← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المبحث الأول: النهي عن الإسراف في الماء المطلب الأول: حكم الإسراف (١) في الماء: دليل النهي: عن ابن عمر ﵄ قال: ((رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: لَا تُسْرِفْ، لَا تُسْرِفْ)) (٢). صورة المسألة: الوضوء بإراقة الكثير من الماء زيادة عن القدر الذي يكفي للوضوء. حكم المسألة: أجمع العلماء (٣) على كراهة الإسراف في الماء عند الطهارة. قال النووي ﵀: «أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر» (٤). وقال أيضاً: «والإسراف مكروه بالاتفاق» (٥). وقال البخاري ﵀: «كره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فِعل النبي ﷺ » (٦). الأدلة: الدليل الأول: عن عبد الله بن المغفل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنَّه سيكونُ في هذه الأمَّةِ قومٌ يَعتَدونَ في الطُّهور والدُّعاء)) (٧).

стр. 177

وجه الاستدلال: أخبر النبي ﷺ على سبيل الذم عما يُحدَث في الأمة مما لم يكن في زمانه، ومن ذلك: الاعتداء في الطهور، وذلك مكروه للتنزيه (١)؛ لأنه يُفضِي به إلى الوسواس (٢). الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَال: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ)) (٣). وجه الاستدلال: أن في الحديث إنكاراً للإسراف في الوضوء، وقوله: (وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ) تتميم لإرادة المبالغة في الإنكار (٤)، فدل ذلك على كراهته. الدليل الثالث: عن أبي بن كعب ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: وَلَهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ)) (٥). وجه الاستدلال: أن في الحديث دلالة على كراهة الإسراف في الوضوء؛ لأنه ﷺ حذر من وسواس شيطان الوضوء؛ لإيقاعه الناس في التحيُّر والوسوسة في الوضوء، ويحملهم على الزيادة فيه (٦).

стр. 178

الدليل الرابع: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ((جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ؟ فَأَرَاهُ ثَلَاثاً، ثَلَاثاً قَالَ: هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ، وَتَعَدَّى، وَظَلَمَ)) (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ بيَّن الحد الأكمل في الوضوء، ونهى عن الزيادة عليه، وبيَّن أن مَنْ زاد عليه فقد أسرف وتجاوز، ووصفه بالإساءة والظلم؛ لما فيه من ترك الأدب بمخالفة هَديه (٢). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرائن الصارفة للنهي عن التحريم: القرينة الأولى: الإجماع. القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. ذلك أن النهي فيه الحث على التأدب بأدب رسول الله ﷺ في الوضوء، والإرشاد إلى مصلحة الحفاظ على النفس من الوسواس، والحث على القصد في استعمال الماء. قال النووي ﵀: «أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ البحر، والأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه» (٣). وجاء في مواهب الجليل: «الأظهر أنه مكروه كراهة تنزيه» (٤). ومما ذكره العلماء من علل النهي: ١ - أن في الإسراف إساءة وظلماً بمخالفة هدي النبي ﷺ .

стр. 179

جاء في (المفاتيح في شرح المصابيح): «فمَن زاد على هذا فقد أساء وظلم بترك الأدب بمخالفة رسول الله ﵀» (١). ٢ - أن الإسراف في الطهور يُفضِي إلى الوسواس. جاء في (شرح المشكاة): «الاعتداء في الطهور: استعماله فوق الحاجة، والمبالغة في تحري طهوريته، حتى يفضي به إلى الوسواس» (٢). الحكم على القرينة: قرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة الصالحة لصرف النهي عن مقتضاه التحريم، والذي يظهر أن قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ لمناسبة ما ذُكر فيها من معنى لباب آداب الوضوء التي أرشد إليها النبي ﷺ ، والله أعلم. تنبيه: من صور الإسراف في الوضوء في زماننا: فتح صنبور الماء على مستوى عالي للماء مع عدم الحاجة لذلك، أو تركه مفتوحا يصب الماء بلا فائدة أثناء التنقل بين فروض الوضوء.

стр. 180

المبحث الثاني: النهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم المطلب الأول: حكم الوضوء من أكل لحم الغنم (١): دليل النهي: عن البراء بن عازب ﵁ قال: ((سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الوضوءِ (٢) من لُحومِ الإبلِ، فقال: تَوضَّؤوا منها، وسُئِلَ عن لُحوم الغَنَم، فقال: لا توضَّؤوا منها، وسُئِلَ عن الصلاة في مَبَارِكِ الإبلِ (٣)، فقال: لا تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإبل؛ فإنَّها مِنَ الشَّياطين، وسُئِلَ عن الصَّلاة في مَرَابِضِ (٤) الغَنَم، فقال: صَلُّوا فيها؛ فإنَّها بَرَكةٌ)) (٥). حكم المسألة: نقل أهل العلم أن الوضوء مما مست النار اختُلف فيه في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء منه، ماعدا لحم الإبل عند من يراه.

стр. 181

وممن نقل الإجماع: ابن المنذر ﵀ حيث يقول: «ولا أعلم اليوم بين أهل العلم اختلافاً في ترك الوضوء مما مست النار، إلا الوضوء من لحوم الإبل خاصة» (١). وقال النووي ﵀: «ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار» (٢). فالفقهاء متفقون على أنه لا يجب الوضوء مما مست النار، ولحوم الغنم تدخل فيها (٣). الأدلة: الدليل الأول: عن عبد الله بن عباس ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)) (٤). الدليل الثاني: عن عمرو بن أمية (٥) ﵁: ((أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَلْقَى السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)) (٦). الدليل الثالث: عن ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ : ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفاً، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ)) (٧). وجه الاستدلال من الأحاديث: أن النبي ﷺ أكل لحم غنم ولم يتوضأ؛ فكان فِعله

стр. 182

- ﷺ دليلاً على أن الوضوء من لحم الغنم ليس بواجب، وأن تَرْكه الوضوء منها دليل على نسخ ما سبق من الأمر بالوضوء مما مست النار. الدليل الرابع: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: ((كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ)) (١). وجه الاستدلال: أن حديث جابر فيه بيان أن آخر الأمرين -أي: من الوضوء مما مسته النار أو ترْكه- من فِعل رسول الله ﷺ هو ترك الوضوء، فاستُفيد منه نسخ الأحاديث التي أفادت وجوب الوضوء مما مست النار: كحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((تَوَضَّؤوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ)) (٢)، وهوعام يدخل فيه لحم الغنم (٣)، ومما يدل على النسخ عمل الخلفاء الراشدين بترك الوضوء مما مست النار (٤). الدليل الخامس: عن البراء بن عازب ﵁ قال: ((سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الوضوءِ من لُحومِ الإبلِ، فقال: تَوضَّؤوا منها، وسُئِلَ عن لُحوم الغَنَم، فقال: لا توضَّؤوا منها، وسُئِلَ عن الصلاة في مَبَارِكِ الإبلِ، فقال: لا تُصَلُّوا في مَبَارِكِ الإبل؛ فإنَّها مِنَ الشَّياطين، وسُئِلَ عن الصَّلاة في مَرَابِضِ الغَنَم، فقال: صَلُّوا فيها؛ فإنَّها بَرَكةٌ)) (٥) (٦). وجه الاستدلال: أجاب رسول الله ﷺ بالنهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم،

стр. 183

والمراد بالنهي ها هنا: نفي الإيجاب لا التحريم (١)؛ لأنه وقع جواباً لسؤال قصد به السائل معرفة إن كان لحم الغنم ينقض الوضوء أم لا؟ فأجاب بنفي الوجوب. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبين فيما سبق أن الفقهاء حملوا النهي عن الوضوء من أكل لحم الغنم على نفي الإيجاب، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم القرائن التالية: القرينة الأولى: الإجماع. إجماع العلماء على أنه لا يجب الوضوء مما مست النار، قرينة تدل على أن النهي ليس للتحريم. القرينة الثانية: ورود النهي في جواب سؤال بحسب قصد السائل. وذلك في قوله ﷺ : (لا تتوضؤوا منها) في جواب السؤال، قال ابن قدامة ﵀: «المراد بالنهي ها هنا نفي الإيجاب لا التحريم» (٢). وقال ابن تيمية ﵀: «والنهي في لحم الغنم إنما أفاد نفي الإيجاب، فيجب أن يكون في لحم الإبل مفيداً للإيجاب؛ ليحصل الفرق» (٣). وجاء في (الغيث الهامع): «أما النهي بعد الاستئذان: فهو مرتب على ما فُهم من السؤال من إيجاب وندب وإرشاد وإباحة؛ لأن أصله الاستفهام عن الخبر، وجوابه أيضاً خبر، … ومن أمثلته: حديث: سُئل عن لحوم الغنم فقال: (لا توضؤوا منها) والظاهر أن السؤال فيه عن الوجوب، فيكون معنى الجواب: لا يجب الوضوء منها، والله أعلم» (٤). الحكم على القرينة: قرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة الصالحة لصرف النهي عن مقتضاه التحريم، وقرينة ورود النهي في جواب السؤال قرينة حال صارفة، وقد اعتضدت بقرينة الإجماع، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 184

المبحث الثالث: النهي عن الالتفات إلى الشك في الوضوء المطلب الأول: حكم الالتفات إلى الشك في الوضوء: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئاً، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً (١) (٢). صورة المسألة: الشك في الوضوء له حالان: الأول: أن يتيقن الحدث، ويشك في الطهارة. الثاني: أن يتيقن الطهارة، ويشك في الحدث. تحرير محل النزاع: أولاً: محل الإجماع: أجمع العلماء (٣) على أنه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة، فإنه يبني على اليقين (٤)، ولا يلتفت إلى الشك، فيجب عليه الوضوء؛ لأن اليقين لا يزول بالشك (٥)؛

стр. 185

لحديث أبي هريرة. قال ابن عبد البر ﵀: «أجمع العلماء أن مَنْ أيقن بالحدث وشك في الوضوء، أن شكه لا يفيد فائدة، وأن الوضوء واجب عليه» (١). وقال ابن الملقن ﵀: «لو تيقن الحدث وشك في الطهارة، فهو محدث بالإِجماع» (٢). ثانيا: محل النزاع: اختلف الفقهاء فيما إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث في الصلاة أو خارجها، على قولين: القول الأول: لا يجب عليه الوضوء، بل يبني على اليقين، ولا يلتفت إلى الشك. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، ورواية عن الإمام مالك ﵀ (٦). القول الثاني: يجب عليه الوضوء. وهو المشهور عن الإمام مالك ﵀ (٧).

стр. 186

أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن عبد الله بن زيد (١) ﵁: ((أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ (٢) أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ: لَا يَنْصَرِفْ- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً)) (٣). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئاً، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً (٤) (٥). وجه الاستدلال: أن ظاهر هذه الأحاديث يدل على أن مَنْ تيقن الطهارة وشكَّ في الحدث، حُكم ببقائه على الطهارة، ولا يلزمه الوضوء، سواء حصل الشك في الصلاة أم

стр. 187

خارجها؛ إعمالاً للأصل السابق وهو الطهارة، وإطراحاً للشك الطارئ (١). قال النووي ﵀ بعد ذِكر حديث عبد الله بن زيد: «هذا الحديث: أصل من أصول الاسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الاشياء يُحكم ببقائها على أصولها؛ حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها. فمن ذلك: مسألة الباب التي ورد فيها الحديث، وهي أن مَنْ تيقن الطهارة وشك في الحدث، حُكم ببقائه على الطهارة، ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة، هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف» (٢). نُوقش: بأن هذا خاص بالمستنكِح (٣)؛ لأنه قال فيه: شُكي إليه، وهذا لا يكون إلا ممن يكون ذلك عليه كثيراً (٤)، وغير المستنكِح يجب عليه الوضوء. أُجيب عنه: بأنه جاء ما يدل على التعميم، وهو حديث أبي هريرة بلفظ: (إذا وجد أحدكم) (٥). الدليل الثالث: أنه إذا شك وتعارض عنده الأمران، فيجب سقوطهما: كالبينتين إذا تعارضتا، ويرجع إلى التيقن (٦). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: القياس على الشك في الصلاة؛ لأن مَنْ شكَّ: أصلى ركعتين أم ثلاثاً،

стр. 188

يجب عليه إتمام ما شك فيه؛ فالأصل اليقين بلزوم فرض الصلاة ثلاث ركعات، ووجه ذلك: أنه قد لزمه أداء الصلاة بطهارة، فلا يبرأ منها إلا بيقين، ولا يحصل له اليقين إلا باستئناف الطهارة (١). وذلك نظراً إلى الأصل الأول قبل الطهارة، وهو تَرتُّب الصلاة في الذمة، فلا تُزال إلا بطهارة متيقَّنة، ولا يقين مع وجود الشك في وجود الحدث (٢). الدليل الثاني: أن الشك في الحدث له مدخل في وجوب الوضوء كالنوم (٣). نُوقش: بأن النوم لما كان مظنة لأمر غير منضبط، جُعلت المظنة حدثاً، بخلاف هذه المسألة (٤)؛ فإنه يؤول إلى التحقق إن سمع صوتاً أو وجد ريحاً. الدليل الثالث: إعمال قاعدة: أن كل مشكوك فيه يُلغى في الشريعة ولا بدَّ (٥). قال القرافي ﵀: «السر في ذلك قاعدة: الأصل ألا يُعتبر في الشرع إلا العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٦)؛ لعدم الخطأ فيه قطعاً، لكن تعذَّر العلم في أكثر الصور، فجوَّز الشرع اتباع الظنون؛ لندرة خطئها وغلبة إصابتها، وبقي الشك على مقتضى الأصل؛ فكل مشكوك فيه ليس بمعتبَر. ويجب اعتبار الأصل السابق على الشك، فإن شككنا في السبب لم نرتب المسبب، أو في الشرط لم نرتب المشروط، أو في المانع لم ننفِ الحكم، فهذه القاعدة مُجمَع عليها لا تُنتقض، وإنما وقع الخلاف بين العلماء في وجه استعمالها: فالشافعي ﵀ يقول: الطهارة متيقنة والمشكوك فيه مُلغى، فنستصحبها. ويقول مالك ﵀: شُغل الذمة بالصلاة مُتيقَّن يحتاج إلى سبب مُبرِاء، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط، فيقع الشك في الصلاة الواقعة بالطهارة المشكوك فيها

стр. 189

وهي السبب المبراء، والمشكوك فيه ملغى، فيُستصحب شغل الذمة، … والذي انعقد الإجماع على إلغائه هو المشكوك فيه لا الشك، فلا يلتبس عليك ذلك» (١). قال ابن حجر ﵀: «ما ذهب إليه مالك راجح؛ لأنه احتاط للصلاة وهي مقصد، وألغى الشك في السبب المبرئ، وغيره احتاط للطهارة وهي وسيلة، وألغى الشك في الحدث الناقض لها، والاحتياط للمقاصد أولى من الاحتياط للوسائل» (٢). نُوقش: بأن ذلك من حيث النظر قوي، لكنه مغاير لمدلول الحديث؛ لأنه نهى عن الانصراف إلا بعد أن يتحقق (٣)، وكفى به حجة! سبب الخلاف: سبب الخلاف تقابل يقيني: الطهارة والصلاة (٤): فالجمهور نظروا إلى استصحاب يقين الطهارة، فقالوا: لا يلزمه الوضوء، والمالكية نظروا إلى الأصل الأول قبل الطهارة، وهو تَرتُّب الصلاة في الذمة، فلا تُزال إلا بطهارة متيقنة، ولا يقين مع وجود الشك في وجود الحدث (٥). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- قول الجمهور بأن مَنْ تيقن الطهارة وشك في الحدث، لا يجب عليه الوضوء. سبب الترجيح: ١ - قوة الأدلة، ودلالتها على المنع من الالتفات للشك الطارئ والعمل باليقين. ٢ - ورود المناقشة على أدلة القول الآخر.

стр. 190

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: القرينة الأولى: المقصد من النهي. الذي يظهر من كلام أهل العلم أن أحاديث النهي في هذه المسألة المقصود منها بيان: حكم تعارض اليقين والشك في الوضوء، وهل يجب الوضوء بسبب الشك أو لا؟ ولذلك لم يتعرض الفقهاء للنهي من حيث اقتضائه التحريم أو هو مصروف عنه، وإنما بيَّنوا أن النهي أفاد نفي وجوب الوضوء بالشك في خروج الريح. القرينة الثانية: ورود النهي في جواب سؤال. فقوله ﷺ : (لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أَوْ يَجِدَ رِيحاً) في جواب السؤال، قرينة صارفة للنهي بحسب قصْد السائل بسؤاله. فقصْد السائل هو معرفة ما إذا كان الشك في الحدث يوجب الوضوء أو لا؟ فيكون معنى الجواب: لا يوجب الوضوء، والله أعلم. جاء في (الغيث الهامع): «أما النهي بعد الاستئذان: فهو مرتب على ما فُهم من السؤال من إيجاب وندب وإرشاد وإباحة؛ لأن أصله الاستفهام عن الخبر وجوابه أيضاً خبر، … ومن أمثلته: حديث: سُئل عن لحوم الغنم فقال: (لا توضؤوا منها)، والظاهر أن السؤال فيه عن الوجوب، فيكون معنى الجواب: لا يجب الوضوء منها، والله أعلم» (١). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن هذه القرائن معتبَرة؛ لقوة دلالتها على نفي وجوب الوضوء إن تيقن الطهارة وشك في الحدث، والله أعلم.

стр. 191

المبحث الرابع: النهي عن مس المصحف من غير طهارة المطلب الأول: حكم مس المصحف من غير طهارة: دليل النهي: حديث عمرو بن حزم ﵁: ((أَنَّ النبي ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ)) (١). صورة المسألة: هل يجوز للمحدث حدثاً أكبر أو أصغر مسُّ المصحف بيده أو أي جزء من بدنه مباشرة من غير حائل؟ وهل يختلف الحكم إن كان بالغاً أو صغيراً؟ تحرير محل النزاع: أولاً: محل الاتفاق: اتفق الفقهاء (٢) على تحريم مس المصحف على البالغ المحدث حدثاً أصغر أو أكبر. قال النووي ﵀: «مس المصحف وحمله، مذهبنا: تحريمهما وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء» (٣). الأدلة:

стр. 192

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن في الآية خبراً بمعنى النهي، أي: لا يمس القرآن، فهو نهي من الله ألا يمس القرآن الكريم إلا المطهرون إجلالاً له وتعظيماً، والنهي على الحظر والتحريم، وجاءت بصيغة الحصر، فاقتضى ذلك حصر الجواز في المطهرين، وعموم سلبه في غيرهم (٢). الدليل الثاني: حديث عمرو بن حزم ﵁: ((أَنَّ النبي ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ)). الدليل الثالث: عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ)) (٣). وجه الاستدلال: أن في الحديثين نهياً صريحاً عن مس المصحف إلا لمن كان طاهراً، والأصل في النهي المجرد عن القرينة التحريم (٤)، والأحاديث تؤكد التمسك بالآية؛ لأنها على صيغتها (٥). ثانياً: محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم مس الصغير (٦) للمصحف من غير طهارة، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، ورواية عن الإمام

стр. 193

أحمد ﵀ (١). القول الثاني: يُكره. وهو قول عند الحنفية (٢)، والمالكية (٣). القول الثالث: لا يجوز. وهو وجه عند الشافعية (٤)، والمذهب عند الحنابلة (٥). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أن الصغير غير مكلف، فلا يتناوله خطاب النهي (٦)، ولأن طهارتهم ناقصة؛ فلا معنى لاشتراطها (٧). الدليل الثاني: أن في تكليفهم بالوضوء حرجاً بهم، وفي تأخيرهم إلى البلوغ تقليل حفظ القرآن، فيُرخص للضرورة، ورفعاً للحرج والمشقة عنهم (٨). دليل القول الثاني: استدلوا بأدلة النهي التي سبقت في حكم مس البالغ للمصحف، وقالوا: يخفف في حق الصغير فيُحمل النهي على الكراهة؛ لعدم تكليفه (٩). أدلة القول الثالث: الدليل الأول: القياس على الصلاة؛ فتلزمه الطهارة لمس المصحف كما تلزمه

стр. 194

للصلاة (١). الدليل الثاني: قياس الأولى؛ لأن البالغ إنما يُمنع منه تعظيماً للقرآن، والصبي أنقص حالاً منه، فأولى أن يُمنع (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز مس الصغير للمصحف، وهو قول الجمهور. أسباب الترجيح: ١ - خروج الصغير من خطاب النهي؛ لعدم التكليف. ٢ - أن هذا القول يتماشى مع ما جاءت به الشريعة من التيسير ورفع الحرج. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب أصحاب القول الثاني إلى كراهة مس الصبي للمصحف من غير طهارة، فلعل القرينة الصارفة عن التحريم: المقصد من النهي: التخفيف ورفع الحرج عن الصبي لعدم تكليفه، فيُحمل النهي على الكراهة. الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القرينة ضعيفة لا تقوى بمفردها على صرف النهي إلى الكراهة؛ لأن عدم تكليف الصبي يخرجه من خطاب النهي، وأن علة التخفيف أقرب للقول بالرخصة بلا كراهة تيسيرا على الناس، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 195

المبحث الخامس: النهي عن السفر بالمصحف إلى دار الحرب المطلب الأول: حكم السفر بالمصحف إلى دار الحرب: دليل النهي: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ (١)؛ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُو)) (٢)، وفي رواية: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ)) (٣). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء ﵏ في السفر بالمصحف إلى دار الحرب، على ثلاثة أقوال: القول الأول: تحريم السفر بالمصحف إلى دار الحرب مطلقاً. وهو مذهب المالكية (٤)، والحنابلة (٥). القول الثاني: يحرم إذا خيف عليه العدو، ويجوز مع السلامة. وهو مذهب الشافعية (٦)، وقول عند الحنابلة (٧). القول الثالث: يُكره إذا خيف عليه العدو، ويجوز مع السلامة. وهو مذهب الحنفية (٨)، وقول عند المالكية (٩)، وقول عند الحنابلة (١٠).

стр. 196

أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُو)). وجه الاستدلال: أن ظاهر النهي الصريح في الحديث يقتضي تحريم السفر بالقرآن إلى أرض العدو مطلقاً؛ لعموم النهي (١)، ولأن الأصل في النهي التحريم. الدليل الثاني: أن العلة التي صرح بها النبي ﷺ بأنه يكون عُرضة لاستيلاء الكفار عليه واستهانته، وقد ينالوه بشغل عنه، أو يسقط ولا يشعر به -تفيد التحريم (٢). استدل أصحاب القول الثاني بحديث ابن عمر ﵄ ووجهه: أن الحديث يدل على تحريم السفر بالقرآن في السرايا والعسكر الصغير؛ للعلة المذكورة، وهي خوف أن ينالوه، فينتهكوا حرمته، فإن أُمنت هذه العلة بأن يُدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم، فلا يُمنع لعدم العلة؛ فنيل العدو له في الجيوش العِظام نادر (٣). نُوقش: أنه بعد تسليم العلة المذكورة؛ فإن النهي عام، فيشمل العسكر الكبير أيضاً، وذلك سداً للذريعة، ولأن نسيانه وسقوطه ليس نادراً (٤). وكذلك استدل أصحاب القول الثالث بالحديث نفسه، ووجهه: أن علة خوف الوقوع في أيديهم والاستخفاف به، تفيد كراهة السفر بالقرآن في العسكر الصغير؛ إذ لا منعة قوية لهم، فكان الدخول به في دار الحرب تعريضاً للاستخفاف بالمصحف الكريم، فإن كان العسكر عظيماً لا بأس بذلك؛ لأنهم يحتاجون إلى قراءة القرآن، ولأن الغالب السلامة (٥).

стр. 197

نُوقش بما نُوقش به استدلال القول الثاني. سبب الخلاف: اختلف الفقهاء في المسألة؛ لاختلافهم: هل النهي عام أُريد به العام؟ أو عام أُريد به الخاص؟ (١) فمَن قال بأن النهي عام أُريد به العام قالوا: النهي للتحريم مطلقاً، ومَن قال: عام أُريد به خاص قالوا: النهي خاص بحال السرية الصغيرة التي ليست مأمونة دون الجيش العظيم. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بتحريم السفر بالقرآن إلى أرض العدو مطلقاً. أسباب الترجيح: ١ - صراحة حديث النهي وعمومه. ٢ - أن فيه سداً لذريعة وقوعه في أيدي العدو، فيهينوه، ويستخفوا به. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب أصحاب القول الثالث إلى أن النهي محمول على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص بالتعليل بما يفيد الكراهة. وذلك في قوله: (فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُو)، وهذه علة تفيد كراهة حمل المصحف لأرض العدو في العسكر الصغير. القرينة الثانية: المقصد من النهي. فالنهي مقصوده: إكرام القرآن الكريم، ومخافة عليه من العدو. قال ابن بطال ﵀: «أن نهيه ﷺ عن السفر به إلى أرض العدو ليس على وجه التحريم والفرض، وإنما هو على معنى الندب؛ للإكرام للقرآن؛ لأن النبي ﷺ قد كتب إلى قَيْصر بآية إلى آخرها وهو يعلم أنهم نجس، وعلم أنهم يقرؤونها، فصح أن نهيه عن ذلك

стр. 198

في حال دون حال وفي العساكر التي ليست مأمونة». الحكم على القرينة: الذي يظهر أن هذه القرائن ضعيفة؛ ذلك أن النهي صريح في المنع على العموم، ولأن العلة التي نص عليها الرسول ﷺ أقوى في معنى المنع والحظر؛ فإن إخراجه يؤدي إلى وقوعه في يد العدو، وفي ذلك تعريض لاستخفافهم به، وهو حرام، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 199

المبحث السادس: النهي عن قراءة الحائض والنفساء شيئاً من القرآن المطلب الأول: حكم قراءة الحائض والنفساء شيئاً من القرآن: دليل النهي: عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((لَا تَقْرَأِ (١) الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ)) (٢). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في نهي الحائض عن قراءة القرآن، وتلحق بها النفساء (٣)، على ثلاثة أقوال: القول الأول: جواز قراءة الحائض والنفساء القرآن. وهو مذهب المالكية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٥). القول الثاني: يحرم على الحائض والنفساء قراءة شيئ القرآن.

стр. 200

وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثالث: كراهة قراءة الحائض والنفساء القرآن. وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ (٤). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: أنه لم يُنقل عن النبي ﷺ نهي صحيح في تحريم قراءة القرآن على الحائض، فلما لم يُنقل عنه نهي عُلم أنه ليس بمحرم. قال ابن تيمية ﵀: «كان النساء يحِضْن على عهد رسول الله ﷺ ، فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا ما بيَّنه النبي ﷺ لأمته، وتعلمه أمهات المؤمنين، وكان ذلك مما ينقلونه إلى الناس، فلما لم ينقل أحد عن النبي ﷺ ذلك نهياً، لم يجز أن تُجعل حراماً؛ للعلم أنه لم يُنه عن ذلك، وإذا لم يُنه عنه مع كثرة الحيض في زمنه عُلم أنه ليس بمحرم» (٥). الدليل الثاني: حديث عائشة ﵂ قالت: ((قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي)) (٦). وجه الاستدلال: أن في الحديث دليلاً على جواز قراءة الحائض؛ لأنه ﷺ لم يستثنِ من جميع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على تلبية ودعاء وذِكر، ومنه: قراءة القرآن، ولم تُمنع الحائض من شيء من ذلك (٧).

стр. 201

نُوقش: بأنه لا دلالة لهم فيه؛ فإنه ليس في مناسك الحج قراءة مخصوصة حتى تدخل في عموم هذا الكلام، وإنما تدخل الأذكار والأدعية (١). الدليل الثالث: ما يُروى ((عن عائشة ﵂ أنها كانت تقرأ القرآن وهي حائض)) (٢)، والظاهر أن هذا مع تكرره عليها، ولعلها طالعت النبي ﷺ على ذلك، أو فهمت عنه ما استباحت هذا منه (٣). نُوقش: أن فعل عائشة ﵂ لا حجة فيه -على تقدير صحته- لأن غيرها من الصحابة خالفها، وإذا اختلف الصحابة ﵃ رجعنا إلى القياس (٤). الدليل الرابع: أن مَنْعها من القراءة يُخشى منه نسيانها القرآن؛ لطول أمرها، ولأنها لا تملك طهرها (٥). نُوقش من وجهين: الأول: أن عَجْزها عن تحصيل صفة الطهارة يدل على تغلُّظ ما بها من الحدث، فلا يدل على إطلاق القراءة لها (٦). الثاني: أن خوف النسيان نادر؛ فإن مدة الحيض غالباً ستة أيام أو سبعة، ولا يُنسى غالباً في هذا القدر، ولأن خوف النسيان ينتفي بإمرار القرآن على القلب، والله أعلم (٧). الدليل الخامس: أنها لا تُمنع لحاجة التعليم؛ فربما تكون مُعلِّمة، فيتعطل كَسْبُها بذلك (٨). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ

стр. 202

شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ)) (١). وجه الاستدلال: أن ظاهر النهي في الحديث دليل على تحريم القراءة على الحائض (٢). نُوقش: بأن الحديث ضعيف من جميع طرقه، فلا يصلح للاحتجاج (٣)، وتبيَّن ضعفه في التخريج. الدليل الثاني: القياس على الجنب؛ فإن مُنع منه الجنب فالحائض أولى؛ لأن حدثها آكد (٤). نُوقش: بأن الفرق بين الحائض والجنب مانع من الإلحاق، ووجه الفرق بينهما أنَّ حَدَث الجنب مكتسب، وهو قادر على رفعه بالطهارة، والحائض حَدَثُها من غير اكتسابها، واغتسالها لا يرفع حكم الحيض، وأن مدة بقائه جنباً لا تطول، والحائض تطول مدتها، ومنعها من القراءة قد يؤدي لنسيانها (٥). أدلة القول الثالث: لم أقف على دليل هذا القول بحسب ما تيسر لي من الكتب، ولعلهم صرفوا النهي في حديث ابن عمر عن التحريم إلى الكراهة؛ لضعف الحديث. والله أعلم. سبب الخلاف: أولاً: اختلافهم في تضعيف حديث ابن عمر في النهي: فمَن ضعَّفه قال بعدم المنع لعدم دليل المنع، ومَن لم يضعِّفه قال بمنع الحائض من قراءة القرآن بدلالة النهي في الحديث. ثانياً: اختلافهم في قياس الحائض على الجنب. الترجيح:

стр. 203

بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بجواز قراءة الحائض والنفساء القرآن. سبب الترجيح: أنه لم يثبت في النهي دليل صحيح، فلا يمكن القول بالتحريم بلا دليل. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب أصحاب القول الثالث إلى كراهة قراءة الحائض شيئاً من القرآن، ولم أقف لهم على دليل أو قرينة؛ فلعل القرائن الصارفة عن التحريم إلى الكراهة: القرينة الأولى: ضعف حديث النهي. القرينة الثانية: المقصد من النهي؛ إذ المقصود تعظيم القرآن، والتنزيه عن قراءته في تلك الحال التي مُنعت فيها من الصلاة والصوم. الحكم على القرينة: القرائن ضعيفة لضعف مستندها؛ فقد تبيَّن فيما سبق أن دليل النهي لم يصح، فلا يمكن الاحتجاج به على التحريم أو الكراهة، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 204

الفصل السادس المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب إزالة النجاسة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: النهي عن أكل الجَلَّالة وشُرب ألبانها. المبحث الثاني: النهي عن تخليل الخمر. المبحث الثالث: النهي عن البُصاق جهة القبلة أو اليمين للمصلي.

стр. 205

المبحث الأول: النهي عن أكل الجَلَّالة وشُرب ألبانها المطلب الأول: حكم أكل الجَلَّالة (١) وشُرب ألبانها: دليل النهي: عن ابن عباس ﵄: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُجَثَّمَةِ (٢) وَالجَلَّالة، وَأَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ)) (٣). وعن جابر الأنصاري ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الجَلَّالة: أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا أَوْ يُشْرَبَ لَبَنُهَا)) (٤). صورة المسألة: إذا عُلف الحيوان المباح النجاسة: فهل يجوز أكل لحمه وشُرب لبنه؟ ثم إذا حُبس مدة يُعلف الطاهر: فهل يجوز أكله وشُرب لبنه؟ تحرير محل النزاع:

стр. 206

أولاً: محل الإجماع: أجمع العلماء (١) على أن الجَلَّالة إذا حُبست مدة وطاب لحمها، فإنه يجوز أكلُ لحمها وشُرب لبنها؛ لأنها قبل الحبس يظهر نتن النجاسة وخُبثها في لحمها ولبنها، فإذا حُبست وعُلفت الطاهر زال ذلك، وعادت طاهرة، والحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها (٢). قال ابن تيمية ﵀: «الجَلَّالة التي تأكل النجاسة قد نهى النبي ﷺ عن لبنها، فإذا حُبست حتى تطيب كانت حلالاً باتفاق المسلمين» (٣). ثانياً: محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم أكل لحوم الجَلَّالة وشُرب لبنها قبل حبسها، على ثلاثة أقوال: القول الأول: التحريم. وهو قول عند الشافعية (٤)، والمذهب عند الحنابلة (٥). القول الثاني: الكراهة. وهو مذهب الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٨). القول الثالث: الإباحة. وهو مذهب المالكية (٩). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول:

стр. 207

الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الآية نَصٌّ في تحريم الخبائث، فتحرم الجَلَّالة؛ لأنها صارت من الخبائث؛ لتنجُّس لحمها بما تأكل من النجاسة (٢). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُجَثَّمَةِ وَالجَلَّالة، وَأَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ)) (٣). الدليل الثالث: عن جابر الأنصاري ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الجَلَّالة: أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا أَوْ يُشْرَبَ لَبَنُهَا)) (٤). الدليل الرابع: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الجَلَّالة: عَنْ رُكُوبِهَا، وَأَكْلِ لَحْمِهَا)) (٥). وجه الاستدلال: أن ظاهر النهي في الأحاديث يدل على تحريم أكلِ لحم الجَلَّالة وشُرب لبنها، والنهي حقيقة في التحريم (٦)، ولا يُصرف عنه إلا بقرينة صارفة. نُوقش: أن أحاديث النهي ليست بقوية الإسناد (٧). ويُمكن أن يُجاب عنه: بأن حديث ابن عباس صححه الترمذي وغيره، وحديث جابر وحديث عبدالله بن عمرو حسّن إسنادهما ابنُ حجر كما تبيَّن ذلك في تخريج الأحاديث. الدليل الخامس: أن لحم الجَلَّالة يتولد من النجاسة، فيكون نجساً، كرماد النجاسة (٨). أدلة القول الثاني:

стр. 208

الدليل الأول: استدلوا بالأحاديث المتقدمة التي استدل بها القائلون بالتحريم. وجه الاستدلال: أن النهي في الأحاديث محمول على الكراهة دون التحريم؛ لأن النهي عنها وارد؛ لأجل ما تأكله من النجاسة التي تنزل في مجاري الطعام ولا تخالط اللحم، وإنما يتغير اللحم بها، وذلك يقتضي الكراهة لا التحريم (١). الدليل الثاني: أن ما تأكله البهيمة من العلف الطاهر إذا صار في كَرِشِها تنجَّس، فلا تتغذى إلا بالنجاسة، ومع ذلك فلا يُحكم على اللحم واللبن بالنجاسة، فكذلك هذا (٢). نُوقش: بأن العلف الطاهر إذا تنجَّس بالمجاورة جاز إطعامه للدابة؛ لأنها إذا أكلته لا تتغذى بالنجاسة، وإنما تتغذى بالعلف، بخلاف الجَلَّالة (٣). أدلة القول الثالث: الدليل الأول: أن الحيوان أصله الإباحة (٤). يمكن أن يُناقش: بأن ما ورد من النصوص في النهي عن الجَلَّالة أخرجته من عموم هذا الأصل؛ فالحجة للنص. الدليل الثاني: أن الحيوان لا ينجس بأكل النجاسة؛ بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يُحكم بنجاسة ظاهره، ولو نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال، ولو نجست الجَلَّالة لما طهرت بالحبس (٥). نُوقش: بأن شارب الخمر ليس الخمر أكثر غذائه، وإنما يتغذى الطاهرات، وكذلك الكافر في الغالب (٦)، فلا يُحكم بنجاستهما لأجل ذلك، وهذا قياس مع الفارق، وفي مقابلة

стр. 209

النص. الدليل الثالث: إنما حرَّم الله أعيان النجاسات المدرَكات بالحواس، فالجَلَّالة لا يوجد فيها أعيان العذرَات، بل تُستهلك ولا يبقى لها أثر، كالنبات الذى ينبت في العَذِرَة، وهو طاهر حلال (١). نُوقش: بأن هذا قياس مع الفارق: فإن الجَلَّالة يظهر عليها أثر النجاسة، فيتغير لحمها وينتن، فالعبرة للنَّتَن لا لتناول النجاسة (٢)، والنبات الذي يُسقى بالنجاسة مختلف فيه. سبب الخلاف: لعل الخلاف في الجَلَّالة يرجع إلى سببين: الأول: معارضة القياس لأحاديث النهي: فأحاديث النهي ما ورد من حديث ابن عباس وجابر ﵃، وأما القياس المعارض لهذا: فهو أن ما يرِد جوف الحيوان ينقلب إلى لحم ذلك الحيوان وسائر أجزائه (٣). الثاني: الاختلاف في صحة أحاديث النهي. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم الجَلَّالة. قال ابن تيمية ﵀: « … ومنها: أن المطعم إذا خبث وفسد، حرم ما نبت منه من لحم ولبن وبيض: كالجَلَّالة» (٤). أسباب الترجيح: ١ - قوة دلالة ظاهر الأحاديث على التحريم. ٢ - عدم المعارض الصارف للنهي عن مقتضاه. ٣ - ضعف ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليها.

стр. 210

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل أصحاب القول الثاني النهي على الكراهة، والذي يظهر من أقوال أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية: القرينة الأولى: القياس المعارض لمقتضى النهي. فمنهم مَنْ استدل بقياس العلف النجس على العلف الطاهر بجامع أن كليهما يتنجس إذا صار في كَرِش الحيوان؛ فالعلف الطاهر يتنجس في الكَرِش، ثم يكون لحماً، ولا يُحكم بنجاسته (١). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. ففي النهي عن الجلالة إرشاد إلى مصلحة الإنسان بأكل الطيب والتنزه عما يستقذر. قال الخطابي ﵀: «الجَلَّالة: هي الإبل التي تأكل الجَلَّة وهي العَذِرة، كُره أكل لحومها وألبانها تنزهاً وتنظفاً» (٢). قال النووي ﵀: « … أنه كراهة تنزيه» (٣). قال المناوي ﵀: «النهي للتنزيه» (٤). والعلة: قيل: هو التنزُّه والتنظُّف عن النجاسة. قال الخطابي ﵀: «كُره أكل لحومها وألبانها تنزهاً وتنظفاً» (٥). وقيل: النهي للتقذر والتنزه عن إعلاف الحيوان النجاسة. قال ابن بطال ﵀: «إنما النهى عن الجَلَّالة من جهة التقذر والتنزه؛ لئلا يكون الشأن في علف الحيوان النجاسات» (٦).

стр. 211

الحكم على القرينة: الذي يظهر أن هذه القرائن ضعيفة؛ لمعارضتها ظاهر النهي في الأحاديث، والقياس إن كان في مقابلة النص، فالنص مقدم، ولأن خُبث المطعم يُفسِد ويُخبِث ما ينبته، والخبائث محرمات، وعليه: فيترجح القول بتحريم الجَلَّالة، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 212

المبحث الثاني: النهي عن تخليل الخمر المطلب الأول: حكم تخليل الخمر (١): دليل النهي: عن أنس ﵁: ((أن النبي ﷺ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلّاً؟ فَقَالَ: لَا)) (٢). صورة المسألة: معالجة الخمر بما يُقصد به أن تنقلب خلاً. تحرير محل النزاع: أولاً محل الاتفاق: اتفق الفقهاء (٣) على أن الخمر إذا انقلبت بنفسها خلاً بغير علاج آدمي، فإنها تطهر وتحل. الدليل: لأنها إذا انقلبت بنفسها، فقد زالت علة تحريمها، من غير علة خلفتها، فطهرت، كالماء إذا زال تغيره بمكثه (٤). ثانياً محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم تخليل الخمر بالمعالجة، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يحرم تخليل الخمر. وهو مذهب الجمهور من: المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 213

القول الثاني: يُكره. وهو قول عند المالكية (١)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٢). القول الثالث: يجوز. وهو مذهب الحنفية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٤). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥). وجه الاستدلال: أن الآية جاءت ببيان أن الخمر نجسة؛ لأن الله سماها رجساً، والرِّجس هو القذر، والنَّجَسُ: الذي يجب اجتنابه، وقد أمر باجتنابها مطلقاً، والأمر للوجوب، وهو يعم الشرب والمس وغير ذلك، فيحرم إفسادها والقصد إلى تخليلها؛ لما فيه من منافاة الأمر بالاجتناب ومقاربة المحظور (٦). الدليل الثاني: عن أنس ﵁: ((أن النبي ﷺ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلّاً؟ فَقَالَ: لَا)). وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً عن تخليل الخمر، والنهي يقتضي تحريم المنهيِّ عنه وفساده (٧). نُوقش: بأن المراد بالاتخاذ أن يُستعمل الخمر استعمال الخل: بأن يؤتدم به، ويُصطبغ به (٨). يمكن أن يُجاب عنه: بأن هذا التأويل بعيد، ولا يُصار إليه إلا بدليل، ولا دليل، وهل يُظن أن الصحابة ﵃ سألوا عن استعمال الخمر والائتدام به بعد تحريمه؟! ذلك

стр. 214

بعيد. الدليل الثالث: عن أنس ﵁: ((أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْراً قَالَ: أَهْرِقْهَا، قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلّاً؟ قَالَ: لَا)) (١). الدليل الرابع: عن أبي سعيد ﵁ قال: ((كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْهُ وَقُلْتُ: إِنَّهُ لِيَتِيمٍ! فَقَالَ: أَهْرِيقُوهُ)) (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ﷺ نهى عن تخليل الخمر، والنهي يقتضي التحريم، ولو كان إلى استصلاحها وإباحتها سبيل لم تَجُزْ إراقتها، بل أرشدهم إليه، سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم (٣). نُوقش: بأنه نهى عن التخليل؛ للزجر عن العادة المألوفة، وأمر بالإراقة قلعاً وقمعاً لهم عن أن يحوموا حول الخمور ويعتادوا على ذلك؛ لأنه كان في ابتداء تحريم الخمر لم يأمن النبي ﷺ من أن يشربوها إذا لم يريقوها، فأمر بالإراقة حسماً لمادة الفساد (٤). وأُجيب عنه: قال ابن تيمية ﵀: «هذا غلط من وجوه: أحدها: أنَّ أَمْرَ الله ورسوله لا يُنسخ إلا بأمر الله ورسوله، ولم يرِد بعد هذا نص ينسخه. الثاني: أن الخلفاء الراشدين بعد موته عملوا بهذا كما ثبت عن عمر بن الخطاب. الوجه الثالث: أن يُقال: الصحابة كانوا أطوع الناس لله ورسوله، ولهذا لما حرم عليهم الخمر أراقوها، فإذا كانوا مع هذا قد نُهوا عن تخليلها وأمروا بإراقتها، فمَن بعدهم من القرون أولى منهم بذلك؛ فإنهم أقل طاعة لله ورسوله منهم .... فكيف تُسد الذريعة عن أولئك المتقين، وتُفتح

стр. 215

لغيرهم وهم أقل تقوى منهم» (١). الدليل الخامس: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((لَا يَحِلُّ خَلٌّ مِنْ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَفَسَدَهَا)) (٢)، وهذا قول يَشْتَهِرُ؛ لأنه خطب به الناس على المنبر ولم ينكره الصحابة (٣). قال ابن تيمية ﵀: «فهذا عُمر ينهى عن خل الخمر التي قُصد إفسادها، ويأذن فيما بدأ الله بإفسادها، … وفي قول عُمر حجة على جميع الأقوال» (٤). نُوقش: بأن عمر إنما نهى عن ذلك على طريق السياسة للزجر (٥). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بالكراهة بأحاديث النهي عن التخليل التي استدل بها القائلون بالتحريم. وجه الاستدلال: أن النهي في الأحاديث يُحمل على الكراهة والتنزيه، وذلك حماية وسداً لذريعة توصل الناس إلى شربها؛ لأن مَنْ يتخذ الخمر للتخليل يُتهم، فليس المراد أنَّها تكون حرامًا إن فعل (٦). أُجيب عنه: بأن ظاهر النهي للتحريم لا للتنزيه، ولو كان لا يحرم إن فُعل لم تَجُزْ إراقتها، بل كان أرشدهم إليه، سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم (٧). أدلة القول الثالث:
следующие страницы →