← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 92

أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي ت الشوامي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (380 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي ﵀، قال: «قال الله : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. فكان في الآية: إِباحَةُ أكلِه إذا طابت به نَفسًا، ودليلٌ على أنها إذا لم تَطِب به نفسًا، لم يَحِل أَكلُه، قال الله : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] وهذه الآية في معنى الآية التي (١) قبلها، فإذا أراد الرَّجُل الاستبدال بزوجته، ولم تُرِدْ هي فُرقَتَه، لم يكن له أن يأخذ مِن مالها شيئًا، بأن يستكرهها عليه، ولا أن يُطَلِّقها لتعطيه فدية منه» (٢). وأطال الكلام فيه. قال الشافعي ﵀: «قال الله : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فقيل واللَّهُ أَعْلَمُ: أَنْ تَكُونَ المَرأةُ تَكْرَهُ الرَّجُلَ، حتى تَخَافَ أَنْ لا تُقِيمَ حُدُودَ الله، بأداء ما يَجِب عليها له، أو أكثره، إليه، ويكون الزوج غير مانع (٣) لها ما يَجب عليه، أو أكثره، فإذا كان هذا، حَلَّت الفِديةُ للزوج، وإذا لم يُقِم أَحدُهما حُدودَ الله، فَليْسا معًا مُقِيمين حُدود الله. قال وإذا حَلَّ ذلك للزوج، ولم يحرم عليها، فلا جناح عليهما معًا،

стр. 212

وهذا كلام صحيح، وأطال الكلام في شرحه. ثم قال: وقيل أن تَمتنع المرأةُ مِن أداء الحَق، فَتخاف على الزوج ألا يؤدي الحق إذا منعته حقًا، فتحل الفدية، وجماع ذلك: أن تكون المرأةُ المَانِعة لبعض ما يجب عليها له، المفتدية (١) تَحَرُّجًا مِن ألا تُؤدِّي حَقَّه، أو كَراهِيةً، فإذا كان هكذا: حَلَّت الفِديةُ للزَّوج» (٢). * * *

стр. 213

(١٥) ما يُؤثَر عنه في الخُلع، والطَّلاق، والرَّجْعَة قرأتُ في كتاب أبي الحَسن العَاصِمِيِّ (١): أخبرني عبدُ الرحمن بن العباس الشافعي- قَرأتُ عليه بمصر- قال: سمعت يحيى بنَ زكريا، يقول: قُرئ على يونُس، قال الشافعيُّ- في الرَّجُل يَحلِف بِطَلاق المَرأة، قبل أن ينكحها- قال: «لا شيءَ عليه؛ لأني رأيتُ اللهَ ذَكر الطَّلاق بعدَ النكاح، وقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]». قال الشَّيخُ: وقد روينا عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه احتج في ذلك أيضًا بهذه الآية (٢). (١١٩) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي قال: «قال الله ﵎: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قال: وقُرِئَت ﴿لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾ وهما لا يختلفان في معنى» (٣). ورواه عن ابن عمر ﵁ (٤).

стр. 214

قال الشافعي ﵀: «وطلاقُ السُّنَّة -في المرأةِ المدخُول بها، التي تَحِيض- أن يُطَلِّقَها طاهرًا مِن غير جِمَاع، في الطُّهر الذي خَرجَت مِن حَيْضِه، أو نِفَاس». قال الشافعي: «وقد أَمَر اللهُ بالإمساك بالمعروف، والتَّسْريح بالإحسان، ونهى عن الضَّرر، وطَلاقُ الحائِضِ ضَررٌ عَليها؛ لأنها لا زَوجة، ولا في أَيَّامٍ تَعْتَد فِيها مِن زَوْج، ما كانت في الحَيْضَة، وهي إذا طُلِّقَت وهي تَحِيض بَعْد جِمَاع = لم تَدْر ولا زَوْجُها عِدَّتها: الحَمْل، أو الحَيْض؟ ويُشْبه أن يَكُون أَراد أَن يَعْلَما مَعًا العِدَّة، لِيرْغَب الزَّوج، وتَقْصُر المَرأةُ عن الطَّلاق إن طَلَبتْه» (١). (١٢٠) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «ذَكَر اللهُ الطلاقَ، في كتابه، بثلاثة أسماء: الطَّلاق، والفِرَاق، والسَّرَاح، فقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقال : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقال لِنبيِّه ﷺ في أزواجه: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]. زاد أبو سعيد- في روايته- قال الشافعي: فَمَن خَاطَب امْرأتَه، فَأفرد لها اسمًا مِن هذه الأسماء = لَزِمَه الطَّلاق، -وإن لَم يَنْوه (٢) - في الحُكْم، ونَوَّيناه فيما بينه وبين الله » (٣).

стр. 215

(١٢١) أخبرنا أبو زكريا ابنُ أبي إسحاقَ -في آخرين-، قالوا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا مالكٌ (١)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: كان الرَّجُلُ إذا طَلَّق امرأته، ثم ارْتَجَعها قَبل أن تَنْقَضِي عدَّتها = كان ذلك له، وإن طَلَّقها أَلف مَرَّة، فَعَمد رَجُلٌ إلى امرأةٍ له فطلقها، ثم أَمْهَلَها حتى إذا شَارَفَت انقضاء عِدَّتِها ارْتجعها، ثم طَلَّقَها، وقال: والله لا آوِيكِ إليَّ، ولا تَحِلِّين أبدًا، فأنزل الله : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فاسْتَقبلَ النَّاسُ الطلاقَ جَديدًا مِن يَومِئِذٍ، مَن كان منهم طَلَّق، أو لم يُطَلِّق» (٢). قال الشافعي ﵀: «وذكر بعض أهل التفسير هذا» (٣). قال الشَّيخُ ﵀: قد روينا عن ابن عباس، في معناه (٤). (١٢٢) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] قال: وللكُفر أَحكامٌ: كَفِراق الزوجة، وأن (٥) يَقتُل الكَافِر، ويَغْنَم مَالَه، فلما وضع الله عنه، سَقَطت أَحكامُ الإكْراه عن القول كُلِّه؛ لأن الأعظم إذا سَقَط عن الناس، سَقَط ما هو أَصغرُ منه، وما يكون حكمه بثبوته عليه» (٦). وأطال الكلام في شرحه.

стр. 216

(١٢٣) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله ﵎: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال الشافعي: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ يقال: إصلاح الطلاقِ بالرَّجْعة، واللهُ أُعْلَمُ، فَأيما زَوْجٌ حُرٌّ، طَلَّق امرأتَه -بعدما يُصِيبها- واحدةً أو اثْنَتين، فهو أَحَقُّ بِرَجْعَتِها، ما لم تَنْقَضِ عِدَّتُها؛ بدلالة كتاب الله » (١). وقال -في قول الله : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]-: «إذا شَارَفْن بُلوغَ أَجَلِهِنَّ، فَراجِعُوهُنَّ بمعروف، أو دَعُوهُن تَنقضِي عِدَّتُهُن (٢) بمعروف، ونهاهُم أَن يُمْسِكُوهُن ضِرارًا لِيعْتَدوا، فلا يَحِل إِمْسَاكهن ضِرارًا» (٣). زاد على هذا في مَوضِع آخر -هو عندي بالإجازة، عن أبي عبد الله، بإسناده عن الشافعي-: تَقُولُ للرجل (٤) إذا قَارَب البَلدَ يريدُه، أو الأمر يُريدُه: قد بَلغتَه، وتقوله له إذا بلغه. فقوله في المطلقات: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] إذا قَارَبْن

стр. 217

بُلوغَ أَجَلِهِنَّ. فلا يُؤْمَر بالإمساك، إلا مَن كان يَحِل له الإمساك في العِدة. وقوله في المُتَوفَّى عنها زوجها: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] هذا إذَا قَضَيْن أَجَلَهُنَّ. وهذا كَلامٌ عَربيٌّ، والآيتان يدلان على افتراقهما بَيِّنًا (١)، والكلام فيهما مِثل قوله في المُتوفَّى عنها: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]: حتى تَنْقَضِي عِدَّتها، فَيَحِل نِكَاحُها» (٢). (١٢٤) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي-في المرأة يُطَلِّقها الحُرُّ ثلاثًا-: «فلا تَحِلُّ له حتى يُجَامِعَها زَوجٌ غَيرُه؛ لِقوله في المُطَلقة الثَّالثة: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] قال: فاحتمَلت (٣) الآية: حتى يُجامِعَها زَوجٌ غَيرُه، ودَلَّت على ذلك السُّنة، فكان أَولى المَعاني بكتابِ اللهِ ما دَلَّت عَليه سُنَّة رسولِ الله ﷺ » (٤). قال: «وإذا تَزَوَّجَت المطلقةُ ثلاثًا بِزَوْج صَحِيح النِّكَاح فَأصابها، ثم طَلَّقَها، وانْقَضَت عِدتُها = حَلَّ (٥) لزوجِها الأول ابْتِدَاءُ نِكَاحِها؛ لقول الله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾» (٦).

стр. 218

وقال -في قول الله : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]-: «واللهُ أَعْلَم بِما أراد، فَأمَّا الآية فتحتمل: إنْ أَقَامَا الرَّجْعَة؛ لأنها مِن حدُود الله، وهذا يُشْبه قولَ اللهِ : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] إصْلاح ما أفسدوا بالطَّلاق بالرجعة. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: فَأُحبُّ لهما أن يَنْويا إِقامَة حُدود الله فيما بينهما، وغيره مِن حُدوده» (١). قال الشَّيخُ: قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ إنْ أَرادَ به الزوجَ الثاني إذا طَلَّقها طلاقًا رجعيًا = فإقامة الرَّجعة، منه (٢) أنْ يُراجِعَها (٣) في العِدَّة. ثم تكون الحُجَّة في رُجوعِها إلى الأول بنكاح مُبتدإ، بتعليقه (٤) التحريم بغايته (٥). وإن أَرادَ به الزَّوجَ الأول، فالمُرَاد بالتراجُع: النكاح الذي يَكُون بتراجُعِهِما ورِضَاهُما (٦) جميعًا، بعد العِدَّة، واللَّهُ أَعْلَم. * * *

стр. 219

(١٦) مَا يُؤثَر عنه في الإِيْلاءِ والظِّهَارِ والِّلعَان (١) (١٢٥) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ [البقرة]. فقال الأكثرُ مِمَّن روي عنه مِن أصحاب النبي ﷺ عندنا-: إذا مَضَت أَربعةُ أَشْهر وَقَف المُولِي، فإما أَن يَفِيء، وإما أن يُطَلِّق» (٢). قال: «والظاهر في الآية: أن مَن أَنْظَره اللهُ أربعةَ أشهر، في شيء لم يكن عليه سبيل، حتى تَمضيَ أربعةُ أشهر، ولأنه جعل عليه الفَيئَة والطلاق، والفيئة: الجماع -إن كان قادرًا عليه- وجعل له الخيار فيهما في وقت واحد، فلا يتقدم واحدٌ منهما صَاحِبَه، وقد ذُكِرا في وقتٍ واحد، كما يقال له في الرهن افْدِهِ، أو نَبيعَه عَليك بلا (٣) فَصْل» (٤). وأطال الكلام في شرحه، وفي أَنَّ الاعْتِبَار بالعَزْم. وقال في خِلال ذلك: «وكيف يَكُونُ عَازمًا على أن يَفِيءَ في كُلِّ يوم، فإذا مَضَت أربعةُ أشهُرٍ، لَزِمَه الطلاقُ، وهو لم يَعْزِم عليه، ولم يتكلم به؟ أَتُرى هذا قولًا يَصِحُّ في العُقول» (٥).

стр. 220

وقال في موضع آخر-هو لي مسموعٌ مِن أبي سعيد، بإسناده-: «ولِم زَعَمْتُم أن الفَيْئةَ لا تكون إلا بشيء يُحدِثُه، من جِماع، أو فَيءٍ بِلسان إن لم يقدر على الجماع، وأَنَّ عَزيمَة الطلاق: هو مُضِي الأربعةُ الأَشهر (١) لا شيء يحدثه هو بلسان، ولا فعل؟ أوَ رَأيتَ الإيلاء، طلاقًا هو؟ قال: لا. قلنا: أَفرأيتَ كلامًا قط-ليس بطلاق- جَاءَت عليه مدة، فجعلته طلاقًا؟ » (٢). وأطال الكلام في شرحه، وقد نقلته إلى «المبسوط». (١٢٦) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] الآية. قال الشافعي ﵀: سمعتُ مَن أرضى-مِن أهل العِلم بالقرآن- يذكر: أن أهل الجاهلية يُطَلِّقُون بثلاث: الظِّهَار، والإيلاء، والطَّلاق، فَأقَرَّ اللهُ الطلاق طلاقًا، وحَكم في الإيلاء: بأن أَمهَل المُولي أربعة أشهر، ثم جعل عليه أن يَفِيءَ أو يُطَلِّق، وحكم في الظِّهار: بالكَفَّارة، ولا يَقَع به طلاقٌ» (٣). قال الشافعي: «والذي حَفِظتُ -مما سَمعتُ- في: ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] أن المتظاهر حَرَّم امرأتَه بالظِّهار، فإذا أَتَت عليه مُدةٌ بعد القول

стр. 221

بالظِّهار، لم يُحَرِّمها بالطَّلاق الذي تُحَرَّم به، ولا بشيء يكونُ له مَخْرج مِن أَن تُحَرَّم به، فقد وَجبَت عليه كفَّارةُ الظِّهار، كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسك ما حَرَّم (١) على نفسه أنه حلال، فقد عاد لِما قال، فخالفه، فَأحَل (٢) ما حَرَّم. قال: ولا أعلم له معنى أولى به من هذا، ولم أعلم مُخالِفًا في أنَّ عليه كفارةَ الظِّهار، وإن لم يَعُد بتظاهر (٣) آخر، فلم أُجِز (٤) أن يقال -ما لم أعلم مخالفًا في أنه- ليس بمعنى الآية» (٥). قال الشافعي: «ومَعنى قولِ الله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] وقتٌ لأن يُؤَدِي ما أَوْجَب اللهُ عليه مِن الكفارة فيها قَبل المُمَاسَّة، فإذا كانت المُمَاسَّة قبل الكَفَّارة، فذهب الوَقتُ = لم تَبطُل الكَفَّارة، وجعلها قياسًا على الصَّلاة» (٦). قال الشافعي في قول الله : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] قال: «لا تُحَرَّرُ رَقَبَةٌ عَلى غَير دِين الإسلام؛ لأن اللهَ يقولُ في القتل إذا كانت: ... ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وكان شرط الله في رقبة القتل كفارة، كالدليل واللَّهُ أُعْلَم على أن لا تجزي رقبة في كفارة، إلا مؤمنة، كما شَرط الله تعالى العَدل في الشَّهادة، في موضعين، وأطلق الشهود في ثلاثة مواضع، فلما

стр. 222

كانت شهادةً كلها، اكتفينا بشرط الله تعالى فيما شرط فيه، واستدللنا على أن ما أَطْلَق من الشهادات -إن شاء الله على مثل معنى ما شرط» (١). (١٢٧) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآية. قال: فلم أعلم خِلافًا أن ذلك: إذا طَلبَت المَقذُوفَة الحَدَّ، ولم يأت القَاذِف بأربعة شهداء يُحَرِّمُونه مِن الحَد» (٢). «وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ [النور] إلى آخرها. قال الشافعي: فكان بَيِّنًا في كتاب الله أنه أخرج الزوج مِن قَذْف المَرأة -يعني باللعان- كما أخرج قَاذِفَ المُحْصَنة غير الزوجة بأربعة شهود يشهدون عليها، بما قذفها به من الزِّنا، وكانت في ذلك، دلالة أن ليس على الزوج أن يَلتَعِن، حتى تطلب المَرأةُ المقذوفة حَدَّها» (٣). وقاسها أيضًا على الأجنبية. قال: «ولما ذكر الله اللعان على الأزواج مطلقا=كان اللعان على كل زَوْجٍ جَاز طَلاقُه، ولِزمَه الفَرضُ، وعلى كل زَوجَةٍ لَزِمَها الفَرضُ» (٤).

стр. 223

قال الشافعي: «فإن قال: لا أَلْتَعِن، وطَلَبت أن يُحدَّ لها، حُدَّ» (١). قال: «ومتى الْتَعَن الزوج، فعليها أن تَلْتَعِن، فإن أَبَت، حُدَّتْ؛ لقول الله : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] الآية، والعذاب: الحَد» (٢). (١٢٨) وأنبأني أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «ولما حَكى سَهلُ بنُ سعد (٣)، شهود المُتلاعِنَين مع حَداثَتِه، وحكاه ابن عمر (٤) = استدللنا أن اللِّعَان لا يكون إلا بِمَحْضَرٍ مِن طائفة مِن المؤمنين، وكذلك جَمِيعُ حُدُودِ الزِّنا، يَشْهَدُها طائفةٌ من المؤمنين، أَقَلُّهم أربعة؛ لأنه لا يجوز في شَهَادة الزِّنا، أقل منهم، وهذا يُشْبِهُ قولَ الله في الزَّانِيَيْن: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]» (٥). وقال -في قوله : ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]-: «الطائفةُ: ثَلاثَةٌ فأكثر» (٦). وإنما قال ذلك؛ لأن القَصْدَ مِن صَلاةِ النَّبيِّ ﷺ بهم: حُصُولُ فَضِيلَةِ الجَمَاعة لهم، وأقل الجماعة التَّامَّة (٧): ثلاثة، فاستحبَّ أن يكونوا ثلاثة

стр. 224

فصاعدًا. وذكر جهة استحبابه، أن يكونوا أربعة في الحدود، وليس ذلك بتوقيت (١)، في الموضعين جميعًا. * * *

стр. 225

(١٧) «مَا يُؤْثَر عنه في العِدَّة، وفي الرّضَاع، وفي النّفَقَات» (١٢٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ -قراءَةً عليه- حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي ﵀، قال: «قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقالت عائشة ﵂: الأقراء: الأطهار، وقال بمثل (١) معنى قولها، زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وغيرهما. وقال نَفَرٌ مِن أصحاب النبي ﷺ (٢): الأقراء: الحيض، فلا تحل المطلقة حتى تغتسل من الحَيْضة الثالثة» (٣). ثم ذكر الشافعي حُجَّةَ القولين، واختار الأول، واستدل عليه بأن النبيَّ ﷺ أَمَر عُمَرَ ﵁ حين طَلَّق ابنُ عمرَ امرأتَه، حائضًا- أن يأمره بَرَجْعَتِها حتى تَطْهُر، ثم يُطَلِّقها طَاهرًا، مِن غير جِماع، وقال رسول الله ﷺ : «فَتِلكَ العِدَّةُ التِي أَمَر اللهُ أن يُطَلَّق لها النِّسَاءُ» (٤). قال الشافعيُّ: «واللَّهُ أَعْلَم قول الله : ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] فأخبر النبي ﷺ عن الله أن العِدَّة: الطُّهر،

стр. 226

دون الحيض» (١). واحتج: «بأن الله قال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ولا معنى للغسل؛ لأن الغسل (٢) رابع (٣)» (٤). واحتج: «بأن الحَيْضَ هو: أن يُرخِيَ الرَّحِمُ الدَّمَ حتى يَظْهَر، والطُّهرُ هو: أن يَقْريَ الرَّحِمُ الدَّمَ، فلا يَظْهَر، فالقري (٥): الحَبْس، لا الإرسَال. فالطُّهر -إذا كان يكونُ وقتًا- أَوْلى (٦) في اللسان، بمعنى القُرْء؛ لأنه حَبسُ الدَّم» (٧). وأطال الكلام في شرحه. (١٣٠) أنبأني أبو عبد الله -إجازةً- حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآية. قال الشافعي ﵀: فكان بَيِّنًا -الآية في التنزيل- أنه لا يَحِل للمُطَلَّقة أن تَكتُم ما في رَحِمِها مِن الحيض (٨)، فقد يَحْدُث له -عند خوفه انْقضاءَ عِدَّتِها- رَأيٌّ في نكاحها، أو يكون طلاقه إياها أدبًا لها.

стр. 227

ثم ساق الكلام، إلى أن قال: وكان ذلك يحتمل: الحمل مع الحيض (١)؛ لأن الحمل مما خلق الله في أرحامهن، فإذا سأل الرجلُ امرأته المطلقة، أحامل هي؟ أو هل حاضت؟ فَبيِّن (٢) عندي، ألا يَحِل لها أن تكتمه ولا أحدًا رأت أنه يُعلِمُه، فأحب إلي لو أخبرته به. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: ولو كَتَمتْهُ بعد المَسْأَلَةِ، حتى خَلَت عِدَّتُها= كانت عندي آثِمَةٌ بالكتمان، وخِفتُ عليها الإثمَ إذا كَتَمَت، وإذا (٣) لم يَسْأَل ولم يَكُن لَه عَليها رَجْعَةٌ؛ لأن اللهَ إنما جَعلَها له حتى تَنْقَضِي عِدَّتُها» (٤). وروى الشافعي ﵀ في ذلك قول عَطاءٍ، ومُجَاهِدٍ، وهو منقول في كتاب «المبسوط» و «المعرفة» (٥). وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي ﵀: «سمعتُ مَن أرضى مِن أهل العِلْم يقول: إن أَوَّلَ ما أنزل اللهُ مِن العِدَد: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فلم يَعلموا ما عِدَّةُ المَرأةِ لا قُرْءَ لها: -وهي التي لا تحيض- والحامل. فأنزل الله : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] وقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ فلم تدروا ما تَعْتَدُّ غَيرُ ذَواتِ الأقراء؟

стр. 228

وقال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. قال الشافعي: في هذا واللَّهُ أَعْلَم شبه ما قالوا» (١). وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فكان بَيِّنًا في حُكم الله : ألَّا عِدَّة على المُطَلَّقة قبل أن تُمَس، وأن المَسِيس: الإصابة» (٢). وذكر الآيات في العِدَّة، ثم قال: «فكان بَيِّنا في حُكم الله : أن العِدَّة مِن يوم يَقَع الطَّلاق، وتكونُ الوفَاةُ» (٣). وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٤٠]. قال الشافعي: حَفِظتُ عن غير واحِدٍ من أهل العلم بالقرآن: أن هذه الآية نزلت قبل نزول آي (٤) المواريث، وأنها منسوخة. وكان بعضُهم، يذهبُ إلى أنها نَزلَت مَع الوَصِيَّة للوالِدَين والأَقرَبين، وأَنَّ وَصِيةَ المَرأةِ مَحْدُودَةٌ بمَتاع سَنَة، وذلك: نَفَقتُها، وكِسوتها، وسَكَنُها، وأن قَد حَظَر على أهل زَوجِها إخراجَها، ولم يحظر عليها أن تَخرُج.

стр. 229

قال: وكان مذهبهم: أن الوصية لها بالمتاع إلى الحَول والسكنى منسوخة. يعني: بآية المواريث (١). وأن الله أثبت عليها عِدة أربعة أشهر وعشرًا، ليس لها الخيار في الخروج منها، ولا النِّكاح قبلها. إلا أن تكون حاملًا فيكون أَجلُها أن تَضَع حملها» (٢). وله -في سُكْنَى المُتَوفَّى عنها- قَولٌ آخَر: «أَنَّ الاختيار لوَرَثَتِه، أَنْ يُسْكِنُوها، وإن لم يَفعَلُوا، فقد مَلكُوا المَالَ دُونَه» (٣). قال (٤): رويناه عن عطاء (٥)، ورواه الشافعي، عن الشعبي (٦). (١٣١) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا

стр. 230

الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله في المطلقات: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]. قال الشافعي: فالفاحشة: أن تَبذُو (١) على أهل زوجها، فيأتي من ذلك ما يُخَاف الشقاق بينها وبينهم، فإذا فعلت: حَلَّ لهم إخراجُها، وكان عليهم أن يُنْزِلُوها منزلًا غيره». وروى الشافعي معناه -بإسناده- عن ابن عباس (٢). (١٣٢) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].قال الشافعي: حَرَّم الله الأم، والأخت من الرضاعة، واحتمل تحريمها معنيين: أحدهما: إِذْ ذَكَر اللهُ تَعالى تَحْريمَ الأُمِّ والأُختِ مِن الرَّضَاعَة، فأقامها في التحريم، مقامَ الأُمِّ والأختِ مِن النَّسَب، أن تكون الرَّضَاعةُ كُلُّها، تقوم مَقَام النَّسبِ، فما حَرُم بالنَّسب: حَرُم بالرَّضَاعة مثله، وبهذا نقول، بدلالة سُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، والقِيَاسِ عَلى القُرآن. والآخر: أن يَحرُم مِن الرَّضَاع: الأم والأخت، ولا يَحرُم سواهما» (٣). ثم ذكر دلالة السُّنة، لما اختار مِن المعنى الأول. قال الشافعي ﵀: «والرَّضَاع: اسمٌ جامع، يقع على المَصَّة، وأكثر

стр. 231

منها إلى كَمال رَضاع (١) الحَوْلَين، ويقع على كل رَضَاع وإن كان بَعْد الحَولين» (٢). «فاستدللنا أنَّ المُرادَ بتحريم الرَّضَاع: بَعضَ المُرْضَعِين (٣)، دون بعض، لا (٤) مَن لَزِمَه اسمُ رَضَاع» (٥). وجعل نظير ذلك: آية السارق والسارقة، وآية الزاني والزانية، وذكر الحجة في وقوع التحريم بَخَمْس رَضَعَات. واحتج في الحولين بقول الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] «فَجعَلَ تَمَامَ الرَّضَاع: حَوْلَيْن وقال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: قبل الحولين، فَدَلَّ إرخاصُه جَلَّ ثَنَاؤُهُ في فِصَال المَولود، عن تراضي وَالِدَيه وتَشَاورهما، قبل الحولين = على أن ذلك إنما يكون باجتماعهما على فِصَالِه، قَبْل الحَوْلَين، وذلك لا يكون واللَّهُ أَعْلَمُ إلا بالنَّظَر للمولود مِن والديه، أن يكونا يَريَان فِصَالَه قبل الحولين، خيرًا له مِن إتمام (٦) الرَّضَاع له؛ لِعِلَّةٍ تكون به، أو بمرضعته (٧)، وأنه لا يقبل رَضاع غيرها، وما

стр. 232

أشبه هذا، وما جعل الله تعالى له غَايةً، فالحكم (١) بعد مُضِي الغاية فيه، غيره قبل مُضِيِّها. قال الله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فحكمهن-بعد مُضِيِّ ثلاثةِ أَقْرَاءٍ- غَير حُكْمِهِنَّ فيها. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. فكان لهم أن يَقْصُروا مُسافِرين، وكان في شَرط القَصر لهم بحال موصوفة: دَلِيلٌ على أَنَّ حُكمَهم في غير تِلك الصِّفَة غَيرُ القَصْر» (٢). (١٣٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ -قراءةً عليه- حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء]. قال: وقول الله : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ يَدُلُّ واللَّهُ أَعْلَمُ على أن على الزوج نَفقةَ امْرَأتِه. وقوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: لا يَكثُر مَن تُعولوا، إذا اقتصَر المَرءُ على واحدة، وإن أباح له أكثر منها» (٣). (١٣٤) أخبرنا أبو الحُسَين (٤) بنُ بِشْران العدلُ -ببغداد-، أخبرنا أبو عمرَ محمدُ بنُ عبد الواحد اللُّغَوي -صَاحِبُ ثَعْلَب- في كتاب «يَاقُوتَة الصِّرَاط» (٥) في قوله : ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: ألَّا تَجُوروا. وتعولوا: تَكثُر

стр. 233

عِيالُكُم. ورويناه (١) عن زيد بن أسلم- في هذه الآية-: «وذلك أدنى أن لا يَكثُر مَن تَعُولُونَه» (٢). (١٣٥) أنبأني أبو عبد الله، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله في المطلقات: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الآية، وقال: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] قال: فكان بَيِّنًا واللَّهُ أَعْلَمُ في هذه الآية، أنها في المُطلَّقة لا يملك زوجُها رَجعَتَها، مِن قِبَل أنَّ الله لمَّا أمر بالسُّكنى عامًّا، ثم قال في النَّفقة: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ = دَلَّ ذلك على أن الصِّنف الذي أُمِرَ بالنفقة على ذَواتِ الأَحْمَال مِنهُنَّ: صِنفٌ دَلَّ الكتابُ على ألا نَفَقةَ على غَير ذوات الأحمال مِنهُن؛ لأنه إذا أَوْجَب (٣) لِمُطَلَّقةٍ بِصفَةٍ نفقةً= ففي ذلك دليلٌ على أنه لا يَجِبُ نَفقَةٌ لِمَن كانت في غَير صِفَتها مِن المُطَلَّقات، ولمَّا لم أعلم مُخَالفًا -مِن أهل العِلم- في أن المُطَلَّقة التي يملك زوجها رَجْعَتَها في معاني الأزواج= كانت الآية على غيرها مِن المُطَلَّقَات» (٤). وأطال الكلام في شرحه، والحُجَّةِ فيه. (١٣٦) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ

стр. 234

يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقال ﵎: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. قال الشافعي: ففي كتاب الله ، ثم في سُنَّة رسول الله ﷺ بيانٌ: أن الإجارات جائزةٌ على ما يَعرفُ الناس، إذ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ والرَّضَاع يختلف، فيكون صبيٌّ أكثر رَضاعًا مِن صَبي، وتكونُ امرأةٌ أكثر لَبنًا مِن امرأةٍ ويختلف لَبنُها، فَيقِل (١) ويَكثُر، فتجوز الإجارات على هذه؛ لأنه لا يوجد فيه أقرب مما يحيط العلم به مِن هذا، وتجوز الإجارات على خدمة العَبد، قياسًا على هذا، وتجوز في غيره- مما يَعرفُ الناس- قياسًا على هذا، قال: وبيان على أَنَّ على الوَالِد نَفَقةُ الوَلَد دُونَ أُمِّه -كانت أَمُّه مُتَزوِّجَة، أو مُطَلَّقةً- وفي هذا، دِلالةٌ على أَنَّ النَّفقَة لَيْسَت على الميراث، وذلك أَنَّ الأُمَّ وَارِثَة، وفرض النفقة والرضاع على الأب، دونها. قال: وقال ابن عباس- في قول الله : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] مِن أن لا تُضَار والِدةٌ بولدها، لا أَنَّ عليها الرَّضَاع» (٢). وبهذا الإسناد -في الإملاء- قال الشافعي: «ولا يَلزَمُ المَرأةَ رَضَاعُ ولَدِها -كانت عند زوجها، أو لم تكن- إلا أن تشاء، وسواءٌ كانت شَريفَة، أو دَنِيَّة، أو مُوسِرة، أو مُعْسِرة؛ لقول الله : ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ وزاد الشافعي على هذا -في كتاب الإجارة- فقال:

стр. 235

«وقد ذكر الله تعالى الإجارةَ في كتابه، وعَمِلَ بها بعضُ أنبيائِه، ... قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] قال: فذكر اللهُ أن نَبِيًّا مِن أَنبيائِه ﷺ أَجَّر نفسَه حِجَجًا مُسَمَّاة؛ يَملِكُ بها بُضْعَ امرأةٍ، فَدَلَّ على تَجْويز الإجارة، وعلى ألَّا بأس بها على الحِجَج؛ إذ (١) كان على الحجج استأجره، وقد قيل: استأجره على أن يَرعى له واللَّهُ أَعْلَمُ» (٢). * * *

стр. 236

(١٨) «مَا يُؤثَرُ عنه في الجرَاح، وغَيره» . (١٣٧) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمدُ بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقال: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]. قال الشافعي: كان بعضُ العَربِ يَقتُلُ الإنَاثَ مِن ولَده (١) صِغارًا؛ خَوف العَيْلة عَليهم، والعَارَ بهن، فلمَّا نهى اللهُ عن ذلك -مِن أولادِ المُشركين- دَلَّ ذلك على تَثبيت النَّهْي عن قتل أطفالِ المُشركين في دار الحرب، وكذلك دَلَّت عليه السُّنة، مع ما دَلَّ عليه الكتابُ مِن تحريم القتل بغَير حَقٍّ» (٢). (١٣٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي ﵀ في قول الله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] قال: «لا يَقتُل غيرَ قَاتِلِه، وهذا يُشْبِهُ ما قيل واللَّهُ أَعْلَم، قال الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. فالقصاص: إنما يكون مِمَّن فَعل ما فيه القصاص، لا مِمَّن لا يفعله،

стр. 237

فَأحْكَم اللهُ فَرْضَ القصَاص في كتابه، وأبانت السُّنةُ لِمَن هو، وعلى مَن هو» (١). (١٣٩) أخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «مِن العِلم العَام الذي لا اختلاف فيه بَين أَحَدٍ لَقِيتُه -فحدثني وبلغني عنه مِن عُلماء العَرب-: أنها كانت قبل نزول الوَحْي على رسول الله ﷺ تَبايَنُ في الفَضْل، ويكون بينها ما يكون بَين الجِيران مِن قَتل العَمْد والخَطَإ، وكان بَعضُها يَعرِفُ لِبعض الفَضْل في الدِّيات، حتى تكونَ ديةُ الرجل الشَّريف أَضعافَ دِيةِ الرَّجُل دُونَه، فأخذ بذلك بعضٌ مِن بَيْن أَظْهُرها من غيرها ناقصة مما كانت تأخذ به، فكانت دِيةُ النَّضِيريِّ، ضِعْفَي دِية القُرَظِيِّ، وكان الشريفُ مِن العَرب إذا قُتِل: تَجاوزوا (٢) قاتِلَه، إلى مَن لم يَقْتُلْه مِن أشراف القَبِيلَة التي قَتلَه أحدُها، وربما لم يَرْضَوا إلا بعددٍ يَقتلونهم، فَقَتل بَعضُ غَنِيٍّ: شأسَ بنَ زهير، فجمع عليهم أبوه -زهيرُ بنُ جذيمة- فقالوا له: سَلْ -أو بعض من نُدِب عنهم-: سل في قتل شأس، فقال: إحدى ثلاث لا يرضيني غيرُها، فقالوا: ما هي؟ فقال: تُحيُون لي شأسًا، أو تَملئون رِدَائِي مِن نجوم السماءِ، أو تدفعون لي غَنيًا بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أَخذتُ عِوضًا. وقُتِل كُلَيبُ وائِلٍ، فاقتتلوا دهرًا طويلًا، واعْتَزَلَهُم (٣) بعضُهم، فأصابوا ابنًا له -يقال له: بَجِير- فأتاهم، فقال: قد عَرَفْتُم عُزْلَتِي، فَبَجِيرٌ بِكُلَيب- وهو

стр. 238

أعز العرب (١) - وكُفُّوا عن الحَرب (٢)، فقالوا: بَجير بِشِسْع كُلَيب، فقاتلهم وكان مُعتَزِلًا. قال: فيقال إنه نزل في ذلك وغيره مِمَّا كانوا يحكمون به في الجاهلية هذا الحكم الذي أحكيه بعد هذا، وحكم الله بالعدل، فَسَوَّى في الحكم بين عباده الشريف منهم، والوضيع، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فيقال: إن الإسلام نزل وبعضُ العَرب يَطلُبُ بَعضًا بدماء وجراح، فنزل فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]» (٣). قال: «كان بَدءُ ذلك في حَيَّيْن مِن العرب، اقتتلوا قبل الإسلام بقليل، وكان لأحد الحَيَّيْن فَضلٌ على الآخَر، فأقسموا بالله لَيَقْتُلن بالأنثى الذَّكرَ، وبالعبدِ منهم الحُرَّ، فلما نزلت هذه الآية = رضوا وسَلَّموا. قال الشافعي: وما أَشْبَه ما قَالوا -مِن هذا- بما قالوا؛ لأن اللهَ إنما ألزم كُلَّ مُذنبٍ ذَنبَه، ولم يجعل جُرْمَ أحدٍ على غيره فقال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ إذا كان واللَّهُ أَعْلَمُ قاتلًا له ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ إذا كان قاتِلًا له، ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ إذا كانت قاتلة لها، لا أن يُقْتل بأحد مِمَّن لم يقتله، لِفَضل المَقتُول على القاتل. وقد جاء عن النبي ﷺ : «أعدى الناس على الله مَن قَتَل غَيرَ

стр. 239

قَاتِلِه» (١). وما وصفتُ -مِن أن لَم أَعْلم مُخالفًا في أن يُقْتل الرَّجلُ بالمرأة- دَليلٌ على أن لو كانت هذه الآية غير خاصة- كما قال من وصفت قوله من أهل التفسير- لَم يُقتَل ذَكرٌ بأنثى» (٢). (١٤٠) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] فكان ظاهرُ الآية واللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ القصاص إنما كُتِب على البالغين المَكْتُوب عليهم القصاص؛ لأنهم المُخَاطَبون بالفرائض إذا قتلوا المؤمنين بابتداء الآية، وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ لأنه جعل الأُخُوَّة بين المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقطع ذلك بين المؤمنين والكافرين. قال: ودَلَّت سُنة رسولِ الله ﷺ على مثل ظاهر الآية» (٣). قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ في أهل التوراة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى آخر الآية [المائدة: ٤٥]. «ولا يجوز واللَّهُ أَعْلَمُ في حكم الله ﵎ بين أهل التوراة أن كان حُكْمًا بَيِّنًا = إلا ما جاز في قوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. ولا يجوز فيها إلا أن يكون كُلُّ

стр. 240

نَفْسٍ مُحَرَّمةَ القَتل، فعلى مَن قتلها القَوَدُ، فيلزم في هذا أَن يُقتَل المُؤمنُ بالكَافِر المُعَاهَد، والمُسْتأمَن، والمَرأَةِ والصَّبيِّ مِن أهل الحرب، والرجل بِعبدِه وعَبدِ غَيرِه -مُسلمًا كان، أو كافرًا-، والرجلُ بولَدِه إذا قتله. أو يكون قولُ الله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ مِمَّن دَمُه مُكافئٌ (١) دَمَ مَن قَتلَه، وكُلُّ نَفْسٍ كانت تُقَاد بنفس، بدلالة كتاب الله، أو سُنةٍ، أو إجماع، كما كان قول الله : ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إذا كانت قَاتلة خاصة، لا أَنَّ ذكرًا لا (٢) يُقْتَلُ بأنثى. وهذا أولى معانيه به واللَّهُ أَعْلَمُ؛ لأن عليه دلائلَ، منها: قولُ رسولِ الله ﷺ : «لا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بكَافِرٍ» (٣)، والإجماع على: أن لا يُقْتل المَرءُ بابنه إذا قتله، والإجماع على: أن لا يُقْتَل الرجل بعبده، ولا بِمُسْتَأمَن مِن أهل الحرب، ولا بامرأةٍ مِن أهل الحرب ولا صَبيٍّ. قال: وكذلك: لا يُقتلُ الرَّجلُ الحُرُّ بالعَبد، بحال» (٤). (١٤١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، وأبو زكريا ابنُ أبي إسحاقَ قالا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، «أخبرنا معاذُ بن موسى، عن بُكَير بن معروف، عن مُقاتِل بن حيان، قال (٥): قال مقاتل: أَخذتُ هذا التفسير عن نَفَرٍ-حفظ معاذُ منهم: مجاهدًا، والحَسَن، والضَّحَّاك بن

стр. 241

مزاحم- في قوله ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ١٧٨]. قال: كان كُتِبَ على أهل التوراة: مَن قَتل نفسًا بغير نَفس، حُقَّ أن يُقَاد بها، ولا يُعفى عنه، ولا يُقبَل منه الدِّيةُ. وفُرِضَ على أهل الإنجيل: أن يُعفى عنه، ولا يُقْتَل. ورُخِّص لأمة محمد ﷺ : إن شاء قَتَل، وإن شاءَ أخذَ الدِّيةَ، وإن شاء عَفَى. فذلك: قوله : ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يقول: الدِّيةُ تَخفيفٌ مِن الله تعالى؛ إذ جَعَل الدية، ولا يُقْتَل. ثم قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨] يقول: فمن قَتَل بَعد أَخْذِه (١) الدِّية، فَله عذابٌ أليم. وقال -في قوله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]-: يقول: لكم في القصاص، حياةٌ يَنتهِي بها بعضُكُم عن بعضٍ، أن يُصِيبَ مَخافَةَ أن يُقْتَل» (٢). (١٤٢) وأخبرنا أبو عبد الله، وأبو زكريا، قالا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، «أخبرنا ابنُ عُيَينَة، أخبرنا عمرو بن دينار، قال: سمعتُ مجاهدًا، يقول: سمعت ابنَ عباس، يقول: كان في بني إسرائيل

стр. 242

القصَاص، ولم يكن فيهم الدِّيةُ، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآية. وقال (١): العفو: أن يَقْبَل الدِّيَةَ في العَمْد. [﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾] (٢) مِمَّا كُتِب على مَن كَان قَبْلَكُم، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة] (٣). قال الشافعي - في رواية أبي عبد الله-: وما قال ابنُ عباسٍ في هذا، كما قال واللَّهُ أَعْلَم، وكذلك قال مقاتل، وتَقَصِّي مقاتل فيه أكثر مِن تَقَصِّي ابن عباس، والتَّنزيلُ يَدُلُّ على ما قال مقاتل؛ لأن الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ إذْ ذَكَر القصاص، ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ لم يجز واللَّهُ أَعْلَم أن يُقَال: إن عُفِي: إن صُولِح على أخذ الدية؛ لأن العفو تَركُ حَقٍّ بلا عِوَض، فلم يجز إلا أن يكون: إن عُفِي عن القتل، فإذا عَفَى لم يكن إليه سبيل، وصار لعافي القَتل ما قال في مال القاتل-وهو: دية قتيله- فيتبعه بمعروف، ويؤدي إليه القاتل بإحسان. ولو (٤) كان إذا عفى عن القاتل، لم يكن له شيء، لم يكن للعافي أن يتبعه ولا على القاتل شيءٌ يؤديه بإحسان.

стр. 243

قال: وقد جاءت السُّنة- مع بيان القرآن- بمثل معنى القرآن. فذكر حديث أبي شُرَيح: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَن قتل بعده (١) قتيلًا، فأهله بين خِيرَتَيْن: إن أحَبُّوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العَقْل» (٢) (٣). قال الشافعي: قال الله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وكان معلومًا عند أهل العلم- مِمَّن خُوطِب بهذه الآية- أَنَّ وَلِيَّ المقتول، مَن جَعَل اللهُ له مِيراثًا منه» (٤). (١٤٣) وفيما أنبأني به أبو عبد الله -إجازةً-، عن أبي العَبَّاس، عن الربيع، قال: قال الشافعي: «ذكر اللهُ تعالى ما فَرض على أهل التَّوراة، فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. قال: ولم أَعلمُ خلافًا في أَنَّ القصاص في هذه الأمة (٥)، كما حكى (٦) الله به (٧) بين أهل التوراة، ولم أعلم مخالفًا في أن القصاص بين الحُرَّين المُسْلِمَين

стр. 244

في النفس، وما دونها مِن الجِراح التي يُسْتَطَاعُ فيها القصاص بلا تَلَف يُخَاف على المُسْتقاد منه مِن مَوضِع القَوَد» (١). (١٤٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. فَأَحْكَم اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ في تنزيل كتابه (٢) أن على قَاتِل المُؤمن: دِيةً مُسَلَّمةً إلى أهله، وأبان على لسان نبيه ﷺ كم الدِّية، وكان نقل عدد من أهل العلم عن عدد لا تنازع بينهم: أن رسول الله ﷺ قضى بدية (٣) المسلم: مائة من الإبل، وكان هذا أقوى مِن نَقل الخَاصَّة، وقد رُوي مِن طريق الخاصة» (٤). قال الشافعي-فيما يَلْزَمُ العِراقِيين في قولهم في الدية إنها عَلى أهل الوَرِق عَشْرة آلاف دِرهم-: «قد رُوي عن عكرمة عن النبي ﷺ أنه قَضى بالدية: اثْنَيْ عَشر أَلف دِرْهم، وزعم عِكْرمةُ أنه نزل فيه: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤]» (٥).

стр. 245

قال الشَّيخُ: حديثُ عِكرمة هذا: رواه ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، مَرَّةً مُرسلًا، ومَرَّةً مَوصُولًا بِذكر ابنِ عَبَّاسٍ فيه (١). ورواه محمدُ بن مُسلم الطَّائِفي، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، موصولًا (٢). وبهذا الإسناد، قال (٣): قال الشافعي: «أمر الله ﵎ في المُعَاهَد يُقْتلُ خَطأً: بِدِيَةٍ مُسَلَّمَةٍ إلى أهله، ودَلَّت سُنَّةُ رَسولِ الله ﷺ على أن لا يُقْتَل مؤمنٌ بِكَافرٍ، مع ما فَرَّق اللهُ بَين المؤمنين والكافرين، فلم يَجُز أن يُحْكَم على

стр. 246

قَاتِل الكافر إلا (١) بدية، ولا أن يُنْقَص (٢) منها، إلا بخبر لازم، وقضى عمرُ بن الخَطَّاب، وعثمان بنُ عفانَ ﵄ في دية اليهودي، والنصراني: بثُلثِ دِية المُسلم، وقضى عمر ﵁ في دِية المَجُوسي: بثَمَانِمَائة دِرهم، ولم نعلم أن أحدًا قال في دياتهم بأقل مِن هذا. وقد قيل: إن دِيَّاتهم أكثرُ مِن هذا، فَألزمنا قَاتلَ كُلِّ وَاحدٍ مِن هؤلاء الأقل مما اجتمع عليه» (٣). وأطال الكلام فيه، وناقضهم بالمؤمنة الحُرَّة، والجَنين، وبالعبد، -وقد تكون قِيْمَتُهُ عَشرةَ دَرَاهِمَ- يَجِبُ في قَتل كُلِّ وَاحدٍ منهُم تَحريرُ رَقَبةٍ مؤمنة، ولم يُسَوَّ بينهم في الدِّية (٤). (١٤٥) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].

стр. 247

قال الشافعي: يعني في قَومٍ عَدُوٍّ لَكُم. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: وفي التنزيل، كفاية عن التأويل؛ لأن الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ إذ حكم في الآية الأولى في المؤمن يُقتل خَطأً: بالدِّية والكَفّارة، وحَكَم بمثل ذلك، في الآية بعدها في الذي بيننا وبينه مِيثاقٌ، وقال بين هذين الحُكْمَين: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولم يذكر دِيةً، ولم تحتمل الآيةُ معنى، إلا أن يكون قوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾ يعني: في قوم عَدو لنا، دَارُهُم دَارُ حَرب مُبَاحة، وكانت مِن سُنَّة رسول الله ﷺ إذا بلغت النَّاسَ الدَّعوةُ، أن يُغِير عليهم غَارِّين = كان في ذلك دَليلٌ على أن لا يُبِيح الغَارةَ على دَارٍ وفيها مَن له -إن قَتَل- عَقْل، أو قَوَد، وكان هذا حُكمُ الله ، قال: ولا يجوز أن يُقالَ لِرجُلٍ: مِن قَوم عَدو لَكُم، إلا في قوم عَدو لنا، وذلك أن عَامَّة المهاجرين كانوا مِن قُرَيش، وقَريشٌ عَامَّةُ أهل مَكة، وقريش عَدُوٌّ لنا، وكذلك كانوا مِن طَوائِفَ العَرب والعَجَم وقبائلهما أعداء (١) للمسلمين، فإن دَخَل مسلمٌ في دار حرب، ثم قتله مسلم، فعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنة، ولا عَقْل لَه إذا قَتله وهو لا يعرفه بعينه مُسلِمًا» (٢). وأطال الكلام في شرحه. قال الشافعي في كتاب البُوَيْطِيِّ: «وكل قَاتِل عمدٍ (٣) عُفِي عنه، وأُخِذَت منه الدِّيةُ: فعليه الكَفَّارة؛ لأن الله إذ جعلها في الخَطَإِ الذي وَضَعَ فيه

стр. 248

الإثم= كان العَمدُ أَوْلى، والحُجَّة في ذلك كتاب الله حين قال في الظِّهار: ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] وجعل فيه كَفَّارة، ومن قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ... [المائدة: ٩٥] ثم جعل فيه الكفارة» (١). وذكرها أيضًا في رواية المُزَني (٢)، دون العَفو، وأَخْذِ الدِّية. * * *

стр. 249

(١٩) «مَا يؤثُر عنه في قِتَال أهلِ البَغْي، وفي المُرتَد» . (١٤٦) وفيما أنبأني أبو عبد الله -إجازَةً- أَنَّ أبا العباس حدثهم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. قال: فذكر الله تعالى اقْتِتَالَ (١) الطائفتين، والطائفتان المُمْتَنِعَتَان: الجَماعَتَان، كُلُّ واحدةٍ تَمتَنِع، وسَمَّاهم اللهُ : المؤمنين، وأمر بالإصلاح بينهم، فَحَقٌّ على كل أحدٍ دُعَاءُ (٢) المؤمنين-إذا افترقوا، وأرادوا القتال- ألَّا يقاتلوا، حتى يُدْعَوا إلى الصُّلْح. قال: وأمر الله بقتال البَاغِية -وهي مُسَمَّاة باسم الإيمان- حتى تَفِيءَ إلى أمر الله، فإذا فاءت، لم يكن لأحد قِتَالُها؛ لأن الله إنما أَذِن في قتالها في مُدَّة الامْتِنَاع -بالبغي- إلى أن تَفِيءَ، والفَيْءُ: الرَّجْعَة عن القتال بالهزيمة، أو (٣) التوبة وغيرها، وأيُّ حالٍ تَرَك بها القتال، فقد فاء، والفيء- الرجوع عن القتال-: الرجوع عن معصية الله إلى طاعته، والكَفُّ عَمَّا حَرَّم الله . وقال أبو ذُؤَيْب (٤) -يُعَيِّر نَفرًا مِن قومه انهزموا عن رَجُلٍ مِن أهله، في وَقْعَةٍ، فَقُتِل-:

стр. 250

لا يَنْسإِ اللهُ مِنَّا مَعْشَرًا شَهِدُوا * يَومَ الأُمَيْلِح، لا غَابُوا، ولا جَرَحُوا عَقَّوْا بِسَهْم، فَلم يَشْعُر بِهِم أَحَدٌ * ثُم اسْتَفَاءُوا وقالوا حَبَّذَا الوَضَحُ (١) قال الشافعي: فأمر الله ﵎ -إن فاءوا- أن يُصلَح بينهم بالعدل ولم يذكر تِبَاعَةً في دم، ولا مال، وإنما ذكر الله الصُّلْح آخرًا، كما ذكر الإصلاح بينهم أولًا قبل الإذن بقتالهم، فأشبه هذا واللهُ أَعْلَمُ أن تكون التِّبَاعَاتُ في الجِراح والدماء، وما فات من الأموال: ساقطةً بينهم. وقد يحتمل قولُ الله : ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩]: أَنْ يُصْلَح بينهم بالحكم، إذا كانوا قد فعلوا ما فيه حُكم، فَيُعْطَى بَعضُهم مِن بعض، ما وَجَب له؛ لقول الله : ﴿بِالْعَدْلِ﴾ والعدل: أَخْذُ الحَقِّ لِبعضِ النَّاس مِن بَعْض (٢)» (٣). ثم اخْتار الأوَّل، وذكر حُجَّتَه (١٤٧) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي ﵀، قال: «قال الله : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ١ - ٣].
следующие страницы →