فأخبر أنه كَره انْبِعَاثَهُم؛ إذ كانوا على هذه النِّيَّة، فكان فيها ما دَلَّ على أن الله أَمر أن يُمْنَع مَن عُرِف -بما عُرِفُوا به- مِن أَنْ يَغْزُو مع المسلمين؛ لأنه ضَررٌ عَليهِم، ثم زاد في تأكيد بيان ذلك، بقوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قرأ إلى قوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨١: ٨٣]. وبسط الكلام فيه» (١).
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣].
فَفرَض اللهُ جهادَ المشركين، ثم أَبان مَنِ الذي يُجاهِدُهم مِن المشركين، فأعلم: أنهم الذين يَلُونَ المسلمين، وكان معقُولًا -في فَرْضِ جهادهم- أن أَوْلَاهُم بأن يُجَاهَد أَقْربَهم مِن المُسلِمين دارًا؛ لأنهم إذا قَدرُوا على جهادهم وجهاد غيرهم، كانوا على جهاد مَن قَرُب منهم أقوى، وكان مَن قَرُب، أولى أن يُجَاهَد؛ لقربه مِن عَوْراتِ المُسلمين، فإن نِكَايَة مَن قَرُبَ، أَكثرُ مِن نِكَايَة مَن بَعُد» (٢).
(١٦١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «فرض الله تبارك تعالى الجهاد في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ ، ثم أَكَّد النَّفِير (٣) مِن الجهاد، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١].
стр. 282
وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
وقال تعالى: ... ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩].
وذكر حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «لا أَزَالُ أُقَاتِل النَّاس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله». الحديث (١).
ثم قال: الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٨ - ٣٩].الآية.
وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] الآية.
قال الشافعي ﵀: فاحتمَلَت الآيات أن يكونَ الجهادُ كُلُّه، والنَّفِير خَاصَّةً منه: على (٢) كُلِّ مُطِيقٍ له، لا يَسَع أحدًا منهم التَّخَلُّفُ عنه، كما كانت الصلاة والحج والزكاة، فلم يَخْرُج أَحَدٌ-وَجب عليه فرضٌ- أن يؤدِّيَ غيرُه
стр. 283
الفَرض عن نَفسِه؛ لأن عَمَل أَحدٍ في هذا، لا يُكْتَب لِغَيره.
واحتملت أن يَكُون معنى فَرضِها، غَيرَ معنى فَرضِ الصَّلاة، وذلك أن يكون قَصَد بالفَرْض فيها: قَصدَ الكِفَاية، فيكون مَن قام بالكفاية -في جِهادِ مَن جُوهِد مِن المُشركين- مُدركًا تَأْدِيةَ الفَرض، ونافِلَةَ الفَضْل، ومُخرِجًا مَن تَخَلَّف مِن المَأثَم.
قال الشافعي: «قال الله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥].
قال الشافعي: فَوعَد المتخلفين عن الجهاد: الحُسْنى على الإيمان، وأبان فضيلةَ المُجاهِدين على القاعدين، ولو كانوا آثِمِينَ بالتَّخَلُّف -إذا غَزا غَيرُهم- كانت العقوبة والإثم، إن لم يَعْفُ الله، أولى بهم مِن الحُسنى.
قال الشافعي ﵀: وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢].
فأخبر الله : أن المسلمين لم يكونوا لِينفروا كافة، قال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ فأخبر أن النَّفِير على بَعضِهم دون بعض، وأن التَّفَقُّهَ: إنما هو على بَعضِهم، دون بعض.
قال الشافعي: «وغَزَا رسولُ الله ﷺ ، وغَزَّى معه مِن أَصحابه بِجَمَاعةٍ، وخَلَّف آخَرين، حتى خَلَّفَ عَلِيَّ بنَ أبي طَالِبٍ ﵁ في غزوة (١) تبوك.
стр. 284
وبسط الكلام فيه، وجعل نظير ذلك: الصلاة على الجنازة، والدفن، ورد السلام» (١).
(١٦٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد ابن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس -هو الأصم- أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] فكانت غنائِمُ بَدر، لرسول الله ﷺ ، يَضَعُها حيث شاء.
وإنما نَزَلَت: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] بَعد بدر، وقَسَم رسولُ الله ﷺ كُلَّ غَنِيمةٍ بَعد بَدرٍ على ما وَصفتُ لك: يَرفَعُ خُمُسَها، ثم يَقْسِم أَربعةَ أَخمَاسِها، وافرًا على مَن حَضَر الحَرب مِن المُسلِمين، إلا السَّلَب، فَإِنَّهُ سُنَّ للقَاتِل في الإقبال (٢)، فكان السَّلَبُ خَارجًا منه.
وإلا: الصَّفِي (٣)، فإنه قد اخْتُلف فيه، فقيل: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَأخُذُه خارجًا مِن الغَنِيمة.
وقيل: كان يَأخُذُه مِن سَهْمِه مِن الخُمُس.
стр. 285
وإلا: البالغين مِنَ السَّبْي، فإن رسولَ اللهِ ﷺ سَنَّ فيهم سُننًا (١)، فَقَتل بَعضَهم، وفادى بَعْضَهم أسرى المسلمين» (٢).
قال الشافعي: «فأمَّا وَقْعةُ عبدِ الله بن جَحْش (٣)،
وابنِ الحَضْرَمِي، فذلك قَبل بدر، وقبل نزول الآية -يعني في الغَنِيمة- وكانت وَقْعتُهم في آخر يومٍ مِن الشَّهر الحَرام، فَتوقَّفُوا فِيمَا صَنعُوا حتى نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ
стр. 286
قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية» (١).
(١٦٣) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن عَمْرو بن دِينار، عن ابن عباس، قال: «لما نَزَلت هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] فكتب عليهم: أَن لا يَفِرَّ العِشرُونَ مِن المِائَتيْن، فأنزل الله : ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]. فَخَفَّف عنهم، وكتب: أن لا يَفِرَّ مِائةٌ مِن مِائَتَيْن» (٢).
«قال الشافعي: وهذا كما قال ابنُ عباس -إن شاء الله- مُسْتَغنى فيه بالتَّنزيل، عن التأويل.
لَمَّا كَتَب الله أن لا يَفِرَّ العِشرُون مِن المِائَتين، فكان هكذا، الوَاحد مِن العَشَرة.
ثم خَفَّف اللهُ عنهم، فَصَيَّر الأمر إلى أن لا يَفِرَّ المِائَة مِن المِائَتَين. وذلك أن لا يَفِرَّ الرَّجُلُ مِن الرَّجُلَين.
وروى الشافعي بإسناد آخر (٣) عن ابن عباس، قال: مَن فَرَّ مِن ثَلاثة، فَلم
стр. 287
يَفِر، ومَن فَرَّ مِن اثْنَين، فَقَد فَرَّ».
قال الشافعي: «قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].
قال الشافعي ﵀: فإذا فَرَّ الوَاحِدُ مِن اثْنَين فَأَقَل (١)، مُتَحَرِّفًا لِقتَال يَمينًا، وشِمَالا، ومُدبرًا، ونِيَّتُه العَوْدَة للقِتَال، أو مُتَحَيَّزًا إلى فِئَة، قَلَّت أَو كَثُرَت، كَانَت بِحَضْرَتِه أو مُنْتَئِيةً عنه، سواء، إنَّما يَصيرُ الأمرُ في ذلك إلى نِيَّةِ المُتَحَرِّف، أو المتحيز، فإن كان الله يَعلَمُ أَنه إنَّمَا تَحَرَّف لِيَعُود للقتال، أو تَحَيَّز لذلك = فهو الذي استثنى اللهُ ، فأخرجه مِن سَخَطِه في (٢) التَّحرُّف والتَّحَيُّز.
وإن كان لِغَير هذا (٣) المعنى، فقد (٤) خِفْتُ عليه أن يكونَ قَد (٥) بَاءَ بِسَخَطٍ مِن الله، إلا أَن يَعْفُوَ اللهُ» (٦).
قال: «وإن كان المُشركُون أَكْثرَ مِن ضِعْفِهم، لَم أُحِب (٧) لهم أن يُوَلُّوا عنهم، ولا يَسْتَوجِبُون السَّخَطَ عِندي مِن الله ، لو وَلَّوا عَنهُم على غَير
стр. 288
التَّحَرُّف (١) للقتال، أو التحيز (٢) إلى فِئَةٍ؛ لأن بَيِّنًا أَنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنما يُوجِبُ سَخَطَه على مَن تَرك فَرْضَه، وأَنَّ فَرضَ اللهِ في الجِهَاد، إنما هو على أن يُجاهِدَ المسلمون ضِعْفَهُم مِن العَدُوِّ» (٣).
(١٦٤) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشَّافِعيُّ، قال: «قال الله في بني النَّضِير -حِين حَارَبَهُم رسولُ اللهِ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ الآية إلى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢]. فَوصَف إِخرَابهم مَنازلهم بأيديهم، وإخراب المؤمنين بيوتهم، وَوَصْفُهُ إِيَّاهُ (٤) كالرضا (٥) به.
وأَمَر رسولُ الله ﷺ بقَطع نَخْل مِن ألوان نَخلِهم، فأنزل الله ﵎ -رضًا بما صَنعُوا مِن قَطع نَخْلِهم-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] فَرَضِيَ القَطْع، وأَبَاح التَّرْك.
والقَطْعُ والتَّرْكُ: مَوجُودٌ في الكتاب والسُّنة، وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ قَطَع نَخْلَ بَني النَّضِير وتَرَك، وقَطَع نَخْل غَيرِهم وتَرَك، ومِمَّن غَزَا مَن لَم يَقْطَع نَخْلَه» (٦).
стр. 289
(١٦٥) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي -في الحَرْبي إذا أَسْلَم، وكان قد نال مُسلِمًا، أو مَعَاهَدًا بِقَتْلٍ، أو جَرحٍ، أو مَالٍ-: «لَم يَضْمَن منه شيئًا، إلا أن يُوجَد عِنده مَالُ رَجُلٍ بِعَيْنِه، واحتج: بقول الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
قال الشافعي: وما سلف: ما تَقَضَّى (١) وذَهَب.
وقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] ولم يَأْمُرْهُم بِرَدِّ ما مَضَى» (٢).
وبسط الكلام فيه.
قال الشافعي -في موضع آخر بهذا الإسناد في هذه الآية-: «وَوَضَعَ رسولُ الله ﷺ بِحُكْمِ الله- كُلَّ رِبًا أَدْرَكَه الإسلامُ، ولم يُقْبَض، ولم يَأمُر أَحدًا قَبَضَ ربًا في الجَاهِلِيَّة أن يَرُدَّه» (٣).
(١٦٦) أخبرنا أبو زكريا ابنُ أبي إسحاق -في آخرين- قالوا: أخبرنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيعُ بن سُلَيمَان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيانُ بن عُيَيْنَة، عن عَمرو بن دِينار، عن الحَسنِ بنِ مُحَمَّد، عن عُبَيد اللهِ بنِ أبي رَافِع، قال: سَمِعتُ عَلِيًّا ﵁ يقول: «بَعَثَنا رَسولُ الله ﷺ أَنَا والزُّبَيْر، والمِقْدَاد، فقال: انْطَلِقُوا حتى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخ، فإن بها ظَعِينَةً مَعَها كِتَابٌ. فخرجنا:
стр. 290
تَعَادَى بنا خَيلُنا، فإذا نحن بِظَعِينةٍ، فَقُلنا: أَخْرجِي الكِتَاب، فقالت: ما مَعِي كِتابٌ، فقلنا لها: لَتُخْرِجِنَّ الكتاب، أو لَتُلْقِيَنَّ الثِّياب، فأخرجته مِن عِقَاصِهَا، فأتينا به رسولَ اللهِ ﷺ ، فإذا فيه: مِن حَاطِب ابنْ أَبي بَلْتَعَة، إلى أُنَاسٍ مِنَ المُشركِين مِمَّن (١) بِمَكَّة، يُخْبرُ بَعضَ أَمْرِ رَسولِ اللهِ ﷺ .
فقال: ما هذا يا حاطب؟ فقال: لا تَعْجَل عَلَيَّ؛ إني كُنتُ امرأً مُلْصَقًا في قُرَيش، ولَم أَكُن مِن أَنْفُسِهَا، وكان مَنْ مَعَك مِنَ المُهَاجِرين لَهُم قَرابَات يَحْمُون بها قَرَبَاتهم، ولم يَكُن لي بمكة قَرَابَة، فَأحْبَبتُ- إذ فاتني ذلك- أَنْ أَتَّخِذَ عندَهُم يَدًا.
واللهِ مَا فَعَلتُه شَكًّا في ديني، ولا رضًا بالكُفر بعد الإسلام.
فقال رسول الله ﷺ : إنه قد صدق.
فقال عُمَر: يا رسول الله، دَعْنِي أَضْرِب عُنُقَ هذا المُنافِق.
فقال النبي ﷺ : إِنَّهُ قَد شَهِدَ بدرًا، وما يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللهَ اطَّلَع على أَهل بَدرٍ، فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُم فَقد غَفَرتُ لَكُم.
ونزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]» (٢).
(١٦٧) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «وفي هذا الحديث: طَرْحُ الحُكْم باستعمال الظُّنون؛ لأنه لَمَّا كان الكتابُ يَحْتَمِلُ أن يكون ما قال حَاطِبٌ، كما قال، مِنْ أَنَّه لم يَفْعَلْهُ شَكًّا في
стр. 291
الإسلام، وأنه فعله لِيَمْنَع أَهْلَه، ويَحْتَمِل أَن يَكُون زَلَّةً، لا رَغْبَة عَن الإسْلام، واحتمل المَعنى الأَقْبَح = كان القَولُ قولَه، فيما احْتَمَل فِعلُه» (١).
وبسط الكلام فيه.
(١٦٨) أخبرنا أبو سعيد محمدُ بنُ موسى، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣].
قال الشافعي: فَقَد أَظْهَر اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ دِينَه الذي بَعَث به (٢) رَسولَه ﷺ على الأديان، بأن أَبَان لِكُلِّ مَن سَمِعَه أَنَّه الحَق، وما خَالَفه -مِن الأَديان- بَاطِلٌ.
وأَظْهَره بأن جِمَاع الشِّرك دِينَان: دِينُ أَهل الكِتَاب، ودِين الأُمِّيِّين. فَقَهَر رَسولُ اللهِ ﷺ الأميين حَتى دانُوا بالإسلام طَوعًا وكَرْهًا، وقَتَل مِن أَهل الكتاب، وسَبى، حتى دَان بَعضُهم بالإسلام، وأَعطى بَعضٌ الجِزيةَ صَاغِرين، وجَرَى عَليهم حُكمُه ﷺ . وهَذا ظهورُ الدِّينِ كُلِّه.
قال الشافعي: وقد يُقَال: لَيُظْهِرَنَّ اللهُ دينَه، على الأديان، حتى لا يُدَانَ اللهُ إلا به، وذلك متى شاء الله » (٣).
стр. 292
(١٦٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].
قال في موضع آخر: «فقيل: فِتْنَةُ شِرْكٍ، ويَكُون الدِّينُ كُلُّه وَاحِدًا للهِ.
وذكر حَديثَ أَبي هُريرة (١)،
عن النبي ﷺ : «لا أَزَالُ أُقاتِل النَّاس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله» (٢).
قال الشافعي: «وقال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وذكر حَديثَ بُرَيْدَةَ عن النبي ﷺ في الدعاء إلى الإسلام، وقوله: «فَإِن لم (٣) يُجِيبُوك (٤) إلى الإسلام، فَادْعُهُم إلى أن يُعْطُوا الجِزيَةَ، فإن فَعَلُوا فَاقْبَل منهم ودَعْهُم (٥).
стр. 293
ثم قال: ولَيسَت واحِدةٌ مِن الآيَتَين ناسِخَةً للأخرى، ولا واحدٌ مِن الحَدِيثَين ناسِخًا للآخر، ولا مُخَالفًا له، ولكن إحدى الآيتين والحَديثَين مِنَ الكلام الذي مَخْرَجُه عامٌّ يُرَاد به الخَاص، ومِن الجُمَل التي يَدُلُّ عليها المُفَسَّر.
فَأَمْرُ اللهِ تَعَالى بقتالِ المُشركِين حتى يؤمنوا وَاللهُ أَعْلَمُ: أَمْرُهُ بقِتَال المشركين مِن أَهل الأوثان.
وكذلك حديثُ أبي هريرة، دون أهل الكتاب.
وفَرْضُ اللهِ قتالَ أهلِ الكِتاب حتى يُعْطُوا الجِزية عَن يَدٍ وهُم صاغرون، إن لم يُؤمِنُوا.
وكذلك حديث بُرَيْدَة (١).
فَالْفَرْضُ فيمن دان وآباؤُه دِينَ أَهلِ (٢) الأوثان مِن المشركين: أَنْ يُقَاتَلُوا -إذا قُدِر عَليهم- حتى يُسْلِمُوا، ولا يَحِلُّ أَن يُقْبَل مِنهم جِزيَة.
والفَرضُ في أهل الكتاب، ومَن دَان قبل نزول القرآن دِينَهم: أن يُقَاتَلُوا حتى يُعْطُوا الجِزيةَ، أو يُسْلِمُوا، وسواءٌ كانوا عَربًا، أو عَجَمًا.
قال الشافعي: ولله كُتُبٌ نَزَلت قبل نُزول القرآن (٣). المَعرُوفُ (٤)
стр. 294
منها -عند العامة-: التَّوْراةُ والإنجِيل، وقد أخبر الله أنه أَنزَل غَيرَهُما فقال: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم]. وليس يُعْرَف تلاوة كِتاب إبراهيم، وذَكَر زَبُورَ دَاوُد، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦].
قال: والمَجُوسُ أَهْلُ كِتَابٍ، غيرِ التَّوراة والإنجيل، وقد نَسُوا كتَابهُم وبَدَّلُوه، وأَذِنَ رَسولُ اللهِ ﷺ في أَخْذِ الجِزيَة مِنهُم.
قال الشافعي: ودَان قَومٌ مِن العَربِ دِينَ أَهلِ الكِتَاب، قبل نزول القرآن، فَأخَذَ رسولُ الله ﷺ مِن بَعضِهِم، الجِزية» (١).
وسَمَّى (٢) منهم في موضع آخَر: أُكَيْدر دُومَة، وهو رَجُلٌ يقال: مِن غَسَّان أو كِنْدَة (٣).
(١٧٠) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «حَكَم الله في المُشركِين، حُكْمَين، فَحَكَم أن يُقَاتَل أَهلُ الأوثان، حتى يُسْلِمُوا، وأَهلُ الكِتَاب، أَنْ يُعْطُوا الجِزية -إن لَم يُسْلِمُوا-.
وأَحَلَّ اللهُ نِسَاءَ أَهلِ الكِتَاب، وطَعَامَهم، فقيل: طَعَامُهُم: ذَبَائِحُهُم.
فاحتمل: كُلَّ أَهلِ الكِتاب، وكُلَّ مَن دَان دِينَهم، واحتمل: أَن يَكُونَ أَرَادَ بَعْضَهُم، دُونَ بَعضٍ، وكانت دِلالةُ ما يُروَى عن النبي ﷺ ، ثم ما لا أَعلَمُ فيه
стр. 295
مُخَالِفًا: أنه أراد أَهلَ التَّوراةِ والإنجيل مِن بني إسرائيل، دون المَجُوس» (١).
وبسط الكلام فيه،
وفَرَّق بَين بني إسرائيل ومَن دَان دِينَهم قبل الإسلام-مِن غَير بَنِي إسرائيل- بما ذكر الله مِن نِعْمَتِه على بني إسرائيل في غير موضع مِن كتابه، وما آتاهم دُون غَيرهِم مِن أَهل دَهْرِهِم.
فَمَن دان دينَهم -مِن غيرهم- قَبل نُزُول القُرآن، لم يكونوا أهلَ كتاب إلا لمعنى، لا أَهل كِتابٍ مُطْلَق، فتُؤخَذ منهم الجِزيةُ، ولا تُنكَح نِساؤُهم، ولا تُؤكَل ذَبائِحُهم كالمَجُوس؛ لأن الله إنما أَحَلَّ لَنا ذلك مِن أَهلِ الكِتَاب الذين عَليهم نَزَل.
وذكر الرواية فيه، عن عُمَر (٢)، وعَليٍّ (٣) ﵄ (٤).
قال الشافعي: «والذي يُروَى (٥) عن ابن عباسٍ في إحلال ذَبائِحِهم، وأَنَّه
стр. 296
تَلا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] = فهو لو ثَبَت (١) عن ابن عباس، كان المَذْهبُ إلى قول عُمرَ وعَليٍّ ﵄ أَوْلَى، ومعه المَعقُول، فأما: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ فمعناها: على غير حُكْمِهم (٢)» (٣).
قال الشافعي: «وإن كان الصَّابِئُونَ والسَّامِرَة مِن بَني إسرائيل، ودَانوا دِينَ اليَهود والنَّصَارى: نُكِح نِسَاؤُهُم، وأُكِل (٤) ذَبائِحُهم، وإن خَالَفُوهُم في فَرع مِن دِينِهم؛ لأنهم قد يَختَلِفون بَينهم، وإن خَالفوهُم في أصل الدَّيْنُونَة: لم تُؤكَل ذَبائِحُهم، ولم تُنْكَح نِساؤُهم» (٥).
(١٧١) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال (٦) الشافعيُّ: «قال الله ﵎: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَلم يَأْذَنِ اللهُ في أَن تُؤخَذ الجِزيَة مِمَّن أَمَر (٧) بأَخْذِها منه، حتى يُعْطِيَها عن يَدٍ، صَاغِرًا.
стр. 297
قال: وسمعت رجالا -من أهل العلم- يقولون: الصَّغَارُ أَنْ يَجْريَ عَليهم حُكْمُ الإسلام. وما أَشْبَه ما قالوا، بما قالوا؛ لامتناعهم مِن الإسلام، فإذا جَرى عليهم حُكْمُه، فقد أُصْغِرُوا بما يَجري عليهم منه» (١).
قال الشافعي: «وكان بَيِّنًا في الآية واللهُ أَعْلَمُ أَنَّ الذي فَرضَ قِتالَهم حتى يُعطُوا الجِزية: الذين قَامَت عليهم الحُجَّة بالبُلوغ، فتركوا دين الله ، وأقاموا على ما وجدوا عليه آباءَهم من أهل الكتاب.
وكان بَيِّنًا أَنَّ الله أَمَر بقتالهم عليها: الذين فيهمُ القِتال، وهم الرِّجال البَالِغُون.
ثم أبان رَسولُ الله ﷺ مِثل مَعنى كتاب الله ، فَأخذ الجِزيةَ مِن المُحْتَلِمِينَ، دون مَن دُونهم، ودُون النِّسَاءِ» (٢).
وبسط الكلام فيه.
وبهذا الإسناد، قال الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فَسمعتُ بَعضَ أَهلِ العِلم، يقول: المَسجد الحَرام: الحَرَم.
وسَمعت عددًا مِن أَهل المَغَازي يروي (٣): أنه كان في رسالة النبي ﷺ : لا يَجْتَمِع مُسلم (٤) ومُشرك، في الحَرم، بَعد عَامِهم هذا» (٥).
стр. 298
وبهذا الإسناد، قال الشافعي: «فَرَضَ اللهُ قِتالَ غَيرِ (١) أَهل الكِتاب حتى يُسْلِمُوا، وأهلِ الكتاب حتى يُعْطُوا الجِزيةَ وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فهذا فَرضٌ على المسلمين -ما أَطاقُوه- فإذا عَجَزوا عنه، فإنما كُلِّفُوا منه ما أَطَاقُوا، فلا بأس أَن يَكُفُّوا عن قِتال الفَريقَين مِن المشركين، وأَن يُهادِنُوهُم» (٢).
ثم ساق الكلام، إلى أن قال: «فَهادنهم رسولُ الله ﷺ يعني: أهل مكة، بالحُدَيبِيَة - فكانت الهُدنة بينَه وبَينهُم عَشْرَ سِنين، ونَزل عَليه -في سَفَرِه- في أمرهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ١ - ٢].
قال الشافعي: قال ابن شهاب: فما كان في الإسلام فَتْحٌ أَعظَمَ منه».
وذكر (٣) دخول الناس في الإسلام حين أَمِنُوا (٤).
وذكر الشافعي -في مُهادَنة مَن يَقْوَى (٥) على قتاله-: «أنه ليس له مُهادَنَتهم على النَّظَر على غَير جِزية أَكثر مِن أربعة أَشهُر؛ لقوله : ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾
стр. 299
[التوبة: ١ - ٢] الآية وما بعدها.
قال الشافعي: لَمَّا قَوِيَ أهلُ الإسلام أَنزلَ اللهُ تعالى على النبي ﷺ مَرْجِعَه مِن تَبوك: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١].
ثم ساق الكلام، إلى أن قال: فقيل: كان الذين عاهدوا النبيَّ ﷺ قومًا مُوَادِعِينَ، إلى غَير مُدَّةٍ معلومة، فَجعلها اللهُ أربعةَ أَشْهُر، ثم جَعلها رَسولُ اللهِ ﷺ كَذلك، وأمرَ اللهُ نبيَّه ﷺ في قَومٍ عَاهدهُم إلى مُدة، قَبل نُزولِ الآية-: أن يُتِمَّ إليهم عَهدَهم إلى مُدَّتهم، ما استقامُوا (١) له، ومَن خَاف منه خِيانةً منهم، نَبَذ إليه، فلم يَجُز أن يَستأنِف مُدَّة، بعد نزول الآية -وبالمسلمين قُوةٌ- إلى أكثر من أربعة أشهر» (٢).
وبهذا الإسناد، قال الشافعي: «مَن جاء مِن المشركين يُريدُ الإسلام، فَحَقٌّ على الإمام أن يُؤَمِّنَه حتى يَتلو عَليه كتابَ اللهِ ، ويدعوه إلى الإسلام، بالمعنى الذي يرجُو أَن يُدخِلَ اللهُ به عَليه الإِسْلام؛ لقول الله لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]. وإِبلاغُه مَأْمَنَه: أن يَمْنَعَه مِن المسلمين والمُعَاهِدين،
ما كان في بلاد الإسلام، أو حَيثُ ما يَتَّصِل ببلاد الإسلام.
قال: وقوله : ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ وَاللهُ أَعْلَمُ: مِنْك، أو مِمَّن يقدر
стр. 300
(١) على دينك مِمَّن يُطِيعُك، لا أَمَانَهُ في (٢) غَيرِك مِن عَدوِّكَ وعَدوِّه الذي لا يَأْمَنُه، ولا يُطِيعُك» (٣).
(١٧٢) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «جِمَاعُ الوَفَاء بالنَّذر، والعَهْد -كان بِيَمِينٍ، أو غَيرها-
في قولِ الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وفي قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧].
وقد ذكر اللهُ الوَفاءَ بالعقُود بالأَيْمَان في غير آيةٍ من كتابه، قوله : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] إلى قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢] الآية.
وقال : ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] الآية مع ما ذكرته مِن (٤) الوفاء بالعهد.
قال الشافعي: هذا مِن سَعَة لِسَان العَرب الذي خُوطِبَت به، فَظَاهِرُهُ عَام على كل عَقْد.
ويُشْبِه وَاللهُ أَعْلَمُ أن يكونَ اللهُ ﵎ أراد أن يُوفَى (٥) بكل عَقد، كان بيمين، أو غير يَمين.
وكُلُّ عَقْدٍ: نَذْرٌ، إذا كان في العَقْد (٦) للهِ طَاعَةٌ، أو لم يكن له- فيما أَمَر
стр. 301
بالوفَاء منها- معصية.
واحتج: بأن رسولَ الله ﷺ صَالَح قريشًا بالحُدَيبية، على أَن يَرُدَّ مَن جَاءَه (١) مِنهُم، فأنزلَ الله ﵎ في امرأةٍ جَاءَتْه منهم مُسْلِمَة -سَمَّاها في مَوضِع آخر (٢): أُمَّ كُلْثُوم بنتَ عُقْبة بن أبي مُعَيْط ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية إلى قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] فَفَرضَ اللهُ عليهم أن لا يَرُدُّوا النِّساء، وقد أَعْطَوْهُم رَدَّ مَن جَاءَهم مِنهم -وهُنَّ مِنهُم- فَحَبسَهُن رسولُ الله ﷺ بأمْر الله .
قال: وعَاهَد رَسولُ اللهِ ﷺ قَومًا مِن المُشركين، فَأنزلَ اللهُ عليه: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١].
قال الشافعي- في صُلْحِه (٣) أهلَ الحديبية، ومَن صَالَح مِن المُشركين-: كان صُلحُه لهم طاعةَ اللهِ، إما عَن أَمْرِ اللهِ بما صَنَع نَصًّا، وإما أن يكون اللهُ جعل له أن يَعْقِد لِمَن رَأى بِما رَأى، ثُم أنزل اللهُ قَضاءَه عليه، فصار إلى قَضَاءِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، ونَسَخ فِعْلَه، بِفِعْلِه بأمر الله، وكُلٌّ كان طَاعةً لله في وقته» (٤).
وبسط الكلام فيه.
وبهذا الإسناد، قال الشافعي ﵀: «وكان بَيِّنًا في الآية مَنعُ المُؤمِنات
стр. 302
المُهاجِرات، مِن أَن يُرْدَدْن إلى دَار الكُفْر، وقَطْعُ العِصْمَة-بالإسلام- بَينَهُن، وبَين أَزواجِهِنَّ، ودَلَّت السُّنة على أَنَّ قَطْعَ العِصْمَة إذا انْقَضَت عِدَدُهُنَّ، ولم يُسلِم أَزواجُهُن مِن المُشركِين.
وكان بَيِّنًا في الآية: أَن يُرَدَّ عَلى الأَزْوَاج نَفَقَاتُهُم، ومَعقُولٌ فيها أَنَّ نَفقَاتِهم -غير التي تُرَدُّ (١)
- نَفَقاتُ اللَّائِي مَلكُوا عَقْدَهُنَّ، وهي: المُهور، إذا كانوا قَد أَعطُوهُن إيَّاها.
وبَيِّنٌ أن الأزواج: الذين يُعطُون النَّفقَات؛ لأنهم المَمْنوعُون مِن نِسائِهم.
وأن نِساءَهم: المَأذُون للمُسلِمين أن يَنْكِحُوهُن -إذا آتُوهُن أُجورَهن- لأنه لا إشكال عليهم في أن يَنْكِحُوا غَيرَ ذَواتِ الأزواج، إنما كان الإشْكَالُ في نِكاح ذَوات الأَزواج، حتى قَطَع اللهُ عِصْمَةَ الأزواج بإسلام النِّساء، وبَيَّنَ رسولُ الله ﷺ أن ذلك: بِمُضِيِّ العِدَّةِ قبل إسلام الأزواج، فلا يُؤدِّي أَحدٌ نَفقَةً في امْرأةٍ فَاتَت، إلا ذَات الأَزْوَاج.
قال الشافعي: قال الله للمسلمين: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فَأَبَانَهُنَّ مِن المُسلِمين، وأبان رَسولُ الله ﷺ أَنَّ ذلك: بِمُضِيِّ العِدَّة.
فكان الحُكمُ في إسلام الزوج، الحُكمُ في إسلام المَرأة، لا يَخْتَلِفَان.
стр. 303
وقال الله تعالى ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]. يعني وَاللهُ أَعْلَمُ: أَزواج المُشْرِكَات مِن المُؤمنين، إذا مَنَعَهُن المشركون إتيان أَزواجِهِنَّ -بالإسلامَ (١) - أَدَّوْا ما دَفَع إليهن الأَزواجُ مِن المُهُور، كما يُؤدِّي المسلمون ما دَفَع أَزواجُ المُسْلِمَات مِن المُهور، وجعله الله حُكمًا بينهم.
ثُم حَكَم في مثل ذلك المعنى حُكمًا ثانيًا، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١].
كأنه وَاللهُ أَعْلَمُ يُريدُ (٢): فلم تعفوا عنهم، إذ لم يعفوا عنكم مُهورَ نِسَائِكُم ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] كأنه يعني: مِن مُهُورِهم، إذا فَاتَت امرأةٌ مُشرِكَةٌ (٣) أَتَتْنَا مُسلِمةً، قد أعطاها مِائَة، فهي (٤) مهرها، وفَاتت امرأةٌ مُشركةٌ إلى الكُفار، قد أعطاها مائة = حُسِبَت مائةُ المسلم، بمائة المشرك. فقيل: تلك العقوبة.
قال: ويُكتَب بذلك، إلى أصحاب عهود المشركين: يعطي المُشرك ما قَصَصْناه به- مِن مَهر امرأتِه- للمُسلم الذي فَاتَت امرأتُه إليهم، ليس له غير ذلك» (٥).
ثم بسط الكلام في التفريع على القول في موضع دخول النساء في صلح
стр. 304
النبي ﷺ بالحديبية.
وقال في موضع آخر: «وإنَّما ذَهبْتُ إلى أَنَّ النِساءَ كُنَّ في صُلح
الحُدَيْبَية؛ بأنه لو لم يَدخُل رَدُّهُن في الصُّلح، لم يُعْطَ أَزواجُهُن فِيهنَّ (١) عِوضًا، وَاللهُ أَعْلَمُ» (٢).
(١٧٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. نَزَلَت في أَهْلِ هُدْنَةٍ، بَلغ النَّبيَّ ﷺ عَنهم، شَيءٌ اسْتَدلَّ به على خِيانَتِهم.
فإذا جاءت دلالةٌ (٣) على أَنْ لَم يُوفِ أَهْلُ الهُدْنَة بجميع ما عَاهَدهُم عليه = فَله أَن يَنبِذَ إليهم.
ومَن قُلتُ: له أَنْ يَنبِذَ إليه، فعليه أَن يُلْحِقَه بمَأْمَنِه، ثم له أن يُحَارِبَه كما يُحَارِب مَن لا هُدْنَةَ له» (٤).
(١٧٤) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال اللهُ ﵎ لِنَبِيِّه ﷺ في أهل الكِتَابِ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢].
стр. 305
قال الشافعي: في هذه الآية بَيانٌ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ جَعَل لِنَبِيِّه ﷺ الخِيارَ في أنْ يَحكُم بينهم، أو يُعْرِض عنهم.
وجَعَلَ عليه (١) -إِن حَكَم- أَنْ يَحكُم بينهم بالقِسْط، والقِسطُ: حُكمُ اللهِ الذي أَنْزَل على نَبِيِّه ﷺ ، المَحْض الصَّادق، أَحْدثُ الأخْبارِ عَهدًا باللهِ . قال الله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] الآية.
قال: وفي هذه الآية، ما في التي قَبْلَها مِن أَمْر اللهِ له، بالحُكم بما أنزل اللهُ إليه.
قال: وسَمعتُ مَن أَرْضى -مِن أَهل العِلم- يقول في قول الله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ... [المائدة: ٤٩] إِنْ حَكَمْتَ، لا عَزْمًا أن تَحكُم» (٢).
ثم ساق الكلام، إلى أن قال: «أخبرنا إبراهيمُ بنُ سَعْدٍ (٣)، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُبَيدِ اللهِ (٤) بنِ عَبد الله بن عُتْبةَ، عن ابن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قال: كيف تَسْأَلُونَ أهلَ الكِتَابِ عَن شَيءٍ، وكِتَابُكُم الذي أَنْزَلَ اللهُ على نَبِيِّه ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَار، تَقْرءُونَه مَحْضًا لم يُشَبْ، ألم يُخْبركُم اللهُ في كتابه: أَنهُم حَرَّفُوا كتابَ اللهِ وبَدَّلُوا، وكَتبُوا كِتابًا بأيديهم، فقالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ
стр. 306
ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩].
ألا يَنْهاكُم العِلمُ الذي جَاءكُم، عن مَسأَلَتِهم؟ ! واللهِ، ما رَأينا رَجُلًا منهم قَطُّ يَسْأَلُكُم عَمَّا أَنزَلَ اللهُ إليكُم» (١).
هذا: قوله في «كتاب الحدود»، وبمعناه أجاب في «كتاب القضاء باليمين مع الشاهد».
وقال فيه: «فَسمعتُ مَن أَرْضَى عِلمَه، يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]-إن حَكَمْتَ- على معنى قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. فَتِلكَ مُفَسَّرَةٌ، وهذه جُمْلَةٌ.
وفي قوله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [المائدة: ٤٩] دِلالَةٌ على أنهم إن تولوا، لم يَكُن عليه الحُكمُ بينهم.
ولو كان قول الله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] إلزامًا منه للحُكم بينهم = ألزمهم الحُكمَ مُتَولِّين؛ لأنهم إنما يَتَولَّوْن بَعد الإتْيَان، فَأمَّا مَا لم يَأْتُوا، فلا يُقَال لهم تَوَلَّوْا» (٢).
(١٧٥) وقد أخبرنا أبو سعيد - «في كتاب الجِزية» - حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «لم أعلم مُخَالِفًا -مِن أَهلِ العِلم بالسِّيَر- أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لَمَّا نَزَل المَدِينةَ، وَادَع يَهودَ كَافَّة على غير جِزية، وأَنَّ قَولَ اللهِ : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. إنما نَزلَت في اليَهُود المُوادِعِين، الذين لم يُعْطُوا جِزيةً، ولم يُقِرُّوا بأن تَجري
стр. 307
عليهم (١).
وقال بَعضُهُم: نَزَلت في اليَهُودِيَّيْن الذَيْن زَنَيا.
قال: والذي قالوا، يُشْبِهُ ما قالوا؛ لقَول الله : ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣].
وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [المائدة: ٤٩] يعني وَاللهُ أَعْلَمُ: فإن تَولَّوا عن حُكْمِك.
فهذا يُشْبِهُ أن يكون مِمَّن أَتَاك غَيرَ مَقهُور على الحكم.
والذين حاكَمُوا إلى رَسولِ الله ﷺ في امرأةٍ منهُم ورَجُلٍ، زَنَيا- مُوادِعُون (٢)، فكان في التوراة: الرَّجْمُ، ورَجَوْا أن لا يكونَ مِن حُكْم رَسولِ الله ﷺ ، فجاءوه بهما، فَرَجَمَهُما رَسولُ اللهِ ﷺ .
وذكر فيه حديث ابن عمر (٣).
قال الشافعي: فإذا وَادَع الإمامُ قومًا مِن أَهلِ الشِّرك، ولم يَشتَرِط أن يُجْريَ عليهم الحُكْمَ، ثم جَاءُوه مُتَحَاكِمِين، فهو بالخِيار بَين أَنْ يَحكُم بينهم، أو يَدَع الحُكْمَ، فإن اخْتَار أَن يَحْكُم بينهم، حَكَم بَينهُم حُكْمَه بيْن المُسلِمين، فإن امْتَنَعُوا بَعد رِضَاهُم بِحْكْمِه: حاربهم.
стр. 308
قال: وليس للإمام الخِيارُ في أَحَدٍ مِنَ (١) المُعَاهَدِين الذين يَجْري عليهم الحُكمُ إذا جَاءُوه في حَدٍّ للهِ ، وعليه أن يُقِيمَه.
قال: وإذا أَتى بعضُهم إلى بعض، ما فيه له (٢) حَقٌّ عليه، فأتى طَالِبُ الحَقِّ إلى الإمام، يَطلُبُ حَقَّه = فَحَقٌّ لازمٌ للإمام وَاللهُ أَعْلَمُ أنْ يَحْكُمَ له على مَن كان لَه عَليه حَقٌّ مِنهُم، وإن لم يَأْتِه المَطلوبَ رَاضِيًا بِحُكْمِه، وكذلك إِن أَظْهَر السُّخْطَةَ لِحُكْمِه؛ لما وَصَفْتُ مِن قَول الله : ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فكان الصَّغَارُ وَاللهُ أَعْلَمُ: أن يُجْريَ عليهم حُكْمَ الإسْلَام» (٣).
وبسط الكلام في التفريع.
وكأنه وَقَف-حين صَنَّف «كتابَ الجِزية» - أن آيةَ الخِيار وَرَدَت في المُوادِعين، فَرجع عَمَّا قال-في «كتاب الحدود» - في المُعَاهَدِين (٤).
فأوجب الحُكم بَينهُم بما أنزل اللهُ إذا تَرافَعُوا إلينا.
* * *
стр. 309
(٢٢) «مَا يُؤْثَر عنه في الصَّيْد والذَّبَائِح، وفي الطَّعَام والشَّرَاب» .
قَرأتُ في كتاب «السُّنَن» -رواية حَرْمَلة بن يَحيى- عن الشافعي
قال: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] قال الشافعي: فكان معقولًا عن الله إِذْ أَذِنَ في أَكْل مَا أَمْسَكَت الجَوارِحُ- أنهم إنما اتَّخذُوا الجَوارحَ، لما لم يَنالُوه إلا بالجوارح، وإن لم يَنزِل ذلك نَصًّا مِن كتاب الله .
فقال الله : ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]. وقال تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
قال: ولما ذكر الله أَمْرَه بالذَّبْح وقال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، كان معقُولًا عن الله أنه إنما أمر به فيما يُمكِن فيه الذَّبح والذَّكَاة، وإن لم يذكره.
فلما كان معقولًا في حُكْم الله ما وصَفْتُ، انبغى لأهل العِلم عِندي أن يَعلَمُوا: أن ما حَلَّ مِن الحَيوان بِذَكَاة، فَذَكَاةُ المَقْدورِ عليه: مثل الذَّبح، أو النَّحْر، وذَكَاةُ غَيرِ المَقْدُورِ عليه منه: ما نِيل به جَارِحٌ، أو سِلاح».
стр. 310
(١٧٦) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «الكَلبُ المُعَلَّم: الذي إذا أُشْلِيَ اسْتَشْلَى (١)، وإذا أَخَذَ حَبَس، ولم يأكل، فإذا فعل هذا مَرَّةً بعد مَرَّةٍ، كان مُعَلَّمًا، يَأكُلُ صَاحِبُهُ مِمَّا حَبَس عَليْه، وإِن قَتَل-ما لم يَأكُل-» (٢).
قال الشافعي: «وقَد تُسَمَّى جَوَارِح لأَنها تَجْرَح، فَيكُون اسمًا لازِمًا، وأُحِلُّ ما أَمْسَكْن مُطْلَقًا» (٣).
(١٧٧) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «وإذا كانت الضَّحايا، إنما هو دَمٌ يُتَقَرَّبُ به، فَخَيْر الدِّمَاءِ أَحَبُّ إِليَّ.
وقد زَعَم بعضُ المُفسِّرين: أن قول الله : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢]: اسْتِسْمَانُ الهَدْي، واسْتِحْسَانُه.
وسُئِل رَسولُ اللهِ ﷺ أَيُّ الرِّقَاب أَفْضَل؟ فقال: «أَغْلاها ثَمَنًا، وأَنْفَسُها عند أَهْلِها» (٤).
قال: «والعَقْلُ مُضْطَّرٌ إلى أن يَعْلم أن كُلَّ ما تُقُرِّبَ به إلى الله إذا كان نفيسًا- فَكُلَّما عَظُمَت رَزِيَّتُه على المُتَقَرِّب به إلى الله ، كان أَعظَمَ
стр. 311
لأجْرِه، وقد قال الله في المُتَمَتِّع: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: شَاةٌ.
وأَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه الذين تَمَتَّعُوا بالعُمْرة إلى الحج: أَن يَذبَحُوا شَاةً شَاةً، وكان ذلك أَقلَّ ما يُجْزيهِم؛ لأنه إذا أجزأه أدنى الدَّم، فَأعْلاهُ خَيرٌ منه» (١).
وبهذا الإسناد، قال الشَّافِعِيُّ: «أَحَلَّ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ طَعامَ أَهلِ الكِتَابِ وكان طَعامُهم -عند بَعض مَن حَفِظتُ عنه مِن أهل التفسير-: ذَبائِحَهُم وكانت الآثَارُ تَدُلُّ على إحلال ذبائحهم، فإن كانت ذبائحهم يُسَمُّونها لله ، فهي حلال، وإن كان لهم ذبح آخر، يُسَمُّون عليه غَيرَ اسم الله مثل: اسْم المَسِيح، أو يَذبحُونه باسْمٍ دُونَ اللهِ = لم يَحِل هذا مِن ذَبائِحِهم.
قال الشافعي: قد يُبَاح الشَّيءُ مُطلقًا، وإنما يُرَادُ بَعضُه، دُون بَعضٍ، فإذا زَعَم زَاعِمٌ: أَنَّ المُسلِم إن نَسِي اسمَ اللهِ، أُكِلَت ذَبيحَتُه، وإنْ تَركَه اسْتِخْفَافًا لم تُؤْكَل ذَبيحَتُه، وهو لا يَدَعُه لِشِركٍ = كان مَن يَدعُه على الشِّرك أَوْلَى أَنْ يُتْرَك ذَبيحَتُه.
قال الشافعي: وقَد أَحَلَّ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لُحومَ البُدْن مُطْلَقة، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]. ووجدنا بَعضَ المُسلمين، يَذهبُ إلى أن لا يُؤْكَل مِن البَدَنَة التي هي نَذْرٌ، ولا جَزاءُ صَيدٍ، ولا فِديَةٌ.
فلما احْتمَلت هذه الآية، ذَهبنا إليه، وتَركنا الجُمْلة، لا أنها بِخِلَاف
стр. 312
القرآن، ولَكِنَّها مُحْتَمِلة، ومَعْقولٌ أَنَّ مَن وَجَب عَليه شَيءٌ في مَالِه، لم يكن له أن يَأخُذَ منه شيئًا.
فهكذا ذَبَائِحُ أَهْلِ الكِتَاب، بالدِّلالَة تشبهه (١)؛ بما قلنا» (٢).
(١٧٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «وأُحِبُّ (٣) لِمَن أَهْدَى نَافِلةً أن يُطعِمَ البَائِسَ الفَقِير؛ لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. ولقوله : ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. والقَانِع هو: السَّائِل، والمُعْتَر هو: الزَّائِر، والمَارُّ بلا وَقْتٍ.
فإذا أَطْعَم مِن هَؤلاء، واحدًا أو أكثر (٤) كان مِن المُطْعِمِين، وأَحَبُّ إِلَيَّ ما أكثر، وأَنْ يُطْعِم ثُلُثًا، ويُهْدِي ثُلُثًا، ويَدَّخِر ثُلثًا، يهبط به حيث شاء.
قال: والضَّحَايا في هذه السُّبُل وَاللهُ أَعْلَمُ» (٥).
وقال في «كتاب البُوَيْطِي»: «والقَانِع: الفَقِير، والمُعْتَر: الزَّائِر، وقد قيل: الذي يَتَعرَّض لِلعَطِيَّة منهما».
(١٧٩) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عَمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «وأَهلُ التَّفسِير، ومَن سَمِعتُ مِنهُم يقول في
стр. 313
قول الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] يعني: مِمَّا كُنتُم تَأكلُون، فإن العَرَبَ قد كانت تُحَرِّمُ أَشياءَ، على أَنها مِن الخَبائِث، وتُحِلُّ أشياءَ، على أنها من الطَّيبات، فَأُحِلَّت لهم الطَّيباتُ عِندهم، إلا ما اسْتُثْنِيَ منها، وحُرِّمَت عَليهم الخَبائِثُ عندهم.
قال الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]» (١).
وبسط الكلام فيه.
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].
فكان شَيئان حَلالَان، فَأثْبَتَ تَحْليلَ أَحدِهما، وهو: صيد البحر وطعامه، وطَعَامُه (٢): مَالِحُه وكُلُّ ما فيه حَيٌّ (٣) متاعًا لهم يستمتعون بأكله.
وحُرِّم عليهم صَيدُ البر-أن يستمتعوا بأكله- في كتابه، وسنة نبيه ﷺ .
يعني: في حال الإحرام (٤).
قال: وهو جَلَّ ثَنَاؤُهُ لا يُحَرِّم عَليهم مِن صَيد البر في الإحرام، إلا ما كان حلالًا لهم قَبل الإحرام، وَاللهُ أَعْلَمُ» (٥).
стр. 314
(١٨٠) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣] الآية.
وقال في ذِكر ما حُرِّم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
قال الشافعي: فَيَحِلُّ ما حُرِّمَ: مِن المَيْتَة والدَّم ولَحم الخنزير، وكُل ما حُرِّم -مِمَّا لا يُغَيِّر العَقْل مِن الخَمْر- لِلمُضْطَر.
والمُضْطَرُّ: يَكونُ الرَّجُلُ بالمَوضِع لا طَعَامَ معه فيه، ولا شَيءَ يَسُدُّ (١) فَوْرَةَ جُوعِه -مِن لَبن، وما أَشْبَهَه- ويُبَلِّغُه (٢) الجُوعُ ما يَخافُ منه المَوتَ، أو المَرَضَ -وإن لم يَخَف المَوت- أو يُضْعِفُه، أو (٣) يَضُرُّه، أو يعتمد أن يكون (٤) ماشيًا، فَيَضْعُفُ عن بُلُوغ حَيثُ يُريدُ، أو راكِبًا فَيضْعُفُ عن ركوب دَابَّتِه، أو ما في هذا المعنى مِن الضَّرر البَيِّن.
فَأَيُّ هذا نَالَه: فَله أن يَأكُل مِن المُحَرَّم، وكذلك يَشْرَبُ مِن المُحَرَّم- غَير المُسْكِر- مثل الماء فيه المَيْتةُ، وما أَشْبَهَهُ.
стр. 315
وأَحَبُّ إِلَيَّ: أن يَكونَ آكِلُه إن أَكَل، وشَارِبُه إنْ شَرِبَ، أو جَمَعهُما = فَعلى (١) ما يَقْطَعُ (٢) عنه الخَوف، ويَبلُغ بَعض القُوة.
ولا يَبِينُ أن يَحْرُمَ عليه أَن يَشْبَع ويَرْوَى -وإِن أَجْزَأه دُونَه-؛ لأنَّ التحريم قد زال عنه (٣) بالضَّرورة.
وإذا بَلَغ الشِّبَع والرِّي، فليس له مُجَاوزَتُه؛ لأن مُجاوزَتَه حِينئَذٍ إلى الضَّرر، أَقْرَبُ منها إلى النَّفْع» (٤).
قال الشافعي: «فَمَن خَرَج سَفَرًا، عاصِيًا لله، لَم يَحِل لَه شَيءٌ مِمَّا حُرِّم عليه بحال؛ لأن اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمَّا أَحَلَّ مَا حَرَّمَ بالضَّرُورة، على شَرطِ أَن يَكونَ المُضْطرُّ غَيرَ بَاغٍ، ولا عَادٍ، ولا مُتَجَانِفٍ لإثْم.
ولو خَرَجَ عَاصِيًا، ثم تَاب، فَأَصَابته الضَّرورةُ بعد التَّوبة: رَجَوتُ أن يَسَعَهُ أَكلُ المُحَرَّمِ وشُربُه.
ولو خَرج غَيرَ عَاصٍ، ثم نَوى المَعْصِيةَ، ثم أَصابَتْهُ ضَرورةٌ، ونِيتُه المعصية: خَشِيتُ أَن لا يَسعه المُحَرَّمُ؛ لأني أَنظُرُ إلى نِيَّتِه في حال الضَّرُورَةِ، لا في حَالٍ تَقَدَّمَتْها، ولا تَأَخَرَّت عنها» (٥).
وبهذا الإسناد، قال الشافعي ﵀: «والحُجَّةُ في أَن مَا كان مُبَاحَ الأَصْلِ،
стр. 316
يَحْرُم بمالكه، حتى يَأذَن فيه مَالِكُه -يعني: وهو غَيرُ مَحْجُورٍ عَليه (١) -؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] وقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] الآية، مع آيٍ كَثِيرٍ في كتاب الله ، قَد حَظَر فيها أَموالَ النَّاس، إلا بِطِيبِ أَنْفُسِهِم، إلا بِمَا فَرضَ اللهُ في كتابه، ثُم سُنَّةِ نَبِّيه ﷺ ، وجَاءَت به حُجَّةٌ» (٢).
قال: «ولو اضْطُرَّ رَجُلٌ، فَخَاف المَوتَ، ثُم مَرَّ بِطَعامٍ لِرُجَلٍ: لم أَرَ بَأسًا أَن يأكُل منه مَا يَرُدُّ مِن جُوعِه، ويَغْرَمُ لَه ثَمَنَه» (٣).
وبسط الكلام في شرحه.
قال: «وقد قيل: إن مِن الضَّرورة: أَن يَمْرَضَ الرَّجُل، المَرضَ، يَقولُ لَه أَهْلُ العِلم به -أو يَكُون هو مِن أَهْلِ العِلْمِ به-: قَلَّما يَبْرَأ مَن كان به مِثلُ هَذا، إلا أن يَأكُل كَذا، أو يَشْربَه.
أو يقال له: إِنَّ أَعْجَلَ ما يُبْرِيكَ أَكْلُ كذا، أو شُرْبُ كذا، فَيكُونُ له أَكلُ ذلك وشُربُه، ما لم يَكُن خَمرًا، إذا بلغ ذلك ما أُسْكِر بِه (٤)، أو شيئًا يُذهِبُ العَقْل مِن المُحَرَّمات، أو غيرها؛ فَإنَّ إِذْهَابَ العَقْلِ مُحَرَّمٌ» (٥).
وذَكر حَديثَ العُرَنِيِّيْن في أبوالِ الإبِل وأَلبانها، وإِذن رَسولِ اللهِ ﷺ في
стр. 317
شُربها، لإصلاحه لأبدانهم (١).
(١٨١) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] الآية، وقال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] يعني وَاللهُ أَعْلَمُ: طَيباتٍ كَانت أُحِلَّت لَهُم. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦].
قال الشافعي ﵀: الحَوَايا: ما حَوْلَ (٢) الطَّعام والشَّراب، في البَطن، فلم يَزَل مَا حَرَّم اللهُ على بني إسرائيل-اليهود خاصة، وغيرهم عَامة- مُحَرَّمًا مِن حِين حَرَّمَه، حتى بعث اللهُ ﵎ مُحمَّدًا ﷺ فَفَرضَ الإيمَان به، وأمر باتِّبَاع نَبيِّ الله ﷺ وطَاعَةِ أَمرِه، وأَعْلَم خَلْقَه أَنَّ طَاعَتَه: طَاعَتُه، وأَنَّ دِينَه الإِسلامُ الذِي نَسَخَ به كُلَّ دِينٍ كان قَبْلَه، وجَعَلَ مَن أَدْركَه وعَلِم دِينَه، فَلم يَتَّبِعْهُ كافِرًا به، فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وأنزل -في أهل الكتاب مِن المشركين-: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ الآية، إلى: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
стр. 318
وأَمَر بِقتَالِهم، حتى يُعطُوا الجِزيَةَ إن لم يُسْلِمُوا، وأنزل فيهم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية.
فقيل وَاللهُ أَعْلَمُ: أَوْزَارهم (١)، وما مُنِعُوا بما أَحْدثُوا، قَبل ما شُرِع مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
فَلم يَبْق خَلْقٌ يَعْقِلُ مُنذُ بعثَ اللهُ محمدًا ﷺ ، كِتابيٌّ، ولا وَثَنِيٌّ، ولا حَيٌّ ذو رُوح (٢) مِن جِنٍّ، ولا إِنْسٍ، بَلَغَتْه دَعوةُ مُحَمدٍ ﷺ = إلا قَامَت عليه حُجَّةُ اللهِ باتِّباع دِينِه، وكان مؤمنًا باتِّباعِه، وكافرًا بترك اتِّبَاعِه.
ولَزِمَ كُلَّ امرئٍ مِنهُم- آمَن به، أو كَفَر- تحريمُ ما حَرَّم اللهُ على لِسَانِ نبيِّه ﷺ كان مُباحًا قَبْلَه، في شِيءٍ مِن المِلَل، أو غَير مُباح-.
وإحلالُ ما أَحَلَّ على لِسانِ محمدٍ ﷺ كان حَرامًا في شيءٍ مِن المِلَل.
وَأَحَلَّ اللهُ طعامَ أهلِ الكتاب، وقد وَصَفَ ذَبائِحَهم، لم يَسْتَثْنِ منها شيئًا، فلا يَجُوزُ أَنَّ تَحِلَّ (٣) ذَبِيحةُ كِتَابِيٍّ وفي الذَّبيحَةِ حَرَامٌ -على كل مُسْلِمٍ- مِمَّا كان حُرِّم على أَهلِ الكِتاب، قَبلَ مُحمدٍ ﷺ .
ولا يجوز أن يَبْقى شَيءٌ مِن شَحْمِ البَقَر والغَنَم، وكذلك لو ذَبَحها كِتابيٌّ لنفسه وأبَاحَها المُسلمَ = لم يَحْرُم على مُسلِم مِن شَحْم بَقَرٍ ولا غَنَمٍ مِنها، شَيءٌ.
стр. 319
ولا يجُوز أن يكون شَيءٌ حَلالًا -مِن جِهَةِ الذَّكَاة- لآخَر، حَرامًا على غَيره؛ لأن اللهَ أباح ما ذَكَر عَامَّةً، لا خَاصَّةً.
وهل يَحْرُمُ عَلى أَهل الكِتاب، ما حَرُم عليهم -من هذه الشحوم وغيرها- إذا لم يَتَّبِعُوا محمدًا ﷺ ؟
قال الشافعي: قد قيل: ذلك كُلُّه مُحَرَّمٌ عَليهم، حتى يؤمنوا.
ولا يتَبَيَّنُ (١) أَنْ يكونَ مُحَرَّمًا عليهم؛ وقد نُسِخَ ما خَالَف دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِدِينِه، كما لا يجوز إذا كانت الخَمْرُ حلالًا لهم، إلا أن تَكُونَ محرمَةً عليهم؛ إذ حُرِّمَت على لِسَان نَبِيِّنا مُحَمدٍ ﷺ ، وإن لم يَدخُلوا في دِينِه» (٢).
(١٨٢) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي ﵀: «حَرَّمَ المُشركُون على أنفسهم -مِن أموالهم-أَشياءَ، أَبَانَ اللهُ أنها لَيْسَت حَرامًا بِتَحْريمِهم، وذلك مثل: البَحِيرَةِ، والسَّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحَامِ.
كانوا يُنْزِلُونها في الإبل والغَنَم كَالعِتْق، فَيُحَرِّمُون أَلبَانَها، ولُحومَها، ومِلْكَها.
وقَد فَسَّرتُه في غير هذا المَوضِع.
فقال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].