ، أو إشارة، أو كناية بأي لفظ وقع، وعلى أي صفة كان، وبأي إشارة مفيدة حصل، وقال ﷺ : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه "، فإذا وجدت طيبة

стр. 883

النفس مع التراضي؛ فلا يعتبر غير ذلك. أقول: هذا غاية ما يستفاد من الأدلة؛ أعني: أن المعتبر في البيع هو مجرد التراضي، والمشعر بالرضا لا ينحصر فيما ذكروه من الألفاظ المخصوصة المقيدة بقيود، بل ما أشعر بالرضا ولو بكناية، أو إشارة، أو معاطاة من دون لفظ ولا ما في معناه؛ فإن البيع عند وجود المشعر بمطلق الرضا بيع صحيح، وعلى مدعي الاختصاص الدليل. ولا ينفعه في المقام مثل حديث: " إذا بعت "، وحكاية مبايعته ﷺ للأعرابي، وما أشبه ذلك؛ لأنا لا نمنع من إشعار لفظ: (بعت) ونحوه بالرضا، وإنما نمنع دعوى التخصيص ببعض الأفراد التي لا تستفاد إلا من صيغ مخصوصة، ومن ههنا يلوح لك أن قولهم: (لا ربا في المعاطاة) باطل، وهكذا أخواته. والحاصل: أنا لم نجد في الكتاب والسنة بعد ذكر مطلق البيع إلا قيد الرضا، والأمور المشعرة به أعم من الألفاظ التي اصطلح عليها الفقهاء، فيندرج تحت الرضا كل ما دل عليه؛ ولو إشارة من قادر، وكتابة من حاضر (١) . ( [أنواع البيوع المحرمة] :) (١ - [بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام] :) (ولا يجوز بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) ؛ لحديث جابر في

стр. 884

" الصحيحين " وغيرهما: أنه سمع النبي ﷺ يقول: " إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ". (٢ - [بيع الكلب والسنور] :) (والكلب والسنور) ؛ لما في " الصحيحين " وغيرهما من حديث أبي مسعود؛ قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب. وفيهما (١) أيضا من حديث أبي جحيفة نحوه. وفي " صحيح مسلم " (٢) ، وغيره من حديث جابر: أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور. وأخرج النسائي بإسناد رجاله ثقات؛ قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب؛ إلا كلب صيد (٣) .

стр. 885

قال في " المسوى ": " اختلفوا في بيع الكلب؛ فقال الشافعي: حرام، وقال أبو حنيفة: جائز، ويضمن متلفه ". (٣ - [بيع الدم] :) (والدم (١)) ؛ لحديث أبي جحيفة في " الصحيحين "، قال: إن رسول الله ﷺ حرم ثمن الدم. ٤ - ( [عسب الفحل] :) (وعسب الفحل) : وهو ماء الفحل؛ يكريه صاحبه؛ لينزي به: لما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن ثمن عسب الفحل. ومثله في " صحيح مسلم " من حديث جابر. وفي الباب أحاديث. ورخص (٢) في الكرامة؛ وهي ما يعطى على عسب الفحل؛ من غير شرط شيء عليه؛ كذا في " الحجة البالغة ".

стр. 886

(٥ - [بيع المحرم] :) (وكل حرام) : لما في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث جابر: قيل: يا رسول الله ﴿أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: " لا، هو حرام "، ثم قال: " قاتل الله اليهود﴾ إن الله لما حرم شحومها؛ جملوه (١) ثم باعوه؛ وأكلوا ثمنه ". وأخرج أحمد (٢) ، وأبو داود من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: " لعن الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم؛ فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء؛ حرم عليهم ثمنه ". قال ابن القيم في " الإعلام ": " وفي قوله: " حرام " قولان: أحدهما: أن هذه الأفعال حرام. والثاني: أن البيع حرام؛ وإن كان المشتري يشتريه لذلك.

стр. 887

والقولان مبنيان على أن السؤال؛ هل وقع عن البيع لهذا الانتفاع المذكور؟ أو عن الانتفاع المذكور؟ والأول اختاره شيخنا، وهو الأظهر (١) ؛ لأنه لم يخبرهم أولا عن تحريم هذا الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه، وإنما أخبرهم عن تحريم البيع، فأخبروه أنهم يبتاعونه لهذا الانتفاع، فلم يرخص لهم في البيع، ولم ينههم عن الانتفاع المذكور، ولا تلازم بين جواز البيع وحل المنفعة، والله - تعالى - أعلم ". انتهى. قلت: والأقرب إلى السنة ما ذهب إليه الماتن. (٦ - [بيع فضل الماء] :) (وفضل الماء) (٢) ؛ لحديث إياس بن عبد: أن النبي ﷺ نهى عن بيع فضل الماء؛ رواه أحمد (٣) ، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -. وقال القشيري: هو على شرط الشيخين. ولحديث جابر عند مسلم، وأحمد، وابن ماجه بنحوه.

стр. 888

وقد ورد مقيدا في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: " لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ ". وفي لفظ: " لا يباع فضل الماء ليمنع به الكلأ "؛ وهو في " مسلم ". (٧ - [بيع الغرر] :) (وما فيه غرر كالسمك في الماء) ، وهو استتار عاقبة الشيء، وتردده بين جهتين ممكنتين؛ كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء؛ لحديث أبي هريرة عند مسلم، وغيره: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر. وأخرج أحمد من حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ قال: " لا تشتروا السمك في الماء؛ فإنه غرر " (١) . وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وقد رجح البيهقي وقفه، ولكنه داخل في بيع الغرر. قال في " المسوى ": " قال مالك: ومن الغرر والمخاطرة: أن يعمد الرجل قد ضلت دابته، أو أبق غلامه، وثمن شيء من ذلك خمسون دينارا، فيقول رجل: أنا آخذه منك بعشرين دينارا؛ فإن وجده المبتاع ذهب من البائع ثلاثون دينارا، وإن لم يجده ذهب البائع من المبتاع بعشرين دينار.

стр. 889

قال مالك: وفي ذلك أيضا عيب آخر؛ أن تلك الضالة إن وجدت؛ لم يدر زادت أم نقصت، أم ما حدث بها من العيوب؟ ﴿وهذا أعظم المخاطرة. قال مالك: والأمر عندنا: أن من المخاطرة والغرر اشتراء ما في بطون الإناث من النساء والدواب؛ لأنه لا يدري أيخرج أم لا يخرج؟﴾ فإن خرج لم يدر أيكون حسنا، أم قبيحا، أم تاما، أم ناقصا، أم ذكرا، أم أنثى؟ ! وذلك كله يتفاضل؛ إن كان على كذا فقيمته كذا، وإن كذا فقيمته كذا ". انتهى (١) . (٨ - [بيع حبل الحبلة] :) (وحبل الحبلة (٢)) : لنهيه ﷺ عن ذلك؛ كما في " مسلم "، وغيره من حديث ابن عمرو: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع حبل الحبلة؛ أخرجه مالك.

стр. 890

وفي " الصحيحين ": كان أهل الجاهلية يبتاعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة - وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت -؛ فنهاهم عن ذلك. وقد قيل: إنه بيع ولد الناقة الحامل في الحال. وقيل: بيع ولد ولدها؛ كما في الرواية. وقد ورد النهي عن شراء ما في بطون الأنعام؛ كما في حديث أبي سعيد عند أحمد، وابن ماجه، والبزار، والدارقطني، وفي إسناده شهر بن حوشب، وفيه ضعف. وروى مالك؛ عن سعيد بن المسيب، أنه قال: لا ربا في الحيوان، وإنما نهي من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة؛ فالمضامين ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح ما في ظهور الجمال. قلت: وعليه أهل العلم. قال محمد: هذه البيوع كلها مكروهة، ولا ينبغي مباشرتها؛ لأنها غرر عندنا. وفي " المنهاج ": " نهى رسول الله ﷺ عن حبل الحبلة - وهو نتاج النتاج؛ بأن يبيع نتاج

стр. 891

النتاج أو بثمن إلى نتاج النتاج -، وعن الملاقيح - وهي ما في البطون -، والمضامين - وهي ما في أصلاب الفحول - ". (٩ - [بيع المنابذة] :) (والمنابذة) : أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه، وينبذ الآخر إليه ثوبه؛ على غير تأمل، ويقول كل واحد منهما: هذا بهذا؛ فهذا الذي نهي عنه. (١٠ - [بيع الملامسة] :) (والملامسة) : أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره، ولا يتبين ما فيه، أو يبتاعه ليلا ولا يعلم ما فيه؛ لحديث أبي سعيد في " الصحيحين "؛ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الملامسة والمنابذة في البيع. وأخرج نحوه مالك في " الموطإ " من حديث أبي هريرة، وفسرهما بما تقدم. ولفظ الماتن: الملامسة: لمس ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه، والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض؛ كذا في الرواية. وفي الباب عن أنس عند البخاري. قلت: وعليه أهل العلم. قال [في] " المحلى ": " والبطلان فيهما لعدم الرؤية، أو عدم الصيغة (١) ،

стр. 892

أو الشرط الفاسد؛ أي: لا خيار له إذا رآه "؛ كذا في " المسوى ". (١١ - [بيع المجهول] :) (وما في الضرع، والعبد الآبق، والمغانم حتى تقسم، والثمر حتى يصلح، والصوف في الظهر، والسمن في اللبن) ؛ لحديث أبي سعيد - المتقدم - في النهي عن شراء ما في بطون الأنعام؛ فإن فيه النهي عن بيع ما في ضروعها، وعن شراء العبد الآبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم. وقد ورد النهي عن بيع المغانم حتى تقسم؛ من حديث ابن عباس عند النسائي، ومن حديث أبي هريرة عند أحمد، وأبي داود. وقد ورد النهي عن بيع الثمر حتى يُطعم (١) ، والصوف على الظهر، واللبن في الضرع، والسمن في اللبن؛ من حديث ابن عباس أيضا عند الدارقطني، والبيهقي؛ وفي إسناده عمر بن فروخ، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره. وأحاديث النهي عن بيع الغرر تشد من عضد جميع ما في هذه الروايات؛ لأن الغرر يصدق على جميع هذه الصور. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها؛ نهى البائع والمبتاع. وأخرج نحوه مسلم من حديث أبي هريرة.

стр. 893

وفي " الصحيحين " من حديث أنس نحوه. قال مالك: " الأمر عندنا في بيع البطيخ، والقثاء، والخربز (١) ، والخربز: أن بيعه - إذا بدا صلاحه - حلال جائز، ثم يكون للمشتري ما ينبت حتى ينقطع ثمره ويهلك. وليس في ذلك وقت مؤقت، وذلك أن وقته معروف، وربما دخلته العاهة، فقطعت ثمرته قبل أن يأتي ذلك الوقت، فإذا دخلته العاهة بجائحة تبلغ الثلث فصاعدا؛ كان ذلك موضوعا عن الذي ابتاعه ". (١٢ - [بيع المحاقلة] :) (والمحاقلة) : بيع الزرع بكيل من الطعام معلوم. قال مالك: المحاقلة كراء الأرض بالحنطة. وقال في " المسوى ": " المحاقلة: بيع الزرع بعد اشتداد الحب نقيا ". (١٣ - [بيع المزابنة] :) (والمزابنة) : بيع ثمر النخل بأوساق من التمر. وقال مالك:

стр. 894

" المزابنة: اشتراء التمر بالتمر في رؤوس النخل ". وقال في " المسوى ": " المزابنة: بيع الثمر على الشجر بجنسه على الأرض. قال مالك: ونهى رسول الله ﷺ عن المزابنة، وتفسير المزابنة: أن كل شيء من الجزاف الذي لا يُعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده؛ ابتيع بشيء مسمى من الكيل، والوزن، والعدد. وذلك أن يقول الرجل للرجل؛ يكون له الطعام المصبر الذي لا يعلم كيله من الحنطة والتمر، أو ما أشبه ذلك من الأطعمة، أو يكون للرجل السلعة من الخبط، أو النوى، أو القضب، أو العصفر، أو الكرسف، أو الكتان، أو القز، أو ما أشبه ذلك من السلع، لا يعلم كيل شيء من ذلك، ولا وزنه، ولا عدده، فيقول الرجل لرب تلك السلعة: كِل سلعتك هذه، أو مر من يكيلها، أو زن من ذلك ما يوزن، أو اعدد منها ما كان يعد؛ فما نقص من كذا وكذا صاعا - لتسمية يسميها -، أو وزن كذا وكذا رطلا، أو عدد كذا وكذا؛ فما نقص من ذلك؛ فعلي غرمه حتى أوفيك تلك التسمية، فما زاد على تلك التسمية فهو لي؛ أضمن ما نقص من ذلك على أن يكون لي ما زاد. فليس ذلك بيعا؛ ولكنه المخاطرة، والغرر والقمار يدخل هذا؛ لأنه لم يشتر منه شيئا بشيء أخرجه، ولكن ضمن له ما سمى من ذلك الكيل أو الوزن أو العدد؛ على أن يكون له ما زاد على ذلك، فإن نقصت تلك السلعة

стр. 895

من تلك التسمية؛ أخذ من مال صاحبه ما نقص بغير ثمن أعطاه إياه، وإن زادت تلك السلعة على تلك التسمية؛ أخذ الرجل من مال رب السلعة مالا بغير ثمن ولا هبة، طيبة بها نفسه؛ فهذا يشبه القمار. وما كان مثل هذا من الأشياء؛ فذلك يدخله. قلت في " شرح السنة ": والعمل على هذا عند عامة أهل العلم. والعلة في النهي: أن المساواة بينهما شرط، وما على الشجر لا يحرز بكيل ولا وزن، وإنما يكون تقديره بالخرص، وهو حدس وظن لا يؤمن فيه من التفاوت. فأما إذا باع بجنس آخر من الثمار على الأرض أو على الشجر؛ يجوز؛ لأن المماثلة بينهما غير شرط، والتقابض شرط في المجلس، وقبض ما على الأرض بالنقل، وقبض ما على الشجر بالتخلية. أقول: ومعنى هذا الكلام: أن سبب التحريم هو شبه الربا، ومعنى قول مالك؛ أن سبب التحريم معنى القمار، وكلا الأمرين صحيح ". انتهى. (١٤ - [بيع المعاومة] :) (والمعاومة) : بيع ثمر النخلة لأكثر من سنة في عقد واحد، والجميع بيع غرر وجهالة. (١٥ - [بيع المخاضرة] :) (والمخاضرة) : بيع الثمرة خضراء قبل بدو صلاحها.

стр. 896

دليل ذلك: حديث أنس عند البخاري، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمخاضرة، والمنابذة، والملامسة، والمزابنة. وفي " الصحيحين " من حديث جابر، قال: نهى النبي ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة، والمعاومة. وفي الباب أحاديث. (١٦ - [بيع العربون] :) (والعربون) : هو أن يعطي المشتري البائع درهما أو نحوه قبل البيع؛ على أنه إذا ترك الشراء كان الدرهم للبائع بغير شيء؛ لما أخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: نهى النبي ﷺ عن بيع العربون. ولا يعارض هذا ما أخرجه عبد الرزاق في " مسنده " عن زيد بن أسلم: أنه سئل النبي ﷺ عن العربان (١) في البيع؟ فأحله؛ لأن في إسناده إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف؛ وأيضا الحديث مرسل. قال في " المسوى ": " قال مالك: وذلك فيما نرى - والله تعالى أعلم -: أن يشتري الرجل العبد، أو الوليدة، أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشتراه منه، أو تكارى

стр. 897

منه: أعطيتك دينارا، أو درهما، أو أقل، أو أكثر من ذلك؛ على أني إن أخذت السلعة، أو ركبت ما تكاريت منك؛ فالذي أعطيتك من ثمن السلعة، أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة، أو كراء الدابة؛ فما أعطيتك فهو لك بغير شيء. قلت: وعليه أهل العلم. في " المنهاج ": ولا يصح بيع العربون؛ بأن يشتري ويعطيه دراهم لتكون من الثمن إن رضي السلعة؛ وإلا فهي هبة. قال [في] " المحلى " (١) : وعدم صحته لاشتماله على شرط الرد، والهبة إن لم يرض السلعة ". انتهى. (١٧ - [بيع العصير إلى من يتخذه خمرا] :) (والعصير إلى من يتخذه خمرا) ؛ لحديث: " لُعن بائع الخمر، وشاربها، ومشتريها، وعاصرها "؛ أخرجه الترمذي، وابن ماجه، ورجاله ثقات؛ من حديث أنس. وأخرج نحوه أحمد، وابن ماجه، وأبو داود؛ وفي إسناده عبد الرحمن ابن عبد الله الغافقي (٢) ، وقد قيل: إنه غير معروف. وقيل: إنه معروف، وهو

стр. 898

من أمراء الأندلس؛ وصحح الحديث ابن السكن. وأخرج الطبراني في " الأوسط "، عن بريدة، مرفوعا: " من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه؛ من يهودي، أو نصراني، أو ممن يتخذه خمرا؛ فقد تقحم النار على بصيرة "؛ وإسناده حسن، كما قال الحافظ (١) . وأخرجه أيضا البيهقي، وزاد: " أو ممن يعلم أنه يتخذه خمرا ". ويؤيده حديث أبي أمامة عند الترمذي (٢) ، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تبيعوا القينات المغنيات، ولا تشتروهن، ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام ". وفي الباب أحاديث. وأخرج مالك، عن ابن عمر: أن رجالا من أهل العراق قالوا له: يا أبا عبد الرحمن ﴿إنا نبتاع من ثمر النخل والعنب؛ فنعصره خمرا فنبيعها؟ فقال عبد الله بن عمر: إني أشهد الله عليكم وملائكته، ومن سمع من الجن والإنس؛ أني لا آمركم أن تبيعوها، ولا تبتاعوها، ولا تعصروها، ولا تسقوها؛ فإنها رجس من عمل الشيطان.

стр. 899

قلت: وعليه أهل العلم. (١٨ - [بيع المعدوم بالمعدوم] :) (والكالئ بالكالئ) أي: المعدوم بالمعدوم؛ لحديث ابن عمر عند الدارقطني، والحاكم - وصححه -: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ. ولكنه اعترض على الحاكم بأنه وهم في تصحيحه؛ لأن في إسناده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف (١) . ولكنه قد رواه الشافعي، بلفظ: " نهى عن الدَّين بالدَّين ". ويؤيده ما أخرجه الطبراني عن رافع بن خديج: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ؛ دين بدين؛ وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي (٢) ، وهو ضعيف، وقد قال أحمد فيه: لا تحل الرواية عنه عندي، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره. وقال: " ليس في هذا أيضا حديث يصح، ولكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين ". انتهى. يعني: روي الإجماع على معنى الحديث، فشد ذلك من عضده؛ لأنه صار متلقى بالقبول، ويؤيده النهي عن بيع الملاقيح، والمضامين، وحبل الحبلة؛

стр. 900

لأن العلة في ذلك هي كونه بيع معدوم. وتقويه أيضا الأحاديث الواردة في اشتراط التقابض؛ كحديث: " إذا كان يدا بيد "، وهو في " الصحيح "، وحديث: " ما لم تتفرقا وبينكما شيء ". (١٩ - [بيع السلعة قبل قبضها] :) (وما اشتراه قبل قبضه) ؛ لحديث جابر عند مسلم، وغيره، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا ابتعت طعاما؛ فلا تبعه حتى تستوفيه ". وأخرج مسلم - أيضا - وغيره، قال: نهى النبي ﷺ أن تباع السلع حتى تستوفى. وأخرج أحمد من حديث حكيم بن حزام، أن النبي ﷺ قال له: " إذا اشتريت شيئا؛ فلا تبعه حتى تقبضه "؛ وفي إسناده العلاء بن خالد الواسطي (١) . وأخرج أبو داود (٢) ، والدارقطني، والحاكم، وابن حبان - وصححاه - من

стр. 901

حديث زيد بن ثابت: أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع؛ حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. وفي الباب أحاديث، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. وفي " الحجة البالغة ": " قيل: مخصوص بالطعام؛ لأنه أكثر الأموال تعاورا وحاجة، ولا ينتفع به إلا بإهلاكه، فإذا لم يستوفه؛ فربما تصرف فيه البائع، فيكون قضية في قضية. وقيل: يجري في المنقول؛ لأنه مظنة أن يتغير ويتعيب، فتحصل الخصومة في الخصومة. وقال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. وهو الأقيس بما ذكرنا في العلة ". انتهى. قال في " المسوى ": " قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا - الذي لا اختلاف فيه -: أنه من اشترى طعاما؛ برا، أو شعيرا، أو سلتا، أو ذرة، أو دخنا، أو شيئا من الحبوب القطنية، أو شيئا مما يشبه القطنية مما تجب فيه الزكاة، أو شيئا من الأدم كلها: الزيت، والسمن، والعسل، والخل، والجبن، واللبن، والشبرق، وما أشبه ذلك من الأدم؛ فإن المبتاع لا يبيع شيئا من ذلك؛ حتى يقبضه ويستوفيه ".

стр. 902

وفي " شرح السنة ": " اتفق أهل العلم على أن من ابتاع طعاما؛ لا يجوز له بيعه قبل القبض، واختلفوا فيما سواه: فقال الشافعي، ومحمد: لا فرق بين الطعام، والسلع، والعقار في أن بيع شيء منها لا يجوز قبل القبض. قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يجوز بيع العقار قبل القبض، ولا يجوز بيع المنقول. وقال مالك: ما عدا المطعوم؛ يجوز بيعه قبل القبض. قلت: كان الأمراء يكتبون للناس بأرزاقهم وعطياتهم كتبا، وكان الناس يبيعون ما فيها قبل أن يقبضوها، ويعطون المشتري الصك ليمضي به ويقبضه؛ فذلك بيع الصكوك ". انتهى. (٢٠ - [بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان] :) (والطعام حتى يجري فيه الصاعان) ؛ لحديث عثمان عند أحمد، والبخاري (١) : أن النبي ﷺ قال له:

стр. 903

" إذا ابتعت فاكتل، وإذا بعت فكل ". وأخرج ابن ماجه (١) ، والدارقطني، والبيهقي، من حديث جابر، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري؛ وفي إسناده ابن أبي ليلى. وفي الباب عن أبي هريرة بإسناد حسن (٢) ، وعن غيره بأسانيد فيها مقال. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور. (٢١ - [بيع الثنيا] :) (ولا يصح الاستثناء في البيع) ؛ مثل أن يبيع عشرة أفراق إلا شيئا؛ لأن فيه جهالة مفضية إلى المنازعة، والمفسد هو المفضي إلى المنازعة. (إلا إذا كان معلوما) ؛ لحديث جابر عند مسلم وغيره: أن النبي ﷺ نهى

стр. 904

عن بيع الثنيا. وزاد النسائي، والترمذي، وابن حبان - وصححاه -: " إلا أن تعلم " (١) . والمراد: أن يبيع شيئا ويستثني منه شيئا مجهولا - لا إذا كان معلوما -؛ فيصح. (ومنه) ؛ أي: من الثنيا المعلومة (استثناء) جابر (ظهر المبيع) ؛ أي: جمله إلى المدينة؛ بعد أن باعه من النبي ﷺ ، وهو في " الصحيحين "، وغيرهما من حديثه. قال النووي في " شرح مسلم ": " الثنيا المبطلة للبيع: قوله: بعتك هذه الصبرة إلا بعضها، أو هذه الأشجار إلا بعضها؛ فلا يصح البيع؛ لأن المستثنى مجهول. ولو قال: بعتك هذه الأشجار إلا هذه الشجرة، أو إلا ربعها، أو الصبرة إلا ثلثها، أو بعتك بألف إلا درهما: صح البيع باتفاق العلماء. ولو باع الصبرة إلا صاعا منها؛ فالبيع باطل عند الشافعي. وصحح مالك أن يستثني منها ما لا يزيد على ثلثها، وإذا باع ثمرة نخلات واستثنى عشرة آصع للبائع؛ فمذهب الشافعي، وأبي حنيفة، والعلماء كافة: بطلان البيع.

стр. 905

وقال مالك، وجماعة من علماء المدينة: يجوز ذلك؛ ما لم يزد على قدر ثلث الثمرة ". (٢٢ - [البيع المفرق بين المحارم] :) (ولا يجوز التفريق بين المحارم) ؛ لحديث أبي أيوب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من فرق بين والدة وولدها؛ فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ". أخرجه أحمد، والترمذي، والدارقطني، والحاكم وصححه. وحديث علي: أمرني النبي ﷺ أن أبيع غلامين أخوين؛ فبعتهما وفرقت بينهما، فذكرت ذلك له؛ فقال: " أدركهما فارتجعهما، ولا تبعهما إلا جميعا ". أخرجه أحمد، وقد صححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم (١) . وحديث أبي موسى، قال: لعن رسول الله ﷺ من فرق بين الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه (٢) . أخرجه ابن ماجه، والدارقطني، ولا بأس بإسناده. وحديث علي: أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي ﷺ عن ذلك،

стр. 906

وردّ البيع (١) . أخرجه أبو داود، والدارقطني، والحاكم - وصححه -؛ وقد أعل بالانقطاع. وفي الباب أحاديث. وقد قيل: إنه مجمع على ذلك؛ وفيه نظر. أقول: الاختلاف في هذه المسألة - أعني: بيع أمهات الأولاد بين الصحابة - أشهر من نار على علم، وروي عن علي - كرم الله وجهه - الموافقة لعمر ومن معه في عدم جواز بيعهن، ثم صح عنه القول بجواز البيع. وقد ذكر الماتن في " شرح المنتقى " متمسكات الجميع، فليرجع إليه. والعجب ممن يزعم أن تحريم البيع قطعي. وأما المدبر؛ فقد دلت الأدلة الصحيحة على جواز بيعه للحاجة؛ كالدَّين، والإعواز عن النفقة، ونحوهما. (٢٣ - [بيع الحاضر للباد] ) (ولا أن يبيع حاضر لباد) (٢) ؛ لحديث ابن عمر، قال: نهى النبي ﷺ أن

стр. 907

يبيع حاضر لباد؛ أخرجه البخاري. وأخرج مسلم، وغيره من حديث جابر، أن النبي ﷺ قال: " لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ". وفي " الصحيحين " من حديث أنس، قال: نهينا أن يبيع حاضر لباد؛ وإن كان أخاه لأبيه وأمه. قلت: وعليه أهل العلم. وفي " المنهاج ": " بيع حاضر لباد؛ بأن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه؛ ليبيعه بسعر يومه، فيقول بلديّ: اتركه عندي لأبيعه على التدريج ". وفي " الوقاية ": " كره بيع الحاضر للبادي؛ طمعا في الثمن الغالي زمان القحط ". انتهى. (٢٤ - [بيع النجش] :) (والتناجش) : وهو الزيادة في ثمن السلعة عن مواطأة؛ لرفع ثمنها. وعن ابن عمر عند مالك، قال: النجش: أن تعطيه في السلعة أكثر من ثمنها، وليس في نفسك اشتراء، فيقتدي بك غيرك. وفي " الصحيحين "، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى أن يبيع حاضر لباد، وأن يتناجشوا

стр. 908

وفيهما من حديث ابن عمر، قال: نهى النبي ﷺ عن النجش. وأخرجه مالك أيضا. قلت: وعليه أهل العلم. وفي " المنهاج ": " ومن المنهي عنه: النجش؛ بأن يزيد في الثمن لا لرغبة؛ بل ليخدع غيره فيشتريها ". وفي " الوقاية ": " كره النجش ". (٢٥ - [بيع المسلم على المسلم] :) (والبيع على البيع) ؛ لحديث ابن عمر عند أحمد، والنسائي، أن النبي ﷺ قال: " لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ". وهو في " الصحيحين " أيضا بنحو ذلك. وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا: " لا يبيع الرجل على بيع أخيه ". وقد ورد أن: " من باع من رجلين؛ فهو للأول منهما " (١) . أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وحسنه -، وصححه أبو زرعة، وأبو حاتم، والحاكم. وفي " الموطإ " من حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: " لا يبع

стр. 909

بعضكم على بعض ". قلت: وعليه الشافعي. وفي " المنهاج ": " ومن المنهي عنه: البيع على بيع غيره قبل لزومه؛ بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثله، والشراء على الشراء؛ بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه بأكثر ". وفي " شرح السنة ": " عند الحنفية: المراد بالبيع على بيع أخيه: هو السوم؛ لأن عنده؛ خيار المكان لا يثبت بالبيع، فلا يتصور بعد التواجب بيع الغير عليه ". (٢٦ - [الشراء من الركبان] :) (وتلقي الركبان) ؛ بأن يتلقى طائفة يحملون متاعا إلى البلد، فيشتريه منهم قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر، وله الخيار إذا عرف الغبن؛ كذا في " المنهاج "؛ لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره، قال: نهى النبي ﷺ أن يُتلقى الجلب، فإن تلقاه إنسان فابتاعه؛ فصاحب السلعة فيها بالخيار؛ إذا ورد السوق. وفي " الصحيحين " من حديث ابن مسعود، قال: نهى النبي ﷺ عن تلقي البيوع. وفيهما أيضا نحو ذلك من حديث ابن عمر، وابن عباس.

стр. 910

وفي " الموطإ " من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تلقوا الركبان للبيع، ولا يبع بعضكم على بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الإبل والغنم ". قلت: وعليه أهل العلم. ( [احتكار الطعام حرام] :) (والاحتكار) ؛ لحديث ابن عمر عند أحمد (١) ، والحاكم، وابن أبي شيبة، والبزار، وأبي يعلى مرفوعا: " من احتكر الطعام أربعين ليلة؛ فقد برئ من الله وبرئ الله منه ". وفي إسناده أصبغ بن زيد، وفيه مقال (٢) . وأخرج مسلم (٣) ، وغيره من حديث معمر بن عبد الله مرفوعا: " لا يحتكر إلا خاطئ ".

стр. 911

وأخرج نحوه أحمد، والحاكم من حديث أبي هريرة (١) . قلت: وعليه أهل العلم. قال النووي في " شرح مسلم ": " قال أصحابنا: الاحتكار المحرم: هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه. فأما إذا اشتراه، أو جاء من قرية وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في الوقت؛ فليس باحتكار، ولا تحريم فيه. وأما غير الأقوات؛ فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال؛ هذا تفصيل مذهبنا ". وفي " الهداية ": " يكره الاحتكار في أقوات الآدمي والبهائم؛ إذا كان ذلك في بلد يضر الاحتكار بأهله، ومن احتكر غلة ضيعته أو جلبه من بلد آخر؛ فليس بمحتكر ". أقول: الحق: أن الأحاديث المطلقة في تحريم الاحتكار مقيدة بالطعام (٢) ،

стр. 912

فلا يصح ما قيل من تحريم احتكار قوت البهائم؛ والقياس له على قوت الآدمي قياس مع الفارق. ولا يكون الاحتكار محرما إلا إذا كان لقصد أن يغلي ذلك على المسلمين - كما ورد في حديث أبي هريرة عند أحمد والحاكم -؛ فاعتبار هذا القيد لا بد منه، فمن لم يقصد ذلك؛ لم يحرم عليه الاحتكار. وظاهره: أن القاصد باحتكاره غلاء الأسعار على المسلمين داخل تحت النهي والوعيد؛ سواء كان بالمسلمين حاجة أم لا؛ لأن هذا القصد بمجرده كاف. أما إجبار المحتكر على البيع فجائز - إن لم يكن واجبا -؛ لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان على كل مكلف. ( [التسعير جائز عند الحاجة] :) (والتسعير) ؛ لحديث أنس عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، والبزار، وأبي يعلى: أن السعر غلا على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! سعر لنا؛ فقال: " إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى الله، وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال "؛ وصححه ابن حبان، والترمذي.

стр. 913

وفي الباب أحاديث. وفي " الهداية ": " ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس؛ فإن كان أرباب الطعام يتحكمون، ويتعدون في القيمة تعديا فاحشا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير؛ فحينئذ لا بأس به؛ بمشورة من أهل الرأي والبصر ". انتهى. ( [وضع الجوائح] :) (ويجب وضع الجوائح) ؛ الجائحة: الآفة التي تهلك الثمار والأموال؛ لحديث جابر: أن النبي ﷺ وضع الجوائح؛ أخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود. وأخرجه أيضا مسلم بلفظ: أمر بوضع الجوائح. وفي لفظ لمسلم، وغيره: " إن كنت بعت من أخيك ثمرا، فأصابتها جائحة؛ فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا؛ بم تأخذ مال أخيك؟ ! ". وفي الباب عن عائشة في " الصحيحين ". وعن أنس فيهما أيضا. وقد ذهب إلى ذلك: الشافعي، وأبو حنيفة، والليث، وسائر الكوفيين. قلت: وهو عند أبي حنيفة على الاستحباب، وعند الشافعي في القديم

стр. 914

على الوجوب، وفي الجديد على الاستحباب. ( [لا يصح سلف وبيع] :) (ولا يحل سلف وبيع) ؛ قال مالك: " وتفسير ذلك: أن يقول الرجل للرجل: آخذ سلعتك بكذا وكذا؛ على أن تسلفني كذا وكذا، فإن عقدا بيعهما على هذا؛ فهو غير جائز، فإن ترك الذي اشترط السلف ما اشترط منه؛ كان ذلك البيع جائزا ". قلت: وعليه أهل العلم. وفي " شرح السنة ": " هو أن يقول: أبيعك هذا الثوب بعشرة دراهم؛ على أن تقرضني عشرة دراهم؛ والمراد بالسلف هنا القرض، فهذا فاسد؛ لأنه جعل العشرة وفق القرض ثمنا للثوب، فإذا بطل الشرط سقط بعض الثمن، وصار ما يبقى من المبيع بمقابلة الباقي مجهولا " (١) . قال الماتن: قال مالك (٢) : هو - أي: السلف هنا - أن تقرض قرضا، ثم تبايعه عليه بيعا يزداد عليه، وهو فاسد؛ لأنه إنما تقرضه على أن تحابيه في الثمن.

стр. 915

وقد يكون السلف بمعنى السلم، وذلك مثل أن تقول: أبيعك عبدي هذا بألف؛ على أن تسلفني ماله في كذا وكذا. ( [لا يصح شرطان في بيع] :) (ولا شرطان في بيع) ؛ لحديث عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك ". أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -، وكذلك صححه ابن خزيمة، والحاكم. والشرطان في بيع؛ أن يقول: بعتك هذا بألف إن كان نقدا، وبألفين إن كان نسيئة (١) . وقيل: هو أن يقول: بعتك ثوبي بكذا؛ وعلي قصارته وخياطته. وفي " الحجة البالغة ": " ومعنى الشرطين: أن يشترط حقوق البيع، ويشترط شيئا خارجا منها؛ مثل أن يهبه كذا، أو يشفع له إلى فلان، أو إن احتاج إلى بيعه لم
следующие страницы →