فمن ذلك: أن بعض المتفقهة - الذين لا يعرفون لعلوم الاجتهاد رسما - قد أفتاهم بأنه لا ربا في المعاطاة، وأن الصرف الذي يفعله الناس الآن هو معاطاة لعدم وقوع العقد، وهذا المقصر لا يدري بأن أدلة الكتاب والسنة مصرحة بتحريم الربا من غير نظر إلى عقد؛ بل لم يعتبر الله في البيع إلا مجرد الرضا.
ومن ذلك: ما قاله أيضا بعض المصنفين في الفروع؛ أن الغش في كل واحد من البدلين يكون مقابلا للفضة في الآخر، وهذا لا يرضى به عاقل قط، وكيف يرضى العاقل أن يبيع تسع أواقي فضة بأوقية نحاس؟ ! فإن كان مراد هذا القائل أن ذلك مخلص عن الربا - سواء رضي كل واحد من المتبايعين بالبدل أم لم يرض -؛ فهذا جهل لا علم.
ومن ذلك: أن الغش في كل واحد من البدلين يكون جريرة مسوغة للصرف، وهذا يرده حديث القلادة؛ فإنه قد انضم إلى الفضة غيرها، ولم يجعل النبي ﷺ ذلك مسوغا للبيع، بل أمر بالفصل والتمييز بين الفضتين.
وقد ذكروا غير هذه الأمور؛ مما هو من السقوط بمكان لا يخفى على من له أدنى فطنة.
فإن قلت: فهل من مخلص من هذه الورطة التي وقع الناس فيها؟
قلت: نعم؛ ثم مخلص أرشد إليه رسول الله ﷺ ؛ وهو ما قاله لمن اشترى تمرا جيدا بتمر رديء؛ أحد التمرين جمع والآخر جنيب، وأخبره أنه
стр. 947
اشترى الصاع الجيد بصاعين من الرديء، فقال له رسول الله ﷺ : " إن ذلك ربا "، فسأل رسول الله: كيف يصنع؟ فقال: إنه يبيع التمر الرديء بالدراهم ثم يشتري بها التمر الجيد:
فهذه وسيلة شرعية ومعاملة نبوية، فمن أراد أن يصرف الدراهم المغشوشة بالقروش الفرنجية؛ فليشتر صاحب الدراهم - مثلا - بمقدار صرف القرش سلعة من صاحب القرش، ثم يبيعها منه بالقرش، ولا مخلص من ذلك إلا هذه الصورة.
ومن ظن أن ثم مخلصا في غيرها؛ فهو مخادع بنفسه بما هو صريح الربا المتوعد عليه بحرب من الله ورسوله.
وعلى الضارب لتلك الدراهم المغشوشة نصيبه من الإثم؛ لأنه حمل الناس على الربا، وألجأهم إلى الدخول فيه، وسن لهم هذه السنة الملعونة لقصد الحطام، وأكل أموال الناس بالباطل.
ولو كان ممتثلا لما أمر الله به من الرفق بالرعية، والعدل في القضية؛ لكان له بضرب الفضة الخالصة عن الغش مندوحة، وأقل أحوال المسلم أن يكون في رعاية مصالح الرعية؛ كالفرنج، فيجعل ضربته كضربتهم، حتى يرتفع الربا في المصارفة ". انتهى.
стр. 948
(٣ - باب الخيارات)
( [يجب على البائع بيان العيب] :)
(يجب على من باع ذا عيب أن يبينه؛ وإلا ثبت للمشتري الخيار) ؛ لحديث عقبة بن عامر عند ابن ماجه (١) ، والدارقطني، والحاكم، والطبراني - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
" المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب؛ إلا بينه ".
وقد حسن إسناده الحافظ في " الفتح ".
وأخرج نحوه أحمد (٢) ، وابن ماجه، والحاكم في " المستدرك " من حديث واثلة مرفوعا، وفي إسناده أبو جعفر الرازي، وأبو سباع، والأول مختلف فيه، والثاني مجهول.
стр. 949
وأخرج ابن ماجه (١) ، والترمذي، والنسائي، وابن الجارود، والبخاري تعليقا من حديث العداء بن خالد قال: كتب لي النبي ﷺ :
" هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله؛ اشترى منه عبدا - أو أمة - (٢) ؛ لا داء (٣) ، ولا غائلة، ولا خبثة (٤) - بكسر الخاء -؛ بيع المسلم المسلم ".
ويؤيد هذه الأحاديث: حديث: " من غشنا فليس منا "؛ وهو في " صحيح مسلم "، وغيره (٥) من حديث أبي هريرة.
فدلت هذه الأحاديث على أن من باع ذا عيب ولم يبينه؛ فقد باع بيعا لا يحل شرعا، فيكون المشتري بالخيار؛ إن رضيه فقد أثم البائع وصح البيع؛
стр. 950
لوجود المناط الشرعي وهو التراضي، وإن لم يرضه كان له رده؛ لأن العلم بالعيب كشف عن عدم الرضا الواقع حال العقد؛ فلم يوجد المناط الشرعي، ولما ورد في رد المعيب؛ وسيأتي.
( [الدخل والمنفعة بضمان الأصل] :)
(والخراج بالضمان) ؛ لحديث عائشة - عند أحمد (١) ، وأهل " السنن "، والشافعي - وصححه الترمذي -، وابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، وابن القطان، وابن خزيمة -: أن النبي ﷺ قضى أن الخراج بالضمان.
وفي رواية: أن رجلا ابتاع غلاما، فاستغله، ثم وجد به عيبا، فرده بالعيب، فقال البائع: غلة عبدي! فقال النبي ﷺ : " الغلة بالضمان ".
والمراد بالخراج: الدخل والمنفعة؛ أي: يملك المشتري الخراج الحاصل من المبيع بضمان الأصل الذي عليه؛ أي: بسببه.
قال مالك - في الرجل يشتري العبد؛ فيؤاجره بالإجارة العظيمة أو القليلة، ثم يجد به عيبا؛ يرد منه -:
" إنه يرده بذلك العيب، وتكون له إجارته وغلته، وذلك الأمر الذي
стр. 951
كانت عليه الجماعة ببلدنا، وذلك لو أن رجلا ابتاع عبدا، فبنى له دارا قيمة بنيانها ثمن العبد أضعافا، ثم يوجد به عيب يرد منه؛ رده، ولا يحسب للعبد عليه إجارة فيما عمل له ذلك؛ فكذلك تكون له إجارته إذا آجره من غيره لأنه ضامن له ".
قلت: وعليه أهل العلم.
( [من حق المشتري الرد إذا تبين له الغرر] :)
(وللمشتري الرد بالغرر) ؛ لأن المشتري إنما رضي بالمبيع عند العقد قبل علمه بالغرر، فإذا تبين له الغرر؛ كشف عن عدم الرضا الذي هو المناط الشرعي.
( [التصرية حرام تثبت الخيار للمشتري] :)
(ومنه) ؛ أي: من ذلك الغرر (المصرّاة، فيردها وصاعا من تمر) ؛ فإنه ثبت الخيار فيها بوجود الغرر الكائن بالتصرية، وهو حبس اللبن في الضروع؛ ليخيل للمشتري غزارته فيغتر.
وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: " لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك؛ فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر ".
وفي رواية مسلم، وغيره: " من اشترى مصراة؛ فهو منها بالخيار ثلاثة أيام (١) ؛
стр. 952
إن شاء أمسكها؛ وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر لا سمراء (١) ".
قلت: وعليه الشافعي.
وفي " المنهاج ": " التصرية حرام؛ تثبت الخيار على الفور.
وقيل: يمتد ثلاثة أيام؛ فإن رد بعد تلف اللبن (٢) ؛ رد معها صاع تمر.
وقيل: يكفي صاع قوت.
والأصح: أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن ".
وفي " شرح السنة ".
" قال أبو حنيفة: لا خيار له بسبب التصرية، وليس له ردها بالعيب بعد ما حلبها.
وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف: يردها ويرد معها قيمة اللبن ".
قال في " الحجة البالغة ":
" واعتذر بعض من لم يوفق للعمل بهذا الحديث بضرب قاعدة من عند نفسه؛ فقال: كل حديث لا يرويه إلا غير فقيه، [إذا] (٣) انسد باب الرأي فيه؛ يترك العمل به.
стр. 953
وهذه القاعدة - على ما فيها -: لا تنطبق على صورتنا هذه؛ لأنه أخرجه البخاري (١) عن ابن مسعود أيضا، وناهيك به ﴿ولأنه بمنزلة سائر المقادير الشرعية يدرك العقل حسن تقدير ما فيه، ولا يستقل بمعرفة حكمه هذا القدر خاصة؛ اللهم إلا عقول الراسخين في العلم ". انتهى.
قال ابن القيم:
" ومنها رد المحكم الصحيح الصريح في مسألة المصراة بالمتشابه من القياس، وزعمهم أن هذا حديث يخالف الأصول فلا يقبل، فيقال: الأصول كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة والقياس الصحيح والموافق للكتاب والسنة.
فالحديث الصحيح أصل بنفسه، فكيف يقال: الأصل يخالف نفسه؟﴾ هذا من أبطل الباطل، والأصول في الحقيقة اثنان لا ثالث لهما: كلام الله - تعالى -، وكلام رسوله، وما عداهما فمردود إليهما.
فالسنة أصل قائم بنفسه، والقياس فرع؛ فكيف يرد الأصل بالفرع؟ !
قال الإمام أحمد: إنما القياس أن يقيس على أصل، فأما أن يجيء إلى
стр. 954
أصل فيهدمه ثم يقيس؛ فعلى أي يقيس؟ ﴿
وقد تقدم بيان موافقة حديث المصراة للقياس، وإبطال قول من زعم أنه خلاف القياس، وأنه ليس في الشريعة حكم يخالف القياس الصحيح.
وأما القياس الباطل؛ فالشريعة كلها مخالفة له.
ويا لله العجب﴾ كيف وافق الوضوء - بالنبيذ المشتد - الأصول حتى قبل؛ وخالف خبر المصراة الأصول حتى رد؟ ! ". انتهى.
والحاصل: أنه لم يرد ما يعارض حديث المصراة، ولم تصح الرواية بلفظ: " طعام أو بر "؛ بل الذي صح: الصاع من التمر.
وللحنفية أجوبة عن الحديث كثيرة، ليس على شيء منها أثارة من علم، وقد استوفاها الماتن في " شرح المنتقى "، ودفعها جميعها، ولا نؤثر على نصر الشارع شيئا، بل نقول: إذا تنازع بائع المصراة ومشتريها في قيمة اللبن المستهلك، وردّ المشتري صاعا من تمر؛ وجب على البائع قبوله، ولا يجاب إلى غيره ولو كان المثل موجودا.
نعم؛ إذا عدم التمر كان الواجب الرجوع إلى قيمته.
وكذلك إذا تراضى البائع والمشتري على قيمة أخرى؛ كان الرضا له حكمه.
وتمام هذا البحث في شرحنا ل " بلوغ المرام "؛ فليرجع إليه.
(أو ما يتراضيان عليه) ؛ لأن حق الآدمي مفوض إليه، فإذا رضي بأخذ
стр. 955
عوض عنه؛ جاز ذلك؛ كما لو رضي بإسقاطه أو أخذ بعضه.
( [من خدع في بيعه فله الخيار] :)
(ويثبت الخيار لمن خدع) ؛ فإن كان مع شرط عدم الخداع؛ فلا ريب في ذلك (لما تقدم من حديث ابن عمر: أن رجلا كان يُخدع في البيوع، فقال له رسول الله ﷺ : " من بايعت فقل: لا خلابة "، وهو في " الصحيحين "، و " الموطأ "، وزاد فيه:
فكان الرجل إذا بايع يقول: لا خلابة.
وقد ثبت أن النبي ﷺ جعل لحبان بن منقذ الذي كان يخدع في البيوع خيار ثلاثة أيام؛ كما في حديث ابن عمر في رواية منه، وكذلك في حديث غيره، وأما إذا لم يشترط؛ فالبيع الذي وقع ليس هو بيع المسلم إلى المسلم؛ بل هو مشتمل على الخبث والخداع والغائلة، فللمخدوع الخيار لكونه كذلك، ولكون الخداع كشفا عن عدم الرضا المحقق، الذي هو المناط؛ كما تقدم تقريره.
قلت: اختلفوا في تفسير هذا الحديث؛ فقال المحلي: " لا خلابة ": عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثة أيام.
وفي رواية البيهقي، وابن ماجه: " ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال ".
وقال محمد: نرى أن هذا كان لذلك الرجل خاصة؛ يريد أنه خيار الغبن، وليس بمطرد.
стр. 956
وفي " شرح السنة ":
" عند أحمد: الخبر عام في حق كافة الناس، إذا ذكر هذه الكلمة في البيع؛ كان له الرد إذا ظهر في بيعه الغبن، وسبيله سبيل من باع واشترى بشرط الخيار ".
في " المنهاج ": " لهما ولأحدهما شرط الخيار؛ وإنما يجوز في مدة معلومة، ولا تزيد على ثلاثة أيام ".
( [من باع قبل وصول السوق فله الخيار] :)
(أو باع قبل وصول السوق) ؛ لحديث أبي هريرة عند مسلم، وغيره قال: نهى النبي ﷺ أن يُتلقى الجلب؛ فإن تلقاه إنسان فابتاعه؛ فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق (١) .
وتلقي الجلب: هو أن يقدم ركب بتجارة، فيتلقاه رجل قبل أن يدخلوا البلد ويعرفوا السعر، فيشتري منهم بأرخص من سعر البلد، وهذا مظنة ضرر للبائع؛ لأنه إن نزل بالسوق كان أغلى له، ولذلك كان له الخيار إذا عثر على الضرر.
( [البيعان بالخيار إذا وقع البيع على صورة محرمة] :)
(ولكل من المتبايعين - بيعا منهيا عنه - الرد) ؛ كتلك الصور المتقدمة؛ ووجهه: أن النهي إن كان مقتضيا للفساد المرادف للبطلان - كما تقرر في
стр. 957
الأصول -؛ فوجود العقد كعدمه، وهو غير لازم لواحد منهما، فالرد بالخيار هو بمعنى الرد لما هو غير لازم، وإن كان النهي غير مقتض للفساد؛ فوقوع العقد على صورة من تلك الصور؛ إن رضيه كل واحد منهما؛ فقد حصل المناط الشرعي وهو الرضا، وإن لم يحصل الرضا منهما، أو من أحدهما لوقوعه على وجه يخالف الشرع؛ فقد فقد المناط.
( [من اشترى شيئا ولم يره فله رده إذا رآه] :)
(ومن اشترى شيئا لم يره؛ فله رده إذا رآه) ؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا:
" من اشترى ما لم يره؛ فله الخيار إذا رآه ".
أخرجه الدارقطني، والبيهقي (١) ، وفي إسناده عمر بن إبراهيم الكردي، وهو ضعيف (٢) ولكنهما أخرجا عن مكحول مرسلا، عن النبي ﷺ نحوه؛ وفي إسناده - أيضا - أبو بكر بن أبي مريم (٣) ؛ وهو ضعيف (٢) ، ومثل هذا لا تقوم به الحجة.
ولكن الخيار في الغالب يمكن الاستدلال عليه بأحاديث النهي عن الغرر؛ فإن ما لم يقف الإنسان على حقيقته لا يخلو عن نوع غرر؛ سواء كان بعناية
стр. 958
البائع أم لا، وأيضا لا بد من حصول المناط الشرعي وهو التراضي، فإذا لم يرض المشتري بالمبيع عند رؤيته؛ فقد فقد الرضا وعدم المصحح.
( [من اشترى شيئا بخيار فله رده] :)
(وله رد ما اشتراه بخيار) ، وذلك نحو أن يشتري شيئا على أن له فيه الخيار مدة معلومة؛ لما ورد في الأحاديث الصحيحة الواردة في خيار المجلس بلفظ: " كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا؛ إلا بيع الخيار "، وفي لفظ: " إلا أن يكون صفقة خيار "، وهما في " الصحيحين "، وفيهما ألفاظ بهذا المعنى، ولكنه قد اختلف في تفسير بيع الخيار، فقيل هذا، وقيل غيره.
ويؤيد ثبوت خيار الشرط ما تقدم من حديث من كان يخدع في البيوع: أن النبي ﷺ قال له: " إذا بايعت فقل: لا خلابة "، وفي بعض الروايات: " ولك الخيار ثلاثة أيام "، وقد تقدم ذلك.
( [القول للبائع إذا اختلف البيعان] :)
(وإذا اختلف البيعان؛ فالقول ما يقوله البائع) ؛ لحديث ابن مسعود - عند أحمد (١) ، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وصححه الحاكم، وابن السكن - قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 959
" إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة؛ فالقول ما يقول صاحب السلعة؛ أو يترادان ".
وفي لفظ: " والمبيع قائم بعينه ".
وفي لفظ: " إذا اختلف البيعان والمبيع مستهلك؛ فالقول قول البائع ".
وفي لفظ: " ولا بينة لأحدهما ".
وفي الباب روايات كثيرة؛ قد استوفاها المصنف في " نيل الأوطار ".
وحاصلها يفيد أن القول قول البائع، وقد قيل: إن هذا الحديث مخصص لأحاديث أن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين، وسيأتي.
وقيل: بينهما عموم وخصوص من وجه، فظاهر حديث: " القول ما يقول البائع ": أن القول قوله؛ سواء كان مدعيا أو مدعى عليه، وظاهر حديث: " على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين ": أن القول قول المنكر مع يمينه؛ سواء كان بائعا أو غير بائع.
وقد تقرر أنه إذا تعارض عمومان - كما نحن بصدده -؛ وجب المصير إلى الترجيح إن أمكن؛ والترجيح ههنا ممكن، فإن حديث: " على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين " أصح من حديث: " فالقول قول البائع "؛ ومقتضى هذا الترجيح: أن القول لا يكون قول البائع؛ إلا إذا كان منكرا غير مدع؛ من غير فرق بين المبيع الباقي والتالف، ولكنه يرشد إلى الجمع ما رواه أحمد (١) في
стр. 960
" زوائد المسند "، والدارمي، والطبراني من حديث ابن مسعود الذي فيه: " فالقول ما يقول البائع " بزيادة: " والسلعة قائمة "؛ ولكن في إسناد هذه الزيادة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف لسوء حفظه، فلا يصلح للجمع بين الحديثين بها.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك اختلافا طويلا.
قال مالك:
" الأمر عندنا في الرجل يشتري السلعة، فيختلفان في الثمن؛ فيقول البائع: بعتكها بعشرة دنانير، ويقول المبتاع: ابتعتها منك بخمسة دنانير: أنه يقال للبائع: إن شئت فأعطها المشتري بما قال، وإن شئت فاحلف بالله ما بعت سلعتك إلا بما قلت.
فإن حلف قيل للمشتري: إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع، وإما أن تحلف بالله ما اشتريتها إلا بما قلت، فإن حلف بريء منها، وذلك أن كل واحد منهما مدع على صاحبه ".
وفي " شرح السنة ":
" ولا فرق عند الشافعي بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة؛ في أنهما
стр. 961
يتحالفان ويرد قيمة السلعة، وإليه رجع محمد بن الحسن.
وذهب أبو حنيفة إلى أنهما لا يتحالفان بعد هلاك السلعة عند المشتري، بل القول قول المشتري مع يمينه.
فإذا اختلفا في الأجل أو الخيار أو الرهن أو الضمين؛ فهو عند الشافعي كالاختلاف في الثمن يتحالفان، وقال أبو حنيفة: القول قول من ينفيها (١) ، ولا تحالف عنده إلا عند اختلاف الثمن ".
وفي " الحجة البالغة ":
" القول قول صاحب المال؛ لكن المبتاع بالخيار؛ لأن البيع مبناه على التراضي " (٢) .
стр. 962
(٤ - باب السلم)
( [شروط السلم] :)
(١ - [أن يكون الثمن نقدا] :)
(هو) نوع مخصوص من أنواع البيع؛ فلا يجوز أن يكون المالان مؤجلين؛ لأن ذلك هو بيع الكالئ بالكالئ، وقد تقدم المنع منه؛ فلا بد أن يكون رأس المال مدفوعا عند العقد.
(٢ - [أن يقبض الثمن في المجلس] :)
(أن يسلم رأس المال في مجلس العقد) ، وقد وقع الاتفاق على أنه يشترط فيه ما يشترط في البيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس، وقد شرط في السلم جماعة من أهل العلم شروطا لم يدل عليها دليل.
(٣ - [أن يكون البيع معلوما كيلا أو وزنا إلى أجل معلوم] :)
(على أن يعطيه ما يتراضيان عليه معلوما إلى أجل معلوم) ؛ لما ثبت في " الصحيحين "، وغيرهما من حديث ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: " من أسلف؛ فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم ".
стр. 963
وأخرج أحمد، والبخاري من حديث عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله ابن أبي أوفى، قالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ ، وكان يأتينا أنباط (١) من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلى أجل مسمى؛ قيل: أكان لهم زرع أو لم يكن؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.
وفي لفظ لأحمد، وأهل " السنن " - إلا الترمذي -: وما نراه عندهم.
في " شرح السنة ":
" السلف له معنيان في المعاملات: أحدهما: القرض؛ والثاني: السلم.
ومعناه عند الشافعي: لو كان مؤجلا اشترط معرفة الأجل، ولو كان مكيلا أو موزونا؛ اشترط معرفة الكيل أو الوزن، وفهم معرفة الجنس والوصف بالأولى ".
وفي " الوقاية ":
" يصح فيما يعلم قدره وصفته؛ لا فيما لا يعلم قدره وصفته كالحيوان، وشروطه بيان جنسه ونوعه وصفته، وقدره معلوما، وأجله معلوما، وأقله شهر ".
وفي " الحجة البالغة ":
" قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين
стр. 964
والثلاث، فقال: " من أسلف في شيء؛ فليسلف في كيل ووزن إلى أجل معلوم "، وذلك لترتفع المناقشة بقدر الإمكان، وقاسوا عليها الأوصاف التي يبين بها الشيء من غير تضييق، ومبنى القرض على التبرع من أول الأمر، وفيه معنى الإعارة، فلذلك جازت النسيئة وحرم الفضل ". انتهى.
( [شروط لم يدل عليها دليل] :)
أقول: أما اعتبار الجنس والصفة؛ فليس في الحديث ما يدل عليه، وكذلك اشتراط تعيين المكان ليس في الحديث ما يدل عليه، وإنما اعتبر تعيين هذه الأمور لرفع التشاجر من بعد.
ولا يخفى أن الرجوع إلى النوع المعهود، أو الصفة المعهودة، أو إلى الأوسط من ذلك يرفع التشاجر، وكذلك يرفع التشاجر في تعيين المكان إلى الأصل، وهو عدم وجوب الإيصال على المسلم إليه، والرجوع إلى البلدة التي هي وطنه، أو بلد إقامته؛ يرفع ذلك أيضا.
فالحاصل: أن شروط السلم تعيين الجنس المسلم فيه؛ وكونه معلوما بكيل أو وزن، وكونه إلى أجل معلوم، فهذه ثلاثة شروط، ولم يدل الدليل على اشتراط غيرها.
( [إذا عجز البائع عن تسليم المبيع وأقاله المبتاع فله ما دفع إليه] :)
(ولا يأخذ إلا ما سماه أو رأس ماله) ؛ لحديث ابن عمر - عند الدارقطني -، قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 965
" من أسلف شيئا؛ فلا يشترط على صاحبه غير قضائه " (١) .
وفي لفظ: " من أسلف في شيء؛ فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله ".
قال مالك:
" الأمر عندنا فيمن أسلف في طعام بسعر معلوم إلى أجل مسمى، فحل الأجل، فلم يجد المبتاع عند البائع وفاء مما ابتاع منه فأقاله؛ فإنه لا ينبغي له أن يأخذ إلا ورقه أو ذهبه، أو الثمن الذي دفع إليه بعينه ".
( [لا يتصرف المبتاع بالمبيع إلا بعد تسلمه] :)
(ولا يتصرف فيه قبل قبضه) ؛ لما أخرجه أبو داود من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " من أسلم في شيء؛ فلا يصرفه إلى غيره ".
وفي إسناده عطية بن سعيد العوفي، وفيه مقال.
стр. 966
والمعنى: أنه لا يحل جعل المسلم فيه ثمنا لشيء قبل قبضه (١) ، ولا يجوز بيعه قبل القبض.
وقد اختلف أهل العلم في ذلك.
قال مالك:
" لا يشتري منه بذلك الثمن شيئا حتى يقبضه منه، وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه، أو صرفه في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه؛ فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى ".
قلت: وعليه أهل العلم.
في " الوقاية ":
" ولم يجز التصرف في رأس المال والمسلم فيه؛ كالشركة والتولية قبل قبضه ".
وفي " المنهاج ":
" ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه، ولا الاعتياض عنه " (١) .
стр. 967
(٥ - باب القرض)
( [يجب على المقترض إرجاع ما اقترضه] :)
(يجب إرجاع مثله) ؛ لأنه إذا وقع التعاطي على أن يكون القضاء زائدا على أصل الدين؛ فذلك هو الربا، بل قد ورد ما يدل على أن مجرد الهدية من المستقرض للمقرض ربا؛ كما أخرجه البخاري (١) عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام، فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاش، فإذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت (٢) ؛ فلا تأخذنه فإنه ربا.
( [يجوز الإحسان من المقترض للمقرض بدون شرط] :)
(ويجوز أن يكون أفضل أو أكثر إذا لم يكن مشروطا) ؛ لحديث جابر في " الصحيحين "، قال: أتيت النبي ﷺ ، وكان لي عليه دين؛ فقضاني وزادني.
وفي " الصحيحين " أيضا من حديث أبي هريرة، قال: كان لرجل على
стр. 968
النبي ﷺ سن من الإبل، فجاء يتقاضاه، فقال: " أعطوه "، فطلبوا سنه، فلم يجدوا إلا سنا فوقها، فقال: " أعطوه "، فقال: أوفيتني أوفاك الله! فقال النبي ﷺ : " إن خيركم أحسنكم قضاء ".
وأخرج نحوه مسلم، وغيره من حديث أبي رافع.
وهذا الحديثان - كما يدلان على جواز أن يكون القضاء أفضل -؛ يدلان على أنه يصح قرض الحيوان، وإليه ذهب الجمهور.
ومنع من ذلك الكوفيون (١) .
( [يحرم أي نفع يجره القرض للمقرض] :)
(ولا يجوز أن يجر القرض نفعا للمقرض) (٢) ؛ لحديث أنس - عند ابن ماجه -: أنه سئل عن الرجل يقرض أخاه المال فيهدي إليه؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه، أو حمله على الدابة؛ فلا يركبها ولا يقبله؛ إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك ".
وفي إسناده يحيى بن إسحاق الهنائي، وهو مجهول، وفي إسناده أيضا
стр. 969
عتبة بن حميد الضبي، وقد ضعفه أحمد، والراوي عنه إسماعيل بن عياش، وهو أيضا ضعيف (١) .
وقد أخرج البخاري في " التاريخ "؛ من حديث أنس، عن النبي ﷺ ، قال:
" إذا أقرض فلا يأخذ هدية " (٢) .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود، وأبي كعب، وعبد الله بن سلام، وابن عباس في " السنن الكبرى " موقوفا عليهم:
إن كل قرض جر منفعة؛ فهو وجه من وجوه الربا ".
وأخرج البيهقي أيضا نحو ذلك في " المعرفة " عن فضالة بن عبيد؛ موقوفا عليه.
وقد تقدم ما أخرجه البخاري عن عبد الله بن سلام (٣) .
стр. 970
وقد أخرجه الحارث بن أبي أسامة من حديث علي: أن النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة.
وفي رواية: " كل قرض جر منفعة فهو ربا ".
وفي إسناده سوار بن مصعب، وهو متروك.
وما في الباب من الأحاديث (١) والآثار؛ يشهد بعضها لبعض.
стр. 971
(٦ - باب الشفعة)
والأصل فيها دفع الضرر عن الجيران والشركاء.
( [ما سبب الشفعة ؟] :)
(سببها الاشتراك في شيء ولو منقولا) ؛ لعموم الأحاديث الواردة في ذلك؛ كحديث جابر في " البخاري "، وغيره: أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق (١) ؛ فلا شفعة.
وأخرجه أيضا بنحو هذا اللفظ أهل " السنن ".
وحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا قسمت الدار وحدت؛ فلا شفعة فيها ".
أخرجه أبو داود، وابن ماجه، بإسناد رجاله ثقات (٢) .
وأخرج مسلم، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم من حديث جابر: أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم.
وأخرج البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا: " الشفعة في كل شيء "،
стр. 972
ورجاله ثقات؛ إلا أنه أعل بالإرسال (١) .
وأخرج الطحاوي له شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس به (٢) .
( [القسمة تبطل الشفعة] :)
(فإذا وقعت القسمة فلا شفعة) ؛ لما في هذه الأحاديث من التصريح بأنها في الشيء الذي لم يقسم، ثم فسر القسمة بقوله: " فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق؛ فلا شفعة ".
فالأحاديث الواردة في مطلق شفعة الجار - كأحاديث: " الجار أحق بسقبه (٣) "، وهي ثابتة في " الصحيحين " وغيرهما -؛ مقيدة بعدم القسمة؛ لأن الجار - كما يصدق على الملاصق -؛ يصدق على المخالط.
وأما تقييد شفعة الجار باتحاد الطريق - كما في حديث جابر عند أحمد،
стр. 973
وأبي داود، وابن ماجه، والترمذي - وحسنه -، قال: قال النبي ﷺ : " الجار أحق بشفعة جاره؛ ينتظر بها إن كان غائبا؛ إذا كان طريقهما واحدا " -؛ فهذا الحديث يؤيد ما قلناه من أنه لا شفعة إلا للخليط؛ لأن الطريق إذا كانت واحدة؛ فالخلطة كائنة فيها، ولم تقع القسمة الموجبة لبطلان الشفعة؛ لعدم تصريف الطرق.
فالحق: أن سبب الشفعة هو واحد فقط، وهو الشركة قبل القسمة؛ والخلطة الكائنة بين الشريكين في المشترك بينهما، أو في طريقه، أو في مجاريه، أو منبعه، فما قيل من أن من أسبابها الاشتراك في الطريق، والاشتراك في قرار النهر أو مجاري الماء؛ هو راجع إلى السبب الذي ذكرناه؛ لأن الاشتراك في طريق الشيء، أو في سواقيه؛ هو اشتراك في بعض ذلك الشيء.
والحاصل: أن هذه الأحاديث مخصصة لذلك العموم؛ لأن الظاهر من قوله: " فلا شفعة "؛ أن القسمة مانعة من ثبوت الشفعة؛ سواء كانت القسمة بين المشتري والشفيع، أو متقدمة؛ كما تفيده النكرة الواقعة في سياق النفي.
وقد حقق الماتن المقام في رسالة مستقلة؛ أورد فيها جميع ما ورد في الشفعة من الأدلة، وجمع بينها جمعا نفيسا، فليرجع إليها (١) .
стр. 974
وقد حكى في " البحر " عن علي، وعثمان، وعمر، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وعبيد الله بن الحسن، والإمامية: أن الشفعة لا تثبت إلا بالخلطة.
وحكي عن أبي حنيفة، وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن سيرين: أن الشفعة تثبت بالجوار، واستدلوا بالأحاديث الواردة في شفعة الجار.
قال في " شرح السنة ":
" اتفق أهل العلم على ثبوت الشفعة للشريك في الربع (١) المنقسم؛ إذا باع أحد الشركاء نصيبه قبل القسمة؛ فللباقين أخذه بالشفعة بمثل الثمن الذي وقع عليه البيع، وإن باع بشيء متقوم من ثوب أو عبد؛ فليأخذ بقيمته.
واختلفوا في ثبوت الشفعة للجار:
قال الشافعي: لا شفعة للجار.
وذهب أبو حنيفة إلى ثبوت الشفعة للجار.
وفي " المنهاج ": " وكل ما لو قسم بطلت منفعته - كحمام ورحى -؛ لا شفعة فيه في الأصح (٢) ".
стр. 975
وفي " الموطإ ": عن عثمان بن عفان: لا شفعة في بئر ولا نخل (١) .
قال في " الحجة البالغة ": " أرى أن الشفعة شفعتان: شفعة يجب على المالك أن يعرضها على الشفيع، فيما بينه وبين الله، وأن يؤثره على غيره، ولا يجبر عليها في القضاء، وهي للجار الذي ليس بشريك.
وشفعة يجبر عليها في القضاء، وهي للجار الشريك فقط، وهذا وجه الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب ". انتهى.
والحق ما قدمناه.
( [بيان أنه لا يحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه] :)
(ولا يحل للشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه) ؛ لحديث جابر عند مسلم وغيره: أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم - ربعة أو حائط -؛ لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باعه ولم يؤذنه؛ فهو أحق به.
( [لا تبطل الشفعة بالتراخي] :)
(ولا تبطل بالتراخي) ؛ لما في الأحاديث الواردة في الشفعة من الإطلاق.
وأما ما أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ: " لا شفعة لغائب
стр. 976
ولا لصغير، والشفعة كحل العقال ": ففي إسناده محمد بن عبد الرحمن البيلماني، وهو ضعيف جدا، وقال ابن حبان: لا أصل للحديث، وقال أبو زرعة: منكر، وقال البيهقي: ليس بثابت، ولا يصح تأييد هذا الحديث الباطل بما روي من قول شريح؛ فإنه لا حجة في ذلك.
على أن هذا الحديث قد اشتمل على ثلاثة أحكام: نفي شفعة الغائب، ونفي شفعة الصغير، واعتبار الفور، وقد هُجر ظاهره في الحكمين الأولين، فكان ذلك مفيدا لترك الاحتجاج به في الحكم الثالث، على فرض أنه غير باطل.
والحاصل: أنه ليس في اشتراط الفورية ما يصلح متمسكا كما لا يخفى على عارف، وقد ثبتت الشفعة بتلك الأحاديث الصحيحة، فتقييد الثبوت بقيد لا دليل عليه مستلزم لإبطال ما يستفاد من أحاديث الثبوت من الإطلاق بدون حجة؛ وذلك باطل.
فالحق: أن الشفعة لا تبطل بالتراخي؛ لأن دفع الضرر الذي شرعت لأجله لا يختص بوقت دون وقت.
وما قيل من أن إثباتها مع التراخي يستلزم الإضرار بالمشتري - لأن ملكه يكون معلقا -: ممنوع، والسند أن ملكه مستقر يتصرف به كيف يشاء، غاية ما هناك أن للشفيع حقا؛ متى طلبه وجب، وليس ذلك من التعليق في شيء، ولا إضرار في ذلك بحال (١) .
стр. 977
(٧ - باب الإجارة)
( [الأدلة على مشروعية الإجارة] :)
قال الله - تعالى في قصة موسى وشعيب ﵉ ﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ ، وقال - تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾ .
في هذه الآية مشروعية الإجارة مطلقا، ومشروعية الإجارة بتسليم نفسه للخدمة، وعليه أهل العلم، وتدل أيضا على أنه إن أطلق الخدمة؛ فهي محمولة على المتعارف، ولا يضرها الجهالة في الجملة؛ لأن الإرضاع والرعي لا يضبتان حق الضبط.
(تجوز على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي) ؛ لإطلاق الأدلة الواردة في ذلك؛ كحديث أبي سعيد، قال: نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره.
أخرجه أحمد (١) ؛ ورجال إسناده رجال الصحيح.
стр. 978
وأخرجه أيضا البيهقي، وعبد الرزاق، وإسحاق في " مسنده "، وأبو داود في " المراسيل "، والنسائي في (المزارعة) ؛ غير مرفوع (١) .
ولفظ بعضهم: " من استأجر أجيرا؛ فليسم له أجرته ".
ولإطلاق حديث أبي هريرة - عند البخاري، وأحمد، قال: قال رسول الله ﷺ : " يقول الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا؛ فاستوفى منه ولم يوفه أجره " (٢) .
وقد استأجر النبي ﷺ دليلا عند هجرته إلى المدينة؛ كما في " البخاري " وغيره.
وثبت في حديث أبي هريرة عند البخاري، قال: قال النبي ﷺ : " ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم "، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: " نعم؛ كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ".
وأخرج أحمد (٣) ، وأهل " السنن " - وصححه الترمذي - من حديث سويد بن قيس، قال: جلبت أنا ومخرمة (٤) العبدي بزا من هجر، فأتينا به مكة،
стр. 979
فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي، فساومنا سراويل فبعناه، وثم رجل يزن بالأجر، فقال له: " زن وأرجح ".
وفيه أنه ﷺ لم يذكر قدر أجرته؛ بل أعطاه ما يعتاده في مثل ذلك، وقد كان الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - يؤجرون أنفسهم في عصره ﷺ ، ويعملون الأعمال المختلفة، حتى إن عليا آجر نفسه من امرأة على أن ينزع لها كل ذنوب بتمرة، فنزع ستة عشر ذنوبا، حتى مجلت (١) يداه، فعدت له ست عشرة تمرة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأكل معه منها؛ أخرجه أحمد (٢) من حديث علي بإسناد جيد.
وأخرجه أيضا ابن ماجه، وصححه ابن السكن.
وأخرجه البيهقي (٣) ، وابن ماجه من حديث ابن عباس: أن عليا آجر نفسه من يهودي؛ يسقي له كل دلو بتمرة.
стр. 980
وأما المانع الشرعي؛ فهو مثل الصور التي سيأتي ذكرها.
( [مشروعية تقدير الأجرة عند الاستئجار] :)
(وتكون الأجرة معلومة عند الاستئجار) ؛ لحديث أبي سعيد المتقدم.
( [إذا لم تقدر الأجرة عند الاستئجار فله أجرة مثيله] :)
(فإن لم تكن) أجرته (كذلك) ؛ أي: معلومة (استحق الأجير مقدار عمله عند أهل ذلك العمل) ؛ لحديث سويد بن قيس السابق، ولكون ذلك هو الأقرب إلى العدل.
وأما أجرة القسام فأقول: القسام أجير كسائر الأجراء، يستحق أجرته ممن عمل له، فإن كانت مسماة لم يستحق سواها، وإن كانت غير مسماة كانت له [أجرة] (١) مثله على حسب العمل، ولكنه لا يُجعل له من الأجرة ما يُجعل لمن يزاول الأعمال الوضيعة؛ لأن مرجع صناعة القسمة إلى العلم، وهو أشرف صناعة دينا ودنيا، ولا يجعل له ما يجعل للقسامين في هذا العصر من الأجرة؛ التي تكاد تبلغ إلى مقدار نصيب بعض المقتسمين، فإن ذلك من الظلم البحت، بل يسلك به مسلكا وسطا، وتكون الأجرة على مقدار الأنصباء، فيكون على كل واحد من الشركاء بمقدار نصيبه.
وأما ما يروى عن بعض أهل العلم؛ أن أجرة القسام تكون نصف عشر التركة، أو ربع عشرها؛ فمجازفة لا ترجع إلى دليل؛ بل إعانة لظلمة القسامين على أكل أموال الناس بالباطل، ولقد تفاحش كثير من الحكام
стр. 981
ونوابهم في هذا الأمر، وصنعوا صنيع من لا يخشى تبعة في الدنيا والآخرة، نسأل الله السلامة!
مع أن من كان منهم يأخذ مقررا من بيت المال؛ لا يستحق على القسمة شيئا من الأجرة؛ لأنه قد صار مستغرق المنافع، فكما أنه لا يأخذ أجرة على قضائه؛ كذلك لا يأخذ أجرة على القسمة؛ لأن الكل من مصالح المسلمين؛ التي أخذ نصيبا من بيت المال في مقابلة القيام بها بحسب طاقته.
( [كسب الحجام مكروه وأجرة الكاهن والزانية حرام] :)
(وقد ورد النهي عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن) ؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ نهى عن كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن الكلب.
أخرجه أحمد (١) برجال الصحيح.
وأخرجه أيضا الطبراني في " الأوسط ".
ومثله من حديث رافع بن خديج عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، والترمذي - وصححه -، وهو أيضا في " صحيح مسلم " (٢) .
وفي " الصحيحين "، وغيرهما، عن أبي مسعود البدري، قال: نهى النبي
стр. 982
صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن.
(وعسب الفحل) ، وقد تقدم الكلام على ثمن الكلب، وعلى عسب الفحل في البيع.
والمراد بمهر البغي: ما تأخذه الزانية على الزنا، والمراد بحلوان الكاهن: عطية الكاهن لأجل كهانته، والحلوان بضم الحاء المهملة: مصدر حلوته إذا أعطيته.
وقد استدل بما تقدم بعض أهل الحديث، فقال: إنه يحرم كسب الحجام، وقد ورد في معنى ما تقدم أحاديث، وفي بعضها التصريح (١) بأنه خبيث وأنه سحت.
وذهب الجمهور إلى أنه حلال لحديث أنس في " الصحيحين "، وغيرهما: أن النبي ﷺ احتجم؛ حجمه أبو طيبة، وأعطاه صاعين من طعام، وكلم مواليه فخففوا عنه (٢) .
وفيهما أيضا من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم؛ وأعطى الحجام أجره، ولو كان سحتا لم يعطه (٣) .
والأولى الجمع بين الأحاديث؛ بأن كسب الحجام مكروه غير حرام؛ إرشادا منه ﷺ إلى معالي الأمور، ويؤيد ذلك حديث محيصة بن مسعود - عند أحمد،
стр. 983
وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات (٤) -: أنه كان له غلام حجام، فزجره النبي ﷺ عن كسبه، فقال له: ألا أطعمه أيتاما لي؟ قال: " لا "، قال: أفلا أتصدق به؟ قال: " لا "، فرخص له أن يعلفه ناضحه.
فلو كان حراما بحتا؛ لم يرخص له أن يعلفه ناضحه، ويستفاد منه أن إعطاءه ﷺ الحجام لا يستلزم أن يأكله أهله، حتى لا تتعارض الأحاديث، فقد يكون مكروها لهم، ويكون وصفه بالسحت والخبث مبالغة في التنفير.
وقد يمكن الجمع؛ بأن المنع عن مثل ما منع منه محيصة، والإذن بمثل ما أذن له ورخص له فيه (١) .
стр. 984
( [نهى ﷺ عن أجر المؤذن] :)
(وأجر المؤذن) ؛ لحديث عبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ قال لعثمان بن أبي العاص: " واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا "، وفي لفظ: " لا تتخذ مؤذنا يأخذ على أذانه أجرا "، والحديث في " الصحيح " (١) .
( [نهي النبي ﷺ عن قفيز الطحان] :)
(وقفيز الطحان) ؛ لحديث أبي سعيد، قال: نهى رسول الله ﷺ عن قفيز الطحان.
أخرجه الدارقطني، والبيهقي؛ وفي إسناده هشام أبو كليب (٢) ؛ قيل: لا يعرف، وقد أورده ابن حبان في " الثقات "، ووثقه مغلطاي.
وقفيز الطحان: هو أن يطحن الطعام بجزء منه.
وقيل: المنهي عنه طحن الصبرة (٣) - لا يعلم قدرها - بجزء منها.
стр. 985
( [جواز الاستئجار على تلاوة القرآن] :)
(ويجوز الاستئجار على تلاوة القرآن (١)) ؛ لحديث ابن عباس عند البخاري، وغيره (٢) : أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ، أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق، فإن في الماء رجلا لديغا أو سليما؟ فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرا؟ ﴿حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله﴾ أخذ على كتاب الله أجرا! فقال رسول الله ﷺ : " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ".
وفي لفظ من حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: " أصبتم؛ اقتسموا واضربوا لي معكم سهما "، وضحك النبي ﷺ ، والحديث في " الصحيحين " بألفاظ.
وفي حديث خارجة بن الصلت، عن عمه؛ في رقية المجنون بفاتحة الكتاب: أن النبي ﷺ قال: " خذها؛ فلعمري؛ من أكل برقية باطل؛ فقد أكلت برقية حق ".
أخرجه أحمد (٣) ، وأبو داود، والنسائي.