يَحْرُم بمالكه، حتى يَأذَن فيه مَالِكُه -يعني: وهو غَيرُ مَحْجُورٍ عَليه (١) -؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] وقال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] الآية، مع آيٍ كَثِيرٍ في كتاب الله ، قَد حَظَر فيها أَموالَ النَّاس، إلا بِطِيبِ أَنْفُسِهِم، إلا بِمَا فَرضَ اللهُ في كتابه، ثُم سُنَّةِ نَبِّيه ﷺ ، وجَاءَت به حُجَّةٌ» (٢).
قال: «ولو اضْطُرَّ رَجُلٌ، فَخَاف المَوتَ، ثُم مَرَّ بِطَعامٍ لِرُجَلٍ: لم أَرَ بَأسًا أَن يأكُل منه مَا يَرُدُّ مِن جُوعِه، ويَغْرَمُ لَه ثَمَنَه» (٣).
وبسط الكلام في شرحه.
قال: «وقد قيل: إن مِن الضَّرورة: أَن يَمْرَضَ الرَّجُل، المَرضَ، يَقولُ لَه أَهْلُ العِلم به -أو يَكُون هو مِن أَهْلِ العِلْمِ به-: قَلَّما يَبْرَأ مَن كان به مِثلُ هَذا، إلا أن يَأكُل كَذا، أو يَشْربَه.
أو يقال له: إِنَّ أَعْجَلَ ما يُبْرِيكَ أَكْلُ كذا، أو شُرْبُ كذا، فَيكُونُ له أَكلُ ذلك وشُربُه، ما لم يَكُن خَمرًا، إذا بلغ ذلك ما أُسْكِر بِه (٤)، أو شيئًا يُذهِبُ العَقْل مِن المُحَرَّمات، أو غيرها؛ فَإنَّ إِذْهَابَ العَقْلِ مُحَرَّمٌ» (٥).
وذَكر حَديثَ العُرَنِيِّيْن في أبوالِ الإبِل وأَلبانها، وإِذن رَسولِ اللهِ ﷺ في
стр. 317
شُربها، لإصلاحه لأبدانهم (١).
(١٨١) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال الله ﵎: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] الآية، وقال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] يعني وَاللهُ أَعْلَمُ: طَيباتٍ كَانت أُحِلَّت لَهُم. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦].
قال الشافعي ﵀: الحَوَايا: ما حَوْلَ (٢) الطَّعام والشَّراب، في البَطن، فلم يَزَل مَا حَرَّم اللهُ على بني إسرائيل-اليهود خاصة، وغيرهم عَامة- مُحَرَّمًا مِن حِين حَرَّمَه، حتى بعث اللهُ ﵎ مُحمَّدًا ﷺ فَفَرضَ الإيمَان به، وأمر باتِّبَاع نَبيِّ الله ﷺ وطَاعَةِ أَمرِه، وأَعْلَم خَلْقَه أَنَّ طَاعَتَه: طَاعَتُه، وأَنَّ دِينَه الإِسلامُ الذِي نَسَخَ به كُلَّ دِينٍ كان قَبْلَه، وجَعَلَ مَن أَدْركَه وعَلِم دِينَه، فَلم يَتَّبِعْهُ كافِرًا به، فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وأنزل -في أهل الكتاب مِن المشركين-: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ الآية، إلى: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
стр. 318
وأَمَر بِقتَالِهم، حتى يُعطُوا الجِزيَةَ إن لم يُسْلِمُوا، وأنزل فيهم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية.
فقيل وَاللهُ أَعْلَمُ: أَوْزَارهم (١)، وما مُنِعُوا بما أَحْدثُوا، قَبل ما شُرِع مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
فَلم يَبْق خَلْقٌ يَعْقِلُ مُنذُ بعثَ اللهُ محمدًا ﷺ ، كِتابيٌّ، ولا وَثَنِيٌّ، ولا حَيٌّ ذو رُوح (٢) مِن جِنٍّ، ولا إِنْسٍ، بَلَغَتْه دَعوةُ مُحَمدٍ ﷺ = إلا قَامَت عليه حُجَّةُ اللهِ باتِّباع دِينِه، وكان مؤمنًا باتِّباعِه، وكافرًا بترك اتِّبَاعِه.
ولَزِمَ كُلَّ امرئٍ مِنهُم- آمَن به، أو كَفَر- تحريمُ ما حَرَّم اللهُ على لِسَانِ نبيِّه ﷺ كان مُباحًا قَبْلَه، في شِيءٍ مِن المِلَل، أو غَير مُباح-.
وإحلالُ ما أَحَلَّ على لِسانِ محمدٍ ﷺ كان حَرامًا في شيءٍ مِن المِلَل.
وَأَحَلَّ اللهُ طعامَ أهلِ الكتاب، وقد وَصَفَ ذَبائِحَهم، لم يَسْتَثْنِ منها شيئًا، فلا يَجُوزُ أَنَّ تَحِلَّ (٣) ذَبِيحةُ كِتَابِيٍّ وفي الذَّبيحَةِ حَرَامٌ -على كل مُسْلِمٍ- مِمَّا كان حُرِّم على أَهلِ الكِتاب، قَبلَ مُحمدٍ ﷺ .
ولا يجوز أن يَبْقى شَيءٌ مِن شَحْمِ البَقَر والغَنَم، وكذلك لو ذَبَحها كِتابيٌّ لنفسه وأبَاحَها المُسلمَ = لم يَحْرُم على مُسلِم مِن شَحْم بَقَرٍ ولا غَنَمٍ مِنها، شَيءٌ.
стр. 319
ولا يجُوز أن يكون شَيءٌ حَلالًا -مِن جِهَةِ الذَّكَاة- لآخَر، حَرامًا على غَيره؛ لأن اللهَ أباح ما ذَكَر عَامَّةً، لا خَاصَّةً.
وهل يَحْرُمُ عَلى أَهل الكِتاب، ما حَرُم عليهم -من هذه الشحوم وغيرها- إذا لم يَتَّبِعُوا محمدًا ﷺ ؟
قال الشافعي: قد قيل: ذلك كُلُّه مُحَرَّمٌ عَليهم، حتى يؤمنوا.
ولا يتَبَيَّنُ (١) أَنْ يكونَ مُحَرَّمًا عليهم؛ وقد نُسِخَ ما خَالَف دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِدِينِه، كما لا يجوز إذا كانت الخَمْرُ حلالًا لهم، إلا أن تَكُونَ محرمَةً عليهم؛ إذ حُرِّمَت على لِسَان نَبِيِّنا مُحَمدٍ ﷺ ، وإن لم يَدخُلوا في دِينِه» (٢).
(١٨٢) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي ﵀: «حَرَّمَ المُشركُون على أنفسهم -مِن أموالهم-أَشياءَ، أَبَانَ اللهُ أنها لَيْسَت حَرامًا بِتَحْريمِهم، وذلك مثل: البَحِيرَةِ، والسَّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحَامِ.
كانوا يُنْزِلُونها في الإبل والغَنَم كَالعِتْق، فَيُحَرِّمُون أَلبَانَها، ولُحومَها، ومِلْكَها.
وقَد فَسَّرتُه في غير هذا المَوضِع.
فقال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].
وهي حَيَّة، أو ذَبِيحَة. وذَكَر تَحْريمَ الخِنزير مَعَهَا.
وقد قيل: مِمَّا كُنتم تَأكُلونَ، إلا كذا.
وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [النحل: ١١٤ - ١١٥]. وهذه الآية: (١) في مثل معنى الآية التي ١) قبلها» (٢).
قال الشَّافِعيُّ-في رواية حَرْمَلَةَ عنه-: «قال الله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥].فاحتمل ذلك: الذَّبائِح، وما سِوَاها مِن طَعَامِهِم الذي لم يُنْصَب (٣) مُحَرَّمًا علينا، فآنِيَتُهم أَوْلَى أن لا يَكُونَ في النَّفْسِ منها شَيءٌ، إذا غُسِلَت.
ثم بسط الكلام في إباحَة طَعامِهم الذي يَغِيبُون (٤) على صَنعتِه، إذا لم نَعلَم فيه حرامًا، وكذلك الآنية، إذا لم نَعْلَم نَجَاسَةً، ثم قال -في هذا، أو في مُبَايعَة المُسلِم يَكْتَسِب الحَرام والحَلال، والأَسْوَاق يَدخُلها ثَمَنُ (٥) الحَرَام-:
стр. 322
«ولو تَنَزَّه امْرؤٌ عَن هَذا، وتَوَقَّاه، ما لم يَتركْه على أَنَّه مُحَرَّم: كان حَسنًا؛ لأنه قد يَحِلُّ لَه تَركُ ما لا يَشُكُّ في حَلاله. ولكِنِّي أَكره أن يتركَهُ على تَحريمِه، فيكون جَهلًا بالسُّنَّة، أو رَغْبةً عنها».
(١٨٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن (١)، أخبرنا عبد الرحمن -يعني: ابن أبي حاتم- أخبرني أبي، قال: سمعتُ يُونُسَ ابنَ عبد الأَعْلَى، يقول: قال لي الشافعي ﵀ في قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] قال: «لا يكون في هذا المعنى، إلا هذه الثَّلاثَةُ الأَحْكَام، وما عداها فهو الأكل بالباطل.
على المَرء في ماله: فَرْضٌ مِن الله ، لا ينبغي له حَبْسُه (٢).
وشَيءٌ يُعْطِيه، يُريدُ به وَجْهَ صَاحِبه.
ومِن البَاطِل، أَن يَقُول: احْزُر ما في يَدي، وهو لك» (٣).
(١٨٤) وفيما أنبأني أبو عبد الله الحافظُ -إِجَازَةً- أَنَّ أبا العَبَّاسِ مُحمدَ ابنَ يعقُوب، حدثهم: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي ﵀: «جِمَاعُ ما يَحِلُّ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِن الرَّجُلِ المُسْلِم ثَلاثَةُ وُجُوهٍ:
стр. 323
أحدها: ما وَجَب على الناس في أموالهم -مِمَّا ليس لهم دَفْعُه- مِن جِناياتِهم، وجِناياتِ مَن يَعقِلون عَنه.
وما وَجَب عليهم بالزَّكَاةِ، والنُّذُور، والكَفَّارَات، وما أشبه ذلك.
وما أَوْجَبُوا على أنفسهم مما أَخَذُوا به العِوَض، مِن البُيُوع والإِجَارَاتِ، والهِبَات لِلثَّواب، وما في معناها.
وما أَعْطَوْا مُتَطَوِّعِينَ مِن أَموالِهِم؛ الْتِمَاس واحِدٍ مِن وَجهَين:
أحدهما: طَلَبُ ثَوابِ اللهِ .
والآخر: طَلَبُ الاسْتِحْمَادِ إلى مَن أَعْطَوْهُ إيَّاهُ، وكلاهما مَعْروفٌ حَسَنٌ، ونَحنُ نَرجُو عَليه الثَّوابَ إِن شَاء الله.
ثم مَا أَعْطَى النَّاسُ مِن أموالِهم -مِن غَير هذه الوُجُوه، وما في مَعنَاها- واحِدٌ مِن وَجهَين:
أَحَدُهُما حَقٌّ، والآخَرُ بَاطِلٌ، فما أَعْطَوْهُ مِن البَاطِل: غَيرُ جَائِزٍ لهم، ولا لِمَن أَعْطَوْه، وذلك قَولُ اللهِ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. فالحَقُّ مِن هذا الوجه -الذي هو خَارِجٌ مِن هذه الوُجُوهِ التي وَصَفْتُ- يَدُلُّ على الحَقِ في نَفسِه، وعلى البَاطِل فيما خالفه.
وأَصْلُ ذِكْرِه في القرآن، والسُّنة، والآثَار، قال الله فيما نَدَبَ به أهلَ دِينه-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فَزَعَم أهلُ العِلم: أَنَّ القُوَّةَ هي الرَّمْيُ.
стр. 324
وقال الله ﵎: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦].
ثم ذَكَر حديثَ أبي هُرَيرة (١)، ثم حديثَ ابنِ عُمرَ في السَّبْق (٢).
وذكر ما يَحِلُّ منه، وما يَحْرُم» (٣).
* * *
стр. 325
(٢٣) «مَا يُؤْثَر عَنهُ فِي الْأَيْمَانِ والنُّذُور» .
(١٨٥) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي-في قول الله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢]-: «نَزَلَت في رَجُل حَلَفَ أَنْ لَا يَنْفعَ رَجُلًا، فَأَمَرَهُ اللهُ أَن يَنْفَعَهُ» (١).
قال الشَّيخُ: وهذه الآية نَزلت في أبي بَكر الصِّدِّيقِ ﵁، حَلَف أن لا يَنفَع مِسْطَحًا؛ لِمَا كان مِنه في شأن عائشة ﵂، فنزلت هذه الآية.
(١٨٦) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قُلتُ للشافعي: ما لَغْوُ اليَمِين؟ قال: «اللَّهُ أَعْلَمُ، أما الذي نَذهبُ إليه: فما قَالت عائشة ﵂.
أخبرنا مَالِكٌ، عن هِشَام بن عُرْوَةَ، عن أبيه (٢)، عن عائِشةَ ﵂ أنها قالت: لَغوُ اليَمِين، قَولُ الإنْسَانِ: لا وَاللهِ، وبَلَى واللهِ (٣).
قال الشافعي: اللَّغْوُ في كَلامِ العَرب: الكَلامُ غَيرُ المَعْقُودِ عَليه فيه، وجِمَاعُ اللَّغْوِ يكونُ في الخَطَإِ» (٤).
وبهذا الإسناد- في موضع آخر- قال الشافعي: «لَغوُ اليَمِين كما قَالت
стр. 326
عَائِشَةُ ﵂ واللَّهُ أَعْلَمُ: قَولُ الرَّجُل: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
وذلك: إذا كان على (١) اللَّجَاج، والغَضَب، والعَجَلة، لا يَعْقِدُ عَلى ما حَلَفَ، وعَقْدُ اليَمِين: أَن يُعَيِّنَها عَلى الشَّيء بعينه، أن لا يفعل الشيءَ، فيفعله أو لَيَفْعَلَنَّه (٢)، فلا يفعله، أو لَقَد كان، وما كان.
فهذا آثِمٌ، وعَليه الكَفَّارَةُ؛ لِمَا وَصفتُ مِن أَنَّ اللهَ قد جَعَل الكَفَّارَات في عَمْدِ المَأْثَم، قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].وقال ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥].
ومِثلُ قوله في الظِّهَار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] ثُم أَمَر فيه بالكَفَّارَة» (٣).
«قال الشافعي: ويُجْزِي في كَفَّارَةِ اليَمِين: مُدٌّ بِمُدِّ النَّبيِّ ﷺ ، مِن حِنْطَةٍ.
قال: وما يَقْتَاتُ أَهلُ البُلْدَانِ مِن شَيءٍ، أَجْزَأهُم مِنه مُدٌّ» (٤).
«وأَقَلُّ ما يَكْفِي مِن الكِسْوَة: كُلُّ ما وَقَع عَليه اسْمُ كِسْوَةٍ: مِن عِمَامَةٍ، أو سَراوِيلَ، أو إِزَارٍ، أو مِقْنَعَةٍ، وغير ذلك، للرجل، والمرأةِ، والصَّبي؛ لأن الله أَطْلَقَه، فَهُو مُطَلَقٌ» (٥).
стр. 327
ولَيس له -إذا كَفَّر بالطَّعَام- أَن يُطْعِمَ أَقَلَّ مِن عَشَرةٍ، أو -بالكِسْوَة- أن يَكْسُو أَقَلَّ مِن عَشَرةٍ.
وإذا أَعْتَقَ في كَفَّارَةِ اليَمِين، لم يُجْزِه إلا رَقَبةٌ مُؤمِنةٌ، ويُجْزِي كُلُّ ذِي نَقْصٍ، بِعَيْبٍ لا يَضُرُّ بالعَمل إضْرارًا بَيِّنًا» (١).
وبسط الكلام في شرحه.
(١٨٧) أخبرنا أبو سعيد، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀ في قول الله : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]-: «فَجَعل قَولَهُم الكُفْرَ: مَغفُورًا لهم، مَرفُوعًا عنهم في الدنيا والآخِرَة.
فكان المعنى الذي عَقَلنا: أن قَولَ المُكْرَهِ، كما لَم يَقُل (٢) في الحكم.
وعقلنا أن الإكْراهَ هو: أَن يُغْلَبَ بغير فِعلٍ منه، فإذا تَلِفَ ما حَلَفَ: (٣) لَيَفْعَلَنَّ فيه شَيئًا = فَقَد غُلِبَ بِغَير فِعْلٍ منه، وهذا في أَكْثَر مِن مَعنى الإكْرَاه» (٤).
وقد عَلَّقَ الشَّافِعيُّ ﵀ القَولَ فيه، واخْتَار: أَنَّ يَمِينَ المُكْرَهِ غَيرُ ثَابِتَةٍ عليه لِمَا احْتَجَّ به مِن الكِتَاب.
قال الشافعي ﵀: «وقول عطاء: إِنَّه يَطْرَحُ عن النَّاسِ، الخَطَأَ والنِسْيَان» (٥).
стр. 328
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي -فِيمَن حَلَف لا يُكَلِّم رَجُلًا، فَأرْسَل إليه رَسولًا، أو كتبَ إليه كتابًا-: «فَالوَرَعُ: أَن يَحْنَثَ، ولا يَبِينُ (١) أنَّه يَحْنَث؛ لأن الرَّسولَ والكِتَاب، غَيرُ الكَلام، وإن كان يَكُونُ كلامًا في حال.
ومَن حَنَّثَه ذَهبَ إلى أن اللهَ قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
وقال: إن الله يقول للمؤمنين -في المنافقين-: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤] وإنما نَبَّأهُم مِن أخبارهم بِالوَحْي الذي نَزَلَ به جِبريلُ ﵇ على النَّبيِّ ﷺ ، ويخبرهم النبيُّ ﷺ بوحْي الله .
ومن قال: لا يَحْنَث، قال: لأن كَلام الآدَمِيِّين لا يُشْبهُ كَلامَ اللهِ ، وكَلامُ الآدَمِيِّين بالمواجهة؛ ألا ترى أنه لَو هَجَر رَجُلٌ رَجُلًا، كانت الهِجْرَةُ مُحَرَّمةً عليه فَوق ثَلاثِ لَيَالٍ، فكتب إليه، أو أَرْسَل إليه، وهو يَقْدِرُ على كَلامِه= لَم يُخْرِجْهُ هذا مِن هِجْرَتِه التي يَأثَمُ بها» (٢).
قال الشافعي ﵀: «وإذا حَلَف الرَّجُلُ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ سَوطٍ، فَجَمعها، فَضَربَه بها، فإن كان يُحِيطُ العِلْمُ أَنَّه إذا ضَربَه بها (٣)، مَاسَّه كُلُّها: فَقَد بَرَّ.
стр. 329
وإن كان العِلمُ مُغَيَّبًا: لم يَحْنَث في الحُكْم، ويَحنث في الوَرَع.
واحتج بقول الله : ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].
وذكر خَبَر المُقْعَد (١)، الذي ضُرِبَ في الزِّنا، بإثكال النخل» (٢).
* * *
стр. 330
(٢٤) «مَا يُؤْثَرُ عَنهُ في القَضَايَا والشَّهَادَات» .
(١٨٨) وفيما أنبأني أبو عبد الله الحافظُ ﵀ إجازةً- أَنَّ أبا العَبَّاس الأَصَمَّ حدثهم: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا (١) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤].
قال الشافعي: أَمَر اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَن يُمْضِي أَمْرَه على أَحَدٍ مِن عِبَادِه أن يَكُونَ مُتَثَبِّتًا، قَبل أَن يُمْضِيَه» (٢).
وبسط الكلام فيه.
قال الشافعي: «قال الله : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
و: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
قال الشافعي: قال الحَسَنُ: إن كان النبي ﷺ عن مُشَاوَرَتِهم (٣) لَغَنيًا،
ولكنه أَرَاد أَن يَسْتَنَّ بذلك الحُكَّامُ بَعْدَه (٤).
стр. 331
قال الشافعي: وإذا نَزَل بالحَاكِم الأمرُ (١) يَحتَمِلُ وُجُوهًا، أو مُشْكِلٌ، أبْتَغِي (٢) له أن يُشَاوِرَ: مَن جَمَع العِلمَ والأَمَانةَ» (٣).
وبسط الكلام فيه.
(١٨٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ -قراءَةً عليه- حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] الآية. وقال في أهل الكتاب: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢].
وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] الآية.
وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
قال الشافعي: فَأعْلَمَ اللهُ نَبيَّه ﷺ : أن فَرضًا عليه، وعلى مَن قبله، والناس، إذا حَكَمُوا، أن يَحكُموا بالعدل، والعَدلُ: اتِّباعُ حُكْمِه المُنَزَّل» (٤).
(١٩٠) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي -في قوله : ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩].
-: «يحتمل: سَبيلَهُم (٥) في أَحْكَامِهم، ويحتمل: ما يَهْوَوْن.
стр. 332
وأيهما كان، فَقَد نُهِيَ عنه، وأُمِرَ أَن يُحْكَم بينهم بما أنزلَ اللهُ على نَبيِّه ﷺ » (١).
(١٩١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩].
قال الشافعي: قال الحَسَنُ بنُ أبي الحَسَنِ: لولا هذه الآية، لَرأيتُ أَنَّ الحُكَّامَ قد هَلكُوا، ولكنَّ اللهَ تعالى حَمِدَ هذا بِصَوابِه، وأَثْنَى على هذا باجتهاده» (٢).
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦].
فلم يَخْتلِف أهلُ العِلم بالقُرآن -فيما عَلِمتُ- أَنَّ السُّدَى: هو الذي لا يُؤْمَر، ولا يُنْهَى» (٣).
(١٩٢) وفيما (٤) أنبأني أبو عبد الله الحافظ -إجازةً-: أن أبا العباس حدثهم: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
стр. 333
فاحتمل أَمرُ اللهِ بالإشهادِ عند البَيع أمرين:
أحدهما: أن يَكُونَ دلالة على ما فيه الحَظُّ بالشهادة، ومُبَاحُ تَركِهَا، لا
حَتمًا، يكونُ مَن تَركَه عاصيًا بتركه.
واحتمل: أن يكونَ حتمًا منه، يَعْصِي مَن تَرَكهُ بتركه.
والذي أختارُ: أن لا يَدَع المُتبايعَانِ الإِشهَادَ، وذلك أنهما إذا أَشْهَدا، لم يَبْق في أَنفُسِهما شيءٌ؛ لأن ذلك إن كان حتمًا، فَقد أَدَّياه، وإن كان دِلالةً، فقد أَخَذ (١) بالحَظِّ فيها.
قال: وكُلُّ ما نَدَبَ اللهُ إليه -مِن فَرضٍ، أو دِلالَةٍ- فهو بَركَةٌ على مَن فَعلَه، ألا تَرى أن الإشهادَ في البيع، إذا كان دِلالةً، كان فيه (٢) أنَّ المتبايعَين، أو أحدهما إن أَرادَ ظُلمًا: قَامَت البَيِّنةُ عليه، فَيُمْنَعُ مِن الظُّلم الذي يَأثَمُ به.
وإن كان كارهًا: لا يُمْنَع منه، ولو نَسِي، أو وَهِمَ، فَجَحَد: مُنِع مِن المَأْثَم على ذلك، بالبينة، وكذلك وَرَثَتُهُما بعدهما.
أو لا ترى أنهما، أو أحدهما لو وَكَّل وكيلًا بِبَيْعٍ، فباع هو رَجُلًا، وباع وَكيلُه آخَر، ولم يُعْرَف أَيُّ البَيْعَيْن أَوله = لم يُعْط الأولُ مِن المُشتَرِيين (٣) بقول البائِع، ولو كانت بَيِّنةٌ (٤)، فَأَثْبَتَتْ أيهما أَوَّلُ: أُعْطِيَ الأَوَّلُ.
فالشهادةُ سَبَبُ قَطْعِ المَظَالِم، وتُثْبتُ الحُقُوقَ، وكُلُّ أَمْرِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ،
стр. 334
ثم أَمْرِ رَسولِ الله ﷺ : الخَيْرُ الذي لا يَعْتَاضُ مِنهُ مَن تَركَه.
قال الشافعيُّ: والذي يُشْبِهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وإيَّاه أَسْألُ التَّوفِيقَ: أن يَكُونَ أمره بالإشهاد في البيع: دِلالةً، لا حَتْمًا (١)، قال الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فَذكَر أَنَّ البيعَ حَلالٌ، ولم يذكر معه بَيِّنَةً.
وقال في آية الدَّيْن، والدَّيْنُ: تَبَايُعٌ، وقَد أَمَر اللهُ فيه بالإشهاد، فَبَيَّن (٢) المعنى الذي أَمَر لَه بِه، فَدَلَّ مَا بَيَّن اللهُ في الدَّيْن، على أَنَّ اللهَ أَمَر به عَلى النَّظَر والاخْتِيَار، لا عَلى الحَتْم.
قال اللهُ ﵎: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم قال في سياق الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
فَلَمَّا أَمَر -إذا لم يَجِدُوا كاتبًا-: بالرَّهْن، ثم أَبَاحَ تَركَ الرَّهْنِ، وقال:
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ = دَلَّ على أَنَّ الأمرَ (٣) الأول: دِلالَةٌ على الحَظِّ، لا فَرضٌ منه، يَعْصِي مَن تَركَه، واللَّهُ أَعْلَمُ» (٤).
ثم اسْتَدَلَّ عليه بالخبر (٥)، وهو مذكورٌ في مَوضِع آخَر.
стр. 335
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] ففي هذه الآية، مَعْنَيان:
أحدهما: الأَمْرُ بالإشهاد، وهو مِثل مَعنى الآية التي قبلها واللَّهُ أَعْلَمُ: مِن أَنَّ الأمر (١) بالإشهاد: دِلالةً، لا حَتمًا.
وفي قول الله : ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ كالدَّلِيل عَلى الإرْخَاصِ في تَرْكِ الإشهاد؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: إن لم يُشْهِدُوا واللَّهُ أَعْلَمُ.
والمعنى الثاني: أن يَكُونَ وَلِيُّ اليَتِيمِ-المأمور بالدَّفع إليه مَالَه، والإشهادِ عليه-يَبرأُ بالإشهَادِ عَليه، إنْ جَحَدَهُ اليَتيمُ، ولا يبرأُ بِغَيره، أو يكون مَأمورًا بالإشهاد عليه: على الدِّلالَة. وقَد يَبرأُ بغير شَهَادة، إذا صَدَّقَه اليتيمُ.
والآيةُ مُحْتِمَلَةُ المَعنَيين (٢) معًا» (٣).
واحْتَجَّ الشافعي ﵀ في رواية المُزَنِيِّ عنه في «كتاب الوكالة» بهذه الآية: في الوَكِيل إذا ادَّعَى دَفْعَ المَالِ إلى مَن أَمَره المُوَكِّل بالدَّفْع إليه = لم
стр. 336
يُقْبَل إلا بِبَيِّنَةٍ؛ فإن الذي (١) زَعم أنه دَفَعه إليه، ليس هو الذي ائْتَمَنَه على المال، كما أن اليتامى: ليسوا الذين ائتمنوه على المال؛ فَأُمِر بالإشهاد.
وبهذا فرق بينه، وبين قوله لِمَن ائتَمَنه: قد دفعتُه إليك، فَيُقبَل؛
لأنه ائتمنه» (٢).
وذكر أيضًا في «كتاب الوَدِيعَة» -رواية الربيع- بمعناه (٣).
(١٩٣) وفيما أنبأني أبو عبد الله -إجازةً- أن أبا العباس حدثهم، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «قال اللهُ ﵎: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥].
فَسَمَّى اللهُ في الشَّهادة في الفَاحِشَة -والفَاحِشَةُ هاهنا وَاللَّهُ أَعْلَمُ: الزِّنا- أَربَعَةَ شُهُودٍ، فلا تَتِمُّ الشَّهادَةُ في الزِّنا إلا بأربعة شهداء، لا امْرأةَ فيهم؛ لأن الظَّاهِر مِن الشُهَداءِ: الرِّجَالُ خَاصَةً، دونَ النِّسَاءِ» (٤).
وبسط الكلامَ في الحُجَّةِ على هذا.
قال الشافعي: «قال الله : ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]
فأمر الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ -في الطلاق والرَّجْعَة-: بالشَّهَادَة، وسَمَّى فيهما (٥)
стр. 337
عَددَ الشَّهَادَة، فانتهى إلى شَاهِدَين.
فَدلَّ ذلك: عَلى أن كَمَال الشَّهادة -في الطَّلاق والرَّجْعَة-: شاهدان، لا نِساءَ فيها؛ لأن شاهدين لا يَحْتَمِلُ بَحَالٍ أن يكونا إلا رَجُلَين.
وذاك أَنِّي لم أَلْق مخالفًا حَفِظتُ عنه -مِن أَهلِ العِلْم- أَنَّ حَرامًا أن يُطَلِّقَ بِغَير بِيِّنَة، على أَنَّه وَاللَّهُ أَعْلَمُ دِلالةُ اختيار.
واحتملت الشهادة على الرَّجْعَة -مِن هَذا- ما احْتَمل الطَّلاقُ.
ثم ساق الكلام، إلى أن قال:
والاخْتِيارُ في هذا، وفي غيره، مِمَّا أُمِر فيه بالإشهاد» (١).
وبهذا الإسناد، قال الشافعي (١: «قال الله تبارك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية، والتي بعدها، وقال في سياقها: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال الشافعي: فذكر الله شُهُودَ الزِّنا، وذَكَر شُهودَ الطَّلاق والرَّجْعَة، وذكر شُهودَ الوَصِيَّة، يعني: قَولَه تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] = فلم يذكر معهم امرأة.
فَوجَدنا شُهودَ الزِّنا يَشهدونَ عَلى حَدٍّ، لا مال.
وشهودَ الطَّلاقِ والرَّجْعَة يَشهدون على تحريمٍ بعد تَحْلِيل، وتَثْبِيتِ
стр. 338
تَحْلِيلٍ، لا مَالَ في واحد منهما.
وذكر شُهودَ الوَصِيَّة، ولا مَال للمشهُود له أَنَّه وصي.
ثم لم أَعْلَم أَحدًا -مِن أهل العِلم- خَالفَ في أن لا يَجُوزُ في الزِّنا، إلا الرجال، وعَلِمتُ أَكثرَهُم قال: ولا في طَلاقٍ ولا رَجْعَة، إذا تَنَاكَر الزَّوجَان. وقالوا ذلك في الوَصِيَّة، فكان ما حَكَيتُ -مِن أقاويلهم-: دِلالةً على مُوافَقَة ظَاهِر كتاب اللهِ ، وكان أَوْلَى الأمُور أَن يُقَاس عليه، ويُصَار إِليْه.
وذكرَ اللهُ شُهودَ الدَّيْن، فذكر فِيهم النِّساء، وكان الدَّينُ: أَخْذَ مَالٍ مِن المَشْهُود عَليْه.
قال الشافعي: فالأمرُ عَلى مَا فَرَّق اللهُ بينهم مِن الأَحْكَام في الشَّهَادَات، أن يُنْظَر كُلُّ ما شُهِدَ به عَلى أَحَدٍ، فكان لا يُؤخَذ منه بالشَّهَادةِ نَفسِها مَالٌ، وكان إنَّما يَلْزَمُ: حَقٌّ غَيرُ مَالٍ، أو شُهِدَ به، أو شَهِدَ به الرَّجُلُ كان لا يَسْتَحِقُّ به مالًا لِنَفْسِه، إنما يَسْتَحِقُّ به غَيرَ مَالٍ، مِثلُ الوَصِيَّة، والوَكَالَة، والقِصَاص، والحَد، وما أشبهه = فلا يَجُوزُ فيه إلا شَهَادَةُ الرِّجَال.
ويُنْظَرُ كُلُّ ما شُهِدَ به، مِمَّا أَخَذ به المَشهودُ له، مِن المَشْهود عَليه، مَالًا، فَتُجَازُ فيه شَهَادَةُ النِّساء مع الرِّجال؛ لأنه في معنى المَوضِع الذي أَجَازَهُنَّ اللهُ تَعالى فيه، فَيجُوزُ قِياسًا، لا يَخْتلِفُ هذا القَولُ، ولا يَجوزُ غَيرُه. ... وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١)» (٢).
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله ﵎:
стр. 339
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥].
فَأمَر اللهُ بِضَرْبِه، وأَمَر أن لا تُقْبَل شَهَادَتُه، وسَمَّاه فاسِقًا، ثم اسْتَثْنى له (١) إلا أَن يَتُوب. والثُّنْيَا (٢) - في سياق الكلام-على أَوَّل الكَلام وآخِره في جميعِ ما يَذهَبُ إليه أَهلُ الفِقْه، إلا أن يُفَرِّقَ بين ذَلك خَبَرٌ.
وروى الشَّافِعيُّ -في قَبول شَهادَةِ القَاذِف إذا تَاب- عن عُمَرَ بنِ الخَطَّاب ﵁ (٣)،
ثم عن ابن عباس ﵁ (٤)، ثم عن عَطاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُجَاهِدٍ (٥).
стр. 340
قال (١): وسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عن القَاذِف فقال: يَقْبَلُ اللهُ تَوْبَتَه، ولا تَقْبَلُونَ شَهَادَتَه؟ ! » (٢).
(١٩٤) أنبأني أبو عبد الله -إِجازَةً- أن أبا العباس حدثهم: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦].
وحُكِي أَنَّ إِخوَة يُوسُفَ ﵇ وَصَفُوا أَنَّ شَهَادَتَهم كما يَنبغِي لَهُم (٣) فحكي أن كبيرَهم قال: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١].
قال الشافعيُّ: ولا يَسَعُ شَاهِدًا، أَن يَشْهَد إلا بِمَا عَلِمَ.
والعِلمُ مِن ثَلاثَةِ وُجُوه:
منها: مَا عَايَنَهُ الشَّاهِدُ، فَيَشْهَدُ بالمُعَايَنَة.
ومنها: ما سَمِعَهُ (٤)، فَيَشْهَدُ بما أَثْبَتَ سمعًا مِن المَشْهُودِ عَليه.
стр. 341
ومنها: ما تَظَاهَرَتْ به الأَخْبَارُ، مما لا يُمْكِنُ في أَكْثَرِه العَيَان، وثبتت مَعرِفَتُه في القُلُوبِ، فَيَشْهَدُ عليه بهذا الوجه» (١).
وبسط الكلام في شرحه.
وبهذا الإسناد، قال: قال الشافعي ﵀ فيما يَجِبُ على المَرءِ مِن (٢) القِيَام بِشَهادَتِه، إذا شَهِد-: «قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] الآية.
وقال : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣].
وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآية.
وقال : ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢].
قال الشافعي: الذي أَحْفَظُ عَن كُلِّ مَن سَمِعتُ منه مِن أَهل العِلْم في هذه الآيات: أنه في الشَّاهِدِ قد لَزِمَتْه الشَّهَادَةُ، وأَنَّ فَرضًا عليه أَن يَقُومَ بها، على والِدَيْه وَوَلَدِه، والقَرِيبِ والبَعِيدِ، والبَغِيضِ والعزيز (٣)، لا يَكْتُم عن وَاحِدٍ،
стр. 342
ولا يُحَابى بها، ولا يُمْنَعَها أَحَدٌ (١)» (٢).
(١٩٥) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عَمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَمُّ، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله ﵎: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يَحْتَمل: أن يكون حَتمًا على مَن دُعِيَ للكتاب (٣)، فإن تَرَكَه تَارِكٌ، كان عَاصِيًّا.
ويحتمل: أن يَكُونَ على مَن حَضَر مِن الكُتَّاب: أن لا يُعَطِّلُوا كِتابَ حَقٍّ بين رَجُلَين، فإذا قام به واحِدٌ، أَجزأ عنهم، كما حُقَّ عليهم أن يُصَلُّوا عَلى الجَنائِزِ ويَدفِنُوها، فإذا قام بها مَن يَكْفِيها: أخرج ذلك مَن تَخَلَّف عنها مِن المَأْثَم.
وهذا أَشْبَهُ مَعانِيه به، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 343
قال: وقول الله : ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
يَحتَمِل ما وَصَفتُ: مِن أن لا يَأْبَى (١) كُلُّ شَاهِدٍ ابْتُدِئ، فَيُدعى ليشهد.
ويحتمل: أن يكون فَرضًا على مَن حَضَر الحَقَّ، أن يَشْهَد مِنهم مَن فِيه الكِفَايَةُ للشَهَادة، فإذا شَهِدُوا: أَخْرَجُوا غَيرَهُم مِن المَأْثَم، وإن تَرك مَن حَضَر، الشَّهَادة: خِفْتُ حَرجَهُم، بَل لا أَشُكُّ فيه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وهذا أَشْبَهُ مَعانِيه وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قال: فَأمَّا مَن سَبقَت شَهادَتُه، بأن أُشْهِدَ، أو عَلِمَ حقًّا لِمُسْلِم، أو مُعَاهَدٍ، فلا يَسَعُه التَّخَلُّفُ عن تَأْدِيَة الشَّهَادة، متى طُلِبَت مِنه في مَوْضِعِ مَقْطَعِ الحَقِّ» (٢).
(١٩٦) أنبأني أبو عبد الله -إجازةً- أَنَّ أبا العباس حدثهم: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعيُّ ﵀: «قال الله ﵎: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فكان الذي يَعْرِفُ (٣) مَن خُوطِبَ بهذا، أنه أُرِيدَ به: الأَحرارُ، المَرْضِيُّون، المُسْلِمُون، مِن قِبَلِ أَنَّ (٤) رِجالَنا ومَن نَرْضَى مِن أَهْلِ دِينِنا، لا المُشْرِكُون؛ لِقَطْعِ اللهِ الوَلايَةَ بَيْنَنا وبَينهُم بالدِّيْن.
ورِجَالُنا: أَحْرَارُنا، لا مَمَالِيكُنا الذين يَغْلِبُهم مَن يَمْلِكُهُم عَلى كَثيرٍ مِن أُمورِهم.
وأَنَّا لا نَرْضَى أَهلَ الفِسْقِ مِنَّا، وأَنَّ الرِّضَا: إنَّما يَقَعُ عَلى العُدُول مِنَّا، ولا يَقَعُ إلا عَلى البَالِغِينَ؛ لأنَّه إِنَّما خُوطِبَ بالفَرَائِض: البَالِغُونَ، دُونَ مَنْ لَم يَبْلُغ» (٥).
стр. 344
وبَسَطَ الكَلامَ في الدِّلالَة عَليه.
(١٩٧) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعيُّ ﵀ في قَولِ اللهِ : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ إلى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]- دِلَالَةٌ على أن اللهَ إنما عَنى المُسْلِمين، دُونَ غَيرِهِم» (١).
ثم ساق الكلام، إلى أن قال: «ومَن أَجَازَ شَهادَة أَهْلِ الذِّمَّة، فَأَعْدَلُهُم عِندَهُم (٢): أَعْظَمُهم بالله شِرْكًا، أَسْجَدُهُم لِلصَّليب، وأَلْزَمُهم للكَنِيسَة.
فإن قال قائل: فإن الله يقول: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]-أي: مِن غَير أَهْلِ دِينِكُم (٣) -
قال الشافعي: سَمِعتُ مَن يَتَأوَّل هذه الآية، على: مِن غَير قَبِيلَتِكُم مِن المُسلِمين» (٤).
قال الشافعي: «والتَّنزِيلُ وَاللهُ أَعْلَمُ يَدُلُّ على ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. والصَّلاةُ المُوَقَّتَة: للمُسْلِمين، ولقول الله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة: ١٠٦].وإنما القَرَابَةُ: بَين المُسْلِمين الذين كانوا مَع النَّبيِّ ﷺ مِن العَرَب، أو بَينهُم وبَين أَهْلِ الأوثان، لا بَينهُم وبَيْن أَهْلِ الذِّمَّة.
стр. 345
وقال: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦]. فَإنَّما يَتَأَثَّمُ مِن كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ: المُسْلِمُون، لا أَهْلُ الذِّمَّةِ» (١).
قال الشافعي: «وقَد سَمِعتُ مَن يَذْكُرُ أنها مَنْسُوخَةٌ (٢) بِقَولِ اللهِ : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (٣).
ثم جَرى في سِياق كلام الشَّافِعي ﵀ أنه قال: «قلت له: إنَّما ذَكَر اللهُ هذه الآية (٤) في وَصِيَّة مُسْلِمٍ، أَفَتُجِيزُها في وَصِيَّة مُسْلِمٍ في السَّفَر؟ قال: لا.
قلتُ: أَوَ تُحَلِّفُهم إذا شَهِدُوا؟ قال: لا.
قلتُ: ولِم، وقَد تَأَوَّلتَ أَنها في وَصِيَّةِ مُسلمٍ؟ قال: لأنها مَنْسُوخَةٌ. قُلتُ: فإن نُسِخَت فِيمَا أُنْزِلَت فِيه، لِمَ تُثْبِتُها فِيما لَم تَنْزِل فِيه؟ ! » (٥).
وأجاب الشافعي ﵀ عن الآيةِ بجواب آخر، على ما نَقَل عن مُقَاتِل بن حَيَّان، وغَيرِهِ في سَبب نزول الآية. وذلك فيما:
(١٩٨) أخبرنا أبو سعيد ابنُ أبي عَمرو، قال: حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي: أخبرني أبو سعيد (٦) معاذُ بنُ مُوسى الجَعْفَري، عن
стр. 346
بُكَيْر بن مُعرُوف، عن مُقاتِل بن حَيَّان.
قال بُكَيْرٌ: قال مقاتل: أَخَذتُ هذا التفسير، عن مُجَاهِدٍ، والحَسَنِ، والضَّحَّاك -في قول الله : ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآية-: أَنَّ رَجُلَين نَصْرَانِيَّيْن مِن أَهْلِ دَارِين، أَحَدُهُما: تَمِيمِيٌّ، والآخَرُ يَمَانِيٌّ -وقال غيره: مِن أَهْل دَارِين أحدهما: تَمِيمٌ، والآخَرُ: عَدِيٌّ (١) -: صَحِبَهُما مَولىً لِقُريش في تِجَارةٍ، فَرَكِبُوا البَحرَ، ومَع القُرشِيِّ مَالٌ مَعلُومٌ، قَد عَلِمَه أَولياؤُه -مِن بَين آنِيَةٍ، وبَزٍّ، ورِقَّةٍ- فَمَرِضَ القُرَشِيُّ، فجعل وَصِيَّتَه إلى الدَّاريين (٢)،
فمات، وقَبَضَ الدَّارِيَّان المَالَ، والوَصِيَّة، فَدَفَعَاهُ إلى أَوْلياءِ المَيِّتِ، وجَاءَا بِبَعْضِ مَالِه، فَأنْكَر القَومُ قِلَّة المَال، فقالوا للدَّارِيَّيْن: إِنَّ صَاحِبَنا قَد خَرجَ مَعَه بِمَالِ أَكثَرِ مِمَّا أَتَيْتُمُونا به، فَهل بَاع شَيئًا، أو اشترى شَيئًا فَوضَع فِيه، أَوْ هَل طَال مَرضُه، فَأنْفَق عَلى نَفسِه؟ قالا: لا. قال (٣): فإنكما خُنتُمونا، فَقَبضُوا المَالَ، ورَفَعُوا أَمْرَهُما إلى النبي ﷺ ، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] إلى آخر الآية. فَلَمَّا نَزَلَت:
قال الشافعي: يَعني: مَن كَان في مِثل حَالِ الدَّارِيَّيْن مِن النَّاس، ولا أَعْلَمُ الآيةَ تَحْتَمِل مَعنى غَيرَ جُمْلةِ ما قَال.
وإنما معنى ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: أَيْمَانُ بَينِكُم، كما سُمِّيَت أَيْمَانُ المُتَلاعِنَيْن: شَهَادة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (١).
وبسط الكلام فيه، إلى أن قال:
«وليس في هذا رَدُّ اليَمِين، إنما كانت يَمِينُ الدَّارِيَّيْن على ما ادَّعَى الوَرَثَةُ مِن الخِيانَة، ويَمِينُ وَرَثَةِ المَيِّتِ عَلى مَا ادَّعَى الدَّارِيَّان أنه صَار لَهُما مِن قِبَلِهِ.
وقوله : ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨] فذلك وَاللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ الأَيْمَانَ كانت عليهم بِدَعْوَى الوَرَثَةِ أَنهُم اخْتَانُوا، ثم صَار الوَرَثةُ حَالِفِينَ بإقْرَارِهم أَنَّ هذا كان للمَيِّت، وادِّعَائِهم شِراءَهُ منه، فجاز: أن يقال: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وذلك قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ: ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]. يحلفان (٢) كما أُحْلِفَا، وإذا كان هذا كما وَصفتُ، فَليسَت هذه الآيةُ بِناسِخَةٍ (٣) ولا مَنْسُوخَةٍ» (٤).
قال الشَّيخُ: «وقد رَوَيْنا عن ابنِ عَبَّاسٍ، ما دَلَّ على صِحَّةِ ما قال مُقَاتِلُ
стр. 349
ابنُ حَيَّانَ (١).
ويَحْتَمِلُ: أن يكُونَ المُرادُ بقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]: الشَّهَادَةَ نفسَها، وهو أَنْ يكونَ للمُدَّعِينَ (٢) اثْنَانِ ذَوا عَدْلٍ -مِن المُسلمين- يَشْهَدَان لَهُم بما ادَّعَوْا على الدَّارِيَّيْن مِن الخِيانَة.
ثم قال: ﴿أَوْ (٣) آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعني: إِذَا لَم يَكُن للمُدَّعِين -مِنكُم- بَيِّنةٌ: فَآخَرَان مِن غَيرِكُم، يعني: فَالدَّاريَّان -اللَّذانِ ادُّعِيَ عليهما- يُحْبَسَان مِن بعد الصَّلاة ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] يعني: يَحْلِفَان على إِنكارِ مَا ادُّعِيَ عليهما، على ما حَكَاهُ مُقَاتِلٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (٤).
(١٩٩) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عَمرو، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي: «والحُجَّةُ فيما وَصفتُ: مِن أَن يُسْتَحْلَفَ النَّاسُ فيما بَين البَيتِ والمَقَام، وعلى منبر رَسولِ اللهِ ﷺ ، وبَعد العَصْر؛ لقول اللهِ ﵎: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
стр. 350
وقال المُفَسِّرون: صَلاةُ العَصْر» (١).
ثم ذكر شَهَادةَ المُتَلاعِنَيْن، وغَيرَهُما.
(٢٠٠) وفيما أنبأني أبو عبد الله -إجازةً- عن أبي العَباس، عن الربيع، عن الشافعي، أنه قال: «زَعَم بعضُ أَهلِ التَّفْسِير أَنَّ قَولَ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ... ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]: ما جَعَلَ لِرَجُلٍ مِن أَبَويْن في الإسلام.
قال الشافعي: واسْتَدَلَّ (٢) -بسياق الآية- قَولِه تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]» (٣).
قال الشَّيخُ: قد رَويْنا هذا، عَن مُقَاتِل بنِ حَيَّان (٤)، ورُوِيَ، عن الزُّهْرِي (٥) في معناه.
* * *
стр. 351
(٢٥) «مَا يُؤْثَرُ عنه في القُرْعَةِ، والعِتْق، والوَلَاءِ، والكِتَابَةِ» .
(٢٠١) وفيما أنبأني أبو عبد الله الحافظُ -إجازةً- عن أبي العَبَّاس الأَصَم، عن الربيع، عن الشافعيِّ ﵀، قال: «قال اللهُ ﵎: ... ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات].
فَأصْلُ القُرعَةِ -في كتاب الله في قِصَّة المُقْتَرِعِينَ، والمُقَارِعِينَ (١) يُونُسَ ﵇ مُجْتَمِعَةٌ.
ولا تكون القُرْعَة وَاللَّهُ أَعْلَمُ إلا بَيْن القَوْم مُسْتَوِيَيْن في الجِهَة (٢)، ولا يَعدُو وَاللَّهُ أَعْلَمُ المُقتَرعُون على مريم ﵍ أَنْ يَكُونُوا كانُوا سَواءً في كَفَالَتِها فَتنافَسُوها، فلما كان: أَنْ تَكُونَ عِنْد وَاحِدٍ، أَرْفَقَ بها؛ لأنها لَو صُيِّرَتْ عِندَ كُلِّ واحِدٍ يومًا أو أكثر، وعِندَ غَيرِه مِثلَ ذلك= أَشْبَه أَن يَكُون أَضَرَّ بها؛ مِن قِبَلِ أَنَّ الكَافِلَ إذا كان واحِدًا: كان أَعْطَفَ له عليها، وأعلم بما فيه مَصْلَحَتُها؛ لِلْعِلم بأخلاقِها، وما تَقْبَل، وتَرُدُّ، ويَحْسُنُ به اغْتِذَاؤُهَا (٣).
стр. 352
وكُلَّ مَن اعْتَنَفَ (١) كَفَالَتَها: كَفَلهَا غَيرَ خَابِرٍ بما يُصْلِحُها، ولَعَلَّه لا يَقَعُ على صَلاحِها حَتَّى تَصِيرَ إلى غَيره، فَيَعْتَنِفُ مِن كَفَالَتِها غَيرُه.
وله وَجْهٌ آخَرُ يَصِحُّ: وذلك أَنَّ وِلَايَةَ وَاحِدٍ إذا كانت صَبِيِّةً، غَيرَ مُمْتَنِعةٍ مما يَمْتَنِعُ منه مَن عَقَل - يَسْتُر ما يَنبغِي سَتره (٢) - كان أَكرَمَ لها، وأَسْتَرَ عَليها، أَن يَكْفُلَها وَاحِدٌ، دُونَ الجَمَاعة.
ويَجُوزُ أَن تَكونَ عِندَ كَافِلٍ، ويَغْرَمَ مَن بَقِيَ مُؤْنَتَها بِالحِصَص،
كما تَكُون الصَّبيَّةُ عند خَالَتِها، وعند أُمِّها، ومُؤْنَتُها: عَلى مَن عَليه مُؤنَتُها.
قال: ولا يَعْدُو الذين اقترعُوا على كَفَالة مَرْيَم ﵍ بِأَنْ يَكُونُوا تَشَاحُّوا عَلى كَفَالتِها -فهو أَشْبَه وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أو: يَكُونُوا تَدَافَعُوا كَفَالتَها، فَاقْتَرَعُوا أَيُّهُم يَلْزَمُه.
فَإذا رَضِيَ مَن شَحَّ على كَفَالتِها، أَن يَمُونَها = لم يُكَلِّف غَيرَه أَن يُعطِيَه مِن مُؤنَتِها شيئًا؛ بِرضَاهُ بالتَّطَوُّعِ بإخْراجِ ذَلك مِن مَالِه.
قال: وأَيُّ المَعْنَيَيْن كانَ، فَالقُرْعَةُ تُلْزِمُ أَحَدَهُم ما يَدْفَعُه عن نَفسِه، أو تُخَلِّصُ له ما تَرغَبُ فيه نَفسُه (٣)، وتَقْطَعُ ذَلك عَن غَيره، مِمَّن هو في مِثل حَالِه.
وهكذا قُرْعَةُ يُونُسَ ﵇، لَمَّا وَقَفَت بهم السَّفِينةُ، فقالوا: ما يَمْنَعُها أَنْ
стр. 353
تَجْري إلا عِلَّةٌ بها، وما عِلَّتُها إلا ذُو ذَنْبٍ فيها، فَتعَالَوْا نَقْتَرِع، فَاقْترعُوا، فَوقَعت القُرعةُ على يُونُسَ ﵇، فَأخْرَجُوه منها، وأَقَامُوا فيها.
وهذا مِثلُ مَعنى القُرعَةِ في الذين اقترعوا على كَفالَة مَريمَ ﵍؛ لأن حالةَ الرُّكْبَان كانت مُسْتَوية، وإن لم يَكُن في هذا حُكْمٌ يُلْزِمُ أَحْدَهُم (١) في مَاله، شيئًا، لم يُلْزَمْه قَبل القُرْعَة، ويُزِيلُ عَن أَحدٍ شَيئًا، كان يَلْزَمُه.
فهو يُثْبِتُ عَلى بَعْضٍ الحَقَّ، وبَيَّن في بَعْضٍ أَنه بَريءٌ منه، كما كان في الذين اقترعوا على كَفالة مَريمَ ﵍ غُرْمٌ، وسُقُوطُ غُرْمٍ.
قال: وقُرْعَةُ النبيِّ ﷺ في كُلِّ مَوْضِع أَقْرَع فيه- مِثلُ مَعنى الذين اقترعوا على كفالة مريم ﵍، سَواءً، لا يُخَالِفُه.
وذلك أَنه ﵇ أَقْرَعَ بَيْن مَمَاليكَ أُعْتِقُوا مَعًا، فَجَعل العِتْقَ تَامًّا لِثُلُثِهم وأَسْقَط عن ثُلُثَيْهِم بِالْقُرْعَة؛ وذلك أَنَّ المُعْتِقَ -في مَرَضِه- أَعْتَقَ مَالَه ومَالَ غَيرِهِ، فَجَاز عِتْقُه في مَالِه، ولَم يَجُز في مَالِ غَيرِه، فَجَمَع النبيُّ ﷺ العِتْقَ في ثَلاثَةٍ ولَم يُبَعِّضْهُ (٢)، كما يُجْمَعُ في القَسْم بَين أَهلِ المَوارِيث، ولا يُبَعَّضُ عليهم.
وكذلك: كان إِقْرَاعُهُ لِنِسَائِه: أَن يَقْسِم لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهُن في الحَضَر، فَلَمَّا كان في السَّفَر كان مَنزلِةً يَضِيقُ فيها الخُروجُ بِكُلِّهِنَّ، فَأَقْرَع بَينَهُنَّ، فَأَيَّتُهنَّ
стр. 354
خَرج سَهْمُها، خَرج بها، وسَقَط حَقُّ غَيرِها في غَيْبَتِه بها، فإذا حَضَر عَاد لِلْقَسْم (١) لِغَيرِها، ولم يَحْسِبْ عَليها أَيَّامَ سَفَرِهَا.
وكذلك قَسَم خَيْبَر: كان (٢) أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِمَن حَضَر، ثم أَقْرَعَ، فَأَيُّهُم خَرَج سَهْمُه عَلى جُزْءٍ مُجْتَمِعٍ = كان له بكمَالِه، وانقطع مِنهُ حَقُّ غَيرِهِ، وانْقَطَع حَقُّه عن غَيْرِه» (٣).
(٢٠٢) أخبرنا أبو سَعِيد ابنُ أبي عَمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَمُّ، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «قال الله : ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ﴾ [هود: ٤٢]. قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤].
فَنَسَبَ إبراهيمَ ﵇ إلى أَبيه، وأَبُوه كَافِرٌ، ونَسَبَ ابنَ نُوحٍ إلى أَبيهِ (٤)،
وابْنُه كَافِرٌ.
وقال اللهُ لِنبيِّهِ ﷺ في زَيدِ بن حَارِثَةَ-: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
فَنَسَبَ المَوالِيَ إلى نَسَبَيْن:
أحدهما: إلى الآباء.
والآخر: إلى الولاء، وجَعلَ الوَلاءَ بالنِّعْمَةِ.
стр. 355
وقال رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١).
فَدَلَّ الكِتابُ والسُّنةُ عَلى أَنَّ الوَلاءَ: إِنَّما يَكونُ لِمُتَقَدِّمِ فِعْلٍ مِن المُعْتِق كما يَكُونُ النَّسبُ: بِمُتَقَدِّمِ وِلَادٍ مِنَ الأَبِ» (٢).
وبَسَط الكَلامَ: في امْتِنَاعِهِم مِن تَحويل الوَلاءِ عَن المُعْتِقِ، إلى غيره
بالشَّرط، كما يَمْتَنِعُ تَحْويلُ النَّسَبِ، بالانْتِسَابِ إلى غيرِ مَن ثَبَت لَه النَّسَبُ.
(٢٠٣) أخبرنا أبو سَعِيدٍ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي ﵀: «قال الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣].
قال الشافعيُّ: وفي قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ دِلَالَةٌ على أَنَّه إِنَّما أَذِنَ أن يُكَاتَبَ مَن يَعْقِلُ ما يَطلُبُ، لا مَن لا يَعْقِلُ أَنْ يَبْتَغِيَ الكِتَابَةَ، مِن صَبِيٍّ، ولا مَعْتُوهٍ» (٣).
(٢٠٤) أخبرنا أبو سَعِيدٍ، حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، «أخبرنا عَبدُ الله بنُ الحَارث بنِ عَبدِ المَلِك، عن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّه قال لِعَطَاءٍ: ما الخَيْرُ؟ المال، أو الصلاح، أم كُلُّ ذلك؟ قال: ما نَراهُ إلا المَال (٤) قلت: فإن لم يَكُن عِندَه مَالٌ، وكان رَجُلَ صِدْقٍ؟ قال: ما أَحْسَبُ إلا ذَلِك: المال والصلاح.