← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 931

المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي - من أول كتاب النكاح إلى نهاية كتاب الإقرار)

حميدة الجحدلي

Полный текст (239 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

استدلوا على هذه الرواية بقول الصحابي: عن خِلَاسٍ ((أن رجلاً طلق امرأته وأشهد على طلاقها، وراجعها وأشهد على رجعتها، واستكتم الشاهدين حتى انقضت عدتها، فرفع إلى علي ففرق بينهما ولم يجعل له عليها رجعة، وعزَّر الشاهدين.)) (١) وجه الدلالة: فعل الصحابي علي ﵁ في أنه فرق بين الزوجين وأبطل الرجعة التي كُتمت شهادتها وعزَّر الشاهدين ولو كان كتمان الشهود للرجعة جائز لما فعل ذلك ﵁. الرواية الثانية: عدم البطلان للرجعة إذا كتما الشاهدين. * قال القاضي أبو يعلى ﵀: (نقل أبو طالب إذا طلق زوجته وراجعها واستكتم الشهودحتى انقضت العدة فرق بينهما ولا رجعة له عليها فقد نص على إبطال الرجعة وقال في النكاح إذا تواصوا بكتمانه: يصح فالمسألة على روايتين في الرجعة والنكاح جميعاً.) (٢) * وقال الزركشي ﵀: (وهل يبطل الرجعة التواصي بالكتمان؟ نص في رواية أبي طالب على البطلان وخرج عدمه من نصه على عدم البطلان بذلك في النكاح.) (٣) واستدلوا بالسنة والمعقول.

стр. 107

أولًا: السنة: عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدين)) (١) وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علق صحة النكاح بالولي والشاهدين وقد وجد كل منهما في عقد النكاح فكذا الشاهدين وجدا في الرجعة (٢) ثانيًا: المعقول: وذلك أن الرجعة عقد وليس من شروطه ترك التواصي بكتمانه دليله البيع. (٣) الراجح: الراجح والله أعلم الرواية الأولى، وأن الرجعة تبطل إذا أوصى الزوج الشهود بالكتمان وإسنادها صحيح. وأما الرواية الثانية فالحديث فيها موضوع. (٤) * * * المطلب السابع: الإيلاء (٥) في الغضب والرضا. اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين: الرواية المعتمدة: أن الإيلاء يكون في حالتي الرضا والغضب. * قال ابن قدامة ﵀: (ولا يشترط (٦) في الإيلاء الغضب، ولا قصد الإضرار روي ذلك عن ابن مسعود ﵁.) (٧)

стр. 108

* وقال المرداوي ﵀: (الشرط الثاني من شروط الإيلاء وهو الحلف بالله أو بصفه من صفاته وسواء كان في الرضا أو الغضب.) (١) * وقال البهوتي ﵀: (ولا يشترط في صحة الإيلاء الغضب ولا قصد الإضرار قاله ابن مسعود، كالطلاق وقال ابن عباس: إنما الإيلاء في الغضب.) (٢) استدلوا على هذه الرواية: بالكتاب وقول الصحابي والمعقول والمعتمد قول الصحابي. أولًا: الكتاب قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ (٣) وجه الدلالة: أن الله تعالى ذكر الإيلاء في الآية عامًا فكل مولٍ سواء في الرضا أو الغضب داخل في الآية إذ لم تخصص حالًا دون آخر فيقع منه. (٤) ثانيًا: قول الصحابي: عن أبي عبيدة (٥) عن عبد الله بن مسعود قال: ((الإيلاء في الرضا والغضب.)) (٦) وجه الدلالة: جعل ابن مسعود ﵁ الإيلاء في جميع الأحوال سواءً ولم يفرق بين الرضا والغضب. ثالثًا: المعقول وذلك من عدة أوجه: الأول: أن الزوج منع نفسه عن جماع زوجته بيمينه فكان موليًا كما في حال الغضب.

стр. 109

الثاني: أن حكم الإيلاء يثبت لحق الزوجة، فالواجب أن يثبت سواء قصد الإضرار أو لم يقصد، كما لو غضب فأتلف مالها فإنه يضمن. (١) الثالث: أن الطلاق والظهار وسائر الأيمان حكمها سواء لايختلف في حالتي الغضب والرضا وكذلك الإيلاء لايختلف في ذلك. الرابع: أن حكم اليمين في الكفارة عند الحنث سواء فلا يختلف في الغضب والرضا وكذلك الإيلاء لايختلف عنها. (٢) الرواية الثانية: الإيلاء يكون في حال الغضب فقط. * قال البهوتي ﵀: (وقال ابن عباس، إنما الإيلاء في الغضب.) (٣) واستدلوا بقول الصحابي: عن أبي فَزَارَةَ، (٤) عن ابن عباس أنه قال: ((إنما الإيلاء في الغضب.)) (٥) وجه الدلالة: حصر ابن عباس ﵀ الإيلاء في حالة الغضب فقط وذلك بكلمة إنما وهي أداة حصر ومفهومه أن الإيلاء لايكون في الرضا. وقد يناقش بأن تخصيص الإيلاء في حالة الغضب فقط بلا دليل. لأن الإيلاء في الآية لم يُقَيد حالة دون أخرى وإنما أطلق فدل على أن الإيلاء لا يختص بحالة دون أخرى. كما أن أثر ابن عباس ﵁ ضعيف الراجح: الراجح والله أعلم الرواية الأولى وأن الإيلاء لا يشترط في صحته الرضا والغضب فيقع في الحالتين ولأن قول الصحابي ابن مسعود ﵁ موافق لظاهر الأية وهي قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا

стр. 110

فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ (١) .. فهي لم تختص بحالة دون أخرى. * * * المطلب الثامن: الفيئة (٢) من الإيلاء للعاجز عن الجماع. * قال ابن قدامة ﵀: (إذا مضت المدة، وبالمولي عذر يمنع الوطء من مرض، أو حبس بغير حق، أو غيره، لزمه أن يفيء بلسانه، فيقول: متى قدرت جامعتها. ونحو هذا وممن قال: يفيء بلسانه إذا كان ذا عذر ابن مسعود ﵁ (٣) * وقال المرداوي ﵀: (قوله: وإن كان العذر به، وهومما يعجز به عن الوطء، أمر أن يفئ بلسانه). (٤) * وقال البهوتي ﵀: (وإن كان العذر به أي المولي وهو: أي العذر مما يعجز به عن الوطء من مرض أو حبس يعذر فيه بأن كان ظلمًا أو على دَيْنٍ لا يمكنه أداؤه أو غيره أي الحبس كالإحرام لزمه أن يفيء بلسانه في الحال فيقول متى قدرت جامعتك هذا قول ابن مسعود ﵁.) (٥) واستدلوا بقول الصحابي. عن الشعبي عن علي وابن مسعود وابن عباس ﵄ قالوا: ((الفيء الجماع. وقال ابن مسعود: فإن كان به علة من كبر أو مرض أو حبس يحول بينه وبين الجماع، فإن فيئه أن يفيء بقلبه ولسانه.)) (٦)

стр. 111

وجه الدلالة: فتوى الصحابي ابن مسعود ﵁ في أن الفيئة من الإيلاء لمن كان عجز عن الجماع وله عذر تكون بقلبه ولسانه. * * * المطلب التاسع: من ظاهر (١) من نسائه بكلمة واحدة صورة المسألة. أن يقول الزوج لعدد من نسائه بكلمة واحدة لفظ الظهار وهو أنتن عليَّ كظهر أمي. فإذا قال ذلك فكم كفارة تجب عليه هل كفارة واحدة؟ أم عدد من الكفارات؟ اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين: الرواية المعتمدة: الواجب على من ظاهر من نسائه بكلمة واحدة، كفارة واحدة (كفارة واحدة لكل نسائه). * قال ابن قدامة ﵀: (إذا ظاهر من نسائه الأربع بلفظ واحد، فقال: أنتن علي كظهر أمي. فليس عليه أكثر من كفارة. بغير خلاف في المذهب. وهو: قول علي، وعمر) (٢) * وقال المرداوي ﵀: (قوله وإن ظاهر من نسائه بكلمة واحدة، فكفارة واحدة.) (٣) * وقال البهوتي ﵀: (لو ظاهر من نسائه بكلمة كقوله: أنت علي كظهر أمي فلا يلزمه إلا كفارة واحدة. رواه الأثرم عن عمر وعلي ولأنه ظهار واحد.) (٤) استدلوا على هذه الرواية بقول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي: ١. عن ابن المسيب (٥) ((أن عمر ﵁ قال في رجل ظاهر من ثلاث نسوة قال: عليه كفارة واحدة)) (٦)

стр. 112

وجه الدلالة: جعل عمر بن الخطاب ﵁ كفارة واحدة لمن ظاهر عدد من نسائه كما لو ظاهر واحدة منهن. فالأثر عام في وجوب كفارة واحده ولم يفرق بين من ظاهر عدد من نسائه وبين من ظاهر واحدة. ولا يعرف لهما في الصحابة مخالفًا، فكان إجماعًا. (١) ٢. عن علي ﵁ قال: ((إذا ظاهر مرارًا في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن ظاهر في مقاعد شتى فكفارات شتى، والأيمان كذلك)) (٢) وجه الدلالة: جعل علي ﵁ الظهار مرارا في مجلس واحد كفارة واحدة. ثانيا: المعقول: وذلك أن الزوج إذ ظاهر من زوجاته وقال أنتن عليَّ كظهر أمي ثم خالف هذه الكلمة بأن جامعهن فتجب عليه الكفارة وهذه الكلمة تعددت في مجموعة نسائه فيجب عليه كفارة واحدة، وذلك قياسًا على اليمين فلو أن شخصًا مثلًا حلف لا يأكل، ولا يشرب، ولا يدخل الدار، ولا ينام على الفراش، فهي أيمان أربعة إذا حنث فيها تكون الكفارة الواجبة عليه كفارة واحدة؛ لإن موجبها اليمين، فكذلك الظهار فإنه وقع على نسائه الأربع لكن الكفارة واحدة، والجامع بين الظهار واليمين كلاهما كلمة تجب بمخالفتها الكفارة. (٣) الرواية الثانية: من ظاهر من نسائه بكلمة واحدة، فعلية كفارات (لكل امراة كفارة) * قال المرداوي ﵀: (وعنه، عليه كفارات مطلقًا.) (٤) * قال الزركشي ﵀: وحكى أبو البركات رواية أخرى أن عليه لكل واحدة كفارة.) (٥)

стр. 113

واستدلوا بالمعقول: وذلك أن الظهار والعودة من الزوج لنسائه موجود في كل امرأة منهن، فيجب عليه عن كل واحدة كفارة كما لو أنه ظاهر واحدة منهن وأفردها لوحدها، وبذلك تجب عليه كفارات وليس كفارة واحدة. (١) الراجح: الراجح والله أعلم الرواية الأولى، وأن من ظاهر من نسائه بكلمة واحدة، فالواجب عليه كفارة واحدة وذلك لصحة الأثر عن الصحابي عمر ﵁، ولأنه لم يعرف له من الصحابة مخالف فكان إجماعًا، ورجحها عدد من الحنابلة كابن قدامة (٢) والبهوتي (٣) وغيرهم (٤). * * * المطلب العاشر: أقل مدة الحمل. * قال ابن قدامة ﵀: (أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لما روى الأثرم، بإسناده عن أبي الأسود، أنه رفع إلى عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر، فهم عمر برجمها، فقال له علي: ليس لك ذلك. قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٥) وقال تعالى:: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٦) فحولان وستة أشهر ثلاثون شهرا، لا رجم عليها. فخلى عمر سبيلها، وولدت مرة أخرى لذلك الحد ورواه الأثرم أيضا عن عكرمة أن ابن عباس قال ذلك) (٧) * وقال المرداوي ﵀: (قوله وأقل مدة الحمل ستة أشهر. هذا المذهب. وعليه الأصحاب. وقطع به أكثرهم.) (٨)

стр. 114

* وقال البهوتي ﵀: (أقل مدة الحمل ستة أشهر وفاقًا لما روى الأثرم والبيهقي عن أبي الأسود أنه رفع إلى عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فَهَمَّ عمر برجمها فقال له علي ليس لك ذلك قال الله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (١) وقال:: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢) فحولان وستة أشهر ثلاثون شهرًا لا رجم عليها فخلى عمر سبيلها وقال ابن عباس كذلك رواه البيهقي.) (٣) واستدلوا بقول الصحابي: ١ - عن أبي حرب بن الأسود الديلي (٤): أن عمر ﵁ ليس عليها رجم، فبلغ ذلك عمر ﵁ فأرسل إليه فسأله فقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٥) وقال:: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٦) فستة أشهر حمله حولين تمام لا حد عليها أو قال لا رجم عليها قال: فخلى عنها ثم ولدت.)) (٧) ٢ - وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول) (إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرين شهرًا، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرين شهرًا، وإذا وضعت ستة أشهر كفاها من الرضاع أربعة وعشرين شهرًا، كما قال الله يعني قوله:

стр. 115

: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١) (٢). وجه الدلالة: جعل عليُّ وابن عباس ﵄ أقل مدة للحمل هي ستة أشهر. وذلك أنه إذا سقط حولان أي أربعة وعشرون شهرًا من ثلاثين شهرا بقي ستة أشهر هي مدة الحمل. (٣) * * * المطلب الحادي عشر: بداية عدة (٤) من فارقها زوجها بطلاق أو موت وهو غائب. اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين: الرواية المعتمدة: عدة المفارقة لزوجها وهو غائب من يوم فراقه بموت أو طلاق. * قال ابن قدامة ﵀: (وإذا طلقها زوجها، أو مات عنها، وهو ناء عنها، فعدتها من يوم مات أو طلق، إذا صح ذلك عندها، وإن لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة هذا المشهور

стр. 116

في المذهب، وأنه متى ما تزوجها أو طلقها، فعدتها من يوم موته وطلاقه وهذا قول ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود.) (١) * وقال المرداوي ﵀: (قوله: ومن طلقها زوجها، أو مات عنها وهو غائب عنها، فعدتها من يوم مات أو طلق، وإن لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة -وهذا المذهب مطلقا. وعليه الأصحاب) (٢) * وقال البهوتي ﵀: (ومن طلقها زوجها وهو غائب أو مات عنها زوجها وهو غائب عنها فعدتها من يوم مات أو طلق روي عن ابن عمر وابن عباس وابن مسعود) (٣) استدلوا على هذه الرواية بقول الصحابي والمعقول. أولًا: قول الصحابي ١ - عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: ((عدتها من يوم طلقها ومن يوم يموت عنها.)) (٤) ٢ - وعن الأسود (٥) ومسروق (٦) وعَبِيدَةَ (٧) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((عدة المطلقة من

стр. 117

حين تطلق والمتوفى عنها زوجها من حين يتوفى.)) (١) ٣ - وعن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: ((تعتد من يوم طلقها أو مات عنها.)) (٢) وجه الدلالة منها: جعل الصحابة ﵃ ابتداء العدة للمفارقة لزوجها سواء بطلاق أو بموت من حين الفراق فإن كان طلاقًا فمن يوم طلاقها وإن كان بالوفاة فمن يوم الوفاة. ثانيا: المعقول، وذلك من وجهين: الأول: أن المرأة لو كانت حاملًا، فوضعت غير عالمة بفرقة زوجها؛ لانقضت عدتها، وهكذا سائر أنواع العدد كما لو كان حاضر. الثاني: أن القصد غير معتبر في العدة بدليل الصغيرة، والمجنونة تنقضي عدتهما من غير قصد، ولم يعدم ههنا إلا القصد (٣) الرواية الثانية: إن قامت بينة ابتدت عدتها من يوم الفراق بموت أو طلاق وإن لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر.

стр. 118

* قال ابن قدامة ﵀: (وعن أحمد: إن قامت بذلك بينة، فكما ذكرنا وإلا فعدتها من يوم يأتيها الخبر ويروى عن علي ﵁.) (١) * وقال المرداوي ﵀: (وعنه إن ثبت ذلك ببينة -أو كانت بوضع الحمل- فكذلك، وإلا فعدتها من يوم بلغها الخبر.) (٢) واستدلوا بقول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي: عن الحكم (٣) أن عليًا قال: ((من يوم يأتيها الخبر)) (٤) وجه الدلالة: جعل الصحابي علي ﵁ ابتداء عدة الفراق سواء بطلاق أو موت عن زوجها من حين سماعها بالخبر. (وهذه الرواية الأشهر عن علي) (٥) ثانيًا: المعقول: وذلك أن العدة فيها اجتناب أشياء وهي الزينة، ولم تجتنبها من تعتد بمفارقة زوجها تلك الأشياء إلا من وقت إتيان الخبر لها. (٦)

стр. 119

ونوقش من ثلاث أوجه: الأول: أنه ينتقض بما إذا ثبت ببينة (١) الثاني: أن الإحداد الواجب ليس بشرط في العدة، فلو تركته قصدًا، أو عن غير قصد، لانقضت عدتها. قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (٣)، وقال تعالى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٤). الثالث: أن القول بالاشتراط في الإحداد مخالفة لهذه الأيات السابقة، فوجب أن لا يشترط. (٥) الراجح: الراجح والله أعلم الرواية الأولى وأن عدة المفارقة لزوجها وهو غائب من يوم فراقه بموت أو طلاق. وهي المعتمدة في المذهب لصحة الأثر فيها ورجحها ابن قدامة (٦) والبهوتي (٧) وغيرهم (٨) وقد رجحها الشيخ ابن عثيمين ﵀. (٩) * * * المطلب الثاني عشر: الرضاع (١٠) من لبن الفاجرة (١١) * قال ابن قدامة ﵀: (كره أبو عبد الله الإرتضاع بلبن الفجور والمشركات وقال عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز (١٢) ﵄: اللبن يشتبه، فلا تستق من يهودية ولا نصرانية ولا زانية.) (١٣)

стр. 120

* وقال المرداوي ﵀: (كره الإمام أحمد، ﵀، أن يسترضع الرجل لولده فاجرة، أو مشركة.) (١) * وقال البهوتي ﵀: (ويكره لبن الفاجرة والمشركة لقول عمر وابنه.) (٢) واستدلوا بقول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي: ١ - عن عمر بن حبيب (٣)، عن رجل من كنانة - أراه عُتْوَارِيًّا (٤)، قَالَ: ((جلست إلى ابن عمر، فقال: أَمِنْ بني فلان أنت؟ قلت: لا، ولكنهم أرضعوني، قال: أما إني سمعت عمر بن الخطاب يقول: ((إن اللبن يُشتبَهُ عليه.)) (٥)

стр. 121

٢ - عن ابن عمر ﵄، قال: ((اللبن يُشْبِهُ عليه)) (١) وجه الدلالة: أن الرضاع له تأثير على الطفل الرضيع، ولذلك قال ابن عمر ﵁ أَمِنْ بني فلان أنت؟ بسبب أنه رأى شبه له وتأثيرٌ من ذلك القوم؛ فالرضاع له آثارٌ في الطباع والأخلاق والدين. ثانيا: المعقول: وذلك أن لبن الفاجرة ربما يفضي إلى شبه المرضعة في الفجور، ويجعلها أُمَّا لولده، فيعتبر بها في فجورها، ويتضرر طبعًا وتعيرًا. وأيضا الارتضاع من المشركة يجعلها أُمَّا للرضيع، لها حرمة الأم مع كونها مشركة، وربما يميل إليها في محبة دينها. (٢) * * * المطلب الثالث عشر: صفة قوت من يعول (٣) * قال ابن قدامة ﵀: (ولا يجب فيها الحَبُّ) (٤) * وقال البهوتي ﵀: (والواجب على زوج دفع قوت من خبز وأدم ونحوه لزوجة وخادمها وكل من وجبت نفقته لا دفع بدله أي القوت من نقد أو فلوس، ولا يلزمها قبول; لأنه ضرر عليها لحاجتها إلى ما يشتريه لها وقد لا يحصل أو فيه مشقة بخروجها له أو تكليف من يمن عليها به ولا دفع حب ولا يلزمها قبول لما فيه من تكليفها طحنه وعجنه وخبزه. ولقول ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ (٥) قال: الخبز والزيت، وعن ابن عمر: الخبز والسمن والخبز والزيت والخبز والتمر) (٦) استدلوا بقول الصحابي والمعقول.

стр. 122

أولًا: قول الصحابي: ١ - عن سعيد بن جبير قال: ابن عباس ((كان الرجل يقوت بعض أهله دون بعضهم قوتا فيه سعة، فقال الله تعالى: ﴿مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ (١) الخبز والزيت)) (٢) ٢ - وعن ابن عمر ﵁ في قوله: ﴿مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ (٣) قال: ((من أوسط ما يطعم أهلَه: الخبز والتمر، والخبز والسمن، والخبزَ والزيت. ومن أفضل ما تُطعمهم: الخبز واللحم.)) (٤) وجه الدلالة: فسر الصحابيان ابن عباس وابن عمر ﵄ إطعام الأهل بالخبز مع غيره من الأدم كالتمر والسمن والزيت واللحم والله ورسوله ذكرا الإنفاق مطلقٌا من غير تحديد ولا تقدير ولا تقييد، فالواجب رده إلى العرف. (٥)

стр. 123

ثانيًا: المعقول وذلك من ثلاث أوجه: الوجه الأول: أن الإنفاق ورد في الشرع مطلقًا بلا تقييد ولا تقدير معين، فالواجب فيه الرد إلى العرف، كما في القبض والإحراز فالقبض في البيع للسلعة مرجعه العرف وكذا الإحراز في حفظ الوديعة يكون بالعرف، والمتعارف عليه في الإنفاق على الأهل الخبز والأدم، دون الحبِّ، والنبي ﷺ والصحابة كانوا ينفقون ذلك، دون الحبِّ فكان ذلك هو: الواجب. الوجه الثاني: أنها قُدرت بالكفاية، فكان الواجب الخبز، كنفقة العبيد فإن السيد ينفق عليهم بما يكفيهم. الوجه الثالث: إن الحبَّ تحتاج فيه إلى الطحن والخَبز، فمتى احتاجت إلى تكلف ذلك من مالها لم تحصل الكفاية بنفقة الزوج عليها. (١)

стр. 124

الفصل الثاني: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الجنايات والديات والحدود والأطعمة والأيمان والقضاء والفتيا والإقرار • المبحث الأول: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الجنايات والديات. • المبحث الثاني: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الحدود. • المبحث الثالث: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الأطعمة والأيمان والقضاء والفتيا.

стр. 125

المبحث الأول: المسائل الفقهية التي بناها الحنابلة في مذهبهم على الاحتجاج بمذهب الصحابي في كتاب الجنايات والديات * المطلب الأول: من أريد قتله فقال شخص آخر: أنا القاتل. * المطلب الثاني: إذا اجتمع اثنان على شخص فجرحه أحدهما وقتله الآخر. * المطلب الثالث: حبس القاتل حتى بلوغ صاحب الدم. * المطلب الرابع: قيمة الدية إذا اصطدم حران ثم ماتا. * المطلب الخامس: إذا قتل المنجنيق أحد الثلاثة الرماة. * المطلب السادس: إذا وقع أحد على آخر فمات. * المطلب السابع: من ادعى فقد بصر العين. * المطلب الثامن: قيمة الغرة. * المطلب التاسع: ما تحمله العاقلة من الجراحات. * المطلب العاشر: دية الشعور الأربعة. * المطلب الحادي عشر: مقدار دية الترقوة. * المطلب الثاني عشر: حكم من أتلف شيئًا بالعبد. * المطلب الثالث عشر: دية تسويد السن.

стр. 126

المطلب الأول: من أريد قتله فقال شخص: أنا القاتل. * قال المرداوي ﵀: (نقل حنبل (١) فيمن أريد قتله قودًا (٢)، فقال رجل آخر: أنا القاتل، لا هذا. أنه لا قود، والدية على المقر.) (٣) * وقال البهوتي ﵀: (ومن أريد قتله قودًا ببينة بالقتل لا بإقراره فقال شخص: أنا القاتل لا هذا فلا قود على واحد منهما، وعلى مقر الدية لقول علي: أحيا نفسًا ولزوم الدية له لصحة بذلها منه) (٤) واستدلوا بقول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي: ما ذكره ابن القيم ﵀ في أقضية علي ﵁ حينما سأل علي ﵁ رجلًا فقال: ((فكيف كان حديثك؟ قال: إني رجل قصاب (٥)، خرجت إلى حانوتي (٦) في الغلس (٧)، فذبحت بقرة وسلختها، فبينما أنا أسلخها والسكين في يدي أخذني البول، فأتيت خَرِبة (٨) كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط (٩) في دمه فراعني أمره، فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا علي، فأخذوني، فقال الناس: هذا قتل هذا، ما له قاتل سواه. فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجْنِه، فقال علي للمقر الثاني: فأنت كيف كانت قصتك؟ فقال:

стр. 127

اعتراني فلس (١)، فقتلت الرجل طمعًا في ماله، ثم سمعت حس العسس (٢)، فخرجت من الخَرِبة، واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه وأتوك به. فلما أمرت بقتله علمت أني أبوء بدمه أيضا فاعترفت بالحق. فقال علي للحسن ﵄ (٣): ما الحكم في هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن كان قد قتل نفسًا فقد أحيا نفسًا، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٤)، فخلى علي ﵁ عنهما، وأخرج دية القتيل من بيت المال)). (٥) وجه الدلالة: أن عليَّا ﵁ أسقط القصاص عن القاتل وعن المتهم بالقتل بعد استشارة ابنه الحسن ﵁ وقوله: إن كان قد قتل نفسًا فقد أحيا نفسًا، وأخرج دية القتيل من بيت المال فهو: قضاء الحسن ﵇ بين يدي أبيه ﵄. قال ابن القيم ﵀ عقب ذكره الأثر: (وهذا إن وقع صلحًا برضى الأولياء فلا إشكال، وإن كان بغير رضاهم فالمعروف من أقوال الفقهاء: أن القصاص لا يسقط بذلك؛ لأن الجاني قد اعترف بما يوجبه، ولم يوجد ما يسقطه، فيتعين استيفاؤه. وبعد فَلِحُكْم أمير المؤمنين وجه قوي، وقد وقع نظير هذه القصة في زمن رسول الله (٦) إلا أنها ليست في القتل ثم ذكر ذلك). (٧)

стр. 128

ثانيًا: المعقول وذلك أن الدعوى على الأول شبهة في درء القصاص عن الثاني؛ فتجب الدية عليه؛ لإقراره بالقتل الموجب لها. (١) * * * المطلب الثاني: إذا اجتمع اثنان على شخص فجرحه أحدهما وقتله الآخر. * قال ابن قدامة ﵀: (ولو كان جرح الأول يفضي إلى الموت لا محالة، إلا أنه لا يخرج به من حكم الحياة، وتبقى معه الحياة المستقرة، مثل خرق المعي، أو أم الدماغ، فضرب الثاني عنقه، فالقاتل هو الثاني؛ لأنه فوت حياة مستقرة). (٢) * وقال البهوتي ﵀: (ولو كان جرح الأول يفضي إلى الموت لا محالة، إلا أنه لا يخرج به عن عالم الحياة وتبقى معه الحياة المستقرة كخرق الأمعاء، أو خرق أم الدماغ وضرب الثاني عنقه فالقاتل الثاني. لأن عمر لما جرح وسقي لبنًا فخرج من جوفه علم أنه ميت وعهد للناس وجعل الخلافة في أهل الشورى فقبل الصحابة عهده وعملوا به.) (٣). واستدلوا بقول الصحابي: حديث عمرو بن ميمون (٤) في مقتل الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ وفيه ((أوص يا أمير المؤمنين استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر (٥)، أو الرهط (٦)، الذين توفي رسول الله ﷺ

стр. 129

وهوعنهم راض، فسمَّى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو: ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة ....... فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه والله عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان (١)، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ والله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ والقِدَمُ في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن وَلَتُطيعَن، ثم خلا بالآخر فقال له: مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه)) (٢) وجه الدلالة: أن الصحابي عمر ﵁ عهد إلى الصحابة، وأوصى، وجعل الخلافة إلى أهل الشورى، فقبل الصحابة عهده، وأجمعوا على قبول وصاياه وعهده. فلما كان حكم الحياة باقيًا، كان الثاني مفوتًا لها، فكان هو القاتل، كما لو قتل عليلًا لا يرجى برء علته. (٣) * * * المطلب الثالث: البلوغ شرط في القصاص. * قال ابن قدامة ﵀: (وكل موضع وجب تأخير الاستيفاء، فإن القاتل يحبس حتى يبلغ الصبي .... وقد حبس معاوية (٤) هدبة بن خشرم (٥) في قصاص حتى بلغ ابن القتيل (٦)، في عصر الصحابة، فلم

стр. 130

ينكر ذلك، وبذل الحسن (١) والحسين (٢) وسعيد بن العاص (٣) لابن القتيل سبع ديات، فلم يقبلها). (٤) * وقال المرداوي ﵀: (قوله: ويشترط له ثلاثه شروط أحدها: أن يكون مستحقه مكلفا فإن كان صبيا أو مجنونا: لم يجز استيفاؤه ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون بلا نزاع في الجملة). (٥) * وقال البهوتي ﵀: (ويحبس القاتل حتى يبلغ الصغير وحتى يعقل المجنون لأن فيه حظًا للقاتل بتأخير قتله وحظا للمستحق بإيصاله إلى حقه، ولأنه يستحق إتلاف نفسه ومنفعته فإذا تعذر استيفاء النفس لعارض بقي إتلاف المنفعة سالمًا عن المعارض وقد حبس معاوية هدبة بن خشرم في قود حتى بلغ ابن القتيل فلم ينكر ذلك وكان في عصر الصحابة.) (٦) استدلوا بقول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي: ١ - قال معاوية (٧) لهدبة (٨) حينما أقر على نفسه بقوله: رمينا فرامينا فصادف رمينا … منايا رجال في

стр. 131

كتاب وفي قدر ((أراك قد أقررت بقتل صاحبهم ثم قال لعبد الرحمن (١) هل لزيادة ولد؟ قال: نعم. المسور وهو غلام صغير لم يبلغ وأنا عمه وولي دم أبيه فقال إنك لا تؤمن على أخذ الدية أو قتل الرجل بغير حق والمسور أحق بدم أبيه فرده إلى المدينة فحبس ثلاث سنين حتى بلغ المسور)). (٢) ٢ - عن ابن قتيبة (٣) قال ((فسأل سعيد بن العاص أخا زيادة (٤) أن يقبل الدية عنه قال أعطيك ما لم يعطه أحد من العرب أعطيك مائة ناقة حمراء ليس فيها جداء (٥) ولا ذات داء فقال له والله لو نقبت لي قبتك هذه ثم ملأتها لي ذهبًا ما رضيت بها من دم هذا الأجدع فلم يزل سعيد يسأله ويعرض عليه فيأبى ثم قال له والله لو أردت قبول الدية لمنعني قوله: لنَجدَعَنّ بأيدينا أُنوفَكم .... ويذهبُ القتلُ فيما بيننا هَدَرا. فدفعه حينئذ ليقتله بأخيه)). (٦)

стр. 132

وجه الدلالة: أن معاوية حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر فكان كالإجماع السكوتي. (١) ونوقش: … بأنه إذا قيل: لماذا لايخلى سبيل القاتل قياسًا على إخلاء سبيل الذي لايستطيع سداد دينه. وأجيب. أ - أن في تخلية القاتل تضييعًا للحق، فإنه لا يؤمن هربه. ب - هناك الفرق بين القاتل وبين المعسر من وجوه: أولًا: أن قضاء الدين لا يجب مع الإعسار، فلا يحبس بما لا يجب، والقصاص هاهنا واجب، وإنما تعذر المستوفي. ثانيًا: أن المعسر إذا حبسناه فيتعذر الكسب لقضاء الدين، فلا يفيد، بل يضر من الجانبين، وها هنا الحق نفسه يفوت بالتخلية لا بالحبس. ثالثًا: أن القاتل قد استحق قتله، وفيه تفويت نفسه ونفعه، فإذا تعذر تفويت النفس لمانع جاز تفويت نفعه لإمكانه، ولو كان القود لحي في طرفه لم يتعرض لمن هو: عليه، فإن أقام كفيلا بنفسه ليخلي سبيله لم يجز; لأن الكفالة لا تصح في القصاص كالحد. (٢) ثانيا: المعقول وذلك من وجهين. الأول: أن فيه حظًا للقاتل بتأخير قتله وحظا للمستحق بإيصاله إلى حقه. الثاني: أنه يستحق إتلاف نفسه ومنفعته، فإذا تعذر استيفاء النفس لعارض بقي إتلاف المنفعة سالما عن المعارض (٣).

стр. 133

المطلب الرابع: قيمة الدية إذا اصطدم حران ثم ماتا. * قال ابن قدامة ﵀: (وإن تصادم نفسان يمشيان، فماتا، فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر روي هذا عن علي ﵁ (١) * وقال المرداوي ﵀: (قوله وإن اصطدم نفسان. قال في الروضة: بصيران، أو ضريران، أو أحدهما. قلت: وكذا قال المصنف والشارح. فماتا: فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر هذا المذهب). (٢) * وقال البهوتي ﵀: (وإن اصطدم حران مكلفان بصيران أو ضريران أو أحدهما بصير والآخر ضرير وهما ماشيان أو راكبان أو راكب وماش فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر روي عن علي) (٣) واستدلوا بقول الصحابي والمعقول. أولا: قول الصحابي. عن الحكم، عن علي: ((أن رجلين صدم أحدهما صاحبه فضمن كل واحد منهما صاحبه - يعني الدية)) (٤) وجه الدلالة: أن الدية في المتصادمين في قضاء علي ﵁ تجب في كل واحد منهما على عاقلة صاحبه؛ لأنه قاتل خطأ أو شبه عمد، وفيه الدية على العاقلة. (٥) ثانيا: المعقول: أن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه، وذلك قتل خطأ، فكانت دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر (٦)

стр. 134

المطلب الخامس: إذا قتل المنجنيق (١) أحد الثلاثة الرماة. اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على ثلاث روايات. الرواية المعتمدة: أنه يلغى فعل نفسه، وعلى عاقلة صاحبيه ثلثا الدية. * قال ابن قدامة ﵀: (وأما الدية، ففيها ثلاثة أوجه .... الثاني: أن ما قابل فعل المقتول ساقط، لا يضمنه أحد .... وقد روي نحوه عن علي ﵁ في مسألة القارصة والقامصة والواقصة) (٢) * وقال المرداوي ﵀: (قوله: وإن قتل أحدهم: ففيه ثلاثة أوجه.، أحدها: يلغى فعل نفسه. وعلى عاقلة (٣) صاحبيه ثلثا الدية) (٤) * وقال البهوتي ﵀: (وإن قتل الحجر أحدهم أي أحد الثلاثة الرماة بالمنجنيق فعلى كل واحد كفارة كما لو شارك في قتل غيره وسقط فعل نفسه وما يترتب عليه من وجوب ثلث الدية وعلى عاقلة صاحبيه ثلثا الدية .... وقد روي نحوه عن علي قال الشعبي: وذلك أن ثلاث جوار اجتمعت فركبت إحداهن على عنق أخرى وقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت عنقها فماتت فرفع ذلك إلى علي فقضى بالدية أثلاثا على عواقلهن وألقى الثلث الذي قابل فعل الواقصة لأنها أعانت على قتل نفسها) (٥) استدلوا على هذه الرواية بقول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي: عن الشعبي، عن علي ﵁: ((أنه قضى في القارصة (٦) والقامصة (٧) والواقصة (٨) بالدية أثلاثا .. قال

стр. 135

ابن أبي زائدة (١) وتفسيره: أن ثلاث جوار كن يلعبن فركبت إحداهن صاحبتها فقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت عنقها فجعل علي ﵁ على القارصة ثلث الدية، وعلى القامصة الثلث، وأسقط الثلث يقول: لأنه حصة الراكبة لأنها أعانت على نفسها)) (٢) وجه الدلالة: أن الصحابي علي ﵁ قضى بالدية أثلاثا على عواقلهن وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة لأنها أعانت على قتل نفسها وهذه شبيهة فيما إذا قتل المنجنيق أحد الثلاثة الرماة فيلغى فعل نفسه، وعلى عاقلة صاحبيه ثلثا الدية. (٣) ثانيًا: المعقول: وذلك من ثلاثة أوجه: الأول: يلغي فعل نفسه قياسًا على المتصادمين (٤) الثاني: كما لو أنه مات من جراحتهما وجراحة نفسه وكما لو شارك في قتل بهيمة. الثالث: أن المقتول شارك في القتل فلا تكمل الدية على شريكه كما لو قتلوا واحدا غيرهم. (٥)

стр. 136

الرواية الثانية: أنه عليهما كمال الدية. * قال ابن قدامة ﵀: (وأما الدية، ففيها ثلاثة أوجه. الثالث: أن يلغى فعل المقتول في نفسه، وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين نصفين.) (١) * وقال المرداوي ﵀: (قوله: وإن قتل أحدهم: ففيه ثلاثة أوجه. والثاني: عليهما كمال الدية) (٢) واستدلوا بالمعقول. وذلك أن قياس المذهب أن يلغي فعل المقتول وتجب الدية إلى عاقلته لباقين نصفين كما في مسألة المتصادمين (٣) الرواية الثالثة: فيما إذا قتل المنجنيق أحد الثلاثة الرماة على عاقلته ثلث الدية لورثته، وثلثاها على عاقلة الآخرين. * قال ابن قدامة ﵀: (وأما الدية، ففيها ثلاثة أوجه. أحدها، أن على عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته لورثة المقتول.) (٤) * قال المرداوي ﵀: (قوله: وإن قتل أحدهم: ففيه ثلاثة أوجه. والثالث: على عاقلته ثلث الدية لورثته، وثلثاها على عاقلة الآخرين.) (٥) الدليل: المعقول: وذلك أن كل واحد منهم شارك في قتل نفس معصومة مؤمنة خطأ، فلزمه ديتها كالأجانب، وهذا ينبني على أن جناية المرء على نفسه، أو أهله خطأ يتحمل عقلها العاقلة. (٦) الراجح: الراجح والله أعلم الرواية الأولى وأنه إذا قتل المنجنيق أحد الثلاثة الرماة يلغى فعل نفسه، وعلى عاقلة صاحبيه ثلثا الدية ورجحها ابن قدامة (٧) والبهوتي (٨) وغيرهم (٩)

стр. 137

المطلب السادس: إذا وقع شخصُّ على آخر خطأ فمات. * قال ابن قدامة ﵀: (إذا سقط رجل في بئر، فسقط عليه آخر فقتله، فعليه ضمانه؛ لأنه قتله فضمنه، كما لو رمى عليه حجرا .... ، فإن وقع خطأ، فالدية على عاقلته مخففة. وقد روى عُليُّ بن رباح اللخمي (١)، أن رجلا كان يقود أعمى، فوقعا في بئر؛ خر البصير، ووقع الأعمى فوق البصير، فقتله، فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى، فكان الأعمى ينشد في الموسم: يا أيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معا كلاهما تكسرا) (٢) * وقال المرداوي ﵀: (قوله: وإن نزل رجل بئرًا، فخر عليه آخر، فمات الأول من سقطه، فعلى عاقلته ديته ..... لا أعلم في ذلك خلافا) (٣) * وقال البهوتي ﵀: (وإن وقع الثاني على الأول خطأ فالدية على عاقلته مخففة كسائر أنواع الخطأ .... وقد روى عُليُّ بن رباح اللخمي أن رجلا كان يقود أعمى فوقعا في بئر ووقع الأعمى فوق البصير فقتله فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى فكان الأعمى ينشد في الموسم في خلافة عمر يا أيها الناس رأيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معًا كلاهما تكسرا رواه الدارقطني وقاله ابن الزبير). (٤) استدلوا بقول الصحابي والمعقول: أولاً: قول الصحابي: أن موسى بن عُلَي بن رباح اللخمي، قال: سمعت أبي يقول: ((إن أعمى كان ينشد في الموسم في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وهو يقول: أيها الناس لقيت منكرا … هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا

стр. 138

خرا معا كلاهما تكسرا وذلك أن الأعمى كان يقوده بصير فوقعا في بئر، فوقع الأعمى على البصير، فمات البصير، فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى.)) (١) وجه الدلالة: أن الصحابي عمر ﵁ قضى وأوجب بالدية للبصير على عاقلة الأعمى ثانيًا: المعقول وذلك أن الأول وهو: البصير كما في المسألة مات من سقوط، الثاني وهو: الأعمى فيكون هو: قاتله. فوجبت الدية على عاقلة الثاني؛ كما لو باشره بالقتل خطأ. (٢) وعرض ابن قدامة ﵀ مناقشتة قائلًا: أنه لو قال قائل: ليس على الأعمى ضمان البصير؛ لأنه الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه، وكان سبب وقوعه عليه، ولذلك لو فعله قصدًا لم يضمنه، بغير خلاف، وكان عليه ضمان الأعمى، ولو لم يكن سببًا لم يلزمه ضمان بقصده. لكان له وجه، إلا أن يكون مجمعًا عليه، فلا تجوز مخالفة الإجماع. ويحتمل أنه إنما لم يجب الضمان على القائد وهو البصير لوجهين: الأول: أنه مأذون فيه من جهة الأعمى، فلم يضمن ما تلف به، كما لو حفر له بئرًا في داره بإذنه، فتلف بها. الثاني: أنه فعل مندوب إليه، مأمور به، فأشبه ما لو حفر بئرًا في سابلة ينتفع بها المسلمون، فإنه لا يضمن ما تلف بها. (٣) * * * المطلب السابع: من ادعى فقد بصر العين. * قال ابن قدامة ﵀: (إن ذكر أن إحداهما نقصت، عصبت المريضة، وأطلقت الصحيحة، ونصب له شخص فيباعد عنه، فكلما قال: رأيته. فوصف لونه، علم صدقه، حتى تنتهي، فإذا انتهت علم موضعها، ثم تشد الصحيحة، وتطلق المريضة، وينصب له شخص، ثم يذهب حتى تنتهي رؤيته، ثم يدار الشخص إلى جانب آخر، فيصنع به مثل ذلك، ثم يعلمه عند المسافتين، ويذرعان، ويقابل

стр. 139

بينهما، فإن كانتا سواء، فقد صدق، وينظر كم بين مسافة رؤية العليلة والصحيحة، ويحكم له من الدية بقدر ما بينهما وإن اختلفت المسافتان، فقد كذب، وعلم أنه قصر مسافة رؤية المريضة ليكثر الواجب له، فيردد حتى تستوي المسافة بين الجانبين والأصل في هذا، ما روي عن علي ﵁ (١) * وقال البهوتي ﵀: (وإن ادعى المجني عليه نقص ضوء إحداهما عصبت العين العليلة وأطلقت العين الصحيحة بلا عصب ونصب له شخص ويعطى الشخص شيئا كبيضة مثلا ويتباعد عنه في جهة وفي نسخ في وجهه شيئا فشيئا فكلما قال: قد رأيته فوصف لونه علم صدقه حتى ينتهي فإن انتهت رؤيته علم موضع الانتهاء بخيط أو غيره، ثم تشد الصحيحة وتطلق العليلة وينصب له الشخص، ثم يذهب في الجهة التي ذهب فيها أولا حتى تنتهي رؤيته فيعلم موضعها كما فعل أولا ثم يرد الشخص إلى انتهاء جهة أخرى فيصنع به مثل ذلك ويعلم منه المسافتان، ثم يذرعان ويقابل بينهما. فإن كانتا سواء فقد صدق وينظر، كم بين مسافة العليلة والصحيحة؟ ويحكم له من الدية بقدر ما بينهما على الجاني رواه ابن المنذر عن عمر (٢) (٣) واستدلوا بقول الصحابي: عن سعيد بن المسيب ((أن رجلا أصاب عين رجل، فذهب بعض بصره وبقي بعض، فرفع ذلك إلى علي فأمر بعينه الصحيحة فعصبت، وأمر رجلًا ببيضة فانطلق بها وهوينظر حتى انتهى بصره، ثم خط عند ذلك علمًا، قال: ثم نظر في ذلك فوجدوه سواء، فقال: فأعطوه بقدر ما نقص من بصره من مال الآخر.)) (٤) وجه الدلالة: أن عليَّا ﵁ جعل على من جنى على شخص فأذهب بعض بصره مقدار من الدية.

стр. 140

المطلب الثامن: قيمة الغرة. (١) * قال ابن قدامة ﵀: (أن الغرة قيمتها نصف عشر الدية، وهي خمس من الإبل. روي ذلك عن عمر، وزيد ﵄. (٢) * وقال المرداوي ﵀: (ظاهر قوله: قيمتها خمس من الإبل. أن ذلك يعتبر؛ سواء قلنا: إن الإبل هي الأصل خاصة، أم هي وغيرها من الأصول. وهو: ظاهر كلام كثير من الأصحاب). (٣) * وقال البهوتي ﵀: (قيمتها أي الغرة خمس من الإبل روي عن عمر وزيد لأن ذلك أقل ما قدره الشرع في الجناية وهو: أرش الموضحة فرددناه إليه) (٤) واستدلوا بقول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي: عن زيد بن أسلم (٥): ((أن عمر بن الخطاب قَوَّمَ الغرة خمسين دينارًا.)) (٦) وجه الدلالة: دل قول عمر ﵁ نصًا على أن قيمة الغرة خمسون ديناراً. ثانيًا: المعقول: أن الخمس من الأبل هو أقل ما قدره الشرع في الجنايات؛ لأنه أرش الموضحة (٧) ودية السن. فوجب

стр. 141

الرد إليه. (١) ونوقش: بأنه إن قيل فقد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث، وذلك دون ما ذكر. وأجيب: الذي نص الشارع عليه أرش الموضحة، ودية السن وهوخمس من الإبل، وأما الأنملة فالواجب فيها ما ذكر بالحساب من دية الإصبع لا بالصريح. (٢) * * * المطلب التاسع: ما تحمله العاقلة من الجراحات. * قال ابن قدامة ﵀: (فأما الجناية على ما دون النفس، فإن العاقلة تحمل منه ما بلغ الثلث فصاعدا، ولا تحمل ما دونه؛ لما روي عن عمر ﵁ أنه قضى في الدية: أن لا تحمل منها العاقلة شيئا حتى تبلغ الدية عقل المأمومة، ولأن الأصل وجوب الضمان على الجاني، وخولف الأصل في الثلث لإجحافه بالجاني لكثرته، فما عداه يبقى في الأصل) (٣) * وقال المرداوي ﵀: (قوله: ولا ما دون ثلث الدية. هذا المذهب. وعليه الأصحاب.) (٤) * وقال البهوتي ﵀: (ولا تحمل ما دون ثلث الدية الكاملة وهي دية الذكر الحر المسلم لقضاء عمر أنها لا تحمل شيئا حتى يبلغ عقل المأمومة ولأن الأصل وجوب الضمان على الجاني حالا لأنه هو: المتلف فكان عليه كسائر المتلفات). (٥) الدليل قول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي:

стр. 142

١ - قال ابن سمعان (١) ((سمعت رجالًا من علمائنا يقولون: قضى عمر بن الخطاب في الدية أن لا يحمل منها شيء على العاقلة حتى تبلغ ثلث الدية فإنها على العاقلة عقل المأمومة (٢) والجائفة (٣) فإذا بلغت ذلك فصاعدًا حملت على العاقلة)) (٤) وجه الدلالة: أن عمر ﵁ لم يجعل تحمل الدية على العاقلة إذا كانت دون الثلث وإنما جعلها إذا بلغت الثلث فما فوقها. ولا ريب أن عمر ﵁ أحد الخلفاء الذين أمرنا باتباعهم، وهذا في الغالب لا يصدر عن اجتهاد، فقد يكون فيها نص حكم به ـ ﵁ ـ ولم يروه عن النبي ﷺ . (٥) ٢ - عن سعيد بن المسيب، أن زيد بن ثابت، ﵁، قال: ((لا تعقل العاقلة، ولا يَعُمُّهَا العقل إلا في ثلث الدية فصاعدًا)). (٦) وجه الدلالة: نصَّ زيد ﵁ أن العاقلة تحمل من الدية ما كان فوق الثلث. أما ما دونه فلا. ثانيا: المعقول: وذلك أن مقتضى الأصل وجوب الضمان على الجاني؛ لأنه موجب جنايته وبدل متلفه. فكان عليه؛ كسائر المتلفات والجنايات. تُرك العمل به في الثلث فصاعداً تخفيفاً عن الجاني لكونه كثيراً يجحف به لقول النبي ﷺ : «الثلث والثلث كثير» (٧)، فيبقى فيما عداه على قضية الأصل. (٨).

стр. 143

المطلب العاشر: دية الشعور الأربعة (١). اختلف فقهاء الحنابلة في ذلك على روايتين: الرواية الأولى: وجوب الدية كاملة. * قال ابن قدامة ﵀: (قال وتجب في أهداب العينين بمفردها الدية، وهو الشعر الذي على الأجفان، وفي كل واحد منها ربعها) (٢) وقال في موضع اخر (وفي قرع الرأس إذا لم ينبت الشعر الدية. وفي شعر اللحية الدية، إذا لم ينبت. وفي الحاجبين الدية إذا لم تنبت هذه الشعور الثلاثة في كل واحد منها دية وذكر أصحابنا معها شعرا رابعا، وهو أهداب العينين، وقد ذكرناه قبل هذا. ففي كل واحد منهما دية. وروي عن علي وزيد بن ثابت) (٣) * وقال المرداوي ﵀: (قوله وفي كل واحد من الشعور الأربعة: الدية. وهو شعر الرأس واللحية والحاجبين، وأهداب العينين. هذا المذهب، نص عليه. وعليه الأصحاب) (٤) * وقال البهوتي ﵀: (وفي كل واحد من الشعور الثلاثة الأخرى الدية وهي شعر الرأس وشعر اللحية وشعر الحاجبين كثيفة كانت تلك الشعور أو خفيفة جميلة أو قبيحة من صغير أو كبير أذهبها بحيث لا تعود روي عن علي وزيد بن ثابت في الشعر الدية ولأنه أذهب الجمال على الكمال كما تقدم.) (٥) استدلوا على هذه الرواية بقول الصحابي والمعقول: أولًا: قول الصحابي: ١ - عن سلمة بن تمام الشقري (٦) قال: ((مر رجل بِقِدِر، فوقعت على رأس رجل فأحرقت شعره،

стр. 144

فرفع إلى علي فأجله سنة، فلم ينبت، فقضى فيه علي بالدية.)) (١) وجه الدلالة: قضاء علي ﵁ بالدية كاملة لشعر الرأس حينما لم ينبت للمجني عليه وذلك بعد تأجيله سنه. ٢ - عن مكحول (٢)، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: ((في الشعر إذا لم ينبت الدية.)) (٣) وجه الدلالة: قول زيد نصٌّ في أن الشعر إذا لم ينبت تكون فيه الدية كاملة. ثانيًا: المعقول وذلك من وجهين: الأول: وذلك أنه أذهب الجمال على الكمال، فوجب فيه دية كاملة كأذن الأصم، وأنف الأخشم. (٤)

стр. 145

الثاني: أن فيها أي أهداب العينين جمالًا ونفعًا، فإنها تقي العينين، وترد عنهما، وتحسن العين وتجملها، فوجبت فيها الدية كالأجفان، فإن قطع الأجفان بأهدابها، لم يجب أكثر من دية؛ لأن الشعر يزول تبعًا لزوال الأجفان، فلم تفرد بضمان، كالأصابع إذا قطع اليد وهي عليها. (١) الرواية الثانية أن في كل شعر من ذلك فيه حكومة (٢). * قال المرداوي ﵀: (وعنه في كل شعر من ذلك حكومة. كالشارب، نص عليه) (٣) * وقال ابن مفلح ﵀: (وعنه: فيه حكومة كالشارب) (٤) واستدلوا بالمعقول: وذلك أنه إتلاف جمال من غير منفعة كاليد الشلاء والعين القائمة. ونوقش: أنه أذهب الجمال على الكمال فوجب فيه دية كأذن الأصم وأنف الأخشم، والحاجب يرد العرق عن العين ويفرقه، وهدب العين يرد عنها ويصونها فجرى مجرى أجفانها، واليد الشلاء ليس جمالها كاملا، وظاهره لا فرق فيها بين كونها كثيفة أو خفيفة، جميلة أو قبيحة، من صغير أو كبير; لأن سائر ما فيه الدية من الأعضاء لا يفرق الحال فيه بذلك. (٥) الراجح: الراجح والله أعلم الرواية الأولى وأن الشعور الأربعة يجب فيها الدية كاملة ورجحه ابن قدامة (٦) والبهوتي (٧) وغيرهم (٨).
следующие страницы →