← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يُسمع بكاؤه (١). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعِشَاءَ، فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ أَخَذَهُمَا بِيَدِهِ مِنْ خَلْفِهِ أَخْذاً رَفِيقاً، فَيَضَعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا عَادَ عَادَا، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ أَقْعَدَهُمَا عَلَى فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرُدُّهُمَا، فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ، فَقَالَ لَهُمَا: الْحَقَا بِأُمِّكُمَا، قَالَ: فَمَكَثَ ضَوْؤُهَا حَتَّى دَخَلَا)) (٢). وجه الاستدلال: أن حَمْل النبي ﷺ للحسن والحسين، فيه دليل على جواز إدخال الصبيان المساجد، ويُحمل الأمر بالتجنيب على الندب أو تنزيه المسجد عمن لا يُؤمن حدثه فيه؛ جمعاً بين الأحاديث (٣). الدليل الرابع: أن المجانين والصبيان غير المميزين ليسوا من أهل المسجد، فيُكره إدخالهم (٤)، إذا لم يكن لحاجة. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٥). وجه الاستدلال: أن المساجد بُنيت لتعظيمها بالصلاة وذِكر الله، وتنزيهها عما عدا ذلك من اللغو والعبث وما لا فائدة فيه؛ فلذا لا يجوز دخول المجانين والصبيان إليها إن كانوا يعبثون ولا ينتهون (٦). الدليل الثاني: حديث وَاثِلَة بْنِ الْأَسْقَع ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ … الحديث)) (٧).

стр. 247

وجه الاستدلال: أن نهي النبي ﷺ في الحديث يشمل الذكور والإناث من الصبيان والمجانين، فيُكره إدخالهم تنزيهاً: إن أُمن تنجيسهم للمسجد، وتحريماً: إن لم يُؤمن (١). الدليل الثالث: أن الغالب عدم تحفُّظهم من النجاسة؛ ففي إدخالهم تعريض المسجد للقذر والعبث، وذلك لا يجوز (٢). سبب الخلاف: الذي يظهر أن الخلاف يرجع إلى تعارض ظاهر الأحاديث: فحديث النهي ضعيف، وقد عارض الأحاديث الصحيحة: كحديث حَمْل النبي ﷺ لأمامة، وحديث حَمْله للحسن والحسين، وحديث أنس في تخفيف الصلاة لأجل بكاء الصبي، فمن الفقهاء مَنْ ذهب إلى التحريم لحديث النهي، ومنهم مَنْ جمع بينها: بحمل حديث النهي على الكراهة، والأحاديث الصحيحة على بيان الجواز (٣). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز إدخال المجانين والصبيان، والكراهة فيمن لا يُؤمن منهم العبث والتلويث، وهو قول الجمهور. سبب الترجيح: أن هذا القول فيه الجمع بين الأحاديث، وإعمالُ جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها.

стр. 248

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب الجمهور إلى جواز إدخال المجانين والصبيان المساجد، وحملوا النهي على الكراهة فيمَن لا يميز ولا يُؤمن منه العبث والقذر، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعل النبي ﷺ خلاف النهي: وذلك في حديث أبي قتادة وحديث أبي هريرة ﵄: حَمَل أمامة والحسن والحسين في الصلاة، فكان فِعله بياناً للجواز. قال النووي ﵀: «يُكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد؛ لأنه لا يُؤمن تلويثهم إياه، ولا يحرم ذلك لأنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ صلى حاملاً أمامة بنت زينب ﵄، وطاف على بعيره، ولا ينفي هذا الكراهة؛ لأنه ﷺ فَعَله لبيان الجواز» (١). القرينة الثانية: ضعف حديث النهي: حيث حُمل النهي على الكراهة والتنزيه لضعف الحديث: فقد أشار إلى ذلك صاحب (نيل الأوطار)؛ حيث ذكر تعارُض حديث النهي -وهو ضعيف- مع أحاديث الجواز الصحيحة، ثم قال: «فيُجمع بين الأحاديث بحمل الأمر بالتجنيب على الندب، أو بأنها تنزه المساجد عمن لا يُؤمن حَدَثُه فيها» (٢). قال ابن مفلح ﵀ في بيان أن الخبر الضعيف يُستدل به على الكراهة: «وكأن الأخبار لضعفها لا تنهض للتحريم وإن كانت تقتضيه، فيُستدل بها على الكراهة كما يُستدل بخبر ضعيف ظاهره يقتضي وجوب أمر على ندبية ذلك الأمر، ولا يُقال: لعل هناك صارفاً عن مقتضى الدليل ولم يُذكر؛ لأنه خلاف الظاهر» (٣). الحكم على القرينة: القرينة النصية من أقوى القرائن الصارفة للنهي عن التحريم؛ لقوتها في أصلها،

стр. 249

وأحاديث بيان الجواز هنا صحيحة وثابتة؛ فالقرينة قوية ومعتبرة. أما قرينة ضعف الحديث: فهي قرينة معتبرة؛ فقد اعتُضدت بما قبلها، ويؤيده أن المسلم مأمور بالمحافظة على نظافة المساجد وصيانتها من العبث والقذر؛ فلذا ينبغي لأولياء المجانين والصبيان مراعاة ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 250

المبحث الثاني: النهي عن إيطان الرجل المكان في المسجد المطلب الأول: حكم إيطان الرجل المكان في المسجد: دليل النهي: عن عبد الرحمن بن شبل ﵁ (١) قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ (٢)، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ (٣)، وَأَنْ يُوطِنُ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرَ (٤) (٥). صورة المسألة:

стр. 251

أن يريد الرجل ملازمة مكان معلوم مخصوص به في المسجد: يصلي فيه، ولا يصلي في غيره، فهل له ذلك؟ وإن كان المكان فاضلاً فما الحكم؟ تحرير محل النزاع: أولاً: محل الاتفاق: اتفق الفقهاء (١) على أن النهي عن أن يوطن الرجل مكاناً يصلي فيه، إنما هو في المساجد دون البيوت. قال الخطابي ﵀: «النهي عن أن يوطن الرجل مكاناً يصلي فيه، إنما هو في المساجد دون البيوت» (٢). ثانياً: محل النزاع: اختلف الفقهاء في إيطان الرجل المكان في المسجد، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يُكره إيطان مكان معين في المسجد لا يصلي إلا فيه. وهو مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، وقول عند الحنابلة (٥). القول الثاني: يجوز إيطان موضع للرجل يلازمه في المسجد إن كان ممن يُحتاج إليه، أو كان الموضع فاضلاً، ويُكره في غير ذلك. وهو مذهب المالكية (٦)، وقول عند الشافعية (٧)، وقول عند الحنابلة (٨). القول الثالث: يُكره اتخاذ مكان معين في المسجد؛ لا يصلي الفريضة إلا فيه، ويُرخص في النفل.

стр. 252

وهو المذهب عند الحنابلة (١). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن عبد الرحمن بن شبل ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوطِنُ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرَ)) (٢). وجه الاستدلال: أن ظاهر النهي يدل على كراهة إيطان الرجل المكان في المسجد مطلقاً، ولو كان المكان فاضلاً أو لحاجة (٣)، وعلة النهي الخوف من الرياء والسمعة (٤). نُوقش من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف (٥). أُجيب عنه: أنه تبين في تخريجه أن بعض أئمة الحديث صححه ومنهم من حسّنه. الثاني: أن النهي عن إيطان الرجل موضعاً من المسجد يلازمه، إنما هو فيما لا فضل فيه ولا حاجة إليه، أما المكان الفاضل: فقد خُص من النهي بحديث سلمة ﵁ (٦). يمكن أن يُجاب عنه بجوابين: الأول: لا يسلم بذلك؛ لأن حديث سلمة في تحري المكان الفاضل من غير إيطان، وفَرْقٌ بين التحري والإيطان (٧). الثاني: على فرض التسليم: فإن ملازمة المكان المعين في كل حين -ولو كان المكان فاضلاً- مما قد يورِد على المرء الرياء والسمعة، ويُذهب الخشوع. الدليل الثاني: أن إيطان مكان مخصوص يخل بالخشوع، ولأن العبادة تصير له طبعاً في ذلك الموضع، وتثقل في غيره، والعبادة إذا صارت طبعاً فسبيلها الترك (٨).

стр. 253

أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث سَلَمَةَ بْن الْأَكْوَعِ ﵁: ((أنه كان يُصَلِّي عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ (١) الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ (٢)، فَقِيل له: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ؟ قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى (٣) الصَّلَاةَ عِنْدَهَا)) (٤). وجه الاستدلال: أن تحري الصحابي الصلاة عند الأسطوانة التي كان يتحرى النبي ﷺ الصلاة عندها، فيه دليل على جواز إدامة الصلاة في موضع واحد إذا كان فيه فضل، وأما النهي عن إيطان الرجل موضعاً من المسجد يلازمه: فهو فيما لا فضل فيه، ولا حاجة إليه (٥). يمكن أن يُناقش من وجهين: الأول: لا يسلم هذا الاستدلال؛ للفَرْق بين التحري والإيطان (٦). الثاني: على فرض التسليم: فإن ملازمة المكان المعين في كل حين -ولو كان المكان فاضلاً- مما قد يورِد على المرء الرياء والسمعة، ويُذهب الخشوع.

стр. 254

الدليل الثاني: عن عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ (١): ((أَنَّه كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللهِ فِي بَيْتِي مَكَاناً؛ أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (٢). وجه الاستدلال: أن طلب الصحابي ﵁ من النبي ﷺ أن يصلي في مكان في بيته -لفضل موضع صلاته ﷺ ليتخذه مصلى، وإجابته لذلك -دليل على جواز إيطان المكان الفاضل للصلاة (٣). يمكن أن يُناقش: بأن دلالته على الجواز في البيوت، وهو خارج محل النزاع، ولا يُقاس عليه المسجد؛ للفرق، ولورود النص فيه. الدليل الثالث: أن معرفة موضع مَنْ يُقصد -كالعالم والمفتي- من تسهيل طرق الخير؛ للحاجة إليهما (٤). يمكن أن يُناقش: بأن ملازمة العالم والمفتي لموضع معين للدرس والإفتاء لا يلزم منه أنه يلازمه للصلاة، ولا يصلي في غيره! فليس ذلك الإيطان المقصود في هذه المسألة. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: حديث سلمة ﵁ الذي استدل به أصحاب القول الثاني. وجه الاستدلال: أن في الحديث دليلاً على أنه لا بأس أن يلزم المصلي مكاناً معيناً من المسجد يصلي فيه تطوعاً، ويُكره له أن يوطن مكاناً لا يصلي فرضه إلا فيه، وبذلك يُجمع بين الأحاديث (٥).

стр. 255

يمكن أن يُناقش: أن دلالة الحديث في تحري المكان الفاضل؛ لقصد النبي ﷺ له، وليس فيه ذِكر الإيطان، وفَرْقٌ بين التحري والإيطان. والنهي جاء مطلقاً فيشمل الفرض والتطوع. سبب الخلاف: السبب -والله أعلم- هو الخلاف في النهي في حديث عبد الرحمن بن شبل ﵁ أهو للعموم أم خُصص بحديث سلمة ﵁؟ فمن الفقهاء مَنْ ذهب إلى أنه للكراهة على العموم، ومنهم مَنْ قال بأن حديث سلمة مُخصِّص لعموم حديث النهي، فيُترخص في المكان الفاضل أو الذي هو للحاجة، ومنهم مَنْ جعل حديث سلمة مقيداً، فرخص في النفل. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- قول الجمهور بكراهة إيطان الرجل المكان في المسجد مطلقاً. قال ابن رجب ﵀ في (فتح الباري): «وكان للإمام أحمد مكان يقوم فيه في الصلاة المكتوبة خلف الإمام، فتأخر يوماً، فنحاه الناس، وتركوه، فجاء بعد ذلك، فقام في طرف الصف، ولم يقم فيه، وقال: قد جاء أنه يُكره أن يوطن الرجل مكانه» (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (مجموع الفتاوى) (٢): «ليس لأحد من الناس أن يختص بشيء من المسجد بحيث يمنع غيره منه دائماً، بل قد (نهى النبي ﷺ عن إيطان كإيطان البعير)، قال العلماء: معناه أن يتخذ الرجل مكاناً من المسجد لا يصلي إلا فيه، فإذا كان ليس له ملازمة مكان بعينه للصلاة، فكيف بمن يتحجر بقعة دائماً». أسباب الترجيح: ١ - أن الصلاة في أماكن متعددة دون ملازمة مكان واحد، فيه تكثير لمواضع العبادة، والتي تكون شهوداً يوم القيامة.

стр. 256

٢ - أن خوف الرياء والسمعة يرِد على المصلي، سواء كان الموضع فاضلاً أم مفضولاً. ٣ - أن فيه تحقيقَ ما جاءت به الشريعة من البعد عن مشابهة البهائم في العموم، وفي الصلاة على وجه الخصوص. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر أن الفقهاء حملوا النهي عن الإيطان على الكراهة بدلالة قرينة: المقصد من النهي. وذلك أن النهي عن إيطان المكان في المسجد جاء مقصوده مصلحة صلاة المؤمن وصيانتها من أن يرِد عليها ما ينقص أجرها من الرياء والسمعة، والاخلال بالخشوع، وفيه معنى التنزيه عن مشابهة الحيوانات في الصلاة. قال ابن عابدين ﵀ (١): «لأنه يُخِل بالخشوع، أي: لأنه إذا اعتاده ثم صلى في غيره، يبقى باله مشغولاً بالأول، بخلاف ما إذا لم يألف مكاناً معيناً» (٢). وجاء في (مرقاة المفاتيح): «قال ابن حجر: وحكمته أن ذلك يؤدي إلى: الشهرة، والرياء، والسمعة، والتقيد بالعادات، والحظوظ، والشهوات، وكل هذه آفات، أيُّ آفات! فتعيَّن البُعد عما أدى إليها ما أمكن» (٣). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قرينة المقصد من النهي معتبرة هنا وقوية؛ لما بيَّنه الفقهاء من الحِكم والمعاني المعتبرة في باب مكروهات الصلاة، ولعدم المعارض، والله تعالى أعلم.

стр. 257

المبحث الثالث: النهي عن تتبع المساجد المطلب الأول: حكم تتبع المساجد (١): دليل النهي: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِهِ، وَلَا يَتَتَبَّعِ الْمَسَاجِدَ)) (٢). صورة المسألة: إذا قصد المسلم مسجداً، ففاتته الصلاة، فهل له أن يتبع المساجد طلباً للجماعة، أو عليه أن يصلي في المسجد الذي قصده أولاً؟ تحرير محل النزاع: أولاً: محل الاتفاق:

стр. 258

اتفق الفقهاء (١) على أن المسلم إذا قصد أحد المساجد الثلاثة ففاتته الجماعة فيها، فإنه يصلي فيها فذاً أو جماعة، ولا يخرج منها إلى غيرها طلباً للجماعة؛ لحصول المقصود بالأجر المضّعف فيها. ثانياً: محل النزاع: اختلف الفقهاء فيما إذا قصد غير المساجد الثلاثة ففاتته الجماعة: هل يبتغي مسجدَ جماعةٍ غيره أو لا، على قولين: القول الأول: يجوز له أن يتبع المساجد، وله أن يصلي في مسجده (٢). وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: إن كان لم يدخل مسجده فالأَوْلى أن يتبع، وإن دخل مسجده صلى فيه ولا يتبع، وظاهره الكراهة. وهو قول بعض الحنفية (٧).

стр. 259

أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً)) (١). وجه الاستدلال: أن الحديث فيه فضل صلاة الجماعة، وذلك يدل على أن مَنْ فاتته الجماعة في مسجد جاز له طلبها في مسجد آخر (٢). الدليل الثاني: ما رُوي أنه: ((كَانَ حُذَيْفَةُ ﵁ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ يُعَلِّقُ نَعْلَيْهِ، وَيَتَّبِعُ الْمَسَاجِدَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا فِي جَمَاعَةٍ)) (٣). الدليل الثالث: عن الأسود بن يزيد (٤): ((أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ غَيْرِهِ)) (٥). وجه الاستدلال: فِعلا الصحابي والتابعي دليلٌ على جواز تتبُّع المساجد طلباً للجماعة (٦). دليل القول الثاني: يمكن أن يُستدل لهم بحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ

стр. 260

فِي مَسْجِدِهِ، وَلَا يَتَتَبَّعِ الْمَسَاجِدَ)) (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن تتبُّع المساجد، ويُحمل على الكراهة لمَن دخل مسجده؛ مراعاة لحق مسجده. يمكن أن يُناقش: بأن الحديث ضعيف، فلا تقوم به حجة. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- جواز تتبُّع المساجد طلباً للجماعة، وهو قول الجمهور. أسباب الترجيح: ١ - قوة الاستدلال بعموم أحاديث فضل صلاة الجماعة وترغيب المسلمين في إدراكها. ٢ - ضعف دليل القول الآخر. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: لعل القائلين بالكراهة صرفوا النهي عن التحريم؛ لقرينة المقصد من النهي. وذلك لقوله ﷺ : (لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِهِ). والحكمة: أن فيه إشعاراً بمراعاة حق مسجد حيِّه عليه، ولأنه أَوْلى بصلاته فيه من غيره. الحكم على القرينة: الذي يظهر أن هذه القرينة ضعيفة؛ لضعف دليل النهي، ولتعارضها مع مراعاة فضيلة الجماعة وطلبها، ولورود التتبُّع من الصحابي، والله تعالى أعلم.

стр. 261

المبحث الرابع: النهي عن تباهي الناس في المساجد المطلب الأول: حكم تباهي (١) الناس في المساجد: دليل النهي: عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ)) (٢)، وفي رواية: قال رسول الله ﷺ : ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ)) (٣)، وقال أنس ﵁: ((يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلاً (٤) (٥). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في المباهاة بزخرفة المساجد وتزويقها، على قولين: القول الأول: الكراهة. وهو قول عند الحنفية (٦)، ومذهب الجمهور: المالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). القول الثاني: لا بأس بزَخْرفة المساجد ونَقْشها.

стр. 262

وهو المذهب عند الحنفية (١). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ (٢) الْمَسَاجِدِ، قال ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى)) (٣). وجه الاستدلال: يدل الحديث على أن تشييد المساجد والمباهاة بها، بدعة مكروهة (٤)، وأن السنة في بنيان المساجد: القصد وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنائها؛ لأنه كفِعل أهل الكتاب بكنائسهم وبِيَعِهم، والمسلم منهيٌّ عن مشابهتهم (٥). الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ)) (٦). وجه الاستدلال: أن زخرفة المساجد من دلالات سوء حال الناس وسوء أعمالهم، فيُكره لذلك (٧). الدليل الثالث: عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ

стр. 263

فِي الْمَسَاجِدِ)) (١). وجه الاستدلال: أن المباهاة بتشييد المساجد وزخرفتها من علامات الساعة -وفيه إشارة إلى ضعف الناس في دينهم ومخالفتهم لما كان عليه السلف- وقد نهى عنها، والنهي محمول على الكراهة،؛ لأنه يُخِل بالخشوع؛ لما فيه من إلهاء المصلين وإشغالهم في صلاتهم (٢). نُوقش: بأن كونه من أشراط الساعة لا يدل على البطلان؛ لأنه ﷺ لم يذم ذلك، وما كل علامة على قرب الساعة تكون مذمومة، بل ذكر لها أمراً ذمَّها: كارتفاع الأمانة، وأموراً حمدها: كزخرفة المساجد، وأموراً لا تُحمد ولا تُذم: كنزول عيسى، فليست أشراط الساعة من الأمور المذمومة (٣). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٤). وجه الاستدلال: أن شأن المساجد أن تُرفع، ورفعُها تعظيمُها، ومن التعظيم: زخرفتها وتزويقها (٥). يمكن أن يُناقش: أنه ليس فيه ما يدل على موضع الخلاف، فالخلاف: هل التزيين والتزويق من التعظيم المأذون فيه؟ الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٦). وجه الاستدلال: أن في تزيين المسجد الدخولَ في أمارة مَنْ مدحه الله تعالى بعمارتها (٧). الدليل الثالث: أن عثمان ﵁ فَعل ذلك بمسجد النبي ﵇ والصحابة

стр. 264

متوافرون، فلم ينكره منهم أحد (١). نُوقش: بأن الزيادة في المساجد أو تخريبها؛ لتوسعتها وإعادة بنائها على وجه أصلح من البناء الأول -جائز، وهذا ما فعله عمر وعثمان ﵄ بمشهد من المهاجرين والأنصار، وأقروا عليه (٢). قال ابن بطال ﵀: «كان عمر قد فتح الله الدنيا في أيامه، ومكَّنه من المال، فلم يغيِّر المسجد عن بنيانه الذي كان عليه في عهد النبي، ثم جاء الأمر إلى عثمان والمال في زمانه أكثر، فلم يَزِد أن جعل في مكان اللبن حجارة وقصة، وسقَّفه بالسَّاج مكان الجريد، فلم يقصِّر هو وعمر عن البلوغ في تشييده إلى أبلغ الغايات إلا عن علم منهما عن الرسول بكراهة ذلك، وليُقتدى بهما في: الأخذ من الدنيا بالقصد والكفاية، والزهد في معالى أمورها، وإيثار البُلغة منها» (٣). الدليل الرابع: أن فيه: تكثيرَ الجماعة، وتحريض الناس على الاعتكاف في المسجد، والجلوس فيه لانتظار الصلاة، وفي كل ذلك قربة وطاعة، والأعمال بالنيات (٤). نُوقش من وجهين (٥): الأول: بأن دعوى أنه مرغِّب إلى المسجد فاسدة؛ لأن كونه داعياً إلى المسجد ومرغباً إليه لا يكون إلا لمَن كان غرضُه وغاية قصده النظرَ إلى تلك النقوش والزخرفة، أما مَنْ كان غرضه قصد المساجد لعبادة الله -التي لا تكون عبادة على الحقيقة إلا مع خشوع، وإلا كانت كجسم بلا روح-: فليست إلا شاغلة عن ذلك. الثاني: تعليلهم بأنه قربة تعليلٌ مخالف؛ لمقابلته الأحاديث الدالة على أن التزيين ليس من أمور رسول الله ﷺ ، وأنه نوع من المباهاة المحرمة، وأنه من علامات الساعة، وأنه من صنع اليهود والنصارى، والمسلم مأمور بمخالفتهم. سبب الخلاف: سبب الخلاف الذي يظهر -والله أعلم- هو اختلافهم في حقيقة إعمار المساجد

стр. 265

ورفعها وتعظيمها: هل يدخل فيه التزيين والزخرفة أو لا؟ الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- قول الجمهور بكراهة المباهاة في تشييد المساجد وتَزْويقها وزَخْرفتها. أسباب الترجيح: ١ - أن القول بكراهة زخرفة المساجد وتزويقها والمباهاة بها، متوافقٌ مع ما جاءت به الشريعة من البعد عن الإسراف والتبذير. ٢ - أن المطلوب شرعاً من المسلم إعمارَ المساجد بالذِّكر والصلاة والطاعات، لا الاشتغال بزخرفتها وتزيينها بما يكون سبباً لشُغل القلب عن المقصد الأصيل. ٣ - أن من شعار أهل الكتاب زخرفةَ بِيَعهم وكنائسهم، والمسلم مأمور بتجنب مشابهتم. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل الجمهور النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة هي: المقصد من النهي. وذلك أن النهي مقصوده مصلحة المصلين وصيانة صلاتهم عما يفسد خشوعها وينقص أجرها، والتنزيهُ عن الرياء والتفاخر بزخرفتها والانشغال عن عمارتها بالذكر وقراءة القرآن والصلاة. قال النووي ﵀: «يكره زخرفة المسجد ونقشه وتزيينه للأحاديث المشهورة، ولئلا تشغل قلب المصلي» (١). وجاء في (كشاف القناع): «يُكره أن يُزخرف المسجد بنقْش وصبْغ وكتابة وغير ذلك مما يلهي المصلي عن صلاته غالباً» (٢). الحكم على القرينة: قرينة المقصد من النهي قرينة معتبرة، حُمل بها النهي عن التباهي في المسجد من

стр. 266

التحريم إلى الكراهة، وعلة خوف إشغال المصلي علة معتبرة؛ صيانة للخشوع في الصلاة، والله تعالى أعلم.

стр. 267

المبحث الخامس: النهي عن الاستلقاء في المسجد ووضْع إحدى الرجلين على الأخرى المطلب الأول: حكم الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى: دليل النهي: عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى)) (١)، وفي رواية: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ (٢)، … وأَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ)) (٣). صورة المسألة: لو بدا للمسلم أن يستلقي وهو في المسجد، ويجعل إحدى رجليه على الأخرى، فهل يجوز له ذلك؟ وما الحكم إذا خِيف انكشاف العورة؟ تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء (٤) على جواز الاستلقاء ووضع إحدى الرجلين على الأخرى. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه استلقى في المسجد في حديث عبد الله بن زيد ﵁: ((أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ مُسْتَلْقِياً فِي الْمَسْجِدِ، وَاضِعاً إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى)) (٥). فاختلف الفقهاء في مسلك الجمع بين حديث النهي عنه وفِعل النبي ﷺ له، على قولين:

стр. 268

القول الأول: يُحمل النهي على الكراهة لمن خِيف أن تنكشف عورته، ويجوز إن أَمِن الانكشاف. وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: يجوز الاستلقاء، والنهي عنه منسوخ. وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى)). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الاستلقاء بهذه الصفة، والنهي محمول على الكراهة؛ لعلة خوف انكشاف العورة؛ إذ كان لباسهم الأُزُر دون السراويلات، والغالب أن المستلقي إذا رفع إحدى رجليه على الأخرى -مع ضيق الإزار- لم يسلم أن ينكشف، أما إذا توقى عن الانكشاف بإزار سابغ أو لبس السراويلات: فلا بأس به؛ جمعاً بين الأحاديث (٥). الدليل الثاني: عن عبد الله بن زيد ﵁: ((أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ مُسْتَلْقِياً فِي الْمَسْجِدِ، وَاضِعاً إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى)) (٦). وجه الاستدلال: أن فِعله ﷺ دليل على جواز الاستلقاء في المسجد، وهو محمول على حال أمْن الانكشاف، والنهي محمول على خوف الانكشاف؛ جمعاً بين الأدلة (٧). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث عبد الله بن زيد ﵁ المتقدم، وفيه حكاية فِعله ﷺ .

стр. 269

وجه الاستدلال: أنه يُستدل باستلقائه ﷺ على أن النهي عنه منسوخ (١). نُوقش: بأن فِعله ﷺ يُحتمل أنه فعله لضرورة أو حاجة، وإلا فقد عُلم أن جلوسه ﷺ في المجامع على خلاف هذا، بل كان أكثر جلوسه: القُرْفُصاء، أو مُقْعياً، وشبهها من جلسات الوقار والتواضع، ويُحتمل أنه ﷺ فعله لبيان الجواز، وأنكم إذا أردتم الاستلقاء فليكن هكذا، وأن النهي الذي نهيتكم عن الاستلقاء ليس هو على الإطلاق، بل المراد به مَنْ ينكشف شيء من عورته أو يقارب انكشافها، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (٢). الدليل الثاني: عن سعيد بن المسيب قال: ((كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذَلِكَ)) (٣). وجه الاستدلال: أنه يُستدل على النسخ بأن المتأخر من ذلك عملُ الخليفتين: عمر وعثمان بعده، وهما مما لا يخفى عليهما النسخ في ذلك وغيره من المنسوخ في سائر سننه ﷺ (٤). نُوقش: بأن الجمع بين الأحاديث أَوْلى من القول بالنسخ (٥). سبب الخلاف: سببُ الخلاف تعارضُ ظاهر حديث النهي عن الاستلقاء وحديث فِعله ﷺ للمنهي عنه. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الاستلقاء عند عدم أمن الانكشاف، وجوازه حال الأمن منه. سبب الترجيح: أن هذا القول فيه الجمع بين الأحاديث، وإعمال الكلام أَوْلى من إهماله. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم:

стр. 270

حمل أصحاب القول الأول النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعلُ النبي ﷺ للمنهي عنه. وذلك في حديث عبد الله بن زيد، فكان فِعله ﷺ بياناً لجواز الاستلقاء، ومحمول على حال عدم الانكشاف. قال النووي ﵀: «ويُحتمل أنه ﷺ فعله لبيان الجواز» (١). جاء في (البحر المحيط): «وللفقهاء في مثل ما مثَّلنا به طريقة أخرى لم يذكرها أهل الأصول هنا، وهو حَمْل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، وجعْل الفعل بياناً لذلك، أو حمْل كلٍّ من القول والفعل على صورة خاصة لا تجيء في الأخرى: كالاستلقاء: منهيٌّ عنه إذا بدت منه العورة، وجائز إذا لم تبدُ منه، إلى غير ذلك من الصور التي يمكن الجمع فيها بين القول والفعل» (٢). القرينة الثانية: فِعل الصحابة ﵃ للمنهي عنه. وذلك فيما رُوي عن عُمَرُ وَعُثْمَانُ، فدل فِعلهم على أنهم فهموا أن النهي عنه ليس للتحريم، لأنهم شاهدوا أحوال النبي ﷺ وأقواله وأفعاله، وهم أهل اللغة، فكانوا أفهم لمراد خطابه. الحكم على القرينة: فِعل النبي ﷺ من القرائن النصية القوية التي يُحمل بها النهي على الكراهة؛ فهي قرينة قوية في أصلها ومعتبرة؛ لدلالتها على بيان الجواز، أما قرينة فعل الصحابة (رضوان الله عليهم): فإنها معتبرة؛ لموافقتها لفِعل النبي ﷺ ، والله تعالى أعلم.

стр. 271

المبحث السادس: النهي عن الجلوسِ لداخلِ المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد المطلب الأول: حكم جلوس داخلِ المسجد قبل أن يصلي تحية المسجد (١): دليل النهي: عن أبي قتادة السلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ)) (٢). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٣) على أن ركعتي تحية المسجد سُنَّة، وحملوا النهي عن الجلوس قبل أدائها على الكراهة والتنزيه. الأدلة: الدليل الأول: عن أبي قتادة السلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ)) (٤). وجه الاستدلال: أن الأمرَ بصلاة ركعتي تحية المسجد قبل الجلوس محمولٌ على الندب والترغيب؛ للقرائن الصارفة (٥)، وسيأتي بيانها في المطلب الثاني. الدليل الثاني: حديث أبي قتادة المتقدم بلفظ النهي. وجه الاستدلال: أن النهي عن الجلوس قبل أن يصلي ركعتي تحية المسجد

стр. 272

محمولٌ على الكراهة، وهي كراهة تنزيه (١)؛ للقرائن الصارفة التي دلت على عدم الوجوب. المطلب الثاني: القرائن الصارفة عن التحريم: حَمَل الفقهاء الأمر على الندب والنهي على الكراهة؛ بدليل القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص: وذلك في حديث الأعرابي الذي سأل عن الإسلام وما يجب عليه: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ)) (٢)، فجواب النبي ﷺ دليل على عدم وجوب غير الخمس، وتلك قرينة تدل أن تحية المسجد ليست واجبة، وأن النهي ليس للتحريم (٣). القرينة الثانية: ورود النص وفيه الأمر بخلاف مقتضى النهي. حديث عبد الله بن بُسْر ﵁ (٤): ((جاء رَجلٌ يَتَخَطَّى رقاب النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، والنبي ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ له النبي ﷺ : اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ)) (٥)، فالنبي ﷺ أمره بالجلوس، ولم يأمره أن يصلي تحية المسجد، فدل على أن النهي عن الجلوس قبل أن يصليها ليس للتحريم (٦).

стр. 273

القرينة الثالثة: فِعل الصحابة ﵃. عن زيد بن أسلم ﵁ قال: ((كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ، وَلَا يُصَلُّونَ، قَالَ: وَرَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَفْعَلُهُ)) (١). الحكم على القرينة: القرائن النصية من أقوى القرائن الصارفة للنهي عن التحريم في العموم، وهنا القرينة الأولى قوية ومعتبرة؛ لأنها جاءت في سياق بيان ما يجب عليه من الصلوات، والقرينة الثانية قوية؛ لأنها جاءت في واقعة لداخل المسجد ولم يُؤمر بالصلاة، وقرينة فِعل الصحابة اعتضدت وتَقوَّت بالقرائن النصية، فالقرائن قوية معتبرة صَرَفت النهي عن الجلوس قبل أداء تحية المسجد من التحريم إلى الكراهة، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 274

المبحث السابع: النهي عن صلاة غير المكتوبة بعد إقامة الصلاة المطلب الأول: حكم صلاة غير المكتوبة بعد إقامة الصلاة: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ (١) إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ)) (٢). صورة المسألة: إن أراد المسلم أن يشرع في نافلة، وأُقيمت الصلاة: فهل له أن يبتدأها أو لا؟ وإن كان فيها وأُقيمت الصلاة: فهل يتمُّها أو يقطعها؟ وما الحكم في ذلك إن خشي الفوات؟ أو لم يخش الفوات؟ الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يحرم الابتداء بنافلة، سواء خشي الفوات أم لم يخشَ، وإن كان فيها ولم يخش الفوات أتمها، وإلا قطعها. وهو مذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: يُكره ابتداء النافلة مطلقاً، وإن كان فيها ولم يخشَ فوت الجماعة أتمها ندباً، فإن خاف فَوْتها قطعها ندباً. وهو مذهب الشافعية (٥).

стр. 275

القول الثالث: يُكره ابتداء نافلة بعد الإقامة، إلا ركعتي الفجر إذا لم يخشَ فوات الجماعة. وهو مذهب الحنفية (١). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ)). وجه الاستدلال: أن قوله: (فلا صلاة) نفيٌ بمعنى النهي يفيد العموم، فإن أُقيمت الصلاة فلا يجوز أن يشرع في صلاة، وإن كان فيها يقطعها إن خشي الفوات؛ لأن ما يفوته مع الإمام أفضل مما يأتي به، فلم يشتغل به (٢). نُوقش: بأن الحديث موقوف على أبي هريرة (٣). أُجيب عنه: بأن الحديث مسند مرفوع ثبت عن الرسول ﷺ (٤)، ويكفيه أنه في (صحيح مسلم). الدليل الثاني: عن مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ (٥) ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً -وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ- يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَاثَ (٦) بِهِ النَّاسُ، وَقَالَ لَهُ

стр. 276

رَسُولُ اللهِ ﷺ : الصُّبْحَ أَرْبَعاً، الصُّبْحَ أَرْبَعاً)) (١). وجه الاستدلال: أن إنكار النبي ﷺ على الرجل أن يصلي ركعتين بعد أن أُقيمت الصلاة، فيكون كمَن صلى الصبح أربعاً -يدل على عموم النهي: أن لا صلاة بعد الإقامة إلا الصلاة المكتوبة (٢). الدليل الثالث: عن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِس ﵁ قال: ((دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: يَا فُلَانُ، بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟ أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ؟ أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟)) (٣). وجه الاستدلال: أن في إنكار الرسول ﷺ على الرجل دلالةً على أنه لا يجوز أن يصلي نافلة -ولو كانت ركعتي الفجر- بعد أن أُقيمت الصلاة وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما قبل خروج الإمام من صلاته؛ لأن قوله: (أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟) يدل على أنه قد أدرك الصلاة مع رسول الله ﷺ بعد فراغه من الركعتين (٤). نُوقش حديث ابن بُحينة وحديث ابن سَرجس ﵄: بأنه يُحتمل أن يكون أراد النهي عن أن يصلي غيرها في موطنها الذي يصلي فيه، فيكون مصليها قد وصلها بتطوع، فيكون النهي من أجل ذلك؛ فقد نُهي عن وصل الفريضة بالتطوع في مكان واحد دون أن يفصل بينهما بشيء (٥). أُجيب عنه: بأن هذا القول ليس بشيء؛ لأن النهي إنما ورد أن تُصليا معاً، وأن يصلي -إذا أُقيمت المكتوبة- غيرَها مما ليس بمكتوبة ويشتغل عنها بما سواها (٦). الدليل الرابع: أن ابتداء صلاة غير التي أُقيمت يؤدي إلى الطعن في الإمام

стр. 277

وجماعته، فيحرم (١). الدليل الخامس: ما روي أنه ((كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ)) (٢). الدليل السادس: استدلوا على أنه إن أُقيمت الصلاة وهو في تطوع، أتمها إن لم يخشَ فوات الجماعة، بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٣). وجه الاستدلال: أن قطع الصلاة وعدم إتمامها، من إبطالها، والله تعالى نهى عن إبطال الأعمال، فيدخل فيها. أدلة القول الثاني: استدلوا بما استدل به القائلون بالتحريم، وحملوا النهي على الكراهة، ولعل الصارف: فِعل بعض الصحابة ﵃، كما سيأتي عند ذكر أدلة القول الثالث. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: أن ركعتي الفجر تُخص من النهي؛ لأن النبي ﷺ أكَّد عليهما بما لم يؤكده في غيرهما، ونهى عن تركهما، ولأنها لا تُقضى بعد الفوات؛ ولذا فإنه يأتي بهما إن طمع في إدراك ركعة من الصلاة؛ لأن إدراك ركعة من الصلاة كإدراك جميع الصلاة (٤). نُوقش: بأن قوله ﷺ (في صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة، ولا دليل على تخصيص ركعتي الفجر (٥). الدليل الثاني: ما رُوي من الآثار عن الصحابة (رضوان الله عليهم): ١ - ((أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَبَا مُوسَى خَرَجَا مِنْ عِنْدِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرَكَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ الْقَوْمِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا أَبُو مُوسَى: فَدَخَلَ فِي

стр. 278

الصَّفِّ)) (١). ٢ - ((كُنَّا نَجِيءُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَنَرْكَعُ الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَدْخُلُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ)) (٢). ٣ - ((أن ابن عمر ﵄ جَاءَ مَرَّةً وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَصَلَّاهُمَا فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَرَّةً أُخْرَى، فَصَلَّى مَعَهُمْ وَلَمْ يُصَلِّهِمَا)) (٣). وجه الاستدلال: أن عبد الله ابن مسعود قد صلى بعد أن أُقيمت الصلاة، ومعه حذيفة وأبو موسى لا ينكران ذلك عليه، فدل ذلك على موافقتهما إياه، ومثلُه في خبر عمر وابن عمر (٤) ﵃. ويمكن مناقشة الآثار: أولاً: بأنها مخالفة لما ثبت من نهي النبي ﷺ . ثانياً: أن أبا موسى خالف عبد الله بن مسعود في فِعله، ودخل في الصلاة مع الإمام، وليس فِعل أحدهم حجة على الآخر، وكذلك اختلاف ما نُقل عن عمر ﵁ مرة بأنه أنكر ذلك، ومرة بأنه لم يُنكر، فتساقطا. سبب الخلاف: السبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله ﵇: ((إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (٥)، وظاهر تعارض النص مع فعل الصحابة ﵃. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم الشروع في صلاة إذا أُقيمت المكتوبة، وإن كان فيها يتمها إن لم يخشَ فوات الجماعة، وإلا فليقطعها. قال ابن عبد البر ﵀: «هذا القول أصح؛ لأن فيه حديثاً مسنداً يجب الوقوف

стр. 279

عنده والرد إليه فيما ينازع العلماء فيه؛ إذ لم يكن له في الكتاب ذِكر، ولا جاء عن النبي ﷺ ما يعارضه» (١). أسباب الترجيح: ١ - قوة أدلة هذا القول. ٢ - أن المشتغل بصلاة غير المكتوبة بعد إقامة الصلاة تفوته فضيلة إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام - في الأغلب. ٣ - ضعف أدلة الأقوال الأخرى، وورود المناقشة عليها. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر أن القائلين بالكراهة صرفوا النهي عن التحريم؛ بدليل قرينة: فِعل الصحابة ﵃. وذلك فيما رُوي عن بعض الصحابة -كابن عمر وابن مسعود- أنهم ابتدؤوا صلاة بعدما أُقيمت الصلاة المكتوبة، وأنه لم ينكر بعضهم على بعض، ففي فِعلهم دليل على أنهم فهموا أن النهي ليس للتحريم. الحكم على القرينة: قرينة فِعل الصحابة هنا قرينة ضعيفة لا تقوى على صرف النهي عن التحريم؛ لقوة دليل النهي ودلالته على العموم، وكذلك لأن ما ورد عن بعض الصحابة عارضه مخالفة غيرهم، مما يضعف الاحتجاج به؛ لأنه ليس فِعل أحدهم حجة على الآخر، والله تعالى أعلم.

стр. 280

المبحث الثامن: النهي عن استدامة الإمام الصلاة في مكان المكتوبة المطلب الأول: حكم استدامة الإمام الصلاة في مكان المكتوبة: دليل النهي: عن المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي مُقَامِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْهُ)) (١). صورة المسألة: لو أراد الإمام بعد فراغه من الفريضة أن يتنفل: فهل له أن يصلي في مكانه أو يلزمه الانتقال؟ حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٢) على أنه يُكره للإمام استدامة الصلاة في مكان المكتوبة. الأدلة: الدليل الأول: حديث المغيرة بن شعبة ﵁. ويشهد لمعناه أيضاً ما رُوي عن علي ﵁ أنه قال: ((لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَمَّ فِيهِ الْقَوْمَ حَتَّى يَتَحَوَّلَ أَوْ يَفْصِلَ بِكَلَامٍ)) (٣)، وما رُوي عن عبد الله بن عمرو ﵁: ((أَنَّهُ كَرِهَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ)) (٤). وجه الاستدلال: أن النفي في الحديث بمعنى النهي، فهو نهي للإمام عن الصلاة

стр. 281

في موضع المكتوبة، ويُحمل على الكراهة؛ لكونه إرشاداً إلى الأمن من التباس النافلة بالفريضة؛ لأن صلاة الإمام مكان الفريضة يؤدي إلى اشتباه الأمر على الداخل، فيظنه في الفريضة، فيقتدي به؛ لذا ينبغي أن يتنحى إزالةً للاشتباه، وإعلاماً بأنه صلى، فلا يُنتظر، وهذا الاشتباه لا يوجد في حق المأموم (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ، أَوْ يَتَأَخَّرَ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ؟)) يَعْنِي: السُّبْحَةَ (٢). وجه الاستدلال: أن في الحديث استفهاماً أُريد به الإنكار على المصلي أن يتنفل في موضع الفريضة، وهو محمول على الإمام؛ لأنه يُفتن به الداخل، أي: يظنه في الفريضة، فيقتدي به، وهذا لا يوجد في حق المأموم (٣). الدليل الثالث: أن في الانتقال للنافلة إلى موضع آخر استكثاراً من شهوده؛ فإن مكان المصلي يشهد له يوم القيامة (٤).

стр. 282

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل الفقهاء النهي على الكراهة في حق الإمام دون غيره لقرينة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. قال ابن حجر ﵀: «ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة» (١). قال المناوي ﵀: «المعنى فيه خشية التباس النفل بالفرض، فأرشد في الحديث إلى طريق الأمن من الالتباس» (٢). والعلة في ذلك: خوف التلبيس على الداخل بأن الإمام يصلي الفريضة، فيقتدي به. جاء في (المبسوط): «لأنه يُفتن به الداخل، أي: يظنه في الفريضة، فيقتدي به» (٣). قال ابن حجر ﵀: «المعنى في كراهة ذلك خشيةُ التباس النافلة بالفريضة» (٤). الحكم على القرينة: قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، صارفة للنهي إلى غير التحريم، وهي هنا قرينة قوية؛ لقوة العلة المعتبرة في ذلك، والله أعلم.

стр. 283

الفصل الثالث المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المواقيت وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: النهي عن تسمية العشاء العَتَمَة. المبحث الثاني: النهي عن تسمية المغرب العشاء. المبحث الثالث: النهي عن تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس.

стр. 284

المبحث الأول: النهي عن تسمية العشاء العَتَمَة المطلب الأول: حكم تسمية العشاء العَتَمَة (١): دليل النهي: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ (٢) عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ)) (٣). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم تسمية العشاء العَتَمَة، على قولين: القول الأول: الكراهة. وهو قول بعض الحنفية (٤)، والمشهور عند المالكية (٥)، ومذهب الشافعية (٦)، وقول عند الحنابلة (٧). القول الثاني: الجواز. وهو قول عند المالكية (٨)، ووجه عند الشافعية (٩)، والمذهب عند الحنابلة (١٠).

стр. 285

أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الله تعالى سماها في القرآن الكريم صلاة العشاء، فيُكره مخالفة هذه التسمية (٢). نُوقش: أن تسميتها في كتاب الله بالعشاء لا يدل على كراهة تسميتها بغيره، كما أن الله تعالى سمى صلاة الصبح صلاة الفجر، ولا يُكره تسميتها صلاة الصبح (٣). يمكن أن يُجاب عنه: بأن تسمية العشاء العَتَمَة ورد فيه نهي خاص، بخلاف تسمية الفجر الصبح. الدليل الثاني: حديث عبد الله بن عمر ﵄ المتقدم. وجه الاستدلال: في الحديث نهي عن تسمية العشاء العَتَمَة والتنفير عنها بقوله: (تغلبنكم)، ويحمل النهي على الكراهة والتنزيه؛ لورود القرينة، وذلك أنه ﷺ سمى العشاء بالعَتَمَة لبيان الجواز (٤). الدليل الثالث: أن العادة أن العظماء إذا سموا شيئاً باسم، فلا يليق العدول عنه؛ لما فيه من تنقيصهم والرغبة عن صنيعهم، والله تعالى أعظم العظماء قد سماها العشاء في القرآن (٥). الدليل الرابع: أن النهي عن تسمية العشاء بالعَتَمَة تنزيهٌ لهذه العبادة الشريفة الدينية عن أن يُطلق عليها ما هو اسم لفِعلة دنيوية، وهي الحَلبَةُ التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العَتَمَة (٦).
следующие страницы →