← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 92

أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي ت الشوامي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (380 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قَاتِل الكافر إلا (١) بدية، ولا أن يُنْقَص (٢) منها، إلا بخبر لازم، وقضى عمرُ بن الخَطَّاب، وعثمان بنُ عفانَ ﵄ في دية اليهودي، والنصراني: بثُلثِ دِية المُسلم، وقضى عمر ﵁ في دِية المَجُوسي: بثَمَانِمَائة دِرهم، ولم نعلم أن أحدًا قال في دياتهم بأقل مِن هذا. وقد قيل: إن دِيَّاتهم أكثرُ مِن هذا، فَألزمنا قَاتلَ كُلِّ وَاحدٍ مِن هؤلاء الأقل مما اجتمع عليه» (٣). وأطال الكلام فيه، وناقضهم بالمؤمنة الحُرَّة، والجَنين، وبالعبد، -وقد تكون قِيْمَتُهُ عَشرةَ دَرَاهِمَ- يَجِبُ في قَتل كُلِّ وَاحدٍ منهُم تَحريرُ رَقَبةٍ مؤمنة، ولم يُسَوَّ بينهم في الدِّية (٤). (١٤٥) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].

стр. 247

قال الشافعي: يعني في قَومٍ عَدُوٍّ لَكُم. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: وفي التنزيل، كفاية عن التأويل؛ لأن الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ إذ حكم في الآية الأولى في المؤمن يُقتل خَطأً: بالدِّية والكَفّارة، وحَكَم بمثل ذلك، في الآية بعدها في الذي بيننا وبينه مِيثاقٌ، وقال بين هذين الحُكْمَين: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولم يذكر دِيةً، ولم تحتمل الآيةُ معنى، إلا أن يكون قوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾ يعني: في قوم عَدو لنا، دَارُهُم دَارُ حَرب مُبَاحة، وكانت مِن سُنَّة رسول الله ﷺ إذا بلغت النَّاسَ الدَّعوةُ، أن يُغِير عليهم غَارِّين = كان في ذلك دَليلٌ على أن لا يُبِيح الغَارةَ على دَارٍ وفيها مَن له -إن قَتَل- عَقْل، أو قَوَد، وكان هذا حُكمُ الله ، قال: ولا يجوز أن يُقالَ لِرجُلٍ: مِن قَوم عَدو لَكُم، إلا في قوم عَدو لنا، وذلك أن عَامَّة المهاجرين كانوا مِن قُرَيش، وقَريشٌ عَامَّةُ أهل مَكة، وقريش عَدُوٌّ لنا، وكذلك كانوا مِن طَوائِفَ العَرب والعَجَم وقبائلهما أعداء (١) للمسلمين، فإن دَخَل مسلمٌ في دار حرب، ثم قتله مسلم، فعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنة، ولا عَقْل لَه إذا قَتله وهو لا يعرفه بعينه مُسلِمًا» (٢). وأطال الكلام في شرحه. قال الشافعي في كتاب البُوَيْطِيِّ: «وكل قَاتِل عمدٍ (٣) عُفِي عنه، وأُخِذَت منه الدِّيةُ: فعليه الكَفَّارة؛ لأن الله إذ جعلها في الخَطَإِ الذي وَضَعَ فيه

стр. 248

الإثم= كان العَمدُ أَوْلى، والحُجَّة في ذلك كتاب الله حين قال في الظِّهار: ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] وجعل فيه كَفَّارة، ومن قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ... [المائدة: ٩٥] ثم جعل فيه الكفارة» (١). وذكرها أيضًا في رواية المُزَني (٢)، دون العَفو، وأَخْذِ الدِّية. * * *

стр. 249

(١٩) «مَا يؤثُر عنه في قِتَال أهلِ البَغْي، وفي المُرتَد» . (١٤٦) وفيما أنبأني أبو عبد الله -إجازَةً- أَنَّ أبا العباس حدثهم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. قال: فذكر الله تعالى اقْتِتَالَ (١) الطائفتين، والطائفتان المُمْتَنِعَتَان: الجَماعَتَان، كُلُّ واحدةٍ تَمتَنِع، وسَمَّاهم اللهُ : المؤمنين، وأمر بالإصلاح بينهم، فَحَقٌّ على كل أحدٍ دُعَاءُ (٢) المؤمنين-إذا افترقوا، وأرادوا القتال- ألَّا يقاتلوا، حتى يُدْعَوا إلى الصُّلْح. قال: وأمر الله بقتال البَاغِية -وهي مُسَمَّاة باسم الإيمان- حتى تَفِيءَ إلى أمر الله، فإذا فاءت، لم يكن لأحد قِتَالُها؛ لأن الله إنما أَذِن في قتالها في مُدَّة الامْتِنَاع -بالبغي- إلى أن تَفِيءَ، والفَيْءُ: الرَّجْعَة عن القتال بالهزيمة، أو (٣) التوبة وغيرها، وأيُّ حالٍ تَرَك بها القتال، فقد فاء، والفيء- الرجوع عن القتال-: الرجوع عن معصية الله إلى طاعته، والكَفُّ عَمَّا حَرَّم الله . وقال أبو ذُؤَيْب (٤) -يُعَيِّر نَفرًا مِن قومه انهزموا عن رَجُلٍ مِن أهله، في وَقْعَةٍ، فَقُتِل-:

стр. 250

لا يَنْسإِ اللهُ مِنَّا مَعْشَرًا شَهِدُوا * يَومَ الأُمَيْلِح، لا غَابُوا، ولا جَرَحُوا عَقَّوْا بِسَهْم، فَلم يَشْعُر بِهِم أَحَدٌ * ثُم اسْتَفَاءُوا وقالوا حَبَّذَا الوَضَحُ (١) قال الشافعي: فأمر الله ﵎ -إن فاءوا- أن يُصلَح بينهم بالعدل ولم يذكر تِبَاعَةً في دم، ولا مال، وإنما ذكر الله الصُّلْح آخرًا، كما ذكر الإصلاح بينهم أولًا قبل الإذن بقتالهم، فأشبه هذا واللهُ أَعْلَمُ أن تكون التِّبَاعَاتُ في الجِراح والدماء، وما فات من الأموال: ساقطةً بينهم. وقد يحتمل قولُ الله : ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩]: أَنْ يُصْلَح بينهم بالحكم، إذا كانوا قد فعلوا ما فيه حُكم، فَيُعْطَى بَعضُهم مِن بعض، ما وَجَب له؛ لقول الله : ﴿بِالْعَدْلِ﴾ والعدل: أَخْذُ الحَقِّ لِبعضِ النَّاس مِن بَعْض (٢)» (٣). ثم اخْتار الأوَّل، وذكر حُجَّتَه (١٤٧) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي ﵀، قال: «قال الله : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ١ - ٣].

стр. 251

قال الشافعي: فَبَيِّنٌ في كتاب الله أن الله أخبر عن المنافقين أنهم اتَّخذُوا أَيْمَانَهم جُنَّةً، يعني واللَّهُ أَعْلَمُ: مِن القَتْل، ثم أخبر بالوجه الذي اتخذوا به أيمانهم جُنة فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون: ٣] بَعد الإيمان، كُفرًا، إذا سُئِلُوا عنه أنكرُوه، وأَظْهرُوا الإيمانَ وَأَقرُّوا به، وأظهروا التَّوبة مِنه وهم مُقِيمُون -فيما بينهم وبين الله تعالى- عَلى الكُفر، وقال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] فأخبر: بكفرهم، وجَحْدِهِم الكُفرَ، وكَذَّب سَرائِرَهُم بِجَحْدِهم، وذكر كُفرَهم في غير آيةٍ، وسَمَّاهم بالنفاق إذا أَظهرُوا الإيمان وكانوا على غيره، وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] فأخبر الله عن المنافقين بالكفر، وحكم فيهم بعلمه مِن أسرار خلقه، ما لا يَعلَمُه غيرُه مِن أنهم في الدرك الأسفل مِن النار، وأنهم كاذبون بأَيْمَانهم، وحكم فيهم- في الدنيا- أن ما أظهروا مِن الإيمان- وإن كانوا به كَاذِبين- لَهُم جُنَّة مِن القَتْل، وهم المُسِرُّون الكُفر، المُظهِرُون الإيمان، وبَيَّن على لِسَان نَبيِّه ﷺ مِثل مَا أَنْزَل اللهُ في كِتَابه» (١). وأطال الكلام فيه. قال الشافعي: «وأخبر الله عن قوم مِن الأعراب فقال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. فَأعْلَم: أَنْ لَم يَدْخُل الإيمان في قلوبهم، وأنهم أَظهرُوه، وحَقَن به دِماءَهُم.

стр. 252

قال الشافعي: قال مجاهد في قوله: ﴿أَسْلَمْنَا﴾ قال: اسْتَسْلَمْنا مَخافةَ القَتْل والسَّبْي» (١). قال الشافعي: «ثم أخبر أنه يَجزيهم إن أطاعوا الله ورسوله، يعني: إن أحدثوا طاعة الله ورسوله» (٢). قال الشافعي: «والأَعْرَابُ لا يَدِينُون دِينًا يَظْهَر، بل يُظهِرُون الإسلام، ويَسْتَخفُون الشِّرك والتعطيل، قال الله : ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]» (٣). وقال -في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]-: «فإن صلاته -بأبي هُو وأُمي ﷺ وعلى آله- مُخَالِفةً صَلاة غَيره، وأرجو أن يكون قَضى-إذ أَمرَه بترك الصلاة على المنافقين- أن لا يُصَلِّي على أحد إلا غُفِر له، وقضى أن لا يُغْفَر لِمُقِيمٍ على شرك = فنهاه عن الصلاة على مَن لا يَغْفِر له. قال الشافعي: ولم يمنع رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن الصَّلاةِ عَليهِم- مُسْلِمًا، ولم يَقتُل مِنهم -بعد هذا- أَحدًا» (٤). قال الشافعي -في غَير هذا المَوضِع- ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]: ما هم بمخلصين» (٥).

стр. 253

(١٤٨) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي قال: «قال الله : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] فلو أَنَّ رجُلًا أَسَره العَدوُّ، فَأُكرِهَ على الكفر: لم تَبِن منه امرأتُه، ولم يُحكَم عليه بِشيءٍ مِن حُكم المُرتَد، قد أكره بعضُ مَن أَسلَم -في عهد النبي ﷺ على الكفر، فقاله، ثم جاء إلى النبيِّ ﷺ ، فذكر له ما عُذِّب به، فنزلت فيه هذه (١) ولم يأمره النبي ﷺ باجتناب زوجته، ولا بشيءٍ مِمَّا على المُرتَد» (٢). (١٤٩) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي قال: «وأبان الله لِخَلقه أَنَّه تَولَّى الحُكمَ -فيما أثابهم، وعَاقبَهُم عليه- على ما عَلِم مِن سَرائِرهِم، وافقت سرائرُهُم علانيتَهم، أو خَالفَتْها، فإنما جزاؤُهم بالسَّرائِر، فَأحبَط عَمَل مَن كَفَر به. ثم قال ﵎ -فيمَن فُتِن عن دينه-: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] فَطَرح عَنهم حُبوطَ أَعمالِهم، والمَأثَم بالكفر؛ إذا كانوا مكرهين (٣) وقلوبهم على الإطمأنينة (٤) بالإيمان، وخلاف

стр. 254

الكفر، وأمر بقتال الكافرين حتى يؤمنوا، وأبان ذلك حتى يُظهِرُوا الإيمان، ثم أوجب للمنافقين- إذ أسَرُّوا الكفر- نَارَ جَهنَّم فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] يعني واللَّهُ أَعْلَم: مِنَ القَتْل، فمنعهم مِن القَتل، ولم يُزِل عنهم-في الدنيا- أحكامَ الإيمان؛ بما أظهروا منه، وأوجب لهم الدَّرْكَ الأسْفَل مِن النار؛ لعلمه بسرائرهم، وخلافها لعلانيتهم بالإيمان، وأَعلَم عِبادَه -مع ما أَقامَ عليهم مِن الحُجَّة-: بأن لَيس كمثلِه أحدٌ في شِيء، إنَّ عِلمَه بالسَّرائِر والعَلانِية واحِد. فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقال : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. مع آياتٍ أُخَر من الكتاب. قال: وعَرَّف جَميعَ خلقِه -في كتابه-: أن لا عِلمَ لَهُم، إلا ما عَلَّمهم. فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ثُمَّ مَنَّ عليهم بما آتاهُم مِن العِلم، وأمرهم بالاقتِصَار عليه، فقال لنبيه ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] الآية. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وقال : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].

стр. 255

وذكر سائرَ الآيات التي وَردَت في عِلم الغَيب، وأنه: حَجَب عن نبيِّه ﷺ عِلْمَ السَّاعةِ، فكان مَن جَاوَر مَلائِكَة اللهِ المُقرَّبين، وأنبياءَه المُصْطَفَين-مِن عباد الله- أَقْصرَ علمًا، وأولى أن لا يَتَعاطَوْا حُكمًا على غَيب أحدٍ، بدلالة ولا ظن؛ لتقصير علمهم عن علم أنبيائِه، الذين فُرِضَ عليهم الوَقْف عَمَّا وَرد عليهم، حتى يأتيَهم أَمرُه (١)» (٢). وبسط الكلام في هذا. * * *

стр. 256

(٢٠) «ما يُؤثَر عنهُ في الحُدُود» . (١٥٠) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء]. قال: فكان هذا أولَ عُقُوبَةِ الزَّانِيَين في الدنيا، ثم نُسِخَ هذا عن الزُّناةِ كُلِّهِم، الحُرِّ والعَبد، والبِكرِ والثَّيب، فَحَدَّ اللهُ البِكْرَين الحُرَّين المسلمين فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. واحتج بحديث عُبَادَةَ بن الصَّامِت- في هذه الآية: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ - قال: كانوا يُمسِكُوهُن، حتى نزلت آيةُ الحدود، فقال النبي ﷺ : خُذوا عَنِّي: قد جعل اللهُ لهُنَّ سبيلا، البكر بالبكر: جَلدُ مائة، ونَفْيُ سَنةٍ، والثَّيبُ بالثَّيب: جَلدُ مائة، والرَّجْمُ» (١). واحتج -في إثبات الرَّجْم على الثيب، ونَسْخِ الجَلْد عَنه-: بحديث عُمرَ ﵁ في الرَّجم (٢)، وبحديث أبي هريرة، وزيد بن خالد: «أن

стр. 257

رجُلًا ذَكرَ أنَّ ابنَه زَنى بامرأةِ رَجُل، فقال رسول الله ﷺ : «لأقْضِيَنَّ بينكُما بكتاب الله، فَجلَد ابنَه مِائة، وغَرَّبَهُ عامًا، وأَمر أُنَيْسًا أن يَغدُو على امرأةِ الآخَر فإن اعْتَرفَت: فَارْجُمها، فاعترفت، فَرجمَها» (١). قال الشافعي: «كان ابنُه بكرًا، وامرأةُ الآخَر ثَيِّبًا. فذكر رسول الله ﷺ عن الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ-: حَدَّ البِكر والثَّيب في الزنا فَدَلَّ ذلك على مِثل ما قال (٢) مِن حَدِّ الثَّيب في الزِّنا» (٣). وقال في موضع آخر -بهذا الإسناد-: «فثبت جلدُ مِائة، والنَّفيُ عَلى البكْرَين الزَّانيين، والرَّجمُ على الثَّيْبَين الزَّانيين. فإن كانا مِمَّن أُرِيدَ بالجَلد، فَقَد نُسِخَ عنهما الجَلدُ مع الرجم، وإن لم يكونَا أُرِيدَا بالجلد (٤)، وأُريد به البِكْران = فهما مُخالِفَان للثَّيبَين. ورَجْمُ الثَّيبين- بعد آية الجلد-: بما رَوى النَّبيُّ ﷺ عن الله . وهذا أَشْبَهُ مَعانيه وأَوْلَاها به عندنا، واللهُ أَعْلَمُ» (٥).

стр. 258

(١٥١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي ﵀، قال: «قال الله ﵎ في المَمْلُوكَات: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. قال: والنِّصفُ: لا يكون إلا في الجَلْد، الذي يَتَبعَّض، فأما الرَّجْمُ -الذي هو قَتلٌ-: فلا نِصفَ لَه» (١). ثم ساق الكلام، إلى أن قال: «وإِحْصَانُ الأَمَةِ: إسلامُها، وإنما قلنا هذا، استدلالًا بالسُّنة، وإجماع أكثَر أهل العلم. ولما قال رسول الله ﷺ : «إذا زَنت أَمَةُ أحدِكم، فتبيَّن زِنَاها، فليجلدها» (٢) ولم يَقُل مُحْصَنةً كانت، أو غير مُحْصَنةٍ = استدللنا على أن قولَ اللهِ في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: إذا أَسْلَمن، لا إذا نُكِحْن فَأُصِبْن بالنكاح (٣)، ولا إذا أُعتِقْن ولم يُصَبْن. قال الشافعي: وجماع الإحصان: أن يكونَ دونَ المُحْصَن مَانعٌ مِن تَنَاوُلِ المُحرَّم، والإسلام: مانعٌ، وكذلك الحُريَّةُ: مَانعةٌ وكذلك الزَّوجِية والإصابةُ: مانعٌ، وكذلك الحَبسُ في البيوت: مانعٌ. وكل ما مَنَع أَحْصَنَ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠].

стр. 259

وقال : ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤] أي: ممنوعة. قال الشافعي: وآخِرُ الكَلامِ وأَوَّلُه، يدُلَّان عَلى أَن مَعنى الإحْصَان ... -المذكور عامَّةً في مَوضِع دون غَيرِه- أن الإِحْصَان هاهُنا: الإسلامُ دونَ النِّكاح، والحُرِّية، والتَّحُصُّن بالحَبْس، والعَفَاف. وهذه الأسماء التي يَجْمَعُها اسمُ الإحصَان» (١). قال الشافعي- في قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآية [النور: ٤]-: «المُحْصَنات هَاهُنا: البَوالِغُ الحَرائِرُ المسلمات» (٢). (١٥٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: وقال الحسين بن محمد- فيما أُخْبرتُ عنه، وقَرأتُه في كتابه-: أخبرنا محمدُ بن سُفيانَ بن سَعِيد أبو بَكْر بمصر، حدثنا يُونسُ بن عبد الأعلى، قال: قال الشافعي في قوله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]: «ذواتُ الأزْوَاج مِن النِّساء. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]: عَفَائِفَ غَير خَبائِثَ. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] قال: فإذا أُنْكِحْنَ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. غير ذوات الأزواج» (٣).

стр. 260

(١٥٣) أخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي ﵀ قال: «قال الله ﵎: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] ودَلَّت سُنة رسولِ الله ﷺ أن المُرادَ بالقَطع في السَّرِقة: مَن سَرَق مِن حِرْزٍ، وبَلَغت سَرِقَتُه رُبعَ دِينارٍ، دون غَيرهِما (١) مِمَّن لَزِمَه اسمُ سَرِقَة» (٢). (١٥٤) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي قال: «قال الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم (٣)، عن صالح مولى التَّوْأَمَة، عن ابن

стр. 261

عباس-في قُطَّاع الطَّريق-: إذا قَتَلوا وأَخذُوا المَال: قُتِلُوا وصُلِبوا، وإذا قَتلُوا ولم يأخذوا المال: قُتِلُوا ولم يُصْلَبوا، وإذا أخذوا المَال ولَم يَقْتُلوا: قُطِّعَت أَيدِيهم وأَرْجُلُهم مِن خِلاف، وإذا أخافوا (١) السَّبيل، ولم يأخذوا مالًا: نُفُوا مِن الأرض. قال الشافعي: وبهذا نقول، وهو مُوافِقٌ معنى كتاب الله ؛ وذلك أن الحدود إنما نزلت فيمن أسلم، فأما أهل الشرك فلا حُدُودَ فيهم، إلا القَتْل، والسَّبْي، أو الجزية، واختلافُ حُدودِهم باختلاف أفعالِهم على ما قال ابنُ عبَّاسٍ إن شاء الله . قال الشافعي ﵀: قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]. فَمن تَابَ قبل أَن يُقْدَر عَليه: سَقَط حَدُّ الله، وأُخِذ بحقُوق بَني آدم، ولا يُقْطع مِن قُطَّاع الطريق إلا مَن أَخَذ قِيمَته رُبعَ دِينارٍ فصاعدًا؛ قياسًا على السُّنة في السَّارق» (٢). (١٥٥) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «ونَفْيُهم: أن يُطلَبوا، فَيُنفَوا مِن بلدٍ إلى بلد، فإذا ظُفِر بهم: أُقِيمَ عليهم أَيُّ هذه الحُدودِ كانَ حدهم» (٣). قال الشافعي: «وليس لأولياءِ الذين قَتَلَهُم قُطَّاعُ الطَّريق، عَفْوٌ؛ لأن الله حَدَّهُم بالقتل، أو بالقتل والصَّلب، أو القَطع، ولم يَذكُر الأولياءَ، كما ذكرهم

стр. 262

في القصَاص- في الآيتين- فقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. وقال في الخطإ: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. وذَكر القصاص في القَتْل، ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فذكر-في الخَطَإ والعَمْد- أهلَ الدَّم، ولم يذكُرْهُم في المُحَارَبة، فَدَلَّ على أن حُكم قَتْل المُحَارَبة، مُخَالِفٌ لِحُكْم قَتْلِ غَيرِه، واللهُ أَعْلَمُ» (١). (١٥٦) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، «أخبرنا سُفيان بن عُيَينة، عن عَمرو بن دِينار، عن عَمرو بن أَوْس قال: كان الرَّجُل يُؤخَذُ بذنب غيره، حتى جاء إبراهيم ﷺ ، وعلى آله فقال الله : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ [النجم] (٢). قال الشافعي ﵀: والذي سمعتُ واللَّهُ أَعْلَمُ في قول الله : ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: أن لا يُؤخَذ أحدٌ بذنب غَيرِه، وذلك في بَدنه، دون مَالِه، فإن قَتَل، أو كان حَدًّا، لم يُقْتَل به غَيرُه، ولم يُحَد ولم يُؤخَذ (٣) بِذَنبه فيما بينه وبين الله ، فإن الله (٤) جَزى العِبَادَ على أعمالِ أنفُسِهم، وعَاقَبهُم عليها،

стр. 263

وكذلك أموالُهم: لا يَجْنِي أَحدٌ على أَحدٍ، في مالٍ، إلا حَيثُ خَصَّ رَسولُ الله ﷺ ، بأن جِناية الخَطإ -مِنَ الحُرِّ- على الآدَميين: عَلى عَاقِلَتِه، فأما سِواها: فأموالهم ممنوعةٌ مِن أَن تُؤخَذ بجناية غيرهم. وعليهم-في أموالهم- حُقُوقٌ سِوى هذا، مِن ضِيافَةٍ، وزَكَاةٍ، وغير ذلك. وليس مِن وَجْهِ الجِنَايَةِ» (١). * * *

стр. 264

(٢١) «مَا يُؤْثَر عنه في السِّيَر والجِهَاد، وغَير ذلك» . (١٥٧) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات].قال الشافعي ﵀: خَلق اللهُ الخَلق لعبادته، ثم أبان جَلَّ ثَنَاؤُهُ أن خِيرَتَه من خَلقِه أَنبياؤُه، فقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] فَجَعَل نَبيَّنا ﷺ مِن أصْفيائِه- دون عباده- بالأمانة على وَحْيِه، والقِيام بحُجَّته فيهم. ثم ذَكر مِن خَاصَّةِ صفوتِه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران]. فَخَصَّ آدَم ونوحًا بإعادة ذِكر اصْطِفائِهما، وذكر إبراهيم ﵇ فقال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. وذكر إسماعيلَ بنَ إبراهيمَ، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم]. ثم أنعمَ اللهُ على آل إبراهيم، وآل عِمْران في الأُمَم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران].

стр. 265

ثم اصطفى محمدًا ﷺ مِن خَير آلِ إبراهيمَ، وأَنزلَ كُتبَه -قبل إنزال القرآن (١) على محمدٍ ﷺ ثَم- بصفة فضيلته، وفَضِيلَةِ مَن اتَّبَعَهُ (٢) فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] الآية. وقال لأمته: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية فَفَضَّلَهُم بِكَيْنُونَتِهم (٣) مِن أُمَّتِه، دُونَ أُمَمِ الأنبياءِ قَبلَه. ثم أخبر جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعْلَهُ (٤) فَاتِحَ رَحمتِه، عند فَترة رُسِله فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]. وكان في ذلك، ما دَلَّ على أنه بَعثه إلى خلقه؛ لأنهم كانوا أَهل الكتاب وأُمِّيين، وأَنَّه فتحَ به رَحْمتَه. وخَتَم به نُبُوَّته فقال : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].

стр. 266

وقضى أن أَظْهَر دِينَه على الأديان، فقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف]» (١). * * *

стр. 267

«مُبْتَدَأُ التَّنْزيلِ، والفَرضِ عَلَى النّبيِّ ﷺ ثُم عَلى النّاس» . (١٥٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «لَمَّا بَعثَ اللهُ نبيَّه ﷺ أَنزَل عليه فَرائِضَه كما شاء، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه، ثم أتبع كُلَّ واحد منها، فَرضًا بعد فَرض، في حِينٍ غَير حِين الفَرض قَبْلَه. قال: ويقال واللَّهُ أَعْلَمُ إن أولَ ما أَنزل الله عليه -من كتابه-: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق]. ثُم أُنزِلَ عليه بَعدهَا -لم يُؤمَر فيه بأن (١) يَدعو إليه المُشركِين- فَمَرَّت لذلك مُدَّةٌ، ثم يقال: أتاه جبريلُ ﵇، عن الله : بأن يُعْلِمَهم نزولَ الوَحي عليه، ويدعوهم إلى الإيمان به، فَكَبُر ذلك عليه، وخَاف التكذيب، وأن يُتَنَاوَل، فنزل عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فقال: يَعْصِمُك مِن قَتْلِهم أَن يَقْتُلوك حَتَّى تُبَلِّغ ما أُنزل إليك. فَبَلَّغ ما أُمِر به، واسْتَهْزأ به قَومٌ، فنزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر]. قال: وأَعْلَمه مَن أَعْلَمه منهُم أنَّه لا يُؤمِنُ به، فقال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١)﴾ [الإسراء].

стр. 268

قرأ إلى (١): ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء]. قال الشافعي ﵀: وأنزل اللهُ فيما يُثَبِّتُه به إذ (٢) ضاق من أذاهم-: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر]. ففرض عليه إبلاغَهُم، وعِبادَتَه، ولم يَفرض عليه قِتالَهُم، وأبان ذلك في غير آيةٍ مِن كتابه، ولم يَأْمُرْه بعزلتهم (٣) وأنزل عليه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ [الكافرون] وقَولَه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النور]. وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] مَع أَشياءٍ ذُكِرت في القرآن- في غير مَوضِع- في هذا المعنى. وأمرهم الله : بأن لا يَسُبُّوا أَنْدَادَهُم فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية. مع ما يشبهها. ثم أنزل جَلَّ ثَنَاؤُهُ بعد هذا، في الحال التي فَرضَ فيها عُزلَةَ المُشركِين فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام].

стр. 269

وأَبَان لِمَن تَبِعَه، ما فَرض عَليهم مِمَّا فَرضَ عليه، فقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]» (١). * * *

стр. 270

«الإذْنُ (١) بالهِجْرَةِ» (١٥٩) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «وكان المسلمون مُستضعَفين بمكة، زمانًا، لم يؤذَن لهم فيه بالهجرة منها، ثم أَذِن الله لهم بالهجرة، وجعل لهم مخرجًا، فيقال فنزلت: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] فأعلمهم رسول الله ﷺ أَنْ قَد جَعل اللهُ لهم مخرجًا قال: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ الآية [النساء: ١٠٠]. وأمرهم ببلاد الحَبَشة، فهاجرت إليها منهم (٢) طائفة. ثم دخل أهلُ المَدينةِ الإسلامَ، فأمر رسول الله ﷺ طائفةً، فَهاجَرت إليهم غَيرَ مُحَرِّمٍ على مَن بَقِيَ تَركَ الهِجرة، وذكر اللهُ أَهل الهجرة، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] وقال: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢٢] قال: ثُم أَذِن اللهُ لرسوله ﷺ بالهجرة، فهاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، ولم يُحَرِّم -في هذا- على مَن بَقِي بمكة، المقام بها، وهي دار شرك -وإن قَلُّوا- بأن يفتنوا (٣) ولم يأذن لهم بجهاد.

стр. 271

ثم أذن الله لهم بالجهاد، ثم فَرضَ- بعد هذه- عليهم: أن يُهَاجِرُوا مِن دار الشِّرك. وهذا موضعه في غير هذا الموضع» (١). * * *

стр. 272

«مُبتَدأُ الإذْنِ بالقِتَالِ» وبهذا الإسناد: قال الشافعي ﵀: «فأذن الله بأخذ الجهاد (١) بالهِجْرة قَبل أن يُؤذَن لهم بأن يبتدئوا مُشركًا بقتال، ثم أُذِن لهم بأن يبتدئوا المُشركين بقتال، قال الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج]. وأَباحَ لهُم القِتال، بمعنى: أَبانَه في كتابه فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ إلى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ [البقرة: ١٩٠ - ١٩١]. قال الشافعي ﵀: يقال نَزلَ هذا في أهل مكة، وهُم كانوا أَشَدَّ العَدُوِّ على المسلمين، فَفُرِضَ عليهم في قتالهم، ما ذكر الله . ثم يقال: نُسِخَ هَذا كُلُّه، والنَّهيُ عَن القِتَال حتى يُقاتَلُوا، والنَّهي عن القتال في الشَّهر الحَرام بِقَول الله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ونزول هذه الآية بعد فَرضِ الجِهَاد، وهي مَوضُوعَة في مَوضِعِها» (٢). * * *

стр. 273

وبهذا الإسناد: «فَرْضُ الهجْرَة» . قال الشافعي ﵀: «ولَمَّا فَرضَ اللهُ الجِهَاد، على رسوله ﷺ ... -جهاد المشركين- بَعد إِذْ كان أَباحَه، وأَثْخَن رسولُ اللهِ ﷺ في أهل مكة، ورَأَوْا كَثْرَة مَن دَخَل في دِين الله = اشْتَدُّوا على مَن أَسْلَم منهُم، فَفَتَنُوهم عن دينهم، أو من فَتنُوا مِنهُم، فعذر اللهُ مَن لَم يَقْدِر عَلى الهِجْرَة مِن المَفْتُونِين، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وبعث إليهم رسولُ الله ﷺ أَنَّ اللهَ جَاعِلٌ لكُم مَخْرجًا، ففَرَض ... -على مَن قَدر عَلى الهجرة- الخُروجَ؛ إذ كان مِمَّن يُفتَن (١) عن دِينه، ولا يُمْنَع، فقال في رَجُل منهم تُوفِّي -تَخَلَّف عن الهِجرة فَلم يُهاجِر-: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧]. الآية. وأبان اللهُ عُذْرَ المُستَضْعَفِين، فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء] الآية. قال: ويقال ﴿عَسَى﴾ مِن الله: وَاجِبَةٌ. وَدَّلت سُنةُ رسولِ الله ﷺ على أنَّ فَرضَ الهِجرة -على مَن أَطَاقها- إنَّما هو عَلى مَن فُتِن عن دِينِه، بالبَلْدة التي يُسْلِم بها؛ لأن رسولَ الله ﷺ أَذِن لِقَومٍ بمكَة أن يُقِيمُوا بها بعد إسلامهم، منهم: العَبَّاسُ بنُ عبد المُطَّلب، وغيرُه؛ إذ

стр. 274

لم يخافوا الفتنة، وكان يأمُر جُيوشَه أن يقولوا لِمَن أَسلم: إِن هَاجَرتُم فلكُم ما للمُهَاجِرين وإن أَقمتُم، فأنتم كأعراب المسلمين، وليس يُخَيِّرُهُم إلا فيما يَحِلُّ لَهُم» (١). * * *

стр. 275

«فَصْلٌ في أَصْلِ فَرضِ الجهَادِ» . قال الشافعي ﵀: «ولَمَّا مَضَت لِرسُول الله ﷺ مُدَّةٌ مِن هِجرتِه، أَنعَم الله فيها على جَماعَات باتباعه، حَدثَت لهم بها، -مع عَونِ اللهِ قُوَّةٌ بالعَدَد لم تَكُن قبلها، فَفَرض الله عليهم، الجِهَاد، بعد إذ كان إِبَاحَةً، لا فرضًا، فقال ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآية، وقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، وقال ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾ [البقرة]، وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ إلى: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩] الآية، وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] الآية. ثم ذَكَر قومًا تَخَلَّفُوا عن رسولِ الله ﷺ مِمَّن كان يُظْهِر الإسلام- فقال: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾ [التوبة: ٤٢] الآية.

стр. 276

فَأَبان (١) في هذه الآية: أَنَّ عَليهم الجِهَادَ فيما قَرُبَ وبَعُد، مَع إبانته (٢) ذلك في غير (٣) مكان: في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ... إلى ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١]. قال الشافعي ﵀: سُنَبيِّن مِن ذلك، ما حَضَرَنا على وَجْهِه (٤) إن شاءَ الله . وقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إلى: ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾ [التوبة]. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف]. وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥]. مع ما ذَكَر به مِن فَرضِ الجِهَاد، وأوجب عَلى التَّخَلُّفِ عنه» (٥). * * *

стр. 277

«فَصْلٌ فِيمَن لا يَجِبُ عَليه الجِهَادُ» . وبهذا الإسناد، قال الشافعي: «فَلمَّا فرض الله الجهاد، دَلَّ في كِتابه، ثُم على لِسَان نبيه ﷺ أن ليس يُفْرَضُ الخُروج إلى (١) الجهاد على مملوك، أو أُنثى بالغ، ولا حُرٍّ لم يبلغ؛ لقول الله : ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] فكأن اللهَ حَكَم (٢) أن لا مالَ للمملوك. ولم يكن مجاهِدٌ إلا وعليه في الجِهاد، مُؤْنَةٌ مِن المال، ولم يَكُن للمملوك مال. وقال تعالى لنبيِّه ﷺ : ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] فَدَلَّ عَلى أَنه أراد بذلك: الذكور، دون الإناث؛ لأن الإناث: المؤمنات. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]. وكُلُّ هذا يَدُلُّ على أنه أراد الذُّكورَ، دون الإناث. وقال إذ أمر بالاستئذان-: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] فأعلم: أَنَّ فَرضَ الاسْتئِذان، إنما هو على البالغين. وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].

стр. 278

فلم يَجعل لِرُشدِهِم حُكمًا تَصيرُ به أموالُهم إليهم، إلا بَعد البُلُوغ. فَدَلَّ على أن الفَرضَ في العَمل، إنما هو على البالغِينَ، ودَلَّت السُّنة، ثم ما لم أعلم فيه مخالفًا- مِن أهل العِلم- على مِثل ما وَصَفتُ (١). وذكر حديثَ ابنِ عُمرَ (٢) في ذلك» (٣). وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ في الجهاد: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ إلى: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾ [التوبة: ٩١: ٩٣]. وقال جَلَّ وعَزَّ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]. قال الشافعي: وقيل: الأَعرج، المُقْعَد. والأغلب: أنه العَرَج في الرِّجل الوَاحِدة. وقيل: نزلت أن لا حَرَج عليهم أن لا يُجَاهدُوا. وهو يُشْبِه ما قالوا، غَيرُ مُحتَمِلة غيره. وهم داخِلُون في حَدِّ الضعفاء، وغيرُ خارجين مِن فَرض الحَجِّ، ولا الصلاة، ولا الصوم، ولا الحدود.

стр. 279

فلا يحتمل واللَّهُ أَعْلَمُ أن يكون أُرِيدَ بهذه الآية، إلا: وَضْعُ الحَرج في الجهاد دون غيره مِن الفَرائِض» (١). وقال فيما بَعُد غَزوُهُ مِن المَغَازِي -وهو ما كان على لَيْلَتين فَصَاعدًا-: «إنه لا يَلْزَمُ القَويَّ السَّالمَ البَدَن كُلِّه، إذا لَم يَجِد مَرْكبًا وسِلاحًا ونَفَقة، ويَدَع لِمَن يَلْزَمُه نَفَقَتُه، قُوْتَه، إلى قَدْر ما يَرى أَنه يَلْبَثُ في غَزوِهِ. وهو: مِمَّن لا يَجد ما يُنْفِق. قال الله : ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢]» (٢). (١٦٠) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «غزا رسولُ الله ﷺ ، فَغَزا مَعه بَعضُ مَن يُعرَفُ نِفَاقُه، فانْخَزل عنه يَومَ أُحُدٍ بِثَلاثِمَائَةٍ. ثم شَهِدَ مَعه يومَ الخَنْدَق، فَتَكَلَّمُوا بِمَا حَكَى اللهُ من قولهم: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]. ثُم غَزا بَني المُصْطَلِق، فَشَهِدَهَا معه منهُم عَددٌ، فتكلموا بما حكى الله مِن قولهم: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. وغير ذلك مما حكى اللهُ مِن نِفَاقِهم.

стр. 280

ثم غَزَاةَ تَبُوك، فَشَهِدَها معه منهم قومٌ، فَفَرُّوا (١) به ليلة العَقَبَة لِيقتلوه، فَوَقَاهُ اللهُ شَرَّهُم (٢). وتخلَّف آخرون منهم فِيمن بِحَضْرَتِه، ثم أنزلَ اللهُ عليه في غَزَاةِ تَبُوك، أو مُنْصَرَفِه منها -ولم يكن له في تَبُوك قِتَالٌ- مِن أَخبَارِهِم، فقال اللهُ تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ قرأ إلى قوله: ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾ [التوبة: ٤٦: ٥٠]. فَأَظْهَرَ اللهُ لِرَسُولِه ﷺ أَسرَارَهُم (٣) وخَبر السَّمَّاعِين لهم، وابتغَاءَهم أن يَفْتِنُوا مَن مَعه بالكَذب والإرْجَاف، والتَّخْذيل لهم.

стр. 281

فأخبر أنه كَره انْبِعَاثَهُم؛ إذ كانوا على هذه النِّيَّة، فكان فيها ما دَلَّ على أن الله أَمر أن يُمْنَع مَن عُرِف -بما عُرِفُوا به- مِن أَنْ يَغْزُو مع المسلمين؛ لأنه ضَررٌ عَليهِم، ثم زاد في تأكيد بيان ذلك، بقوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قرأ إلى قوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨١: ٨٣]. وبسط الكلام فيه» (١). وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]. فَفرَض اللهُ جهادَ المشركين، ثم أَبان مَنِ الذي يُجاهِدُهم مِن المشركين، فأعلم: أنهم الذين يَلُونَ المسلمين، وكان معقُولًا -في فَرْضِ جهادهم- أن أَوْلَاهُم بأن يُجَاهَد أَقْربَهم مِن المُسلِمين دارًا؛ لأنهم إذا قَدرُوا على جهادهم وجهاد غيرهم، كانوا على جهاد مَن قَرُب منهم أقوى، وكان مَن قَرُب، أولى أن يُجَاهَد؛ لقربه مِن عَوْراتِ المُسلمين، فإن نِكَايَة مَن قَرُبَ، أَكثرُ مِن نِكَايَة مَن بَعُد» (٢). (١٦١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «فرض الله تبارك تعالى الجهاد في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ ، ثم أَكَّد النَّفِير (٣) مِن الجهاد، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١].

стр. 282

وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وقال تعالى: ... ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]. وذكر حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «لا أَزَالُ أُقَاتِل النَّاس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله». الحديث (١). ثم قال: الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].الآية. وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] الآية. قال الشافعي ﵀: فاحتمَلَت الآيات أن يكونَ الجهادُ كُلُّه، والنَّفِير خَاصَّةً منه: على (٢) كُلِّ مُطِيقٍ له، لا يَسَع أحدًا منهم التَّخَلُّفُ عنه، كما كانت الصلاة والحج والزكاة، فلم يَخْرُج أَحَدٌ-وَجب عليه فرضٌ- أن يؤدِّيَ غيرُه

стр. 283

الفَرض عن نَفسِه؛ لأن عَمَل أَحدٍ في هذا، لا يُكْتَب لِغَيره. واحتملت أن يَكُون معنى فَرضِها، غَيرَ معنى فَرضِ الصَّلاة، وذلك أن يكون قَصَد بالفَرْض فيها: قَصدَ الكِفَاية، فيكون مَن قام بالكفاية -في جِهادِ مَن جُوهِد مِن المُشركين- مُدركًا تَأْدِيةَ الفَرض، ونافِلَةَ الفَضْل، ومُخرِجًا مَن تَخَلَّف مِن المَأثَم. قال الشافعي: «قال الله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. قال الشافعي: فَوعَد المتخلفين عن الجهاد: الحُسْنى على الإيمان، وأبان فضيلةَ المُجاهِدين على القاعدين، ولو كانوا آثِمِينَ بالتَّخَلُّف -إذا غَزا غَيرُهم- كانت العقوبة والإثم، إن لم يَعْفُ الله، أولى بهم مِن الحُسنى. قال الشافعي ﵀: وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]. فأخبر الله : أن المسلمين لم يكونوا لِينفروا كافة، قال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ فأخبر أن النَّفِير على بَعضِهم دون بعض، وأن التَّفَقُّهَ: إنما هو على بَعضِهم، دون بعض. قال الشافعي: «وغَزَا رسولُ الله ﷺ ، وغَزَّى معه مِن أَصحابه بِجَمَاعةٍ، وخَلَّف آخَرين، حتى خَلَّفَ عَلِيَّ بنَ أبي طَالِبٍ ﵁ في غزوة (١) تبوك.

стр. 284

وبسط الكلام فيه، وجعل نظير ذلك: الصلاة على الجنازة، والدفن، ورد السلام» (١). (١٦٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس -هو الأصم- أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] فكانت غنائِمُ بَدر، لرسول الله ﷺ ، يَضَعُها حيث شاء. وإنما نَزَلَت: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] بَعد بدر، وقَسَم رسولُ الله ﷺ كُلَّ غَنِيمةٍ بَعد بَدرٍ على ما وَصفتُ لك: يَرفَعُ خُمُسَها، ثم يَقْسِم أَربعةَ أَخمَاسِها، وافرًا على مَن حَضَر الحَرب مِن المُسلِمين، إلا السَّلَب، فَإِنَّهُ سُنَّ للقَاتِل في الإقبال (٢)، فكان السَّلَبُ خَارجًا منه. وإلا: الصَّفِي (٣)، فإنه قد اخْتُلف فيه، فقيل: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَأخُذُه خارجًا مِن الغَنِيمة. وقيل: كان يَأخُذُه مِن سَهْمِه مِن الخُمُس.

стр. 285

وإلا: البالغين مِنَ السَّبْي، فإن رسولَ اللهِ ﷺ سَنَّ فيهم سُننًا (١)، فَقَتل بَعضَهم، وفادى بَعْضَهم أسرى المسلمين» (٢). قال الشافعي: «فأمَّا وَقْعةُ عبدِ الله بن جَحْش (٣)، وابنِ الحَضْرَمِي، فذلك قَبل بدر، وقبل نزول الآية -يعني في الغَنِيمة- وكانت وَقْعتُهم في آخر يومٍ مِن الشَّهر الحَرام، فَتوقَّفُوا فِيمَا صَنعُوا حتى نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ
следующие страницы →