← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

غير بيوتهن من الهتك، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر (١)، فيُكره دخولهن الحمامات. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: أن نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى الرجل باعتبار المجانسة وانعدام الشهوة غالباً (٢)، فدل ذلك على إباحة دخولها الحمام مع النساء. نُوقش: بأنه لا يسلم بذلك؛ فإن المرأة ليست كالرجل؛ لأن جميع بدنها عورة، ونظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى ذوات محارمه (٣). الدليل الثاني: أن العُرف الظاهر في جميع البلدان ببناء الحمامات للنساء وتمكينهن من دخول الحمامات (٤)، وهذا دليل على الإباحة؛ فالعرف الظاهر بين الناس حجة (٥). يمكن أن يُناقش: بأن العادة تُعتبر عند عدم النص (٦)، والعادة التي تكون على خلاف النص فهي فاسدة لا تُعتبر (٧)، وقد ورد النص بالنهي، فوجب العمل به. الدليل الثالث: أن حاجة النساء إلى دخول الحمامات فوق حاجة الرجال؛ لأن المقصود تحصيل الزينة، والمرأة إلى هذا أحوج من الرجل (٨)، فيُباح دخولها للحاجة. يمكن أن يُناقش: بأن التعليل في معارضة النص أو فيما يبطل حكم النص، باطل بالاتفاق (٩). سبب الخلاف: الخلاف في هذه المسألة مبني على أمرين:

стр. 142

١ - اختلاف الفقهاء في معنى النهي الوارد في المسألة: هل هو لحث المرأة على القرار في البيت أو لأنه مظنة التكشف؟ ٢ - الخلاف في مسألة حد عورة المرأة مع المرأة. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم دخول المرأة الحمام لغير عذر. قال ابن تيمية ﵀: «إن الأمور المحرمة إنما يُباح منها ما تدعو إليه الحاجة؛ ولهذا حُرمت على النساء إلا لحاجة» (١). أسباب الترجيح: ١ - تضافر أدلة النهي، وأن الأصل في النهي: التحريم. ٢ - أن المرأة في الإسلام شأنُها الستر والحياء والتحفظ عن كشف العورات، فهذا القول فيه الاحتياط صيانةً للمرأة. ٣ - ضعف أدلة الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليه. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب أصحاب القول الثاني إلى أن النهي محمول على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له: القرائن التالية: القرينة الأولى: قاعدة سد الذرائع. وذلك أنه لم يرُخص للنساء حمايةً للذرائع في دخولهن بغير ميازر، فيكون دخولهن مئتزرات مكروهاً غير محرم (٢). وفيه إرشاد المرأة إلى صيانة نفسها عن أسباب التَكشُّف، والتنزيه عما يكون في الحمام من كشف العورات أو غيره من المنكرات (٣).

стр. 143

قال المناوي ﵀: «ذهب الأكثر إلى أن دخولها لهن مكروه تنزيهاً» (١). القرينة الثانية: أن النهي عنه في حال دون حال. جاء في (المقدمات الممهدات) بعد ذكر أثر عائشة ﵂: «فدل ذلك من قولها وفعلها أنها كرهت للنساء دخول الحمامات مستترات من غير تحريم ونهتهن عن ذلك ولم ترخص لهن فيه إلا من مرض. ولو كان عليهن حراما لما جاز في المرض، فهو لهن مع المرض جائز، ومع الصحة مكروه إذ كن مستترات متزرات» (٢). قال الإمام الشافعي ﵀: «أصل النهي من رسول الله ﷺ أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم: إما أراد به نهياً عن بعض الأمور دون بعض، وإما أراد به النهي للتنزيه عن المنهي والأدب والاختيار» (٣). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القرائن ضعيفة غير معتبرة؛ وذلك -بالنظر في أدلة النهي- نجد أن منها ما جاء بالنهي المجرد، ومنها ما جاء بالنص الصريح على التحريم، والتعبير بهتك الستر بينها وبين الله: فيه تشديد في الزجر، فكانت أدلة النهي أقوى دلالة على التحريم، ثم إن المعنى الذي صرفوا به النهي إلى الكراهة أولى به أن يكون مؤيداً للقول بالتحريم لا الكراهة، فالمرأة مأمورة بالستر والمبالغة فيه؛ صيانة لها، وفتح باب دخولها الحمامات بلا حاجة قد يجر إلى مفاسد كثيرة، وقد شُوهد -في هذا العصر- التهاون في الستر من بعض النساء عند دخولهن إلى ما يُسمى بصالون التجميل -حمانا الله والمسلمات من الشرور والفتن-، والله أعلم.

стр. 144

الفصل الرابع المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب سنن الفطرة وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: النهي عن حَلق الرأس في غير الحج والعمرة. المبحث الثاني: النهي عن القَزَع. المبحث الثالث: النهي عن تغيير الشَّيْب بالسواد. المبحث الرابع: النهي عن نَتْف الشَّيْب. المبحث الخامس: النهي عن حَلق المرأةِ رأسَها. المبحث السادس: النهي عن وَصْل المرأةِ رأسَها بغير الشعر.

стр. 145

المبحث الأول: النهي عن حلق الرأس في غير الحج والعمرة المطلب الأول: حكم حَلْق الرأس في غير الحج والعمرة (١): دليل النهي: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لَا تُوضَعُ النَّوَاصِي (٢) إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ)) (٣). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم حلق الرأس في غير الحج والعمرة، على قولين: القول الأول: يُباح حلق الرأس، والأفضل تَركُه. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: يُكره حلق الرأس. وهو مذهب المالكية (٧)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٨).

стр. 146

أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صَبِيّاً حُلِقَ بَعْضُ شَعَرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهم عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ)) (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ سَوَّى بين الحلق والترك وخيَّر بينهما، والتخيير دليل صريح على الإباحة، ولا يحتمل تأويلاً (٢). الدليل الثاني: عن عبد الله بن جعفر ﵄ (٣): ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثاً أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي، فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ (٤)، فَقَالَ: ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ، فَأَمَرَهُ، فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا)) (٥). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر بحلق رؤوسهم، ولو لم يَجُز الحلق ما حلقهم، فهذا دليل على جواز حلق الرأس جميعه (٦).

стр. 147

أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ (١)، وَسَلَقَ (٢)، وَخَرَقَ (٣) (٤)، وفي رواية: ((لَيْسَ مِنَّا من حلق (٥) … )) (٦). وجه الاستدلال: أن البراءة من فاعل هذه الأمور -ومنها: حلق الرأس- وقوله: (ليس منا)، مبالغة في الردْع عن الوقوع فيها، دالٌّ على كراهتها. نُوقش: أن هذا استدلال بالحديث في غير المراد به، وإنما المراد هنا النهي عن الحلق للتسخط على المصيبة؛ بدلالة قوله: (وسلق، وحلق) (٧)، وقصة الحديث تدل على ذلك. الدليل الثاني: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لَا تُوضَعُ النَّوَاصِي إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ)) (٨). وجه الاستدلال: أن في الحديث النهي عن حلق الرأس في غير النُسُك، والنهي للكراهة والتنزيه.

стр. 148

نُوقش: أن الحديث إسناده ضعيف، فلا يحتج به، ولم يصح في النهي حديث (١). الدليل الثالث: حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال في الخوارج (٢): ((سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ)) (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل حلْق الرأس علامة للخوارج (٤)، فيكره تنزيها عن مشابهتهم. نُوقش: بأنه لا دلالة فيه على كراهة حلق الرأس، وإنما هو علامة لهم، والعلامة قد تكون بحرام، وقد تكون بمباح (٥). الدليل الرابع: قال عمر ﵁ لصُبَيغ (٦) بعدما جلده على ما كان منه: ((وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ وَجَدْتُكَ مَحْلُوقاً لَضَرَبْتُ رَأْسَكَ)) (٧). وجه الاستدلال: أن عمر ﵁ أدَّب صبيغاً بالجلد لما سأل عن المتشابهات، وقوله: (لضربت رأسك) يعني: لقتلتك، وإنما يقتله لو كان محلوق الرأس لأنه ظنه من الخوارج؛ فالنبي ﷺ جعل علامتهم التحليق (٨).

стр. 149

سبب الخلاف: السبب هو الاختلاف في ثبوت حديث النهي. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بإباحة حلق الرأس في غير النسك، وهو قول الجمهور. قال ابن تيمية ﵀: «ما جاء فيه من الكراهة فهو -والله أعلم- فيمن يعتقده قربة وشعار الصالحين، وهكذا كانت الخوارج، فأما إن حلقه على أنه مباح وإنَّ تركه أفضل، فلا» (١). أسباب الترجيح: ١ - أن الأصل الإباحة، ويؤكده تخيير النبي ﷺ بين الحلق والترك. ٢ - قوة أدلة هذا القول، وأنه لم يصح شيء عن النبي ﷺ في النهي عن حلق الرأس. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب أصحاب القول الثاني إلى أن النهي محمول على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له: المقصد من النهي. فالمقصد منه: التنزيه وكراهة مشابهة الخوارج؛ لكون حلق الرأس شعارهم. جاء في (المغني) و (المجموع) استدلالهم بحديث أبي سعيد الخدري في ذكر صفة الخوارج. وساق ابن قدامة في (المغني)، قول عمر ﵁ لصبيغ، إشارةً إلى أن الحلق علامة للخوارج؛ فيكره التشبه بهم. الحكم على القرينة: قرينة المقصد من النهي هنا غير معتبرة، فلا تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة؛ إذ -بالنظر في أدلة النهي- نجد أنه لم يثبت في النهي دليل صحيح مرفوع، وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الصحيح، ولكن كون الحلق علامة الخوارج لا يفيد

стр. 150

نهياً؛ فلا نهي صحيح حتى يُصرف عن مقتضاه بهذه القرينة. وحيث لا أدلة تقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الدالة على إباحة الحلق بلا كراهة، يكون القول بالإباحة هو الراجح، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 151

المبحث الثاني: النهي عن القَزَع المطلب الأول: حكم القزع (١): دليل النهي: عن ابن عمر ﵄: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ، قيل لِنَافِعٍ (٢): وَمَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ، وَيُتْرَكُ بَعْضٌ)) (٣). صورة المسألة: القزع: أن يحلق الإنسان بعض الرأس ويترك بعضه الآخر، فماحكم هذا الفعل؟ حكم المسألة: أجمع العلماء ﵏ (٤) على كراهة القزع. قال النووي ﵀: «أجمع العلماء على كراهة القزع إذا كان في مواضع متفرقة إلا أن يكون لمداواة ونحوها، وهي كراهة تنزيه» (٥). الأدلة: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ، قيل لِنَافِعٍ: وَمَا

стр. 152

الْقَزَعُ؟ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ، وَيُتْرَكُ بَعْضٌ)) (١) وجه الاستدلال: أن الراوي فسَّر القزع بحلق بعض الرأس وتَرْك بعضه، والنهي للكراهة، والصارف عن التحريم هو إجماع العلماء (٢). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صَبِيّاً حُلِقَ بَعْضُ شَعَرِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهم عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: احْلِقُوهُ كُلَّهُ، أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ)) (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أنكر حَلْق بعض الشعر وتَرْك بعضه، ونهى عنه، ويُحمل النهي على الكراهة؛ للإجماع (٤). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: اتفق الفقهاء على أن النهي عن القزع يُحمل على الكراهة؛ بدليل القرائن التالية: القرينة الأولى: الإجماع. القرينة الثانية: المقصد من النهي. فالنهي اُريد به التنزيه عن مشابهة زيُّ اليهود (٥)، أو زيُّ أهل الشر والشيطان (٦). قال ابن تيمية ﵀: «علل النهي بأن ذلك زي اليهود، وتعليل النهي بعلة يوجب أن تكون العلة مكروهة مطلوب عدمها، فعُلم أن زي اليهود -حتى في الشعر- مما يُطلب عدمه، وهو المقصود» (٧). قال النووي: « … وهي كراهة تنزيه» (٨). وقال المَنَاوي: « … لأنه نوع من القزع، وهو مكروه تنزيهاً» (٩). الحكم على القرينة:

стр. 153

قرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة، يُصرف بها النهي عن مقتضاه؛ لأن الإجماع لا يمكن أن يكون مخالفاً لمقتضى النص الشرعي، وقرينة المقصد من النهي قرينة معتبرة اعتضدت بما قبلها. وقد اتفق الفقهاء على حمل النهي عن القزع إلى الكراهة عملاً بهذه القرائن لقوتها، والله أعلم.

стр. 154

المبحث الثالث: النهي عن تغيير الشَّيْب بالسواد المطلب الأول: حكم تغيير الشَّيْب بالسواد: دليل النهي: عن جابر ﵁ قال: ((أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ (١) يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ (٢) بَيَاضاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ)) (٣)، وفي رواية: ((غَيِّرُوهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ سَوَاداً)) (٤). صورة المسألة: لو أراد شخص تغيير الشَّيْب في رأسه أو لحيته بصبغه بالسواد، هل يجوز له ذلك أو لا؟ تحرير محل النزاع: أولاً: محل الاتفاق: اتفق الفقهاء (٥) على إباحة تغيير الشَّيْب بالسواد في جهاد العدو؛ لأن الغازي مع سواد شعره أهيب وأرهب في عين العدو (٦).

стр. 155

قال ابن حجر ﵀: « … ويُستثنى من ذلك المجاهد اتفاقاً» (١). واتفق الفقهاء (٢) على تحريم تغيير الشَّيْب بالسواد في بيع أو نكاح؛ لما فيه من التدليس (٣) والخداع، وذلك حرام (٤)؛ لقوله ﷺ : ((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)) (٥). قال ابن القيم ﵀: «أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس» (٦). ثانياً: محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم التغيير بالسواد في غير الجهاد أو البيع والنكاح، على قولين: القول الأول: يُكره. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والحنابلة (٩). القول الثاني: يحرم. وهو مذهب الشافعية (١٠). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن جابر ﵁ قال: ((أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ)) (١١). الدليل الثاني: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((غَيِّرُوا الشَّيْب، وَلَا تُقَرِّبُوهُ

стр. 156

السَّوَادَ)) (١). وجه الاستدلال: أن الأحاديث تدل على مشروعية تغيير الشَّيْب، وعلى النهي عن الخِضاب بالسواد، ويُحمل على الكراهة للتنزيه (٢)، ولقرينة خضاب بعض الصحابة ﵃ بالسواد ولم يُنكر عليهم، فدل ذلك على أنهم فهموا أن النهي ليس للتحريم. الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((يكونُ قَوْمٌ يخضِبُونَ في آخِرِ الزَّمانِ بالسَّواد كحَواصِلِ الحَمَامِ، لا يَرِيحُون رائِحةَ الجنَّة)) (٣). وجه الاستدلال: أن الحديث يدل على أن من صفة أهل النار أنهم يخضِبون بالسواد، فيُكره ذلك؛ لكراهة التشبه بأهل النار (٤). نُوقش من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الكريم بن أَبِي المُخَارِق (٥) (٦). وأُجيب عنه: أن الصواب أنه عبد الكريم بن مالك الجزري (٧)، وهو ثقة. الثاني: بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخِضاب بالسواد، بل فيه الإخبار بصفة

стр. 157

هؤلاء القوم (١). وأُجيب عنه: أنه خلاف ما يتبادر من سياق الحديث، وأن ترتيب الحكم على الوصف مُشعِر بأنه علة الحكم، وقد وصف القوم المذكورين بأنهم يخضِبون بالسواد (٢). الدليل الرابع: الآثار التي رُويت عن بعض الصحابة ﵃ بأنهم صبغوا بالسواد، منها: ((أن الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ كَانَا يَخْضِبَانِ بِالسَّوَادِ)) (٣)، وأنه: ((كَانَ سَعْدٌ يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ)) (٤). وجه الاستدلال: أن الصبغ بالسواد فَعَله جماعة من الصحابة، ولم يُنكر عليهم، فدل ذلك على أن الصحابة فهموا أن النهي عنه ليس للتحريم (٥). نوقش: أن ما رُوي من آثار عن بعض الصحابة أنهم خضبوا بالسواد، يحتمل أنهم فعلوه للمهابة في الغزو (٦). أدلة القول الثاني: الدليل الأول والثاني: استدلوا بحديثي جابر وأنس ﵄ اللذين استدل بهما أصحاب القول الأول. وجه الاستدلال: أن قوله: (اجتنبوا) وقوله: (لا تقربوه)، يفيدان النهي عن تغيير الشَّيْب بالسواد، وهو للتحريم (٧)؛ لأن الأصل في النهي أنه يقتضي التحريم، ولا يُصرف عنه إلا بقرينة صارفة، ولا صارف هنا. نُوقش: بأن النهي يُحمل على الكراهة للتنزيه، ولقرينة فِعل بعض الصحابة (٨).

стр. 158

الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((يكونُ قَوْمٌ يخضِبُونَ في آخِرِ الزَّمانِ بالسَّواد كحَواصِلِ الحَمَامِ، لا يَرِيحُون رائِحةَ الجنَّة)) (١). وجه الاستدلال: أن الحديث يدل على تحريم الصبغ بالسواد (٢)؛ لورود الوعيد الشديد بقوله: (لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ)، ولا يكون ذلك إلا على محرم. نوقش: أنه خلاف ما يتبادر من سياق الحديث، وأن ترتيب الحكم على الوصف مُشعِر بأنه علة الحكم، وقد وصف القوم المذكورين بأنهم يخضِبون بالسواد (٣). سبب الخلاف: سبب اختلاف الفقهاء هو تعارض ظاهر الأحاديث والآثار. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها تبين أن القول بالكراهة فيه قوة، وكذلك أدلة القول بالتحريم قوية؛ لذا أتوقف عن الترجيح، والله تعالى أعلم بالصواب. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب الجمهور إلى أن النهي يُحمل على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارفَ له القرائنُ التالية: القرينة الأولى: فِعل الصحابي للمنهي عنه. ذلك أنه إذا فعل الصحابي المنهي عنه ولم يُنكر عليه، فإن ذلك يُعد قرينة على أن النهي ليس للتحريم. القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. قال النووي ﵀: « … وظاهر عباراتهم أنه كراهة تنزيه» (٤). جاء في (الفواكه الدواني): «(ويُكره صباغ الشعر) الغير الأسود (بالسواد) لغير مقتضى شرعي، ولما كانت الكراهة قد تكون محمولة على التحريم قال: (من غير تحريم)،

стр. 159

بل لمجرد التنزيه» (١). والعلة: التنزيه عن حصول التلبيس (٢)؛ لذهاب اللون الأول جملةً بالتسويد. جاء في (الفواكه الدواني): «إنما كُره الصِّباغ بالسواد دون غيره؛ لأن فيه صرف لون إلى لون مع ذهاب الأول، بخلاف نحو الحناء؛ فإن الأول لم يذهب جملة، وإنما تغير، فلا يتلبس الشَّيْب على أحد باحمراره أو اصفراره» (٣). الحكم على القرينة: قرينة فِعل الصحابة للمنهي عنه مع عدم نقل الإنكار، قرينة قوية للدلالة على أن النهي ليس للتحريم، لكنه اُورد عليها احتمال أن صنيعهم كان للجهاد وإرهاب العدو، والاحتمال يضعف الاستدلال. وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد معتبرة، تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، ولعلها قد تكون معتبرة هنا لمعنى التنزيه وخوف الوقوع في التلبيس والخداع. وبما أن بعض القرائن محتملة الاعتبار، فيكون القول بالكراهة فيه قوة، وكذلك أدلة القول بالتحريم قوية، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 160

المبحث الرابع: النهي عن نَتْف الشَّيْب المطلب الأول: حكم نَتْف الشَّيْب: دليل النهي: عن عمرو بن شُعَيْب (١)، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ((لَا تَنَتْفوا الشَّيْب؛ فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ، مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَكَفَّرَ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً)) (٢). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٣) على كراهة نَتْف الشَّيْب. قال النووي ﵀: «هذا متفق عليه: قال أصحابنا وأصحاب مالك: يُكره ولا يحرم» (٤).

стр. 161

الأدلة: الدليل الأول: حديث عمرو بن شعيب: أن رسول الله ﷺ قال: ((لَا تَنَتْفوا الشَّيْب؛ فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ، مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَكَفَّرَ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً)). الدليل الثاني: عن كعب بن مُرَّة ﵁ (١) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُوراً يَوْمَ القِيَامَةِ)) (٢). وجه الاستدلال: أن في الأحاديث نهياً عن نَتْف الشَّيْب، وهو محمول على الكراهة؛ لورود الترغيب البليغ في إبقائه وترْك التعرض لإزالته؛ لأنه نور ووقار للمسلم، وبيَّن شرف الشَّيْب وأهله فصرَّح: بكَتْب الحسنة، ورفع الدرجة، وحط الخطيئة؛ ترغيباً فيه وفي المثوبة بترك نَتْفه (٣). الدليل الثالث: عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((يُكْرَهُ أَنْ يَنَتْف الرَّجُلُ الشَّعَرَةَ الْبَيْضَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ)) (٤). وجه الاستدلال: أن في هذا الحديث الموقوف تصريح من الصحابي بكراهة نَتْف الشَّيْب، والصحابة أعلم بمراد رسول الله ﷺ ؛ فهم صفوة الله تعالى لصحبة نبيه ﵇ ونَقْل الشرع عنه.

стр. 162

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: اتفق الفقهاء على أن النهي عن نَتْف الشَّيْب يُحمل على الكراهة؛ بدليل القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص في نفس الحديث ببيان علة النهي. فالقرينة: قوله ﷺ : (كانت له نورا يوم القيامة) تعليل بأن الشَّيْب نور ووقار للمسلم ونور له يوم القيامة، يراد به الترغيب. جاء في (نيل الأوطار): «في تعليله بأنه نور المسلم ترغيبٌ بليغٌ في إبقائه وترك التعرض لإزالته، وتعقيبه بقوله: (ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام) والتصريح بكتب الحسنة ورفع الدرجة وحط الخطيئة -نداءٌ بشرف الشَّيْب وأهله، وأنه من أسباب كثرة الأجور، وإيماءٌ إلى أن الرُّغوبَ عنه بنَتْفه رغوبٌ عن المثوبة العظيمة» (١). القرينة الثانية: المقصد من النهي. ذلك أن النهي عن النَتْف أُريد به الحث على ترك الشَّيْب وإبقائه والترغيب فيما سيكون له من الثواب يوم القيامة، والإرشاد إلى أن الأفضل للمسلم عدم التعرض للشيب؛ لأن فيه معنى تغيير الخلقة. قال ابن حجر ﵀: «إنما نهى عن النَتْف دون الخضب؛ لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها، بخلاف الخضب: فإنه لا يغيِّر الخِلقة على الناظر إليه، والله أعلم» (٢). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن هذه القرائن قوية ومعتبرة؛ لورود النص بالتعليل بأن الشَّيْب نور للمسلم، فحُمل -بدلالتها- النهيُ على الكراهة باتفاق الفقهاء.

стр. 163

المبحث الخامس: النهي عن حَلْق المرأةِ رأسَها المطلب الأول: حكم حلق المرأة رأسها: دليل النهي: عن علي ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا)) (١). تحرير محل النزاع: أولاً: محل الاتفاق: اتفق الفقهاء (٢) على تحريم حلق المرأة رأسها عند المصيبة، وعُدّ من الكبائر (٣). الدليل: حديث أبي موسى ﵁ قال: ((أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ: الصَّالِقَةِ (٤)، وَالْحَالِقَةِ (٥)، وَالشَّاقَّةِ (٦) (٧). وجه الاستدلال: أن الوعيد ببراءة الرسول ﷺ ممن يفعل هذه الأمور دليلٌ على تحريمها؛ لأنها مُشعِرة بعدم الرضا بالقضاء (٨).

стр. 164

ثانياً: محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم حلق المرأة رأسها بعد اتفاقهم على تحريمه في المصيبة، على قولين: القول الأول: يحرم. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول عند الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: يُكره. وهو المذهب عند الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ)) (٧). وجه الاستدلال: أن الحديث يدل على أن المرأة لا يُباح لها حلق الرأس حال النسك، وإذا لم يُبِح لها حلقَه في حال النُسُك، فغيره من الأحوال أولى (٨). الدليل الثاني: عن علي ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا)) (٩). وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً صريحاً عن حلق المرأة رأسها مطلقاً، وظاهر

стр. 165

النهي المجرد يقتضي التحريم (١)، ولا قرينة صارفة. الدليل الثالث: الإجماع على أنه ليس على النساء حلق في التحلل من النُسُك (٢)، ولو كان الحلق يجوز لهن لأُمرن به في الحج؛ لأن الحلق نُسُك على التحقيق (٣). الدليل الرابع: أن حلق الشعر مُثلة في حق المرأة كحلق اللحية في حق الرجال؛ لأن شَعْر رأسها من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها كما يدركه الحس السليم (٤). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث علي ﵁ الذي استدل به أصحاب القول الأول. وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث يُحمل على الكراهة؛ لأنها لو حلقت -في التحلل- أجزأها ولم تأتِ حراماً (٥). يمكن أن يُناقش: بأنه دعوى بلا دليل، واستدلال بمحل النزاع. الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: ((لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ)) (٦). وجه الاستدلال: أن حلق المرأة رأسها تشبه بالرجال، وقد نُهيت عن التشبه بهم، ويُحمل النهي على الكراهة لا التحريم، فلو حلقت أساءت وأجزأها (٧). نُوقش: بأن اللعن من أقوى دلالات التحريم؛ فالتشبه بالرجال محرم (٨)، وحَلْقُ

стр. 166

المرأةِ رأسَها تَشبُّهٌ بالرجال؛ لأن الحلق من صفاتهم الخاصة (١). الدليل الثالث: حديث أبي موسى ﵁ قال: ((أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ: الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ)) (٢). وجه الاستدلال: أن في الحديث براءة رسول الله ﷺ ممن تفعل هذه الأمور، وذلك يفيد التحريم، فيحرم حلق الشعر عند المصيبة (٣)؛ لما فيه من التسخُّط والاعتراض، وأما في غير المصيبة: فلا يحرم. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم حلقِ المرأةِ رأسَها في النُسُك وغيره. قال ابن حجر ﵀: «كما يحرم على المرأة الزيادة في شعر رأسها يحرم عليها حَلق شعر رأسها بغير ضرورة» (٤). أسباب الترجيح: ١ - قوة أدلة هذا القول. ٢ - أن الحلق من خصائص الرجال، وتَشبُّه المرأة بالرجال محرم.

стр. 167

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل أصحاب القول الثاني النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارفَ له القرائنُ التالية: القرينة الأولى: الاستدلال بأنها لو حلقت لم يكن حراماً. قال ابن بطال ﵀: «حديث ابن عباس ليس معناه التحريم؛ بدليل أن المرأة لو حلقت رأسها في الحج مكان التقصير اللازم لها لم تأتِ في ذلك حراماً» (١). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. قال المناوي ﵀: «(نهى أن تحلق المرأة رأسها) فيُكره ذلك تنزيهاً» (٢). والعلة: التنزيه عن التشبه بالرجال، أو خيفة أن تمثل المرأة بنفسها؛ لأن الحلق فيهن مُثلة، وقد نهي عنه (٣). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قولهم: (أنها لو حلقت لم يكن حراماً) لا يُعد قرينة صارفة؛ إذ هو قول بلا دليل، بل أجمع العلماء على أنه ليس عليها حلق في النسك، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والتنزيه غير معتبرة؛ إذ إن التعليل بالتشبُّه والمُثلة أقرب للقول بالتحريم؛ لأن تشبه النساء بالرجال حرام، وكذلك المثلة، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 168

المبحث السادس: النهي عن وصل المرأة رأسها بغير الشعر المطلب الأول: حكمُ وصلِ المرأةِ رأسَها بغير الشعر: دليل النهي: عن جابر ﵁ قال: ((زَجَرَ النبي ﷺ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئاً)) (١). صورة المسألة: لو أرادت امرأة وَصْل شعرها بغير الشعر: كالْخِرَقِ والصوف والوَبر والقَرَامِل (٢)، فهل يجوز لها ذلك أو لا يجوز؟ تحرير محل النزاع: أولاً محل الإتفاق: اتفق الفقهاء (٣) على أن رَبْط الشعر بالقرامل ونحوها مما لا يشبه الشعر، ليس بمنهيٍّ عنه، فلا بأس باستعمالها. الدليل: لأنه ليس بوصْل، ولا هو في معنى مقصود الوصل (٤)، ولأنه للتجميل والتحسين، كما يُشد منه في الأوساط، ويُربط من الحُليِّ في الأعناق، ويُجعل في الأيدي والأرجل (٥). قال الخطابي ﵀: «قد رخص أكثر العلماء في القرامل وذلك أن أمرها لا يشتبه في

стр. 169

إحاطة علم الناس بأنها استعارة فلا يظن بها تغيير الصورة» (١). ثانياً محل النزاع: اختلف الفقهاء في وَصل المرأة شعرها بغير الشعر: كالْخِرَقِ والصوف والوَبر مما يشبه الشعر، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يحرم. وهو مذهب الجمهور: المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٤). القول الثاني: يُكره. وهو المذهب عند الحنابلة (٥). القول الثالث: يُباح. وهو مذهب الحنفية (٦). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن جابر ﵁ قال: ((زَجَرَ النبي ﷺ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئاً)) (٧). وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً عن الوصال؛ فكل شيء يصل فهو وصال (٨)، والأصل في النهي المجرد عن القرينة: التحريم، وقوله: (شَيْئاً) يدل على العموم فيشمل: الصوف والْخِرَق ونحوها. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ

стр. 170

وَالمُسْتَوْصِلَةَ (١)، وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ (٢) (٣). الدليل الثالث: عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: ((سَأَلَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَتِي أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ (٤)، فَامَّرَقَ (٥) شَعَرُهَا، وَإِنِّي زَوَّجْتُهَا، أَفَأَصِلُ فِيهِ؟ فَقَالَ: لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ)) (٦). الدليل الرابع: عن عائشة ﵂: ((أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ تَزَوَّجَتْ، وَأَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَمَعَّطَ (٧) شَعَرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ)) (٨). وجه الاستدلال: أن في الأحاديث دليلاً على تحريم وصل الشعر، سواء كان لمعذورة أم عروس أم غيرها؛ لورود اللعن على الفاعل، واللعن من أقوى دلالات التحريم (٩)، وهو عام يشمل: الشَّعر والصوف والْخِرَقَ ونحوها.

стр. 171

الدليل الخامس: عن سعيد بن المسيب (١) قال: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ المَدِينَةَ آخِرَ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا، فَخَطَبَنَا، فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ، قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَحَداً يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ اليَهُودِ، ((إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهُ: الزُّورَ -يَعْنِي: الوَاصِلَةَ فِي الشَّعَرِ-)) (٢)، وفي رواية لمسلم: قَالَ: وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصاً عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: ((أَلَا وَهَذَا الزُّورُ؟! قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ)) (٣). وجه الاستدلال: أن في الحديث تسمية الوصل بالزور؛ لما فيه من الكذب والخداع، والزور منهي عنه، فأفاد تحريم الوصل وتكثير الشعر (٤). الدليل السادس: أن الوصل بالصوف والْخِرَقِ ونحوها في معنى الوصل بالشعر؛ لعموم النهي (٥). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن جابر ﵁ قال: ((زَجَرَ النبي ﷺ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئاً)) (٦). الدليل الثاني: استدلوا بحديث معاوية ﵃. وجه الاستدلال: أن في حديث جابر نهياً عن وَصْل الشعر، وهو محمول على الكراهة، وحديث معاوية يدل على تخصيص التي تصله بالشعر، فيمكن جعل ذلك

стр. 172

تفسيراً للفظ العام، وبقيت الكراهة لعموم اللفظ في سائر الأحاديث (١). نُوقش: أن حديث اللعن حجة على مَنْ حمل النهي فيه على التنزيه؛ لأن دلالة اللعن على التحريم من أقوى الدلالات، بل عند بعضهم أنه من علامات الكبيرة (٢). ولدلالة العموم في سائر الأحاديث (٣). ويمكن أن يُناقش أيضاً: بأن الرواية الأخرى لحديث معاوية ذَكر فيها الْخِرَقَ، فانَتْفى التخصيص بالشَّعر. الدليل الثالث: أن وصله بالشَّعر فيه تدليس، بخلاف غيره، فتُحمل أحاديث النهي على الكراهة في غير الشَّعر (٤). يمكن أن يُناقش: أن الوصل بغير الشعر إن كان مما يشبه الشعر تحققت فيه علة التدليس والتزوير، فيحرم كالشَّعر؛ بدليل حديث معاوية: سمى الوصل بالْخِرَقِ أيضاً: زوراً. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (٥). وجه الاستدلال: أن الآية دليل على أن الزينة حلال، وتكثير الشعر بالصوف وغيره انَتْفاع بطريق التزين بما يحتمل ذلك (٦)، فهو من الزينة المباحة. الدليل الثاني: حديث أبي هريرة: ((لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ)) (٧). وجه الاستدلال: أن اللعن في الحديث للانَتْفاع بما لا يحل الانَتْفاع به، وهو شعر بني آدم؛ لأن الآدمي بجميع أجزائه مُكرَّم، والانَتْفاع بالجزء المنفصل منه إهانة له، وليس

стр. 173

اللعن للتكثير؛ بدلالة الترخيص في اتخاذ القَرامِل، فدل على الرخصة في غير شَعر بني آدم (١). نُوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن عموم الأحاديث يردُّه؛ فإنه شامل للشعر والصوف والوَبر وغيرها، ولا دليل على التخصيص بشعر بني آدم (٢). الوجه الثاني: أن القَرامِل لم يدخل في النهي، ويلتحق بأنواع الزينة؛ لأنه ليس بوصل ولا قُصد به الوصل، وإنما المراد به التجمل والتحسين (٣)، ولا هو مما يشبه الشَّعر، فخرج عن محل النزاع. الوجه الثالث: أن علة التحريم واللعن؛ لما فيه من تغيير خلق الله؛ فهو غرر وتدليس (٤)، والتكثير بما يشبه الشعر من صوف أو وَبر ونحوها: تدليس. سبب الخلاف: اختلافهم في علة التحريم واللعن، فمنهم: مَنْ قال أن العلة هي الغرر والتدليس، وهي موجودة في الشَّعر وغيره مما يشبهه، فيحرم الجميع، ومنهم مَنْ قال بأن هذه العلة لا تُوجد إلا في الوصل بالشَّعر، فيحرم ولا يحرم غيره، ومنهم مَنْ قال بأن العلة هي التكريم والمنع من الإهانة، فيحرم الوصل بشعر بني آدم، ويُرخص في غيره. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم وصْل الشَّعر بغير الشعر مما يشبهه من الصوف والوَبر ونحوها. أسباب الترجيح: ١ - قوة أدلة هذا القول. ٢ - ورود اللعن على الواصلة، واللعن لا يكون إلا على محرم. ٣ - أن حديث جابر ﵁ نص في المسألة.

стр. 174

٤ - أن فيه سداً لذريعة الغش والفساد (١). ٥ - ضعف استدلال الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليها. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب أصحاب القول الثاني إلى كراهة وصْل المرأةِ شعرَها بغير الشعر، ولعل القرينة الصارفة له: المقصد من النهي؛ إذ النهي أُريد به التنزيه عن مقاربة المحرم وهو الوصل بالشعر لأنه تدليس (٢). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن هذه القرينة غير معتبرة؛ فوجود علة التحريم- التدليس- في غير الشعر مما يشبهه، يُضعِف هذه القرينة، ولأن اللعن من أقوى الدلالات على التحريم، ويؤكده ما جاء من الزجر والمنع وإن كان لمرض، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 175

الفصل الخامس المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب صفة الوضوء ونواقضه وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: النهي عن الإسراف في الماء. المبحث الثاني: النهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم. المبحث الثالث: النهي عن الالتفات إلى الشك في الوضوء. المبحث الرابع: النهي عن مسِّ المصحف من غير طهارة. المبحث الخامس: النهي عن السفر بالمصحف إلى دار الحرب. المبحث السادس: النهي عن قراءة الحائض والنفساء شيئاً من القرآن.

стр. 176

المبحث الأول: النهي عن الإسراف في الماء المطلب الأول: حكم الإسراف (١) في الماء: دليل النهي: عن ابن عمر ﵄ قال: ((رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: لَا تُسْرِفْ، لَا تُسْرِفْ)) (٢). صورة المسألة: الوضوء بإراقة الكثير من الماء زيادة عن القدر الذي يكفي للوضوء. حكم المسألة: أجمع العلماء (٣) على كراهة الإسراف في الماء عند الطهارة. قال النووي ﵀: «أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر» (٤). وقال أيضاً: «والإسراف مكروه بالاتفاق» (٥). وقال البخاري ﵀: «كره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فِعل النبي ﷺ » (٦). الأدلة: الدليل الأول: عن عبد الله بن المغفل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنَّه سيكونُ في هذه الأمَّةِ قومٌ يَعتَدونَ في الطُّهور والدُّعاء)) (٧).

стр. 177

وجه الاستدلال: أخبر النبي ﷺ على سبيل الذم عما يُحدَث في الأمة مما لم يكن في زمانه، ومن ذلك: الاعتداء في الطهور، وذلك مكروه للتنزيه (١)؛ لأنه يُفضِي به إلى الوسواس (٢). الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَال: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ)) (٣). وجه الاستدلال: أن في الحديث إنكاراً للإسراف في الوضوء، وقوله: (وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ) تتميم لإرادة المبالغة في الإنكار (٤)، فدل ذلك على كراهته. الدليل الثالث: عن أبي بن كعب ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: وَلَهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ)) (٥). وجه الاستدلال: أن في الحديث دلالة على كراهة الإسراف في الوضوء؛ لأنه ﷺ حذر من وسواس شيطان الوضوء؛ لإيقاعه الناس في التحيُّر والوسوسة في الوضوء، ويحملهم على الزيادة فيه (٦).

стр. 178

الدليل الرابع: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ((جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ؟ فَأَرَاهُ ثَلَاثاً، ثَلَاثاً قَالَ: هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ، وَتَعَدَّى، وَظَلَمَ)) (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ بيَّن الحد الأكمل في الوضوء، ونهى عن الزيادة عليه، وبيَّن أن مَنْ زاد عليه فقد أسرف وتجاوز، ووصفه بالإساءة والظلم؛ لما فيه من ترك الأدب بمخالفة هَديه (٢). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرائن الصارفة للنهي عن التحريم: القرينة الأولى: الإجماع. القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. ذلك أن النهي فيه الحث على التأدب بأدب رسول الله ﷺ في الوضوء، والإرشاد إلى مصلحة الحفاظ على النفس من الوسواس، والحث على القصد في استعمال الماء. قال النووي ﵀: «أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر، والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه» (٣). وجاء في مواهب الجليل: «الأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه» (٤). ومما ذكره العلماء من علل النهي: ١ - أن في الإسراف إساءة وظلماً بمخالفة هدي النبي ﷺ .

стр. 179

جاء في (المفاتيح في شرح المصابيح): «فمَن زاد على هذا فقد أساء وظلم بترك الأدب بمخالفة رسول الله ﵀» (١). ٢ - أن الإسراف في الطهور يُفضِي إلى الوسواس. جاء في (شرح المشكاة): «الاعتداء في الطهور: استعماله فوق الحاجة، والمبالغة في تحري طهوريته، حتى يفضي به إلى الوسواس» (٢). الحكم على القرينة: قرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة الصالحة لصرف النهي عن مقتضاه التحريم، والذي يظهر أن قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ لمناسبة ما ذُكر فيها من معنى لباب آداب الوضوء التي أرشد إليها النبي ﷺ ، والله أعلم. تنبيه: من صور الإسراف في الوضوء في زماننا: فتح صنبور الماء على مستوى عالي للماء مع عدم الحاجة لذلك، أو تركه مفتوحا يصب الماء بلا فائدة أثناء التنقل بين فروض الوضوء.

стр. 180

المبحث الثاني: النهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم المطلب الأول: حكم الوضوء من أكل لحم الغنم (١): دليل النهي: عن البراء بن عازب ﵁ قال: ((سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الوضوءِ (٢) من لُحومِ الإبلِ، فقال: تَوضَّؤوا منها، وسُئِلَ عن لُحوم الغَنَم، فقال: لا توضَّؤوا منها، وسُئِلَ عن الصلاة في مَبَارِكِ الإبلِ (٣)، فقال: لا تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإبل؛ فإنَّها مِنَ الشَّياطين، وسُئِلَ عن الصَّلاة في مَرَابِضِ (٤) الغَنَم، فقال: صَلُّوا فيها؛ فإنَّها بَرَكةٌ)) (٥). حكم المسألة: نقل أهل العلم أن الوضوء مما مست النار اختُلف فيه في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء منه، ماعدا لحم الإبل عند من يراه.
следующие страницы →