← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 92

أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي ت الشوامي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (380 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون] قال الشافعي: وقال بعضُ أَهلِ العِلْم: «هي الزَّكَاةُ المَفْرُوضَة» (١). * * *

стр. 142

(٩) مَا يُؤْثَرُ عَنهُ في الزَّكَاةِ (٦٠) أخبرنا أبو سعيد، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]. فَأبَانَ أنَّ في الذَّهبِ والفِضَّة زَكَاةً. وقول الله : ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] يعني واللَّهُ أَعْلَمُ في سبيله التي فَرضَ مِن الزَّكاةِ وغَيرِها. فأما دَفنُ المالِ، فَضَربٌ من إِحْرَازه، وإذا حَلَّ إحْرَازُه بِشيءٍ، حَلَّ بالدَّفْن وغَيرِه» (١). واحتج فيه بابن عمر (٢) وغيره (٣).

стр. 143

(٦١) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «الناسُ عَبيدُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فَمَلَّكَهُم ما شاء أن يُمَلِّكَهُم، وفرض عليهم- فيما مَلَّكهم- ما شاء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء]. فكان فيما آتاهم، أكثر مِمَّا جعل عليهم فيه، وكُلٌّ أَنْعَم فيه عَليهم، جَلَّ ثَنَاؤُهُ. وكان فيما فَرَض عليهم -فيما مَلَّكَهُم-: زكاةً، أبان أنَّ (١) في أموالهم حقًّا لغيرهم -في وقت- على لِسَانِ رَسولِه ﷺ ، وكان حلالًا لهم ملك الأموال، وحرامًا عليهم حبس الزكاة؛ لأنه مَلَّكها غَيرَهُم في وَقت، كما مَلَّكهُم أَمْوالَهم، دُون غيرهم. فكان بَيِّنًا فيما وصفت، وفي قول الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] أنَّ كُلَّ مَالِكٍ تَام المُلْك -مِن حُرٍّ، له مال- فيه زكاة». وبسط الكلام فيه (٢). وبهذا الإسناد، قال الشافعي- في أثناء كلامه في باب زكاة التجارة، في قوله : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]-: «وهذا دَلَالةٌ على أنه إنَّما جَعَل الزَّكاةَ على الزَّرع، وإنما قَصَد به إسقاطَ الزكاة عَن حِنْطَةٍ حَصَلت في يَدِه مِن غَير زِرَاعَةٍ» (٣).

стр. 144

وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله لنبيه ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. قال الشافعي: والصَّلاةُ عَليهم، الدُّعاء لَهُم عِند أَخْذِ الصَّدَقَة مِنهُم. فَحَقٌّ على الوالي-إذا أَخَذ صَدَقةَ امْرئٍ- أن يَدعُو لَه، وأُحِبُّ أَن يَقُول: آجَرَك اللهُ فيما أَعْطَيت، وجعلها لك طَهُورًا وبَارَك لك (١) فيما أَبْقَيْت» (٢). (٦٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: قال الله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: لَسْتُم بآخِذيه لأنفُسِكم مِمَّن لَكُم عَليه حَقٌ، فَلا تُنفِقُوا مِمَّا لا تأخذوا لأنفسكم، يعني: لا (٣) تُعْطُوا مَا خَبُثَ عَليكُم واللَّهُ أَعْلَمُ وعندكُم طَيِّبٌ» (٤). * * *

стр. 145

(١٠) مَا يُؤْثَرُ عَنهُ في الصِّيَامِ قَرأتُ في روَايةِ المُزَنِيِّ، عن الشَّافِعي أنه قال: «قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]، ثم أبان أن هذه الأيام شهر رمضان بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وكان بَيِّنًا في كتاب الله أَلَّا يجب صومٌ، إلا صوم شهر رمضان، وكان عِلمُ شَهر رمضان- عِند مَن خُوطِب باللَّسان- أنه الذي بين شَعْبانَ وشَوَّال» (١). وذكره في رواية حَرْمَلةَ عنه بمعناه، وزاد قال: «فَلَمَّا أَعْلَمَ اللهُ النَّاسَ أَنَّ فَرضَ الصَّوم عليهم: شَهر رمضان، وكانت الأَعاجِم تَعُدُّ الشُّهور بالأيام، لا بِالأهِلَّة، وتذهبُ إلى أن الحِسَاب -إذا عُدَّت الشُّهور بالأهلة- يختلف؛ فأبان اللهُ تعالى: أَنَّ الأَهِلَّةَ هي المواقِيتُ للناس والحَجِّ، وذكر الشهور، فقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦] فَدلَّ على أن الشهور للأهِلَّة؛ إذ جَعلها المواقيتَ، لا ما ذَهَبتْ إليه الأَعاجمُ مِن العَدد بِغير الأَهلة، ثُم بَيَّن رسولُ الله ﷺ ذلك، على ما أنزل الله ، وبَيَّن أَنَّ الشَّهر تِسْعٌ وعِشرون، يعني: أن الشَّهر قَد يَكونُ تِسْعًا وعِشرين، وذلك أنهم قد كانوا يعلمون أن الشَّهرَ يكون ثَلاثين، فَأعْلمَهم أنه قد يكونُ تِسْعًا وعشرين، وأعلمهم أن ذلك للأهلة».

стр. 146

(٦٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا العباسُ، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله تعالى -في فرض الصوم-: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فبيَّن -في الآية- أنه فَرَضَ الصِّيامَ (١) عليهم عددًا، جعل لهم أن يفطروا فيها، مَرْضَي ومُسَافِرين، ويُحْصُوا حتى يُكْمِلُوا العِدَّةَ، وأخبر أنه أراد بهم اليُسْرَ، وكان قول الله : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] يحتمل معنيين: أحدهما: أَنْ لا يَجْعَلَ لهُم صَومَ شَهرِ رَمَضانَ مَرضى، ولا مُسَافِرين، ويَجعلَ عليهم عددًا، إذا مَضَى السَّفَرُ والمَرضُ مِن أَيَّام أُخَر. ويحتمل: أن يكون إنما أَمَرهُم بالفِطْر في هاتين الحالتين، على الرُّخْصَة إِنْ شَاءُوا؛ لِئَلَّا يُحْرَجُوا إن فَعلُوا. وكان فَرضُ الصوم، والأمر بالفطر في المرض والسفر: في آية واحدة. ولم أعلم مخالفًا أَنَّ كُلَّ آيةٍ إنما أُنْزِلَت مُتتابِعَة، لا مُفَرَّقَة (٢). وقد تنزل الآيتان في السُّورة مُفَرَّقَتَيْن (٣) فأما آيةٌ (٤) فلا؛ لأن معنى الآية: أنها كلام واحد غير مُنقَطع» (٥).

стр. 147

وقال في موضع آخر من هذه المسألة: «لأن معنى الآية: معنى قطع الكلام» (١). فإذ صام رسول الله ﷺ في شهر رمضان -يعني في السفر- وفَرْضُ شهر رمضان إنما أنزل في الآية؛ عَلِمْنا أَنَّ الآية بِفِطْرِ المَريضِ والمُسَافِرِ: رُخْصَة. قال الشافعي ﵀: «فَمن أَفطَر أيامًا مِن رمضانَ -مِن عُذْرٍ-: قَضَاهُنَّ مُتَفرقَات، أو مجتمعات؛ وذلك أن الله قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يذكرهن متتابعات» (٢). وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] فقيل: يُطِيقُونَه: كانوا يطيقونه ثم عجزوا عنه (٣) فعليهم -في كل يوم- طَعَامُ مِسْكِينٍ» (٤). في كتاب الصيام -وذلك بالإجازة- (٥) قال: «والحال التي يَترُكُ بها الكبيرُ الصومَ: أن يكون يَجْهَدُهُ الجَهدَ عن المحتمل، وكذلك المَريض والحامل: إذا خافت على ولدها، وكذلك المُرضِع: إذا أَضرَّ بِلبَنِها الإضرار البَيِّن» (٦) وبسط الكلام في شرحه.

стр. 148

وقال في القديم -في رواية الزعفراني عنه-: «سمعتُ مِن أصحابنا من يَتْلُو إذا سُئِلَ عنه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فكأنه يتأول إذا لم يُطِق الصَّومَ: الفِدية». وقرأت في كتاب حَرْمَلَةَ -فيما روى عن الشافعي ﵀ أنه قال: «جِمَاعُ العُكُوفِ: ما لزم المَرءُ، فَحبَس عليه نَفْسَه مِن شيءٍ، برًّا كان أو مَأثَمًا، فهو عاكِفٌ، واحتج بقوله : ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وبقوله تعالى عمن رضي قوله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]. قيل: فهل للاعتكاف المُتبَرَّر، أَصْلٌ في كتاب الله ؟ قال: يعني قال اللهُ : ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والعكوف في المساجد، بِرٌّ». * *

стр. 149

(١١) ما يُؤثَرُ عنه في الحَج (٦٤) وفيما أنبأنا أبو عبد الله الحافظ -إجازةً- أن أبا العباس (١)، حدثهم، قال: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «الآية التي فيها بيانُ فَرْضِ الحج على مَن فُرضَ عليه (٢) = قولُ الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال تعالى: ... ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال الشافعي: أخبرنا ابنُ عُيَيْنة، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن عِكْرِمَةَ، قال: «لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية، قالت اليهود: فنحن مسلمون. فقال الله لنبيه ﷺ : فَحُجَّهُم، فقال لهم النبي ﷺ : حُجُّوا، فقالوا: لم يُكْتَب علينا، وأَبَوا أن يَحُجُّوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. قال عكرمة: مَن كَفَر مِن أَهْل المِلَلَ؛ فإن الله غنيٌ عن العالمين» (٣). قال الشَّافعيُّ: وما أشبه ما قال عكرمة بما قال واللَّهُ أَعْلَمُ؛ لأن هذا كُفرٌ بفَرْض الحَجِّ، وقد أنزله الله، والكفر بآية من كتاب الله: كُفْرٌ. قال الشافعي: أخبرنا مُسلمُ بنُ خَالد، وسَعيدُ بنُ سَالم، عن ابن جُرَيْج،

стр. 150

قال: قال مُجَاهِد -في قول الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ - قال: «هو فيما إنْ حَجَّ لَم يَره بِرًّا، وإنْ جَلَس لَم يَره إِثْمًا» (١). كان سعيد بن سالم (٢)، يذهب إلى أنه كُفرٌ بِفَرض الحَجِّ. قال (٣): «ومن كَفر بآية من كتاب الله كان كافرًا، وهذا -إن شاء الله- كما قال مجاهد، وما قال عكرمة فيه أَوضَح، وإن كان هذا واضحًا» (٤). (٦٥) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] والاستطاعة -في دلالة السنة والإجماع-: أن يكون الرجل يَقدِر على مَرْكَبٍ وزَادٍ يُبَلِّغُهُ ذَاهبًا وجَائِيًا، وهو يَقْوَى على المركب، أو يكون له مالٌ، فَيَستأجِر به مَن يَحُجُّ عنه، أو يكون له مَن إذا أَمَرهُ أنْ يَحُجَّ عنه، أطاعه» (٥). وأطال الكلام في شرحه. وإنما أرَاد به: الاستطاعة التي هي سَببُ وُجوبِ (٦) الحَجِّ، فأما

стр. 151

الاستطاعة التي هي خَلقُ الله تعالى، مع كَسْب العَبد= فقد قال الشافعيُّ في أول كتاب «الرسالة»: «والحمدُ للهِ الذي لا يُؤدَّى شُكرُ نِعمةٍ مِن نِعَمهِ إلا بنعمةٍ منه، تُوجِب على مُؤدِّي مَاضِي نِعَمِه، بأدَائِها: نِعمَةً حَادثَةً يَجب عليه شُكرُه» (١). وقال بعد ذلك: «وأستهديه بهداه (٢) الذي لا يَضِلُّ مَن أَنعَم به عليه» (٣). وقال في هذا الكتاب: «الناس مُتَعبَّدون بأن يقولوا، أو يفعلوا ما أُمِرُوا به (٤) وينتهوا إليه، لا يُجَاوزُونَه؛ لأنهم لم يُعطُوا أنفسَهُم شيئًا، إنما هو عطاءُ اللهِ جَلَّ ثَناؤُهُ، فنسألُ اللهَ عطاءً مُؤدِّيًا لِحَقِّه، مُوجبًا لَمَزيدِه». وكُلُّ هذا فيما: (٦٦) أخبرنا أبو عبد الله، عن أبي العباس، عن الربيع، عن الشافعي. وله- من هذا الجنس- كلامٌ كَثيرٌ يَدُلُّ على صحة اعتقاده في التَّبَرِّي (٥) من حَوْلِه وقُوَّتِه، وأنه لا يستطيع العَبدُ أن يَعملَ بِطَاعَة الله ، إلا بتوفيق الله ، وتَوفِيقُه: نِعمتُه الحَادِثَة التي بها يُؤدَّى شُكرُ نِعمَتِه الماضية، وعطاؤه: الذي به يؤدَّى حَقُّه، وهُدَاهُ: الذي به لا يَضِّلُ من أنعم به عليه.

стр. 152

(٦٧) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: «أَشهُر الحَجِّ، شوَّال، وذو القَعْدة، وذو الحَجَّة، وإنما (١) يُفرضُ الحَجُّ في شَوالٍ كُلِّه، وذي القَعدة كُلِّه، وتِسعٍ مِن ذي الحَجَّة، ولا يُفرَض إذا حَلَّتْ (٢) عَشرُ ذي الحَجَّة، فهو من شهور الحَجِّ، والحَجُّ في بعضه دون بعض». وقال -في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]-: «فَحَاضِرُهُ: مَن قَرُبَ منه، وهو كل مَن كان أَهلُه مِن دُون أَقرب المَواقِيت، دُون لَيْلَتَيْن». (٦٨) وأخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀ فيما بلغه- عن وَكِيع، عن شُعْبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن ... عبدِ الله بن سَلَمة، عن عَلِيٍّ، في هذه الآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: «أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ مِن دُوَيْرة أَهلِه» (٣). (٦٩) وأخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، حدثنا الشافعي، قال: «ولا يَجِبُ دَمُ المُتعَةِ على المُتَمَتِّع، حتى يُهِلَّ بالحَجِّ؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ ثَناؤُهُ يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]

стр. 153

وكان بَيِّنًا في كتاب الله أن التَّمتُّع، هو التمتع بالإِهلال من العُمرة إلى أن يدخُلَ في الإحرام بالحَج، وأنه إذا دَخَل في الإحرام بالحج، فقد أَكمَل التَمتُّع ومضى التمتع، وإذا مضى بكماله: فقد وَجَب عليه دَمُه، وهو قول عمرو بن دينار» (١). قال الشافعي: «ونحن نقول: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْي: شَاةٌ، ويرويه (٢) عن ابن عباس (٣). فإن لم يجد، فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيَّام فيما بين أنْ يُهِل بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يَصُم؛ صام بعد مِنى بمكة، أو في سَفَرِه، وسَبعةِ أيام بعد ذلك» (٤). وقال في موضع آخر: وسبعة في المرجع (٥). وقال في موضع آخر: إذا رجع إلى أهله (٦). (٧٠) وأخبرنا أبو زكريا [ابن أبي إسحاق، حدثنا أبو العباس، حدثنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، حدثنا] (٧) هشام، عن طاوس -فيما أحسِب- أنه قال: الحِجْرُ مِن البَيْتِ، وقال الله : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وقد طاف رسول الله ﷺ مِن وراء الحِجر» (٨).

стр. 154

قال الشافعي- في غير هذه الرواية-: «سمعت عددًا مِن أهل العلم من قُريش يذكرون أَنه تُرِكَ مِن الكَعْبَة في الحِجْر، نَحوٌ مِن سِتَّة أَذرُع» (١). وقال -في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]-: «أما الظاهر، فإنه مأذونٌ بِحِلَاق الشعر للمرض والأذى في الرأس، وإن لم يَمرَض» (٢). (٧١) أنبأني أبو عبد الله -إجازة- أن أبا العباس حَدَّثهم، أخبرنا الربيعُ، قال: قال الشافعي ﵀ في الحج في أن للصبي حَجًّا ولم يُكْتَب عليه فَرضُه-: «إن الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ بفَضل نعمته؛ أَثابَ النَّاسَ على الأعمال أَضعَافَها، ومَنَّ على المؤمنين؛ بأن أَلْحَق بهم ذُرِّيَّاتِهم، وَوفَّر عَليهم أَعمالَهُم فقال: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] فكما مَنَّ عَلى الذَّرارِي بإدخالهم جَنَّته بلا عَمَلٍ، كان أَنْ (٣) مَنَّ عليهم -بأن يَكْتُب لَهم (٤) عَمَلَ البِرِّ في الحَجِّ، وإن لم يَجِب عليهم- من ذلك المعنى» (٥). ثم استدل على ذلك بالسُنَّة. (٧٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ ... إلى: ... ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥] قال الشَّافعي: المثابة في

стр. 155

كلام العرب: المَوضِعُ يَثُوب الناسُ إليه ويَئُوبُون، يَعُودُون إليه بعد الذَّهَاب عنه. وقد يُقَال: ثَابَ إليه: اجْتمع إليه. فالمثابة تُجَمِّع الاجتماع ويئوبون: يجتمعون إليه (١): راجعين بعد ذهابهم عنه، ومبتدئين. قال وَرَقَةُ بنُ نَوْفَل (٢)، يَذكُرُ البَيْتَ: مَثَابًا لأفْنَاءِ القَبَائِل كُلِّها ... تَخُبُّ إليْه اليَعْمَلاتُ الذَّوَابِلُ (٣) وقال خِدَاشُ بنُ زُهَير (٤): فَمَا بَرِحَتْ بَكْرٌ تَثُوبُ وتَدَّعِي ... ويَلْحَقُ منهُم أَوَّلونَ وَآخِرُ (٥) قال الشافعي: وقال الله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا (٦) أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: آمنًا من صار

стр. 156

إليه، لا يُتَخَطَّف اختطاف مَن حولهم. وقال الله لإبراهيم خليله ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. قال الشافعي: سمعت مَن أرضى من أهل العلم يذكر أن الله لما أمر بهذا، إبراهيم ﵇: وقف على المقام، فصاح (١) صَيحةً: عبادَ الله، أجيبُوا داعِيَ الله، فاستجاب له حتى مَن في (٢) أَصْلابِ الرجال، وأَرحَامِ النساء، فَمن حَجَّ البيتَ بعد دَعوتِه؛ فَهُو مِمَّن أجاب دعوتَه، ووافاه مَن وَافاه، يقولون: لَبَّيكَ داعي رَبِّنا لَبيك» (٣). وهذا -من قوله: «وقال لإبراهيم خليله» - إِجازَةً، وما قبله قِراءَةً (٤). (٧٣) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَمُّ، أخبرنا الربيع، قال: سألتُ الشَّافِعيَّ عَمَّن قَتل مِنَ الصَّيد شيئًا وهو مُحْرِمٌ؟ فقال: «مَن قَتل مِن دَوَابِّ (٥) الصَّيد، شيئًا، جزاه بمثله مِنَ النَّعَم؛ لأن اللهَ تعالى يقول: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. والمِثلُ لا يَكونُ إلا لِدَوابِّ (٦) الصَّيد، فأما الطائر، فلا مِثلَ له، ومِثلُهُ: قيمته، إلا أنَّا نَقولُ في حَمَام

стр. 157

مَكة -اتِّباعًا للآثار-: شاة» (١). (٧٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي- في قوله : ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]-: «والمِثْلُ واحِدٌ، لا أمثال، فكيف زَعمتَ أنَّ عَشَرةً لو قتلوا صَيدًا؛ جَزَوْهُ بِعشْرَة أمثال» (٢). وجرى في كلام الشافعي -في الفَرق بين المِثل وكَفَّارة القتل-أن الكفارة مُؤَقَّتة، والمِثل غير مؤقت، فهو بالدِّية والقِيمَة، أشبه، واحتج في إيجاب المثل في جزاء دوابِّ (٣) الصيد -دون اعتبار القيمة- بظاهر الآية، قال الله : ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥].وحَكَم عُمَرُ، وعبدُ الرحمن، وعُثمانُ، وابنُ عباس، وابنُ عمر، وغيرُهم ﵃ في بلدان مختلفة، وأزمان شتى-: بالمثل مِن النَّعَم، فَحكَم حَاكِمُهُم في النَّعَامة: بِبَدَنة والنعامة لا تساوي بدنة، وفي حِمار الوحش: ببقرة، وهو لا يسوي بقرة، وفي الضبع: بِكبْش، وهو لا يسوي كبشًا، وفي الغزال بِعَنْز: وقد يكون أكثر ثمنًا منها أضعافًا، ومِثلها ودُونها، وفي الأرنب: بِعَنَاق، وفي اليَربُوع: (٤) بِجَفْرَة (٥)، وهما لا يَسْويَان عَناقًا (٦) ولا جَفْرةَ أبدًا.

стр. 158

فهذا يَدُلُّك على أنهم إنما نظروا إلى أقرب ما قُتِل من الصيد شَبهًا بالبُدْن، لا بالقيمة، ولو حكموا بالقيمة؛ لاختلفت أحكامهم؛ لاختلاف أسعار ما يقتل في الأزمان والبلدان» (١). (٧٥) أخبرنا أبو زَكَريَّا ابنُ أبي إسْحَاقَ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سِعيدُ بن سَالِم، عن ابن جُرَيج، قال: قلت لِعَطاءٍ: قول الله : ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥]. قلت (٢): فَمَن قتله خَطأً، أيغرم؟ قال: نعم؛ يُعَظِّم بذلك حُرماتِ الله، ومَضَت به السُّننُ» (٣). قال (٤): «وأخبرنا مسلمٌ، وسَعِيدٌ، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، قال: رأيت الناس يُغَرَّمُون في الخَطَإِ» (٥). وروى الشافعي (٦) في ذلك حديثَ عُمَرَ، وعبدِ الرَّحمن بن عَوْفٍ ﵄، في رجلين أَجْرَيا فَرسَيْهما، فأصابا ظَبيًا (٧) وهما مُحرمان، فَحكمَا عليه بِعَنْز،

стр. 159

وقرأ عمر ﵁: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقاس الشَّافعيُ ذلك في الخَطإ على قتل المؤمن خطأً، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] والمَنع عَن قتلهما (١) عام، والمسلمون لم يُفرِّقُوا بين الغُرم في الممنوع مِن النَّاس والأموال في العمد والخطإ (٢). (٧٦) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشَّافعي، قال: «أَصْلُ الصيد الذي أُمِر المُحرِم أن يَجْزيَه بدلالة القرآن والسنة والمعقول = الصَّيد الذي يُؤكلُ لَحْمُه، وإن كان غَيره يُسَمى صيدًا. ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] الآية (٣)، معقول عندهم أنه إنما يرسلونها على ما يُؤكَل، أولا ترى إلى قول الله : ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. فدل جَلَّ ثَنَاؤُهُ على أنه إنما حَرَّم عليهم -في الإحرام- صَيدَ البَرِّ ما كان حَلالًا لهم قَبل الإحرام يَأكُلوهُ» (٤). زاد في موضع آخر: «لأنه واللَّهُ أَعْلَم لا يُشْبِه أن يكونَ حُرِّم في الإحرام

стр. 160

خَاصَّةً، إلا ما كان مُباحًا قَبلَه، فأما ما كان مُحَرَّما على الحَلال، فالتَّحريمُ الأول كَافٍ منه» (١). قال: ولولا أن هذا معناه ما أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلب العَقُور، والعَقْرب، والغُرَاب، والحِدَأة، والفَأْرة يعني (٢): في الحل والحرم، ولكنه إنما أباح لهم قَتْل (٣) ما أَضَر مِمَّا لا يُؤكَل لَحمُه. وبسط الكلام فيه. (٧٧) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم، عن ابن جُرَيج، عن عَطَاءٍ، قال: لا يَفْدِي المُحرمُ مِنَ الصَّيد، إلا ما يؤكل لحمه» (٤). (٧٨) وفيما أنبأني أبو عبد الله -إجازة- أن أبا العباس حدثهم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: قول الله : ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] قال: عفا الله عما كان في الجاهلية. قلت: وقوله (٥): ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] وعليه في ذلك الكفارة» (٦). وشَبَّهَ الشَّافِعيُّ ﵀ ذلك: بِقَتل الآدَمي، والزِّنا وما فيهما، وفي الكُفر

стр. 161

مِن الوَعيد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ... ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] وما في كل واحد منهما (١) مِن الحُدود في الدُّنيا = دَلَّ هذا على أنَّ النِّقمة في الآخِرة، لا تُسقِط حُكمًا غيرها في الدنيا» (٢). (٧٩) أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سَعيدٌ، عن ابن جُرَيج، [عن عمرو بن دِينَارٍ قال: «كُلُّ شَيءٍ في القُرآن «أَوْ، أَوْ»: له أَيُّهُ شاء (٤). قال ابن جريج: ] (٣) إلا قولَ اللهِ : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] فليس بِمُخَيَّر فيها» (٥). قال الشافعي: كما قال ابنُ جُريج وغَيره (٦)، في المحارب وغيره -في هذه المسألة- أقول» (٧). ورواه أيضًا سعيدٌ، عن ابن جُرَيج، عن عَطَاءٍ: «كُلُّ شيءٍ في القُرآن «أو»، يَختَارُ منه صَاحبُه ما شاء» (٨).

стр. 162

واحْتَجَّ الشافعيُّ في الفِديَة بِحديث كَعْبِ بن عُجْرَةَ (١). (٨٠) وأخبرنا أبو زكريا، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيدٌ، عن ابن جريج، قلت لعطاء: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] قال: «مِن أَجْل أَنَّه أصابه في حَرَمٍ -يُريدُ (٢) البيتَ- كَفَّارةُ ذلك عندَ البيت» (٣). فأما الصوم: (٨١) فأخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعيُّ: «فإن جَزائه بالصوم حيث شاء؛ لأنه لا مَنفَعةَ لمساكين الحَرَم، في صِيامه» (٤). واحْتَجَّ فيما:

стр. 163

(٨٢) أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازة- عن أبي العباس، عن الربيع، عن الشافعي، فقال: «أَذِن اللهُ للمُتَمَتِّع أن يكونَ صَومُه ثَلاثَة أَيَّام في الحَجِّ، وسَبْعَة إذا رَجَع، ولم يَكُن في الصَّوم مَنفعَةٌ لِمسَاكينَ الحَرم، وكان على بَدَن الرَّجُل، وكان عَملًا بِغَير وَقت، فيعمله حيث شاء» (١). (٨٣) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الرَّبيعُ، أخبرنا الشَّافعِيُّ، قال: «الإِحْصَارُ الذِي ذَكر اللهُ ﵎ (٢) فقال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] = نَزلَ يَومَ الحُدَيْبِيَة، وأُحْصِر النَّبيُّ ﷺ (٣)، فَمَن حَال بَينَه وبَيْن البَيتِ مَرَضٌ حَابِس، فَليْس بِداخِلٍ في مَعنى الآيَة؛ لأنَّ الآيةَ نَزلت في الحَائِل مِن العَدُوِّ واللَّهُ أَعْلَم» (٤). وعن ابن عباس: «لا حَصْرَ إلا حَصْرَ العَدُوِّ» (٥) وعن ابن عمر وعائشة، معناه. قال الشافعي: ونَحَر رسولُ اللهِ ﷺ في الحِلِّ، وقَد قيل: نَحر في الحرم، وإنَّما ذَهبنا إلى أنه نَحَر في الحِلِّ -وبَعضُ الحديبية في الحِل، وبَعضُها في الحَرم-؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. والحَرمُ كُلُّه مَحِلُّه عند أهل العلم، فَحيثُ

стр. 164

مَا أُحْصِر ذَبحَ شَاةً وحَلَّ. قال: ولا قَضَاء عَليه، إلا أن لا يَكُونَ حَجَّ حَجَّةَ الإسلام، فَيَحجها؛ مِن قِبَل قَولِ الله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولم يَذكُر قَضَاءً (١). (٨٤) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]. وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ﴾ [فاطر: ١٢] قال الشافعي: فكل ما كان فيه صيد، في بِئْرٍ كان، أو في مَاءٍ مُسْتَنقَع، أو غَيره (٢)، عَذْبٌ، ومَالِحٌ فهو بحر، في حِلٍّ كان أو حَرَمٍ، مِن حُوتٍ أو ضَرْبه، مِمَّا يَعيشُ في المَاءِ عَيْشَهُ = فَلِلمُحْرِم والحَلَال أَن يُصِيبَه ويَأْكُلَه، فَأمَّا طَائِرُه -فإنه يَأوِي إلى أَرْضٍ فيه- مِن صَيد البر، إذا أُصِيبَ جُزِيَ» (٣). (٨٥) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: وقال الحسين بن محمد المَاسَرْجِسِيُّ- فيما أُخبِرتُ عنه، أخبرنا (٤) محمد بن سفيان، أخبرنا يونُس بنُ عبدِ الأعلى، قال: قال الشافعي ﵀ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قال: «كَانت قُرَيش قَبائِل وقبائل (٥)

стр. 165

مَعها لا يَقْفِون بِعَرفَات، وكانوا يَقُولون: نُحنُ الحُمْس، لم نُسْبَ (١) قَط، ولا دُخِل عَلينا في الجاهلية، وليس نُفارِقُ الحَرم، وكان سَائِرُ النَّاس يَقِفُون بِعَرفَات، فأمرهم اللهُ أن يَقِفُوا بِعَرَفة مَع النَّاس» (٢). قال (٣): وقال لي محمدُ بن إِدريس: «الأيامُ المَعْلُومَات: أَيامُ العَشْر كُلِّها والمَعدودات: أَيَّامُ مِنًى فقط». زاد في كتاب البُوَيْطِي: «ونظن كذلك رُوِي عن ابن عباس» (٤). * * *

стр. 166

(١٢) ما يُؤْثر عنه في البُيُوع، والمعَامَلات والفرَائِض، والوَصَايا (٨٦) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله ﵎: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فاحتمل إحلالُ اللهِ البيعَ، معنيين: أحدهما: أن يكونَ أَحلَّ كُلَّ بَيعٍ تَبَايَعهُ مُتَبايعَان جَائِزي الأَمر فِيمَا تَبايَعَاه عن تَراضٍ منهُما. وهذا أَظْهَر مَعانِيه. والثاني: أن يكونَ اللهُ أَحلَّ البيعَ إذا كان مِمَّا لَم يَنْه عنه رَسولُ الله ﷺ ... -المُبينُ عَن اللهِ مَعنى مَا أَراد- فَيكُونُ هذا مِن الجُمَل (١) التي أَحْكَم اللهُ فَرْضَها بكتابه، وبَيَّن كيف هي عَلى لِسَانِ نَبيِّه ﷺ ، أو مِن العَام الذِي أَرَاد به الخَاص، فَبيَّن رسولُ اللهِ ﷺ ما أُرِيدَ بإحْلالِه منه، وما حُرِّم، أو يكون دَاخِلًا فيهما، أو مِن العَام الذي أبَاحَه، إلا ما حَرَّم عَلى لِسانِ نَبيِّه مِنه، وما في معناه، كما كان في الوُضُوء فرضًا على كُلِّ مُتَوضِّئ لا خُفَّان (٢) عَليه لَبِسَهُما عَلى كَمالِ الطَّهارَة. وأَيُّ هذه المَعاني كان، فقد أَلزَمَه اللهُ خَلْقَه، بما فَرضَ مِن طَاعَة ... رَسولِ الله (٣) ﷺ .

стр. 167

فلما نهى رسولُ الله ﷺ عن بُيوعٍ تراضى (١) بها المتبايعان؛ اسْتَدللنا على أن اللهَ تعالى أراد بما أَحلَّ مِن البُيوع ما لم يَدُل على تَحريمِه على لِسَان نَبيِّه ﷺ (٢). (٨٧) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله ﵎: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال ... جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. قال: وكان بَيِّنًا في الآية: الأَمرُ بالكتاب في الحَضَر والسَّفَر، وذكر الله الرَّهْن إذا كانوا مُسَافرين، ولم يَجِدوا كاتبًا. فكان معقولا واللَّهُ أَعْلَمُ فيها: أنهم أُمِروا بالكتاب والرهن احْتِياطًا لمالك الحق بالوثيقة والمملوك عليه؛ بأن (٣) لا ينسى ويذكر، لا أنه فَرضَ عليهم أن يكتبوا، أو يأخذوا رَهنًا، لقول الله : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]» (٤). «قال الشافعي: وقول الله : ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. يَحتملُ كُلَّ دَينٍ، ويَحْتمل السَّلف خَاصَّة، وقد

стр. 168

ذهب فيه ابنُ عبَّاس: إلى أنه في السَّلَف (١). وقلنا به في كُلِّ دَين، قياسًا عليه؛ لأنه في معناه» (٢). (٨٨) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦].قال: فَدلَّت هذه الآيةُ عَلى أَنَّ الحَجْر ثَابتٌ على اليتامى، حتى يجمعوا خَصْلَتَين: البُلوغَ والرُّشدَ. فالبلوغ: استكمال خَمْس عَشْرَةَ سَنة، إلا أن يَحْتَلِم (٣) الرجلُ، أو تَحيضَ المَرأةُ قَبل خمس عشرة سنة، فيكون ذلك البلوغ. قال: والرشد واللَّهُ أَعْلَم: الصَّلاح في الدِّين حتى تكون الشهادَة جَائِزة وإصلاح المال، بأن يُخْتَبر اليَتيمُ» (٤). وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «أمر اللهُ بدَفْع أموالهما إليهما وسَوَّى فيما (٥) بين الرجل والمرأة.

стр. 169

وقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فدلت هذه الآية على أن على الرجل أَن يُسْلِم إلى المَرأة نِصفَ مَهرِها، وأنها مُسَلطة على أن تعفوَ عن مالها، وندب الله إلى العفو، وذَكَر أنه أقربُ للتقوى، وسَوَّى بين الرَّجُل والمرأة، فيما يجوز من عَفو كُلِّ واحدٍ منهما، ما وجب له، وقال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤] فجعل عليهم إِيتَاءَهُن ما فرض لَهُنَّ، وأَحَلَّ للرِّجَال أَكْلَ مَا طَاب نِساؤُهُم عنه نَفسًا» (١). واحتج أيضًا بآية الفِدْيَة في الخُلع، وبآية الوَصِيَّة والدَّيْن. ثم قال: «وإذا كان هذا هكذا: كان لها أن تُعْطِي مِن مَالِها ما شاءَت، بغير إذْن زَوجِها». وبسط الكلام فيه (٢). (٨٩) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعيُّ: «أَثبت الله الوَلاية على السَّفيه، والضعيف، والذي لا يَستطِيع أن يُمِلَّ، وأَمر وَلِيَّه بالإملاء عليه؛ لأنه أقامه -فيما لا غَنَاءَ به (٣) عنه من ماله- مقامه. قال: وقد قيل: الذي لا يستطيع أن يُمِلَّ: يحتمل المغلوب على عقله، وهي أشبه معانيه واللَّهُ أَعْلَمُ» (٤).

стр. 170

وبهذا الإسناد، قال الشافعي ﵀: «ولا يُؤاجَرُ (١) الحُرُّ في دَيْنٍ عليه إذا لم يوجد له شيء. قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] (٢). (٩٠) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].فهذه الحُبس التي كان أهل الجاهلية يَحبِسُونها، فأبطل الله شُروطَهم فيها، وأبطلها (٣) رسول الله ﷺ بإبطال الله إياها، وهي: أن الرجل كان يقول (٤): إذا نَتَج فَحْلُ إبلي (٥)، ثم ألقح، ما نتج منه، فهو حام، أي: قد حمى ظهره، فَيحْرُم ركوبه، ويَجعل ذَلك شبيهًا بالعِتْق له، ويقول في البَحِيرة، والوَصِيلَة على معنًى يوافِق بعضَ هذا، ويقول لعبده: أنت حُرٌّ سَائِبة، لا يكون لي ولاؤُك، ولا عَليَّ عَقْلُك. وقيل أيضًا أنه في البهائم: قد سَيَّبتُك. فَلمَّا كان العِتق لا يَقَع على البَهائِم، رَدَّ رسولُ الله ﷺ تلك (٦) البَحيرَة، والوَصِيلة، والحَام، إلى مَالِكه، وأَثْبتَ العِتقَ، وجَعل الوَلاءَ لِمَن أَعْتَق السائبة» (٧).

стр. 171

وذكر في كتاب «البَحِيرَة» -في تفسير البَحِيرَة-: «أنها النَّاقة تُنْتَجُ بُطونًا، فَيَشُقُّ مَالكُها أُذُنها، ويُخلِّي سَبيلَها. قال: وقال بعضهم: خمسة (١) بُطون، وقال بعضهم: إذا كانت تلك البطون كُلها إناثًا. قال: والوَصِيلَةُ: الشَّاة تُنْتَج الأَبطُن، فإذا ولَدت آخَر بَعد الأَبطُن التي وَقَّتُوا لها، قيل: وَصَلت أخاها. وقال بعضهم: تُنْتَجُ الأَبْطُن الخمسة عَنَاقَيْن عَنَاقَين في كُل بطن، فيقال: هذا وصيلة، يَصِلُ كُلَّ ذي بَطنٍ بأخ له معه. قال: وقد يوصلونها في ثلاثة أبطن، وفي خمسة، وفي سبعة. قال: والحام: الفَحْل يَضرب في إبل الرَّجل عَشر سِنين، فَيُخَلَّى، ويقال: قد حَمى هذا ظهره، فلا ينتفعون مِن ظَهرِه بشيء. قال: وزاد بعضهم، فقال: يكونُ لهم مِن صُلبه، أو ما أَنْتج مما خَرج مِن صُلبه عَشرٌ مِن الإبِل، فيقال: قد حمى هذا ظهرَه. وقال في السَّائبة -ما قدمنا ذكرَه- وكانوا يَرجُون به البركةَ في أموالهم ويَنالُون به عندهم مَكْرُمة في الأخلاق، مع التَّبَرُّر بما صَنعوا فيه» (٢). وأطال الكلام في شرحه.

стр. 172

وهو منقول في كتاب الولاة، من «المبسوط» (١). (٩١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. نَزلت بأن النَّاس تَوارَثُوا (٢) بالحِلف، ثم توارثوا بالإسلام والهجرة، فكان المُهاجِرُ يَرثُ المُهاجرَ، ولا يَرِثُه -مِن وَرَثَتِه- مَن

стр. 173

لم يكن مهاجرًا، وهو أقرب إليه ممن ورثه (١)، فنزلت فيه (٢): ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ على ما فُرِضَ لهم» (٣). (٩٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: قال الحسين بن محمد -فيما أُخْبِرتُ عنه-: أخبرنا محمد بن سفيان، حدثنا يونُس بن عبد الأَعْلَى، قال: قال لي الشافعي-في قوله : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]-: «نُسِخ بما جَعَل اللهُ للذكر والأنثى من الفرائض. وقال لي-في قوله : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ [النساء: ٨] الآية-: قِسْمَة المَوَاريث، فَليتَّق اللهَ مَن حَضَر، ولْيَحضُر بخير، ولْيَخَف أن يُحضَر- حين يُخَلَّف هو أيضًا- بما حَضَر غيرَه». (٩٣) وأخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله تبارك تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] فأمر الله أن يُرزَق مِن القِسمة أُولُوا القُربى واليتامى والمساكين الحاضرون القسمة، ولم يكن في الأمر في الآية أن يُرزَق مِن (٤) القِسْمة، مِثلُهم-في القَرابَة واليُتْم والمَسْكَنة- مِمَّن لم يَحضُر، ولهذا أَشْباهٌ

стр. 174

وهي: أَن تُضيف مَن جَاءَك، ولا تضيف مَن لم يَقْصِد قصدك إلا أن تَطَّوع» (١). وجعل نَظِير ذلك: تَخْصِيص النَّبيِّ ﷺ بالإجلاس معه، أو تَرْوِيغِه (٢) لُقْمة- مَن وَلِي الطَّعام مِن مَمَالِيكِه (٣). قال الشافعي: «وقال لي بعضُ أصحابِنا -يعني في الآية-: قسمة المَواريث، وقال بعضهم: قسمة المِيراثِ وغيرِه مِن الغَنائِم. فهذا أَوْسع وَأَحب إليَّ، يُعطُون ما طَاب به نَفس المُعطِي، لا يُوقَّت، ولا يُحرَمُون» (٤). (٩٤) أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي -فيما نُسِخ مِن الوصايا-: «قال الله : ... ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. قال: فكان فَرضًا في كتابِ اللهِ ، على مَن تَرَك خيرًا، والخَيرُ: المال= أن يُوصِي لوالِدَيه وأقربيه. وزعم بعضُ أهلِ العِلم: أنَّ الوصِيةَ للوالدين والأقربين الوارِثِين،

стр. 175

مَنسُوخةٌ، واختلفوا في (١) الأقربين غَيرِ الوَارِثين، فَأكثرُ مَنْ لَقيتُ مِن أهل العلم -مِمَّن حَفِظتُ عنه- قال: الوَصَايا مَنسُوخَةٌ؛ لأنه إنما أُمِر بها إذا كانت إنما يُوَرَّثُ بها، فَلمَّا قَسَم اللهُ المِيراث كانت تَطوعًا، وهذا- إن شاء الله- كُلُّه كما قالوا» (٢). واحتج عليه الشافعيُّ ﵀ بآية المِيراث، ولِمَا رُوي عن النبي ﷺ من قوله: «لا وَصِيَّةَ لِوارِث» (٣). واحْتَجَّ في جَواز الوَصِيَّة لغَير ذِي الرَّحِم، بحديث عِمْرانَ بنِ الحُصَين: «أنَّ رجُلًا أَعْتَق سِتَّةَ مَمْلُوكِين له، ليس لَه مَالٌ غَيرُهم، فَجَزَّأَهُم النبيُّ ﷺ ثَلاثةَ أَجْزاء، فَأعْتَق اثْنَين، وَأَرَقَّ أَرْبَعة» (٤). والمُعتِقُ عَربيٌّ، وإنما كانت العَربُ تَملِك مَن لا قَرَابَة بَينها وبينه، فلو لم تَجُز الوصِية إلا لِذي قَرَابَة، لم تَجُز للمَملُوكِين، وقد أجازها لَهُم ... رسولُ الله ﷺ (٥).

стр. 176

(٩٥) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عَمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيعُ، قال: قال الشَّافعِيُّ في المُسْتوْدَع: «إذا قال (١): دَفعتُها إليك، فالقول: قوله، ولو قال: أَمرتَنِي أن أَدْفعها إلى فلان، فَدفعتُها، فَالقَولُ قول المُسْتَودِع، قال الله : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقال في اليتامى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] =وذلك أنَّ وَلِيَّ اليَتِيم إنما هو وَصِيُّ أبيه، أَوْ وَصَّاه الحَاكِمُ، ليس أَن اليَتيمَ اسْتَودَعَهُ، والمَدفُوعُ إليه غَيرُ المُستَودَع وكان عليه أَن يُشْهِد عليه إِنْ أَرادَ أن يَبْرَأ، وكذلك الوَصِي» (٢). * * *

стр. 177

(١٣) ما يُؤثر عنه في قَسْم الفَيْء، والغنِيمَة، والصَّدقات (٩٦) أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازةً- أنَّ أبا العباس حدَّثهُم أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٦ - ٧]. قال الشافعي: فَالْفَيءُ والغَنِيمَة يَجتمعان في أَنَّ فِيهِما الخُمْس مِن جميعهما، لِمَن سَمَّاه اللهُ له، ومَن سَمَّاه الله له في الآيتين معًا سواء مُجتمعين غَير مُتفرقين. ثم يَفترقُ الحُكم في الأربعة الأَخْماس، بما بَيَّن اللهُ ﵎ على لِسانِ نبيِّه ﷺ وفي فعله، فإنه قَسم أَربعة أَخْمَاس الغَنيمة، والغنيمةُ: هي المُوجَف عَليها بالخَيْل والركاب لِمن حَضَر مِن غَنِيٍّ وفقير، والفَيء هُو: ما لم يُوجَف عَليه بِخَيْل ولا رِكَاب. فكانت سُنةُ رسولِ الله ﷺ في قُرى عُرَينة (١) -التي أفاءها الله عليه-: أنَّ أربعةَ أَخمَاسِها لِرسُول الله ﷺ خَاصة دُون المُسلمين، يَضَعُه رَسولُ الله ﷺ

стр. 178

حيثُ أَراه اللهُ تعالى» (١). وذَكر الشافعيُّ هاهنا حديثَ عُمرَ بن الخَطاب ﵁ أنه قال: «كانت أموالُ بني النَّضِير مِمَّا أفاء اللهُ عَلى رسوله، مِمَّا لم يُوجِف عَليه المُسلمون بِخَيل ولا رِكَاب، فكانت لِرسُول الله ﷺ خَاصَّة (٢) دون المسلمين، وكان رسولُ الله ﷺ يُنفِقُ منها على أهله نَفَقةَ سَنَة، فَما فَضل جَعلَه في الكُراع والسِّلاح عُدَّة في سَبيل اللهِ » (٣). قال الشافعي ﵀: «هذا كلامٌ عَربيٌّ، إنما يعني عمرُ ﵁: لرسول الله ﷺ خاصة، ما كان يكون للمسلمين المُوجِفِين، وذلك أربعة أخماس، فاستدللتَ بخبر عُمر عَلَى أَنَّ الكُلَّ ليس لأهل الخُمُس، واسْتَدللتُ بقول الله ﵎ في الحشر: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] = على أَنَّ لهم الخُمس، وأنَّ الخُمُسَ إذا كان لهم، فلا يُشَك (٤) أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سَلَّمَهُ لهُم.

стр. 179

واستدللنا إذ كان حكم الله في الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] فاتَّفق الحُكْمان، في سُورة الحَشر وسورة الأنفال، لقوم موصوفين، أَنَّ ما لَهُم مِن ذلك الخُمس، لا غيره (١)» (٢). وبسط الكلام في شرحه. قال الشافعي: «[وَوجَدتُ اللهَ حَكَم في الخُمُس: بِأنَّه عَلى خَمسَة؛ لأن قول الله : ﴿لِلَّهِ﴾ مِفْتَاحُ كَلامِ: لله كل شيء، وله الأمرُ مِن قَبل، ومِن بعد» (٤). قال الشافعي: ] (٣) «وقد مضى من كان (٥) يُنفِقُ عليه رسولُ الله ﷺ ، فلم أعلم أن أحدًا مِن أهل العِلْم قال: لورثتهم تلك النفقة، ولا خالف في أَن تُجْعَل تِلك النفقات حيثُ كان رسولُ الله ﷺ يَجعل فُضُول غَلات تِلك الأموال، مِمَّا فيه صَلاحُ الإِسلامِ وأَهلِه» (٦). وبسط الكلام فيه. قال الشافعي ﵀: «ويُقْسَم سَهمُ ذِي القُربى على بَني هَاشِم وبَني المُطَّلِب» (٧).

стр. 180

واسْتدَلَّ بحديث جُبَيْر بن مُطْعِم في قِسمَة رَسولِ اللهِ ﷺ سَهْمَ ذِي القُربى، بَيْن بني هاشم وبَني المُطَّلِب، وقوله: «إنما بَنو هَاشِم وبَنو المُطَّلِب شَيءٌ واحِد» (١). وهو مذكور بشواهده في موضعه من كتاب «المبسوط»، و «المعرفة» (٢)، و «السنن» (٣). قال الشافعي ﵀: «كُلُّ مَا حُصِّل مِمَّا غُنِم مِن أَهْل دَار الحَرب قَسْمٌ كُلُّه، إلا الرِّجال البَالَغِين، فالإمام فيهم بالخيار، بَين أَن يَمُنَّ على مَن رَأى مِنهُم أو يَقْتُل، أو يُفَادِي، أو يَسْبِي. وسَبيلُ ما سَبى (٤)، ومَا أَخَذ مِمَّا فَادَى: سَبيلُ ما سِواه مِن الغَنيمَة» (٥). واحتج في القديم بقول الله : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] وذلك -في بيان اللغة- قبل انقطاع الحرب. قال: وكذلك فَعَل رَسولُ اللهِ ﷺ في أُسَارى بدر، مَنَّ عَليهم، وفَدَاهُم،
следующие страницы →