← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 92

أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي ت الشوامي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (380 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]» (١). وبهذا الإسناد، قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. قال: يُقَال: نَزَلت قَبْل تَحْريم الخَمْر، وأَيُّمَا كان نُزُولُها، قَبل تَحريم الخَمْرِ أو بَعْدُ، فَمَن صَلَّى سَكْرَانًا (٢) لَم تَجُز صَلاتُه؛ لِنَهْي اللهِ إيَّاه عن الصَّلاة، حتى يَعلمَ ما يَقُول وإِنْ مَعقُولًا: أَنَّ الصَّلاة: قَولٌ، وعملٌ، وإمْسَاك في مَواضِعَ مُخْتَلِفَة، ولا يُؤَدِّي هذا -كَمَا أُمِر به، إلا مَن عَقَلَه» (٣). وبهذا الإسناد، قال: قال الشَّافِعِيُّ: «قال اللهُ ﵎: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]، وقال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فَذَكَر اللهُ الأذَانَ للصَّلاة، وذَكَر يَومَ الجُمُعَة، فَكان بَيِّنًا واللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّه أرادَ المَكْتُوبَة بالآيَتَين مَعًا، وسَنَّ رَسولُ الله ﷺ الأَذَان للمَكْتُوبات» (٤).

стр. 107

(٣٣) أخبرنا أبو عَبدِ اللهِ الحَافِظُ، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشَّافِعِيُّ، حدثنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجَاهِدٍ، ... ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] قال: «لا أُذْكَرُ، إلا ذُكِرتَ أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأشهدُ أَنَّ محمدًا رَسولُ الله» (١). قال الشافعي: «يعني واللَّهُ أَعْلَم: ذِكْرَهُ عندَ الإيمانِ باللهِ، والأَذَان، ويُحْتَمل: ذِكْرَه عندَ تِلاوَة القُرآن، وعِندَ العَمَل بالطَّاعَة، والوُقُوف عَن المَعْصَية» (٢). واحتج فى فضل التعجيل بالصلوات، بقول الله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ودُلُوكُها: مَيْلُها. وبقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه]، وبقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والمحافظةُ على الشيء: تَعْجيله (٣). وقال في موضع آخر: «ومَنْ قَدَّمَ الصَّلاةَ في أَوَّلِ وَقْتِهَا، كان أَوْلَى بالمُحَافَظة عليها، مِمَّن أَخَّرَها عن أَوَّلِ الوَقْتِ (٤)» (٥).

стр. 108

وقال في قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]: «فذهبنا إلى أَنها الصبح»، -ثم علق القول فيها، فقال: - «وكان أَقَلُّ ما في الصُّبح -إن لم تكن هي- أَن تَكُونَ مِمَّا أُمِرْنَا بالمُحَافَظة عَلَيه» (١). وذكر- في رواية المُزَنِي، وحَرْمَلَةَ (٢) - حديثَ أبي يُونُس، مَوْلى عائشةَ ﵂ أنها أَمْلَت عليه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، والصَّلاةِ الوُسْطَى، وصَلَاةِ العَصْرِ﴾، ثم قالت: «سَمعْتُها مِن رَسُولِ الله ﷺ » (٣). قال الشَّافِعِيُّ: «فَحَديثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ على أَنَّ الصَّلَاةَ الوُسْطَى، لَيْسَت صَلَاة العَصْر». قال: «واخْتَلَف بَعضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَرُويَ عن عَلِيٍّ، ورُوِي عن ابن عَبَّاسٍ، أنها: الصُّبح، وإلى هَذَا نَذْهَبُ، ورُوي عن زَيد بنِ ثَابتٍ: الظُّهر، وعن غيره: العَصْر». ورُوي فيه حديثًا عن النبي ﷺ . قال الشَّيخُ: «الذي رواه الشَّافِعِيُّ في ذلك، عن عَلِيٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ؛ فيما رَوَاه مَالِكٌ في المَوطَّإ (٤) عنهما، فيما بَلَغَه، ورَوَيْنَاه مَوْصُولًا، عن ابنِ

стр. 109

عَبَّاسٍ (١) وابنِ عُمَر (٢)، وهو قَولُ عَطَاءٍ، وطَاوُوس، ومُجَاهِد، وعِكْرِمَةَ». وَرَوْينا عن عَاصِمٍ، عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ، عن عَلِيٍّ ﵁ قال: «كُنَّا نَرى أنها صلاة الفجر، حتى سمعتُ رَسولَ الله ﷺ يومَ الأَحْزَاب: يَقُول: «شَغَلُونَا عَن صَلاةِ الوُسْطَى، صَلاةِ العَصْر حتى غَابَت الشَّمْسُ، مَلأَ اللهُ قُبورَهُم وأجْوَافَهُم نَارًا» (٣). وروايته في ذلك -عن النبي ﷺ صحيحة، عن عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ (٤)، وغَيرهِ عنه، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مَسْعُود (٥)، وبه قال أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وأبو أَيُّوبَ، وأبو هُرَيرةَ (٦)، وعبدُ اللهِ بن عَمرو، وفي إحدى الروايتين، عن ابن عُمر، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعائشة ﵃» (٧). وقَرأتُ في كتاب حَرْمَلَةَ، عن الشَّافِعِيِّ في قول الله : ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، فَلم يَذكُر في هِذه الآيةِ مَشْهُودًا غَيْرَهُ، والصَّلواتُ مَشْهُودَات، فَأَشْبَه أَن يَكُونَ قَولُه: ﴿مَشْهُودًا﴾ بِأكْثَرَ مِمَّا تُشْهَد

стр. 110

به الصَّلوات، أو أَفْضَل، أو مَشْهُودًا بنزول الملائكة» (١). يُريدُ صَلاةَ الصُّبْح. (٣٤) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشَّافِعِيُّ ﵀: «فَرَضَ اللهُ ﵎ الصلواتِ، وأَبَانَ رَسولُ الله ﷺ عَددَ كُلِّ واحِدَة مِنْهُنَّ، وَوَقْتَها، وما يُعْمَل فِيهِنِّ، وفي كُلِّ وَاحِدَةٍ منهن، وأَبانَ اللهُ أَنَّ مِنْهُنَّ نَافِلَةً وفَرضًا، فقال لِنَبِيِّه ﷺ : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] الآية. ثُم أَبَان ذَلِكَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فكان بَيِّنًا واللَّهُ أَعْلَمُ إِذْ (٢) كان مِن الصَّلاةِ نَافلةٌ وفرضٌ، وكان الفَرضُ منها مُؤقتًا؛ أَلَّا يُجزئُ عنه أن يصلي صلاة، إلا بأن يَنْوِيَهَا مُصَلِّيها» (٣). وبهذا الإسناد، قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. قال الشافعي: وأحب أن يقول حين يفتتح القرآن (٤): أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأي كلام استعاذ به، أجزأه» (٥). وقال -في الإملاء- بهذا الإسناد: «ثُم يَبتَدِئُ، فَيَتعَوَّذ، ويقول: أَعُوذُ بالسَّمِيع العَلِيم، أو يقول: أعوذُ باللهِ السَّمِيع العَلِيم، أو أَعوذُ بالله أن يَحْضُرُون؛ لقول الله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].

стр. 111

قال الشافعي في كتاب البُوَيْطِيِّ: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ (١): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر]. وهي: أُمُّ القُرآن، أَوَّلُها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾». (٣٥) أخبرنا أبو زَكَريَّا ابنُ أَبي إِسْحَاقَ-في آخرين- قالوا: أخبرنا أبو العَبَّاس محمدُ بنُ يَعقُوبَ، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشَّافعِيُّ، أخبرنا ... عبدُ المَجِيد، عن ابن جُرَيْج، قال: أخبرني أبي، عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر]: «هِي أُمُّ القُرآن». قال أبي: وقرأها عَليَّ سعيدُ بنُ جُبَير، حتى ختمها، ثم قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية السابعة. قال سَعيدٌ: وقرأها عَليَّ ابنُ عَبَّاس، كما قَرَأْتها عَليك، ثم قال ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية السابعة. قال ابن عباس: فَذَخَرَهَا لكم، فما أَخْرَجَها لِأَحَدٍ قَبْلَكُم» (٢). قال الشافعيُّ-في رواية حَرْمَلَةَ عنه-: «وكان ابنُ عَبَّاسٍ يَفْعَلُه -يعني يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم- ويقول: انْتَزَع الشَّيطَانُ منهم خَيْرَ آيَةٍ في القرآن (٣). وكان يقول: كان النَّبِيُّ ﷺ لا يَعْرِفُ خَتْم السُّورَة، حتى تنزل: ... ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (٤).

стр. 112

(٣٦) أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشَّافعيُّ «قال الله ﵎ لنبيه ﷺ : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل]. وأَقَلُّ التَّرتيل: تَرْكُ العَجَلَةِ في القُرآنِ عن الإِبَانَة، وكُلَّما زَاد عَلى أَقَلِّ الإبانة في القِراءة (١)، كان أَحَبَّ إليَّ، ما لم يَبْلُغ أَن تَكون الزِّيادَةُ فيه تَمْطِيطًا» (٢). قرأت في كتاب «المُخْتَصَر الكَبِير» فيما رواه أبو إبراهيم المُزَنِيُّ، عن الشافعي ﵀ أنه قال: «أَنْزَل اللهُ على رَسولِه ﷺ فَرْضَ القِبْلَة بِمَكَّة، فكان يُصَلي في نَاحِية يَسْتَقبلُ منها البَيتَ، وبَيتَ المَقْدِس، فَلمَّا هَاجَر إلى المَدِينَة، اسْتَقْبَل بيتَ المَقْدِس، مُوَلِّيًا عن البَيتِ الحَرَام سِتَّة عَشَر شَهْرًا، وهو يُحِبُّ لو قَضَى اللهُ إليه باستقبالِ البَيتِ الحَرَام؛ لأَنَّ فيه مَقَامَ أَبيه إِبْرَاهِيمَ، وإِسْماعِيلَ، وهو المَثَابَةُ للنَّاسِ والأَمْن، وإليه الحَجُّ، وهو المَأْمُورُ بهِ أَن يُطَهَّر للطَّائِفينَ، والعَاكِفِينَ، والرُّكَّع السُّجُود، مع كَرَاهِية رَسولِ اللهِ ﷺ لِمَا وَافَق اليَهُودَ، فقال لِجِبريلَ ﵇: «لَوَدِدْتُ أَنَّ رَبِّي صَرَفَنِي عَن قِبْلَة اليَهُود إلى غَيْرها، فَأنزلَ اللهُ : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: فَثَمَّ الوَجْه الذي وَجَّهَكُم الله إليه، فقال جبريلُ ﵇ للنبي ﷺ : يا مُحَمَّدُ، أَنا عَبْدٌ مَأمُورٌ مِثْلك، لا أملكُ شيئًا، فَسَلِ اللهَ، فسأل النبيُّ ﷺ رَبَّه أن يُوَجِّهَهُ إلى البَيْتِ الحَرَام، وصَعَد جِبريلُ ﵇ إلى السماء،

стр. 113

فَجَعل النَّبيُّ ﷺ يُدِيمُ طَرْفَه إلى السَّمَاء؛ رَجَاء أَنْ يَأْتِيَه جِبريلُ ﵇ بما سأل، فَأنزَلَ اللهُ : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٤٤ - ١٥٠]» (١). «وفي قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] يُقال: يَجِدُونَ -فيما نَزَل عَلَيْهِم- أَنَّ النَّبيَّ الأُمِّيَّ مِن وَلَدِ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ ﵉، يَخرُجُ مِن الحَرَم، وتَعُود قِبْلَتُه في صَلاتِه إلى مَخْرَجِه، يعني: الحرم». وفي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] قيل في ذلك واللَّهُ أَعْلَمُ: «لا تَستَقبِلوا المَسجدَ الحَرامَ مِن المدينة، إلا وأنتم مُسْتَدبِرُوا (٢) بيتِ المَقْدِس، وإِنْ جِئتُم مِن جِهة نَجْد اليَمَن، فكنتم تستقْبِلُونَ (٣) البيتَ الحَرَام، وبَيتَ المَقْدِس؛ استقبلتُم المَسجدَ الحَرام، لا أَنْ أَرَدْتُكُم (٤) بيتَ المَقْدِس-وإِنِ اسْتَقْبَلْتُمُوه باسْتِقبَالِ (٥) المَسجد الحَرام-لأنكم

стр. 114

كذلك تستقبلون ما دونه، ووراءه، لا إرادةَ أن يكونَ قِبْلَةً، ولَكِنَّه جِهَةَ قِبْلَةٍ». «وقيل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ في استقبال قِبْلَةِ غَيْرِكُم». «وقيل: في تَحويلِكُم عن قِبلَتِكُم التي كنتم عليها، إلى غيرها، وهذا أشبه ما قيل فيها واللَّهُ أَعْلَمُ؛ لقول الله : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة]، فَأَعْلَم اللهُ نَبِيَّه ﷺ أَنْ لا حُجَّةَ عَليهم في التَّحويل، يعني: لا يَتَكَلَّم في ذَلك أَحَدٌ بشيءٍ يُريدُ الحُجَّةَ إلَّا الذِين ظَلمُوا مِنهُم، لا أَنَّ لَهُم حُجَّة؛ لأنَّ عليهم أن يَنصَرِفُوا عن قِبْلَتِهم، إلى القبلة التي أُمِرُوا بها». «وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣] يقول: إلا لِنَعلَم أَنْ قَد عَلِمتُم مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ، وعِلْمُ اللهِ كَان قَبْل اتِّبَاعِهم وبَعْدَه سَوَاء». «وقد قال المسلمون: فكيف بما مَضَى مِن صَلَاتِنَا، ومَن مَضَى مِنَّا؟ فَأعْلَمَهُم اللهُ : أَنَّ صَلَاتَهُم إيْمَانٌ فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية». «ويقال: إِنَّ اليَهودَ قَالت: البِرُّ في اسْتقبال المَغْرِب، مَنْ كَان بِبَلْدَة بَيتِ المَقْدِس له مغرب، وقالت النصارى: البر في استقبال المَشْرق بِكُلِّ حَال، فَأنزلَ اللهُ فيهم: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: وأنتم مشركون؛ لأنَّ البِرَّ لا يُكْتَب لِمُشْركٍ، فلما حَوَّلَ اللهُ رَسولَه ﷺ إلى المسجد الحرام صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ أَكثرَ صَلاتِه، مِمَّا يَلِي الباب مِن وَجْه الكَعْبَة، وقَد صَلَّى مِن وَرائِها وصلى الناسُ، مُطِيفِينَ بالكَعْبَةِ،

стр. 115

مُسْتَقْبِلِيها كُلِّها، مُسْتَدبِرينَ ما وَرَاءَها مِن المَسجد الحرام». «قال: وقوله : ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فَشَطْرُه، وتِلْقَاؤُه، وَجِهَتُهُ: وَاحِد في كَلام العَرَب». واستدل عَليه بِبعضِ ما في كتاب «الرسالة» (١). (٣٧) أخبرنا أبو عَبدِ اللهِ الحَافِظُ، حدثنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الربيعُ، أخبرنا الشَّافعيُّ ﵀، قال: «قال الله ﵎: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]. فَفَرضَ عليهم حَيثُ مَا كانُوا أَن يُوَلُّوا وُجُوهَهُم شَطْرَه. وشَطْرُه: جِهَتُهُ في كلام العَرَب، إذا قُلْتَ: أَقْصِدُ شَطْرَ كَذَا، مَعُروفٌ أنك تَقُول: أَقْصِدُ قَصْدَ عَيْنِ كذا، يعني (٢): قَصْد نفس كذا. وكذلك تِلقَاءُه وجِهَتُهُ، أي: أَسْتَقْبل تِلْقَاءَه وجِهَتَه، وكُلُّها معنى واحد، وإن كانت بألفاظٍ مختلفة. قال خُفَافُ ابنُ نُدْبَةَ (٣): أَلَا مَن مُبَلِّغٌ عَمْرًا رَسُولًا ... ومَا تُغْنِي الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو

стр. 116

وقال سَاعِدَةُ بنُ جُؤَيَّةَ (١): أَقولُ لِأُمِّ زِنْبَاعٍ: أَقِيمِي ... صُدُورَ العِيسِ، شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ وقال لَقِيطٌ الإِيَادِيُّ (٢): وقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ ... هَوْلٌ لَهُ ظُلْمٌ تَغْشَاكُمُ قِطَعَا وقال الشاعر (٣): إِنَّ العَسِيبَ بها دَاءٌ مُخَامِرُها ... فَشَطْرَهَا بَصَرُ العَيْنَينِ مَسْحُورُ قال الشافعي ﵀: يُريدُ: تِلْقَاءَها بَصَرُ العَيْنَين، ونَحوَها، تَلقَاء جِهَتِها.

стр. 117

وهذا كُلُّه -مَع غَيْره مِن أَشْعَارِهِم- يُبَيِّنُ أَنَّ شَطْرَ الشَّيءِ: قَصْدُ عَيْنِ الشَّيء، إذا كان مُعَايَنًا، فَبالصَّواب وإنْ كان مُغَيَّبًا، فبالاجتهاد والتَّوَجُّه إليه، وذلك أَكثَرُ ما يُمكِنُه فيه. وقال الله تبارك تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل]. فَخَلقَ اللهُ لهم العَلامَاتِ، ونَصَبَ لَهُم المَسجِدَ الحَرَامَ، وأَمَرَهُم أَن يَتَوَجَّهُوا إليه، وإِنَّما تَوَجُّهُهُم إليه بالعَلامَات التِي خَلقَ لَهُم، والعُقُولِ التِي رَكَّبَها فِيهم، التِي اسْتَدَلُّوا بها على مَعرفَة العَلامَات، وكُلُّ هذا بَيانٌ ونِعْمَةٌ منه جَلَّ ثَنَاؤُهُ» (١). قال الشَّافِعِيُّ: «وَوَجَّهَ اللهُ رَسُولَه ﷺ إلى القِبلَة في الصَّلاة إلى بَيتِ المَقْدِس، فَكانت القِبْلَةَ التي لا يَحِلُّ -قَبْل نَسْخِها- اسْتِقْبَالُ غَيْرِها، ثم نَسَخَ اللهُ قِبْلَةَ بيتِ المَقْدِس، وَوَجَّهَهُ إلى البَيْت (٢)، وكُلٌّ كانَ حَقًّا في وَقْتِه». وأطال الكلام فيه (٣). (٣٨) أخبرنا أبو سَعِيد ابنُ أبي عَمْرٍو، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا

стр. 118

الرَّبيعُ، أخبرنا الشَّافِعِيُّ، أخبرنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجَاهِدٍ، قال: «أَقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنَ اللهِ، إذَا كانَ سَاجِدًا؛ أَلم تَر إلى قوله: افْعَل واقْتَرِب، يعني: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]» (١). قال الشافعي: «ويُشْبِه ما قَال مُجَاهِد واللَّهُ أَعْلَمُ ما قَال». في رواية حَرْمَلَةَ عنه، في قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧)﴾ [الإسراء] قال الشافعي: «واحتمل السجود، أَنْ يَخِرَّ، وذَقْنُهُ- إذا خَرَّ- تَلِي الأَرْضَ، ثم يكون سُجُودُهُ على غَير الذَّقْن». (٣٩) أخبرنا أبو سعيدِ ابنُ أبي عَمْرٍو، حدثنا أبو العَبَّاسِ، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشَّافِعيُّ: «فَرَضَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الصَّلاةَ على رسولهِ ﷺ ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب]. فَلم يَكُن فَرْضُ الصَّلاةِ عَليه في مَوْضِع، أَوْلَى مِنه في الصَّلاةِ، ووَجَدْنا الدَّلالَةَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، (٢) بما وصفتُ، مِن أَنَّ الصَّلاةَ عَلى رَسُول الله ﷺ ٢) فَرضٌ في الصَّلاةِ، واللَّهُ أَعْلَمُ» (٣). فذكر حديثين (٤): ذكرناهما في كتاب «المعرفة» (٥).

стр. 119

(٤٠) وأخبرنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ يُوسفَ الأَصْبهَانِيُّ ﵀، أخبرنا أبو سَعِيد ابنُ الأَعْرَابِي، حدثنا الحَسَنُ بنُ مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِيُّ، حدثنا محمدُ بن إدريس -هو الشافعي- قال: أخبرنا مالكٌ (١)، عن نُعَيْم بن عبد الله المُجْمِر، أَنَّ محمدَ بنَ عبد الله بن زيد الأنصاري أخبره -وعبد الله بن زيد هو: الذي أُرِيَ النداء بالصلاة- عن أبي مَسْعُودٍ الأنصَاري، أنه قال: «أَتانَا رسولُ اللهِ ﷺ في مَجلِس سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، فقال له بَشِيرُ بنُ سَعْدٍ: أَمَرنا اللهُ أنْ نُصَلِّيَ عَليك يا نَبِيَّ الله، فكيف نُصَلِّي عَليك؟ فَسَكتَ النبيُّ ﷺ ، حتى تَمَنَّينا أنه لم يَسْأَلْه، فقال رسول الله ﷺ : قولوا: الَّلهُم صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ، وبارِك على مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كما بَارَكْتَ عَلى آلِ إبرَاهِيمَ، في العَالَمِينَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ» (٢). ورواه المُزَنِيُّ، وحَرْمَلَةُ، عن الشافِعِيِّ، وزاد فيه: «والسَّلامُ كما قَد عُلِّمْتُم (٣)». وفي هذا: إشارةٌ إلى السلام الذي في التَّشهُّد، على النبي ﷺ ، وذلك في الصلاة.

стр. 120

فَيُشبِهُ أن تَكونَ الصَّلاة التي أُمِرَ بها عليه -مع التَّسْلِيم (١) أيضًا- في الصلاة، واللَّهُ أَعْلَمُ. قال الشَّافِعيُّ ﵀ في رواية حَرْمَلَةَ-: «والذِي أَذْهَبُ إليه -في هذا- حديث أبي مَسْعُود، عن النبيِّ ﷺ ، وإنما ذَهبتُ إليه؛ أَنِّي رَأيتُ اللهَ ذَكر ابتداء صلاته على نبيه ﷺ ، وأَمَر المُؤمِنينَ بها فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب]. وذَكَر صَفْوتَه مِن خَلْقِه، فَأعلم أنهم أنبياؤه، ثم ذكر صفوته (٢)، فذكر أنهم أَوليَاءُ أَنبيائِه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران]. وكان حديثُ أبي مَسْعُودٍ: أَنْ ذَكَر الصَّلاةَ على مُحَمَّدٍ، وآلِ مُحَمَّدٍ، يُشْبِه عِنْدَنا لِمَعْنى الكتَاب، واللَّهُ أَعْلَمُ». قال الشَّافِعِيُّ: «وإني لَأُحِبُّ أَن يُدْخَلَ مَع آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَزْواجُهُ وذُرِّيتُه؛ حتى يكون قد أتى على ما رُوي عن النبي ﷺ كُلِّه». قال الشافعي ﵀: «واخْتَلَفَ النَّاسُ في آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فقال منهم قائل: آل محمد: أَهلُ دِينِ مُحَمَّدٍ. ومَن ذَهَب هذا المَذْهَب، أَشبَه أن يقولَ: قال الله تعالى لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] وحَكى: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٥ - ٤٦] الآية.

стр. 121

قال الشافعي: والذي نذهب إليه في معنى الآية: أنَّ قولَ اللهِ : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ يعني: الذين أمرنا بحملهم معك. فإن قال قائل: وما دَلَّ على ما وَصَفْتَ؟ قيل: قال الله : ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، فأعْلَمه أنه أَمره بأن يَحمل مِن أهله، مَن لم يَسبِق عليه القولُ مِن أهل مَعْصيَته، ثم بَيَّن له فقال: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]» (١). قال الشافعي: وقال قائل: آلُ مُحَمَّدٍ، أَزْوَاجُ مُحَمَّدٍ ﷺ . فكأنه ذهب إلى أَنَّ الرَّجُل يقال له: ألَكَ أَهْل؟ فيقول: لا وإنما يعني: ليست لي زوجة. قال الشافعي ﵀: «وهذا معنى يحتمله اللسَانُ، ولكنه معنى كلام لا يُعرَف، إلا أن يكونَ له سَبَبُ كَلَامٍ يَدُلُّ عليه؛ وذلك أَن يُقول الرَّجُلُ: تَزَوَّجْتَ؟ فيقال (٢): ما تَأَهَّلْتُ. فَيُعْرَف- بأول الكلام- أنه أراد: تَزَوَّجت، أو يقول الرجل: أَجْنَبْتُ مِن أَهْلِي، فَيُعرَف أن الجَنَابَة إنما تكونُ مِن الزوجة. فأما أن يبدأ رَجُلٌ فيقول: أَهْلي بِبَلَد كذا، أو أنا أزور أهلي، وأنا عَزيزُ الأهل، أو أنا كَريمُ الأهل = فإنما يذهب الناسُ في هذا إلى أهل البيت. وذَهَبَ ذاهبُونَ إلى أنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، قَرَابَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ التي ينفرد بها دون غيرها من قرابته». قال الشافعي ﵀: «وإذا عُدَّ آلُ الرَّجُل: ولَدُهُ الذين إليه نَسَبُهُم، ومن

стр. 122

يأويه بَيتُه، مِن زَوْجِه أو مَمْلُوكِه أو مَوْلى أو أَحَدٍ ضَمَّه عِيَالُه، وكان هذا في بَعضِ قَرَابَتِه مِن قِبَل أبيه، دُونَ قَرابَتِه مِن قِبَلِ أُمِّه، وكان يَجْمَعُه قرابته وفي بعض قرابته من قبل أبيه، دون بعض، فلم يجز أن يستدل على ما أراد الله مِن هذا، ثم رسول الله ﷺ ، إلا بسُنَّة رسولِ الله ﷺ ، فلما قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الصَّدَقَة لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، ولا لآلِ مُحَمَّدٍ، وإنَّ اللهَ حَرَّم عَلينا الصَّدَقَةَ، وَعَوَّضَنا مِنها الخُمُس» (١) = دَلَّ هذا على أن آل مُحمَّدٍ الذين حَرَّم اللهُ عليهم الصدقة، وعَوَّضَهُم منها الخُمُس». وقال الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ [الأنفال: ٤١]. فكانت هذه الآية في معنى قول النبي ﷺ : «إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، ولا لآلِ مُحَمَّدٍ» وكان الدليل عليه ألا يُؤخَذ بأمر يَقطعُ العُذر، ويُلْزِم أَهلَ العِلم واللَّهُ أَعْلَمُ إلا بالخبر عن رسول الله ﷺ ، فلما فَرض اللهُ على نبيه ﷺ أَنْ يُؤْتِيَ ذا القُربى حَقَّه، وأعلمه أَنَّ للهِ خُمُسَه وللرسول ولذي القربى، فأعطى سَهمَ ذِي القُربى، في بَني هاشم وبَنِي المُطَّلِب = دَلَّ ذلك عَلى أَنَّ الذين أعطاهم رسولُ اللهِ ﷺ الخُمُسَ، هم آلُ مُحَمَّدٍ الذين أَمَر رَسولُ اللهِ ﷺ بالصَّلاةِ عَليهِم مَعَه، والذين اصطفاهم مِن خَلْقِه، بعد نَبيِّه ﷺ ؛ فإنه يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣]، فأعلم أنه اصطفى الأنبياء، وآلَ الأنبياء صلوات الله عليهم. قال الشَّيخُ ﵀: قَرَأتُ في «كتاب القديم» -رواية الزعفراني، عن

стр. 123

الشافعي- في قوله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] «فهذا -عِندَنا- على القراءة التي تُسْمَع خَاصَّة، فكيف يُنْصَتُ لِمَا لا يُسْمَع؟ » (١). وهذا قولٌ كان يذهبُ إليه، ثم رَجَع عنه في آخر عُمُره، وقال: يَقرَأ بفَاتِحَة الكتاب، في نَفْسِه، في سَكْتَة الإمَام. قال أصحابنا: «ليكُونَ جامِعًا بين الاستماع: بالكتاب (٢)، وبين قراءة الفاتحة: بالسُّنَّة». وإن قرأ مع الإمام، ولم يرفع بها صوتَه، لم تَمنعْه قراءتُه في نفسه، مِن الاستماع لقراءة إمامه؛ فإنما أُمِرنا بالإنصات عَن الكلام، وما لا يجوز في الصلاة». وهو مذكور بدلائله، في غير هذا الموضع. وقرأت في «كتاب السُّنَن» رواية حَرْمَلة، عن الشافعي ﵀ قال: قال الله ﵎: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة]. قال الشافعي: مَن خُوطِبَ بالقُنوتِ مُطْلَقًا، ذَهَب إلى أنه قيامٌ في الصَّلَاة؛ وذلك أَنَّ القُنوتَ قِيامٌ لِمَعنى طاعَةِ اللهِ ، وإذا كان هكذا، فهو مَوضِعُ كَفٍّ عن قِرَاءَةٍ، وإذا كان هكذا، أَشْبَه أن يكونَ قيامًا في صلاةٍ لدعاء، لا قراءة، فهذا أَظْهَرُ مَعانِيه، وعليه دِلالَةُ السُّنة، وهو أَوْلى المعاني أن يُقَال به -عندي- واللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 124

قال الشافعي ﵀: وقد يَحْتَمِلُ القُنوتُ: القِيامَ كُلَّه في الصلاة. وروي عن عُبَيد بن عُمَيْر: «قيل: أيُّ الصلاةِ أفضل؟ قال: طُولُ القُنُوتِ» (١). وقال طاووس: «القنوت، طاعة الله » (٢). وقال الشافعي ﵀: «وما وصفتُ من المعنى الأول، أَوْلى المَعَانِي به واللَّهُ أَعْلَمُ». قال: «فلما كان القنوت بَعضُ القِيَامِ دُونَ بَعْضٍ، لم يَجُز واللَّهُ أَعْلَمُ أن يكون إلا ما دَلَّت عليه السُّنة مِن القُنُوت للدعاء، دون القراءة». قال: واحتمل قول الله : ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة]: قانتين في الصلاةِ كُلِّها، وفي بعضِها دونَ بعض، فلما قَنَت رَسُولُ اللهِ ﷺ في الصَّلاة، ثم ترك القُنوتَ في بَعْضِها، وحُفِظَ عنه القُنُوتُ في الصبح خَاصَّة = دَلَّ هذا على أنه إن كان اللهُ أَرَادَ بالقنوتِ القُنوتَ في الصلاة قائِمًا، أراد به خاصًّا، واحتمل أن يكونَ في الصلوات في النَّازِلَة، واحتمل طولُ القنوت: طول القيام، واحتمل القنوت طاعة الله واحتمل السُّكات (٣)». قال الشَّافعيُّ: فلا أُرَخِّصُ في تَرك القنوت فى الصبح، بِحَال؛ لأنه إن كان

стр. 125

اختيارًا مِن اللهِ تعالى، أو مِن رَسُولِه ﷺ لم أُرَخِّص في تَرك الاختيار، وإن كان فرضًا، كان ما لا يَتَبيَّن تَرْكُه، ولو تَركَهُ تَاركٌ، كان عليه أن يَسجُدَ للسَّهو، كما يكونُ ذلك عليه لو تَركَ الجُلوسَ في مَثْنى (١)». قال الشَّيخُ: قوله: «واحتمل السكات»: أراد السكوتَ عن كَلام الآدَميين، وقد رُوِّينا (٢) عن زَيد بنِ أَرْقَم: «أنهم كانوا يَتكلَّمونَ في الصلاة؛ فنزلتْ هذه الآية. قال: فنهينا عن الكلام، وأُمِرنا بالسُّكُوت» (٣). ورُوِّينا عن أبي رَجَاءٍ العُطَارِدِيِّ أنه قال: «صَلَّى بنا ابنُ عباسٍ صَلاةَ الصُّبح -وهو أَميرٌ على البَصْرَة- فَقَنَت، ورَفَع يَدَيْه: حتى لو أَنَّ رَجُلًا بَيْن يَدَيه لَرأَى بيَاضَ إِبْطَيه، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَقبلَ عَلينا بِوَجْهه، فقال: هذه الصَّلاةُ التي ذَكرها اللهُ في كتابه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]». (٤١) أخبرنا أبو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أخبرنا إسماعيلُ الصَّفَّارُ، حدثنا الحَسَنُ بن الفَضل بن السَّمْح، حدثنا سَهْلُ بن تَمَّام (٤)، حدثنا أبو الأَشْهَب، وسَلْمُ بنُ زَرِير (٥)، عن أبي رَجَاءٍ (٦)، فذكره، وقال: «قبل الركوع» (٧).

стр. 126

(٤٢) وأخبرنا أبو سَعِيد ابنُ أبي عَمْرو، حدثنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الرَّبيعُ، قال: قال الشَّافِعيُّ: «قال الله ﵎: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فقيل واللَّهُ أَعْلَمُ: قانتين: مُطِيعِين، وأَمَر رَسولُ اللهِ ﷺ بالصَّلاةِ قَائِمًا، وإنما خُوطِبَ بالفَرائِضِ مَنْ أَطَاقَها، فإذا لم يُطِق القيام، صَلَّى قاعدًا» (١). وبهذا الإسناد، قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قيل: صَلِّ في ثِيابٍ طَاهِرَة، وقِيل غَيرُ ذَلك، والأَوَّل أَشْبَه؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمر أَن يُغْسَل دَمُ الحَيْض مِنَ الثَّوب» (٢). يعنى للصلاة. قال الشَّيخُ: وقد روينا عن أبي عُمَر (٣) -صَاحِبِ ثَعْلَب (٤) - قال: قال ثَعْلَب في قوله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]: «اخْتَلَف النَّاسُ فيه، فَقَالَت طَائِفَةٌ: الثِّيابُ هاهنا: الثياب وقالت طائفة: الثياب هاهنا: القلب» (٥). (٤٣) أخبرناه عَلِيُّ بنُ محمد بن عبد الله بن بِشْرَان، عن أبي عُمَرَ فذكره.

стр. 127

(٤٤) أخبرنا أبو سَعِيد مُحَمَّدُ بنُ مُوسى، حدثنا أبو العَبَّاس الأَصَمُّ، أخبرنا الرَّبيع، قال: قال الشافعي ﵀: «بدأ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقَ آدَم ﵇ مِن مَاءٍ وطِين، وجعلهما معًا طَهَارة، وبَدأ خَلْق وَلَدِه مِن مَاءٍ دَافِق، فكان في ابتداء خَلْق آدَم مِن الطَّاهِرَين -اللذين هما طَهَارة- دلالة لابتداء خَلْقِ غَيْرِه أنه مِن مَاءٍ طَاهِرٍ لا نَجَس» (١). وقال في الإملاء -بهذا الإسناد-: «المَنِيُّ لَيسَ بَنَجَس؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَكْرمُ مِن أَنْ يَبْتَدِئَ خَلْقَ مَنْ كَرَّمَه، وجَعلَ مِنهُم النَّبيين والصِّديقِينَ، والشَّهَداءَ والصَّالحِينَ وأَهلَ جَنَّتِه مِن نَجَس فإنه يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] وقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧] من ماء مهين». «ولو لم يَكُن (٢) في هذا خبرٌ عن النبي ﷺ ، لكان يَنبغِي أن تكونَ العُقُولُ تَعلم أن اللهَ لا يبتديء خَلْقَ مَنْ كَرَّمَه وأَسْكَنه جَنَّته مِن نَجَس، مع ما فيه مِن الخَبر، عن النبي ﷺ : «أَنَّه كَان يُصَلِّي في الثَّوبِ قَد أَصَابَه المَنِيُّ، فَلا يَغْسِله، إنَّما يُمْسَح رَطْبًا، أو يُعَتُّ (٣) يَابِسًا». على معنى التنظيف. مع أن هذا قولُ سَعدِ بن أبي وَقَّاص، وابنِ عَبَّاسٍ، وعَائِشَةَ، وغَيرِهِم ﵃. (٤٥) أخبرنا أبو سَعِيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] قال الشافعي: فقال

стр. 128

بعضُ أهلِ العِلم بالقرآن في قول الله : ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: لا تَقْربُوا مَوضِع الصلاة. قال: وما أَشْبَه ما قال بما قال؛ لأنه لا يكون في الصلاة عُبورُ سَبيل، إنَّما عبورُ السَّبيل في مَوضِعِها، وهو في المسجد، فلا بأس أن يَمُرَّ الجُنُبُ في المسجد مارًّا، ولا يقيم فيه؛ لقول الله : ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾» (١). وبهذا الإسناد، قال الشافعي: «لا بأس أن يَبِيتَ المُشرك في كُلِّ مسجدٍ إلا المَسجِد الحَرَام؛ فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فلا ينبغي لمشرك أن يدخل المسجد الحرام بحال» (٢). (٤٦) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «ذكر الله تعالى الأذان بالصلاة، فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] وقال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. فَأوْجَبَ اللهُ واللَّهُ أَعْلَمُ إتيانَ الجُمُعَةَ، وسَنَّ رسولُ الله ﷺ الأذان للصلوات المكتوبات. فَاحْتَمل أن يكون أَوْجَب إتيانَ صَلاة الجَمَاعة في غير الجمعة، كما أمر بإتيانِ الجُمعة، وتَرْكَ البَيْع، واحتمل أن يكون أَذَّن بها لتُصَلَّى لوقتها، وقد جَمَع رسولُ الله ﷺ مُسافرًا ومُقيمًا، خائفًا وغيرَ خَائف. وقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ لنبيه ﷺ : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، التي بعدها.

стр. 129

وأمر رسول الله ﷺ مَن جاء الصلاةَ أن يأْتيَها وعليه السكينةُ، ورَخَّص في ترك إتيان صَلاةِ الجَمَاعة، في العذر بما سأذكره في موضعه. فأشبه ما وصفت من الكتاب والسنة: ألا يَحِلَّ تَركُ أن تُصلَّى كُلُّ مكتوبةٍ في جماعة حتى لا تَخْلُوا جماعة، -مقيمون ولا مسافرون- مِن أَنْ تُصلَّى فيهم صلاةُ جماعة» (١). (٤٧) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعيُّ ﵀: «ذكر الله تعالى الاستئذان، فقال في سياق الآية: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] وقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. فلم يذكر الرُّشدَ الذي يستوجبون به أن يُدفَعَ إليهم أموالُهُم إلا بعد بُلوغِ النكَاح. قال: وفَرَضَ اللهُ الجِهَادَ، فأبَانَ رسولُ الله ﷺ أنه على مَن اسْتَكْمَل خَمْسَ عَشْرَةَ سَنة؛ بأن أَجَازَ ابنَ عُمَرَ عامَ الخَنْدَق ابن خمس عشرةَ سَنة، وَرَدَّه عام أُحُد ابنَ أَرْبع عَشرة سنة (٢). قال: فإذا بلغ الغُلَامُ الحُلُمَ، والجَاريةُ المَحِيضَ-غير مغلوبَيْن على عقولهما- وَجَبَت عليهما الصَّلاةُ والفَرائِضُ كُلُّها، وإن كانا ابنيْ أَقَلِّ مِن خَمْس عشرة سنة (٣) وأُمِر كُلُّ واحد منهما بالصلاة -إذا عقلها- وإذا لم

стр. 130

يَعْقِلَا (١): لم يكُونا كَمن تركها بعد البلوغ، وأؤدبهما على تركها أدبًا خَفيفًا. قال: ومن غُلِب على عقله بِعَارِضِ مَرضٍ -أَيِّ مَرَضٍ كَان-: ارتفع عنه الفرض؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] وإنْ معقُولًا أنه لا يُخَاطَبُ بالأمر والنهي إلا مَن عَقَلَهُما» (٢). (٤٨) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «وإذا صَلَّت المرأةُ برجالٍ ونِسَاء وصبيان ذكور= فصلاة النساءِ مُجْزِئَةٌ، وصلاةُ الرجال والصبيان الذكور غَيرُ مُجزئَة؛ لأن الله تعالى جعل الرجالَ قوَّامينَ على النساء، وقَصَّر بهنَّ عن أن يَكُنَّ أَوليَاء، وغير ذلك، فلا يجوزُ أن تَكونَ امرأةٌ إمامَ رَجُلٍ في صلاة، بحال أبدًا». وبسط الكلام فيه هاهنا، وفي كتاب القديم. (٤٩) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «التقصير: لمن خرج غازيًا خائفًا في كتاب الله قال الله ... جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٠١]. قال: والقَصْر ... -لمن خرج في غير مَعصية- في السُّنَّة. قال الشافعي: فأما من خرج باغيًا على مسلم، أو مُعاهَد أو يَقطع طريقًا (٣)، أو يفسد في الأرض، أو العَبدُ يَخْرجُ آبِقًا مِن سَيِّدِه، أو الرجُلُ هاربًا

стр. 131

ليمنعَ دمًا لَزِمَه، أو ما في مثل هذا المعنى، أو غيره مِن المعصية، فليس له أن يَقْصُر؛ لأن القَصْرَ رُخْصَةٌ، وإنما جُعِلَت الرُّخْصَةُ لِمَن لم يَكُن عاصيًا، أَلَا ترى إلى قول الله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. قال: هكذا لا يَمْسَحُ على الخُفَّين، ولا يَجْمَعُ الصَّلاةَ مسافرٌ في مَعْصِيَةٍ. وهكذا لا يُصلِّي إلى غير القِبلة نَافلةً، ولا تَخفيف عَمَّن كان سَفرُه في معصيةِ الله » (١). قال الشافعي ﵀: وأَكرهُ تَركَ القَصْرِ، وأنهى عنه، إذا كان رغبةً عن السُّنَّة فيه (٢). يعني: لمن خرج في غير معصية. (٥٠) أخبرنا أبو عبد الله الحَافظُ، قال: وقال الحُسَين بنُ مُحمَّد (٣) - فيما أُخبرتُ عنه-: أخبرنا محمد بنُ سُفيانَ (٤)، حدثنا يُونُسُ بنُ عبد الأَعْلَى، قال: قال الشافعي ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قال:

стр. 132

«مَوضِعٌ بخَيْبر، فلما ثَبَت أَنَّ رَسولَ الله ﷺ لَم يَزَل يَقْصُر مَخْرَجَه مِن المدينة إلى مكة = كانت السُّنة في التَّقْصِير، فلو أَتَمَّ رَجُلٌ مُتَعمِّدًا مِن غَير أنْ يُخَطِّئَ مَن قَصَر، لم يكن عليه شيء. فأما إن أتمَّ متعمدًا، مُنكِرًا للتقصير فعليه إعادة الصلاة». وقرأت -في رواية حَرْمَلَةَ عن الشافعي-: «يُستَحبُّ للمسافر أن يَقْبَلَ صَدقةَ الله ويَقْصُر، فإن أتم الصلاةَ -عن غير رَغْبةٍ عن قَبول رُخصَة الله فلا إعادة عليه، كما يكون إذا صام في السفر، لا إعادة عليه. وقد قال : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وكما تكون الرخصة في فِدية الأَذَى، فقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية. فلو ترك الحَلْقَ والفِدية، لم يكن عليه بأس، إذا لم يَدَعْه رَغْبةً عن رُخْصَةٍ». (٥١) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمدُ بن يعقوبَ، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي ﵀ قال: «قال الله : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] ... الآية. قال: فكان بَيِّنًا في كتاب الله أنَّ قَصْرَ الصلاة -في الضَّرب في الأرض، والخوف- تَخفيفٌ مِن الله عن خلقه، لا أن فرضًا عليهم أن يَقْصُروا، كما كان قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] لا أَنَّ حَتمًا عليهم أن يُطَلِّقُوهُن في هذه الحال (١).

стр. 133

وكما كان قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] يريد واللَّهُ أَعْلَمُ: أن تَتَّجِروا في الحج، لا أنَّ حتْما أَنْ تَتَّجِروا. كما كان قوله: ليس عليكم جناح (١) ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ [النور: ٦١] لا أَنَّ حتمًا عليهم أن يأكلوا مِن بيوتهم، ولا بُيُوت غيرهم. وكما كان قوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] فلو لَبِسْنَ ثِيابهُنَّ ولم يَضَعْنَها، ما أَثِمْنَ. وقول الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] يقال: نزلت: لَيسَ عَليهِم حَرجٌ بتَركِ الغَزْو ولَو غَزَوا مَا حَرجُوا» (٢). (٥٢) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله ﵎: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ [البروج]. أخبرنا إبراهيمُ بنُ مُحمَّد، حدثني صفوانُ بنُ سُلَيم، عن نَافِع بن جُبَير، وعَطَاءِ بن يَسَار (٣) أنَّ النبي ﷺ قال: «شَاهدٌ، يوم الجُمعة، ومَشهودٌ، يوم عَرَفة» (٤).

стр. 134

وبهذا الإسناد قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. والأذان الذي يجب على مَن عَليه فَرضُ الجمعة أن يَذَر عنده البيع= الأذان الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، وذلك الأذان الثاني بعد الزوال، وجلوس الإمام على المنبر». وبهذا الإسناد قال الشافعي: «ومَعقُولٌ أن السَّعْيَ -في هذا الموضع-: العمل، لا السَّعي عَلى الأقْدام. قال الله : ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ [الليل]. وقال : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩]. وقال: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم]. وقال: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وقال زُهَيرٌ (١):

стр. 135

سَعَى بَعْدَهُمْ قَومٌ لِكَي يُدْرِكُوهُمُ ... فَلمْ يَفْعَلُوا، ولَم يُلَامُوا، ولَمْ يَأْلُوا وبهذا الإسناد، قال الشافعي: «قال الله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. قال: ولم أعلم مخالفًا أنها نزلت في خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة» (١). قال الشَّيخُ: في رواية جرير (٢) وغيره، عن حُصَيْن، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن جابر: أن النبيَّ ﷺ كان يَخْطُب يومَ الجُمُعةِ قائمًا، فجاءت عِيْرٌ تأتي مِن الشام، فانْفَتَل الناسُ إليها، حتى لم يَبْق معه إلا اثنا عَشر رجلًا، فَأُنزِلَت هذه الآية» (٣). وفي حديث كَعْبِ بن عُجْرَةَ (٤) دلالة على أن نزولها كان في خطبته قائمًا. قال (٥): وفي حديث حُصَين: «بَينَما نحن نُصَلِّي الجُمُعَةَ» فإنه عَبَّر بالصلاة عن

стр. 136

الخطبة. وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢] قال الشافعي: فأمرهم -خائفين، محروسين- بالصلاة، فَدلَّ ذلك على أنه أمرهم بالصلاة للجهة التي وُجُوهُهم لها مِن القِبْلَة» (١). «وقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] فَدلَّ إرخاصُهُ- في أن يُصَلُّوا رِجالًا أو ركبانًا- على أن الحال التي أَذِنَ (٢) لهم فيها بأن يُصَلُّوا رجالًا وركبانًا مِنَ الخَوف، غيرُ الحالِ الأُولى التي أمرهم فيها بأن يَحْرُسَ بَعضُهُم بعضًا، فَعَلِمْنَا أَنَّ الخَوْفَيْن مُخْتَلِفَان، وأَنَّ الخَوفَ الآخَر-الذي أَذِن لهم فيه أن يُصَلُّوا رِجالًا وركبانًا- لا يكون إلا أَشَدَّ مِن الخَوفِ الأَوَّل. ودَلَّ على أن لهم أن يُصَلوا حيث تَوجَّهوا، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها في هذه الحال، وقُعُودًا على الدَّواب، وقيامًا على الأقدام، ودَلَّت على ذلك السُّنَّة (٣)، فذكر حديثَ ابنِ عُمَرَ في ذلك (٤).

стр. 137

(٥٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي-في قوله : ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]- قال: «فاحتمل: أن يكونوا إذا سَجَدُوا ما عليهم مِن السُّجُود كُلِّه، كانوا مِن ورائهم، ودَلَّت السُّنة على ما احْتَمَل القُرآنُ مِن هذا فَكان أَوْلى مَعَانِيه، واللَّهُ أَعْلَمُ» (١). (٥٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشَّافعيُّ، قال: قال اللهُ ﵎ في شهر رمضان: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قال: فسمعتُ مَنْ أَرْضَى مِن أَهْلِ العلم بالقرآن يقول: لِتُكْمِلُوا عِدَّةَ صَوْم شَهْر رَمَضَان، ولِتُكَبِّروا اللهَ عِند إِكْمَالِه على ما هَدَاكُم، وإِكمَالُهُ: مَغِيبُ الشَّمْسِ مِن آخِر يومٍ مِن شَهر رَمضان. وما أَشْبَهَ ما قال بما قال، واللَّهُ أَعْلَم» (٢).

стр. 138

(٥٥) أخبرنا أبو سعيد محمدُ بنُ مُوسَى بنِ الفَضْل، أخبرنا أبو العَبَّاس، أخبرنا الربيع (١)، أخبرنا الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] مع ما ذكر الله من الآيات في كتابه». قال الشافعي: فذكر الله الآيات، ولم يذكر معها سجودًا، إلا مع الشمس والقمر، وأمر بأن لا يُسْجَدَ لهما، وأمر بأن يُسْجَدَ له. فاحتمل أن يُسْجَدَ له عند ذِكْر الشَّمْس والقمر= أَن أَمَر بالصلاة عند حَادِث في الشَّمس والقمر. واحتمل أن يكونَ إنما نُهِي عن السجُود لهما، كما نُهِيَ عن عِبادة ما سواه، فَدَلَّه (٢) رسولُ الله ﷺ على أن يُصَلِّي لله (٣) عند كُسُوفِ الشمس والقمر، فأشبه ذلك مَعْنيَيْن: أحدهما أن يُصَلِّي عند كُسُوفِهما. وأن لا يُؤْمَر-عند آيةٍ كانت في غيرهما- بالصلاة، كما أُمِر بها عِنْدَهما؛ لأن اللهَ لم يَذكُر في شيء من الآيات صلاة، والصلاة -في كل حالٍ- طَاعةٌ،

стр. 139

وغِبْطَة لِمَن صَلَّاها، فَيُصَلِّي-عند كسوف الشمس والقمر- صَلاةَ جَمَاعة ولا يَفْعَل ذلك في شيء من الآيات غيرهما» (١). (٥٦) وبهذا الإسناد، قال الشافعي: أخبرنا الثقة (٢)، أن مجاهدًا كان يقول: «الرعد مَلَك، والبَرقُ أَجْنحَةُ المَلَك، يَسُقْنَ السَّحَاب» (٣). قال الشافعي: «ما أَشبَهَ ما قال مجاهد، بظاهر القرآن» (٤). (٥٧) وبهذا الإسناد، أخبرنا الشافعي، أخبرنا الثَّقةُ، عن مجاهد، أنه قال: «ما سمعتُ بأحدٍ ذَهَب البرقُ ببصره» (٥). كأنه ذهب إلى قوله : ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. قال: وبلغني عن مجاهد أنه قال: «وقَد سَمِعتُ مَن تُصِيبُه الصَّواعِقُ».

стр. 140

وكأنه ذَهب إلى قول الله : ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ١٣]. وسمعتُ مَن يَقول: «الصَّواعقُ: ربما قَتَلت وأَحْرَقَت». (٥٨) وبهذا الإسناد، قال: أخبرنا الشافعي، أخبرنا مَن لا أَتَّهم، حدثنا العلاءُ بن رَاشِد، عن عِكْرمَة، عن ابن العباس، قال: ما هَبَّت رِيحٌ قَط إلا جَثَا النَّبيُّ ﷺ على رُكْبَتيه، وقال: «اللهُمَّ اجْعَلها رَحْمةً، ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رِياحًا، ولا تجعلها رِيْحًا» (١). قال ابن عباس: في كتاب الله : ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]، و ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]. وأرسلنا ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. (٥٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀ في قوله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ

стр. 141

صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون] قال الشافعي: وقال بعضُ أَهلِ العِلْم: «هي الزَّكَاةُ المَفْرُوضَة» (١). * * *

стр. 142

(٩) مَا يُؤْثَرُ عَنهُ في الزَّكَاةِ (٦٠) أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. فَأبَانَ أنَّ في الذَّهبِ والفِضَّة زَكَاةً. وقول الله : ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] يعني واللَّهُ أَعْلَمُ في سبيله التي فَرضَ مِن الزَّكاةِ وغَيرِها. فأما دَفنُ المالِ، فَضَربٌ من إِحْرَازه، وإذا حَلَّ إحْرَازُه بِشيءٍ، حَلَّ بالدَّفْن وغَيرِه» (١). واحتج فيه بابن عمر (٢) وغيره (٣).

стр. 143

(٦١) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «الناسُ عَبيدُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فَمَلَّكَهُم ما شاء أن يُمَلِّكَهُم، وفرض عليهم- فيما مَلَّكهم- ما شاء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]. فكان فيما آتاهم، أكثر مِمَّا جعل عليهم فيه، وكُلٌّ أَنْعَم فيه عَليهم، جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وكان فيما فَرَض عليهم -فيما مَلَّكَهُم-: زكاةً، أبان أنَّ (١) في أموالهم حقًّا لغيرهم -في وقت- على لِسَانِ رَسولِه ﷺ ، وكان حلالًا لهم ملك الأموال، وحرامًا عليهم حبس الزكاة؛ لأنه مَلَّكها غَيرَهُم في وَقت، كما مَلَّكهُم أَمْوالَهم، دُون غيرهم. فكان بَيِّنًا فيما وصفت، وفي قول الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] أنَّ كُلَّ مَالِكٍ تَام المُلْك -مِن حُرٍّ، له مال- فيه زكاة». وبسط الكلام فيه (٢). وبهذا الإسناد، قال الشافعي- في أثناء كلامه في باب زكاة التجارة، في قوله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]-: «وهذا دَلَالةٌ على أنه إنَّما جَعَل الزَّكاةَ على الزَّرع، وإنما قَصَد به إسقاطَ الزكاة عَن حِنْطَةٍ حَصَلت في يَدِه مِن غَير زِرَاعَةٍ» (٣).

стр. 144

وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله لنبيه ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. قال الشافعي: والصَّلاةُ عَليهم، الدُّعاء لَهُم عِند أَخْذِ الصَّدَقَة مِنهُم. فَحَقٌّ على الوالي-إذا أَخَذ صَدَقةَ امْرئٍ- أن يَدعُو لَه، وأُحِبُّ أَن يَقُول: آجَرَك اللهُ فيما أَعْطَيت، وجعلها لك طَهُورًا وبَارَك لك (١) فيما أَبْقَيْت» (٢). (٦٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: قال الله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: لَسْتُم بآخِذيه لأنفُسِكم مِمَّن لَكُم عَليه حَقٌ، فَلا تُنفِقُوا مِمَّا لا تأخذوا لأنفسكم، يعني: لا (٣) تُعْطُوا مَا خَبُثَ عَليكُم واللَّهُ أَعْلَمُ وعندكُم طَيِّبٌ» (٤). * * *

стр. 145

(١٠) مَا يُؤْثَرُ عَنهُ في الصِّيَامِ قَرأتُ في روَايةِ المُزَنِيِّ، عن الشَّافِعي أنه قال: «قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]، ثم أبان أن هذه الأيام شهر رمضان بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكان بَيِّنًا في كتاب الله أَلَّا يجب صومٌ، إلا صوم شهر رمضان، وكان عِلمُ شَهر رمضان- عِند مَن خُوطِب باللَّسان- أنه الذي بين شَعْبانَ وشَوَّال» (١). وذكره في رواية حَرْمَلةَ عنه بمعناه، وزاد قال: «فَلَمَّا أَعْلَمَ اللهُ النَّاسَ أَنَّ فَرضَ الصَّوم عليهم: شَهر رمضان، وكانت الأَعاجِم تَعُدُّ الشُّهور بالأيام، لا بِالأهِلَّة، وتذهبُ إلى أن الحِسَاب -إذا عُدَّت الشُّهور بالأهلة- يختلف؛ فأبان اللهُ تعالى: أَنَّ الأَهِلَّةَ هي المواقِيتُ للناس والحَجِّ، وذكر الشهور، فقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦] فَدلَّ على أن الشهور للأهِلَّة؛ إذ جَعلها المواقيتَ، لا ما ذَهَبتْ إليه الأَعاجمُ مِن العَدد بِغير الأَهلة، ثُم بَيَّن رسولُ الله ﷺ ذلك، على ما أنزل الله ، وبَيَّن أَنَّ الشَّهر تِسْعٌ وعِشرون، يعني: أن الشَّهر قَد يَكونُ تِسْعًا وعِشرين، وذلك أنهم قد كانوا يعلمون أن الشَّهرَ يكون ثَلاثين، فَأعْلمَهم أنه قد يكونُ تِسْعًا وعشرين، وأعلمهم أن ذلك للأهلة».
следующие страницы →