← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

في موضع المكتوبة، ويُحمل على الكراهة؛ لكونه إرشاداً إلى الأمن من التباس النافلة بالفريضة؛ لأن صلاة الإمام مكان الفريضة يؤدي إلى اشتباه الأمر على الداخل، فيظنه في الفريضة، فيقتدي به؛ لذا ينبغي أن يتنحى إزالةً للاشتباه، وإعلاماً بأنه صلى، فلا يُنتظر، وهذا الاشتباه لا يوجد في حق المأموم (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ، أَوْ يَتَأَخَّرَ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ؟)) يَعْنِي: السُّبْحَةَ (٢). وجه الاستدلال: أن في الحديث استفهاماً أُريد به الإنكار على المصلي أن يتنفل في موضع الفريضة، وهو محمول على الإمام؛ لأنه يُفتن به الداخل، أي: يظنه في الفريضة، فيقتدي به، وهذا لا يوجد في حق المأموم (٣). الدليل الثالث: أن في الانتقال للنافلة إلى موضع آخر استكثاراً من شهوده؛ فإن مكان المصلي يشهد له يوم القيامة (٤).

стр. 282

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل الفقهاء النهي على الكراهة في حق الإمام دون غيره لقرينة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. قال ابن حجر ﵀: «ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة» (١). قال المناوي ﵀: «المعنى فيه خشية التباس النفل بالفرض، فأرشد في الحديث إلى طريق الأمن من الالتباس» (٢). والعلة في ذلك: خوف التلبيس على الداخل بأن الإمام يصلي الفريضة، فيقتدي به. جاء في (المبسوط): «لأنه يُفتن به الداخل، أي: يظنه في الفريضة، فيقتدي به» (٣). قال ابن حجر ﵀: «المعنى في كراهة ذلك خشيةُ التباس النافلة بالفريضة» (٤). الحكم على القرينة: قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، صارفة للنهي إلى غير التحريم، وهي هنا قرينة قوية؛ لقوة العلة المعتبرة في ذلك، والله أعلم.

стр. 283

الفصل الثالث المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب المواقيت وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: النهي عن تسمية العشاء العَتَمَة. المبحث الثاني: النهي عن تسمية المغرب العشاء. المبحث الثالث: النهي عن تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس.

стр. 284

المبحث الأول: النهي عن تسمية العشاء العَتَمَة المطلب الأول: حكم تسمية العشاء العَتَمَة (١): دليل النهي: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ (٢) عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ)) (٣). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم تسمية العشاء العَتَمَة، على قولين: القول الأول: الكراهة. وهو قول بعض الحنفية (٤)، والمشهور عند المالكية (٥)، ومذهب الشافعية (٦)، وقول عند الحنابلة (٧). القول الثاني: الجواز. وهو قول عند المالكية (٨)، ووجه عند الشافعية (٩)، والمذهب عند الحنابلة (١٠).

стр. 285

أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الله تعالى سماها في القرآن الكريم صلاة العشاء، فيُكره مخالفة هذه التسمية (٢). نُوقش: أن تسميتها في كتاب الله بالعشاء لا يدل على كراهة تسميتها بغيره، كما أن الله تعالى سمى صلاة الصبح صلاة الفجر، ولا يُكره تسميتها صلاة الصبح (٣). يمكن أن يُجاب عنه: بأن تسمية العشاء العَتَمَة ورد فيه نهي خاص، بخلاف تسمية الفجر الصبح. الدليل الثاني: حديث عبد الله بن عمر ﵄ المتقدم. وجه الاستدلال: في الحديث نهي عن تسمية العشاء العَتَمَة والتنفير عنها بقوله: (تغلبنكم)، ويحمل النهي على الكراهة والتنزيه؛ لورود القرينة، وذلك أنه ﷺ سمى العشاء بالعَتَمَة لبيان الجواز (٤). الدليل الثالث: أن العادة أن العظماء إذا سموا شيئاً باسم، فلا يليق العدول عنه؛ لما فيه من تنقيصهم والرغبة عن صنيعهم، والله تعالى أعظم العظماء قد سماها العشاء في القرآن (٥). الدليل الرابع: أن النهي عن تسمية العشاء بالعَتَمَة تنزيهٌ لهذه العبادة الشريفة الدينية عن أن يُطلق عليها ما هو اسم لفِعلة دنيوية، وهي الحَلبَةُ التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العَتَمَة (٦).

стр. 286

أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا (١) عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ (٢) لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَة وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً)) (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ سمى العشاء بالعَتَمَة، فدل ذلك على جواز التسمية (٤). نُوقش من وجهين (٥): أحدهما: أن هذا الاستعمال ورد في نادر من الأحوال لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه لا التحريم. الثاني: أن المخاطبين كان فيهم مَنْ قد يشتبه عليه العشاء بالمغرب، فاحتمل إطلاق العَتَمَة هنا للمصلحة دفعاً للالتباس. الدليل الثاني: حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: ((ارتقبْنا النَّبِيَّ ﷺ فِي صَلَاةِ العَتَمَة … )) (٦). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: ((أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ … وكَانُوا يُصَلُّونَ العَتَمَة فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ)) (٧).

стр. 287

وجه الاستدلال: أن الصحابة ﵃ سموها العَتَمَة، وذلك دليل على جوازها (١). الدليل الرابع: أن تسمية العشاء بالعَتَمَة نسبةً لها إلى الوقت الذي تجب فيه، فأشبهت صلاة الصبح والظهر وسائر الصلوات (٢). سبب الخلاف: سبب الخلاف ظاهر التعارض بين حديث أبي هريرة الذي فيه تسمية العشاء بالعَتَمَة، وحديث ابن عمر الذي فيه النهي عن هذه التسمية (٣)، وهو من باب تعارض القول والفعل. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة تسمية العشاء العَتَمَة. أسباب الترجيح: ١ - قوة أدلة هذا القول. ٢ - أنه محافظة على الاسم الشرعي لها، فلا تغلب تسمية الأعراب. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن النهي حُمل على الكراهة للقرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعْل النبي ﷺ خلاف النهي. وذلك في قوله: (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَة وَالصُّبْحِ)، فكان فِعله ﷺ بياناً للجواز، وأن النهي عنه ليس للتحريم. قال الزركشي ﵀: « … وللفقهاء في مثل ما مثلنا به طريقة أخرى لم يذكرها أهل الأصول هنا، وهو حمل الأمر على الندب والنهي على الكراهة، وجعل الفعل بيانا لذلك» (٤). وقال النووي ﵀ في (المنهاج): «جاء في الأحاديث الصحيحة تسميتها

стр. 288

بالعَتَمَة، … والجواب عنه: أنه استُعمل لبيان الجواز، وأن النهي عن العَتَمَة للتنزيه لا للتحريم» (١). القرينة الثانية: فِعل الصحابة ﵃. فقد ورد عن معاذ وعائشة وغيرهم من الصحابة ﵃ تسمية العشاء بالعَتَمَة؛ فكان فِعلهم دليلاً على أنهم فهموا أن النهي ليس للتحريم. القرينة الثالثة: المقصد من النهي ذلك أن مقصود النهي: الحث على تسمية العبادات بالتسمية التي جاء بها الشرع، وفيه التنزيه عن مشابهة الأعراب. قال القاضي عياض ﵀: «وقد جاء في الحديث الآخر: (لو يعلمون ما في العَتَمَة والصبح … ) فقوله هذا يدل أن نهيه ليس نهى تحريم، وإنما هو نهى أدب وفضيلة» (٢)، وقال في موضع آخر: « … وفيه أن النهى عنها نهى كراهة واستحسان الامتثال؛ لما سماها الله به في القرآن من العشاء» (٣). وقال المناوي ﵀: «تسمية العشاء عتمة؛ إشارة إلى أن النهي الوارد فيه للتنزيه لا للتحريم» (٤). وقال ابن حجر ﵀: «إنما نهى عن ذلك تنزيهاً لهذه العبادة الشرعية الدينية عن أن يُطلق عليها ما هو اسم لفِعلة دنيوية، وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها العَتَمَة. قلت: وذكر بعضهم: أن تلك الحلبة إنما كانوا يعتمدونها في زمان الجَدْب خوفاً من السؤال والصَّعالِيك (٥)، فعلى هذا فهي فِعلة دنيوية مكروهة لا تُطلق على فِعلة دينية

стр. 289

محبوبة» (١). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القرائن قوية ومعتبرة: فقرينة فِعل الرسول ﷺ قوية؛ لقوتها في أصلها وثبوتها، وقرينة فِعل الصحابة اعتضدت بفِعل النبي ﷺ ، وقرينة المقصد من النهي كذلك قرينة قوية؛ لقوة المعنى الذي لأجله ورد النهي ومناسبته، والله تعالى أعلم.

стр. 290

المبحث الثاني: النهي عن تسمية المغرب العشاء المطلب الأول: حكم تسمية المغرب العشاء: دليل النهي: عن عبد الله بن مغفل الْمُزَنِيِّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِب، قَالَ: والْأَعْرَابُ تَقُولُ: هِيَ الْعِشَاء)) (١). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في النهي عن تسمية المغرب العشاء، على قولين: القول الأول: الكراهة. وهو قول بعض الحنفية (٢)، ومذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، وقول عند الحنابلة (٥). القول الثاني: الجواز. وهو المذهب عند الحنابلة (٦). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: حديث عبد الله بن مغفل ﵁. وجه الاستدلال: أن ظاهر الحديث نهي عن تسمية المغرب العشاء، وهو نهي كراهة؛ لأن التسمية من الله ورسوله لا تُترك لرأى أحد (٧)؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ (٨). الدليل الثاني: أن تسميتها بالعشاء دائماً يُشعِر بتأخيرها، بخلاف تسميتها

стр. 291

بالمغرب فإنه يُشعِر بفعلها عند الغروب (١). الدليل الثالث: أنه يُكره تسمية المغرب العشاء؛ لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى -العشاء- (٢). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: استدلوا بحديث عبد الله بن مغفل ﵁ الذي استدل به أصحاب القول الأول. وجه الاستدلال: أن الخبر لا يقتضي نهياً مطلقاً، لكن فيه النهي عن غلبة الأعراب على ذلك، وهذا لا يقتضي المنع من إطلاق العشاء عليه أحياناً، بل يجوز أن يُطلق على وجه لا يترك له التسمية الأخرى (٣). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُوراً فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ)) (٤). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ سمى العشاء بالعشاء الآخرة، فدل على أن المغرب: العشاء الأولى (٥). نُوقش: بأن وَصْف العشاء بالآخرة؛ لأنها آخر الصلوات، لا لأن قبلها عشاء أخرى (٦). سبب الخلاف: الذي يظهر أن سبب الخلاف هو اختلافهم في النهي في حديث عبد الله بن المغفل: هل هو نهي مطلق أو مقيد بغلبة تسمية الأعراب؟ فمَن رأى أنه نهي مطلق قال بالكراهة، ومَن قال: ليس نهيا مطلقا قال بالجواز، والله أعلم. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة تسمية

стр. 292

المغرب العشاء. أسباب الترجيح: ١ - قوة أدلة هذا القول. ٢ - أن تسميتها بالمغرب هي التسمية التي ارتضاها رسول الله ﷺ . المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن النهي يُحمل على الكراهة؛ بدليل قرينة: المقصد من النهي. ذلك أن الحكمة من النهي: الحث على تسمية العبادات بما جاء به الشرع، والمنع من مشابهة الأعراب، ودفعاً للالتباس والاشتباه بصلاة العشاء. قال القرطبي ﵀: «يظهر لي أن المقصود من هذا النهي، ومن قوله: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب -ألا نتبع الأعراب في تسميتهم هاتين الصلاتين بذلك؛ لأنهم لم يقتدوا في تسميتها: لا بما جاء في كتاب الله من تسميتها: العشاء، ولا بما جاء في السنة من تسميتها بالمغرب؛ إذ قد ثبت في غير ما حديث تسميتها: بالمغرب كما جاء في حديث جبريل وغيره، والله تعالى أعلم» (١). جاء في (منحة الباري): «والمعنى: لا تتبعوا الأعراب في تسميتهم المغرب عشاء؛ لأن الله سماها مغرباً، وتسمية الله أولى من تسميتهم، والسرُّ في النهي: خوف الاشتباه على غيرهم من المسلمين، والنهي للتنزيه لا للتحريم» (٢). وجاء في (الكواكب الدراري): «كان الأعراب يقولون: العشاء، ويريدون به المغرب، فكان يتشبه ذلك على المسلمين بالعشاء الآخرة، فنُهى عن إطلاق العشاء على المغرب؛ دفعاً للالتباس» (٣). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قرينة المقصد من النهي قرينة قوية؛ لما فيه من تحقيق المحافظة على تسمية الأشياء بمسمياتها الشرعية، والله تعالى أعلم.

стр. 293

المبحث الثالث: النهي عن تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس المطلب الأول: حكم تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس: دليل النهي: عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ (١) قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعاً لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً)) (٢)، وفي رواية: ((تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، أَوْ عَلَى قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ -قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعاً لَمْ يَذْكُرِ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً)) (٣). تحرير محل النزاع: أولاً: محل الإجماع: أجمع العلماء (٤) على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عمداً حتى يخرج وقتها. قال ابن تيمية ﵀: «مسألة: ولا يحل تأخيرها عن وقتها إلا لناوٍ جمعها أو مشتغل عنها بشرطها: أما فِعلها في الوقت المضروب لها: ففرض، وتأخيرها عنه عمداً من الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥) والمحافظة عليها: فِعلها في الوقت … والنصوص

стр. 294

في ذلك كثيرة، وهو مجمع عليه» (١). ثانياً: محل النزاع: اختلف الفقهاء في حكم تَعمُّد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر، على قولين: القول الأول: يحرم تأخير العصر إلى اصفرار الشمس. وهو قول بعض الحنفية (٢)، ومذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: يُكره تأخير العصر إلى اصفرار الشمس. وهو المذهب عند الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٧). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٨). وجه الاستدلال: أن الله تعالى ذَمَّ مَنْ أضاع الصلاة، وتوعَّدهم بالعذاب، وقد قال أكثر أهل العلم: إضاعة الصلاة تأخيرها عن وقتها (٩)، فمَن أخَّر العصر إلى اصفرار الشمس مُؤخِّرٌ لها عن وقتها، مُفرِّطٌ فيما أُمر بحفظه ورعايته، آثمٌ؛ لتضييعه وتفريطه (١٠). الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ

стр. 295

يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ … )) (١)، وفي رواية: (( … فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرُ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ)) (٢). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلاً وَآخِراً، … وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ)) (٣). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ﷺ حَدَّ وقت العصر باصفرار الشمس، وذلك يقتضي أن ما بعده ليس بوقت لها لمَن لا عذر له، فلا يجوز التأخير إليه (٤). الدليل الرابع: حديث أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعاً لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً)) (٥). وجه الاستدلال: أن ظاهر الذم والتشبيه بصلاة المنافق وتكريره لذلك، دليل على تحريم تأخير العصر إلى اصفرار الشمس لمَن لا عذر له، ولو أُبيح تأخيرها لما ذَمَّ عليه، وجَعَله علامة النفاق، والنفاق كله حرام (٦). وقوله (يجلس يرقب) فيه إشارة أنه فيمن كان مختاراً لا معذوراً (٧). نُوقش: بأنه إنما ذَمَّه على النَّقْر وقلة ذِكر الله (٨).

стр. 296

أُجيب عنه: بأنه إنما ذَمَّه على مجموع ذلك -أي: التأخير والنَّقْر- ولو لم يكن للتأخير مدخل في استحقاق الذم لما ذَكَره، كمَن نَقَرها في أول الوقت (١). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعاً لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً)) (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث فيه تصريح بذم تأخير الصلاة إلى اصفرار الشمس، وأنها في حكم صلاة المنافق، وذلك دليل على كراهة تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر (٣). يُمكن أن يُناقش: أن الحكم بأنها صلاة المنافق والتأكيد بالتكرير يقتضي التحريم؛ فالنفاق كله حرام. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ (٤) الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ (٥) فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ)) (٦).

стр. 297

وجه الاستدلال: أن الحديث نَصَّ على أن مَنْ أدرك ركعة قبل غروب الشمس أدرك العصر فصلاته أداء لا قضاء، فلا يكون عاصياً (١). نُوقش من وجهين: الأول: بأن الحديث يُحمل على أنه وقت لمن له ضرورة: كحائض طهرت، وصبي بلغ، ومجنون أفاق، ونائم استيقظ؛ بدليل تأكيده في النهي عن الصلاة إذا اصفرت الشمس، وجَعْل الصلاة في ذلك الوقت -ممن لا عذر له- صلاة المنافق (٢)، وبذلك يُجمع بين هذا الحديث وحديث أنس. الثاني: أنه قد اتُّفق على أن مَنْ أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس أنه مؤدٍّ لها وليس بقاضٍ، ولكنه عاص؛ لتأخيره مختاراً، مع كونه مؤدياً غير قاض، وإنما جواز التأخير مع الضرورة، أما مَنْ لا ضرورة له فلا يجوز له التأخير وإن أدرك الوقت بركعة (٣). الدليل الثالث: حديث عبد الله بن عمرو ﵁: (( … فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرُ فَإِنَّهُ وَقْتٌ

стр. 298

إِلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ)) (١). وجه الاستدلال: أن قوله: (فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس) معناه: فإنه وقت لأداء الصلاة بلا كراهة، فإذا اصفرت صار وقت كراهة، وتكون أيضاً أداءً حتى تغرب الشمس (٢). نُوقش: بأنه بيان لحَدٍّ آخر وقت الاختيار، وما بعده إلى غروب الشمس يسمى وقت إدراك ووقت ضرورة، ولا يفترق المعذور وغيره إلا في الإثم وعدمه: فالمعذور له التأخير، وغيره ليس له ذلك، ويأثم إذا أخَّر (٣). الدليل الرابع: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِيَّ النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى)) (٤). وجه الاستدلال: أن ظاهر الحديث يقتضي امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الأخرى: فآخِرُ وقت العصر يمتد إلى غروب الشمس وهو وقت أداء، فمَن لم يصلِّ حتى غربت الشمس فرَّط وأثِم، أما التأخير إلى اصفرار الشمس: فليس بتفريط، ولكن يُكره للنهي عنه (٥). نُوقش: بأن الحديث محمول على وقت الإدراك والضرورة، فلا يجوز لمَن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقت الجواز -أي: وقت الصلاة إن كان لها وقت واحد، ووقت الاختيار إن كان لها وقتان- إن كان ذاكراً لها قادراً على فِعلها (٦)، وبذلك يُجمع بين الأحاديث؛ لأنه ﷺ وقَّت للعصر ما لم تصفرَّ الشمس، وذَمَّ مَنْ أخَّره عن ذلك. سبب الخلاف: اختلافهم في الجمع بين الأحاديث المتعارضة في الظاهر، وهي:

стр. 299

حديث عبد الله بن عمرو ﵁، وفيه: (فإنه وقتٌ إلى أن تصفر الشمس)، ومعه حديث أنس ﵁ في ذمِّ التأخير إلى الاصفرار؛ فهما يعارضان ظاهر حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: (مَنْ أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، واختلافهم في المقصود من الذم في حديث أنس ﵁. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر. أسباب الترجيح: ١ - أن مَنْ يخالف النهي ويؤخر الصلاة إلى اصفرار الشمس بلا عذر، يكون عاصياً وإن كان مؤدياً. ٢ - أن الحكم بصلاة المنافق لمَن أخَّر إلى الاصفرار يقتضي القول بالتحريم؛ لأن النفاق كله حرام. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب أصحاب القول الثاني إلى أن النهي يُحمل على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له: المقصد من النهي. وذلك أن المقصود في حديث أنس ﵁ من النهي وذم تأخير الصلاة والتشبيه بصلاة المنافق: التحذير من مشابهة المنافقين في تأخير الصلاة والتهاون فيها. قال النووي ﵀: «قوله ﷺ : (تلك صلاة المنافق) فيه تصريح بذم تأخير صلاة العصر بلا عذر» (١). وقال الشوكاني ﵀ (٢): «في الحديث دليل على كراهة تأخير الصلاة إلى وقت

стр. 300

الاصفرار، والتصريح بذم مَنْ أخَّر صلاة العصر بلا عذر، والحكم على صلاته بأنها صلاة المنافق، ولا أردع لذوي الإيمان وأفزع لقلوب أهل العرفان من هذا» (١). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن هذه القرينة ضعيفة؛ لقوة النهي وتأكيده بتكرير الحكم بأنها صلاة المنافق، وذلك لتأكيد الزجر والمنع من هذه الفِعلة، ولأن التشبيه بفعل المنافقين يقتضي التحريم؛ لوجوب اجتناب النفاق وعلاماته، وعليه: فيترجح القول بتحريم تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 301

الفصل الرابع المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب ستر العورة وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: النهي عن صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء. المبحث الثاني: النهي عن لبس المُزَعْفَر والمُعَصْفَر. المبحث الثالث: النهي عن السَّدْل في الصلاة. المبحث الرابع: النهي عن اشتمال الصَّمَّاء. المبحث الخامس: النهي عن تغطية الوجه أو التلثُّم. المبحث السادس: النهي عن صلاة الرجل في سراويل وليس عليه رداء. المبحث السابع: النهي عن شد الوسط بما يشبه شد الزُّنَّار. المبحث الثامن: النهي عن إسبال الرجل شيئاً من ثيابه.

стр. 302

المبحث الأول: النهي عن صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء المطلب الأول: حكم صلاة المصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه (١) منه شيء: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ)) (٢)، وفي رواية: (( … لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ)) (٣)، وفي رواية: ((لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ في الثوب … )) (٤). صورة المسألة: أن يصلي الرجل في الثوب الواحد: كأن يكون لابساً إزاراً (٥) فقط، أو ما يستر به العورة ويكون أعالي البدن مكشوفاً. تحرير محل النزاع: أولاً: اتفق الفقهاء (٦) على أن عورة الرجل ما بين السُّرَّة والركبة؛ لقوله ﷺ : ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ؟!)) (٧).

стр. 303

قال ابن تيمية ﵀: «ولأن ما حول السوءتين من حريمهما وستره تمام سترهما والمجاورة لها تأثير في مثل ذلك، فوجب أن يُعطى حكمهما» (١). ثانياً: اختلف الفقهاء في النهي عن الصلاة في ثوب واحد وليس على عاتقه شيء، على قولين: القول الأول: أن النهي للكراهة، ويُستحب أن يجعل على عاتقه شيئاً. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٥). القول الثاني: أن النهي للتحريم، فيجب على المصلي أن يجعل على عاتقيه أو أحدهما شيئاً إن قدر عليه. وهو المذهب عند الحنابلة (٦). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ)) (٧). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى الرجل عن الصلاة في الثوب الواحد وعاتقه مكشوف، والنهي للكراهة والتنزيه: فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا. وعلة الكراهة خشية أن يسقط فتنكشف عورته إذا لم يتوشَّح به، وإن تكلَّف ضبْطه بيديه شغلهما عن سنتهما، واشتغل به عن صلاته (٨).

стр. 304

الدليل الثاني: عن جابر ﵁ قال: ((خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ (١) بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَا السُّرَى (٢) يَا جَابِرُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ، قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ - يَعْنِي ضَاقَ - قَالَ: فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ (٣)، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ)) (٤). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر جابراً أن يتزر به إن كان ضيقاً؛ لأن ستر العورة آكد، ولم يأمره بوضع شيء على عاتقه، فدل على عدم وجوبه، والإثم بتركه، وفي ذلك دليل على أن نهيه أن يصلى في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء اختياراً (٥). نُوقش: بأن الحديث محمول على حال العجز عن ستر المنكبين، والنهي عن إعرائهما إنما يكون للقادر على سترهما (٦)، والعاجز معذور في ذلك بخلاف القادر (٧). أُجيب عنه: أنه لو كان كشف العاتق حراماً لما رخَّص فيه في حال ضيق الثوب؛ فإنه ﷺ أعلم جابراً بأن محل ذلك ما إذا كان الثوب واسعاً، فأما إذا كان ضيقاً: فإنه يجزئه أن يتزر به؛ لأن القصد الأصلي ستر العورة، وهو يحصل بالائتزار (٨). الدليل الثالث: عن ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا

стр. 305

إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ (١) لِي، وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ)) (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث يدل على أنه ﷺ صلَّى -فيما صلَّى فيه- مُؤتزراً به لا يستره أبداً، ولا يفضل منه ما يكون لعاتقه؛ إذ كان لا بد أن يبقى من الطرف الآخر منه القدر الذي يسترها، وذلك دليل على أن نهيه أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء اختياراً (٣). الدليل الرابع: أن كراهة الصلاة في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء؛ لأن ستر العورة إن حصل ولم يجعل على عاتقه شيئًا، تعرى أعلى البدن، فلم تحصل الزينة المستحبة (٤)، وقد قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥)، والمراد بالزينة: اللباس، وهو ما يواري السوءة، وما سوى ذلك (٦)؛ فستر العاتقين من الزينة، فيكون مستحباً. الدليل الخامس: أن العاتقين ليسا بعورة في الصلاة، فأشبها بقية البدن، فلا يجب سترهما، وإنما يُستحب (٧). نُوقش: بأن النهي في حديث أبي هريرة ﵁ يقتضي التحريم، ويُقدم على القياس (٨). أدلة القول الثاني: … الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ

стр. 306

الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ)) (١). وجه الاستدلال: أن ظاهر النهي عن الصلاة مع كشف العاتقين، يقتضي التحريم وفساد المنهي عنه، وقوله: (ليس على عاتقه شيء) يقع على ما يعم المنكبين وما لا يعم، وهذا دليل على أنه لا يقتضي سترهما؛ فلا يجب سترهما جميعاً، بل يجزئه وَضْع ثوب على أحد عاتقيه (٢). نُوقش: بأن ظاهر النهي يقتضي التحريم، لكن الإجماع على جواز تركه؛ إذ المقصود ستر العورة، فبأي وجه حصل جاز (٣). أُجيب عنه: بأن دعوى الإجماع فيها نظر؛ لثبوت الخلاف عن الإمام أحمد ﵀ (٤). الدليل الثاني: عن بريدة ﵁ (٥) قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِي لِحَافٍ (٦) لَا يَتَوَشَّحُ (٧) بِهِ، وَالْآخَرُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي سَرَاوِيلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ)) (٨).

стр. 307

وجه الاستدلال: أن نهي النبي ﷺ عن الصلاة في اللحاف دون توشُّح وفي السراويل دون الارتداء، دليلٌ على تحريم تجريد المنكبين في الصلاة وفساد الصلاة معه؛ فالنهي المطلق يفيد التحريم (١). يُمكن أن يُناقش: بأنه يُحمل على الكراهة؛ لحديث جابر في بيان الرخصة. الدليل الثالث: أنها سترة واجبة في الصلاة، والإخلال بها يفسدها: كستر العورة (٢). سبب الخلاف: السبب في اختلافهم: تعارُض ظاهر حديث أبي هريرة ﵁ في النهي، وحديث جابر ﵁ في الثوب (٣)، فمَن أخذ بظاهر النهي ذهب إلى أن النهي للتحريم، وحمل حديث جابر على عدم القدرة، ومَن قال أن حديث جابر يفيد الرخصة والجواز ذهب إلى أن النهي للكراهة. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة كشف العاتق في الصلاة. أسباب الترجيح: ١ - قوة الأدلة، وأن فيه الجمع بين الأدلة. ٢ - وجود الصارف للنهي عن التحريم. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبين فيما سبق أن الجمهور حملوا النهي على الكراهة لا التحريم؛ بدليل القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص عن النبي ﷺ في بيان الرخصة. وذلك في حديث جابر ﵁؛ فالنبي ﷺ رخص في الصلاة متزراً، ولم يأمر بستر

стр. 308

العاتق. القرينة الثانية: ورود النص وفيه فِعله ﷺ . وذلك في حديث ميمونة ﵂: أن النبي ﷺ صلَّى في ثوب واحد: بعضه عليه، وبعضه عليها، فدل أنه كان متزراً به. قال الإمام الشافعي ﵀: «احتمل قول رسول الله ﷺ … ، أن يكون اختياراً، واحتمل أن يكون لا يجزيه غيره، فلما حكى جابر ما وصفت، وحكت ميمونة عن النبي ﷺ أنه كان يصلي في ثوب واحد: بعضه عليه، وبعضه عليها. دل ذلك على أنه صلَّى -فيما صلى فيه من ثوبها- مُؤتزراً به؛ لأنه لا يستره أبداً إلا مُؤتزراً به إذا كان بعضه على غيره، فعلمنا أن نهيه أن يصلى في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء اختيارا، وأنه يجزي الرجلَ والمرأةَ كلَّ واحد أن يصلي متواريي العورة» (١). القرينة الثالثة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. قال النووي ﵀: «النهي في الحديث نهي كراهة تنزيه لا تحريم، فلو صلى مكشوف العاتقين صحت صلاته مع الكراهة» (٢). وجاء في (الفواكه الدواني): « … لأن النهي للتنزيه» (٣). قال ابن دقيق العيد ﵀: «هذا النهي مُعلَّل بأمرين: أحدهما: أن في ذلك تعري أعالي البدن، ومخالفة الزينة المسنونة في الصلاة. والثاني: أن الذي يفعل ذلك: إما أن يشغل يده بإمساك الثوب أو لا، فإن لم يشغل خِيف سقوط الثوب وانكشاف العورة، وإن شغل كان فيه مفسدتان: إحداهما: أنه يمنعه من الإقبال على صلاته والاشتغال بها. الثانية: أنه إذا شغل يده في الركوع والسجود لا يُؤمن من سقوط الثوب وانكشاف العورة» (٤). الحكم على القرينة: الأصل أن القرائن النصية من أقوى القرائن الصارفة: فالقرينة الأولى قوية ومعتبرة؛ لثبوتها وصحتها، ولكونها جاءت في بيان الرخصة، أما القرينة الثانية: فهي قوية

стр. 309

في أصلها، ضعيفة في دلالتها؛ إذ أنها ليست صريحة في أن النبي ﷺ صلى متزراً فقط ولم يجعل شيئاً على عاتقه، والقرينة الثالثة معتبرة؛ لمناسبة ما عُلل به لمعنى الأدب والتنزيه، والله أعلم.

стр. 310

المبحث الثاني: النهي عن لبس المُزَعْفَر والمُعَصْفَر المطلب الأول: حكم لبس المُزَعْفَر والمُعَصْفَر. المسألة الأولى: لبس المُزَعْفَر (١): دليل النهي: عن أنس بن مالك ﵁، قال: ((نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ)) (٢)، وفي رواية: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الرِّجَالَ عَنِ المُزَعْفَر)) (٣). تحرير محل النزاع: أجمع العلماء (٤) على أن المُحْرِم لا يلبس الثوب المصبوغ بالزعفران، واختلفوا في حكم لبس الرجل للمزعفر في غير حال الإحرام، على ثلاثة أقوال: القول الأول: الكراهة. وهو مذهب الحنفية (٥)، والمذهب عند الحنابلة (٦). القول الثاني: التحريم. وهو مذهب الشافعية (٧)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٨). القول الثالث: الإباحة.

стр. 311

وهو مذهب المالكية (١)، وقول عند الحنابلة (٢). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أنس بن مالك ﵁، قال: ((نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ)). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى الرجل عن لبس المُزَعْفَر، ويُحمل على الكراهة للقرينة الصارفة، وهي: الدليل الثاني: ما جاء عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قيل له: ((يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعاً، … وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، … فقال: … وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا)) (٣). والمراد بالصبغ بالصفرة هنا: صبغ الثياب، وقد جاء مبيناً في حديث زيد بن أسلم ﵁: ((أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ)) (٤)، وفي رواية: ((لِأَنِّي رَأَيْتُهُ أَحَبَّ الْأَصْبَاغِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : يَدَّهِنُ، وَيَصْبُغُ بِهِ ثِيَابَهُ)) (٥). وجه الاستدلال: أن حديث ابن عمر ﵄ فيه ثبوت صبغه ﷺ ثيابه بالزعفران، وذلك إعلام منه أن نهيه عن ذلك على وجه الكراهية لا على وجه التحريم؛ لأنه لو كان على وجه التحريم كان أبعدهم من فِعله؛ لأنه أتقاهم لله، وأشدهم له خشية (٦). دليل القول الثاني: استدلوا كذلك بحديث أنس ﵁، بلفظ الرواية الأخرى: ( … أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى الرجل عن التزعفر، والنهي يقتضي التحريم (٧)؛

стр. 312

لأن الأصل في النهي المجرد عن القرينة التحريم. نُوقش من وجهين: الأول: أن النهي محمول على الكراهة للقرينة الصارفة. الثاني: بأن النهي عن التزعفر محمول على الجسد، أي أنه غيّر بدنه بالزعفران تشبهاً بالنسوان، وهو الأظهر من مثل هذا اللفظ (١). يمكن أن يُجاب عنه: بأن معنى التزعفر: أن يستعمل الرجل الزعفران في ثوبه وبدنه (٢)، والرواية الأخرى التي وردت بالنص على المُزَعْفَر تؤيد عمومه في البدن والثوب. أدلة القول الثالث: الدليل الأول: حديث ابن عمر ﵄ المتقدم ذكره في الدليل الثاني لأصحاب القول الأول. وجه الاستدلال: أن الصحابي صبغ بالزعفران اقتداءً بالنبي ﷺ ؛ فإنه كان يدهن ويصبغ ثيابه بالزعفران، فدل ذلك على جواز صبغ الثياب بالزعفران واستعماله (٣). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ قال: ((نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْباً مَصْبُوغاً بِوَرْسٍ (٤) أَوْ بِزَعْفَرَانٍ)) (٥). وجه الاستدلال: أن الحديث يدل على تقييد النهي عن لبس المُزَعْفَر للمُحرِم، فيُحمل عليه حديث النهي عن التزعفر، وعليه: فالحكم لغير المُحرِم الجواز (٦). نُوقش: بأن هذا فيه بُعدٌ؛ لأن النساء والرجال ممنوعون من التطيب في الإحرام، فلا معنى لتخصيص النهي بالرجال، وإنما علَّة الكراهة في ذلك: أنه صبْغ النساء وطيب النساء (٧).

стр. 313

سبب الخلاف: الذي يظهر -والله أعلم- أن سبب الخلاف يرجع إلى أمرين: الأول: تعارض ظاهر حديث أنس ﵁ في النهي مع حديث ابن عمر ﵁ الذي فيه أن النبي ﷺ كان يصبغ ثيابه بالزعفران. والثاني: الاختلاف في حمل حديث النهي المطلق على المقيد بالمُحرِم. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة لبس الرجل المُزَعْفَر. أسباب الترجيح: ١ - أن هذا القول فيه جمع بين الأدلة، لأن العمل بالدليلين أولى من إهمال أحدهما (١). ٢ - قوة الصارف للنهي عن التحريم. المسألة الثانية: لبس المُعَصْفَر (٢). دليل النهي: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: ((رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا)) (٣)، وفي الرواية الأخرى: (( … فَقَالَ: أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذَا؟ قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: بَلْ أَحْرِقْهُمَا)) (٤). تحرير محل النزاع:

стр. 314

أولاً: لا خلاف بين العلماء في أنه يُباح للمرأة لبس المُعَصْفَر (١). ثانياً: اختلف الفقهاء في حكم لبس المُعَصْفَر للرجال في الصلاة وغيرها، على قولين: القول الأول: كراهة لبس المُعَصْفَر. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: جواز لبس المُعَصْفَر. وهو قول عند المالكية (٥)، ومذهب الشافعية (٦). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: ((رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا)). الدليل الثاني: عن علي ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ (٧) وَالمُعَصْفَر، وَعَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ)) (٨)، وفي رواية قال: ((نَهانِي رسول الله ﷺ ، ولا أقول:

стр. 315

نهاكم … )) (١). وجه الاستدلال من الأحاديث: أن النهي في الأحاديث عن لبس المُعَصْفَر محمول على الكراهة؛ لقرينة بيان الجواز في الدليل الآتي (٢). الدليل الثالث: عن البراء ﵁ قال: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعاً (٣)، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ (٤) حَمْرَاءَ، مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْهُ)) (٥). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لبس حلة حمراء، والمُعَصْفَر هو المصبوغ بالعصفر وهو صبغ أحمر، فدل فِعله ﷺ أنه أراد أن يعلم أمته أن النهى عن المُعَصْفَر لم يكن على وجه التحريم للبسه، ولكن على وجه الكراهية، ولَبسه بياناً للجواز (٦). نُوقش: بأن النهي عما صُبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما صُبغ غزله ثم نُسج: فغير داخل في النهي، والحُلل إنما هي برود اليمن: حمر وصفر وخضر وما بين ذلك من الألوان، وهي لا تُصبغ بعد النسج، ولكن يُصبغ الغزل، ثم يُتخذ منه الحلل (٧). أُجيب عنه: بأن هذا التفريق يحتاج إلى دليل خارجي (٨). الدليل الرابع: عن عمران بن حصين ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((لا أرْكَبُ

стр. 316

الأُرْجُوانَ (١)، ولا ألبَسُ المُعصفَرَ، … )) (٢). وجه الاستدلال: أن في إخباره ﷺ بأنه لا يلبس المُعَصْفَر دليلاً على كراهته له، وهو بإطلاقه يشمل ما صُبغ بعد النسج وقبله (٣). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: استدلوا بحديث البراء ﵁ المتقدم ذكره في الدليل الثالث لأصحاب القول الأول. وجه الاستدلال: أنه لما صح عن النبي ﷺ أنه لبس حلة حمراء، دل على جواز لبس المُعَصْفَر (٤)؛ إذ المُعَصْفَر أحمر. نُوقش: أن فعله ﷺ يُحمل على بيان أن النهي عن المعصفر ليس للتحريم (٥). الدليل الثاني: حديث علي ﵁، وقد أورده مسلم في رواية أخرى بلفظ: ((نَهانِي رسول الله ﷺ … )) (٦). وجه الاستدلال: أن قوله: (نهاني) يدل على أن النهي خاص بعلي ﵁، وعليه يُرخص فيه لسائر الأمة. قال الإمام الشافعي ﵀: «وإنما رخصتُ في المُعَصْفَر؛ لأني لم أجد أحداً يحكي عن النبي ﷺ النهي عنه إلا ما قال علي ﵁: نهاني، ولا أقول: نهاكم» (٧).

стр. 317

نُوقش: بأن قوله: (ولا أقول: نهاكم) يريد أن اللفظ في الحديث كان مخصوصاً لا عاماً، ولم يرد خصوص الحكم، فدعوى الخصوص فيه ليس بشيء، لأنه قد وردت أحاديث صحيحة تدل على النهي على العموم من حديث علي وغيره والحجة في سنة رسول الله ﷺ لا فيما خالفها (١). يُمكن أن يُناقش: بأن القاعدة: أن خطابه للواحد خطاب لجميع الأمة (٢). سبب الخلاف: الذي يظهر -والله أعلم- أن سبب الخلاف يرجع إلى تعارض ظاهر حديث النهي مع حديث البراء ﵁ بأنه ﷺ لبس حلة حمراء. وهو من باب تعارض القول والفعل. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة لبس الرجل الثوب المُعَصْفَر. أسباب الترجيح: ١ - قوة الأدلة، ولأن فيه الجمع بين الأدلة. ٢ - أن القول بالإباحة مطلقاً يُشكل مع ورود النهي، والقول بخصوص النهي بعلي ﵁: فيه بُعد؛ إذ خطابه للواحد خطاب للأمة. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: أولاً: القرينة الصارفة في مسألة: لبس المُزَعْفَر. تبين فيما سبق أن أصحاب القول الأول حملوا النهي عن لبس المُزَعْفَر على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وفيه فِعل النبي ﷺ للمنهي عنه. القرينة الثانية: فِعل الصحابة ﵃ للمنهي عنه. وذلك ما ورد في أدلة الجواز التي نصت على أنه ﷺ كان يصبغ ثيابه بالزَّعْفَران، وأن ابن عمر كان يفعله متابعةً لسنة المصطفى ﷺ .

стр. 318

ومنه حديث: ((أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ)) (١). الحكم على القرينة: القرينة النصية من أقوى القرائن المعتبرة التي تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، وهي هنا قرينة قوية؛ لقوتها في أصلها وثبوتها وصحتها، ولقوة دلالتها على بيان الجواز في موضوع النهي؛ لإثباتها فِعل النبي ﷺ ، أما قرينة فعل الصحابي: فقد أخذت قوتها من كونها متابعة للنبي ﷺ واستناناً بسنته، والله أعلم. ثانياً: القرينة الصارفة في مسألة: لبس المُعَصْفَر. تبين فيما سبق أن أصحاب القول الأول حملوا النهي عن لبس المُعَصْفَر على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعل النبي ﷺ للمنهي عنه. وهو ما جاء في حديث البراء ﵁ قال: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعاً، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْهُ)) (٢). قال ابن بطال ﵀: «ويكون الجمع بين الحديثين أن لبسه ﵇ للحمرة؛ ليعلم أمته أن النهى عنه لم يكن على وجه التحريم للبسه، ولكن على وجه الكراهة؛ إذ كان الله تعالى قد ندب أمته إلى الاستنان به» (٣). وقال القاضي عياض ﵀: «يُحمل النهى عن ذلك على الكراهة؛ لأنه ﵇ قد لبس حلة حمراء؛ لتعلم منه جواز ذلك» (٤). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. وذلك أن النهي عن لبس المُعَصْفَر فيه حث للمسلم على: التزام الأدب النبوي في اللباس، والتنزيه عن مشابهة الكفار.

стр. 319

قال النووي ﵀: «قال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه» (١). وجاء في (مرقاة المفاتيح): «قال جماعة: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لأنه ثبت أنه ﷺ لبس حلة حمراء» (٢). والعلة: التنزيه عن التشبه بالكفار. قال القرطبي ﵀: «قوله ﷺ : (إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا) يدل أن علة النهي عن لباسهما التشبُّه بالكفار» (٣). الحكم على القرينة: فِعلُ النبي ﷺ قرينةٌ قوية في أصلها ومعتبرة لثبوتها ودلالتها على بيان الجواز جمعاً بين الأدلة؛ إذ الجمع بين الأدلة أَولى من إهمال بعضها، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ اعتضدت بالقرينة الأولى، ولمناسبة ما جاء فيها من المعنى للتنزيه، والله تعالى أعلم.

стр. 320

المبحث الثالث: النهي عن السَّدْل في الصلاة المطلب الأول: حكم السَّدْل (١) في الصلاة: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ السَّدْل فِي الصَّلَاةِ، وأنْ يُغَطِّيَ الرجلُ فاه)) (٢). اختُلف في المعنى المراد بالسَّدْل في الحديث، على أقوال: الأول: أن يطرح على رأسه أو كتفيه ثوباً، ويرسل طرفيه، ولا يرد أحد طرفيه إلى كتفه الآخر، ولا يضم الطرفين بيديه (٣)، قال به الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وبعض الشافعية (٦)، والحنابلة (٧). الثاني: السَّدْل هو: إسبال الثوب على الأرض. قال به الشافعية (٨)، ورواية عند
следующие страницы →