← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 92

أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي ت الشوامي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (380 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(٩٥) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عَمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيعُ، قال: قال الشَّافعِيُّ في المُسْتوْدَع: «إذا قال (١): دَفعتُها إليك، فالقول: قوله، ولو قال: أَمرتَنِي أن أَدْفعها إلى فلان، فَدفعتُها، فَالقَولُ قول المُسْتَودِع، قال الله : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقال في اليتامى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] =وذلك أنَّ وَلِيَّ اليَتِيم إنما هو وَصِيُّ أبيه، أَوْ وَصَّاه الحَاكِمُ، ليس أَن اليَتيمَ اسْتَودَعَهُ، والمَدفُوعُ إليه غَيرُ المُستَودَع وكان عليه أَن يُشْهِد عليه إِنْ أَرادَ أن يَبْرَأ، وكذلك الوَصِي» (٢). * * *

стр. 177

(١٣) ما يُؤثر عنه في قَسْم الفَيْء، والغنِيمَة، والصَّدقات (٩٦) أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازةً- أنَّ أبا العباس حدَّثهُم أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٦ - ٧]. قال الشافعي: فَالْفَيءُ والغَنِيمَة يَجتمعان في أَنَّ فِيهِما الخُمْس مِن جميعهما، لِمَن سَمَّاه اللهُ له، ومَن سَمَّاه الله له في الآيتين معًا سواء مُجتمعين غَير مُتفرقين. ثم يَفترقُ الحُكم في الأربعة الأَخْماس، بما بَيَّن اللهُ ﵎ على لِسانِ نبيِّه ﷺ وفي فعله، فإنه قَسم أَربعة أَخْمَاس الغَنيمة، والغنيمةُ: هي المُوجَف عَليها بالخَيْل والركاب لِمن حَضَر مِن غَنِيٍّ وفقير، والفَيء هُو: ما لم يُوجَف عَليه بِخَيْل ولا رِكَاب. فكانت سُنةُ رسولِ الله ﷺ في قُرى عُرَينة (١) -التي أفاءها الله عليه-: أنَّ أربعةَ أَخمَاسِها لِرسُول الله ﷺ خَاصة دُون المُسلمين، يَضَعُه رَسولُ الله ﷺ

стр. 178

حيثُ أَراه اللهُ تعالى» (١). وذَكر الشافعيُّ هاهنا حديثَ عُمرَ بن الخَطاب ﵁ أنه قال: «كانت أموالُ بني النَّضِير مِمَّا أفاء اللهُ عَلى رسوله، مِمَّا لم يُوجِف عَليه المُسلمون بِخَيل ولا رِكَاب، فكانت لِرسُول الله ﷺ خَاصَّة (٢) دون المسلمين، وكان رسولُ الله ﷺ يُنفِقُ منها على أهله نَفَقةَ سَنَة، فَما فَضل جَعلَه في الكُراع والسِّلاح عُدَّة في سَبيل اللهِ » (٣). قال الشافعي ﵀: «هذا كلامٌ عَربيٌّ، إنما يعني عمرُ ﵁: لرسول الله ﷺ خاصة، ما كان يكون للمسلمين المُوجِفِين، وذلك أربعة أخماس، فاستدللتَ بخبر عُمر عَلَى أَنَّ الكُلَّ ليس لأهل الخُمُس، واسْتَدللتُ بقول الله ﵎ في الحشر: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] = على أَنَّ لهم الخُمس، وأنَّ الخُمُسَ إذا كان لهم، فلا يُشَك (٤) أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سَلَّمَهُ لهُم.

стр. 179

واستدللنا إذ كان حكم الله في الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] فاتَّفق الحُكْمان، في سُورة الحَشر وسورة الأنفال، لقوم موصوفين، أَنَّ ما لَهُم مِن ذلك الخُمس، لا غيره (١)» (٢). وبسط الكلام في شرحه. قال الشافعي: «[وَوجَدتُ اللهَ حَكَم في الخُمُس: بِأنَّه عَلى خَمسَة؛ لأن قول الله : ﴿لِلَّهِ﴾ مِفْتَاحُ كَلامِ: لله كل شيء، وله الأمرُ مِن قَبل، ومِن بعد» (٤). قال الشافعي: ] (٣) «وقد مضى من كان (٥) يُنفِقُ عليه رسولُ الله ﷺ ، فلم أعلم أن أحدًا مِن أهل العِلْم قال: لورثتهم تلك النفقة، ولا خالف في أَن تُجْعَل تِلك النفقات حيثُ كان رسولُ الله ﷺ يَجعل فُضُول غَلات تِلك الأموال، مِمَّا فيه صَلاحُ الإِسلامِ وأَهلِه» (٦). وبسط الكلام فيه. قال الشافعي ﵀: «ويُقْسَم سَهمُ ذِي القُربى على بَني هَاشِم وبَني المُطَّلِب» (٧).

стр. 180

واسْتدَلَّ بحديث جُبَيْر بن مُطْعِم في قِسمَة رَسولِ اللهِ ﷺ سَهْمَ ذِي القُربى، بَيْن بني هاشم وبَني المُطَّلِب، وقوله: «إنما بَنو هَاشِم وبَنو المُطَّلِب شَيءٌ واحِد» (١). وهو مذكور بشواهده في موضعه من كتاب «المبسوط»، و «المعرفة» (٢)، و «السنن» (٣). قال الشافعي ﵀: «كُلُّ مَا حُصِّل مِمَّا غُنِم مِن أَهْل دَار الحَرب قَسْمٌ كُلُّه، إلا الرِّجال البَالَغِين، فالإمام فيهم بالخيار، بَين أَن يَمُنَّ على مَن رَأى مِنهُم أو يَقْتُل، أو يُفَادِي، أو يَسْبِي. وسَبيلُ ما سَبى (٤)، ومَا أَخَذ مِمَّا فَادَى: سَبيلُ ما سِواه مِن الغَنيمَة» (٥). واحتج في القديم بقول الله : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] وذلك -في بيان اللغة- قبل انقطاع الحرب. قال: وكذلك فَعَل رَسولُ اللهِ ﷺ في أُسَارى بدر، مَنَّ عَليهم، وفَدَاهُم،

стр. 181

والحَرب بينه وبين قُريش قَائِمَة، وعَرَض على ثُمَامَة بنِ (١) أُثَال -وهو يَومِئذٍ وقَومُه أهل اليمامة حَربٌ لِرسُولِ الله ﷺ أَنَّ يَمُنَّ عليه. وبسط الكلام فيه (٢). (٩٧) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، حدثنا أبو العَباسِ محمدُ بن يَعقُوبَ، أخبرنا الربيعُ بن سليمان، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية. فَأحْكَم اللهُ فَرْضَ الصَّدقاتِ في كتابه ثم أَكَّدها، فقال: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] فليس لأحد أن يَقْسِمها على غير ما قَسمها الله ، وذلك ما كانت الأَصنافُ مَوجُودة؛ لأنه إنما يُعطِي مَن وَجَد، كقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] الآية، وكقوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وكقوله: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] فَمَعقولٌ -عن الله فَرضُ هذا لِمَن كان موجودًا يَومَ يموتُ المَيِّت، وكان معقولًا أنَّ هذه السُّهمان لِمن كان موجودًا يَومَ تُؤْخَذ الصَّدَقة وتُقْسَم، فإذا (٣) أُخِذَت صَدقَةُ قَومٍ فَقُسِمَت على مَن مَعَهُم في دارهم مِن أهل السهمان ولم تَخْرُج مِن جِيرانهم حتى لا يبقى مِنهُم أحد يَسْتَحِقُّها» (٤).

стр. 182

ثم ذكر تفسير كل صِنف مِن هؤلاء الأصناف الثمانية وهو: (٩٨) فيما أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازة- قال: حدثنا أبو العباس محمدُ بن يعقوب، أخبرنا الربيعُ بن سليمان، قال: قال الشافعي ﵀: «فأهل السُّهمان يجمعهم (١): أَنهُم أهلُ حَاجَة إلى ما لهم منها كُلُّهم، وأسبابُ حَاجتهم مختلفة، وكذلك أسباب اسْتحْقَاقِهم بِمعانٍ مختلفة يَجمعُها الحاجة، ويُفَرِّق بينها صِفاتُها، فإذا اجتمعوا، فالفَقُراءُ الزَّمْنَى (٢) الضِّعَاف الذين لا حِرْفَة لهُم، وأهلُ الحِرْفَة الضَّعِيفة الذين لا تَقَع حِرفَتُهُم مَوقِعًا مِن حَاجَتِهم، ولا يسألون النَّاس، والمَسَاكِينُ السُّؤَّال، ومَن لا يَسْأل مِمَّن له حِرفة تَقَع منه موقعًا، ولا تُغنِيه ولا عِيالَه» (٣). وقال في كتاب فرض الزكاة: «الفقير (٤) واللَّهُ أَعْلَم: مَن لا مَالَ له، ولا حِرفة تَقعُ منه مَوقِعًا، زَمِنًا كان أو غَيرَ زَمِنٍ، سائِلًا كان أو مُتَعَفِّفًا، والمسكين: مَن له مَالٌ، أو حِرفَةٌ تَقَعُ منه مَوقعًا، ولا تُغْنِيه، سَائِلًا كَان أو غَيرَ سَائِلٍ. قال الشافعي: والعَامِلُون عليها: المُتَوَلُّون لِقَبضِها مِن أَهلها مِن السُّعَاة، ومَن أَعَانهم مِن عَرِيفٍ، ومَن لا يُقْدَر عَلى أَخْذِها إلا بِمَعُونَتِه، سواءٌ كانوا أَغنياء، أو فقراء» (٥). وقال في موضع آخر: «مَن وَلَّاهُ الوَالِي (٦) قَبْضَها، وقَسْمَها.

стр. 183

ثم ساق الكلام، إلى أن قال: يَأخُذُ مِن الصَّدَقة، بِقَدْر غِنَائِه لا يُزَاد عَليه» (١). وأَطَالَ الشافعيُّ الكلامَ في المُؤَلَّفَة قُلوبُهم، وقال في خلال ذلك: «وللمُؤَلَّفة قلوبهم في قَسْم الصدقات سَهمٌ، والذي أحفظ فيه -مِن مُتَقَدِّم الخَبر-أَنَّ عَديَّ بنَ حَاتِم، جَاء أبا بَكر الصِّديق ﵁ أحسبه قال-: بِثَلاثِمَائة مِن الإبل مِن صَدَقاتِ قَومِه، فأعطاه (٢) أبو بكر ﵁ منها ثَلاثِينَ بعيرًا وأَمَره أَن يَلْحَق بِخَالِد بنِ الوَلِيد، بِمَن أَطَاعَهُ مِن قَومِه، فجاءه (٣) بِزُهَاء أَلف رَجُل، وأَبلى بلاءً حَسنًا. قال: ولَيس في الخَبر-في إِعْطَائِه إِيَّاها- مِن أين أَعطَاه إِيَّاها، غير أن الذي يكاد أَن يعرف القلبُ بالاستدلال بالأخبار واللَّهُ أَعْلَمُ أنه أعطاه إياها، مِن سَهم المؤلفة قلوبهم، فإما (٤) زادَه لِيُرَغِّبه فيما صَنع، وإِمَّا أَعطَاه إيَّاه لِيتَأَلَّف به غَيرَه مِن قَومِه، مِمَّن لا يَثِقُ منه، بِمثل ما يَثِقُ به مِن عَدي بن حَاتِم. قال: فأرى أَن يُعْطَى مِن سَهْم المُؤَلَّفَةِ قلوبهم-في مثل هذا المعنى- إِنْ نَزلَت بالمُسْلِمين نَازِلَةٌ، ولَن تَنزِلَ إن شاء الله تعالى» (٥). ثم بسط الكلام في شرح النازلة (٦).

стр. 184

قال: «والرِّقَاب: المُكَاتَبُونَ مِن جِيرانِ الصَّدَقَة. قال: والغَارمُون: صِنْفان: صِنفٌ دَانُوا في مَصْلَحَتِهم، أو مَعرُوف، وغير مَعْصِية، ثم عَجزوا عن أَدَاء ذَلك في العَرَض (١) والنَقْد، فَيُعْطَون في غُرمِهم لِعَجزِهم، وصِنف: دانوا في حَمَالاتٍ، وصلاحِ ذَاتِ بَيْن، ومَعروفٍ، ولهم عُرُوض تَحْمِلُ حَمَالاتهم، أو عَامَّتَها، وإنْ بِيعَت أَضَرَّ ذلك بهم، وإن لم يَفْتَقِروا، فَيُعْطَى هَؤلاء حتى يَقْضُوا غُرْمَهُم» (٢). قال: «وسَهمُ سَبيلِ اللهِ: يُعْطَى مِنه، مَن أَرَادَ الغَزْوَ مِن جِيرانِ الصَّدَقة، فَقِيرًا كان أو غَنِيًّا. قال: وابن السَّبيل: مِن جِيرَانِ الصَّدَقَة، الذين يُريدُون السَّفَرَ في غَير مَعْصِية، فَيَعْجزون عن بُلوغ سَفرِهِم، إلا بِمَعُونة عَلى سَفَرهم» (٣). وقال في القديم: قال بعض أصحابنا: هو لِمَن مَرَّ بِمَوضِع المُصَّدِّق مِمَّن يَعْجز عَن بُلُوغِ حَيثُ يُريد، إلا بمعونة. قال الشافعي: وهذا مذهب واللَّهُ أَعْلَمُ. والذي قاله في القديم- في غير روايتنا-: إنما هو في رواية الزعفراني، عن الشافعي (٤). * * *

стр. 185

(١٤) ما يُؤثَر عنه في النِّكاح، والصَّدَقَات، وغير ذلك (٩٩) أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازةً-، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «وكان مِمَّا خَصَّ اللهُ به نَبِيَّه ﷺ ، قوله تعالى: ... ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فَحَرَّم نِكَاحَ نِسَائِه مِن بَعدِه على العَالَمِين، وليس هكذا نِسَاءُ أَحَدٍ غَيرِه. وقال الله : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، فَأبَانَهُنَّ (١) به مِن نِساء العَالَمين. وقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ مِثل ما وَصَفت من اتِّساع لسان العرب، وأن الكلمة الواحدة تَجمعُ معاني مُخْتَلِفة. ومِمَّا وَصفتُ مِن أَنَّ اللهَ أَحْكَم كثيرًا مِن فَرائِضِه بِوَحْيهِ، وسَنَّ شَرائعَ واختلافها، عَلى لِسان نَبيِّه ﷺ ، وفي فعله، فقوله: ﴿أُمَّهَاتُهُمْ﴾ يعني: في معنى دون معنى، وذلك أنه لا يَحِلُّ لهم نِكَاحُهُنَّ بِحَال، ولا يحرم عليهم نِكَاح بَناتٍ لَو كُنَّ لَهُنَّ، كما يَحرُم عليهم نِكاح بَناتِ أُمَّهَاتِهم اللاتي ولدنهم، أو أرضعنهم» (٢). وذكر الحُجَّة في هذا.

стр. 186

ثم قال: «وقد ينزلُ القُرآنُ في النَّازلة، ينزلُ عَلى ما يَفْهمه مَن أُنزلَت فيه، كالعامة في الظاهر، وهي يُراد بها الخاص، والمَعنى دون ما سِواه. والعربُ تقولُ للمَرأة تَرُبُّ أَمْرَهُم: أُمَّنا، وأم العيال. وتقول ذلك للرجل يَتَولَّى أَن يَقُوتَهُم: أم العيال، يعني: أَنه وَضَع نفسَه مَوضِع الأُمِّ التي تَرُبُّ أَمر العِيَال. قال تَأَبَّطَ شَرًّا وهو يَذكُر غَزَاةٍ غَزاها، ورَجُلٌ مِن أَصحَابه وَلِيَ قُوتَهُم: وأُمَّ (١) عِيالٍ قَد شَهِدْتُ تَقُوتُهم. وذكر باقي (٢) البيت، وبيتين آخرين معه (٣). قال الشافعي ﵀: وقلت (٤): الرَّجُل يُسمَّى أُمًّا، وقد تقول العرب للناقة، والبقرة، والشاة، والأرض: هذه أُمُّ عِيالِنا على معنى: التي تقوت عيالنا. وقال الله : ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢] يعني: أن اللائي ولدنهم أُمَّهاتُهم بكل حال الوارثات الموروثات، المُحَرَّمات بأنفسهن، والمُحَرَّم بِهِن غَيرُهُن

стр. 187

اللائِي لم يَكُنَّ قَط إلا أمهات، ليس اللائي يُحدِثْن رَضَاعًا للمولود، فَيكُنَّ به أُمَّهات، ولا أمهات المؤمنين اللائي حَرُمْن بأنهن أَزواج النَّبيِ ﷺ » (١). وأطال الكلام فيه. ثم قال: «وفي هذا دَلالَةٌ على أَشباهٍ له مِن (٢) القرآن، جَهِلَها مَن قَصُر عِلْمُه باللسانِ والفْقه» (٣). وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «وذكر عبدًا أكرمه، فقال: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]. والحَصُور: الذي لا يأتي النساء» (٤). وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «حَتْمٌ لازِمٌ لأولياء الأَيَامَى (٥)، الحَرَائِر البَوالِغ إذا أَرَدْن النكاح، ودعون إلى رَضِي (٦) مِن الأزواج = أن يُزَوِّجُوهُن؛ لقول الله : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. فإن شُبِّه على أَحَدٍ بِأَنَّ مُبتَدأ الآية على ذِكر الأزواج، ففي الآية دلالةٌ على (٧) أنه إنما نَهى عن العَضْل للأولياء؛ لأن الزوجَ إذا طَلَّق، فَبلغت المرأةُ الأَجَل = فهو أبعد الناس

стр. 188

منها، فكيف يَعْضُلُها مَن لا سَبيل، ولا شِرك له في بُضْعِها (١)؟ فإن قال قائل: قد يحتمل: إذا قَارَبْن بُلوغَ أَجلِهن؛ لأن الله تعالى يقول للأزواج: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] الآية. يعني: إذا قاربن بلوغ أجلهن. قال الشافعي: فالآية تَدُلُّ على أَنَّه لم يُرِد بها (٢) هذا المعنى، وأنها لا تَحتمِلُه؛ لأنها إذا قاربت بلوغ أجلها، أو لم تبلغها، فقد حَظَر الله عليها أن تُنْكَح؛ لقول الله : ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] فلا يَأمُر بأن لا يَمْنَع مِن النِّكاح مَن قَد مَنعَها منه، إنما يأمر بأن لا يَمْنَع مِمَّا أباح لها، مَن هو بِسَبَبٍ مِن مَنعِها. قال: وقد حَفِظ بعضُ أهلِ العِلْم أن هذه الآية نَزلت في مَعْقِل بن يَسَار، وذلك: «أنه زَوَّج أُختَه رَجلًا، فطلقها وانْقَضَت عِدَّتُها، ثم طَلبَ نِكَاحَها وطَلَبَتْه، فقال: زَوَّجْتُكَ -دون غَيرِك- أختي، ثم طَلَّقْتَها، لا أُنْكِحُكَ أبدًا، فنزلت: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١]». (٣) «قال: وهذه الآية أَبْيَنُ آيةٍ في كتاب الله دلالةً على أنْ لَيسَ للمرأة الحُرَّة أن تُنْكِحَ نَفْسَها». (٤)

стр. 189

«وفيها: دلالة على أن النَّكَاحَ يَتِمُّ بِرضى الوَلِيِّ مَع المُزَوَّج والمُزَوَّجَة» (١). قال الشَّيخُ ﵀: هذا الذي نقلته من كلام الشافعي ﵀ في أمهات المؤمنين، إلى هاهنا: بعضه لي مَسمُوعٌ قِرَاءًة على شَيخِنا (٢)، وبعضه غير مسموع، فإنه لم يسمعه (٣) في النقل، فَرَويتُ الجميعَ بالإجازة، وبالله التوفيق. واحتج أيضًا في اشتراط الولاية في النكاح بقوله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] وبقوله تعالى في الإماء: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] (٤). (١٠٠) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشَّافِعيُّ، قال: «قال الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. قال: ودَلَّت أَحكامُ اللهِ، ثم رسوله ﷺ على أن لا مِلْك للأولياء على أياماهم، وأياماهم الثيبات، قال الله : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وقال تعالى في المُعْتَدَّات: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية، وقال رسولُ الله ﷺ : الأَيِّمُ أَحَقُّ بنفسها مِن وَلِيِّها، والبِكْرُ تُسْتَأْذَن في نَفْسِها (٥)» سوى ذلك.

стр. 190

ودَلَّ الكتابُ والسُّنَّةُ على أن المَمَالِيكَ لِمَن مَلَكَهُم، لا يَملِكُون مِن أَنفسِهِم، ولم أعلم دليلًا على إيجاب صَالحِي العَبيد والإماء كَما وَجَدتُ الدلالة على إنكاح الحرائر إلا مطلقًا، فَأَحَبُّ إليَّ أن يُنْكَح مِن العبيد والإماء، ثم صالحوهم خاصة، ولا يَبِينُ لي أن يُجْبَرَ أحدٌ عليه؛ لأن الآية محتملة أن تكون أُرِيدَ بها الدلالة، لا الإيجاب» (١). وذهب في القديم: إلى أن للعبد أن يشتري إذا أذن له سيده، وأجاب عن قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] بأن قال: «إنما هذا -عندنا- عَبْدٌ ضَرَبَهُ اللهُ مثلًا، فإن كان عبدًا فقد يزعم أن العبد يقدر على أشياء، منها ما يُقِرُّ به على نفسه مِن الحدود التي تُتْلِفُه وتنقصه. ومنها ما إذا أُذِن له في التجارة، جاز بيعُه وشراؤُه وإقرارُه، فإن اعْتُل بالإذن، فالشِّرى بإذن سيده أيضًا، فماله (٢) يملك بأحد الإذنين، ولا يملك بالآخر؟ ». ثم رجع عن هذا، في الجديد واحتج بهذه الآية، وذكر قوله تعالى: ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] «فدل كتابُ الله على أن ما أباح بالفَرْج، فإنما أباحه من أحد وجهين: النكاح، أو ما مَلَكَت اليمينُ، فلا يكون العبد مالكا بحال» (٣). وبسط الكلام فيه.

стр. 191

(١٠١) أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق -في آخرين- قالوا: حدثنا أبو العَباس الأَصَم، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه قال في قول الله : ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] «إنها منسوخة، نَسخَها قولُ الله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فهي من أيامى المسلمين». قال الشافعي ﵀ في غير هذه الرواية-: «فهذا كما قال ابن المسيب إن شاء الله ، وعليه دلائل من القرآن والسنة» (١). وذكر الشافعي ﵀ سائر ما قيل في هذه الآية، وهو منقول في «المبسوط»، وفي كتاب «المعرفة» (٢). (١٠٢) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فكان بَيِّنًا في الآية واللَّهُ أَعْلَم أنَّ المخاطبين بها: الأحَرار؛ لقوله تعالى: (٣) ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ لأنه لا يَمْلِك إلا الأحرار، وقوله تعالى: ٣) ... ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٣ - ٤]. وإنما يَعُولُ مَن له المَال، ولا مالَ للعبد» (٤).

стр. 192

وبهذا الإسناد، عن الشافعي: أنه تلا هذه الآيات التي وَرَدَت في القرآن في النكاح والتزويج، قال: «فأسمى اللهُ النكاحَ اسمين: النِّكَاح، والتَّزويِج. وذكر آية الهبة، وقال: فأبان جَلَّ ثَنَاؤُهُ أنَّ الهِبَة لِرسول الله ﷺ ، دون المؤمنين. قال: والهبة واللَّهُ أَعْلَمُ: تجمع أن يَنعَقِد له عليها عُقْدةُ النكاح، بأن تَهَب نَفسَها له بلا مَهر، وفي هذا دلالة على أن لا يجوز نِكاح إلا باسم النكاح، والتزويج» (١). (١٠٣) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] دُونَ أَدعيائِكم الذين تُسَمُّونَهم أبناءَكُم». واحتج عليه (٢) بما هو منقول في كتاب «المعرفة» (٣). ثم قال: «وحرمنا بالرضاع بما حَرَّم اللهُ؛ قياسًا عليه، وبما قال رسولُ الله ﷺ : أنه يَحْرُمُ مِن الرَّضَاع ما يحرم مِن الولادة» (٤). وقال في قوله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] وفي قوله : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]: «كان أَكبَرُ وَلدِ الرَّجُل يَخْلُفُ عَلى امرأةِ أَبيه،

стр. 193

وكان الرجلُ يَجمَعُ بين الأختين، فَنهى اللهُ عن أَنْ يكونَ منهم (١) أَحدٌ يَجمَع في عُمُرِه بَين أُخْتَين، أو يَنكِحَ (٢) ما نَكَح أبُوه، إلا ما قَد سَلَف في الجَاهليَّة، قَبلَ عِلْمِهم بِتَحريمِه، ليس أنه أَقَرَّ في أَيدِيهم، ما كانوا قد جَمَعُوا بينه، قبل الإسلام» (٣). وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «مَن تَزَّوج امرأةً، فَلم يَدخُل بها حتى ماتت، أو طَلَّقها، فلا بأس أَن يَتزوَّج ابنتَها، ولا يجوز له عَقدُ (٤) نِكاح أمِّها؛ لأن الله قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]» (٥). زاد في كتاب الرضاع: «لأَنَّ الأُمَّ مُبهَمةُ التَّحريم في كتاب الله ، ليس فيها شرط، إنما الشرط في الرَّبائِب. ورواه عن زيد بن ثابت» (٦). وفَسَّر الشافعي ﵀ في قوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]: «بأنَّ ذَوات الأَزْوَاج -مِن الحَرائِر والإِمَاء- مُحَرَّمات عَلى غير أَزْواجِهِنَّ، إلا السَّبايا (٧).

стр. 194

واحتج -في رواية أبي عبد الرحمن الشافعي (١)، عنه-: بحديث أبي سعيد الخُدْري ﵁: أنه قال: «أَصَبْنا سَبايَا لَهُنَّ أزواجٌ في الشِّرك، فَكَرِهْنا أَن نَطَأهُنَّ، فسألنا النَّبيَّ ﷺ عن ذلك، فنزلت (٢) ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾» (٣). واحتج بغير ذلك أيضًا، وهو منقول فى كتاب «المعرفة» (٤). (١٠٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله : ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] قال الشافعي: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [فاعرضوا عَليهن الإيمان، فإن قَبِلْن، وأَقْرَرْن = فَقد عَلِمْتُموهن مؤمنات] (٥)، وكذلك عِلْمُ بني آدَم الظاهر، قال الله : ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ يعني: بِسَرَائِرِهِنَّ في إِيمَانِهِنَّ» (٦).

стр. 195

قال الشافعي: «وزَعَم بعضُ أَهلِ العِلم بالقرآن: أنها نَزلَت في مُهَاجَرةٍ مِن أهل مَكَّة -فَسمَّاها بَعضُهم: ابْنةَ عُقْبَة بن أبي مُعَيط- وأَهلُ مَكَّةَ أَهلُ أَوثان، وأن قولَ الله : ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] قد نَزلت في مُهاجرٍ مِن (١) أهل مكة مُؤمنًا، وإنما نزلت في الهُدنَة. وقال الله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. قال الشافعي: وقد قيل في هذه الآية: إنها (٢) نزلت في جماعة مُشرِكِي العَرب الذين هُم أَهلُ أَوثَان (٣)، فَحرَّم نِكاحَ نِسَائِهم، كما حَرَّم أن يَنْكِحَ رِجالُهُم المؤمنات، فإن كان هذا هكذا، فهذه الآية ثابتة ليس فيها منسوخ. وقَد قيل: هذه الآية في جميع المشركين، ثم نزلت الرُّخصةُ في إحلال إنكاح حَرائِر أهلِ الكِتَاب خَاصَّةً، كما جاءت في إحلال ذَبَائِح أَهلِ الكِتَاب. قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. قال: فأيهما كان، فَقَدْ أُبِيحَ فيه (٤) نكاحُ حَرائرِ أَهلِ الكِتَاب» (٥).

стр. 196

وقال: «﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله (١): ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] الآية. قال: ففي الآية واللَّهُ أَعْلَم، دلالة: على أن المخاطبين بهذا (٢): الأَحْرار دون المَماليك؛ لأنهم الواجدون للطَّوْل، المالكون للمال، والمملوك لا يملك مالا بحال، ولا يَحِلُّ نِكَاح الأَمَة، إلا بأن لا يَجِد الرَّجُلُ (٣) الحُرُّ بصداق أَمَة، طَولًا لِحُرة، وبأن يَخَاف العَنَت، والعنت (٤): الزنا» (٥). قال: «وفي إباحة الله الإماء المؤمنات -على ما شَرَط لِمَن لَم يَجِد طَوْلًا وخَاف العَنَت- دِلَالَةٌ واللَّهُ أَعْلَمُ على تَحريم نِكَاح إِمَاءِ أهلِ الكتاب، وعلى أن الإماءَ المؤمنات لا يَحللن إلا لِمَن جَمَع الأَمْرَين، مع إيمانهن» (٦). وأطال الكلام في الحُجَّة. قال الشافعيُّ ﵀: «وإن كانت الآية نَزلت في تحريم نِساء المسلمين على المشركين في مُشرِكِي أَهلِ الأوثَان يعني: قوله : ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] فالمُسلمات مُحرَّمات على المشركين

стр. 197

منهم، بالقرآن بكل حال، وعلى مُشْركي أهل الكتاب؛ لِقَطع الولاية بين المسلمين والمشركين، وما لم يَختلف الناس فيه علمته (١)» (٢). (١٠٥) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، ، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي- في قول الله : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]-: «معناه: بما أَحَلَّه له (٣) مِن النِّكاح، ومِلك اليَمِين في كتابه، لا أنه أباحه بكل وجه» (٤). (١٠٦) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله ﵎: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]. قال الشافعي ﵀: وبُلوغُ الكِتابِ أَجَلَه واللَّهُ أَعْلَم: انْقِضَاء العِدَّة. قال: وإذا أَذِنَ اللهُ تَعالى في التَّعريض بالخِطْبة في العِدَّة، فَبَيِّنٌ أَنه حَظَر التَّصريحَ فيها. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: جِمَاعًا ... ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥]: حَسنًا لا فُحْشَ فيه، وذلك أن يقول: يُرضِيك أَنَّ عِندي جِماعًا يُرضِي مَن جُومِعَه، وكان هذا -وإن كان

стр. 198

تَعْريضًا- كان مَنهيًا عنه لِقُبحِه، وما عَرَّض به مِمَّا سِوى هذا بما (١) تَفْهَمُ المرأةُ به أنه يُريدُ نِكَاحَها = فجائز له، وكذلك التَّعريض بِالإِجَابة، جَائِزٌ (٢) لها. قال: والعِدَّةُ التي أَذِنَ اللهُ بالتَّعريض بالخِطبة فيها = العِدَّة مِن وَفَاةِ الزَّوْج. ولا يَبِينُ أن لا (٣) يَجُوز ذلك في العِدَّة مِن الطلاق الذي لا يَمْلِكُ فيه المُطَلِّقُ الرَّجْعَةَ» (٤). واحتج -في موضع آخر- على أن السِّر: الجِمَاع، بدلالة القرآن. «فإذا أباح التَّعريضَ، والتَّعريضُ عند أهل العلم جَائِزٌ سِرًّا وعَلانِيةً = فلا يَجُوز أن يُتَوهَّم أنَّ السِرَّ: سِر التَّعْريض، ولابُد مِن مَعنى غَيره، وذلك المعنى: الجِمَاع. قال امْرُؤُ القَيْس (٥): ألا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ اليَومَ أَنَّنِي * كَبرتُ وأَنْ لا يُحْسِنَ السِّرَّ أمثالي كَذَبْتِ لَقْد أُصْبِيَ عَلى المَرءِ عِرْسَهُ * وأَمْنعُ عِرْسِي أَنْ يُزَنَّ (٦) بها الخالي وقال جَريرٌ (٧) -يَرْثِي امْرَأتَه-:

стр. 199

كَانَت إذَا هَجَر الخَلِيلُ فِراشَهَا * خُزِنَ الحَدِيثُ، وعَفَّتِ الأَسْرَارُ قال الشافعي: فإذا عُلِمَ أَنَّ حَديثَها مَخْزُون، فَخَزْنُ الحَديث: ألَّا يُبَاحُ به سِرًّا ولا علانيةً، فإذا وصَفَها بهذا، فلا مَعنى لِعفَاف غَير الإسرار، الإسرار: الجماع» (١). (١٠٧) وهذا: فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي، فذكره. (١٠٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي -في قوله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]-: «حتى ينقطع الدم وترى الطهر ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعني واللَّهُ أَعْلَم: الطهارة التي تَحِل بها الصَّلاة لها» (٢). قال الشافعي ﵀: «وتَحريمُ اللهِ إتيانَ النساءِ في المَحِيض؛ لأذى الحَيضِ، كالدِّلالة عَلى أَنَّ إتيانَ النَّساءِ في أَدْبَارهِنَّ مُحَرَّمٌ» (٣). (١٠٩) وأخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. قال: وبَيِّنٌ أنَّ مَوضِعَ الحَرث: مَوضِع الوَلَد، وأنَّ اللهَ أباحَ الإتيان فيه، إلا في وَقْتِ المحيض، و ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: مِن أَين شِئْتُم. قال: وإِبَاحَةُ الإتيان في مَوضِع الحَرث، يُشْبِهُ أَن يَكُون تَحريم إتيان

стр. 200

غَيره، والإتْيَانُ في الدُّبُر-حتى يَبلُغَ منه مَبْلغَ الإتيانِ في القُبُل-: مُحَرَّمٌ بِدلالَة الكِتَاب، ثُمَّ السُّنةِ» (١). (١١٠) قال الشافعي -فيما أنبأني أبو عبد الله -إِجازَةً- عن أبي العباس، عن الربيع، عنه في قوله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون]-: «فكان بَيِّنًا في ذِكر حِفْظِهم لِفُروجِهِم، إلا على أزواجهم، أو ما مَلَكَت أيمانُهُم = تَحريمُ ما سِوى الأَزْوَاج، وما مَلَكت الأَيْمَان، وبَيِّنٌ أَنَّ الأزواجَ ومِلكَ اليمِين: مِن الآدَمِيَّات دُونَ البَهائِم، ثم أَكَّدها، فقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فلا يَحِلُّ العَمَلُ بالذَّكَر إلا في زَوْجَةٍ، أو في مِلْك يَمِين (٢)، ولا يَحِلُّ الاسْتِمْنَاءُ، واللَّهُ أَعْلَم. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. معناه واللَّهُ أَعْلَمُ: لِيَصْبرُوا حتى يُغْنِيَهُم الله، وهو: كقوله في مال اليتيم-: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] لِيَكُفَّ عَن أَكْلِه بِسَلَفٍ، أو غيره. قال: وكان في قول الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ = بَيانٌ أنَّ المُخَاطَبين بها الرِّجالَ في (٣) النِّساءِ.

стр. 201

فَدَلَّ على أنه لا يَحِلُّ للمَرأةِ (١) أن تَكُونَ مُتَسَرِّيةً ما ملكت يَمينُها؛ لأنها مُتَسَرَّاة (٢) أو مَنكُوحَة، لا ناكحة إلا بِمَعنى أنها منكوحة» (٣). (١١١) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عَمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيعُ، أخبرنا الشافعيُّ ﵀، قال: «قال الله : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]. وقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]». وذكر سائر الآيات التي وردت في الصَّدَاق، ثم قال: «فَأمَر اللهُ الأزواجَ بأن يُؤتُوا النِّساءَ أُجُورَهُن وصَدُقَاتهن، والأجر هو: الصَّداق، والصَّداق هو: الأَجْرُ والمَهر، وهي كَلِمَةٌ عَربيةٌ تُسَمى (٤) بِعدد (٥) أسماء فيحتمل هذا أن يكونَ مَأمورًا بِصَدَاقٍ، مَن فَرَضَهُ دُون مَن لم يَفْرِضْه، دَخَل أو لَم يَدخُل؛ لأنه حَقٌّ أَلْزَمه المَرءُ نَفْسَه، فَلا يكونُ له حَبْسُ شَيءٍ مِنه، إلا بالمعنى الذي جعله الله، وهو أَن يُطَلِّق قَبْل الدُّخول. قال الله : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ويحتمل أن يَكُون

стр. 202

يَجِب بالعُقْدة (١) وإن لم يُسم مَهرًا، وإن لم يَدخُل. ويحتمل أن يكون المَهر لا يَلزَمُ أبدًا، إلا بأن يُلزِمَه المَرءُ (٢) نفسَه، أو يدخُل بالمرأة، وإن لم يُسمِّ مَهرًا. فلما احتمل المَعاني الثلاث، كان أَوْلاها أَن يُقَال به، ما كانت عليه الدلالة مِن كِتابٍ، أو سُنَّة، أو إجماع، فاستدللنا بقولِ اللهِ : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. أَنَّ عَقْدَ النِّكَاح بِغَير فَريضَة صداق (٣) وذلك أن الطلاقَ لا يَقَعُ إلا عَلى مَن عَقَد نِكَاحَه» (٤). ثم ساق الكلام، إلى أن قال: «وكَان بَيِّنًا في كتاب الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ على النَّاكِح الوَاطِئ صَداقًا، بِفَرض اللهِ في الإماء أن يُنْكَحْنَ (٥) بإذن أَهلِهن، ويُؤْتَين أُجُورَهُن، والأجر: الصداق. ولقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] وقال : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]» (٦). وقال مرة أخرى- في هذه الآية-: «يريد واللهُ أَعْلَم: النِّكَاح والمَسِيس بِغَير مَهر، فَدَلَّ على أَنه لَيس لأحَدٍ غَيرِ رَسُولِ الله ﷺ أن يَنكح فَيَمَس، إلا لَزِمَه

стр. 203

مَهْر، مع دلالة الآي قَبلَه» (١). وقال في قوله : ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]: «يَعنِي: النِّساء. ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يعني: الزَّوج؛ وذلك أنه إنَّما يَعفو مَن لَه مَا يَعْفُوه» (٢). ورواه عن أميرِ المُؤمنين عَليِّ بنِ أبي طَالبٍ ﵁ ﵄ وجُبَيْر بنِ مُطْعِم، وابنِ عَبَّاسٍ، وشُرَيْحٍ، وابنِ المُسَيَّب، وسَعيدِ بنِ جُبَيْر (٣). وقال -في رواية الزعفراني عنه-: «وسَمعتُ مَن أَرضَى، يقول: الذِي بِيدِه عُقْدَةُ النكاح: الأَبُ في ابْنتِه البِكْر، والسَّيدُ في أَمَتِه، فَعَفوُه جَائِزٌ» (٤). (١١٢) وأخبرنا أبو سَعيدٍ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] وقال : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] الآية، فقال عَامَّة مَن لَقِيتُ مِن أصحابنا: المتعة: للتي لم يُدْخَل بها ولم يُفْرَض لها مَهرٌ وطُلِّقَت، ولِلمُطَلقة المَدخُولِ بها المَفرُوض لها، بأن الآية عَامَّة عَلى المُطَلقاتِ، ورواه عن ابن عمر (٥). وقال في كتاب الصَّدَاق -بهذا الإسناد- فِيمَن نَكَح امرأةً بِصداقٍ فاسدٍ:

стр. 204

«فإن طلقها قبل أن يَدخُل بها، فلها نِصفُ مَهْرِ مِثلِها، ولا مُتعَة في قول من ذَهب إلى ألَّا مُتعةَ للتي فُرِضَ لها إذا طُلِّقت قبل أَن تُمَس، ولها المُتعة في قولِ مَن قال: المُتعةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ» (١). وروى القول الأول عن ابن عُمر، والقاسم بن محمد، وروى، القول الثاني، عن ابن شهاب الزُّهْري. وقد ذكرنا إسنادَه في ذلك، في كتاب «المعرفة» (٢). وحَمَل المَسِيس -المذكور في قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]-على الوَطْء. ورواه عن ابن عباس، وشُرَيح، وهو بتمامه، منقول في كتاب «المعرفة» (٣) و «المبسوط»، مع ما ذهب إليه في القديم. (١١٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قال: وجِمَاعُ المَعرُوف: إِتيانُ ذلك بِمَا يَحْسُن لك ثَوابُه، وكَفُّ المَكْرُوه» (٤). وقال في موضع آخر-فيما هو لي بالإجازة عن أبي عبد الله: «وفَرضَ اللهُ أَن يُؤَدِّيَ كُلٌّ ما عَليه بالمعروف، وجِمَاعُ المَعروف: إعفاء (٥) صَاحب الحق مِن المُؤنة في طَلبه، وأَداؤُه إليه بِطِيب النفس، لا بضرورته إلى طَلبه،

стр. 205

ولا بأذيته (١)؛ بإظهار الكراهية لتأديته، وأيهما ترك فظلم؛ لأن مَطْل الغَنِيِّ ظُلمٌ، ومطله: تأخير الحق. قال: وقال الله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ واللَّهُ أَعْلَم، لَهُنَّ ما لَهُن مِثل ما عَليهن، مِن أَنْ يُؤدَّى إليهن بالمعروف» (٢). وفي رواية المزني، عن الشافعي: «وجِماعُ المعروف بين الزوجين: كَفُّ المَكْرُوه، وإعفاءُ صَاحِب الحَقِّ مِن المُؤْنة في طَلَبه، لا بإظهار الكراهية في تأديته، فأيهما (٣) مَطَل بتأخيره، فَمَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٤). وهذا: فيما كتب إليَّ أبو نُعَيم الإسْفَرَايِينِي، أن أبا عَوَانَة أخبرهم، عن المُزَني، عن الشافعي. فذكره. (١١٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا (٥) ... بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]. أخبرنا ابنُ عُيَيْنة، عن الزُّهْري، عن ابن المُسَيب، أن بنتَ مُحمدِ بنِ مَسْلَمة، كانت عند رَافِع بن خَدِيج، فَكَرِه منها أمرَها، إما كِبْرا أو غيره، فأراد طلاقَها، فقالت: لا تُطَلِّقني، وأَمْسِكني واقْسِم لي ما بَدا لَك، فأنزل الله :

стр. 206

﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾» (١). (١١٥) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العَباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، حدثنا الشافعي، قال: «وزَعَم بعض (٢) أهل العِلم بالتفسير أَنَّ قولَ الله : ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] = أن تعدلوا بما في القلوب؛ (٣) لأنكم لا تملكون ما في القلوب ٣) حتى يكون مستويًا، وهذا- إن شاء الله كما قالوا، وقد تجاوز اللهُ لهذه الأمة، عَمَّا حَدَّثت به أَنفُسَها، ما لم تَقُل أو تَعْمل، وجَعَل المَأْثَم إنَّما هو في قَولٍ أو فِعْل» (٤). وزعم بعض أهل العلم بالتفسير: أن قول الله : ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩] أَنْ تُجُوِّز لَكُم عَمَّا في القلوب، فَتُتْبعُوهَا أَهْوائَها، فَتخرُجوا إلى الأَثَرةِ بالفعل، ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] وهذا- إن شاء الله-[لَعلَّهُ، وعِنْدِي] (٥) كما قالوا. وعَبَّر (٦) عنه في موضِع آخَر، فقال: «﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ لا

стр. 207

تُتْبِعُوا أَهواءَكم، أفعالكم، فَيصِير المَيْل بالفعل الذي ليس لكم، ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، وما أشبه ما قالوا- عندي- بما قالوا؛ لأن الله تعالى تجاوز عَمَّا في القلوب، وكتب على الناس الأفعال والأقاويل. وإذا مال بالقول والفعل، فذلك كل الميل» (١). (١١٦) أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازةً- أَنَّ أبا العباس محمد بن يعقوبَ حدَّثهم، أخبرنا الرَّبيعُ بن سليمان، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ [وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]. قال الشافعي: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾] (٢) يَحْتَمِلُ إذا رأى الدِّلَالاتِ -في أَفْعَالِ المَرأةِ وأَقَاويلِها- على النُّشُوز، وكان للخَوف مَوْضِعٌ= أن يَعِظَها فإنْ أَبْدَت نُشوزًا، هَجَرها، فإن أَقَامَت عليه، ضَرَبها، وذلك أَنَّ العِظَةَ مُباحَةٌ قَبْل فِعْلِ المَكروه إذا رَأيتَ أسبَابَه، وأن لا مُؤنة فيها عليها تَضُرُّ بها، وأن العِظَة غَيرُ مُحَرَّمةٍ مِن المَرءِ لأَخِيه، فكيف لامرَأتِه؟ والهِجرةُ لا تَكُون إلا بِمَا يَحِل به؛ لأن الهِجْرةَ مُحرَّمةٌ -في غير هذا الموضع- فوق ثلاث، والضَّربُ لا يكون إلا ببيان الفعل (٣): يدل على أن حالات المرأة في اختلاف -ما تُعَاتَب فيه، وتُعَاقَب- مِن العِظة، والهِجرة، والضَّرب مختلفة، فإذا اختلفت، فلا يشبه معناها إلا ما وصفتُ.

стр. 208

وقد يحتمل قوله تعالى: ﴿تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ إذا نَشَزْن، فَخِفتُم لَجَاجَتَهُن في النُّشُوز= أن يكون لكم جَمعُ العِظَة، والهِجرة، والضَّرب» (١). وبإسناده، قال (٢): قال الشافعي ﵀: «قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] الآية، اللهُ أعلم بمعنى ما أراد مِن خَوفِ الشِّقَاق، الذي إذا بلغاه أَمَرَه (٣) أَن يَبعثَ حَكمًا مِن أهله، وحكمًا مِن أَهلِها، والذي يشبه (٤) ظاهر الآية: مِمَّا عَمَّ الزَّوجَين؛ [لأنه تَعالى أَذِن في نُشُوز الزَّوج] (٥): بأن يَصْطَلِحَا، وأَذِن في نُشُوز المرأة: بالضَّرْب، وأَذِن في خَوفِهما ألا يُقِيمَا حُدودَ الله: بالخُلْع. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: فلما أَمَر فيمن خِفْنا الشِّقَاق بينه: بالحَكَمَين، دَلَّ ذلك عَلى أَنِّ حُكْمَهما أَن يَشْتَبه حالاهما في الشقاق، فلا يفعل (٦) الرجل الصُّلْح ولا الفُرْقَة، ولا المَرأةُ تَأْدِية الحَقِّ ولا الفدية، ويصيران مِن القَول والفعل إلى ما لا يَحِلُّ لَهُما، ولا يَحْسُن، ويتماديان فيما ليس لهما، فلا يُعْطِيان حَقًّا، ولا يَتَطَوَّعان، فإذا كان هكذا: بَعثَ حَكمًا مِن أَهلِه، وحكمًا مِن أَهْلِها، ولا يبعثهما (٧) إلا مَأمُونَين، برضا الزَّوجين.

стр. 209

وتوكيلهما (١) الزوجان (٢)؛ بأن يَجْمَعا، أو يُفَرِّقا إذا رَأَيَا ذَلِك» (٣). وأطال الكلام في شرح ذلك، ثم قال في آخره: «ولو قال قائِلٌ: يُجْبرهُما السلطان عَلى الحَكَمَين كان مَذهبًا» (٤). وبإسناده، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] فقال (٥) واللَّهُ أَعْلَم: نزلت في الرَّجُل يَكْرَه المرأةَ، فيمنعها-كراهيةً لها- حَقَّ اللهِ في عِشْرتها بالمَعْروف، ويَحبسها مانِعًا لِحقِّها؛ ليرثها عن غَير (٦) طِيب نَفْسٍ منها، بإمساكه إيَّاها على المنع، فَحرَّم الله ذلك على هذا المعنى، وحَرَّم على الأزواج أن يَعْضُلوا النِّساء، لِيذهبوا ببعض ما أُوتِين، واستثنى ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، فإذا أَتَيْن بِفَاحِشَة مُبَيِّنة وهي: الزنا، فَأُعْطِين بعض ما أُوتِين لِيُفَارَقن = حَلَّ ذلك إن شاء الله، ولم تَكُن مَعْصِيتُهن الزَّوجَ- فيما يجب له- بغير فاحشة، أَوْلى أن يحل ما أعطين، مِن أَن يَعْصِين الله والزوج، بالزنا. قال: وأمر الله في اللائي يَكْرِههُن (٧) أَزواجُهن، ولم يأتين بفاحشةٍ أَن يُعَاشَرْن بالمعروف، وذلك تَأدية الحَق، وإجْمال العِشْرة، وقال تعالى: ...

стр. 210

﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] فأباح عِشْرَتَهُن على الكراهية بالمعروف، وأخبر أن الله قد يجعل في الكُره خيرًا كثيرًا، والخير الكثير: الأجر في الصبر، وتأدية الحق إلى مَن يَكره، أو التطول (١) عليه، وقد يغتبط (٢) -وهو كاره لها- بأخلاقها، ودينها، وكفايتها، وبَذْلِها، وميراث -إن كان لها-، وتصرف (٣) حالاته إلى الكراهية لها، بعد الغبطة» (٤). وذكرها في موضع آخر، (١١٧) هو لي مَسمُوعٌ عن أبي سعيدٍ، عن أبي العباس، عن الرَّبيع، عن الشافعي وقال فيه: «وقيل إن هذه الآية منسوخة (٥) وفي معنى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] نُسِخَت بآية الحُدود، فلم يكن على امرأةٍ حبس يُمْنَع به (٦) حق الزوجة على الزوج، وكان عليها الحَد» (٧). وأطال الكلام فيه. وإنما أراد نَسْخَ الحَبْسِ على مَنع حَقِّها إذا أتت بفاحشة واللَّهُ أَعْلَم. (١١٨) أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى، حدثنا أبو العباس محمد بن

стр. 211

يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي ﵀، قال: «قال الله : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. فكان في الآية: إِباحَةُ أكلِه إذا طابت به نَفسًا، ودليلٌ على أنها إذا لم تَطِب به نفسًا، لم يَحِل أَكلُه، قال الله : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] وهذه الآية في معنى الآية التي (١) قبلها، فإذا أراد الرَّجُل الاستبدال بزوجته، ولم تُرِدْ هي فُرقَتَه، لم يكن له أن يأخذ مِن مالها شيئًا، بأن يستكرهها عليه، ولا أن يُطَلِّقها لتعطيه فدية منه» (٢). وأطال الكلام فيه. قال الشافعي ﵀: «قال الله : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فقيل واللَّهُ أَعْلَمُ: أَنْ تَكُونَ المَرأةُ تَكْرَهُ الرَّجُلَ، حتى تَخَافَ أَنْ لا تُقِيمَ حُدُودَ الله، بأداء ما يَجِب عليها له، أو أكثره، إليه، ويكون الزوج غير مانع (٣) لها ما يَجب عليه، أو أكثره، فإذا كان هذا، حَلَّت الفِديةُ للزوج، وإذا لم يُقِم أَحدُهما حُدودَ الله، فَليْسا معًا مُقِيمين حُدود الله. قال وإذا حَلَّ ذلك للزوج، ولم يحرم عليها، فلا جناح عليهما معًا،

стр. 212

وهذا كلام صحيح، وأطال الكلام في شرحه. ثم قال: وقيل أن تَمتنع المرأةُ مِن أداء الحَق، فَتخاف على الزوج ألا يؤدي الحق إذا منعته حقًا، فتحل الفدية، وجماع ذلك: أن تكون المرأةُ المَانِعة لبعض ما يجب عليها له، المفتدية (١) تَحَرُّجًا مِن ألا تُؤدِّي حَقَّه، أو كَراهِيةً، فإذا كان هكذا: حَلَّت الفِديةُ للزَّوج» (٢). * * *

стр. 213

(١٥) ما يُؤثَر عنه في الخُلع، والطَّلاق، والرَّجْعَة قرأتُ في كتاب أبي الحَسن العَاصِمِيِّ (١): أخبرني عبدُ الرحمن بن العباس الشافعي- قَرأتُ عليه بمصر- قال: سمعت يحيى بنَ زكريا، يقول: قُرئ على يونُس، قال الشافعيُّ- في الرَّجُل يَحلِف بِطَلاق المَرأة، قبل أن ينكحها- قال: «لا شيءَ عليه؛ لأني رأيتُ اللهَ ذَكر الطَّلاق بعدَ النكاح، وقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]». قال الشَّيخُ: وقد روينا عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه احتج في ذلك أيضًا بهذه الآية (٢). (١١٩) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي قال: «قال الله ﵎: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قال: وقُرِئَت ﴿لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾ وهما لا يختلفان في معنى» (٣). ورواه عن ابن عمر ﵁ (٤).

стр. 214

قال الشافعي ﵀: «وطلاقُ السُّنَّة -في المرأةِ المدخُول بها، التي تَحِيض- أن يُطَلِّقَها طاهرًا مِن غير جِمَاع، في الطُّهر الذي خَرجَت مِن حَيْضِه، أو نِفَاس». قال الشافعي: «وقد أَمَر اللهُ بالإمساك بالمعروف، والتَّسْريح بالإحسان، ونهى عن الضَّرر، وطَلاقُ الحائِضِ ضَررٌ عَليها؛ لأنها لا زَوجة، ولا في أَيَّامٍ تَعْتَد فِيها مِن زَوْج، ما كانت في الحَيْضَة، وهي إذا طُلِّقَت وهي تَحِيض بَعْد جِمَاع = لم تَدْر ولا زَوْجُها عِدَّتها: الحَمْل، أو الحَيْض؟ ويُشْبه أن يَكُون أَراد أَن يَعْلَما مَعًا العِدَّة، لِيرْغَب الزَّوج، وتَقْصُر المَرأةُ عن الطَّلاق إن طَلَبتْه» (١). (١٢٠) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «ذَكَر اللهُ الطلاقَ، في كتابه، بثلاثة أسماء: الطَّلاق، والفِرَاق، والسَّرَاح، فقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقال : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقال لِنبيِّه ﷺ في أزواجه: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]. زاد أبو سعيد- في روايته- قال الشافعي: فَمَن خَاطَب امْرأتَه، فَأفرد لها اسمًا مِن هذه الأسماء = لَزِمَه الطَّلاق، -وإن لَم يَنْوه (٢) - في الحُكْم، ونَوَّيناه فيما بينه وبين الله » (٣).

стр. 215

(١٢١) أخبرنا أبو زكريا ابنُ أبي إسحاقَ -في آخرين-، قالوا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: كان الرَّجُلُ إذا طَلَّق امرأته، ثم ارْتَجَعها قَبل أن تَنْقَضِي عدَّتها = كان ذلك له، وإن طَلَّقها أَلف مَرَّة، فَعَمد رَجُلٌ إلى امرأةٍ له فطلقها، ثم أَمْهَلَها حتى إذا شَارَفَت انقضاء عِدَّتِها ارْتجعها، ثم طَلَّقَها، وقال: والله لا آوِيكِ إليَّ، ولا تَحِلِّين أبدًا، فأنزل الله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فاسْتَقبلَ النَّاسُ الطلاقَ جَديدًا مِن يَومِئِذٍ، مَن كان منهم طَلَّق، أو لم يُطَلِّق» (٢). قال الشافعي ﵀: «وذكر بعض أهل التفسير هذا» (٣). قال الشَّيخُ ﵀: قد روينا عن ابن عباس، في معناه (٤). (١٢٢) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] قال: وللكُفر أَحكامٌ: كَفِراق الزوجة، وأن (٥) يَقتُل الكَافِر، ويَغْنَم مَالَه، فلما وضع الله عنه، سَقَطت أَحكامُ الإكْراه عن القول كُلِّه؛ لأن الأعظم إذا سَقَط عن الناس، سَقَط ما هو أَصغرُ منه، وما يكون حكمه بثبوته عليه» (٦). وأطال الكلام في شرحه.
следующие страницы →