← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

محمول على الكراهة؛ لعلة كونه يفضي إلى الوسوسة (١)؛ لأن ذلك الموضع يصير نجساً، فيقع في قلبه وسوسة بأنه: هل أصابه منه رشاش أم لا (٢). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن النهي عن البول في المغتسل محمول على الكراهة بدليل: القرينة النصية وفيها التعليل بما لا يقتضي التحريم: جاء في الحديث قوله: (فإن عامة الوسواس منه) أي أن: علة النهي إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة؛ لأنه لا يأمن الرشاش والتنجيس. جاء في (نيل الأوطار): «رَبْطُ النهي بعلة إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة يصلح قرينة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة» (٣). قال الخطابي ﵀: «إنما نهى عن ذلك إذا لم يكن المكان جَدداً صلباً، أو لم يكن مسلك ينفذ فيه البول، ويسيل فيه الماء، فيوهم المغتسل أنه أصابه من قطره ورشاشه، فيورثه الوسواس» (٤). جاء في (شرح المصابيح): «لأنه يصير ذلك الموضع نجساً، فيصيبه منه رشاش» (٥). الحكم على القرينة: قرينة التعليل وردت في نص الحديث، فهي قرينة قوية؛ إذ القرائن النَّصِّيَّة من أقوى القرائن، والتعليل بخشية الإفضاء إلى الوسوسة معتبرة، وتفيد الكراهة لا التحريم، فالنهي محمول على الكراهة باتفاق الفقهاء.

стр. 107

المبحث الخامس: النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول المطلب الأول: حكم استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا)) (١). صورة المسألة: قضاء الحاجة إما أن يكون في البنيان أو في الفضاء، فما حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند التخلي فيهما؟ الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء فيها على أربعة أقوال: القول الأول: يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء دون البنيان. وهو مذهب الجمهور: المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: يحرم الاستقبال والاستدبار فيهما مطلقاً. وهو مذهب الحنفية (٥)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٦). القول الثالث: يُكره الاستقبال والاستدبار فيهما. وهو قول عند الحنفية (٧) (٨). القول الرابع: أنه يحرم فيهما الاستقبال فقط دون الاستدبار:

стр. 108

وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة ﵀ (١)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٢). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا)) (٣). وجه الاستدلال: نهى النبي ﷺ في الحديث عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة، والنهي المجرد عن القرينة يفيد التحريم، وخُص البنيان من العموم بما يأتي من حديث ابن عمر وعائشة جمعاً بين الأحاديث (٤). الدليل الثاني: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ (٥) فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا (٦)، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى)) (٧). وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث يدل على تحريمه في الفضاء دون البنيان؛ لقوله (إذا أتيتم الغائط) والغائط هو الموضع المطمئن من الأرض، وذلك لا يكون إلا في الفضاء (٨). جاء في (المدونة): «قال مالك: إنما يعني بذلك فيافي الأرض، ولم يعنِ بذلك القرى

стр. 109

والمدائن» (١). الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ)) (٢)، وفي رواية: ((لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِحَاجَتِهِ)) (٣). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث نَصَّ على الجواز في البنيان، وهو خاص يُقدم على العام (٤). نُوقش: بأن حديث ابن عمر ﵄ حكاية فِعل يحتمل الخصوصية والعذر، فيضعفه، فلا يقوى على رد العموم، ولأن القول أَوْلى (٥). أُجيب: أن احتمال الخصوصية والعذر لا بد له من دليل، ولا دليل هنا، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يُصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذُكر، فوجب المصير إليه (٦). الدليل الرابع: عن جابر ﵁ قال: ((نَهَى نَبِيُّ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا)) (٧). وجه الاستدلال: أن فِعل الرسول ﷺ محمول على أنه كان في المنازل والبنيان؛ لما

стр. 110

فيهما من المشاهدة له، وهو خاص يُقدم على العام (١). نُوقش حديث ابن عمر وحديث جابر: بأن النبي ﷺ إنما قصد بفعله الاستتار، ولا يمكن أن يكون تشريعاً للأمة وهو بهذا الخفاء (٢). أُجيب عنه بجوابين (٣): الأول: أن الذي يستتر به ﷺ يكون شرعاً لنا كالذي يُظهره؛ لأنه ﵇ لا يفعل في نفسه ما لا يسوغ ولا هو من شريعته، فسواء فَعل النبي ﷺ على وجه الاستتار به أم الإظهار فهو شرعٌ لنا إذا وقفنا عليه. الثاني: أنه ﷺ قد فعل ذلك مستتراً به، وقد فعله ظاهراً منتشراً، وذلك في حديث عائشة أنه ﵇ أمر بأن تُستقبل بمقعدته القبلة. الدليل الخامس: عن عائشة ﵂ قالت: ((ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْمٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمُ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: أُرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوهَا؟! اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي (٤) الْقِبْلَةَ)) (٥). وجه الاستدلال: أن الحديث نص في محل الخلاف؛ لأنَّه في البنيان؛ بدلالة قوله (مقعدتي)، والمقعدة تكون في البنيان (٦)، فكان ذلك منه رداً لما تُوهم، وبياناً لكون النهي عنه في الصحراء دون البيوت. نُوقشت أحاديث ابن عمر وجابر وعائشة: بأنها دليل على نسخ النهي، فيجب تقديمه (٧). أُجيب عنه: بأن قولهم أنه ناسخ خطأ؛ لأن النسخ لا يُصار إليه إلا إذا تعذر

стр. 111

الجمع، ولم يتعذر هنا (١). الدليل السادس: حديث مروان الأصفر (٢) قال: ((رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى، إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ، فَلَا بَأْسَ)) (٣). وجه الاستدلال: أن هذا تفسير الصحابي لنهي رسول الله ﷺ العام، وفيه جمع بين الأحاديث، فيتعين المصير إليه (٤). نُوقش: أن هذا فهم من ابن عمر ﵄؛ لاختصاص النهي بالبنيان، وليس بحكاية لفظ النهي، فلا يكون هذا الفهم حجة، ولا يصلح هذا القول للاستدلال به، وهو مُعارَض بفهم أبي أيوب ﵁ للعموم، والنهي تكريم لجهة القبلة، وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان (٥). الدليل السابع وهو جواب المناقشة السابقة: أن الصحاري لا تخلو غالباً من مصلٍّ فيها، فيتأذى بكشف عورته إليها إن استقبل القبلة أو استدبرها، وهذا المعنى معدوم في البنيان؛ لأن الإنسان فيها مستتر بالجدار (٦)، وأن تَجنُّب ذلك في البنيان فيه مشقة على الناس (٧). أدلة القول الثاني:

стр. 112

الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا)) (١). وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً صريحاً عن استقبال القبلة واستدبارها، وهو عام فيتناول الفضاء والبنيان (٢)، والأصل في النهي المجرد عن القرينة: التحريم. نُوقش: بأنه قد ورد ما يخصصه بالجواز في البنيان (٣)، وهو حديثي ابن عمر وعائشة ﵄، والخاص يُقدم على العام (٤). الدليل الثاني: حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى)) (٥). وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث للتحريم، وقد فهم الصحابي راوي الحديث من النهي العموم بالنسبة للفضاء والبنيان؛ فكان ينحرف عن القبلة في المرحاض ويستغفر الله أيضاً (٦). نُوقش: بأن هذا فهم الصحابي واجتهاده، ولم ينقله عن النبي ﷺ صريحاً، وقد خالفه غيره من الصحابة، فلا يلزم (٧). الدليل الثالث: أن النهي لمعنى حرمة جهة القبلة وتعظيمها؛ فهي من أشرف الجهات، وهذا المعنى موجود في البنيان كوجوده في الصحاري، فوجب أن يستوي المنع فيهما، ولأنه لو كان الحائل كافياً لجاز في الصحراء لوجود الحائل من الجبال وغيرها (٨). أدلة القول الثالث:

стр. 113

استدلوا بأحاديث النهي (حديث أبي أيوب، وأبي هريرة ﵄ وبأحاديث الجواز (حديث ابن عمر، وجابر، وعائشة ﵃. وجه الاستدلال: قالوا: يُحمل النهي على الكراهة؛ بدلالة فعله ﷺ الوارد في حديث ابن عمر وجابر وعائشة ﵃، لأنها جاءت لبيان الجواز؛ فهي صارفة للنهي عن معناه الحقيقي وهو التحريم إلى الكراهة (١). أدلة القول الرابع: استدل القائلون بتحريم الاستقبال فيهما دون الاستدبار، بما يلي: الدليل الأول: عن سلمان ﵁ قال: ((قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ (٢)، قال: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، … الحديث)) (٣). وجه الاستدلال: أنه لما نص الحديث على الاستقبال عُلم إباحة الاستدبار (٤). نُوقش: بأنه ليس في الحديث إلا النهي عن الاستقبال فقط، والاستدلال به على إباحة الاستدبار باطل؛ لأن النهي عن الاستدبار ورد في الأحاديث الصحيحة، وهو زيادة يتعين الأخذ بها (٥). الدليل الثاني: حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ)) (٦). وجه الاستدلال: أن في الحديث دليلاً على جواز استدبار القبلة؛ لفعله ﷺ . نُوقش: بأنه ليس في الحديث إلا الاستدبار في العمران فقط، فلا يصح

стр. 114

الاستدلال به على جوازه في الفضاء أيضاً (١). الدليل الثالث: أن قضاء الحاجة في حالة الاستدبار لا يوازي فرجه القِبلة، وإنما يوازي الأرض بخلاف حالة الاستقبال (٢). نُوقش: بأنه يُردُّ بالأحاديث الصحيحة المصرِّحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار جميعاً (٣). سبب الخلاف: اختلافهم في الأخبار الواردة بشأنها، وبناء بعضها على بعض (٤). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة في الفضاء دون البنيان. سبب الترجيح: أن هذا القول فيه الجمع بين الأحاديث المتعارضة، وإن أمكن الجمع فالمصير إليه واجب؛ وإعمال جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها (٥). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل أصحاب القول الثالث النهي على الكراهة في الفضاء والبنيان، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له عن التحريم: قرينة نصية، وفيها فِعل النبي ﷺ الدالُّ على الجواز: فقد جاء في الأحاديث أنه مرة استقبل القبلة، وفي حديث آخر أنه استدبرها، فكأنه فعله لبيان الجواز، وأن النهي ليس للتحريم، والأحاديث التي نقلت فعله ﷺ هي:

стр. 115

- حديث ابن عمر ﵁ ومشاهدته للرسول ﷺ حال قضاء الحاجة مستدبر القبلة. - حديث جابر ﵁ ومشاهدته للرسول ﷺ حال قضاء الحاجة مستقبل القبلة. - حديث عائشة ﵂ وحكاية أمره ﷺ بتحويل مقعدته. الحكم على القرينة: الأصل أن القرينة النصية من أقوى القرائن، والذي يظهر في هذه المسألة أن هذه الأحاديث ليست قرائن صارفة للنهي عن التحريم -في الفضاء والبنيان- إلى الكراهة، وذلك أنها جاءت لتقرير حكم الجواز في البنيان كما في حديث عائشة، ويؤيد هذا المعنى حديثا ابن عمر وجابر. وأما أحاديث النهي الصحيحة: فباقية على ظاهرها وهو التحريم في الفضاء، والله أعلم.

стр. 116

المبحث السادس: النهي عن استقبال بيت المقدس بغائط أو بول المطلب الأول: حكم استقبال بيت المقدس (١) بغائط أو بول: دليل النهي: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ ﵁ (٢) قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ (٣) بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ)) (٤). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في استقبال بيت المقدس عند التخلِّي، على قولين: القول الأول: لا يُكره. وهو مذهب المالكية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 117

القول الثاني: يُكره. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٣). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِداً عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِحَاجَتِهِ)) (٤). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس عند التخلِّي؛ فحكاية فِعل النبي ﷺ دليل على الجواز (٥). «قال أحمد بن حنبل: حديث ابن عمر ناسخ للنهى عن استقبال بيت المقدس واستدباره بالغائط والبول» (٦). الدليل الثاني: أن النهي عنه كان قبل نسخ القِبلة، وأما بعد النسخ: فإن بيت المقدس لا يُسمى قِبلة؛ فلا يتوجه إليه النهي (٧). قال القرافي ﵀: «لا يُكره استقبال بيت المقدس؛ لأنه ليس قِبلة» (٨). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ ﵁ قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ)) (٩). وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث بالنسبة لبيت المقدس جاء للتنزيه، فيُحمل

стр. 118

على الكراهة (١). نُوقش من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف؛ لأن فيه راوياً مجهول الحال، والضعيف لا تقوم به حجة (٢). وعلى فرض الصحة، فإنه نُهي عن استقبال بيت المقدس حين كان قبلة ثم نهي عن استقبال الكعبة حين صارت قبلة فجمعهما الراوي (٣). الثاني: على فرض الصحة، فإنه يحتمل أن المراد بالنهي أهل المدينة ومَن على سمتها فقط؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبار الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس (٤). وأجاب عنهما النووي ﵀ بقوله: «هذان تأويلان مشهوران للأصحاب، ولكن في كل واحد منهما ضعف. والظاهر المختار: أن النهي وقع في وقت واحد وأنه عام لكلتيهما في كل مكان ولكنه في الكعبة نهي تحريم في بعض الأحوال على ما سبق وفي بيت المقدس نهي تنزيه ولا يمتنع جمعهما في النهي وإن اختلف معناه، وسبب النهي عن بيت المقدس كونه كان قبلة فبقيت له حرمة الكعبة» (٥). الدليل الثاني: الإجماع على عدم التحريم (٦). اُعترض عليه: بأن دعوى الإجماع فيها نظر؛ لوقوع المخالفة من بعض الفقهاء بالقول بالتحريم (٧). الدليل الثالث: أن حرمة تعظيمه باقية؛ لكونه كان قِبلةً لنا (٨).

стр. 119

الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بعدم كراهة استقبال بيت المقدس عند التخلِّي. أسباب الترجيح: ١ - أن النهي متوجه إلى القِبلة، وبيت المقدس ليست قِبلة بعد النسخ. ٢ - ضعف دليل النهي، وورود المناقشة عليه. ٣ - أن دعوى الإجماع منقوض. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر أن أصحاب القول الثاني حملوا النهي على الكراهة؛ بدليل القرائن التالية: القرينة الأولى: الإجماع. قال النووي ﵀: «إن قيل: لم حملتموه في بيت المقدس على التنزيه؟ قلنا: للإجماع، فلا نعلم مَنْ يُعتد به حرّمه، والله أعلم» (١). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. قال النووي: « … وفي بيت المقدس نهي تنزيه» (٢). وجاء في (بذل المجهود): «وهو نهي تنزيه لا تحريم اتفاقًا» (٣). والعلة: تعظيم حُرمة بيت المقدس؛ إذ كان قِبلةً للمسلمين مرةً. الحكم على القرينة: قرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة، لكن دعوى الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس عند التخلِّي، دعوى فيها نظر؛ لوجود المخالف، فلا تقوم مقام الصارف المعتبر. وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد معتبرة، تصرف النهي من التحريم إلى

стр. 120

الكراهة، لكن ضَعْف دليل النهي أضعفَ القول بالكراهة، ولأنها كانت قبلةً، ثم نسخت، فلم يبق في الشريعة مايوجب تخصيصها بحكم. وبضعف القرائن وعدم اعتبارها يقوى القول بعدم الكراهة؛ لثبوت الجواز بدليل صحيح ثابت دال على استقبال النبي ﷺ لبيت المقدس عند قضاء الحاجة، وهو حديث ابن عمر ﵁، والله أعلم.

стр. 121

المبحث السابع: النهي عن الاستنجاء باليمين المطلب الأول: حكم الاستنجاء (١) باليمين: دليل النهي: عن سلمان ﵁ قال: ((قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، … الحديث)) (٢). وعن أبي قتادة ﵁ (٣) عن النبي ﷺ قال: ((إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ)) (٤). حكم المسألة: أولاً: أجمع العلماء على أن الاستنجاء باليمين منهي عنه (٥)؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه. ثانيا: اتفق الفقهاء (٦) على كراهة الاستنجاء باليمين؛ لدلالة حديثي سلمان وأبي قتادة ﵄ المتقدمين، فالنهي محمول على الكراهة؛ لوروده في باب الأدب والإرشاد.

стр. 122

قال الترمذي ﵀: «العمل على هذا عند أهل العلم: كرهوا الاستنجاء باليمين» (١). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم، القرائن التالية: القرينة الأولى: المقصد من النهي. ذلك أن الحكمة من النهي عن الاستنجاء باليمين: إكرام اليمين وتشريفها وصيانتها عن كل قذر. وأكثر العلماء متفقون على هذا المعنى: فعن عائشة ﵂ قالت: ((كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى)) (٢). قال النووي ﵀: «إن في النهي عن الاستنجاء باليمين تنبيهاً على إكرامها وصيانتها عن الأقذار» (٣). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. قال ابن بطال ﵀ (٤): «أما الاستنجاء باليمين: فمذهب مالك، وأكثر الفقهاء أن مَنْ فعل ذلك فبئس ما فعل، ولا شيء عليه .... لأن النهى عن الاستنجاء باليمين من باب الأدب، … فينبغي التأدب بأدب النبي ﷺ وسلف الصحابة، وتنزيه اليمنى عن استعمالها في الأقذار ومواضعها» (٥).

стр. 123

وقال النووي ﵀: «الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم» (١). قال الخطابي ﵀: «نهيُه عن الاستنجاء باليمين في قول أكثر العلماء نهيُ تأديب وتنزيه، وذلك أن اليمين مرصدة في أدب السنة للأكل والشرب والأخذ والإعطاء، ومصونة عن مباشرة السفل والمغابن، وعن مماسَّة الأعضاء التي هي مجاري الأثْفَال والنجاسات، وامتُهنت اليسرى في خدمة أسافل البدن؛ لإماطة ما هنالك من القذارات، وتنظيف ما يحدث فيها من الدنس والشعث» (٢). الحكم على القرينة: قرينةُ ورود النهي في باب الأدب والإرشاد وفي معناها قرينةُ المقصد من النهي، قرائن معتبرة باتفاق الفقهاء، صرفت النهي عن مقتضاه -وهو التحريم- إلى الكراهة؛ لمناسبة معنى التكريم لليمين للآداب، والله أعلم.

стр. 124

المبحث الثامن: النهي عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار المطلب الأول: حكم الاستجمار (١) بأقل من ثلاثة أحجار: دليل النهي: عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قال: ((قيل له: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، … الحديث)) (٢). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، على قولين: القول الأول: يحرم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، وإن أنقى (٣). وهو مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الثاني: يستحب الاستجمار بثلاثة أحجار، ويجوز بأقل من ذلك إن أنقى. وهو مذهب الحنفية (٦)، والمالكية (٧).

стр. 125

أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عَنْ سَلْمَانَ ﵁ قال: ((قيل له: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، … الحديث)) (١). وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً صريحاً عن الاقتصار على أقل من ثلاثة، والنهي يقتضي التحريم، والنص على العدد دليل الاشتراط (٢). نُوقش: بأن المقصود هو الإنقاء، وذكر العدد للاحتياط وخرج مخرج العادة؛ لأن الغالب حصول الإنقاء بها (٣). وأُجيب: بأنه لو كان القصد الإنقاء فحسب لم يكن لاشتراط عدد الثلاث معنى، ولا في ترك الاقتصار على ما دونها فائدة؛ إذ كان معلوماً أن الإنقاء قد يقع بالمسحة الواحدة وبالمسحتين، فلمّا اشترط العدد لفظاً وكان الإنقاء من معقول الخبر ضمناً، دل على أنه إيجاب للأمرين معاً (٤). الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَطِبْ (٥) بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، … الحديث)) (٦).

стр. 126

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بثلاثة أحجار، والأمر يقتضي الوجوب (١). نُوقش: بأن الأمر يُحمل على الندب لا الايجاب؛ بدلالة نفي الحرج كما سيأتي عند ذكر أدلة القول الثاني. الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إذا ذهبَ أحدُكُم إلى الغائِطِ فليَذهَبْ معه بثلاثةِ أحجارٍ يَستَطيبُ بهنَّ، فإنَّها تُجزئُ عنه)) (٢). وجه الاستدلال: أن في الحديث أمراً بثلاثة أحجار، والأمر يقتضي الوجوب، ودل على أن ثلاثة أحجار تجزي من الاستنجاء، ولا يجزي بأقل من ذلك، والإجزاء إنما يُستعمل في الواجب (٣). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً (٤) فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ (٥) (٦). وجه الاستدلال: أن إلقاء النبي ﷺ للروثة وأخْذه الحجرين، دل على أن الاستجمار بهما يجزئ؛ لأنه لو كان لا يجزئ الاستجمار بما دون الثلاث لما اكتفى

стр. 127

بالحجرين، ولطلب ثالثاً، ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين، وهذا دليل على أن الثلاث للاستحباب (١). نُوقش: أنه مع الاحتمال لا يتم الاستدلال؛ فإن قوله (فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ) ليس فيه دليل على أنه اقتصر عليهما؛ لجواز أن يكون أخذ ثالثاً مكان الروثة، فيكون قد استوفاها عدداً أو اكتفى بطلبه الأول، ويدل عليه حديث سلمان، وهو نص في عدم الاقتصار على دون الثلاثة (٢). الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ … الحديث)) (٣). وجه الاستدلال: أن اسم الوتر يقع على المرة، فإذا أنقى بحجر واحد أجزأه، وقوله: (لا حرج) قرينة تدل على نفي الوجوب والعدد، فدل أن الأمر للندب (٤). نُوقش: أن الوتر في الحديث يُخصَّص عمومه بأحاديث الأمر بثلاثة أحجار، فيكون المراد بالوتر ما زاد على الثلاثة جمعاً بين الأحاديث (٥)، كما في قوله ﷺ : ((إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلَاثاً)) (٦)، والأحاديث تفسر بعضها بعضاً. الدليل الثالث: القياس على الماء؛ لأن الماء إذا أنقى كفى، ولا يُشترط فيه

стр. 128

العدد (١). نُوقش: بأنه ليس كالماء؛ لأن الماء لما اعتُبرت فيه إزالة الأثر لم يفتقر إلى العدد، والأحجار لما لم يُعتبر فيها إزالة الأثر افتقرت إلى العدد (٢). سبب الخلاف: «سبب اختلاف العلماء هو تعارض مفهوم إزالة النجاسة مع ظاهر اللفظ في الأحاديث التي ذُكر فيها العدد، وذلك أن مَنْ كان المفهوم عنده من الأمر بإزالة النجاسة إزالة عينها -أي: الإنقاء- لم يشترط العدد أصلاً، وجعل العدد الوارد من ذلك في الاستجمار في حديث سلمان الثابت الذي فيه الأمر ألا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار على سبيل الاستحباب؛ حتى يجمع بين المفهوم من الشرع والمسموع من هذه الأحاديث. وأما مَنْ صار إلى ظواهر هذه الآثار واستثناها من المفهوم: فاقتصر بالعدد على هذه المحال التي ورد العدد فيها» (٣). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم الاستجمار بما دون ثلاثة أحجار، وإن أنقى. قال ابن المنذر ﵀: «دلت الأخبار الثابتة عن النبي ﷺ على أن ثلاثة أحجار تجزي من الاستنجاء، وبذلك قال كل مَنْ نحفظ عنه من أهل العلم، إذا أنقى ودل حديث رسول الله ﷺ على أن الاستنجاء لا يجزي بأقل من ثلاثة أحجار» (٤). أسباب الترجيح: ١ - قوة الأدلة وصراحتها في الدلالة على المنع من الاقتصار على دون الثلاث. ٢ - أن التعيين بالعدد ثبت قولاً وفعلاً عن رسول الله ﷺ . ٣ - عدم المعارِض القوي الدلالة.

стр. 129

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: أصحاب القول الثاني حملوا الأمر الوارد في المسألة على الاستحباب، والنهي على تأكيد الاستحباب؛ بدليل القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص بعدم الحرج في ترك المأمور به. وذلك في قوله: (ومن لا فلا حرج)، فكانت قرينة على أن الأمر ليس للوجوب. القرينة الثانية: فِعل النبي ﷺ الدالُّ على جواز الاقتصار على ما دون الثلاث. وهو ما جاء في حديث ابن مسعود ﵁. جاء في (البحر الرائق): «يُحمل على الاستحباب بدليل: أنه لما أتى له ﵇ بحجرين وروثة ألقى الروثة، واقتصر على الحجرين» (١). الحكم على القرينة: قرينة رفع الحرج عند ترك الامتثال لمقتضى الأمر أو النهي، قرينة معتبرة صارفة؛ لدلالتها على أن الأمر ليس للوجوب والنهي ليس للتحريم، لكن الفقهاء اختلفوا في المراد بالأمر بالإيتار في الحديث: هل يراد به على ما زاد عن الثلاث أو يراد به الإيتار على العموم فيدخل فيه الواحد فهو وتر حقيقة، فالذي يظهر أن هذا الخلاف يُضعِف هذه القرينة. وفِعل النبي ﷺ قرينة نصية، وتكون معتبرة لصرف النهي عن مقتضاه إن ثبتت دلالتها، والذي يظهر أنها مجرد احتمال يقابله احتمالات أخرى، وبسبب الاحتمال تضعف هذه القرينة كذلك. وعليه: فتبقى دلالة النهي على مقتضاه وهو تحريم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، ويؤكد التحريم: النص على الثلاث في أحاديث عدة، والله أعلم.

стр. 130

المبحث التاسع: النهي عن الاستجمار برَوْث أو عَظْم المطلب الأول: حكم الاستجمار برَوْث أو عَظم: دليل النهي: عن سلمان ﵁ قال: ((قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ (١) أَوْ بِعَظْمٍ)) (٢). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم الاستجمار بالرَّوْث والعَظم، على قولين: القول الأول: يحرم. وهو قول عند المالكية (٣)، ومذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الثاني: يُكره. وهو مذهب الحنفية (٦)، والمذهب عند المالكية (٧).

стр. 131

أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ (١) وَالرِّمَّةِ (٢) (٣). الدليل الثاني: حديث سلمان ﵁ المتقدم. الدليل الثالث: حديث جابر ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ ﷺ أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بِبَعْرٍ (٤) (٥). وجه الاستدلال: أن ظاهر النهي عن الاستنجاء بالرَّوْث والعَظم في الأحاديث يدل على أنه لا يجوز الاستنجاء بها (٦)؛ لأن الأصل في النهي المجرد عن القرينة التحريم، ولأنهما لا يطهران كما نص عليه ﷺ بقوله: ((إِنَّهُمَا لَا تُطَهِّرَانِ)) (٧). الدليل الرابع: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ، وَلَا بِالْعِظَامِ؛ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ)) (٨). الدليل الخامس: حديث ابن مسعود الآخر: قال: ((أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ، فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً،

стр. 132

فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ)) (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الاستنجاء بالروْث والعَظم، والنهي يقتضي التحريم، وبيّن في الحديث الآخر أن علة التحريم كونها طعام الجن وعلفاً لدوابهم، فلا يجوز إفساده عليهم، وللروْث علة أخرى وهي النجاسة، والنجاسة لا تُزال بمثلها (٢). الدليل السادس: عن رُوَيْفِع بن ثابت (٣) ﵁ قال: قال لي رَسُولَ اللهِ ﷺ : ((يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ (٤)، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَراً (٥)، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ -فَإِنَّ مُحَمَّداً مِنْهُ بَرِيءٌ)) (٦). وجه الاستدلال: أن الإعلام ببراءته ﷺ ممن يفعل هذه الأمور، فيه وعيد شديد ومبالغة في الزجر والنهي عنها، وذلك يفيد التحريم. أدلة القول الثاني: استدل القائلون بالكراهة بأدلة القائلين بالتحريم: كحديث سلمان وأبي هريرة وابن مسعود ﵃. والاستدلال بها من وجهين: الوجه الأول: أن القصد من الاستجمار الإنقاء، والروْث والعَظم يجففان

стр. 133

النجاسة وينقيان المحل كالحجر، فأجزأه؛ ولذا يُحمل النهي على الكراهة (١). نُوقش: بأن الروْثة تزيد في نجاسة المكان والعظم لا يُنقى لملوسته، ومَن استجمر بشيء نجس أَوْرَث المحل نجاسة، فكيف يكون منقياً؟ (٢). الوجه الثاني: أن العلة الواردة في الحديث تفيد الكراهة، فيُكره بالروْث؛ لما فيه من: استعمال النجس، وإفساد علف دواب الجن، ويُكره بالعظم لما فيه من إفساد زادهم، فكان النهي عن الاستنجاء به لمعنى في غيره لا في عينه، فلا يُمنع الاعتداد به (٣). نُوقش: أنه يُرد بقوله: (لَا تُطَهِّرَانِ)، فلكونهما لا يطهران لا يُعتد بهما، وأحاديث النهي المستفيضة تفيد التحريم (٤). سبب الخلاف: اختلافهم في علة النهي: هل هو لمعنى في المنهي عنه أو لأجل غيرهما؟ (٥) فمن ذهب إلى الأول مع الثاني قال بالتحريم، ومن ذهب إلى الثاني قال بالكراهة. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم الاستنجاء بالروْث والعَظم. أسباب الترجيح: ١ - تضافر الأدلة وقوتها وصراحتها في الدلالة على التحريم، وتأييدها بالوعيد بالبراءة من الفاعل. ٢ - أن الشريعة جاءت بمنع الإيذاء والإفساد، والاستجمار بالروْث والعَظم فيه إيذاء للجن وإفساد طعامهم وعلف دوابهم. ٣ - عدم القرينة الصارفة المعتبرة. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:

стр. 134

ذهب أصحاب القول الثاني إلى أن النهي يُحمل على الكراهة بدليل القرينة الصارفة: ورود النص بالتعليل بما لا يقتضي التحريم. ذلك أن النبي ﷺ نص على العلة بأنها زاد الجن، وهذه العلة لا تفيد التحريم؛ حيث إنها ليست لمعنى في المنهي، وإنما لمعنى مصلحة الغير، ولأنه يحصل الإنقاء باستعمالها وإن كان منهياً عنه. جاء في (حاشية ابن عابدين) بعد ذكره لعلة النهي: «لكن الظاهر أن هذا لا يفيد التحريم» (١). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن هذه القرينة غير معتبرة لحمل النهي على الكراهة، بل دلالة هذه العلة على التحريم أقوى؛ ذلك أن استعمال الروْث والعَظم في الاستنجاء فيه إفساد لزاد الجن، وذلك غير جائز، والتعليل بأنه يحصل الإنقاء باستعمالها غير صحيح؛ بدلالة النص: (لا تطهران)، ولأن العظم لِلُزُوجتِه لا يزيل الأذى إزالة تامة، والروْث نجس، والنجس يزيد النجاسة ولا يزيلها. فالقرينة ضعيفة، ولا تقوى على معارضة القول بالتحريم؛ لتضافر الأدلة وقوتها، مع وجود ما يعضدها من الوعيد لفاعل المنهي عنه، والله أعلم.

стр. 135

المبحث العاشر: النهي عن دخول المرأة إلى الحمامات المطلب الأول: حكم دخول المرأة إلى الحمامات (١): دليل النهي: عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الْحَمَّامُ حَرَامٌ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي)) (٢). صورة المسألة: هل يجوز للمرأة دخول الحمامات العامة لعذر أو لغير عذر؟ تحرير محل النزاع: أولاً: محل الاتفاق: اتفق الفقهاء (٣) على إباحة دخول المرأة الحمام للعذر، كمرض أونفاس. قال ابن تيمية ﵀ في كلامه عن مسألة دخول الحمام: «إن الأمور المحرمة إنما يُباح منها ما تدعو إليه الحاجة؛ ولهذا حُرمت على النساء إلا لحاجة؛ لأن المرأة كلها عورة، ولا يحل لها أن تضع ثيابها في غير بيت زوجها، … والحاجة التي تبيحها مع قيام الحاظر: المرض والنفاس؛ فإن الحمام يذهب الدرن وينفع البدن، وكذلك الحاجة إلى الغسل من جنابة أو حيض أو غيره مع تعذره في المنزل وخشية التضرر به لبرد أو غيره» (٤). الأدلة: الدليل الأول: استدل الفقهاء على استثناء حالة العذر بحديث عبد الله بن

стр. 136

عمرو ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتاً يُقَالُ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إِلَّا بِالْأُزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إِلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ)) (١). الدليل الثاني: عن أم كلثوم (٢) ﵂ قالت: ((أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ فَطَلَيْتُهَا بِالنَّوْرَةِ (٣)، ثُمَّ طَلَيْتُهَا بِالْحِنَّاءِ عَلَى إِثْرِهَا مَا بَيْنَ فَرْقِهَا إِلَى قَدَمِهَا فِي الْحَمَّامِ مِنْ حِصْنٍ (٤) كَانَ بِهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: أَلَمْ تَكُونِي تَنْهَيِ النِّسَاءَ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي سَقِيمَةٌ، وَأَنَا أَنْهَى الْآنَ أَلَّا تَدْخُلَ امْرَأَةٌ الْحَمَّامَ إِلَّا مِنْ سَقَمٍ)) (٥). وجه الاستدلال: أن في الحديث والأثر دليلاً على أنه لا يجوز لهن دخول الحمام إلا لعذر من: حيض، أو نفاس، أو مرض، أو حاجة إلى الغسل، ولا يمكنها أن تغتسل في بيتها؛ لتعذُّر ذلك عليها، أو خوفها من مرض، أو ضرر (٦). ثانياً: محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم دخول المرأة الحمامات لغير عذر، على ثلاثة أقوال: القول الأول: التحريم. وهو مذهب المالكية (٧)، والحنابلة (٨).

стр. 137

القول الثاني: الكراهة. وهو قول عند المالكية (١)، ومذهب الشافعية (٢). القول الثالث: يُباح للمرأة دخول الحمام وإن كان لغير عذر. وهو مذهب الحنفية (٣). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ)) (٤). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنِ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمَيَازِرِ (٥)، وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلنِّسَاءِ)) (٦).

стр. 138

الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الْحَمَّامُ حَرَامٌ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي)) (١). الدليل الرابع: عن أبي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ (٢) قال: دَخَلَ نِسْوَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتُنَّ؟ قُلْنَ: مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، قَالَتْ: لَعَلَّكُنَّ مِنَ الْكُورَةِ (٣) الَّتِي تَدْخُلُ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ؟ قُلْنَ: نَعَمْ، قَالَتْ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ (٤) مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ ) (٥). وجه الاستدلال: أن في هذه الأحاديث نهياً للمرأة عن دخول الحمام، والنهي يفيد التحريم، وقد صُرح بالتحريم في حديث عائشة، ولأن جسد المرأة كلها عورة، ولا يجوز كشفه إلا عند

стр. 139

الضرورة؛ ولذلك مُنعت من أن تضع ثيابها في غير بيت زوجها، ودخولُ الحمامات مظنةُ كشف العورات، فيحرم (١)، وخُص حال العذر بحديث عبد الله بن عمرو كما تقدم. نُوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن منع دخول النساء الحمام؛ لئلا يكون ذريعة إلى أن يدخلنه غير مؤتزرات، لا من أجل أن عليهن حرجاً وإثماً في دخولهن إياه مؤتزرات (٢). وأُجيب عنه: أن النهي جاء جملة من غير تفصيل (٣)، وحمله على دخولهن غير مؤتزرات لا دليل عليه. الوجه الثاني: أنها إنما تكون قد هتكت سترها إذا وضعت ثيابها؛ حيث لا تأمن أن يطلع أحد من الرجال عليها مكشوفة الرأس أو الجسم، وإن أمنت أن يطلع عليها أحد من الرجال فلا حرج (٤)، والمراد بالمنع: منعهن من الخروج، وحثهن على القرار في البيوت (٥). وأُجيب عنه: إنما النهي؛ لأن الحمامات مظنة التكشف والنظر في الجملة (٦). الوجه الثالث: إن هذا النهي إنما كان في الوقت الذي لم يكن للنساء حمام مفرد، فأما اليوم: فقد زال ذلك، فيجب أن يجوز (٧). يمكن أن يُجاب عنه: بأنه لا يتصور أن الحمامات في العصر الأول كانت مختلطة؛ فالأحاديث الواردة في الحمامات لم تُشِر إلى ذلك؛ فلو كانت مختلطة لأُشير إليه، ومما يؤيد وجود حمامات مفردة للنساء: دخول عائشة ﵂ الحمام حين احتاجت لها حال المرض، ويبعُد دخولها حماماً مختلطاً. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث عائشة ﵂: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنِ

стр. 140

الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمَيَازِرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلنِّسَاءِ)) (١). وجه الاستدلال: أنه لم يرُخص للنساء حمايةً للذرائع في دخولهن بغير ميازر، فيكون دخولهن مئتزرات مكروهاً غير محرم (٢). نُوقش: أن النهي جاء جملة من غير تفصيل (٣)، وحمله على دخولهن غير مؤتزرات لا دليل عليه. الدليل الثاني: حديث عائشة ﵂ قالت: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ ) (٤). وجه الاستدلال: أن المرأة إنما تكون قد هتكت سترها إذا وضعت ثيابها حيث لا تأمن أن يطلع أحد، وإن أمنت أن يطلع عليها أحد، فيُكره ولا يحرم (٥). نُوقش: إنما النهي؛ لأن الحمامات مظنة التكشف والنظر في الجملة (٦). الدليل الثالث: عن أم كلثوم قالت: ((أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ فَطَلَيْتُهَا بِالنَّوْرَةِ، ثُمَّ طَلَيْتُهَا بِالْحِنَّاءِ عَلَى إِثْرِهَا مَا بَيْنَ فَرْقِهَا إِلَى قَدَمِهَا فِي الْحَمَّامِ مِنْ حِصْنٍ كَانَ بِهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا: أَلَمْ تَكُونِي تَنْهَيِ النِّسَاءَ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي سَقِيمَةٌ، وَأَنَا أَنْهَى الْآنَ أَلَّا تَدْخُلَ امْرَأَةٌ الْحَمَّامَ إِلَّا مِنْ سَقَمٍ)) (٧). وجه الاستدلال: أنه يُستدل بقول عائشة وفِعلها على أنها كرهت للنساء دخول الحمامات مستترات من غير تحريم، وكانت تنهى عن ذلك، ولم ترخص لهن فيه إلا من مرض، ولو كان عليهن حراماً لما جاز في المرض، فهو لهن مع المرض جائز، ومع الصحة مكروه إذا كُنْ مستترات مؤتزرات (٨). الدليل الرابع: أن أَمْر النساء مبني على المبالغة في التستر، ولما في وضْع ثيابهن في

стр. 141

غير بيوتهن من الهتك، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر (١)، فيُكره دخولهن الحمامات. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: أن نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى الرجل باعتبار المجانسة وانعدام الشهوة غالباً (٢)، فدل ذلك على إباحة دخولها الحمام مع النساء. نُوقش: بأنه لا يسلم بذلك؛ فإن المرأة ليست كالرجل؛ لأن جميع بدنها عورة، ونظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى ذوات محارمه (٣). الدليل الثاني: أن العُرف الظاهر في جميع البلدان ببناء الحمامات للنساء وتمكينهن من دخول الحمامات (٤)، وهذا دليل على الإباحة؛ فالعرف الظاهر بين الناس حجة (٥). يمكن أن يُناقش: بأن العادة تُعتبر عند عدم النص (٦)، والعادة التي تكون على خلاف النص فهي فاسدة لا تُعتبر (٧)، وقد ورد النص بالنهي، فوجب العمل به. الدليل الثالث: أن حاجة النساء إلى دخول الحمامات فوق حاجة الرجال؛ لأن المقصود تحصيل الزينة، والمرأة إلى هذا أحوج من الرجل (٨)، فيُباح دخولها للحاجة. يمكن أن يُناقش: بأن التعليل في معارضة النص أو فيما يبطل حكم النص، باطل بالاتفاق (٩). سبب الخلاف: الخلاف في هذه المسألة مبني على أمرين:

стр. 142

١ - اختلاف الفقهاء في معنى النهي الوارد في المسألة: هل هو لحث المرأة على القرار في البيت أو لأنه مظنة التكشف؟ ٢ - الخلاف في مسألة حد عورة المرأة مع المرأة. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم دخول المرأة الحمام لغير عذر. قال ابن تيمية ﵀: «إن الأمور المحرمة إنما يُباح منها ما تدعو إليه الحاجة؛ ولهذا حُرمت على النساء إلا لحاجة» (١). أسباب الترجيح: ١ - تضافر أدلة النهي، وأن الأصل في النهي: التحريم. ٢ - أن المرأة في الإسلام شأنُها الستر والحياء والتحفظ عن كشف العورات، فهذا القول فيه الاحتياط صيانةً للمرأة. ٣ - ضعف أدلة الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليه. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب أصحاب القول الثاني إلى أن النهي محمول على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له: القرائن التالية: القرينة الأولى: قاعدة سد الذرائع. وذلك أنه لم يرُخص للنساء حمايةً للذرائع في دخولهن بغير ميازر، فيكون دخولهن مئتزرات مكروهاً غير محرم (٢). وفيه إرشاد المرأة إلى صيانة نفسها عن أسباب التَكشُّف، والتنزيه عما يكون في الحمام من كشف العورات أو غيره من المنكرات (٣).

стр. 143

قال المناوي ﵀: «ذهب الأكثر إلى أن دخولها لهن مكروه تنزيهاً» (١). القرينة الثانية: أن النهي عنه في حال دون حال. جاء في (المقدمات الممهدات) بعد ذكر أثر عائشة ﵂: «فدل ذلك من قولها وفعلها أنها كرهت للنساء دخول الحمامات مستترات من غير تحريم ونهتهن عن ذلك ولم ترخص لهن فيه إلا من مرض. ولو كان عليهن حراما لما جاز في المرض، فهو لهن مع المرض جائز، ومع الصحة مكروه إذ كن مستترات متزرات» (٢). قال الإمام الشافعي ﵀: «أصل النهي من رسول الله ﷺ أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم: إما أراد به نهياً عن بعض الأمور دون بعض، وإما أراد به النهي للتنزيه عن المنهي والأدب والاختيار» (٣). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القرائن ضعيفة غير معتبرة؛ وذلك -بالنظر في أدلة النهي- نجد أن منها ما جاء بالنهي المجرد، ومنها ما جاء بالنص الصريح على التحريم، والتعبير بهتك الستر بينها وبين الله: فيه تشديد في الزجر، فكانت أدلة النهي أقوى دلالة على التحريم، ثم إن المعنى الذي صرفوا به النهي إلى الكراهة أولى به أن يكون مؤيداً للقول بالتحريم لا الكراهة، فالمرأة مأمورة بالستر والمبالغة فيه؛ صيانة لها، وفتح باب دخولها الحمامات بلا حاجة قد يجر إلى مفاسد كثيرة، وقد شُوهد -في هذا العصر- التهاون في الستر من بعض النساء عند دخولهن إلى ما يُسمى بصالون التجميل -حمانا الله والمسلمات من الشرور والفتن-، والله أعلم.

стр. 144

الفصل الرابع المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب سنن الفطرة وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: النهي عن حَلق الرأس في غير الحج والعمرة. المبحث الثاني: النهي عن القَزَع. المبحث الثالث: النهي عن تغيير الشَّيْب بالسواد. المبحث الرابع: النهي عن نَتْف الشَّيْب. المبحث الخامس: النهي عن حَلق المرأةِ رأسَها. المبحث السادس: النهي عن وَصْل المرأةِ رأسَها بغير الشعر.

стр. 145

المبحث الأول: النهي عن حلق الرأس في غير الحج والعمرة المطلب الأول: حكم حَلْق الرأس في غير الحج والعمرة (١): دليل النهي: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لَا تُوضَعُ النَّوَاصِي (٢) إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ)) (٣). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم حلق الرأس في غير الحج والعمرة، على قولين: القول الأول: يُباح حلق الرأس، والأفضل تَركُه. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: يُكره حلق الرأس. وهو مذهب المالكية (٧)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٨).
следующие страницы →