← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9329

تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي

الجلال السيوطي

Полный текст (925 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَمُرْسَلَاتُ ابْنِ عُيَيْنَةَ شِبْهُ الرِّيحِ، وَسُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ، وَمُرْسَلَاتُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَحَبُّ إِلَيَّ، (ق ٧٠ \ أ) ، وَلَيْسَ فِي الْقَوْمِ أَصَحُّ حَدِيثًا مِنْهُ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: وَقَعَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ، فَانْتُقِدَتْ عَلَيْهِ، وَفِيهَا مَا وَقَعَ الْإِرْسَالُ فِي بَعْضِهِ، فَأَمَّا هَذَا النَّوْعُ فَعُذْرُهُ فِيهِ أَنَّهُ يُورِدُهُ مُحْتَجًّا بِالْمُسْنَدِ مِنْهُ لَا بِالْمُرْسَلِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ لِلْخِلَافِ فِي تَقْطِيعِ الْحَدِيثِ، عَلَى أَنَّ الْمُرْسَلَ مِنْهُ قَدْ تَبَيَّنَ اتِّصَالُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، ثَنَا حُجَيْنٌ ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى، عَنِ الْمُزَابَنَةِ. الْحَدِيثَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبْتَاعُوا التَّمْرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ» ، وَقَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ. الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ سَعِيدٍ وَصَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ مِينَا، وَأَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ. وَحَدِيثُ سَالِمٍ وَصَلَهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَأَخْرَجَ فِي الْأَضَاحِي حَدِيثَ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي وَاقِدٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ» .

стр. 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمْرَةَ فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ الْحَدِيثَ. فَالْأَوَّلُ مُرْسَلٌ وَالْآخَرُ مُسْنَدٌ، وَبِهِ احْتُجَّ. وَقَدْ وَصَلَ الْأَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَفِيهِ مِنْ هَذَا النَّمَطِ نَحْوُ عَشَرَةِ أَحَادِيثَ، وَالْحِكْمَةُ فِي إِيرَادِ مَا أَوْرَدَهُ مُرْسَلًا بَعْدَ إِيرَادِهِ مُتَّصِلًا إِفَادَةُ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ فِيهِ. وَمِمَّا أَوْرَدَهُ مُرْسَلًا، وَلَمْ يَصِلْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَدِيثُ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ: كَانَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا، الْحَدِيثُ لَمْ يُرْوَ مَوْصُولًا (ق ٧٠ \ ب) عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: صَنَّفَ فِي الْمَرَاسِيلِ أَبُو دَاوُدَ، ثُمَّ أَبُو حَاتِمٍ، ثُمَّ الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدٍ الْعَلَائِيُّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. (هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ، أَمَّا مُرْسَلُهُ) ، كَإِخْبَارِهِ، عَنْ شَيْءٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ لِصِغَرِ سِنِّهِ أَوْ تَأَخُّرِ إِسْلَامِهِ، (فَمَحْكُومٌ بِصِحَّتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ الْمُشْتَرِطُونَ لِلصَّحِيحِ الْقَائِلُونَ بِضَعْفِ الْمُرْسَلِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى ; لِأَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَاتِهِمْ، عَنِ الصَّحَابَةِ، وَكُلُّهُمْ عُدُولٌ، وَرِوَايَاتُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ نَادِرَةٌ، وَإِذَا رَوَوْهَا بَيَّنُوهَا، بَلْ أَكْثَرُ مَا رَوَاهُ الصَّحَابَةُ، عَنِ التَّابِعِينَ

стр. 213

النَّوْعُ الْعَاشِرُ: الْمُنْقَطِعُ: الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، وَالْخَطِيبُ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ الْمُنْقَطِعَ مَا لَمْ يَتَّصِلْ إِسْنَادُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ انْقِطَاعُهُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي رِوَايَةِ مَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ، عَنِ الصَّحَابِيِّ كَمَالِكٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَقِيلَ: هُوَ مَا اخْتَلَّ مِنْهُ رَجُلٌ قَبْلَ التَّابِعِيِّ مَحْذُوفًا كَانَ أَوْ مُبْهَمًا، كَرَجُلٍ. وَقِيلَ: هُوَ مَا رُوِيَ عَنْ تَابِعِيٍّ أَوْ مَنْ دُونَهُ قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا، وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ. ــ [تدريب الراوي] لَيْسَ أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةً، بَلْ إِسْرَائِيلِيَّاتٌ، أَوْ حِكَايَاتٌ، أَوْ مَوْقُوفَاتٌ. (وَقِيلَ: إِنَّهُ كَمُرْسَلِ غَيْرِهِ) لَا يُحْتَجُّ بِهِ، (إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ الرِّوَايَةَ، عَنْ صَحَابِيٍّ) ، زَادَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ، وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَقَالَ: الصَّوَابُ الْأَوَّلُ. [النَّوْعُ العاشر المنقطع] (النَّوْعُ الْعَاشِرُ: الْمُنْقَطِعُ، الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، وَالْخَطِيبُ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ الْمُنْقَطِعَ: مَا لَمْ يَتَّصِلْ إِسْنَادُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ انْقِطَاعُهُ) ، سَوَاءٌ كَانَ السَّاقِطُ مِنْهُ الصَّحَابِيَّ أَوْ غَيْرَهُ، فَهُوَ وَالْمُرْسَلُ وَاحِدٌ. (وَ) لَكِنْ (أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي رِوَايَةِ مَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ، عَنِ الصَّحَابِيِّ، كَمَالِكٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقِيلَ: هُوَ مَا اخْتَلَّ) ، أَيْ سَقَطَ (مِنْهُ رَجُلٌ قَبْلَ التَّابِعِيِّ) ، هَكَذَا عَبَّرَ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِلْحَاكِمِ، وَالصَّوَابُ قَبْلَ الصَّحَابِيِّ (مَحْذُوفًا كَانَ) الرَّجُلُ، (أَوْ مُبْهَمًا كَرَجُلٍ) هَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ فُلَانًا، عَنْ رَجُلٍ يُسَمَّى مُنْقَطِعًا،

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى خِلَافِهِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْمَشْهُورُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ السَّاقِطُ وَاحِدًا فَقَطْ، أَوِ اثْنَيْنِ، لَا عَلَى التَّوَالِي كَمَا جَزَمَ بِهِ الْعِرَاقِيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ. (وَقِيلَ: هُوَ مَا رُوِيَ، عَنْ تَابِعِيٍّ، أَوْ مَنْ دُونَهُ قَوْلًا لَهُ، أَوْ فِعْلًا، (ق ٧١ \ أ) ، وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ) ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ، لَا مُنْقَطِعٌ كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ إِنَّ الِانْقِطَاعَ قَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا وَقَدْ يَخْفَى فَلَا يُدْرِكُهُ إِلَّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ، وَقَدْ يُعْرَفُ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِزِيَادَةِ رَجُلٍ، أَوْ أَكْثَرَ. ١ - فَائِدَةٌ ذَكَرَ الرَّشِيدُ الْعَطَّارُ أَنَّ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا فِي إِسْنَادِهَا انْقِطَاعٌ. وَأُجِيبَ عَنْهَا بِتَبْيِينِ اتِّصَالِهَا إِمَّا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَهُ، أَوْ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ عِنْدَ غَيْرِهِ. وَهِيَ حَدِيثُ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ» ، الْحَدِيثَ. صَوَابُهُ حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدَيْهِمَا.

стр. 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَحَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ، عَنْ عُمَرَ فِي الْعَطَاءِ، صَوَابُهُ: السَّائِبُ، عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، كَذَا ذَكَرَهُ الْحُفَّاظُ. قَالَ النَّسَائِيُّ: لَمْ يَسْمَعْهُ السَّائِبُ مِنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ، إِنَّمَا رَوَاهُ، عَنْ حُوَيْطِبٍ عَنْهُ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. وَحَدِيثُ يَعْلَى بْنِ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ غَيْلَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ، صَوَابُهُ: يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ غَيْلَانَ، كَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَحَدِيثُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ مَرْفُوعًا: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ» . قَالَ الرَّشِيدُ: عَبْدُ الْكَرِيمِ لَمْ يُدْرِكِ الْمُسْتَوْرِدَ، وَلَا أَبُوهُ الْحَارِثُ لَمْ يُدْرِكْهُ، كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ: وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ هَكَذَا فِي الشَّوَاهِدِ، وَإِلَّا فَقَدَ وَصَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ.

стр. 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَحَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ فِي الطَّلَاقِ، قَالَ: فِي سَمَاعِ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنْ أَبِي عَمْرٍو نَظَرٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ. وَحَدِيثُ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (ق ٧١ \ ب) فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِنَّمَا سَمِعَهُ مَنْصُورٌ مِنَ الْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَوَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدٍ. وَحَدِيثُ مَكْحُولٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، عَنْ سَلْمَانَ: " رِبَاطُ يَوْمٍ "، فِي سَمَاعِ مَكْحُولٍ مِنْهُ نَطَرٌ، فَإِنَّهُ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْوَفَاةَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ مَكْحُولًا إِنَّمَا سَمِعَ أَنَسًا وَأَبَا مُرَّةَ وَوَاثِلَةَ، وَأُمَّ الدَّرْدَاءِ. وَحَدِيثُ أَيُّوبَ، عَنْ عَائِشَةَ: «إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّتًا» ; قَالَ: فَإِنَّ أَيُّوبَ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ، إِلَّا أَنَّهُ أَوْرَدَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي آخِرِ حَدِيثٍ مُسْنَدٍ، وَلَمْ يَرَ اخْتِصَارَهُمَا وَلَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ فِي حَدِيثِ التَّخْيِيرِ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ.

стр. 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَحَدِيثُ أَبِي سَلَّامٍ الْحَبَشِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ: «إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ» . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَبُو سَلَّامٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ حُذَيْفَةَ، وَلَا نُظَرَائِهِ الَّذِينَ نَزَلُوا الْعِرَاقَ. وَهُوَ مُتَّصِلٌ فِي كِتَابِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ. وَحَدِيثُ مَطَرٍ، عَنْ زَهْدَمٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى فِي الدَّجَاجِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يَسْمَعْ مَطَرٌ مِنْ زَهْدَمٍ، إِنَّمَا رَوَاهُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْهُ. وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، عَنْ زَهْدَمٍ. وَحَدِيثُ قَتَادَةَ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْبُدْنِ. قَالَ ابْنُ مَعِينٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَتَادَةُ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا مِنْ سِنَانٍ، إِلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي الشَّوَاهِدِ، وَقَدْ وَصَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، عَنْ طَرِيقِ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 218

النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ: الْمُعْضَلُ: هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ. يَقُولُونَ: أَعْضَلَهُ فَهُوَ مُعْضَلٌ وَهُوَ مَا سَقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ، وَيُسَمَّى مُنْقَطِعًا، وَيُسَمَّى مُرْسَلًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَ الرَّاوِي: بَلَغَنِي، كَقَوْلِ مَالِكٍ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ» . يُسَمَّى مُعْضَلًا عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَإِذَا رَوَى تَابِعُ التَّابِعِيِّ، عَنْ تَابِعِيٍّ حَدِيثًا وَقَفَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ ذَلِكَ التَّابِعِيِّ مَرْفُوعٌ مُتَّصِلٌ فَهُوَ مُعْضَلٌ. ــ [تدريب الراوي] وَحَدِيثُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَائِشَةَ " جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ " الْحَدِيثَ. قَالَ أَحْمَدُ: عِرَاكٌ، عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلٌ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ: لَا نَعْلَمُ لَهُ سَمَاعًا مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَرْوِي عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَقَالَ الرَّشِيدُ: لَا يَبْعُدُ سَمَاعُهُ مِنْهَا، وَهُمَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ (ق ٧٢ \ أ) ، وَبَلَدٍ وَاحِدٍ، وَمَذْهَبُ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى السَّمَاعِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ. وَحَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: " سَمِعْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ " الْحَدِيثَ. سَقَطَ بَيْنَ يَزِيدَ وَمُحَمَّدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. كَذَا رَوَاهُ الْمِصْرِيُّونَ، عَنِ اللَّيْثِ، وَأَخْرَجَهُ هَكَذَا أَبُو دَاوُدَ إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا وَصَلَهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ. [النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ الْمُعْضَلُ] [تعريف الْمُعْضَلُ] (النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ: الْمُعْضَلُ هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ) ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ (يَقُولُونَ: أَعْضَلَهُ، فَهُوَ مُعْضَلٌ) . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهُوَ اصْطِلَاحٌ مُشْكِلُ الْمَأْخَذِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، أَيْ لِأَنَّ مُفْعَلًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ثُلَاثِيٍّ لَازِمٍ، عُدِّيَ بِالْهَمْزَةِ، وَهَذَا لَازِمٌ مَعَهَا، قَالَ: وَبَحَثْتُ فَوَجَدْتُ لَهُ قَوْلَهُمْ: أَمْرٌ عَضِيلٌ أَيْ مُسْتَغِلَقٌ شَدِيدٌ، وَفَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يَدُلُّ عَلَى الثُّلَاثِيِّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَنَا: عَضُلَ قَاصِرًا، وَأَعْضَلَ مُتَعَدِّيًا، كَمَا قَالُوا: ظَلُمَ اللَّيْلُ وَأَظْلَمَ.

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَهُوَ مَا سَقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ اثْنَانِ، فَأَكْثَرُ) بِشَرْطِ التَّوَالِي، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَوَالَ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَلَمْ أَجِدْ فِي كَلَامِهِمْ إِطْلَاقَ الْمُعْضَلِ عَلَيْهِ. (وَيُسَمَّى) الْمُعْضَلُ (مُنْقَطِعًا) أَيْضًا، (وَيُسَمَّى مُرْسَلًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَغَيْرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ) فِي نَوْعِ الْمُرْسَلِ. (وَقِيلَ إِنَّ قَوْلَ الرَّاوِي: بَلَغَنِي، كَقَوْلِ مَالِكٍ) فِي الْمُوَطَّأِ: (بَلَغَنِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ» ) بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ. (يُسَمَّى مُعْضَلًا عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ) ، نَقَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، عَنِ الْحَافِظِ أَبِي نَصْرٍ السِّجْزِيِّ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ السَّاقِطُ وَاحِدًا، فَقَدْ سَمِعَ مَالِكٌ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَنُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَالِكًا وَصَلَهُ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ،

стр. 220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَعَرَفْنَا بِذَلِكَ (ق ٧٢ \ ب) سُقُوطَ اثْنَيْنِ مِنْهُ. قُلْتُ: بَلْ ذَكَرَ النَّسَائِيُّ فِي التَّمْيِيزِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلَانَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِيهِ، بَلْ رَوَاهُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ عَجْلَانَ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِينَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا، مِنْ قَبِيلِ الْمُعْضَلِ. فَائِدَةٌ صَنَّفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كِتَابًا فِي وَصْلِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنَ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ، وَالْمُعْضَلِ. قَالَ: وَجَمِيعُ مَا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ بَلَغَنِي، وَمِنْ قَوْلِهِ، عَنِ الثِّقَةِ عِنْدَهُ مِمَّا لَمْ يُسْنِدْهُ أَحَدٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا، كُلُّهَا مُسْنَدَةٌ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ، إِلَّا أَرْبَعَةً لَا تُعْرَفُ، أَحَدُهَا: «إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى لَأَسِنَّ» ، وَالثَّانِي: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ» ، وَالثَّالِثُ: قَوْلُ مُعَاذٍ: «آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِي

стр. 221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ: أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ» ، وَالرَّابِعُ: «إِذَا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غَدِيقَةٌ» . (وَإِذَا رَوَى تَابِعُ التَّابِعِيِّ، عَنْ تَابِعِيٍّ حَدِيثًا، وَقَفَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عِنْدَ ذَلِكَ التَّابِعِيِّ مَرْفُوعٌ مُتَّصِلٌ فَهُوَ مُعْضَلٌ) ، نَقَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، عَنِ الْحَاكِمِ. وَمَثَّلَهُ بِمَا رُوِيَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ: مَا عَمِلْتُهُ، فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ» ، الْحَدِيثَ. أَعْضَلَهُ الْأَعْمَشُ وَوَصَلَهُ فُضَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا جَيِّدٌ حَسَنٌ ; لِأَنَّ هَذَا الِانْقِطَاعَ بِوَاحِدٍ مَضْمُومًا إِلَى الْوَقْفِ، يَشْتَمِلُ عَلَى الِانْقِطَاعِ بِاثْنَيْنِ، الصَّحَابِيِّ، وَرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَلِكَ بِاسْتِحْقَاقِ اسْمِ الْإِعْضَالِ أَوْلَى. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، أَيْ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْسَلِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ.

стр. 222

فُرُوعٌ: أَحَدُهَا: الْإِسْنَادُ الْمُعَنْعَنُ، وَهُوَ فُلَانٌ، عَنْ فُلَانٍ، قِيلَ: إِنَّهُ مُرْسَلٌ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَقَالَهُ الْجَمَاهِيرُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ، أَنَّهُ مُتَّصِلٌ. بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُعَنْعِنُ مُدَلِّسًا، وَبِشَرْطِ إِمْكَانِ لِقَاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَفِي اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ اللِّقَاءِ وَطُولِ الصُّحْبَةِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ خِلَافٌ، مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ اللِّقَاءَ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ طُولَ الصُّحْبَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ مَعْرِفَتَهُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ. وَكَثُرَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ اسْتِعْمَالُ عَنْ فِي الْإِجَازَةِ، فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ: قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ، فَمُرَادُهُ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ. ــ [تدريب الراوي] ثُمَّ رَأَيْتُ، عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ شَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا (ق ٧٣ \ أ) أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَمُرْسَلٌ، الثَّانِي أَنْ يُرْوَى مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقِ ذَلِكَ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَمَوْقُوفٌ لَا مُعْضَلٌ ; لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَالَهُ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ التَّسْمِيَةِ مِنْ سُقُوطِ اثْنَيْنِ. فَائِدَتَانِ الْأُولَى: قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الشُّمُنِّيُّ: خَصَّ التِّبْرِيزِيُّ الْمُنْقَطِعَ، وَالْمُعْضَلَ بِمَا لَيْسَ فِي أَوَّلِ الْإِسْنَادِ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي أَوَّلِهِ فَمُعَلَّقٌ، وَكَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ أَعَمُّ. الثَّانِيَةُ: مِنْ مَظَانِّ الْمُعْضَلِ، وَالْمُنْقَطِعِ، وَالْمُرْسَلِ، كِتَابُ " السُّنَنِ " لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَمُؤَلَّفَاتُ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا. [فروع الأول الْإِسْنَادُ الْمُعَنْعَنُ] (فُرُوعٌ: أَحَدُهَا الْإِسْنَادُ الْمُعَنْعَنُ، وَهُوَ) قَوْلُ الرَّاوِي: (فُلَانٌ، عَنْ فُلَانٍ) بِلَفْظِ:، عَنْ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِلْحَدِيثِ، وَالْإِخْبَارِ، وَالسَّمَاعِ. (قِيلَ: إِنَّهُ مُرْسَلٌ) حَتَّى يَتَبَيَّنَ اتِّصَالُهُ. (وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَقَالَهُ الْجَمَاهِيرُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ) . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلِذَلِكَ أَوْدَعَهُ الْمُشْتَرِطُونَ لِلصَّحِيحِ فِي تَصَانِيفِهِمْ، وَادَّعَى

стр. 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] أَبُو عَمْرٍو الدَّانِي إِجْمَاعَ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَيْهِ، وَكَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَدَّعِي إِجْمَاعَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: بَلْ صَرَّحَ بِادِّعَائِهِ فِي مُقَدِّمَةِ " التَّمْهِيدِ " (بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُعَنْعِنُ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ (مُدَلِّسًا، وَبِشَرْطِ إِمْكَانِ لِقَاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا) ، أَيْ لِقَاءِ الْمُعَنْعِنِ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِلَفْظِ عَنْ، فَحِينَئِذٍ يُحْكَمُ بِالِاتِّصَالِ إِلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ. (وَفِي اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ اللِّقَاءِ) ، وَعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِإِمْكَانِهِ، (وَطُولِ الصُّحْبَةِ) ، وَعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِثُبُوتِ اللِّقَاءِ، (وَمَعْرِفَتِهِ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ) ، وَعَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالصُّحْبَةِ خِلَافٌ: مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) ، وَاكْتَفَى بِإِمْكَانِ اللِّقَاءِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُعَاصَرَةِ، (وَهُوَ مَذْهَبُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِيهِ) فِي خُطْبَةِ صَحِيحِهِ، وَقَالَ إِنَّ اشْتِرَاطَ ثُبُوتِ اللِّقَاءِ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ لَمْ يُسْبَقْ (ق ٧٣ \ ب) قَائِلُهُ إِلَيْهِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَثْبُتَ كَوْنُهُمَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا أَوْ تَشَافَهَا. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَفِيمَا قَالَهُ مُسْلِمٌ نَظَرٌ، قَالَ: وَلَا أَرَى هَذَا الْحُكْمَ يَسْتَمِرُّ

стр. 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] بَعْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيمَا وُجِدَ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي تَصَانِيفِهِمْ، مِمَّا ذَكَرُوهُ عَنْ مَشَايِخِهِمْ قَائِلِينَ فِيهِ: ذَكَرَ فُلَانٌ أَوْ قَالَ فُلَانٌ، أَيْ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الِاتِّصَالِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ شَيْخِهِ إِجَازَةٌ. (وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ اللِّقَاءَ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ) مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الْعِلْمِ. قِيلَ: إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الصِّحَّةِ، بَلِ الْتَزَمَهُ فِي جَامِعِهِ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ يَشْتَرِطُهُ فِيهَا. وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ. (وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ طُولَ الصُّحْبَةِ) بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَكْتَفِ بِثُبُوتِ اللِّقَاءِ، وَهُوَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ. (وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ مَعْرِفَتَهُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ) ، وَهُوَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ. وَاشْتَرَطَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ أَنْ يُدْرِكَهُ إِدْرَاكًا بَيِّنًا، حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَهَذَا دَاخِلٌ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الشُّرُوطِ. فَلِذَلِكَ أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ.

стр. 225

الثَّانِي: إِذَا قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ حَدَّثَهُ بِكَذَا أَوْ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ كَذَا، أَوْ فَعَلَ كَذَا، أَوْ كَانَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ يَفْعَلُ، وَشِبْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَجَمَاعَةٌ: لَا تَلْتَحِقُ أَنَّ وَشِبْهُهَا بِعَنْ بَلْ يَكُونُ مُنْقَطِعًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ السَّمَاعُ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: (أَنَّ) كَـ (عَنْ) ، وَمُطْلَقُهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّمَاعِ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ. ــ [تدريب الراوي] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: مَنْ حَكَمَ بِالِانْقِطَاعِ مُطْلَقًا شَدَّدَ، وَيَلِيهِ مَنْ شَرَطَ طُولَ الصُّحْبَةِ، وَمَنِ اكْتَفَى بِالْمُعَاصَرَةِ سَهَّلَ، وَالْوَسَطُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ إِلَّا التَّعَنُّتُ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ، وَمَا أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ عَلَيْهِمْ، مِنْ لُزُومِ رَدِّ الْمُعَنْعَنِ دَائِمًا، لِاحْتِمَالِ عَدَمِ السَّمَاعِ لَيْسَ بِوَارِدٍ ; لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِي غَيْرِ الْمُدَلِّسِ، وَمَنْ عَنْعَنَ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ فَهُوَ مُدَلِّسٌ. قَالَ وَقَدْ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ وُرُودَ عَنْ فِيمَا لَمْ يُمْكِنْ سَمَاعُهُ مِنَ الشَّيْخِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاوِي سَمِعَ مِنْهُ الْكَثِيرَ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِ الْحَرُورِيَّةُ، فَقَتَلُوهُ حَتَّى جَرَى (ق ٧٤ \ أ) دَمُهُ فِي النَّهْرِ، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَبُو إِسْحَاقَ سَمِعَهُ مِنَ ابْنِ خَبَّابٍ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْتُولُ. قُلْتُ: السَّمَاعُ إِنَّمَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي الْقَوْلِ، وَأَمَّا الْفِعْلُ، فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُشَاهَدَةُ، وَهَذَا وَاضِحٌ. (وَكَثُرَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ اسْتِعْمَالُ عَنْ فِي الْإِجَازَةِ، فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ) مَثَلًا (قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ، عَنْ فُلَانٍ، فَمُرَادُهُ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ) ، وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ، عَنِ الِاتِّصَالِ. [الثاني استعمال أن وعن في الإجازة] (الثَّانِي: إِذَا قَالَ) الرَّاوِي، كَمَالِكٍ مَثَلًا: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ حَدَّثَ

стр. 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] بِكَذَا أَوْ قَالَ) الزُّهْرِيُّ: (قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ كَذَا، أَوْ فَعَلَ كَذَا، أَوْ) قَالَ (كَانَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ يَفْعَلُ، وَشِبْهَ ذَلِكَ. فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَجَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنِ الْبَرْدِيجِيِّ (لَا تَلْتَحِقُ أَنَّ وَشِبْهُهَا بِعَنْ) فِي الِاتِّصَالِ، (بَلْ يَكُونُ مُنْقَطِعًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ السَّمَاعُ) فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ بِعَيْنِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. (وَقَالَ الْجُمْهُورُ) فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُمُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْهُمْ: مَالِكٌ (أَنَّ كَعَنْ) فِي الِاتِّصَالِ، (وَمُطْلَقُهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّمَاعِ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ) مِنَ اللِّقَاءِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ التَّدْلِيسِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا اعْتِبَارَ بِالْحُرُوفِ، وَالْأَلْفَاظِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِاللِّقَاءِ، وَالْمُجَالَسَةِ، وَالسَّمَاعِ، وَالْمُشَاهَدَةِ. قَالَ: وَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ تَبَيُّنِ السَّمَاعِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْإِسْنَادَ الْمُتَّصِلَ بِالصَّحَابِيِّ سَوَاءٌ أَتَى فِيهِ بِعَنْ، أَوْ بِأَنَّ، أَوْ بَقَالَ أَوْ بِسَمِعْتُ فَكُلُّهُ مُتَّصِلٌ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ لِلصَّحَابِيِّ مَزِيَّةً حَيْثُ يُعْمَلُ بِإِرْسَالِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَوَجَدْتُ مِثْلَ مَا حُكِيَ عَنِ الْبَرْدِيجِيِّ لِلْحَافِظِ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَا رَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، «عَنْ عَمَّارٍ قَالَ:

стр. 227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ» ، وَجَعَلَهُ مُسْنَدًا مَوْصُولًا. وَذَكَرَ رِوَايَةَ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ لِذَلِكَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ «أَنَّ عَمَّارًا مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ (ق ٧٤ \ ب) وَهُوَ يُصَلِّي» ، فَجَعَلَهُ مُرْسَلًا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ، قَالَ: إِنَّ عَمَّارًا فَعَلَ، وَلَمْ يَقُلْ، عَنْ عَمَّارٍ انْتَهَى. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَلَمْ يَقَعْ عَلَى مَقْصُودِ يَعْقُوبَ، وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ مَا فَعَلَهُ يَعْقُوبُ هُوَ صَوَابٌ مِنَ الْعَمَلِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَهُوَ لَمْ يَجْعَلْهُ مُرْسَلًا مِنْ حَيْثُ لَفْظُ أَنَّ بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَسْنِدْ حِكَايَةَ الْقِصَّةِ إِلَى عَمَّارٍ، وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ: إِنَّ عَمَّارًا، قَالَ: مَرَرْتُ لَمَا جَعَلَهُ مُرْسَلًا، فَلَمَّا أَتَى بِلَفْظِ إِنَّ عَمَّارًا مَرَّ، كَانَ مُحَمَّدٌ هُوَ الْحَاكِيَ لِقِصَّةٍ لَمْ يُدْرِكْهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مُرُورَ عَمَّارٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ نَقْلُهُ لِذَلِكَ مُرْسَلًا. قَالَ: وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الرَّاوِيَ إِذَا رَوَى حَدِيثًا فِي قِصَّةٍ أَوْ وَاقِعَةٍ، فَإِنْ كَانَ أَدْرَكَ مَا رَوَاهُ بِأَنْ حَكَى قِصَّةً وَقَعَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَالرَّاوِي لِذَلِكَ صَحَابِيٌّ أَدْرَكَ تِلْكَ الْوَاقِعَةَ، فَهِيَ مَحْكُومٌ لَهَا بِالِاتِّصَالِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ شَاهَدَهَا، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ تِلْكَ الْوَاقِعَةَ، فَهُوَ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ، وَإِنْ كَانَ الرَّاوِي تَابِعِيًّا فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَإِنْ رَوَى التَّابِعِيُّ، عَنِ الصَّحَابِيِّ قِصَّةً أَدْرَكَ وُقُوعَهَا، فَمُتَّصِلٌ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُدْرِكْ وُقُوعَهَا، وَلَكِنْ أَسْنَدَهَا لَهُ وَإِلَّا فَمُنْقَطِعَةٌ. قَالَ: وَقَدْ حَكَى اتِّفَاقَ أَهْلِ التَّمْيِيزِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ، ابْنُ الْمَوَّاقِ. قَالَ: وَمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ: قِيلَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مِنْ أَنَّ عَنْ وَأَنَّ لَيْسَا سَوَاءً مُنَزَّلٌ أَيْضًا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، فَإِنَّ الْخَطِيبَ رَوَاهُ فِي " الْكِفَايَةِ " بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي دَاوُدَ

стр. 228

الثَّالِثُ: التَّعْلِيقُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي أَحَادِيثَ مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، وَسَبَقَهُمْ بِاسْتِعْمَالِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ، صُورَتُهُ أَنْ يُحْذَفَ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْنَادِ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْجِدَارِ أَوِ الطَّلَاقِ لِقَطْعِ الِاتِّصَالِ، وَاسْتَعْمَلَهُ بَعْضُهُمْ فِي حَذْفِ كُلِّ الْإِسْنَادِ كَقَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْ عَطَاءٌ أَوْ غَيْرُهُ كَذَا، وَهَذَا التَّعْلِيقُ لَهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَوْعِ الصَّحِيحِ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوا التَّعْلِيقَ فِي غَيْرِ صِيغَةِ الْجَزْمِ كَيُرْوَى عَنْ فُلَانٍ كَذَا، أَوْ يُقَالُ عَنْهُ، وَيُذْكَرُ، وَيُحْكَى، وَشِبْهِهَا بَلْ خَصُّوا بِهِ صِيغَةَ الْجَزْمِ، كَقَالَ، وَفَعَلَ، وَأَمَرَ، وَنَهَى، وَذَكَرَ، وَحَكَى، وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِيمَا سَقَطَ وَسَطُ إِسْنَادِهِ. ــ [تدريب الراوي] ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ قِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ سَوَاءٌ قَالَ: كَيْفَ هَذَا سَوَاءٌ؟ لَيْسَ هَذَا بِسَوَاءٍ. فَإِنَّمَا فَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ ; لِأَنَّ عُرْوَةَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ لَمْ يُسْنِدْ ذَلِكَ إِلَى عَائِشَةَ، وَلَا أَدْرَكَ الْقِصَّةَ، فَكَانَتْ مُرْسَلَةً، وَأَمَّا اللَّفْظُ الثَّانِي فَأَسْنَدَ ذَلِكَ إِلَيْهَا بِالْعَنْعَنَةِ، فَكَانَتْ مُتَّصِلَةً انْتَهَى. تَنْبِيهٌ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ أَنَّ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ فِي الْإِجَازَةِ، وَهَذَا وَمَا تَقَدَّمَ فِي عَنْ فِي الْمَشَارِقَةِ، أَمَّا الْمَغَارِبَةُ فَيَسْتَعْمِلُونَهَا فِي السَّمَاعِ وَالْإِجَازَةِ مَعًا، وَهَذَانِ الْفَرْعَانِ (ق ٧٥ \ أ) حَقُّهُمَا أَنْ يُفْرَدَا بِنَوْعٍ يُسَمَّى الْمُعَنْعَنَ كَمَا صَنَعَ ابْنُ جَمَاعَةَ وَغَيْرُهُ. [الثالث حكم التعليق الذي يذكره البخاري والحميدي وصورته] (الثَّالِثُ: التَّعْلِيقُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَغَيْرُهُ) مِنَ الْمَغَارِبَةِ (فِي أَحَادِيثَ مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، وَسَبَقَهُمْ بِاسْتِعْمَالِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ، صُورَتُهُ أَنْ يُحْذَفَ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْنَادِ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ) عَلَى التَّوَالِي بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، وَيُعْزَى الْحَدِيثُ إِلَى مَنْ فَوْقِ الْمَحْذُوفِ مِنْ رُوَاتِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْضَلِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، فَيُجَامِعُهُ فِي حَذْفِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَيُفَارِقُهُ فِي حَذْفِ وَاحِدٍ، وَفِي اخْتِصَاصِهِ بِأَوَّلِ السَّنَدِ. (وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْجِدَارِ أَوِ الطَّلَاقِ لِقَطْعِ الِاتِّصَالِ) فِيهِمَا. (وَاسْتَعْمَلَهُ بَعْضُهُمْ فِي حَذْفِ كُلِّ الْإِسْنَادِ، كَقَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ

стр. 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ عَطَاءٌ، أَوْ غَيْرُهُ كَذَا) ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ لِأَنَّ مَوْضُوعَ كُتُبِهِمْ بَيَانُ مَا فِي الْأَسَانِيدِ مِنِ اخْتِلَافٍ أَوْ غَيْرِهِ. (وَهَذَا التَّعْلِيقُ لَهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ) إِذَا وَقَعَ فِي كِتَابٍ الْتُزِمَتْ صِحَّتُهُ، (كَمَا تَقَدَّمَ فِي) الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ (نَوْعِ الصَّحِيحِ. وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوا التَّعْلِيقَ فِي غَيْرِ صِيغَةِ الْجَزْمِ، كَيُرْوَى عَنْ فُلَانٍ كَذَا، أَوْ يُقَالُ عَنْهُ، وَيُذْكَرُ وَيُحْكَى وَشِبْهِهَا، بَلْ خَصُّوا بِهِ صِيغَةَ الْجَزْمِ، كَقَالَ وَفَعَلَ، وَأَمَرَ، وَنَهَى، وَذَكَرَ، وَحَكَى) ، كَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي غَيْرِ الْمَجْزُومِ بِهِ، مِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ حَيْثُ أَوْرَدَ فِي الْأَطْرَافِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ مُعَلِّمًا عَلَيْهِ عَلَامَةَ التَّعْلِيقِ. بَلِ الْمُصَنِّفُ نَفْسُهُ أَوْرَدَ فِي الرِّيَاضِ حَدِيثَ عَائِشَةَ: «أُمِرْنَا أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» ، وَقَالَ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا، فَقَالَ: وَذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ. (وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِيمَا سَقَطَ وَسَطُ إِسْنَادِهِ) ; لِأَنَّ لَهُ اسْمًا يَخُصُّهُ مِنَ الِانْقِطَاعِ،

стр. 230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَالْإِرْسَالِ، وَالْإِعْضَالِ. أَمَّا مَا عَزَاهُ الْبُخَارِيُّ لِبَعْضِ شُيُوخِهِ بِصِيغَةِ: قَالَ فُلَانٌ، وَزَادَ فُلَانٌ، وَنَحْوُ فُلَانٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ التَّعْلِيقِ، عَنْ شُيُوخِ شُيُوخِهِ وَمَنْ فَوْقَهُمْ (ق ٧٥ \ ب) ، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَنْعَنَةِ مِنَ الِاتِّصَالِ بِشَرْطِ اللِّقَاءِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ التَّدْلِيسِ، كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْمَغَارِبَةِ أَنَّهُ جَعَلَهُ قِسْمًا مِنَ التَّعْلِيقِ ثَانِيًا، وَأَضَافَ إِلَيْهِ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ لِي فُلَانٌ، وَزَادَنَا فُلَانٌ، فَوَسَمَ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَّعَلُّقِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ هَاهُنَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ خَالَفَ ذَلِكَ فِي نَوْعِ الصَّحِيحِ، فَجُعِلَ مِنْ أَمْثِلَةِ التَّعْلِيقِ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ: قَالَ عَفَّانُ كَذَا، وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ كَذَا، وَهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ ; وَالَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، كَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْمِزِّيِّ أَنَّ لِذَلِكَ حُكْمَ الْعَنْعَنَةِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ هُنَا: وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ حَمْدَانَ النَّيْسَابُورِيُّ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِالْبُخَارِيِّ: كُلُّ مَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ لِي فُلَانٌ، أَوْ قَالَ لَنَا، فَهُوَ عَرْضٌ وَمُنَاوَلَةٌ.

стр. 231

الرَّابِعُ: إِذَا رَوَى بَعْضُ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ الْحَدِيثَ مُرْسَلًا، وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا، أَوْ بَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا، وَبَعْضُهُمْ مَرْفُوعًا، أَوْ وَصَلَهُ هُوَ أَوْ رَفَعَهُ فِي وَقْتٍ أَوْ أَرْسَلَهُ وَوَقَفَهُ فِي وَقْتٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ وَصَلَهُ أَوْ رَفَعَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَالِفُ لَهُ مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْحُكْمُ لِمَنْ أَرْسَلَهُ، أَوْ وَقَفَهُ، قَالَ الْخَطِيبُ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمُ الْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ وَبَعْضِهِمْ لِلْأَحْفَظِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرْسَلَهُ أَوْ وَقَفَهُ الْأَحْفَظُ لَا يَقْدَحُ الْوَصْلُ وَالرَّفْعُ فِي عَدَالَةِ رَاوِيهِ، وَقِيلَ: يَقْدَحُ فِيهِ وَصْلُهُ مَا أَرْسَلَهُ الْحُفَّاظُ. ــ [تدريب الراوي] وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ مَا حَقَّقَهُ الْخَطِيبُ مِنْ أَنَّ قَالَ لَيْسَتْ كَعَنْ، فَإِنَّ الِاصْطِلَاحَ فِيهَا مُخْتَلِفٌ، فَبَعْضُهُمْ يَسْتَعْمِلُهَا فِي السَّمَاعِ دَائِمًا كَحَجَّاجِ بْنِ مُوسَى الْمِصِّيصِيِّ الْأَعْوَرِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْعَكْسِ لَا يَسْتَعْمِلُهَا إِلَّا فِيمَا لَمْ يَسْمَعْهُ دَائِمًا، وَبَعْضُهُمْ تَارَةً كَذَا، وَتَارَةً كَذَا كَالْبُخَارِيِّ، فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِحُكْمٍ مُطَّرِدٍ. وَمِثْلُ قَالَ " ذَكَرَ " اسْتَعْمَلَهَا أَبُو قُرَّةَ فِي سُنَنِهِ فِي السَّمَاعِ، لَمْ يَذْكُرْ سِوَاهَا فِيمَا سَمِعَهُ مِنْ شُيُوخِهِ فِي جَمِيعِ الْكِتَابِ. تَنْبِيهٌ فَرَّقَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالْمُصَنِّفُ أَحْكَامَ الْمُعَلَّقِ فَذَكَرَا بَعْضَهُ هُنَا، وَهُوَ حَقِيقَتُهُ، وَبَعْضُهُ فِي نَوْعِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ حُكْمُهُ، وَأَحْسَنُ مِنْ صَنِيعِهِمَا صَنِيعُ الْعِرَاقِيِّ حَيْثُ جَمَعَهُمَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فِي نَوْعِ الصَّحِيحِ، وَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ صَنِيعُ ابْنِ جَمَاعَةَ حَيْثُ أَفْرَدَهُ بِنَوْعٍ مُسْتَقِلٍّ هُنَا. [الرابع رواية بَعْضُ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ الْحَدِيثَ مُرْسَلًا وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا أَوْ بَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا وَبَعْضُهُمْ مَرْفُوعًا] (الرَّابِعُ إِذَا رَوَى بَعْضُ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ الْحَدِيثَ مُرْسَلًا، وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا، أَوْ بَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا، وَبَعْضُهُمْ مَرْفُوعًا، أَوْ وَصَلَهُ هُوَ أَوْ رَفَعَهُ فِي وَقْتٍ، أَوْ أَرْسَلَهُ

стр. 232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَوَقَفَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ. (فَالصَّحِيحُ) عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ (أَنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ وَصَلَهُ (ق ٧٦ \ أ) أَوْ رَفَعَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَالِفُ لَهُ مِثْلَهُ) فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، (أَوْ أَكْثَرَ) مِنْهُ (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيِ الرَّفْعَ وَالْوَصْلَ، (زِيَادَةُ ثِقَةٍ، وَهِيَ مَقْبُولَةٌ) عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَقَدْ سُئِلَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ حَدِيثِ «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ فَرَوَاهُ شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ عَنْهُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، وَرَوَاهُ إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ فِي آخَرِينَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ مُوسَى مُتَّصِلًا، فَحَكَمَ الْبُخَارِيُّ لِمَنْ وَصَلَهُ، وَقَالَ: الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، هَذَا مَعَ أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ، وَهُمَا جَبَلَانِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ. وَقِيلَ: لَمْ يَحْكُمِ الْبُخَارِيُّ بِذَلِكَ لِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ، بَلْ لِأَنَّ لِحُذَّاقِ الْمُحَدِّثِينَ نَظَرًا آخَرَ وَهُوَ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْقَرَائِنِ دُونَ الْحُكْمِ بِحُكْمٍ مُطَّرِدٍ، وَإِنَّمَا حَكَمَ الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِالْوَصْلِ ; لِأَنَّ الَّذِي وَصَلَهُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَبْعَةٌ: مِنْهُمْ إِسْرَائِيلُ حَفِيدُهُ، وَهُوَ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي حَدِيثِهِ، لِكَثْرَةِ مُمَارَسَتِهِ لَهُ، وَلِأَنَّ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ سَمِعَاهُ مِنْهُ فِي مَجْلِسِ

стр. 233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَاحِدٍ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: أَحَدَّثَكَ أَبُو بُرْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَرَجَعَا كَأَنَّهُمَا وَاحِدٌ، فَإِنَّ شُعْبَةَ إِنَّمَا رَوَاهُ بِالسَّمَاعِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ بِقِرَاءَةِ سُفْيَانَ، وَحَكَمَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِأَنَّ رِوَايَةَ الَّذِينَ وَصَلُوهُ أَصَحُّ. قَالَ: لِأَنَّ سَمَاعَهُمْ مِنْهُ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَشُعْبَةُ وَسُفْيَانُ سَمِعَاهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَأَيْضًا سُفْيَانُ لَمْ يَقُلْ لَهُ: وَلَمْ يُحَدِّثْكَ بِهِ أَبُو بُرْدَةَ إِلَّا مُرْسَلًا، وَكَانَ سُفْيَانُ قَالَ لَهُ: أَسَمِعْتَ الْحَدِيثَ مِنْهُ، فَقَصْدُهُ إِنَّمَا هُوَ السُّؤَالُ، عَنْ سَمَاعِهِ لَهُ لَا كَيْفِيَّةِ رِوَايَتِهِ لَهُ. (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحُكْمُ لِمَنْ أَرْسَلَهُ، أَوْ وَقَفَهُ، قَالَ الْخَطِيبُ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ. وَعَنْ بَعْضِهِمُ الْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ) . عَنْ (بَعْضِهِمْ) الْحُكْمُ (ق ٧٦ \ ب) (لِلْأَحْفَظِ، وَعَلَى هَذَا) الْقَوْلِ (لَوْ أَرْسَلَهُ، أَوْ وَقَفَهُ الْأَحْفَظُ لَا يَقْدَحُ الْوَصْلُ وَالرَّفْعُ فِي عَدَالَةِ رَاوِيهِ) ، وَمُسْنَدُهُ مِنَ الْحَدِيثِ غَيْرُ الَّذِي أَرْسَلَهُ، (وَقِيلَ يَقْدَحُ فِيهِ وَصْلُهُ مَا أَرْسَلَهُ) ، أَوْ رَفْعُهُ مَا وَقَفَهُ (الْحُفَّاظُ) .

стр. 234

النَّوْعُ الثَّانِيَ عَشَرَ: التَّدْلِيسُ وَهُوَ قِسْمَانِ، الْأَوَّلُ: تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ بِأَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ عَاصَرَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ مُوهِمًا سَمَاعَهُ، قَائِلًا: قَالَ فُلَانٌ، أَوْ عَنْ فُلَانٍ وَنَحْوَهُ، وَرُبَّمَا لَمْ يُسْقِطْ شَيْخَهُ وَأَسْقَطَ غَيْرَهُ ضَعِيفًا أَوْ صَغِيرًا تَحْسِينًا لِلْحَدِيثِ، الثَّانِي: تَدْلِيسُ الشُّيُوخِ بِأَنْ يُسَمِّيَ شَيْخَهُ أَوْ يُكَنِّيَهُ أَوْ يَنْسُبَهُ أَوْ يَصِفَهُ بِمَا لَا يُعْرَفُ. ــ [تدريب الراوي] وَصَحَّحَ الْأُصُولِيُّونَ فِي تَعَارُضِ ذَلِكَ مِنْ وَاحِدٍ فِي أَوْقَاتٍ أَنَّ الْحُكْمَ لَمَّا وَقَعَ مِنْهُ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ الْوَصْلُ أَوِ الرَّفْعُ أَكْثَرَ قُدِّمَ، أَوْ ضِدَّهُمَا فَكَذَلِكَ. قُلْتُ: بَقِيَ عَلَيْهِمْ مَا إِذَا اسْتَوَيَا، بِأَنْ وَقَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي وَقْتٍ فَقَطْ، أَوْ وَقْتَيْنِ فَقَطْ فَائِدَةٌ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَ مَا وَرَدَ مَرْفُوعًا مَرَّةً، وَمَوْقُوفًا عَلَى الصَّحَابِيِّ أُخْرَى ; لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ رَوَاهُ، وَأَفْتَى بِهِ. [النَّوْعُ الثَّانِيَ عَشَرَ التَّدْلِيسُ] [أقسام التَّدْلِيسُ] (النَّوْعُ الثَّانِيَ عَشَرَ: التَّدْلِيسُ، وَهُوَ قِسْمَانِ) بَلْ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ كَمَا سَيَأْتِي. (الْأَوَّلُ: تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ بِأَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ عَاصَرَهُ) ، زَادَ ابْنُ الصَّلَاحِ: أَوْ لَقِيَهُ (مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ) ، بَلْ سَمِعَهُ، عَنْ رَجُلٍ عَنْهُ (مُوهِمًا سَمَاعَهُ) حَيْثُ أَوْرَدَهُ بِلَفْظٍ يُوهِمُ الِاتِّصَالَ، وَلَا يَقْتَضِيهِ (قَائِلًا: قَالَ فُلَانٌ، أَوْ عَنْ فُلَانٍ، وَنَحْوَهُ) وَكَأَنَّ فُلَانًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاصَرَهُ فَلَيْسَ الرِّوَايَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ تَدْلِيسًا عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ قَوْمٌ إِنَّهُ تَدْلِيسٌ، فَحَدُّوهُ بِأَنْ يُحَدِّثَ الرَّجُلُ، عَنِ الرَّجُلِ بِمَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ بِلَفْظٍ لَا يَقْتَضِي تَصْرِيحًا بِالسَّمَاعِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى هَذَا فَمَا سَلِمَ أَحَدٌ مِنَ التَّدْلِيسِ، لَا مَالُكٌ، وَلَا غَيْرُهُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ: هُوَ أَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ. وَقَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِرْسَالِ أَنَّ الْإِرْسَالَ رِوَايَتُهُ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.

стр. 235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَيَّدَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِقِسْمِ اللِّقَاءِ، وَجَعَلَ قِسْمَ الْمُعَاصَرَةِ إِرْسَالًا خَفِيًّا، وَمِثْلُ قَالَ وَعَنْ وَأَنَّ مَا لَوْ أَسْقَطَ أَدَاةَ الرِّوَايَةِ، وَسَمَّى الشَّيْخَ فَقَطْ، فَيَقُولُ فُلَانٌ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ: الزُّهْرِيُّ، فَقِيلَ لَهُ: حَدَّثَكُمُ الزُّهْرِيُّ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: الزُّهْرِيُّ (ق ٧٧ \ أ) فَقِيلَ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: لَا، وَلَا مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، لَكِنْ سَمَّى شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا تَدْلِيسَ الْقَطْعِ. (وَرُبَّمَا لَمْ يُسْقِطْ شَيْخَهُ، وَأَسْقَطَ غَيْرَهُ) أَيْ شَيْخَ شَيْخِهِ، أَوْ أَعْلَى مِنْهُ ; لِكَوْنِهِ (ضَعِيفًا) ، وَشَيْخُهُ ثِقَةً، (أَوْ صَغِيرًا) ، وَأَتَى فِيهِ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ، عَنِ الثِّقَةِ الثَّانِي، (تَحْسِينًا لِلْحَدِيثِ) ، وَهَذَا مِنْ زَوَائِدِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ، وَهُوَ قِسْمٌ آخَرُ مِنَ التَّدْلِيسِ يُسَمَّى تَدْلِيسَ التَّسْوِيَةِ. سَمَّاهُ بِذَلِكَ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَهُوَ شَرُّ أَقْسَامِهِ ; لِأَنَّ الثِّقَةَ الْأَوَّلَ قَدْ لَا يَكُونُ مَعْرُوفًا بِالتَّدْلِيسِ، وَيَجِدُهُ الْوَاقِفُ عَلَى السَّنَدِ كَذَلِكَ بَعْدَ التَّسْوِيَةِ، قَدْ رَوَاهُ، عَنْ ثِقَةٍ آخَرَ فَيَحْكُمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ، وَفِيهِ غُرُورٌ شَدِيدٌ، وَمِمَّنِ اشْتُهِرَ بِفِعْلِ ذَلِكَ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ: سَمِعْتُ أَبِي، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، عَنْ بَقِيَّةَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَهْبٍ الْأَسَدِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَ:

стр. 236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] «لَا تَحْمَدُوا إِسْلَامَ الْمَرْءِ حَتَّى تَعْرِفُوا عُقْدَةَ رَأْيِهِ» ، فَقَالَ أَبِي: هَذَا الْحَدِيثُ لَهُ عِلَّةٌ قَلَّ مَنْ يَفْهَمُهَا، رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ كُنْيَتُهُ أَبُو وَهْبٍ، وَهُوَ أَسَدِيٌّ، فَكَنَّاهُ بَقِيَّةُ، وَنَسَبَهُ إِلَى بَنِي أَسَدٍ كَيْ لَا يُفْطَنُ لَهُ، حَتَّى إِذَا تُرِكَ إِسْحَاقُ لَا يُهْتَدَى لَهُ، قَالَ: وَكَانَ بَقِيَّةُ مِنْ أَفْعَلِ النَّاسِ لِهَذَا. وَمِمَّنْ عُرِفَ بِهِ أَيْضًا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ: كَانَ يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ مِنَ الْكَذَّابِينَ، ثُمَّ يُدَلِّسُهَا عَنْهُمْ. وَقَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ: سَمِعْتُ الْهَيْثَمَ بْنَ خَارِجَةَ يَقُولُ: قُلْتُ لِلْوَلِيدِ: قَدْ أَفْسَدْتَ حَدِيثَ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: كَيْفَ؟ قُلْتُ: تَرْوِي عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ نَافِعٍ وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَغَيْرُكَ يُدْخِلُ بَيْنَ الْأَوْزَاعِيِّ وَبَيْنَ نَافِعٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيَّ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّهْرِيِّ أَبَا الْهَيْثَمِ قُرَّةَ (ق ٧٧ \ ب) [فَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا؟] قَالَ: أُجِلُّ الْأَوْزَاعِيَّ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ، قُلْتُ فَإِذَا رَوَى [الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ] هَؤُلَاءِ، وَهُمْ ضُعَفَاءُ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ، فَأَسْقَطْتَهُمْ أَنْتَ، وَصَيَّرْتَهَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الثِّقَاتِ، ضَعُفَ الْأَوْزَاعِيُّ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِي.

стр. 237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] قَالَ الْخَطِيبُ: وَكَانَ الْأَعْمَشُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذَا. قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا النَّوْعُ أَفْحَشُ أَنْوَاعِ التَّدْلِيسِ مُطْلَقًا وَشَرُّهَا. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَهُوَ قَادِحٌ فِيمَنْ تَعَمَّدَ فِعْلَهُ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَا شَكَّ أَنَّهُ جَرْحٌ، وَإِنْ وُصِفَ بِهِ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَعْمَشُ، فَالِاعْتِذَارُ أَنَّهُمَا لَا يَفْعَلَانِهِ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ يَكُونُ ثِقَةً عِنْدَهُمَا ضَعِيفًا عِنْدَ غَيْرِهِمَا. قَالَ: ثُمَّ ابْنُ الْقَطَّانِ إِنَّمَا سَمَّاهُ تَسْوِيَةً بِدُونِ لَفْظِ التَّدْلِيسِ، فَيَقُولُ: سَوَّاهُ فُلَانٌ، وَهَذِهِ تَسْوِيَةٌ، وَالْقُدَمَاءُ يُسَمُّونَهُ تَجْوِيدًا، فَيَقُولُونَ جَوَّدَهُ فُلَانٌ، أَيْ ذَكَرَ مَنْ فِيهِ مِنَ الْأَجْوَادِ، وَحَذَفَ غَيْرَهُمْ. قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ: مَتَى قِيلَ تَدْلِيسُ التَّسْوِيَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الثِّقَاتِ الَّذِينَ حُذِفَتْ بَيْنَهُمُ الْوَسَائِطُ فِي ذَلِكَ الْإِسْنَادِ، قَدِ اجْتَمَعَ الشَّخْصُ مِنْهُمْ بِشَيْخِ شَيْخِهِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَإِنْ قِيلَ: تَسْوِيَةٌ بِدُونِ لَفْظِ التَّدْلِيسِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى اجْتِمَاعِ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِمَنْ فَوْقَهُ، كَمَا فَعَلَ مَالِكٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي التَّدْلِيسِ أَصْلًا، وَوَقَعَ فِي هَذَا، فَإِنَّهُ يَرْوِي عَنْ ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَثَوْرٌ لَمْ يَلْقَهُ وَإِنَّمَا رَوَى، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ فَأَسْقَطَ عِكْرِمَةَ لِأَنَّهُ غَيْرُ حُجَّةٍ عِنْدَهُ، وَعَلَى هَذَا يُفَارِقُ الْمُنْقَطِعَ، بِأَنَّ شَرْطَ السَّاقِطِ هُنَا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ خَاصٌّ. ثُمَّ زَادَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَدْلِيسَ الْعَطْفِ، وَمَثَّلَهُ بِمَا فَعَلَ هُشَيْمٌ، فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَاكِمُ، وَالْخَطِيبُ، أَنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا لَهُ: نُرِيدُ أَنْ تُحَدِّثَنَا الْيَوْمَ شَيْئًا لَا يَكُونُ فِيهِ

стр. 238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] تَدْلِيسٌ، فَقَالَ: خُذُوا، ثُمَّ أَمْلَى عَلَيْهِمْ مَجْلِسًا يَقُولُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهُ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ، ثُمَّ يَسُوقُ السَّنَدَ وَالْمَتْنَ، فَلَمَّا فَرَغَ (ق ٧٨ \ أ) قَالَ: هَلْ دَلَّسْتُ لَكُمُ الْيَوْمَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا قَالَ بَلَى، كُلُّ مَا قُلْتُ فِيهِ وَفُلَانٌ ; فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ كُلُّهَا يَشْمَلُهَا تَدْلِيسُ الْإِسْنَادِ، فَاللَّائِقُ مَا فَعَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ تَقْسِيمِهِ قِسْمَيْنِ فَقَطْ، قُلْتُ: وَمِنْ أَقْسَامِهِ أَيْضًا مَا ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الَمُقَدَّمِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ تَدْلِيسًا شَدِيدًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ، وَحَدَّثَنَا، ثُمَّ يَسْكُتُ، ثُمَّ يَقُولُ: هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، الْأَعْمَشُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَانَ يَقُولُ حَجَّاجٌ: سَمِعْتُهُ، يَعْنِي حَدَّثَنَا آخَرُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: كَانَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ يَقُولُ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، فَقَوْلُهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ تَدْلِيسٌ يُوهِمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ. وَقَسَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: قَوْمٌ لَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ مَا سَمِعُوهُ، وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ. الثَّانِي: قَوْمٌ يُدَلِّسُونَ، فَإِذَا وَقَعَ لَهُمْ مَنْ يُنَفِّرُ عَنْهُمْ، وَيَلِجُ فِي سَمَاعَاتِهِمْ ذَكَرُوا لَهُ،

стр. 239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَمَثَّلَهُ بِمَا حَكَى ابْنُ خَشْرَمٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. الثَّالِثُ: قَوْمٌ دَلَّسُوا عَنْ مَجْهُولِينَ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ، وَمَثَّلَهُ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ الْأَشْقَرُ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَوْفٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ عَلِيٍّ، فَذَكَرَ كَلَامًا، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ فَقُلْتُ لِحُسَيْنٍ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِيهِ شُعَيْبٌ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ نَوْفٍ، فَقُلْتُ لِشُعَيْبٍ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَصَّاصُ، فَقُلْتُ: عَمَّنْ؟ قَالَ:، عَنْ حَمَّادٍ الْقَصَّارِ، فَلَقِيتُ حَمَّادًا، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنْ نَوْفٍ. فَإِذَا هُوَ قَدْ دَلَّسَ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ، وَحَمَّادٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، وَبَلَغَهُ عَنْ فَرْقَدٍ، وَفَرْقَدٌ لَمْ يُدْرِكْ نَوْفًا. الرَّابِعُ: قَوْمٌ دَلَّسُوا عَنْ قَوْمٍ سَمِعُوا مِنْهُمُ الْكَثِيرَ، وَرُبَّمَا فَاتَهُمُ الشَّيْءُ عَنْهُمْ، فَيُدَلِّسُونَهُ (ق ٧٨ \ ب) . الْخَامِسُ: قَوْمٌ رَوَوْا عَنْ شُيُوخٍ لَمْ يَرَوْهُمْ، فَيَقُولُونَ: قَالَ فُلَانٌ، فَحُمِلَ ذَلِكَ عَنْهُمْ عَلَى السَّمَاعِ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ سَمَاعٌ. قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ تَدْلِيسِ الْإِسْنَادِ، وَذَكَرَ السَّادِسَ، وَهُوَ تَدْلِيسُ الشُّيُوخِ الْآتِي. الْقِسْمُ الثَّانِي (تَدْلِيسُ الشُّيُوخِ بِأَنْ يُسَمِّيَ شَيْخَهُ أَوْ يُكَنِّيَهُ، أَوْ يَصِفَهُ بِمَا لَا يُعْرَفُ.

стр. 240

أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَكْرُوهٌ جِدًّا، ذَمَّهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ: مَنْ عُرِفَ بِهِ صَارَ مَجْرُوحًا مَرْدُودَ الرِّوَايَةِ وَإِنْ بَيَّنَ السَّمَاعَ، وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ، فَمَا رَوَاهُ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ السَّمَاعَ فَمُرْسَلٌ، وَمَا بَيَّنَهُ فِيهِ كَسَمِعْتُ، وَحَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا وَشِبْهِهَا فَمَقْبُولٌ مُحْتَجٌّ بِهِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرٌ، كَقَتَادَةَ، وَالسُّفْيَانَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ فِيمَنْ دَلَّسَ مَرَّةً، وَمَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَشِبْهِهِمَا، عَنِ الْمُدَلِّسِينَ بِعَنْ مَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ السَّمَاعِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَأَمَّا الثَّانِي فَكَرَاهَتُهُ أَخَفُّ، وَسَبَبُهَا تَوْعِيرُ طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ، وَتَخْتَلِفُ الْحَالُ فِي كَرَاهَتِهِ بِحَسَبِ غَرَضِهِ، لِكَوْنِ الْمُغَيَّرِ اسْمُهُ ضَعِيفًا، أَوْ صَغِيرًا، أَوْ مُتَأَخِّرَ الْوَفَاةِ، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ كَثِيرًا، فَامْتَنَعَ مِنْ تَكْرَارِهِ عَلَى صُورَةٍ، وَتَسَمَّحَ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ بِهَذَا. ــ [تدريب الراوي] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَيَدْخُلُ أَيْضًا فِي هَذَا الْقِسْمِ التَّسْوِيَةُ، بِأَنْ يَصِفَ شَيْخَ شَيْخِهِ بِذَلِكَ. [حكم التَّدْلِيسُ] (أَمَّا) الْقِسْمُ (الْأَوَّلُ فَمَكْرُوهٌ جِدًّا، ذَمَّهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ) ، وَبَالَغَ شُعْبَةُ فِي ذَمِّهِ، فَقَالَ: لَأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ. وَقَالَ: التَّدْلِيسُ أَخُو الْكَذِبِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا مِنْهُ إِفْرَاطٌ، مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ وَالتَّنْفِيرِ. (ثُمَّ قَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ (مَنْ عُرِفَ بِهِ صَارَ مَجْرُوحًا مَرْدُودَ الرِّوَايَةِ) مُطْلَقًا، (وَإِنْ بَيَّنَ السَّمَاعَ) . وَقَالَ جُمْهُورُ مَنْ يَقْبَلُ الْمُرْسَلَ: يَقْبَلُ مُطْلَقًا، حَكَاهُ الْخَطِيبُ. وَنَقْلُ الْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى رَدِّ مَا عَنْعَنَهُ تَبَعًا لِلْبَيْهَقِيِّ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مَحْمُولٌ عَلَى اتِّفَاقِ مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ.

стр. 241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] لَكِنْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يُقْبَلُ تَدْلِيسُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ; لِأَنَّهُ إِذَا وَقَفَ أَحَالَ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ وَنُظَرَائِهِمَا. وَرَجَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ قَالَ: وَهَذَا شَيْءٌ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ وَلَا يُدَلِّسُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ مُتْقِنٍ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ خَبَرٌ دَلَّسَ فِيهِ إِلَّا وَقَدْ بَيَّنَ سَمَاعَهُ، عَنْ ثِقَةٍ مِثْلِ ثِقَتِهِ، ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِمَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُرْسِلُونَ إِلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ. وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، وَأَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ، وَعِبَارَةُ الْبَزَّارِ: مَنْ كَانَ يُدَلِّسُ عَنِ الثِّقَاتِ كَانَ تَدْلِيسُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَقْبُولًا. وَفِي الدَّلَائِلِ لِأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ: مَنْ ظَهَرَ تَدْلِيسُهُ (ق ٧٩ \ أ) عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ، لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ حَتَّى يَقُولَ: حَدَّثَنِي، أَوْ سَمِعْتُ. فَعَلَى هَذَا هُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ مُفَصَّلٌ غَيْرُ التَّفْصِيلِ الْآتِي. قَالَ الْمُصَنِّفُ كَابْنِ الصَّلَاحِ: وَعَزَى لِلْأَكْثَرِينَ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَابْنُ مَعِينٍ وَآخَرُونَ (وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ فَمَا رَوَاهُ بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ، لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ السَّمَاعَ، فَمُرْسَلٌ) لَا يُقْبَلُ، (وَمَا بَيَّنَ فِيهِ كَسَمِعْتُ، وَحَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَشِبْهِهَا، فَمَقْبُولٌ يُحْتَجُّ بِهِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ هَذَا الضَّرْبِ كَثِيرٌ كَقَتَادَةَ وَالسُّفْيَانَيْنِ

стр. 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَغَيْرِهِمْ) كَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّ التَّدْلِيسَ لَيْسَ كَذِبًا، وَإِنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْإِيهَامِ. (وَهَذَا الْحُكْمُ جَارٍ) كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ (فِيمَنْ دَلَّسَ مَرَّةً) وَاحِدَةً. (وَمَا كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَشِبْهِهِمَا) مِنَ الْكُتُبِ الصَّحِيحَةِ، (، عَنِ الْمُدَلِّسِينَ بِعَنْ، فَمَحْمُولٌ عَلَى ثُبُوتِ السَّمَاعِ) لَهُ (مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى) وَإِنَّمَا اخْتَارَ صَاحِبُ الصَّحِيحِ طَرِيقَ الْعَنْعَنَةِ عَلَى طَرِيقِ التَّصْرِيحِ بِالسَّمَاعِ، لِكَوْنِهَا عَلَى شَرْطِهِ دُونَ تِلْكَ. وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ تَفْصِيلًا آخَرَ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى التَّدْلِيسِ تَغْطِيَةَ الضَّعِيفِ فَجَرْحٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ وَغِشٌّ وَإِلَّا فَلَا. (وَأَمَّا) الْقِسْمُ (الثَّانِي، فَكَرَاهَتُهُ أَخَفُّ) مِنَ الْأَوَّلِ، (وَسَبَبُهَا تَوْعِيرُ طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ) عَلَى السَّامِعِ، كَقَوْلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، يُرِيدُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ، وَفِيهِ تَضْيِيعٌ لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَالْمَرْوِيِّ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُفْطَنُ لَهُ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْجَهَالَةِ. (وَتَخْتَلِفُ الْحَالُ فِي كَرَاهَتِهِ بِحَسَبِ غَرَضِهِ) ، فَإِنْ كَانَ (لِكَوْنِ الْمُغَيَّرِ اسْمُهُ ضَعِيفًا) ، فَيُدَلِّسُهُ حَتَّى لَا يُظْهِرَ رِوَايَتَهُ، عَنِ الضُّعَفَاءِ، فَهُوَ شَرُّ هَذَا الْقِسْمِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَرْحٍ.

стр. 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَجَزَمَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِ شَيْخِهِ غَيْرَ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّاسِ، فَغَيَّرَهُ لِيُقْبَلَ خَبَرُهُ، يَجِبُ أَنْ لَا يُقْبَلَ خَبَرُهُ، (ق ٧٩ \ ب) وَإِنْ كَانَ هُوَ يَعْتَقِدُ فِيهِ الثِّقَةَ فَقَدْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ، لِجَوَازِ أَنْ يَعْرِفَ غَيْرُهُ مِنْ جَرْحِهِ مَا لَا يَعْرِفُهُ هُوَ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ إِنْ فَعَلَهُ لِضَعْفِهِ فَجَرْحٌ، أَوْ لِضَعْفِ نَسَبِهِ، أَوْ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ فَلَا. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ لَمْ يُبَيِّنْهُ، فَجَرْحٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ إِطْلَاقَ اسْمِ التَّدْلِيسِ عَلَى هَذَا، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَدْخَلِ "، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَامِرٍ: كَانَ الثَّوْرِيُّ يُدَلِّسُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَلَيْسَ إِذَا دَخَلَ كُورَةً يَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَهَا لَا يَكْتُبُونَ حَدِيثَ رَجُلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، وَإِذَا عُرِفَ الرَّجُلُ بِالِاسْمِ كَنَّاهُ، وَإِذَا عُرِفَ بِالْكُنْيَةِ سَمَّاهُ، قَالَ: هَذَا تَزْيِينٌ لَيْسَ بِتَدْلِيسٍ. (أَوْ) لِكَوْنِهِ (صَغِيرًا) فِي السِّنِّ، (أَوْ مُتَأَخِّرَ الْوَفَاةِ) حَتَّى شَارَكَهُ فِيهِ مَنْ هُوَ دُونَهُ، فَالْأَمْرُ فِيهِ سَهْلٌ. (أَوْ سَمِعَ مِنْهُ كَثِيرًا، فَامْتَنَعَ مِنْ تَكْرَارِهِ عَلَى صُورَةٍ) وَاحِدَةٍ، إِيهَامًا لِكَثْرَةِ الشُّيُوخِ، أَوْ تَفَنُّنًا فِي الْعِبَارَةِ، فَسَهْلٌ أَيْضًا، (وَ) قَدْ (تَسَمَّحَ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ) مِنَ الرُّوَاةِ الْمُصَنِّفِينَ (بِهَذَا) . ١ -

стр. 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] تَنْبِيهٌ مِنْ أَقْسَامِ التَّدْلِيسِ مَا هُوَ عَكْسُ هَذَا، وَهُوَ إِعْطَاءُ شَخْصٍ اسْمَ آخَرَ مَشْهُورٍ تَشْبِيهًا، ذَكَرَهُ ابْنُ السُّبْكِيِّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، قَالَ: كَقَوْلِنَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، يَعْنِي الذَّهَبِيَّ تَشْبِيهًا بِالْبَيْهَقِيِّ، حَيْثُ يَقُولُ ذَلِكَ يَعْنِي بِهِ الْحَاكِمَ. وَكَذَا إِيهَامُ اللُّقَى وَالرِّحْلَةِ، كَحَدَّثَنَا مَنْ وَرَاءَ النَّهْرِ، يُوهِمُ أَنَّهُ جَيْحُونُ، وَيُرِيدُ نَهْرَ عِيسَى بِبَغْدَادَ، أَوِ الْجِيزَةِ بِمِصْرَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَرْحٍ قَطْعًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَارِيضِ لَا مِنَ الْكَذِبِ. قَالَهُ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ، وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " الِاقْتِرَاحِ ". ١ - فَائِدَةٌ قَالَ الْحَاكِمُ: أَهْلُ الْحِجَازِ، وَالْحَرَمَيْنِ، وَمِصْرَ، وَالْعَوَالِي، وَخُرَاسَانَ، وَالْجِبَالِ، وَأَصْبَهَانَ، وَبِلَادِ فَارِسَ، وَخُوزِسْتَانَ، وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ: لَا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ دَلَّسُوا. قَالَ: وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ تَدْلِيسًا أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَنَفَرٌ يَسِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. قَالَ: وَأَمَّا أَهْلُ بَغْدَادَ فَلَمْ يُذْكَرْ (ق ٨٠ \ أ) ، عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا التَّدْلِيسُ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيَّ الْوَاسِطِيَّ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّدْلِيسَ بِهَا، وَمَنْ دَلَّسَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّمَا تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ.

стр. 245

النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ: الشَّاذُّ هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ: مَا رَوَى الثِّقَةُ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ النَّاسِ لَا أَنْ يَرْوِيَ مَا لَا يَرْوِي غَيْرُهُ، قَالَ الْخَلِيلِيُّ: وَالَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ، أَنَّ الشَّاذَّ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَادٌ وَاحِدٌ يَشِذُّ بِهِ ثِقَةٌ، أَوْ غَيْرُهُ، فَمَا كَانَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ فَمَتْرُوكٌ، وَمَا كَانَ عَنْ ثِقَةٍ تُوُقِّفَ فِيهِ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: هُوَ مَا انْفَرَدَ بِهِ ثِقَةٌ وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ بِمُتَابِعٍ. وَمَا ذَكَرَاهُ مُشْكِلٌ بِأَفْرَادِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ كَحَدِيثِ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي الصَّحِيحِ، فَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ: فَإِنْ كَانَ بِتَفَرُّدِهِ مُخَالِفًا أَحْفَظَ مِنْهُ وَأَضْبَطَ، كَانَ شَاذًّا مَرْدُودًا وَإِنْ لَمْ يُخَالِفِ الرَّاوِي، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا حَافِظًا مَوْثُوقًا بِضَبْطِهِ كَانَ تَفَرُّدُهُ صَحِيحًا، وَإِنْ لَمْ يُوثَقْ بِضَبْطِهِ، وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْ دَرَجَةِ الضَّابِطِ كَانَ حَسَنًا، وَإِنْ بَعُدَ كَانَ شَاذًّا مُنْكَرًا مَرْدُودًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّاذَّ الْمَرْدُودَ: هُوَ الْفَرْدُ الْمُخَالِفُ وَالْفَرْدُ الَّذِي لَيْسَ فِي رُوَاتِهِ مِنَ الثِّقَةِ وَالضَّبْطِ مَا يُجْبَرُ بِهِ تَفَرُّدُهُ. ــ [تدريب الراوي] وَقَدْ أَفْرَدَ الْخَطِيبُ كِتَابًا فِي أَسْمَاءِ الْمُدَلِّسِينَ ثُمَّ ابْنُ عَسَاكِرَ. ١ - فَائِدَةٌ اسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّ التَّدْلِيسَ غَيْرُ حَرَامٍ، بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمْ يَكُنْ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ إِلَّا الْمِقْدَادَ، قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: قَوْلُهُ فِينَا ; يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّ الْبَرَاءَ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا. [النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ الشَّاذُّ] (النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ: الشَّاذُّ، وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ: مَا رَوَى الثِّقَةُ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ النَّاسِ، لَا أَنْ يَرْوِيَ) الثِّقَةُ (مَا لَا يَرْوِي غَيْرُهُ) ، هُوَ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ. (قَالَ) الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى (الْخَلِيلِيُّ: وَالَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّاذَّ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَادٌ وَاحِدٌ يَشِذُّ بِهِ ثِقَةٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَمَا كَانَ) مِنْهُ (عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ فَمَتْرُوكٌ) لَا يُقْبَلُ، (وَمَا كَانَ عَنْ ثِقَةٍ تُوُقِّفَ فِيهِ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ) . فَجُعِلَ الشَّاذُّ مُطْلَقَ التَّفَرُّدِ لَا مَعَ اعْتِبَارِ الْمُخَالَفَةِ.

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] (وَقَالَ الْحَاكِمُ: هُوَ مَا انْفَرَدَ بِهِ ثِقَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ بِمُتَابِعٍ) لِذَلِكَ الثِّقَةِ. قَالَ: وَيُغَايِرُ الْمُعَلَّلَ بِأَنَّ ذَلِكَ وُقِفَ عَلَى عِلَّتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى جِهَةِ الْوَهْمِ فِيهِ، وَالشَّاذُّ لَمْ يُوقَفْ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ كَذَلِكَ. فَجَعَلَ الشَّاذَّ تَفَرُّدَ الثِّقَةِ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِ الْخَلِيلِيِّ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَبَقِيَ مِنْ كَلَامِ الْحَاكِمِ: وَيَنْقَدِحُ فِي نَفَسِ النَّاقِدِ أَنَّهُ غَلِطَ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: وَهَذَا الْقَيْدُ لَا بُدَّ مِنْهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا يُغَايِرُ الْمُعَلَّلَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، قَالَ: وَهَذَا عَلَى هَذَا أَدَقُّ مِنَ الْمُعَلَّلِ بِكَثِيرٍ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْحُكْمِ بِهِ إِلَّا مَنْ مَارَسَ الْفَنَّ غَايَةَ الْمُمَارَسَةِ، وَكَانَ فِي الذُّرْوَةِ مِنَ الْفَهْمِ الثَّاقِبِ وَرُسُوخِ الْقَدَمِ فِي الصِّنَاعَةِ. قُلْتُ: وَلِعُسْرِهِ لَمْ يُفْرِدْهُ أَحَدٌ بِالتَّصْنِيفِ، وَمِنْ أَوْضَحِ أَمْثِلَتِهِ مَا أَخْرَجَهُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ غَنَّامٍ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (ق ٨٠ \ ب) فِي كُلِّ أَرْضٍ نَبِيٌّ كَنَبِيِّكُمْ، وَآدَمُ كَآدَمَ وَنُوحٌ كَنُوحٍ، وَإِبْرَاهِيمُ كَإِبْرَاهِيمَ، وَعِيسَى كَعِيسَى، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَلَمْ أَزَلْ أَتَعَجَّبُ مِنْ تَصْحِيحِ الْحَاكِمِ لَهُ، حَتَّى رَأَيْتُ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ: إِسْنَادُهُ

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهُ شَاذٌّ بِمَرَّةٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ كَابْنِ الصَّلَاحِ، (وَمَا ذَكَرَاهُ) ; أَيِ الْخَلِيلِيُّ وَالْحَاكِمُ (مُشْكِلٌ) ، فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ (بِأَفْرَادِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ) الْحَافِظِ (كَحَدِيثِ «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ) ، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ فَرْدٌ تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ عَلْقَمَةُ عَنْهُ، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، ثُمَّ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. (وَ) كَحَدِيثِ (النَّهْيِ، عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ) ، وَهِبَتِهِ، تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. (وَغَيْرِ ذَلِكَ) مِنَ الْأَحَادِيثِ الْأَفْرَادِ (مِمَّا) أُخْرِجَ (فِي الصَّحِيحِ) ، كَحَدِيثِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ» . تَفَرَّدَ بِهِ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] فَكُلُّ هَذِهِ مُخَرَّجَةٌ فِي الصَّحِيحِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَادٌ وَاحِدٌ، تَفَرَّدَ بِهِ ثِقَةٌ. وَقَدْ قَالَ مُسْلِمٌ: لِلزُّهْرِيِّ نَحْوُ تِسْعِينَ حَرْفًا يَرْوِيهِ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَغَيْرُهُ مِنْ مَذَاهِبِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ يُبَيِّنُ لَكَ أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ الَّذِي قَالَاهُ، وَحِينَئِذٍ (فَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ فَإِنْ كَانَ) الثِّقَةُ (بِتَفَرُّدِهِ مُخَالِفًا أَحْفَظَ مِنْهُ، وَأَضْبَطَ) . عِبَارَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ: لِمَا رَوَاهُ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْحِفْظِ لِذَلِكَ. وَعِبَارَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: لِمَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ لِمَزِيدِ ضَبْطٍ، أَوْ كَثْرَةِ عَدَدٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ. (كَانَ) مَا انْفَرَدَ بِهِ (شَاذًّا مَرْدُودًا) . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَمُقَابِلُهُ يُقَالُ لَهُ: الْمَحْفُوظُ. قَالَ: مِثَالُهُ. مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَوْسَجَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا مَوْلًى هُوَ أَعْتَقَهُ» ، الْحَدِيثَ.

стр. 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَتَابَعَ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَلَى وَصْلِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ (ق ٨١ \ أ) ، وَخَالَفَهُمْ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، فَرَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَوْسَجَةَ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنَ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الْمَحْفُوظُ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ، وَمَعَ ذَلِكَ رَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ رِوَايَةَ مَنْ هُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْهُ، قَالَ: وَعُرِفَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ: أَنَّ الشَّاذَّ مَا رَوَاهُ الْمَقْبُولُ مُخَالِفًا لِمَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي حَدِّ الشَّاذِّ بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي الْمَتْنِ: مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَنْ يَمِينِهِ» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: خَالَفَ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ فِي هَذَا، فَإِنَّ النَّاسَ إِنَّمَا رَوَوْهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا مِنْ قَوْلِهِ: وَانْفَرَدَ عَبْدُ الْوَاحِدِ مِنْ بَيْنِ ثِقَاتِ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا اللَّفْظِ. (وَإِنْ لَمْ يُخَالِفِ الرَّاوِيَ) بِتَفَرُّدِهِ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا رَوَى أَمْرًا لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ، فَيُنْظَرُ فِي هَذَا الرَّاوِي الْمُنْفَرِدِ، (فَإِنْ كَانَ عَدْلًا، حَافِظًا مَوْثُوقًا بِضَبْطِهِ، كَانَ تَفَرُّدُهُ صَحِيحًا

стр. 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تدريب الراوي] وَإِنْ لَمْ يُوثَقْ بِضَبْطِهِ، وَ) لَكِنْ (لَمْ يَبْعُدْ عَنْ دَرَجَةِ الضَّابِطِ، كَانَ) مَا انْفَرَدَ بِهِ (حَسَنًا، وَإِنْ بَعُدَ) مِنْ ذَلِكَ (كَانَ شَاذًّا مُنْكَرًا مَرْدُودًا. وَالْحَاصِلُ إِنَّ الشَّاذَّ الْمَرْدُودَ هُوَ الْفَرْدُ الْمُخَالِفُ، وَالْفَرْدُ الَّذِي لَيْسَ فِي رُوَاتِهِ مِنَ الثِّقَةِ، وَالضَّبْطِ مَا يُجْبَرُ بِهِ تَفَرُّدُهُ) ، وَهُوَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ يُجَامِعُ الْمُنْكَرَ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ. ١ - تَنْبِيهٌ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْخَلِيلِيِّ وَالْحَاكِمِ بِأَفْرَادِ الصَّحِيحِ، أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا إِنَّمَا ذَكَرَا تَفَرُّدَ الثِّقَةِ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا تَفَرُّدُ الضَّابِطِ الْحَافِظِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا أَطْلَقَا الثِّقَةَ فَشَمِلَ الْحَافِظَ وَغَيْرَهُ. وَالثَّانِي أَنَّ حَدِيثَ النِّيَّةِ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ عُمَرُ، بَلْ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، كَمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ (ق ٨١ \ ب) .
следующие страницы →