← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الحكم على القرينة: الذي يظهر أن هذه القرائن ضعيفة؛ لمعارضتها ظاهر النهي في الأحاديث، والقياس إن كان في مقابلة النص، فالنص مقدم، ولأن خُبث المطعم يُفسِد ويُخبِث ما ينبته، والخبائث محرمات، وعليه: فيترجح القول بتحريم الجَلَّالة، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 212

المبحث الثاني: النهي عن تخليل الخمر المطلب الأول: حكم تخليل الخمر (١): دليل النهي: عن أنس ﵁: ((أن النبي ﷺ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلّاً؟ فَقَالَ: لَا)) (٢). صورة المسألة: معالجة الخمر بما يُقصد به أن تنقلب خلاً. تحرير محل النزاع: أولاً محل الاتفاق: اتفق الفقهاء (٣) على أن الخمر إذا انقلبت بنفسها خلاً بغير علاج آدمي، فإنها تطهر وتحل. الدليل: لأنها إذا انقلبت بنفسها، فقد زالت علة تحريمها، من غير علة خلفتها، فطهرت، كالماء إذا زال تغيره بمكثه (٤). ثانياً محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم تخليل الخمر بالمعالجة، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يحرم تخليل الخمر. وهو مذهب الجمهور من: المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 213

القول الثاني: يُكره. وهو قول عند المالكية (١)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٢). القول الثالث: يجوز. وهو مذهب الحنفية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٤). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥). وجه الاستدلال: أن الآية جاءت ببيان أن الخمر نجسة؛ لأن الله سماها رجساً، والرِّجس هو القذر، والنَّجَسُ: الذي يجب اجتنابه، وقد أمر باجتنابها مطلقاً، والأمر للوجوب، وهو يعم الشرب والمس وغير ذلك، فيحرم إفسادها والقصد إلى تخليلها؛ لما فيه من منافاة الأمر بالاجتناب ومقاربة المحظور (٦). الدليل الثاني: عن أنس ﵁: ((أن النبي ﷺ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلّاً؟ فَقَالَ: لَا)). وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً عن تخليل الخمر، والنهي يقتضي تحريم المنهيِّ عنه وفساده (٧). نُوقش: بأن المراد بالاتخاذ أن يُستعمل الخمر استعمال الخل: بأن يؤتدم به، ويُصطبغ به (٨). يمكن أن يُجاب عنه: بأن هذا التأويل بعيد، ولا يُصار إليه إلا بدليل، ولا دليل، وهل يُظن أن الصحابة ﵃ سألوا عن استعمال الخمر والائتدام به بعد تحريمه؟! ذلك

стр. 214

بعيد. الدليل الثالث: عن أنس ﵁: ((أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْراً قَالَ: أَهْرِقْهَا، قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلّاً؟ قَالَ: لَا)) (١). الدليل الرابع: عن أبي سعيد ﵁ قال: ((كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْهُ وَقُلْتُ: إِنَّهُ لِيَتِيمٍ! فَقَالَ: أَهْرِيقُوهُ)) (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ﷺ نهى عن تخليل الخمر، والنهي يقتضي التحريم، ولو كان إلى استصلاحها وإباحتها سبيل لم تَجُزْ إراقتها، بل أرشدهم إليه، سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم (٣). نُوقش: بأنه نهى عن التخليل؛ للزجر عن العادة المألوفة، وأمر بالإراقة قلعاً وقمعاً لهم عن أن يحوموا حول الخمور ويعتادوا على ذلك؛ لأنه كان في ابتداء تحريم الخمر لم يأمن النبي ﷺ من أن يشربوها إذا لم يريقوها، فأمر بالإراقة حسماً لمادة الفساد (٤). وأُجيب عنه: قال ابن تيمية ﵀: «هذا غلط من وجوه: أحدها: أنَّ أَمْرَ الله ورسوله لا يُنسخ إلا بأمر الله ورسوله، ولم يرِد بعد هذا نص ينسخه. الثاني: أن الخلفاء الراشدين بعد موته عملوا بهذا كما ثبت عن عمر بن الخطاب. الوجه الثالث: أن يُقال: الصحابة كانوا أطوع الناس لله ورسوله، ولهذا لما حرم عليهم الخمر أراقوها، فإذا كانوا مع هذا قد نُهوا عن تخليلها وأمروا بإراقتها، فمَن بعدهم من القرون أولى منهم بذلك؛ فإنهم أقل طاعة لله ورسوله منهم .... فكيف تُسد الذريعة عن أولئك المتقين، وتُفتح

стр. 215

لغيرهم وهم أقل تقوى منهم» (١). الدليل الخامس: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((لَا يَحِلُّ خَلٌّ مِنْ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ حَتَّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَفَسَدَهَا)) (٢)، وهذا قول يَشْتَهِرُ؛ لأنه خطب به الناس على المنبر ولم ينكره الصحابة (٣). قال ابن تيمية ﵀: «فهذا عُمر ينهى عن خل الخمر التي قُصد إفسادها، ويأذن فيما بدأ الله بإفسادها، … وفي قول عُمر حجة على جميع الأقوال» (٤). نُوقش: بأن عمر إنما نهى عن ذلك على طريق السياسة للزجر (٥). أدلة القول الثاني: استدل القائلون بالكراهة بأحاديث النهي عن التخليل التي استدل بها القائلون بالتحريم. وجه الاستدلال: أن النهي في الأحاديث يُحمل على الكراهة والتنزيه، وذلك حماية وسداً لذريعة توصل الناس إلى شربها؛ لأن مَنْ يتخذ الخمر للتخليل يُتهم، فليس المراد أنَّها تكون حرامًا إن فعل (٦). أُجيب عنه: بأن ظاهر النهي للتحريم لا للتنزيه، ولو كان لا يحرم إن فُعل لم تَجُزْ إراقتها، بل كان أرشدهم إليه، سيما وهي لأيتام يحرم التفريط في أموالهم (٧). أدلة القول الثالث:

стр. 216

الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١). وجه الاستدلال: أنه جاء في التفسير عن بعض السلف أن الرزق الحسن: هو الخل (٢)، فإذا كان الخل مما أُبيح في هذه الآية، فيكون ذلك عموماً في كل خَلٍّ إلا أن يقوم الدليل على تخصيص شيء منه (٣). نُوقش: بأن ظاهر الآية التنبيه على ما أنعم به علينا مما يتخذه من نفس ثمرات النخيل والأعناب، لا فيما يكون يُتخذ منها بواسطة، وهو التخليل (٤). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: ((نِعْمَ الْأُدُمُ (٥) -أَوِ: الْإِدَامُ- الْخَلُّ)) (٦). وجه الاستدلال: أنه ﷺ امتدح الخل، ولم يفرق بين الخل المتخَذ من الخمر وغيره، فهو على عمومه في الجميع (٧). نُوقش: بأن قوله: (نِعم) لفظ تفضيل وتشريف، وما كان مختلفاً في إباحته لا يستحق التفضيل والتشريف، وتخليل الخمر مُختلَف فيه: فلم يَجُزْ أن يكون داخلاً في عموم لفظ ينافيه (٨)، وحديث أنس يخرج التخليل بفعل الآدمي من العموم. الدليل الثالث: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَا أَقْفَرَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ أُدْمٍ فِيهِ خَلٌّ، وَخَيْرُ خَلِّكُمْ خَلُّ خَمْرِكُمْ)) (٩).

стр. 217

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ امتدح الخل، وهو عام يتناول جميع ما يُطلق عليه اسم الخل؛ لأنه لم يفصل بين خل وخل (١). نُوقش من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف، فلا يُحتج به. قال ابن تيمية ﵀: «هذا الكلام لم يقله النبي ﷺ ، ومَن نقله عنه فقد أخطأ، ولكن هو كلام صحيح؛ فإن خل الخمر لا يكون فيها ماء» (٢). الثاني: أن أهل الحجاز يسمون خل العنب: خل الخمر، وإن صح الحديث فإنه يُحمل على الخل الذي تخلل بنفسه (٣). الدليل الرابع: عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّ الدِّبَاغَ يُحِلُّ مِنَ الْمَيْتَةِ كَمَا يُحِلُّ الْخَلُّ مِنَ الْخَمْرِ)) (٤). وجه الاستدلال: أن في الحديث دليلاً على جواز التخليل؛ لأنه شبَّهه بدباغ جلد الميتة، وهو محرم يُستباح بالاستصلاح بالدباغ، فيُقاس عليه تخليل الخمر وإصلاح الخمر بإزالة صفة الخمرية عنه، والتخليل إزالة لصفة الخمرية، فهو إصلاح له كالدباغ (٥). نُوقش من ثلاثة أوجه: الأول: أن الحديث ضعيف، وقد تبيَّن في التخريج، فلا يُحتج به. الثاني: أن هذا قياس لا يصح، وإنما يجوز القياس مع عدم النص، ودباغ جلد الميتة إنما يُستباح بفعل غير محظور، بل مأذون فيه بنص من السنة، وأما التخليل: فهو محظور بنص من السنة، فلم يَجُزْ أن يُستباح به الخل، فالواجب علينا متابعة النص وترك قياس أحدهما على الآخر (٦).

стр. 218

الثالث: أن النبي ﷺ أجاز أن يُدبغ جلد الميتة؛ ليُنتفع به، فلم يمنع ذلك؛ لأنه لا يُتَّهم أحد أن يترك شاته ولا يذكيها حتى تموت، ثُمَّ يتخذ جلدها، ويُتهم أن يتخذ الخمر (١). الدليل الخامس: إن المعنى الموجب لتحريم الخمر: حدوث الاسم، وعند المخالف: حدوث الشدة؛ بدلالة إباحته في حال كونه عصيراً، فإذا خُلل فقد زال المعنى الذي من أجله حرم، فيزول التحريم، فيكون حينئذٍ بمنزلة الخل الذي يستحيل إليه الخمر من غير تخليل آدمي (٢). نُوقش: إن قصد المخلِّل التخليل يكون قد فعل محرماً، والعين إذا كانت محرمة لم تَصِرْ محلَّلة بالفعل المنهي عنه، فلا تكون بمنزلة الخل الذي يستحيل إليه الخمر من غير تخليل آدمي. والعين الواحدة تكون طاهرة حلالاً في حال، وتكون حراماً نجسة في حال (٣). سبب الخلاف: الذي يظهر أن سبب الخلاف أمران (٤): الأول: اختلاف الفقهاء في مفهوم النهي الوارد في النص. فمَن فهم من المنع سد ذريعة حمْل ذلك على الكراهية، ومَن فهم النهي لغير علة قال بالتحريم، ومَن تأول الاتخاذ بالاستعمال قال بالإباحة. الثاني: معارضة القياس للأثر، والقياس المعارض لحمل النهي على التحريم قياسان: أحدهما: قياس الخل الحاصل بفعل الآدمي على ما تخلل بنفسه؛ لأنه قد عُلم من ضرورة الشرع أن الأحكام المختلفة إنما هي للذوات المختلفة، وأن الخمر غير ذات الخل، والخل -بإجماع- حلال. فإذا انتقلت ذات الخمر إلى ذات الخل وجب أن يكون حلالاً كيفما انتقل. والثاني: قياس تخليل الخمر على دباغ جلد الميتة؛ بجامع أنهما استصلاح لفساد عارض، فمَن استدل بالقياس وتأول مفهوم النهي قال بالإباحة.

стр. 219

الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور القائل بتحريم تخليل الخمر. قال ابن عبد البر ﵀: «لا يصح في هذه المسألة إلا ما قاله: مالك، والشافعي، وأحمد ابن حنبل، ومَن قال بقولهم: أنه لا يحل تخليل الخمر، ولا تُؤكل إن خللها أحد، ولكن إن عادت خلاً بغير صنع آدمي، فحلالٌ أكلها» (١). أسباب الترجيح: ١ - أنه القول الموافق لما جاء في السنة الصحيحة الصريحة. ٢ - أن الشريعة جاءت بالتغليظ في شأن الخمر: فأمرت بإهراقها، ولعنت فيها عشرة، وهذا يؤكد وجوب اجتنابها وعدم مقاربتها ولو بالاستصلاح. ٣ - ضعف الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليها. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبيَّن مما سبق أن من الفقهاء مَنْ حمل النهي على غير التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص بما يخالف مقتضى النهي. وذلك في حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَا أَقْفَرَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ أُدْمٍ فِيهِ خَلٌّ، وَخَيْرُ خَلِّكُمْ خَلُّ خَمْرِكُمْ)) (٢). وحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّ الدِّبَاغَ يُحِلُّ مِنَ الْمَيْتَةِ كَمَا يُحِلُّ الْخَلُّ مِنَ الْخَمْرِ)) (٣). القرينة الثانية: قاعدة سد الذرائع. قالوا: إنما نهي عن التخليل؛ لسد ذريعة التوصل لشرب الخمر، وعليه: فلا يكون النهي للتحريم، وإنما للتنزيه.

стр. 220

جاء في (التبصرة): «ومحمل الحديث أن ذلك حمايةٌ؛ لئلا يتذرَّع الناس إلى شُربها، وليس أنَّها تكون حراماً إن فعل» (١). القرينة الثالثة: القياس. القياس المعارض لحمل النهي على التحريم: قياس تخليل الخمر على دباغ جلد الميتة؛ بجامع أنهما استصلاح لفساد عارض. الحكم على القرينة: الذي يظهر أن هذ القرائن ضعيفة: فقرينة ورود النص وإن كانت في أصلها قوية لكن ما احتجوا به ضعيف، ولا يقوى على معارضة أحاديث النهي الصحيحة الصريحة. وكذا قرينتا القياس والتعليل بسد ذريعة التوصل لشربها، قرائن ضعيفة؛ لقوة دلالة ظاهر النهي على التحريم، يؤكده الأمر الصريح بإهراقها، وإن كانت أموال أيتام أوجبت الشريعة حِفظها وصيانتها من التلف؛ فلم يُجعل التخليل سبيلاً للحفظ والانتفاع، ويؤكده أيضاً ما عُلم من تغليظ الشرع في تحريم الخمر، ولعن فيها عشرة، فهذا كله دليل على وجوب اجتناب الخمر واجتناب الانتفاع بها بأي وجهٍ كان، والله أعلم.

стр. 221

المبحث الثالث: النهي عن البُصاق جهة القبلة أو اليمين للمصلي المطلب الأول: حكم البُصاق (١) جهة القبلة أو اليمين للمصلي: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ؛ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكاً، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنْهَا)) (٢). صورة المسألة: المصلي إن بدره البصاق -في المسجد أو في غير المسجد- إلى أي جهة يبصق؟ تحرير محل النزاع: الحالة الأولى: إن كان المصلي في غير المسجد: اتفق الفقهاء (٣) على كراهة البُصاق جهة القبلة أو اليمين للمصلي. الأدلة: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁. الدليل الثاني: عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)) (٤). وجه الاستدلال من الأحاديث: أن النبي ﷺ نهى المصلي عن البُصاق بين يديه وعن يمينه، ويُحمل النهي على

стр. 222

الكراهة في غير المسجد تنزيهاً وإكراماً وتشريفاً لجهة القبلة وجهة اليمين (١). الحالة الثانية: إن كان المصلي في المسجد: اختلف الفقهاء في حكم البُصاق جهة القِبلة أو اليمين للمصلي إن كان في المسجد، على قولين: القول الأول: يحرم البُصاق في المسجد جملةً، فإن بَدَره يبصق في ثوبه، ويحُكُّ بعضه ببعض. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: يُكره البُصاق جهة القِبلة أو اليمين للمصلي إذا كان لا يدفنه، ويجوز -إن كان يدفنه- إن وقع مرة أو مرتين لا أكثر. وهو مذهب المالكية (٥). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ؛ فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكاً، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنْهَا)) (٦). الدليل الثاني: عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)) (٧). وجه الاستدلال من الحديثين: أن نهي النبيِّ ﷺ المصليَ عن البُصاق بين يديه

стр. 223

وعن يمينه، عام في المسجد وغيره، ويُحمل النهي عن ذلك في المسجد على التحريم (١)؛ بدليل قوله ﷺ : ((الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا)) (٢)، فجعل البزاق في المسجد خطيئة مطلقاً، سواء احتاج إلى البزاق أم لم يحتج، بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة، فيأثم بفعله، وعليه أن يكفِّر هذه الخطيئة بدفن البزاق (٣). قال ابن بطال ﵀: «معنى نَهْيه عن البزاق في القِبلة إنما هو من أجل مناجاته لربه عند استقباله القِبلة في صلاته، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب أن تتوجه إلى رب الأرباب وملك الملوك وتتنخم في توجُّهك، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على مَنْ توجه إليه» (٤). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ، فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا -وَوَصَفَه الراوي: فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ-)) (٥). وجه الاستدلال: أن في إقبال النبي ﷺ على الناس مُغضَباً كما جاء في رواية، وتخصيص جهة القبلة بأن نزَّلها منزل الرب تعالى؛ لبيان عِظم الذنب والخطيئة -دليل على تحريم البُصاق جهة القِبلة، وأرشد ﷺ إلى جعله في الثوب صيانة للمسجد عن التقذير بالبُصاق (٦). ويُفهم النهي عن البُصاق عن يمينه من أمره بأن يبزق عن يساره أو تحت قدمه أو

стр. 224

في طرف ردائه (١). أدلة القول الثاني: استدل المالكية على الكراهة بالأحاديث التي استدل بها الجمهور على التحريم، من وجهين: الأول: أن النهي في الأحاديث يُحمل على الكراهة تنزيهاً لجهة القِبلة واليمين عن الأقذار إلا لضرورة فيتفُل، ثم يدفنه (٢). الثاني: أن كونه خطيئة إنما هو لمَن تفل فيه ولم يدفن، فيُكره؛ لأنه يقذر المسجد، ويتأذى به مَنْ يعلق به أو رآه، فأما مَنْ اضطُر إلى ذلك، فدفن، وفعل ما أُمر به: فلم يأتِ خطيئة، فكأن بدفنه لها أزال عنه الخطيئة وكفَّرها (٣). نُوقش: بأن هذا كلام باطل، وغلط صريح مخالف لنص الحديث، وأما قوله ﷺ : (وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا) فمعناه إن ارتكب هذه الخطيئة فعليه تكفيرها (٤). سبب الخلاف: تعارض عمومي قوله: (الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ … )، وقوله: ( … وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ)، فمَن جعل الأول عامًا، وخَصَّ الثاني بما إذا لم يكن في المسجد -قال بتحريم البُصاق في المسجد، ومَن جعل الثاني عاماً، وخص الأول بمن لم يرد دفنها -حمل النهي على الكراهة (٥). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- قول الجمهور بتحريم البُصاق في المسجد جملةً. أسباب الترجيح: ١ - أن البُصاق جهة القِبلة فيه سوء أدب عند توجه العبد لربه تعالى، فيحرم لذلك.

стр. 225

٢ - أن العناية بالمسجد وتنظيفه واحترامه واجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١). ٣ - أن النبي ﷺ جعل البزاق في المسجد خطيئة. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب المالكية إلى كراهة البُصاق في المسجد لمَن لا يدفنها، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم: ورود النص بالتعليل بما يُفهم منه عدم التحريم. وذلك في: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلْيُغَيِّبْ نُخَامَتَهُ؛ أَنْ تُصِيبَ جِلْدَ مُؤْمِنٍ أَوْ ثَوْبَهُ، فَتُؤْذِيَهُ)) (٢). وقوله ﷺ : (كفارتها دفنها). قال القاضي عياض ﵀ (٣): «فأما مَنْ اضطُر إلى ذلك، فدفن، وفعل ما أُمر به: فلم يأتِ خطيئة، فكأن بدفنه لها أزال عنه الخطيئة وكفَّرها، لو قدَّرنا بصاقه فيه ولم يدفنه. وأصل التكفير: التغطية، فكأن دفنها غطاء لما يُتصور عليه من الذم والإثم لو لم يفعل، وكونه خطيئة إنما هو لمن تَفل فيه ولم يدفن؛ لأنه يقذر المسجد، ويتأذى به مَنْ يعلق به أو رآه، كما جاء فى الحديث الآخر: (لئلا تصيب جلد مؤمن أو ثوبه، فتؤذيه)» (٤). الحكم على القرينة:

стр. 226

الذي يظهر أن هذه القرينة وإن كانت محتملة لكن المعنى الظاهر لقوله: (كفارتها دفنها) أن مَنْ ارتكب هذه الخطيئة فعليه تكفيرها، والتعليل بكونها تقذر المسجد أو تؤذي المؤمن تعليل يفيد التحريم؛ لوجوب صيانة المسجد ولتحريم الأذى، وقبل هذا وذا: فإنَّ كون المسلم في المسجد يناجي ربه ويستشعر مواجهة الله له وكأنه في قِبلته، يحتم عليه ألا يبصق؛ لأنه سوء أدب مع الله، فإن اضطُر إليه فليجعله في ثوبه أو منديل، ويمسحه، والله تعالى أعلم.

стр. 227

الباب الثاني المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في كتاب الصلاة ويتكون من سبعة فصول: الفصل الأول: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب الأذان. الفصل الثاني: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المساجد. الفصل الثالث: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المواقيت. الفصل الرابع: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب ستر العورة. الفصل الخامس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب آداب المشي إلى الصلاة. الفصل السادس: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب صفة الصلاة. الفصل السابع: المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب صلاة التطوع.

стр. 228

الفصل الأول المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب الأذان وفيه مبحثان: المبحث الأول: النهي عن أخذ الأجرة على الأذان. المبحث الثاني: النهي عن الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها.

стр. 229

المبحث الأول: النهي عن أخذ الأجرة على الأذان المطلب الأول: حكم أخذ الأجرة على الأذان: دليل النهي (١): عن عثمان بن أبي العاص ﵁ (٢)، قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: ((أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّناً لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْراً)) (٣). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم أخْذ المؤذن الأجرة على الأذان، على قولين: القول الأول: يجوز أخْذ الأجرة على الأذان: وهو قول متأخري الحنفية (٤)، ومذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٧). القول الثاني: يحرم أخْذ الأجرة على الأذان:

стр. 230

وهو مذهب الحنفية (١)، وقول عند الشافعية (٢)، والمذهب عندالحنابلة (٣). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْراً كِتَابُ اللهِ)) (٤)، والحديث فيه قصة اللَّدِيغ. وجه الاستدلال: أن عموم الحديث يدل على جواز أخْذ الأجرة على الرُّقية وتعليم القرآن، وتلحق بها القُرب ذات المنفعة المتعدية، ومنها: الأذان (٥). الدليل الثاني: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في قصة اللَّدِيغ، وفيها: فقال رسول الله ﷺ : ((قَدْ أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْماً)) (٦). وجه الاستدلال: أن في الحديث دليلاً على جواز أخْذ الأجرة على الرُّقية، وذلك أن أصحاب النبي ﷺ لما أخذوا الغنم التي أُعطيت لهم على الرُّقية تحرَّجوا من قِسمتها وأكْلها، وأخبروا بذلك النبي ﷺ ، فأعلمهم أنها حلال، ولهم أخْذ الأجرة عليه، وأكَّد لأنفسهم، وطيَّب نفوسهم بأن قال: (وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْماً)؛ ولذا جاز أخْذ الأجرة على الأذان؛ لأنه في معناه (٧). نُوقش: أن المراد منه الجُعالة (٨) في الرُّقية كما هو ظاهر سياق الحديث، والرُّقية نوع مُدَاواة، والمأخوذ عليه جُعل، والمداواة يُباح أخْذ الأجر عليها (٩).

стр. 231

يمكن أن يُجاب عنه: بأن النبي ﷺ سماه أجراً في حديث ابن عباس ﵄. الدليل الثالث: حديث أبي محذورة ﵁ (١) في قصة تعليم النبي ﷺ له الأذان واتخاذه مؤذناً، قال: ((خَرَجْتُ فِي نَفَرٍ، فَكُنَّا في بَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ (٢)، مَقْفَلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِنْ حُنَيْنٍ فَلَقِيَنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ، … ثُمَّ دَعَانِي حِينَ قَضَيْتُ التَّأْذِينَ، فَأَعْطَانِي صُرَّةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ فِضَّةٍ … )) (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لما اتخذ أبا محذورة مؤذناً أعطاه الصرة، فدل ذلك على جواز أخْذ الأجرة على الأذان (٤). نُوقش من وجهين (٥): الأول: أن حديث أبي محذورة مُعارِض لحديث النهي، وإسلامه متقدم على إسلام عثمان بن أبي العاص الراوي لحديث النهي، فحديثه متأخِر والعبرة بالمتأخِر. الثاني: أنها واقعة يتطرق إليها الاحتمال، فيُحتمل أن يكون أعطاه من باب التأليف؛ لحداثة عهده بالإسلام، ووقائع الأحوال إذا تطرَّق إليها الاحتمال سلبها

стр. 232

الاستدلال؛ لما يبقى فيها من الإجمال (١). أُجيب عنه: بأنه يُجمع بين الأحاديث: بأن حديث عثمان يُحمل على الندب والورع، وحديث أبي محذورة يدل على الجواز (٢)، وبأن القُربة ذات المنفعة المتعدية يجوز أخْذ الأجرة عليها (٣). الدليل الرابع: أن الأذان عمل معلوم، يجوز أخذ الرَّزق (٤) عليه، فجاز أخْذ الأجرة عليه، كسائر الأعمال، ولا خلاف في جواز أخْذ الرزق عليه (٥). نُوقش من وجهين: الأول: بأنه لا يصح القياس؛ لأنه قياس مع وجود النص (٦). أُجيب عنه: أن النهي في النص محمول على الندب لا التحريم (٧). الثاني: بوجود الفرق بين الرزق والأجرة؛ ذلك أن الرزق أن يعطيه كفايته هو وعياله من بيت المال، والأجرة ما يقع به التراضي (٨). الدليل الخامس: أنه فِعل يجوز التبرع به عن الغير، فيجوز أخْذ الأجرة عليه، ولا يكون كونه قربة مانعاً من الإجارة فيه؛ قياساً على الحج عن الغير (٩). الدليل السادس: أن المؤذن يحبس نفسه في المكان المعين، وهو غير مأمور به عيناً، فجاز أخْذ الأجرة عليه (١٠). وكل ما لا يتعين على الأجير أداؤه يجوز الاستئجار عليه إذا كان تجزئ فيه

стр. 233

النيابة (١). الدليل السابع: أن المنع من الاستئجار على الطاعة يُستثنى منه ما فيه ضرورة ظاهرة: كتعليم القرآن خشية ضياعه، ومثله: الأذان (٢). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٣). وجه الاستدلال: أن الإنسان يُثاب على ما عمل وقَدَّم، والأذان يقع قربة عن العامل يُثاب عليها، فلا يجوز له أخْذ الأجرة من غيره: كالصوم، والصلاة (٤). أُجيب عنه بجوابين: الأول: بأن كونه قربة لا يمنع الإجارة، ولأنه لا يجب عليه، ولأن نَفْعه يعود إلى عموم المسلمين؛ فهو كتعليم القرآن (٥). الثاني: لا يصح القياس على الصلاة والصوم للفرق بين الفرع والأصل؛ فالصلاة عبادة خاصة بالفاعل والأذان متعدي النفع (٦). الدليل الثاني: حديث عثمان بن أبي العاص ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: ((أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّناً لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْراً)) (٧). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر باتخاذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً، ويستفاد منه نهيا غير صريحا عن أخذ الأجرة على الأذان، والأصل في النهي التحريم. نُوقش: أن النهي محمول على الندب لا التحريم (٨)، والقرينة الصارفة له أحاديث الجواز.

стр. 234

الدليل الثالث: أن الأذان قربة لفاعله، لا يصح إلا من مسلم، فلم يجُزَ أخْذ الأجرة عليه، كالإمامة (١). نُوقش: بأن كونه قربة لا يكون مانعاً من الإجارة فيه؛ قياساً على الحج عن الغير، جاز التبرع بها عن الغير، فجار أخذة الأجرة عليها (٢). سبب الخلاف: تنوعت آراء العلماء في سبب الخلاف: فنجد ابن رشد ﵀ (٣) في «بداية المجتهد» (٤) أرجعه إلى سببين: الأول: اختلافهم في تصحيح الخبر الوارد في ذلك، وهو حديث عثمان بن أبي العاص، الثاني: أن مَنْ منعه قاس الأذان في ذلك على الصلاة. بينما نجد القَرَافِي ﵀ في «الذخيرة» (٥) جعل السبب وجوب شائبتين: حصول النفع للنافع بالثواب، والمستأجر بالملازمة في المكان المخصص. ونجد السَّرَخْسِي ﵀ (٦) في «المبسوط» (٧) أشار إلى أن السبب هو اختلاف أصول المذاهب: فالأصل عند الحنفية أن كل طاعة يختص بها المسلم فالاستئجار عليها باطل، والأصل عند الشافعية أن كل ما لا يتعين على الأجير إقامته فالاستئجار عليه صحيح.

стр. 235

الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز أخْذ الأجرة على الأذان، والله أعلم. أسباب الترجيح: ١ - قوة الأدلة التي أفادت الجواز. ٢ - أنه من باب التعاون على البر والتقوى، والمحافظة على إقامة شعائر الإسلام. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر أن القرائن الصارفة التي استدل بها القائلون بالجواز وأن النهي يُحمل على الندب والورع وليس التحريم، هي أدلة الجواز: القرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعَل النبي ﷺ خلاف النهي. وذلك ما جاء في حديث أبي محذورة ﵁ أن النبي ﷺ لما علَّمه الأذان واتخذه مؤذناً، أعطاه صرَّة فيها شيء من فضة، فكان كالأجرة. القرينة الثانية: ورود النص بحكاية إقرار النبي ﷺ . وهو ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بأن النبي ﷺ أقرَّ الصحابة على أخْذ الأجرة على الرُّقية، وصوَّبهم عليها، ويؤيده حديث ابن عباس ﵄، وسماه النبي ﷺ أجراً، فاستدل بهما على جواز أخْذ الأجرة على القُرَب ذات النفع المتعدي، ومنها: الأذان. الحكم على القرينة: الذي يظهر أن هذه القرائن قوية معتبرة؛ لقوتها في أصلها؛ فهي قرائن نصية صحيحة تفيد الجواز، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 236

المبحث الثاني: النهي عن الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها المطلب الأول: حكم الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها: دليل النهي: عن بلال ﵁، أن رسول الله ﷺ قال له: ((لا تُؤذِّن حتَّى يَستبينَ لك الفَجرُ هكذا، ومدّ يَدَيهِ عَرضاً)) (١). تحرير محل النزاع: أولاً: محل الإجماع: أجمع العلماء (٢) على أنه لا يصح الأذان للصلاة قبل دخول وقتها فيما عدا الفجر؛ لقوله ﷺ : ((فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ)) (٣)، ولأن الأذان شُرع للإعلام بالوقت، فلا يُشرع قبل الوقت؛ لئلا يذهب مقصوده (٤). قال ابن المنذر ﵀ (٥): «أجمعوا على أن من السنة: أن يُؤذَّن للصلاة بعد دخول وقتها إلا الصبح» (٦). ثانياً: محل النزاع:

стр. 237

اختلف الفقهاء في الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز أن يُؤذن للفجر قبل الوقت. وهو مذهب الجمهور: المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: لا يجوز أن يُؤذن للفجر قبل الوقت، وإن فعل أعاد في الوقت. وهو مذهب الحنفية (٤). القول الثالث: يُكره إلا إن أعاد في الوقت، فلا يُكره. وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ (٥). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ)) (٦)، والحديث عند مسلم وفيه: (( … قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا)) (٧). وجه الاستدلال: أن في الحديث دليلاً على دوام بلال ﵁ على الأذان قبل الفجر، وأن النبي ﷺ أقرَّه عليه، ولم ينهه عنه؛ لقوله: (فكلوا واشربوا) أي: في مستقبل الأيام، فثبت جوازه (٨). نُوقش: بأن بلالاً إنما كان ينادي للسحور، ولا يؤذن للصلاة (٩). أُجيب عنه بجوابين (١٠):

стр. 238

أحدهما: أن لفظ الأذان إنما هو مختص بالصلاة. والثاني: أنه لو كان نداء للسحور لم يُشكل عليهم، ولا احتاجوا إلى تعريف النبي ﷺ كما في حديث ابن مسعود ﵁. الدليل الثاني: عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ -أَوْ: يُنَادِي بِلَيْلٍ- لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ)) (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أشار في الحديث إلى علة اختصاص الفجر بذلك، وهو قيام النائم؛ ليقضي حاجته، فيأتي الصلاة في أول الوقت، ورجوع القائم؛ ليأتي بالعبادة على وجه النشاط (٢)، وهو نصٌّ في موضع الخلاف (٣). الدليل الثالث: حديث زياد بن الحارث الصُّدائي ﵁ (٤)، قال: ((لما كان أوّلُ أذان الصُّبحِ أمرني -يعني: النبي ﷺ فأذَّنتُ، فجعلتُ أقول: أُقيمُ يا رسولَ الله؟ فجعل ينظرُ إلى ناحية المَشرِقِ إلى الفجر، فيقول: لا، حتَّى إذا طلعَ الفجرُ نزلَ، فبرزَ، ثمَّ انصرفَ إليَّ وقد تلاحَقَ أصحابُه -يعني: فتوضَّأ- فأراد بلال أن يقيمَ، فقال له نبي الله ﷺ : إنَّ أخا صُداءٍ هو أَذَّنَ، ومَن أذَّنَ فهو يقيمُ، قال: فأقمتُ)) (٥). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر زياداً بالأذان قبل طلوع الفجر، فدل على

стр. 239

جوازه، وهذا نصٌّ في موضع الخلاف (١). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث بلال ﵁، أن رسول الله ﷺ قال له: ((لا تُؤذِّنْ حتَّى يَستبينَ لك الفَجرُ هكذا، ومدّ يَدَيهِ عَرضاً)) (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى بلالاً عن الأذان للفجر قبل دخول الوقت؛ لأن الأذان شُرع للإعلام بدخول الوقت، والإعلام بالدخول قبل الدخول كذب، وكذا هو من باب الخيانة في الأمانة، والمؤذن مؤتمن على لسان رسول الله ﷺ ؛ ولهذا لم يَجُزْ في سائر الصلوات (٣). نُوقش: بأن الحديث معلول بالانقطاع: قال ابن قدامة: «لا يقوم به ولا بمثله حجة؛ لضعفه وانقطاعه» (٤). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄: ((أَنَّ بِلَالاً أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ، أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ)) (٥). وجه الاستدلال: أن بلالاً ﵁ أذَّن قبل الفجر في وقت يُشك فيه في طلوع الفجر،

стр. 240

وكان ذلك من بلال خطأً على ظَنِّ طلوع الفجر؛ لأنه كان في بصره ضعف (١)، فلم يَعْتد النبي ﷺ بهذا الأذان للصلاة، ولو اعتد به للصلاة لم يأمر بإعادته (٢). نُوقش: بأن الحديث ضعيف، وأن الصحيح فيه هو عن مؤذنٍ لعمر ﵁ (٣). أُجيب عنه: بأن له طرقاً أخرى يقوِّي بعضها بعضاً قوة ظاهرة (٤). الدليل الثالث: قياس الأذان للفجر بالأذان لسائر الصلوات؛ لأنه شُرع للإعلام بالوقت، وفي الأذان قبل الوقت تضليل يؤدي إلى الضرر بالناس؛ لأن ذلك وقت نومهم، خصوصاً في حق مَنْ تهجَّد في النصف الأول من الليل، فربما يلتبس الأمر عليهم، وذلك مكروه (٥). يمكن أن يُناقش: بأنه قياس في مقابل النص؛ فإن النبي ﷺ أمر به كما في حديث الصُّدائي، وأقر بلالاً عليه كما في حديث ابن عمر. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄: ((أَنَّ بِلَالاً أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ، أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ)) (٦). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يَعْتد بأذان بلال قبل الفجر، فدل على كراهته؛ لأن الأذان قبل الفجر يفوِّت المقصود من الإعلام بالوقت، ولئلا يَغُرَّ الناس، فيتركوا سحورهم (٧). نُوقش: أن الحديث ضعيف، وأنه خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر (٨). أُجيب عنه في جواب مناقشة الدليل الثاني للقول الثاني.

стр. 241

والدليل على أنه لا يُكره إن أذَّن بعده في الوقت: حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ)) (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يكتفِ بأذان بلال قبل الفجر؛ لقوله: (حتى ينادي ابن أم مكتوم) بعد دخول الوقت، فيكون أذانه دعاءً إلى الصلاة، وإعلاماً بأن الصلاة قد حضر وقتها؛ ليشهدها الناس (٢). سبب الخلاف: «السبب في اختلافهم أنه ورد في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما: الحديث المشهور الثابت، وهو قوله ﷺ : (إن بلالاً ينادي بليل … )، والثاني: ما رُوي عن ابن عمر: (أن بلالاً أذَّن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي ﷺ أن يرجع فينادي: ألا إن العبد قد نام)، والأول أثبت. والثاني أيضاً خرجه أبو داود، وصححه كثير من أهل العلم، فذهب الناس في هذين الحديثين: إما مذهب الجمع، وإما مذهب الترجيح. فأما مَنْ ذهب مذهب الترجيح: فإنهم قالوا: حديثُ بلال أَثْبتُ، والمصيرُ إليه أوجبُ. وأما مَنْ ذهب مذهب الجمع: فقالوا: يُحتمل أن يكون نداء بلال في وقت يُشك فيه في طلوع الفجر؛ لأنه كان في بصره ضعف، ويكون نداء ابن أم مكتوم في وقت يُتيقن فيه طلوع الفجر، ويدل على ذلك ما رُوي: قَالَ: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا). وأما مَنْ قال أنه يُجمع بينهما -أعني: أن يؤذِّن قبل الفجر وبعده- فعلى ظاهر ما رُوي من ذلك في صلاة الصبح خاصة، أعني: أنه كان يؤذِّن لها في عهد رسول الله ﷺ مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم» (٣). الترجيح:

стр. 242

بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها (١). أسباب الترجيح: ١ - قوة الأدلة التي أفادت الجواز وصحتها. ٢ - أن النبي ﷺ بيَّن الحكمة من اختصاص الفجر بذلك، فهي سنة ثابتة عنه ﷺ . المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: لعل القرينة الصارفة عند القائلين بالكراهة هي: المقصد من النهي. وذلك أن النهي أُريد به مصلحة الناس بصيانة عبادتهم من اللبس؛ فعلة النهي: خوف التغرير والتلبيس على الناس، فيتركوا سحورهم (٢)، أو يلتبس عليهم دخول وقت الصلاة. الحكم على القرينة: الذي يظهر أنها قرينة ضعيفة؛ لضعف مستندها في مقابلة صحة أدلة الجواز، ولدلالة حديث ابن عمر أن ذلك كان على الدوام، فيبعد أن يكون مكروهاً ويداوم عليه، ولأن مصلحة الناس فيما بيَّنه النبي ﷺ من الحكمة: (لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ)، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 243

الفصل الثاني المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المساجد وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: النهي عن إدخال الصبيان والمجانين للمساجد. المبحث الثاني: النهي عن إِيطان الرجلِ المكانَ في المسجد. المبحث الثالث: النهي عن تَتبُّع المساجد. المبحث الرابع: النهي عن تباهي الناس في المساجد. المبحث الخامس: النهي عن الاستلقاء في المسجد ووضْع إحدى الرجلين على الأخرى. المبحث السادس: النهي عن الجلوسِ لداخلِ المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد. المبحث السابع: النهي عن صلاة غير المكتوبة، بعد إقامة الصلاة. المبحث الثامن: النهي عن استدامة الإمام الصلاةَ في مكان المكتوبة.

стр. 244

المبحث الأول: النهي عن إدخال الصبيان والمجانين للمساجد المطلب الأول: حكم إدخال الصبيان (١) والمجانين للمساجد: دليل النهي: عن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ (٢) أن النبي ﷺ قال: ((جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ … الحديث)) (٣). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في إدخال الصبيان والمجانين المساجد، على قولين: القول الأول: يجوز إدخال المجانين والصبيان المساجد، ويُكره لغير الحاجة أو المصلحة إن كانوا لا يميِّزون، ولا يُؤمن منهم العَبَث والقذر. وهو مذهب الجمهور: المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: يحرم. وهو مذهب الحنفية (٧) وقيَّدوه بما إذا غلب على الظن التلويث والتنجيس، وإلا

стр. 245

فيُكره. وهو قول عند المالكية (١) وقيَّدوه بما إذا كان يعبث ولا يكف إذا نُهي، وإلا فيُكره. أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي قتادة الأنصاري ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ -بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ … )) (٢). وجه الاستدلال: أن حمْل النبي ﷺ لأمامة وهو يصلي، فيه دليل على جواز إدخال الصبيان المساجد، ولا ينفي هذا الكراهة؛ لأنه ﷺ فَعَله لبيان الجواز، فيكون حينئذ أفضل في حقه؛ فإن البيان واجب (٣)، والنهي في حديث واثلة ﵁ محمول على الكراهة فيمن لا يُؤمن منهم العبث والتلويث (٤). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي؛ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ)) (٥). وجه الاستدلال: أن في الحديث دليلاً على جواز إدخال الصبي المسجد؛ لإقراره ﷺ ذلك؛ لأن الطفل كان مع أمه التي حضرت المسجد لشهود الصلاة مع رسول الله ﷺ ، وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمن لا يُؤمن حَدَثُه فيها؛ لحديث النهي (٦). نُوقش: بأنه يُحتمل أن يكون الصبي كان مُخلفاً في بيت يقرب من المسجد بحيث

стр. 246

يُسمع بكاؤه (١). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعِشَاءَ، فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ أَخَذَهُمَا بِيَدِهِ مِنْ خَلْفِهِ أَخْذاً رَفِيقاً، فَيَضَعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا عَادَ عَادَا، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ أَقْعَدَهُمَا عَلَى فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرُدُّهُمَا، فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، فَقَالَ لَهُمَا: الْحَقَا بِأُمِّكُمَا، قَالَ: فَمَكَثَ ضَوْؤُهَا حَتَّى دَخَلَا)) (٢). وجه الاستدلال: أن حَمْل النبي ﷺ للحسن والحسين، فيه دليل على جواز إدخال الصبيان المساجد، ويُحمل الأمر بالتجنيب على الندب أو تنزيه المسجد عمن لا يُؤمن حدثه فيه؛ جمعاً بين الأحاديث (٣). الدليل الرابع: أن المجانين والصبيان غير المميزين ليسوا من أهل المسجد، فيُكره إدخالهم (٤)، إذا لم يكن لحاجة. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٥). وجه الاستدلال: أن المساجد بُنيت لتعظيمها بالصلاة وذِكر الله، وتنزيهها عما عدا ذلك من اللغو والعبث وما لا فائدة فيه؛ فلذا لا يجوز دخول المجانين والصبيان إليها إن كانوا يعبثون ولا ينتهون (٦). الدليل الثاني: حديث وَاثِلَة بْنِ الْأَسْقَع ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ … الحديث)) (٧).

стр. 247

وجه الاستدلال: أن نهي النبي ﷺ في الحديث يشمل الذكور والإناث من الصبيان والمجانين، فيُكره إدخالهم تنزيهاً: إن أُمن تنجيسهم للمسجد، وتحريماً: إن لم يُؤمن (١). الدليل الثالث: أن الغالب عدم تحفُّظهم من النجاسة؛ ففي إدخالهم تعريض المسجد للقذر والعبث، وذلك لا يجوز (٢). سبب الخلاف: الذي يظهر أن الخلاف يرجع إلى تعارض ظاهر الأحاديث: فحديث النهي ضعيف، وقد عارض الأحاديث الصحيحة: كحديث حَمْل النبي ﷺ لأمامة، وحديث حَمْله للحسن والحسين، وحديث أنس في تخفيف الصلاة لأجل بكاء الصبي، فمن الفقهاء مَنْ ذهب إلى التحريم لحديث النهي، ومنهم مَنْ جمع بينها: بحمل حديث النهي على الكراهة، والأحاديث الصحيحة على بيان الجواز (٣). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز إدخال المجانين والصبيان، والكراهة فيمن لا يُؤمن منهم العبث والتلويث، وهو قول الجمهور. سبب الترجيح: أن هذا القول فيه الجمع بين الأحاديث، وإعمالُ جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها.

стр. 248

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب الجمهور إلى جواز إدخال المجانين والصبيان المساجد، وحملوا النهي على الكراهة فيمَن لا يميز ولا يُؤمن منه العبث والقذر، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعل النبي ﷺ خلاف النهي: وذلك في حديث أبي قتادة وحديث أبي هريرة ﵄: حَمَل أمامة والحسن والحسين في الصلاة، فكان فِعله بياناً للجواز. قال النووي ﵀: «يُكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد؛ لأنه لا يُؤمن تلويثهم إياه، ولا يحرم ذلك لأنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ صلى حاملاً أمامة بنت زينب ﵄، وطاف على بعيره، ولا ينفي هذا الكراهة؛ لأنه ﷺ فَعَله لبيان الجواز» (١). القرينة الثانية: ضعف حديث النهي: حيث حُمل النهي على الكراهة والتنزيه لضعف الحديث: فقد أشار إلى ذلك صاحب (نيل الأوطار)؛ حيث ذكر تعارُض حديث النهي -وهو ضعيف- مع أحاديث الجواز الصحيحة، ثم قال: «فيُجمع بين الأحاديث بحمل الأمر بالتجنيب على الندب، أو بأنها تنزه المساجد عمن لا يُؤمن حَدَثُه فيها» (٢). قال ابن مفلح ﵀ في بيان أن الخبر الضعيف يُستدل به على الكراهة: «وكأن الأخبار لضعفها لا تنهض للتحريم وإن كانت تقتضيه، فيُستدل بها على الكراهة كما يُستدل بخبر ضعيف ظاهره يقتضي وجوب أمر على ندبية ذلك الأمر، ولا يُقال: لعل هناك صارفاً عن مقتضى الدليل ولم يُذكر؛ لأنه خلاف الظاهر» (٣). الحكم على القرينة: القرينة النصية من أقوى القرائن الصارفة للنهي عن التحريم؛ لقوتها في أصلها،

стр. 249

وأحاديث بيان الجواز هنا صحيحة وثابتة؛ فالقرينة قوية ومعتبرة. أما قرينة ضعف الحديث: فهي قرينة معتبرة؛ فقد اعتُضدت بما قبلها، ويؤيده أن المسلم مأمور بالمحافظة على نظافة المساجد وصيانتها من العبث والقذر؛ فلذا ينبغي لأولياء المجانين والصبيان مراعاة ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 250

المبحث الثاني: النهي عن إيطان الرجل المكان في المسجد المطلب الأول: حكم إيطان الرجل المكان في المسجد: دليل النهي: عن عبد الرحمن بن شبل ﵁ (١) قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ (٢)، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ (٣)، وَأَنْ يُوطِنُ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرَ (٤) (٥). صورة المسألة:
следующие страницы →