وأخرج نحوه أحمد، والحاكم من حديث أبي هريرة (١) .
قلت: وعليه أهل العلم.
قال النووي في " شرح مسلم ":
" قال أصحابنا: الاحتكار المحرم: هو الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء، ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه.
فأما إذا اشتراه، أو جاء من قرية وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في الوقت؛ فليس باحتكار، ولا تحريم فيه.
وأما غير الأقوات؛ فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال؛ هذا تفصيل مذهبنا ".
وفي " الهداية ":
" يكره الاحتكار في أقوات الآدمي والبهائم؛ إذا كان ذلك في بلد يضر الاحتكار بأهله، ومن احتكر غلة ضيعته أو جلبه من بلد آخر؛ فليس بمحتكر ".
أقول: الحق: أن الأحاديث المطلقة في تحريم الاحتكار مقيدة بالطعام (٢) ،
стр. 912
فلا يصح ما قيل من تحريم احتكار قوت البهائم؛ والقياس له على قوت الآدمي قياس مع الفارق.
ولا يكون الاحتكار محرما إلا إذا كان لقصد أن يغلي ذلك على المسلمين - كما ورد في حديث أبي هريرة عند أحمد والحاكم -؛ فاعتبار هذا القيد لا بد منه، فمن لم يقصد ذلك؛ لم يحرم عليه الاحتكار.
وظاهره: أن القاصد باحتكاره غلاء الأسعار على المسلمين داخل تحت النهي والوعيد؛ سواء كان بالمسلمين حاجة أم لا؛ لأن هذا القصد بمجرده كاف.
أما إجبار المحتكر على البيع فجائز - إن لم يكن واجبا -؛ لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان على كل مكلف.
( [التسعير جائز عند الحاجة] :)
(والتسعير) ؛ لحديث أنس عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، والبزار، وأبي يعلى: أن السعر غلا على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! سعر لنا؛ فقال: " إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى الله، وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال "؛ وصححه ابن حبان، والترمذي.
стр. 913
وفي الباب أحاديث.
وفي " الهداية ":
" ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس؛ فإن كان أرباب الطعام يتحكمون، ويتعدون في القيمة تعديا فاحشا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير؛ فحينئذ لا بأس به؛ بمشورة من أهل الرأي والبصر ". انتهى.
( [وضع الجوائح] :)
(ويجب وضع الجوائح) ؛ الجائحة: الآفة التي تهلك الثمار والأموال؛ لحديث جابر: أن النبي ﷺ وضع الجوائح؛ أخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود.
وأخرجه أيضا مسلم بلفظ: أمر بوضع الجوائح.
وفي لفظ لمسلم، وغيره: " إن كنت بعت من أخيك ثمرا، فأصابتها جائحة؛ فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا؛ بم تأخذ مال أخيك؟ ! ".
وفي الباب عن عائشة في " الصحيحين ".
وعن أنس فيهما أيضا.
وقد ذهب إلى ذلك: الشافعي، وأبو حنيفة، والليث، وسائر الكوفيين.
قلت: وهو عند أبي حنيفة على الاستحباب، وعند الشافعي في القديم
стр. 914
على الوجوب، وفي الجديد على الاستحباب.
( [لا يصح سلف وبيع] :)
(ولا يحل سلف وبيع) ؛ قال مالك:
" وتفسير ذلك: أن يقول الرجل للرجل: آخذ سلعتك بكذا وكذا؛ على أن تسلفني كذا وكذا، فإن عقدا بيعهما على هذا؛ فهو غير جائز، فإن ترك الذي اشترط السلف ما اشترط منه؛ كان ذلك البيع جائزا ".
قلت: وعليه أهل العلم.
وفي " شرح السنة ":
" هو أن يقول: أبيعك هذا الثوب بعشرة دراهم؛ على أن تقرضني عشرة دراهم؛ والمراد بالسلف هنا القرض، فهذا فاسد؛ لأنه جعل العشرة وفق القرض ثمنا للثوب، فإذا بطل الشرط سقط بعض الثمن، وصار ما يبقى من المبيع بمقابلة الباقي مجهولا " (١) .
قال الماتن: قال مالك (٢) : هو - أي: السلف هنا - أن تقرض قرضا، ثم تبايعه عليه بيعا يزداد عليه، وهو فاسد؛ لأنه إنما تقرضه على أن تحابيه في الثمن.
стр. 915
وقد يكون السلف بمعنى السلم، وذلك مثل أن تقول: أبيعك عبدي هذا بألف؛ على أن تسلفني ماله في كذا وكذا.
( [لا يصح شرطان في بيع] :)
(ولا شرطان في بيع) ؛ لحديث عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك ".
أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -، وكذلك صححه ابن خزيمة، والحاكم.
والشرطان في بيع؛ أن يقول: بعتك هذا بألف إن كان نقدا، وبألفين إن كان نسيئة (١) .
وقيل: هو أن يقول: بعتك ثوبي بكذا؛ وعلي قصارته وخياطته.
وفي " الحجة البالغة ":
" ومعنى الشرطين: أن يشترط حقوق البيع، ويشترط شيئا خارجا منها؛ مثل أن يهبه كذا، أو يشفع له إلى فلان، أو إن احتاج إلى بيعه لم
стр. 916
يبع إلا منه، ونحو ذلك.
فهذان شرطان في صفقة واحدة ".
( [لا يصح بيعتان في بيعة] :)
(ولا بيعتان في بيعة) ؛ لحديث أبي هريرة عند أحمد، والنسائي، وأبي داود، والترمذي - وصححه: أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة.
ولفظ أبي داود: " من باع بيعتين في بيعة؛ فله أوكسهما أو الربا ".
وأخرجه أحمد من حديث عبد الله بن مسعود؛ قال: نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة.
قال سماك: هو الرجل يبيع البيع؛ فيقول: بنسء كذا؛ وبنقد كذا.
ورجاله رجال الصحيح.
وما ذكره سماك: هو معنى البيعتين في بيعة، وقد تقدم تفسير الشرطين في بيعة بمثل هذا؛ وليس بصحيح؛ بل المراد بالشرطين في بيعة: أن البيع واحد شرط فيه شرطان، وهنا البيع بيعان.
قلت: وفي " شرح السنة ": " فسروا البيعتين في بيعة على وجهين:
أحدهما: أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقدا؛ أو بعشرين نسيئة إلى سنة، فهو فاسد عند أكثر أهل العلم.
стр. 917
فإذا باعه على أحد الأمرين في المجلس؛ فهو صحيح لا خلاف فيه.
والآخر: أن يقول: بعتك عبدي هذا بعشرين ديناراً؛ على أن تبيعني جاريتك؛ فهذا فاسد؛ لأنه جعل ثمن العبد عشرين دينارا، وشرط بيع الجارية، وذلك شرط لا يلزم، وإذا لم يلزم ذلك؛ بطل بعض الثمن، فيصير ما بقي من المبيع في مقابلة الباقي مجهولا.
أما إذا جمع بين شيئين في صفقة واحدة؛ بأن باع دارا وعبدا بثمن واحد؛ فهو جائز، وليس من باب البيعتين في بيعة، إنما هي صفقة واحدة جمعت شيئين ".
وأما بيع الشيء بأكثر من سعر يومه مؤجلا (١) ؛ فأقول: الزيادة على سعر يوم البيع ليست من الربا في ورد ولا صدر؛ لأن الربا زيادة أحد المتساويين على الآخر، ولا تساوي بين الشيء وثمنه مع اختلاف جنسهما، فلا يصح أن يكون تحريم هذه الصورة لكونها ربا.
فإن قيل: إن تحريمها لكون الزيادة في مقابل التنفيس بالأجل فقط؛ فلا يخفى أن تحريم مثل ذلك مفتقر إلى دليل، والمسألة محتملة للبسط، وقد أفردها الماتن برسالة مستقلة سماها " شفاء العلل " في حكم الزيادة لأجل الأجل ".
ولكن يمكن الاستدلال لهذا المنع بما أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي - وصححه - (٢) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ
стр. 918
-: " من باع بيعتين في بيعة؛ فله أوكسهما أو الربا ".
وبما أخرجه أحمد، والبزار، والطبراني في " الكبير "، و " الأوسط " عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة.
قال سماك: هو الرجل يبيع المبيع، فيقول: هو بنساء كذا؛ وهو بنقد كذا.
قال في " مجمع الزوائد ": " رجال أحمد ثقات ".
فهذان الحديثان قد دلا على أن الزيادة لأجل النساء ممنوعة، ولهذا قال: " فله أوكسهما أو الربا ".
والأعيان التي هي غير ربوية داخلة في عموم الحديثين.
وقد ذهب الجمهور إلى جواز بيع الشيء بأكثر من بيع يومه لأجل النساء، ونازعوا في دلالة الحديثين المذكورين على محل النزاع.
(وربح ما لم يضمن) ؛ لما تقدم في دليل: " لا يحل سلف وبيع "، وهو أن يبيع شيئا لم يدخل في ضمانه؛ كالبيع قبل القبض.
( [لا يصح بيع ما ليس عند البائع] :)
(وبيع ما ليس عند البائع) ؛ لحديث حكيم بن حزام، قال: قلت: يا رسول الله! يأتيني الرجل؛ فيسألني عن البيع ليس عندي؛ أبيعه منه ثم أبتاعه
стр. 919
من السوق؟ فقال: " لا تبع ما ليس عندك ".
أخرجه أحمد، وأهل " السنن " (١) - وصححه الترمذي - وابن ماجه -.
والمراد بقوله: " ما ليس عندك ": أي: ما ليس في ملكك وقدرتك.
وفي معنى بيع ما ليس عنده: أن يبيع مال غيره بغير إذنه؛ لأنه غرر؛ لا يدري هل يجيزه غيره أو لا؟ وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الفضولي، ويكون موقوفا على إجازة المالك.
وبيع القطوط - عند أهل العلم -؛ لا يجوز؛ حتى تصل إلى من كتبت له فيملك، ثم يبيع.
والقط: الصك؛ ومنه قوله - تعالى -: ﴿عجل لنا قطنا﴾ .
( [جواز خيار الشرط] :)
(ويجوز بشرط عدم الخداع) ؛ لحديث ابن عمر (٢) في " الصحيحين "، قال: ذكر رجل (٣) لرسول الله ﷺ أنه يُخدع في البيوع؟ فقال: " من بايعت؛ فقل: لا خلابة ".
стр. 920
وفي الباب أحاديث.
والخلابة: الخديعة، وظاهره أن من قال بذلك ثبت له الخيار؛ سواء غبن أو لم يغبن (١) .
( [ثبوت خيار المجلس] :)
(والخيار في المجلس ثابت ما لم يتفرقا) ؛ لحديث حكيم بن حزام في " الصحيحين "، أن النبي ﷺ قال: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ".
وفيهما أيضا نحوه من حديث ابن عمر.
وأيضا في " الموطإ " من حديث ابن عمر بلفظ: أن رسول الله ﷺ قال: " المتبايعان؛ كل واحد منهما بالخيار على صاحبه؛ ما لم يتفرقا؛ إلا بيع الخيار ".
وفي الباب أحاديث.
وقد ذهب إلى إثبات خيار المجلس جماعة من الصحابة؛ منهم: علي
стр. 921
وأبو برزة الأسلمي، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم.
ومن التابعين: شريح، والشعبي، وطاوس، وعطاء، وابن أبي مليكة؛ نقل ذلك عنهم البخاري.
ونقل ابن المنذر القول به أيضا: عن سعيد بن المسيب، والزهري، وابن أبي ذئب من أهل المدينة، وعن الحسن البصري، والأوزاعي، وابن جريج، وغيرهم.
وبالغ ابن حزم فقال: لا يعرف لهم مخالف من التابعين؛ إلا النخعي وحده.
وحكاه صاحب " البحر " أيضا عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
وذهب الحنفية والمالكية وغيرهم إلى أنها إذا وجبت الصفقة؛ فلا خيار (١) .
والحق: القول الأول.
стр. 922
(٢ - باب الربا)
( [حكمه] :)
قال الله - تعالى -: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ ، وقال: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ ، وقال: ﴿وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ .
واتفق أهل العلم أن الربا من الكبائر، وأنه إذا وقع هذا العقد فهو باطل، ولا يجب إلا رد رأس المال، وإن كان ذو عسرة فحكمه الإنظار إلى الميسرة.
أقول: هذا الحكم يستفاد من كتاب الله - تعالى -، قال : ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾ ، ومفهوم الشرط يدل على جواز أخذ مال المربي مع عدم التوبة، ويستدل بهذه الآية أيضا على جواز أخذ ما ربح المربي من الربا، وهو ما زاد على رأس ماله؛ سواء تاب أو لم يتب.
فالحاصل: أن يجوز أخذ جميع ماله: الربح ورأس المال؛ مع عدم التوبة، ويجوز أخذ الربح فقط معها.
( [أصول الربويات] :)
(يحرم بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير
стр. 923
بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا مثلا بمثل يدا بيد) ، فإذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد، والستة الأجناس المذكورة هي المنصوص عليها في الأحاديث.
كحديث أبي سعيد بلفظ: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح: مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى (١) ؛ الآخذ والمعطي فيه سواء ".
وهو في " الصحيح "، وسائر الأحاديث في " الصحيحين "، وغيرهما هكذا؛ ليس فيها إلا ذكر الستة الأجناس.
وفي " الحجة البالغة ":
" وتفطن الفقهاء أن الربا المحرم يجري في غير الأعيان الستة المنصوص عليها، وأن الحكم متعد منها إلى كل ملحق بشيء منها ".
стр. 924
في " شرح السنة ":
" اتفق العلماء على أن الربا يجري في هذه الأشياء الستة التي نص الحديث عليها.
وذهب عامتهم إلى أن حكم الربا غير مقصور عليها بأعيانها؛ إنما ثبت لأوصاف فيها، ويتعدى إلى كل ما يوجد فيه تلك الأوصاف.
وذهبوا إلى أن الربا ثبت في الدراهم والدنانير بوصف؛ وفي الأشياء الأربعة بوصف آخر.
ثم اختلفوا في ذلك الوصف؛ فقال الشافعي: ثبت في الدراهم والدنانير بوصف النقدية، وقال أبو حنيفة: بعلة الوزن، حتى إن الربا يجري في الحديد والنحاس والقطن.
وقال الشافعي في القديم: ثبت في الأشياء الأربعة بوصف الطعم مع الكيل والوزن؛ كما قال سعيد بن المسيب.
وفي الجديد: ثبت فيها بوصف الطعم فقط، وأثبت في جميع الأشياء المطعومة مثل الثمار، والفواكه، والبقول، والأدوية.
وإنما قال ذلك في الجديد؛ لقوله ﷺ : " الطعام بالطعام مثلا بمثل "؛ علق الحكم باسم الطعام، فدل على أن مأخذ الاشتقاق علة.
وقال أبو حنيفة: ثبت في الأشياء الأربعة بوصف الكيل؛ حتى إن الربا يجري في الجص والنورة ".
стр. 925
وسيأتي ما يدفع ذلك كله.
( [بيان ما يلحق بأصول الربويات] :)
(وفي إلحاق غيرها بها خلاف) ؛ هل يلحق بهذه الأجناس المذكورة غيرها، فيكون حكمه حكمها في تحريم التفاضل والنساء؛ مع الاتفاق في الجنس، أو تحريم النساء فقط؛ مع الاختلاف في الجنس والاتفاق في العلة؟
فقالت الظاهرية: إنه لا يلحق بها غيرها.
ورجحه في " سبل السلام " (١) ؛ وقال:
" قد أفردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميناها: (القول المجتبى) ". انتهى.
وتفصيل ذلك في " مسك الختام ".
وذهب من عداهم إلى أنه يلحق بها ما يشاركها في العلة، واختلفوا في العلة ما هي؟ فقيل: الاتفاق في الجنس والطعم، وقيل: الجنس والتقدير بالكيل والوزن والاقتيات، وقيل: الجنس ووجوب الزكاة، وقيل: الجنس والتقدير بالكيل والوزن.
وقد يستدل لمن قال بالإلحاق بما أخرجه الدارقطني (٢) ، والبزار، عن
стр. 926
الحسن؛ من حديث عبادة وأنس، أن النبي ﷺ قال: " ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك؛ فإذا اختلف النوعان فلا بأس به ".
قد أشار إلى هذا الحديث صاحب " التلخيص " ولم يتكلم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح؛ وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، قال أحمد: لا بأس به، وقال يحيى بن معين - في رواية عنه -: ضعيف، وفي أخرى: ليس به بأس، وربما دلس، وقال ابن سعد والنسائي: ضعيف، وقال أبو زرعة: شيخ صالح، وقال أبو حاتم: رجل صالح. انتهى.
ولا يلزم من وصفه بالصلاح أن يكون ثقة في الحديث (١) ، وقال في " التقريب ": " صدوق سيئ الحفظ ".
стр. 927
ولا يخفاك أن الحجة لا تقوم بمثل هذا الحديث؛ لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم؛ فإنه حكم بالربا الذي هو من أعظم معاصي الله على غير الأجناس التي نص عليها رسول الله ﷺ ، وذلك يستلزم الحكم على فاعله بأنه مرتكب لهذه المعصية التي هي من الكبائر ومن القطعيات الشرعية.
ومع هذا؛ فإن هذا الإلحاق قد ذهب إليه الجمع الجم والسواد الأعظم، ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية فقط.
وهذا الحديث - كما يدل على إلحاق غير الستة بها -؛ كذلك يدل على أن العلة الاتفاق في الكيل والوزن؛ مع اتحاد الجنس.
ومما يدل على أن الربا يثبت في غير هذه الأجناس: حديث ابن عمر في " الصحيحين "، قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام؛ نهى عن ذلك كله.
وفي لفظ لمسلم: وعن كل ثمر بخرصه.
فإن هذا الحديث يدل على ثبوت الربا في الكرم والزبيب (١) ؛ ورواية مسلم تدل على أعم من ذلك.
ومما يدل على الإلحاق ما أخرجه مالك في " الموطإ "، عن سعيد بن
стр. 928
المسيب: أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان.
وأخرجه أيضا الشافعي، وأبو داود في " المراسيل "، ووصله الدارقطني في " الغريب عن مالك "، عن الزهري، عن سهل بن سعد، وحكم بضعفه، وصوب الرواية المرسلة، وتبعه ابن عبد البر.
وله شاهد من حديث ابن عمر عند البزار، وفي إسناده ثابت بن زهير، وهو ضعيف.
وأخرجه أيضا من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضا، وأبو أمية ضعيف.
وله شاهد أقوى منه؛ من رواية الحسن عن سمرة عند الحاكم (١) ، والبيهقي، وابن خزيمة.
ومما يؤيد ذلك حديث رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة، عند الترمذي في رخصة العرايا؛ وفيه: وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثمر بخرصه (٢) .
ومما يدل على أن المعتبر الاتفاق في الوزن: حديث أبي سعيد عند أحمد، ومسلم، بلفظ: " لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق؛ إلا
стр. 929
وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء ".
وأخرج أحمد، ومسلم، والنسائي من حديث أبي هريرة: " الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل ".
وعند مسلم، والنسائي، وأبي داود، من حديث فضالة بن عبيد، عن النبي ﷺ : " لا تبيعوا الذهب بالذهب؛ إلا وزنا بوزن ".
ومما ورد في اعتبار الكيل: حديث ابن عمر المتقدم وفيه: " وإن كان كرما أن تبيعه بزبيب كيلا "، وما سيأتي قريبا من النهي عن بيع الصبرة لا يعلم كيلها.
أقول: أما اختلاف مثبتي القياس في علة الربا؛ فليس على شيء من هذه الأقوال حجة نيرة، إنما هي مجرد تظننات وتخمينات؛ انضمت إليها دعاوى طويلة بلا طائل.
هذا يقول: العلة التي ذهب إليها ساقه إلى القول بها مسلك من مسالك العلة كتخريج المناط.
والآخر يقول: ساقه إلى ما ذهب إليه مسلك آخر كالسبر والتقسيم.
ونحن لا نمنع كون هذه المسالك تثبت بمثلها الأحكام الشرعية؛ بل نمنع اندراج ما زعموه علة في هذا المقام تحت شيء منها، فما أحسن الاقتصار على نصوص الشريعة؛ وعدم التكليف بمجاوزتها، والتوسع في تكليفات العباد بما هو تكليف محض.
стр. 930
ولسنا ممن يقول بنفي القياس؛ لكنا نقول بمنع التعبد به فيما عدا العلة المنصوصة، وما كان طريق ثبوته فحوى الخطاب.
وليس ما ذكروه ههنا من هذا القبيل؛ فليكن هذا المبحث على ذكر منك؛ تنتفع به في مسائل كثيرة.
قال الماتن ﵀ في كتابه " السيل الجرار ":
" ولا يخفاك أن ذكره ﷺ للكيل والوزن في الأحاديث؛ لبيان ما يتحصل به التساوي في الأجناس المنصوص عليها، فكيف كان هذا الذكر سببا لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل والوزن بهذه الأجناس الثابتة في الأحاديث؟ ﴿وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك؟﴾ وأي مناط استفيد منها؛ مع العلم أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي؛ كما قال: " مثلا بمثل سواء بسواء "؟ ﴿
وأما الاتفاق في الجنس والطعم كما قال الشافعي، واستدلوا على ذلك بما ثبت في " صحيح مسلم "، وغيره من حديث معمر بن عبد الله، قال: كنت أسمع النبي ﷺ يقول: " الطعام بالطعام مثلا بمثل "، وكان طعامنا يومئذ الشعير؛ فأقول: ذكر النبي ﷺ الطعام؛ فكان ماذا؟﴾ وأي دليل على أنه أراد بهذا الذكر الإلحاق؟ ﴿وأي فهم يسبق إلى كون ذلك هو العلة المعدية حتى تركب عليها القناطر وتبنى عليها القصور؟﴾ ويقال: هذا دليل على أن كل ما له طعم كان بيعه بما له طعم متفاضلا ربا! مع أن أول ما يدفع هذا الاستدلال الذهب والفضة؛ اللذان هما أول منصوص عليه في الأحاديث المصرحة بذكر الأجناس التي تحرم فيها الربا.
стр. 931
ومما يدفع القولين جميعا: أنه قد ثبت في الأحاديث: أن النبي ﷺ ذكر العدد؛ كما في حديث عثمان عند مسلم بلفظ: " لا تبيعوا الدينار بالدينارين "، وفي رواية من حديث أبي سعيد: " ولا درهمين بدرهم "، ولا يعتبر العدد أحد من أهل هذين القولين، ولا من غيرهم.
وقد وافقت المالكية الشافعي في الطعم، وزادت عليه الادخار والاقتيات؛ فوسعوا الدائرة بما ليس بشيء.
والحاصل (١) : أنه لم يرد دليل تقوم به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها بها ".
( [لا ربا مع اختلاف الأجناس] :)
(فإن اختلفت الأجناس جاز التفاضل إذا كان يدا بيد) ؛ لما ثبت في " الصحيحين " من حديث عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ ، قال: " الذهب بالذهب (٢) ، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح؛ مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم؛ إذا كان يدا بيد ".
стр. 932
وفي الباب أحاديث.
( [لا يجوز بيع الشيء بجنسه إلا بعد العلم بالمماثلة] :)
(ولا يجوز بيع الجنس بجنسه مع عدم العلم بالتساوي) ؛ لما وقع في الأحاديث الصحيحة من قوله ﷺ : " مثلا بمثل، سواء بسواء، وزنا بوزن "؛ فإن هذا يدل على أنه لا يجوز بيع الشيء بجنسه إلا بعد العلم بالمماثلة والمساواة، ومما يدل على ذلك حديث جابر عند مسلم، وغيره، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر - لا يعلم كيلها - بالكيل المسمى من التمر "؛ فإن هذا يدل على أنه لا يجوز البيع إلا بعد العلم.
(وإن صحبه غيره) ؛ أي: لا تأثير لمصاحبة شيء آخر لأحد المثلين؛ لحديث فضالة بن عبيد عند مسلم وغيره؛ قال: اشتريت قلادة يوم خيبر باثني عشر دينارا؛ فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ؟ فقال: " لا تباع حتى تفصل ".
وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف؛ منهم عمر بن الخطاب، وقال به الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وذهب جماعة منهم الحنفية إلى جواز التفاضل؛ مع مصاحبة شيء آخر إذا كانت الزيادة مساوية لما قابلها (١) .
стр. 933
( [لا يجوز بيع الشيء من المطعوم بجنسه أحدهما رطب والآخر يابس] :)
(ولا يبيع الرطب بما كان يابسا) ؛ لحديث ابن عمر المتقدم في النهي عن أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، وكذلك حديث رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة - المتقدمان -.
وفي " الموطإ " (١) حديث سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب؟ فقال رسول الله ﷺ : " أينقص الرطب إذا يبس؟ "، فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك.
قلت: وعليه الشافعي.
وهذا الحديث أصل في أنه لا يجوز بيع شيء من المطعوم بجنسه؛ أحدهما رطب والآخر يابس؛ مثل بيع الرطب بالتمر، وبيع العنب بالزبيب، وبيع اللحم الرطب بالقديد، وهذا قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب مالك، والشافعي، وصاحبا أبي حنيفة.
وجوزه أبو حنيفة (٢) وحده، ورده بالمتشابه من قوله - تعالى -: ﴿وأحل
стр. 934
الله البيع وحرم الربا﴾ ، وبالمتشابه من قياس في غاية الفساد، وهو قولهم: الرطب والتمر إما أن يكونا جنسين؛ وإما أن يكون جنسا واحدا، وعلى التقديرين؛ فلا يمنع بيع أحدهما بالآخر.
قال ابن القيم:
" وإذا نظرت إلى هذا القياس؛ رأيته مصادما للسنة أعظم مصادمة، ومع أنه فاسد في نفسه - بل هما جنس واحد أحدهما أزيد من الآخر قطعا بنية -؛ فهو أزيد أجزاء من الآخر بزيادة لا يمكن فصلها وتميزها، ولا يمكن أن يجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به عند الكمال؛ إذ هو ظن وحسبان، فكان المنع من بيع أحدهما بالآخر محض القياس، لو لم تأت به سنة، وحتى لو لم يكن ربا، ولا القياس يقتضيه؛ لكان أصلا قائما بنفسه يجب التسليم والانقياد له، كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة ". انتهى.
( [رخص ﷺ في بيع العرايا] :)
(إلا لأهل العرايا) ؛ لحديث زيد بن ثابت عند البخاري، وغيره: أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا؛ أن تباع بخرصها كيلا.
وفي لفظ (١) في " الصحيح ": رخص في العرية يأخذها أهل البيت (٢)
стр. 935
بخرصها تمرا يأكلونها رطبا.
وأخرج أحمد (١) ، والشافعي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم من حديث جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ " يقول - حين أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بخرصها -: " الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة ... ".
وفي الباب أحاديث.
والمراد: أن النبي ﷺ رخص للفقراء الذين لا نخل لهم أن يشتروا من أهل النخل رطبا يأكلونه في شجرة بخرصه تمرا.
والعرايا: جمع عرية، وهي في الأصل: عطية ثمر النخل دون الرقبة.
وقد ذهب إلى ذلك الجمهور، ومن خالف فالأحاديث ترد عليه.
قلت: العرية: فعيلة بمعنى مفعولة؛ من عراه يعروه إذا قصده، وهي عقد مقصود.
أو: بمعنى فاعلة من عري يعرى إذا خلع ثوبه كأنها عريت (٢) ، وهي:
стр. 936
بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض، والعنب في الشجر بزبيب فيما دون خمسة أوسق.
وقال محمد (١) : وبهذا نأخذ.
ولفظ البخاري في: (باب تفسير العرايا) (٢) : " قال مالك: العرية: أن يعري الرجل الرجل النخلة، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرخص له أن يشتريها منه بتمر.
وقال ابن إدريس (٣) : العرية: لا تكون إلا بالكيل من التمر يدا بيد، ولا تكون بالجزاف.
ومما يقويه قول ابن أبي حثمة بالأوسق الموسقة.
وقال ابن إسحاق: في حديثه عن نافع عن ابن عمر: كانت العرايا؛ أن يعري الرجل الرجل في ماله النخلة والنخلتين.
وقال يزيد (٤) : عن سفيان بن حسين: العرايا: نخل كانت توهب
стр. 937
للمساكين؛ فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، رخص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من التمر ". انتهى.
أقول: العرايا؛ أصلها أن العرب كانت تطوع على من لا ثمر له؛ كما يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة، وهي عطية اللبن دون الرقبة.
قال الجوهري في " الصحاح ":
" العرية: هي النخلة التي يعريها صاحبها رجلا محتاجا؛ بأن يجعل له ثمرها عاما؛ من عراه إذا قصده ". انتهى.
فرخص ﷺ لمن لا نخل لهم أن يشتري الرطب على النخل بخرصها تمرا؛ كما وقع في " الصحيحين " وغيرهما من حديث زيد بن ثابت.
وفي لفظ في " الصحيحين " من حديثه: رخص في العرايا يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا؛ يأكلونها رطبا.
وفي لفظ لهما من حديثه: ولم يرخص في غير ذلك.
فهذا جائز، والذي أخبرنا بتحريم الربا، ومنعنا من المزابنة هو الذي رخص لنا في العرايا، والكل حق وشريعة واضحة وسنة قائمة، ومن منع ذلك؛ فقد تعرض لرد الخاص بالعام، ولرد الرخصة بالعزيمة، ولرد السنة بمجرد الرأي، وهكذا من منع من البيع وجوز الهبة؛ كما روي عن أبي حنيفة ﵀، ولكن هذه الرخصة مقيدة بأن يكون الشراء بالوسق والوسقين والثلاثة والأربعة؛ كما وقع في حديث جابر عند الشافعي، وأحمد، وصححه
стр. 938
ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (١) ؛ فلا يجوز الشراء بزيادة على ذلك.
( [لا يجوز بيع اللحم بالحيوان] :)
(ولا بيع اللحم بالحيوان) ؛ لما تقدم (٢) قريبا من حديث سعيد بن المسيب عند مالك: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحيوان باللحم.
وقال سعيد (٣) : من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين.
وقال: نهى عن بيع الحيوان باللحم.
وقال أبو الزناد: كل من أدركت من أهل العلم ينهون عن بيع الحيوان باللحم؛ أي: من جنسه، وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره.
وفي " شرح السنة ":
" ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى تحريمه، وإليه ذهب الشافعي ".
وحديث ابن المسيب وإن كان مرسلا؛ لكن يتقوى بعمل الصحابة، واستحسن الشافعي مرسل ابن المسيب، وذهب جماعة إلى إباحته، واختارها المزني إذ لم يثبت الحديث، وكان فيه قول متقدم ممن يكون بقوله اختلاف، ولأن الحيوان ليس بمال الربا؛ بدليل أنه يجوز بيع حيوان بحيوانين، فبيع اللحم
стр. 939
بالحيوان بيع مال الربا بما لا ربا فيه، فيجوز ذلك في القياس؛ إلا أن يثبت الحديث فنأخذ به وندع القياس ".
وقال محمد في " الموطإ ": " وبهذا نأخذ؛ من باع لحما من لحم الغنم بشاة حية؛ لا يدري اللحم أكثر أو ما في الشاة أكثر؟ فالبيع فاسد مكروه، ولا ينبغي، وهذا مثل المزابنة والمحاقلة.
وكذا بيع الزيتون بالزيت، ودهن السمسم بالسمسم ".
أقول: والأحسن عندي أن معنى الحديث: أن يقول للقصاب: كم يخرج من هذه الشاة؟ فيقول القصاب: عشرون رطلا، فيقول: خذ هذه الشاة بعشرين رطلا من اللحم؛ إن خرج أكثر فلك، أو أقل فعليك.
وهذا نوع من القمار، ورجع الحديث إلى القياس.
( [يجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه] :)
(ويجوز بيع الحيوان باثنين أو أكثر من جنسه) ؛ لحديث جابر عند أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي -؛ قال: إن النبي ﷺ اشترى عبدا بعبدين.
وأخرجه أيضا مسلم في " صحيحه ".
وأخرج أيضا مسلم، وغيره من حديث أنس: أن النبي ﷺ اشترى صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي.
стр. 940
وأخرج أحمد (١) ، وأبو داود من حديث ابن عمرو: أن النبي ﷺ أمره أن يبعث جيشاً على إبل كانت عنده، قال فحملت الناس عليها حتى نفذت الإبل وبقيت بقية من الناس، قال: فقلت: يا رسول الله! الإبل قد نفذت، وبقيت بقية من الناس لا ظهر لهم، فقال لي: " ابتع علينا إبلا بقلائص من إبل الصدقة إلى محلها؛ حتى ينفذ هذا البعث "، قال: وكنت أبتاع البعير بقلوصين وثلاث قلائص من إبل الصدقة إلى محلها؛ حتى نفذت ذلك البعث، فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله ﷺ .
стр. 941
وفي إسناده محمد بن إسحاق، وفيه مقال، وقوى في " الفتح " إسناده.
وأخرج أحمد، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي -، وابن الجارود من حديث سمرة قال: نهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (١) .
وهو من رواية الحسن عن سمرة، ولم يسمع منه (٢) .
وقد جمع الشافعي بين الحديثين؛ بأن المراد به النسيئة من الطرفين؛ فيكون ذلك من بيع الكالئ بالكالئ؛ لا من طرف واحد؛ فيجوز.
وفي " الموطإ " (٣) : أن علي بن أبي طالب باع جملا له - يدعى عصيفر - بعشرين بعيرا إلى أجل، وأن عبد الله بن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه؛ يوفيها صاحبها بالربذة.
وسئل ابن شهاب عن بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل؟ فقال: لا بأس بذلك.
قال الشافعي: يجوز سواء كان الجنس واحدا أو مختلفا، مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم، سواء باع واحدا بواحد أو باثنين.
стр. 942
وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
وفي بيع الحيوان بالحيوان نسيئة خلاف.
( [لا يجوز بيع العينة] :)
(ولا يجوز بيع العينة) لحديث ابن عمر: " أن النبي ﷺ قال: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله؛ أنزل الله بهم بلاء؛ فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم ".
أخرجه أحمد (١) وأبو داود، والطبراني، وابن القطان - وصححه -، وقال الحافظ: " رجاله ثقات ".
والمراد بالعينة - بكسر العين المهملة -: بيع التاجر سلعته بثمن إلى أجل؛ ثم يشتريها منه بأقل من ذلك الثمن.
ويدل على المنع من ذلك: ما رواه أبو إسحاق السبيعي عن امرأته: أنها دخلت على عائشة، فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم فقالت: يا أم المؤمنين ﴿إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمان مئة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بست مئة نقدا؟ فقالت لها عائشة: بئسما اشتريت وبئسما شريت﴾ إن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل؛ إلا أن يتوب.
стр. 943
أخرجه الدارقطني (١) ، وفي إسناده الغالية بنت أيفع.
وقد روي عن الشافعي أنه لا يصح، وقرر كلامه ابن كثير في " إرشاده ".
وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وجوز ذلك الشافعي، وأصحابه.
وقد ورد النهي عن العينة من طرق؛ عقد لها البيهقي في " سننه " بابا.
أقول: أما بيع أئمة الجور وشراؤهم - على وجه التجارة مع رعاياهم -؛ فهذه المسألة قد عمت وطمت وكادت تطبق الأرض، وقد رأينا في كتب التواريخ حكايات عن ملوك مصر من الجراكسة، وذلك من أشدها وأعظمها جرما: أنهم إذا أرادوا بيع شيء لهم؛ أكرهوا التجار على شرائه بأضعاف ثمنه، وإذا أراد أحد منهم الامتناع ضربوه ضربا مبرحا، وأخذوا ماله كرها.
ومن ذلك: أنهم يمنعون الناس من الشراء من أحد من التجار؛ حتى ينفق ما يريدون بيعه من أموالهم، فيرتفع ثمنه لأجل ذلك، وينفق سريعا.
قال الماتن في " حاشية الشفاء ":
" وفي الديار اليمنية من هذا القبيل أنواع: منها: أنهم يرسمون صرف القرش بمقدار محدود من الضربة التي يضربونها من الفضة المغشوشة بالنحاس المغلوبة بالغش؛ على وجه لا تكون الفضة الخالصة إلا مقدار نصف الفضة التي في القرش، ثم إن الرعايا لا تمتثل هذا الرسم، بل يتعاملون في المصارفة
стр. 944
بزيادة على ذلك إلى مقدار الثلث أو الربع من ذلك الرسم، فإذا كان النقد خارجا من مال الدولة إلى غيرهم من الأجناد ونحوهم؛ كان على ذلك الرسم الناقص، وإذا كان النقد داخلا إلى أموال الدولة من الرعايا؛ لم يقبلوا منهم إلا القروش الفرانسة، أو الصرف الزائد الذي يتعامل به الرعية فيما بينهم، فيأخذون ثلث أموال الرعية أو ربعها ظلما، وإذا تزايد صرف القروش بين الرعايا؛ أمر الأمراء بكسر السكة، ويضربون ضربة أخرى مثل المكسورة في الخالص والغش، أو أكثر منها غشا، ثم يمنعون التعامل بتلك الضربة الأولى، فيبيعونها الرعايا وزنا من الدولة، فيأتي ثمن القفلة (١) منها بنصف قفلة من الضربة الأخرى، وقد يزيد قليلا، أو ينقص قليلا، ثم يأخذون تلك السكة الأولى ويضربونها على تلك الضربة الأخرى، ويدفعونها إلى الرعايا بصرف قد رسموه، فيأكلون بهذه الذريعة نصف أموال العباد، أو قريبا من ذلك، والرعايا لا يقدرون على الاستمرار على الرسم الذي يرسمونه لهم في صرف القروش من تلك الضربة؛ لأنهم يحتاجون إلى القروش الفرانسة في كثير من الحالات؛ لكونه لا ينفق لهم في المعاملة لتجار سائر الأرض إلا هي.
ومن الأنواع التي يأكلون بها أموال الرعايا أكلا ظاهرا، ويتجرون فيها اتجارا بينا: أنهم يجعلون ضرائب على الباعة في الأسواق؛ يجبرونهم على تسليمها؛ شاءوا أم أبوا، ثم يأذنون لهم بالزيادة في الأسعار، فيبيعون بما شاءوا ويصنعون بالناس ما أرادوا، وليس عليهم إلا الوفاء بالضرائب، فإذا استغاث مستغيث بالناس من زيادة الأسعار، أو أراد منكر أن ينكر على الباعة ما يفعلونه؛ قالوا: هذه الزيادات للدولة؛ فيلقمون المنكر والمستغيث حجرا.
стр. 945
وكم أعدد لك من هذه الأحبولات الشيطانية، التي هي السحت بلا شك ولا شبهة، نسأل الله أن يصلح الجميع ". انتهى.
ومن هذا القبيل: أنواع المكوس على أهل الدور والتجارات والضرائب المتنوعة التي لا تكاد تنحصر على الرعايا في الأشياء المختلفة، وكل ذلك من جهة الدول، ولا شكوى في ذلك من الكفرة الفجرة الذين استولوا على أكثر البلاد الإسلامية؛ بل من ملوك الإسلام وولاة المسلمين المدعين للتدين بالدين المحمدي، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
وانظر في كتابنا " إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة "؛ يتضح عليك الحق في هذا الباب من الباطل، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قال الماتن في " حاشية الشفاء ":
" اعلم أن باب المصارفة قد صار في هذه الأزمنة؛ بحيث لا يتمكن من الخلوص عن الدخول به في الربا البحت أحد؛ كما عرفناك فيما سبق ".
ثم إن الناس يحتاجون إلى التعامل بهذه الضربة في تصرفاتهم، ويضطرون إلى المصارفة بها إلى القرش الفرنجي بذلك المقدار المرسوم لهم، فيبيعون الفضة بالفضة مع العلم بالتفاضل، وهذا ربا بحت.
والعارف منهم يستروح إلى حيل قد رآها في كتب الفروع التي لا يرجع غالبها إلى دليل، وهي لا تغني من الحق شيئا.
وها نحن نعرفك بغالب ما يظنونه من الحيل مخلصا لهم من ورطة الربا.
стр. 946
فمن ذلك: أن بعض المتفقهة - الذين لا يعرفون لعلوم الاجتهاد رسما - قد أفتاهم بأنه لا ربا في المعاطاة، وأن الصرف الذي يفعله الناس الآن هو معاطاة لعدم وقوع العقد، وهذا المقصر لا يدري بأن أدلة الكتاب والسنة مصرحة بتحريم الربا من غير نظر إلى عقد؛ بل لم يعتبر الله في البيع إلا مجرد الرضا.
ومن ذلك: ما قاله أيضا بعض المصنفين في الفروع؛ أن الغش في كل واحد من البدلين يكون مقابلا للفضة في الآخر، وهذا لا يرضى به عاقل قط، وكيف يرضى العاقل أن يبيع تسع أواقي فضة بأوقية نحاس؟ ! فإن كان مراد هذا القائل أن ذلك مخلص عن الربا - سواء رضي كل واحد من المتبايعين بالبدل أم لم يرض -؛ فهذا جهل لا علم.
ومن ذلك: أن الغش في كل واحد من البدلين يكون جريرة مسوغة للصرف، وهذا يرده حديث القلادة؛ فإنه قد انضم إلى الفضة غيرها، ولم يجعل النبي ﷺ ذلك مسوغا للبيع، بل أمر بالفصل والتمييز بين الفضتين.
وقد ذكروا غير هذه الأمور؛ مما هو من السقوط بمكان لا يخفى على من له أدنى فطنة.
فإن قلت: فهل من مخلص من هذه الورطة التي وقع الناس فيها؟
قلت: نعم؛ ثم مخلص أرشد إليه رسول الله ﷺ ؛ وهو ما قاله لمن اشترى تمرا جيدا بتمر رديء؛ أحد التمرين جمع والآخر جنيب، وأخبره أنه
стр. 947
اشترى الصاع الجيد بصاعين من الرديء، فقال له رسول الله ﷺ : " إن ذلك ربا "، فسأل رسول الله: كيف يصنع؟ فقال: إنه يبيع التمر الرديء بالدراهم ثم يشتري بها التمر الجيد:
فهذه وسيلة شرعية ومعاملة نبوية، فمن أراد أن يصرف الدراهم المغشوشة بالقروش الفرنجية؛ فليشتر صاحب الدراهم - مثلا - بمقدار صرف القرش سلعة من صاحب القرش، ثم يبيعها منه بالقرش، ولا مخلص من ذلك إلا هذه الصورة.
ومن ظن أن ثم مخلصا في غيرها؛ فهو مخادع بنفسه بما هو صريح الربا المتوعد عليه بحرب من الله ورسوله.
وعلى الضارب لتلك الدراهم المغشوشة نصيبه من الإثم؛ لأنه حمل الناس على الربا، وألجأهم إلى الدخول فيه، وسن لهم هذه السنة الملعونة لقصد الحطام، وأكل أموال الناس بالباطل.
ولو كان ممتثلا لما أمر الله به من الرفق بالرعية، والعدل في القضية؛ لكان له بضرب الفضة الخالصة عن الغش مندوحة، وأقل أحوال المسلم أن يكون في رعاية مصالح الرعية؛ كالفرنج، فيجعل ضربته كضربتهم، حتى يرتفع الربا في المصارفة ". انتهى.
стр. 948
(٣ - باب الخيارات)
( [يجب على البائع بيان العيب] :)
(يجب على من باع ذا عيب أن يبينه؛ وإلا ثبت للمشتري الخيار) ؛ لحديث عقبة بن عامر عند ابن ماجه (١) ، والدارقطني، والحاكم، والطبراني - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
" المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب؛ إلا بينه ".
وقد حسن إسناده الحافظ في " الفتح ".
وأخرج نحوه أحمد (٢) ، وابن ماجه، والحاكم في " المستدرك " من حديث واثلة مرفوعا، وفي إسناده أبو جعفر الرازي، وأبو سباع، والأول مختلف فيه، والثاني مجهول.
стр. 949
وأخرج ابن ماجه (١) ، والترمذي، والنسائي، وابن الجارود، والبخاري تعليقا من حديث العداء بن خالد قال: كتب لي النبي ﷺ :
" هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله؛ اشترى منه عبدا - أو أمة - (٢) ؛ لا داء (٣) ، ولا غائلة، ولا خبثة (٤) - بكسر الخاء -؛ بيع المسلم المسلم ".
ويؤيد هذه الأحاديث: حديث: " من غشنا فليس منا "؛ وهو في " صحيح مسلم "، وغيره (٥) من حديث أبي هريرة.
فدلت هذه الأحاديث على أن من باع ذا عيب ولم يبينه؛ فقد باع بيعا لا يحل شرعا، فيكون المشتري بالخيار؛ إن رضيه فقد أثم البائع وصح البيع؛
стр. 950
لوجود المناط الشرعي وهو التراضي، وإن لم يرضه كان له رده؛ لأن العلم بالعيب كشف عن عدم الرضا الواقع حال العقد؛ فلم يوجد المناط الشرعي، ولما ورد في رد المعيب؛ وسيأتي.
( [الدخل والمنفعة بضمان الأصل] :)
(والخراج بالضمان) ؛ لحديث عائشة - عند أحمد (١) ، وأهل " السنن "، والشافعي - وصححه الترمذي -، وابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، وابن القطان، وابن خزيمة -: أن النبي ﷺ قضى أن الخراج بالضمان.
وفي رواية: أن رجلا ابتاع غلاما، فاستغله، ثم وجد به عيبا، فرده بالعيب، فقال البائع: غلة عبدي! فقال النبي ﷺ : " الغلة بالضمان ".
والمراد بالخراج: الدخل والمنفعة؛ أي: يملك المشتري الخراج الحاصل من المبيع بضمان الأصل الذي عليه؛ أي: بسببه.
قال مالك - في الرجل يشتري العبد؛ فيؤاجره بالإجارة العظيمة أو القليلة، ثم يجد به عيبا؛ يرد منه -:
" إنه يرده بذلك العيب، وتكون له إجارته وغلته، وذلك الأمر الذي