← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الأُرْجُوانَ (١)، ولا ألبَسُ المُعصفَرَ، … )) (٢). وجه الاستدلال: أن في إخباره ﷺ بأنه لا يلبس المُعَصْفَر دليلاً على كراهته له، وهو بإطلاقه يشمل ما صُبغ بعد النسج وقبله (٣). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: استدلوا بحديث البراء ﵁ المتقدم ذكره في الدليل الثالث لأصحاب القول الأول. وجه الاستدلال: أنه لما صح عن النبي ﷺ أنه لبس حلة حمراء، دل على جواز لبس المُعَصْفَر (٤)؛ إذ المُعَصْفَر أحمر. نُوقش: أن فعله ﷺ يُحمل على بيان أن النهي عن المعصفر ليس للتحريم (٥). الدليل الثاني: حديث علي ﵁، وقد أورده مسلم في رواية أخرى بلفظ: ((نَهانِي رسول الله ﷺ … )) (٦). وجه الاستدلال: أن قوله: (نهاني) يدل على أن النهي خاص بعلي ﵁، وعليه يُرخص فيه لسائر الأمة. قال الإمام الشافعي ﵀: «وإنما رخصتُ في المُعَصْفَر؛ لأني لم أجد أحداً يحكي عن النبي ﷺ النهي عنه إلا ما قال علي ﵁: نهاني، ولا أقول: نهاكم» (٧).

стр. 317

نُوقش: بأن قوله: (ولا أقول: نهاكم) يريد أن اللفظ في الحديث كان مخصوصاً لا عاماً، ولم يرد خصوص الحكم، فدعوى الخصوص فيه ليس بشيء، لأنه قد وردت أحاديث صحيحة تدل على النهي على العموم من حديث علي وغيره والحجة في سنة رسول الله ﷺ لا فيما خالفها (١). يُمكن أن يُناقش: بأن القاعدة: أن خطابه للواحد خطاب لجميع الأمة (٢). سبب الخلاف: الذي يظهر -والله أعلم- أن سبب الخلاف يرجع إلى تعارض ظاهر حديث النهي مع حديث البراء ﵁ بأنه ﷺ لبس حلة حمراء. وهو من باب تعارض القول والفعل. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة لبس الرجل الثوب المُعَصْفَر. أسباب الترجيح: ١ - قوة الأدلة، ولأن فيه الجمع بين الأدلة. ٢ - أن القول بالإباحة مطلقاً يُشكل مع ورود النهي، والقول بخصوص النهي بعلي ﵁: فيه بُعد؛ إذ خطابه للواحد خطاب للأمة. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: أولاً: القرينة الصارفة في مسألة: لبس المُزَعْفَر. تبين فيما سبق أن أصحاب القول الأول حملوا النهي عن لبس المُزَعْفَر على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وفيه فِعل النبي ﷺ للمنهي عنه. القرينة الثانية: فِعل الصحابة ﵃ للمنهي عنه. وذلك ما ورد في أدلة الجواز التي نصت على أنه ﷺ كان يصبغ ثيابه بالزَّعْفَران، وأن ابن عمر كان يفعله متابعةً لسنة المصطفى ﷺ .

стр. 318

ومنه حديث: ((أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ)) (١). الحكم على القرينة: القرينة النصية من أقوى القرائن المعتبرة التي تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة، وهي هنا قرينة قوية؛ لقوتها في أصلها وثبوتها وصحتها، ولقوة دلالتها على بيان الجواز في موضوع النهي؛ لإثباتها فِعل النبي ﷺ ، أما قرينة فعل الصحابي: فقد أخذت قوتها من كونها متابعة للنبي ﷺ واستناناً بسنته، والله أعلم. ثانياً: القرينة الصارفة في مسألة: لبس المُعَصْفَر. تبين فيما سبق أن أصحاب القول الأول حملوا النهي عن لبس المُعَصْفَر على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وفيها فِعل النبي ﷺ للمنهي عنه. وهو ما جاء في حديث البراء ﵁ قال: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعاً، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْهُ)) (٢). قال ابن بطال ﵀: «ويكون الجمع بين الحديثين أن لبسه ﵇ للحمرة؛ ليعلم أمته أن النهى عنه لم يكن على وجه التحريم للبسه، ولكن على وجه الكراهة؛ إذ كان الله تعالى قد ندب أمته إلى الاستنان به» (٣). وقال القاضي عياض ﵀: «يُحمل النهى عن ذلك على الكراهة؛ لأنه ﵇ قد لبس حلة حمراء؛ لتعلم منه جواز ذلك» (٤). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. وذلك أن النهي عن لبس المُعَصْفَر فيه حث للمسلم على: التزام الأدب النبوي في اللباس، والتنزيه عن مشابهة الكفار.

стр. 319

قال النووي ﵀: «قال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه» (١). وجاء في (مرقاة المفاتيح): «قال جماعة: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لأنه ثبت أنه ﷺ لبس حلة حمراء» (٢). والعلة: التنزيه عن التشبه بالكفار. قال القرطبي ﵀: «قوله ﷺ : (إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهَا) يدل أن علة النهي عن لباسهما التشبُّه بالكفار» (٣). الحكم على القرينة: فِعلُ النبي ﷺ قرينةٌ قوية في أصلها ومعتبرة لثبوتها ودلالتها على بيان الجواز جمعاً بين الأدلة؛ إذ الجمع بين الأدلة أَولى من إهمال بعضها، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ اعتضدت بالقرينة الأولى، ولمناسبة ما جاء فيها من المعنى للتنزيه، والله تعالى أعلم.

стр. 320

المبحث الثالث: النهي عن السَّدْل في الصلاة المطلب الأول: حكم السَّدْل (١) في الصلاة: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ السَّدْل فِي الصَّلَاةِ، وأنْ يُغَطِّيَ الرجلُ فاه)) (٢). اختُلف في المعنى المراد بالسَّدْل في الحديث، على أقوال: الأول: أن يطرح على رأسه أو كتفيه ثوباً، ويرسل طرفيه، ولا يرد أحد طرفيه إلى كتفه الآخر، ولا يضم الطرفين بيديه (٣)، قال به الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وبعض الشافعية (٦)، والحنابلة (٧). الثاني: السَّدْل هو: إسبال الثوب على الأرض. قال به الشافعية (٨)، ورواية عند

стр. 321

الحنابلة (١). الثالث: أن يلتحف بثوبه، ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك (٢). والمعنى الأول هو المشهور، والذي قال به أكثر الفقهاء، وهو محل البحث في المسألة. قال ابن تيمية ﵀: «والتفسير الأول هو الصحيح، وهو المنصوص عنه» (٣) -أي عن الإمام أحمد ﵀. أما المعنى الثاني: فهو مخالف لما ذهب إليه أكثر أهل العلم، والذي يظهر أن السَّدْل غير الإسبال، وقد ورد النهي عن الإسبال في أحاديث خاصة، وسيُفرد لاحقاً بمبحث خاص. والمعنى الثالث: ذكره أهل اللغة، وهو بمعنى: اشتمال الصماء، وكذلك ورد النهي عنه في أحاديث خاصة، ويأتي لاحقاً مبحث خاص به. الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم السَّدْل في الصلاة، على قولين: القول الأول: كراهة السَّدْل في الصلاة. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: لا بأس بالسَّدْل في الصلاة. وهو مذهب المالكية (٧). أدلة الأقوال:

стр. 322

أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ السَّدْل فِي الصَّلَاةِ، وأنْ يُغَطِّيَ الرجلُ فاه)) (١). وجه الاستدلال: أن نهي النبي ﷺ عن السَّدْل في الصلاة محمول على الكراهة؛ لعلة التشبه بأهل الكتاب (٢). نُوقش: بأن الحديث ضعيف (٣). يمكن أن يُجاب عنه: بأن الحديث صححه بعض المحدثين وحسنه آخرون، كما تبين في التخريج. الدليل الثاني: عن علي ﵁ أنه: ((رَأَى قَوْمًا سَادِلِينَ، فَقَالَ: كَأَنَّهُمُ الْيَهُودُ خَرَجُوا مِنْ فُهْرِهِمْ (٤) (٥). وجه الاستدلال: أن أثر علي ﵁ يفيد النهي وكراهة السَّدْل؛ لما فيه من التشبه باليهود (٦). الدليل الثالث: لعل الصارف للنهي عن التحريم ما جاء عن بعض الصحابة ﵃ من الترخص في السَّدْل، من ذلك ما روي: ((عن جابر ﵁ أَنَّهُ صَلَّى وَهُوَ مُسْدِلٌ)) (٧)، وقال بعضهم: ((رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُسْدِلُ فِي الصَّلَاةِ)) (٨).

стр. 323

وجه الاستدلال: أن فِعل الصحابة للسدل دليل على أنهم فهموا أن النهي ليس للتحريم، ولو كان النهي للتحريم لما ترخَّصوا فيه (١)، فيُحمل النهي على الكراهة جمعاً بين الأخبار. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أنه لم يثبت النهي، قال ابن المنذر: «لا أعلم فيه حديثاً يثبت» (٢). يمكن أن يُجاب عنه: بأن النهي ثبت من حديث أبي هريرة مرفوعاً، ومن المحدثين مَنْ صحح الخبر ومنهم مَنْ حسنه. الدليل الثاني: الآثار التي استدل بها أصحاب القول الأول بأنه رُوي عن بعض الصحابة الترخص في السَّدْل في الصلاة، منهم: جابر بن عبد الله، وابن عمر ﵃. سبب الخلاف: الذي يظهر -والله أعلم- أن السبب هو اختلافهم في ثبوت حديث النهي، وتعارُض حديث النهي مع بعض الآثار عن الصحابة. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بكراهة السَّدْل في الصلاة. قال ابن تيمية ﵀: « … لكن الغرض أن عليا ﵁ شبه السادلين باليهود، مبينا بذلك كراهة فعلهم، فعلم أن مشابهة اليهود: أمر كان قد استقر عندهم كراهته» (٣). سبب الترجيح: قوة الأدلة، ولأن هذا القول فيه الجمع بين الأدلة. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل أصحاب القول الأول النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له القرائن التالية:

стр. 324

القرينة الأولى: فِعل بعض الصحابة ﵃ للمنهي عنه. جاءت الإشارة إلى ترخص بعض الصحابة في السَّدْل في الصلاة في كتاب (المغني) لابن قدامة ﵀ حيث قال: «ورُوي عن جابر وابن عمر الرخصة فيه» (١). القرينة الثانية: المقصد من النهي. فالنهي عن السَّدْل فيه تحقيق مقصد الصلاة وهو الخشوع والبُعد عما يشغل، وفيه التنزيه عن المشابهة. «يُكره أن يسدل ثوبه لنهيه ﵊ عن السَّدْل، وهو أن يجعله على رأسه، ثم يرسل أطرافه من جوانبه؛ لأنه من صنيع أهل الكتاب» (٢). وجاء في (مرقاة المفاتيح): «وكراهته لنهي النبي ﷺ عنه، وحكمته -والله أعلم- اشتغال القلب بمحافظته والاحتياج بمعالجته، ولهذا لو كان أحد طرفيه مغروزاً أو مربوطاً بطرف آخر بحيث لا يخاف عليه من الوقوع، لا يكون مكروهاً» (٣). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قرينة فِعل بعض الصحابة قرينة معتبرة؛ لحمل النهي على الكراهة لا التحريم؛ لعدم المعارض، ولأن فيه الجمع بين الأدلة؛ إذ القول بالإباحة يُشكل مع ورود النهي، وقرينة المقصد من النهي كذلك معتبرة؛ لما فيه من المحافظة على الخشوع وهو المقصود الأعظم للصلاة، والله تعالى أعلم.

стр. 325

المبحث الرابع: النهي عن اشتمال الصَّمَّاء المطلب الأول: حكم اشتمال الصَّمَّاء: دليل النهي: عن أبي سعيد الخدري ﵁: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ … الحديث)) (١). وجاء مفسراً في الحديث الآخر عنه ﵁، قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: … وَاللِّبْسَتَيْنِ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، وَالصَّمَّاءُ: أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، فَيَبْدُوَ أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، … الحديث)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ … ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، … )) (٣)، وفي رواية: (( … وَأَنْ يَشْتَمِلَ فِي إِزَارِهِ إِذَا مَا صَلَّى، إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ)) (٤). اختلف أهل اللغة والفقهاء في تفسير اشتمال الصماء، على قولين: فمعناه عند أهل اللغة: اشتمل بثوبه: أي: تلفف به، وهو أن يجلل جسده بالثوب أو بالإزار، ولا يرفع منه جانباً فيكون فيه فرجة تخرج منها يده (٥). وسُميت صماء؛ لأنه يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها، فكأنها لا تصل إلى شيء ولا يصل إليها شيء: كالصخرة الصماء التي ليس فيها صَدْع ولا خَرْق (٦). ومعناه عند الفقهاء: هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه، فتنكشف عورته، وهو بمعنى: الاضطباع بالثوب

стр. 326

الواحد، ومعنى الاضطباع: أن يضع وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، ويجعل طرفيه على منكبه الأيسر، ويبقى منكبه الأيمن مكشوفاً (١). قال ابن حجر ﵀: «ظاهر سياق المصنف (٢) … أن التفسير المذكور فيها مرفوع، وهو موافق لما قال الفقهاء، ولفظه: والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه، وعلى تقدير أن يكون موقوفاً، فهو حجة على الصحيح؛ لأنه تفسير من الراوي لا يخالف ظاهر الخبر» (٣). وقال ابن قدامة ﵀: «والفقهاء أعلم بالتأويل» (٤) (٥). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٦) على كراهة اشتمال الصماء على تفسير أهل اللغة، وذلك لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام ونحوها أو غير ذلك، فيعسر عليه أو يتعذر، فيلحقه الضرر (٧). وكذلك اتفق الفقهاء (٨) على كراهة اشتمال الصماء على تفسير الفقهاء إن خيف

стр. 327

معه انكشاف العورة، فإن كانت العورة تنكشف معه، فيحرم؛ وذلك لوجوب ستر العورة. قال ابن عبد البر ﵀: «والأصل في ذلك النهي عن كل لبسة ينكشف الرجل فيها حتى يبدو فرجه؛ فإنه لا يحل لأحد كشف فرجه في موضع ينظر إليه آدمي إلا حليلته: امرأته، أو أمته، وهذا أمر مجتمع عليه» (١). وقال النووي ﵀: «قال العلماء: فعلى تفسير أهل اللغة: يُكره الاشتمال المذكور؛ لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام ونحوها أو غير ذلك، فيعسر عليه، أو يتعذر فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء: يحرم الاشتمال المذكور إن انكشف به بعض العورة، وإلا فيُكره» (٢). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر أن الفقهاء حملوا النهي على الكراهة؛ لقرينة المقصد من النهي. لأن «النكتة التي تعتمدونها في الفرق بين المكروه والحرام: أنه إذا جاء النهي مقروناً بالوعيد دل على تحريمه، وإذا جاء مطلقاً كان أدباً، إلا أن تقترن به قرينة تدل على أنه مصلحة في البدن أو في المال على الاختصاص بالمرء؛ فإنه يكون مكروهاً على حاله ولا يرتقي إلى التحريم، فإن كان لمصلحة تعم الناس صار حراماً، والدليل على ذلك أن للمرء أن يتحمل الضرر في نفسه إن كان ذلك يسيراً، وليس له أن يلحقه بغيره يسيراً كان أو كثيراً» (٣). فالنهي عن اشتمال الصماء فيه: الاحتياط لستر العورة في الصلاة، وأن اشتمالها بحيث يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها فيه ضرر عليه؛ إذ لا يمكنه دفع ما يعرض له، فكان الأرفق به ترك اشتمال الصماء. جاء في (طرح التثريب): «قوله في الرواية الثانية أيضا إلا أن يخالف بين طرفيه على عاتقه فإنه يدل على أن المعنى الاحتياط للعورة لئلا تنكشف» (٤). قال ابن رشد ﵀ في (بداية المجتهد): «فصل: فيما يجزئ في اللباس في الصلاة: أما

стр. 328

اللباس: فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١)، والنهي الوارد عن هيئات بعض الملابس في الصلاة، وذلك أنهم اتفقوا -فيما أحسب- على أن الهيئات من اللباس التي نُهي عن الصلاة فيها مثل: اشتمال الصماء، وهو: أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء، وسائر ما ورد من ذلك أن ذلك كله سدٌّ لذريعة ألا تنكشف عورته، ولا أعلم أن أحداً قال: لا تجوز صلاة على إحدى هذه الهيئات إن لم تنكشف عورته» (٢). الحكم على القرينة: يظهر أن قرينة المقصد من النهي قرينة معتبرة؛ لقوة معنى الاحتياط وسد ذريعة الانكشاف، وأن يكون المصلي بأفضل الهيئات، فالقرينة قوية مع عدم ما يعارضها ويقوي جانب التحريم، والله أعلم.

стр. 329

المبحث الخامس: النهي عن تغطية الوجه أو التلثُّم المطلب الأول: حكم تغطية الوجه أو التلثُّم (١): دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ السَّدْل فِي الصَّلَاةِ، وأنْ يُغَطِّيَ الرجلُ فاه)) (٢)، ولفظ ابن ماجه: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ فِي الصَّلَاةِ)) (٣). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٤) على أنه يُكره للمصلي تغطية وجهه أو التلثُّم في الصلاة. الأدلة: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم. وجه الاستدلال: أن نهي النبي ﷺ عن تغطية الفم يدل على كراهة التلثُّم في الصلاة (٥)، ويدل على كراهة تغطية الوجه بالتنبيه؛ لاشتماله على تغطية الفم (٦). الدليل الثاني: أن العرب كانوا يتلثمون بالعمائم، فيغطون أفواههم، فنُهوا عنه؛

стр. 330

لأنه يمنع من إتمام القراءة أو إكمال السجود (١). الدليل الثالث: أنه زي المجوس، فيُكره التشبه بهم (٢). قال ابن تيمية ﵀: «يكره التلثم على الفم؛ لما روى عن أبي هريرة ﵁ … ولأنه تشبه بفعل المجوس في عبادة النيران، ويخاف معه من ترك تجويد القراءة والذكر والدعاء لا سيما والملك يضع فاه على فيه» (٣). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن النهي محمول على الكراهة؛ لقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. وذلك أن النهي فيه الإرشاد إلى التأدب حال الوقوف بين يدي الله سبحانه، والتنزيه عن مشابهة المجوس. قال النووي ﵀: «هذه كراهة تنزيه، لا تمنع صحة الصلاة» (٤). وقد تنوعت أقوال العلماء في ذكر العلة من النهي عن تغطية الفم، ومن ذلك: أن التلثُّم كانت عادة للعرب فنهوا عنه، ومنها: أنه زي المجوس، وقيل: لأن التلثُّم يمنع تحقيق الحروف. قال ابن تيمية ﵀: «يُكره للمصلي تغطية الوجه سواءً كان رجلاً أم امرأة، فيُكره النقاب والبرقع للمرأة في الصلاة؛ لأن مباشرة المصلي بالجبهة والأنف: إما واجب أو مؤكد الاستحباب، ولأن الرجل إذا قام إلى الصلاة فإن الله تعالى قبل وجهه وأن الرحمة تواجهه فينبغي له أن يباشر ذلك بوجهه من غير وقاية، وقد كره له تغميض العين؛ فتغطية الوجه أولى» (٥). وقال المناوي ﵀: «نهى أن يغطى الرجل فاه؛ لأنه من فِعل الجاهلية كانوا يتلثمون بالعمائم، فيغطون أفواههم، فنهوا عنه؛ لأنه ربما منع من إتمام القراءة أو إكمال

стр. 331

السجود» (١). وجاء في (شرح منتهى الإرادات): «في تغطية الوجه تشبه بالمجوس عند عبادتهم النيران، ولأنه ربما منع تحقيق الحروف» (٢). الحكم على القرينة: قرينة ورود النهي في باب التنزيه والإرشاد قرينة معتبرة وقوية هنا؛ لاتفاق الفقهاء على حمل النهي على الكراهة، ولعل ما ذكره العلماء من علل النهي معتبرة بمجموعها، ولا يمنع من تعدد العلل؛ ولأن فيها التأدب بالهيئة اللائقة عند الوقوف بين يدي الملك ﷻ ، وهو سبحانه أعلم بالصواب.

стр. 332

المبحث السادس: النهي عن صلاة الرجل في سراويل وليس عليه رداء المطلب الأول: حكم صلاة الرجل في سراويل (١) وليس عليه رداء (٢): دليل النهي: عن بريدة ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِي لِحَافٍ لَا يَتَوَشَّحُ بِهِ، وَالْآخَرُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي سَرَاوِيلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ)) (٣). صورة المسألة: في الحديث صورتان: الأولى: أن يصلي الرجل في الثوب الواحد دون توشح أو رداء، فيكون مكشوف المنكبين، وقد بُحثت هذه الصورة في المبحث الأول من هذا الفصل (٤). والثانية: أن يصلي الرجل في السراويل وحده دون رداء، وهي محل البحث هنا. الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في النهي عن الصلاة في سراويل دون رداء: هل هو للتحريم أو للكراهة؟ على قولين: القول الأول: أن النهي للكراهة إلا لمَن لا يجد غيره، وإن صلى أجزأته. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧). القول الثاني: أن النهي للتحريم.

стр. 333

وهو مذهب الحنابلة؛ تخريجاً على قولهم بوجوب ستر العاتق (١). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢). وجه الاستدلال: أن الزينة مستحبة في الصلاة؛ لأن المصلي يناجي ربه، ويقف بين يدي خالقه، وأهم الزينة ثوبان، والاقتصار على السراويل وحده دون رداء يُكره؛ لأنه وإن حصل به ستر العورة فلم يحصل التجمُّل بالزينة المستحبة (٣)، و «رُوي عن مالك أنه قال في تفسير ذلك: معناه: لتأخذوا لباسكم عند كل صلاة، قيل له: أفمن ذلك مساجد البيوت؟ قال: نعم» (٤). الدليل الثاني: عن بريدة ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ فِي لِحَافٍ لَا يَتَوَشَّحُ بِهِ، وَالْآخَرُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي سَرَاوِيلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ)) (٥). وجه الاستدلال: أن نهي النبي ﷺ عن الصلاة في سراويل من غير رداء محمول على الكراهة والتنزيه؛ لأن السراويل يصف الأعضاء، ولا يتجافى عن البدن، فهو مما يُستقبح من الهيئة في اللباس وإن حصل به ستر العورة (٦)؛ إذ أقل ما يجزئ الرجلَ في الستر: مئزرٌ أو سراويلُ (٧). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: ((قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ، فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ

стр. 334

اللَّهُ فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ (١)، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ، وَقَمِيصٍ فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ (٢)، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ (٣) وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ)) (٤). وجه الاستدلال: أن استفهام النبي ﷺ معناه الإخبار عما كان يعلمه من حالهم في العدم وضيق الثياب، فأعلمهم أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة، وظاهره: يقتضي جواز الصلاة في الثوب الواحد، سواء أكان ساتراً لجميع البدن أم لمقدار العورة فقط، سواء أوَضَع بعضه على عاتقه أم لا، كمن يصلى في السراويل وحده. وقول عمر ﵁: (إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه … )، يدل على ذلك، وأن جمع الثياب في الصلاة اختيار واستحسان؛ لأنه من حسن الهيئة في الصلاة (٥). أدلة القول الثاني: … الدليل الأول: حديث بريدة ﵁ الذي استدل به أصحاب القول الأول. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ)) (٦). وجه الاستدلال: أن ظاهر نهي النبي ﷺ عن الصلاة في السراويل وحده يُحمل

стр. 335

على التحريم؛ فالنهي المطلق يفيد التحريم، ولأنها صلاة في ثوب واحد، ليس على عاتقه منه شيء، وستر العاتق واجب وهو ما أفاده الحديث الآخر (١). نُوقش: أن العاتقين ليسا بعورة في الصلاة، فأشبها بقية البدن، فلا يجب سترهما، وإنما يُستحب (٢). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الصلاة في السراويل وحدها. سبب الترجيح: قوة الأدلة، ولأن الأفضل والأَوْلى للمصلي أن يكون في أحسن الهيئات وأجمل اللباس عند الوقوف بين يدي الله . المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر أن الجمهور حملوا النهي على الكراهة لا التحريم؛ لقرينة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. فهذا النهي فيه: الإرشاد إلى الأحسن في أدب اللباس وزينة الصلاة، والتنزيه عما يقبح من الهيئات. قال الإمام مالك ﵀: «ما السراويل من لبس الناس، وإن الحياء من الإيمان» (٣). قال المناوي ﵀: «نهى أن يصلي الرجل في سراويل … والنهي للتنزيه» (٤). والعلة في ذلك: أن السراويل تصف الأعضاء، وأن الصلاة فيها وحدها مما يُستقبح، وأنها ليست من ثياب الناس التي يُظهرون إلا أن تكون تحت القميص (٥). «قال أبو حنيفة: الصلاة في السراويل: يشبه فِعل أهل الجفاء، وفي الثوب يتوشح

стр. 336

به: أبعد من الجفاء، وفي قميص ورداء: عادة الناس» (١). وقال المناوي ﵀: «لأن السراويل بمفرده يصف الأعضاء، ولا يتجافى عن البدن، والنهي للتنزيه» (٢). وجاء في (البيان والتحصيل): «حسن الهيئة في اللباس مشروع في الصلاة؛ لأن المصلي يناجي ربه، ويقف بين يدي خالقه؛ فيجب عليه أن يتأهب لذلك، ويتجمل له بتحسين هيئته في لباسه؛ فإن الله جميل يحب الجمال، وإذا كان الرجل يلتزم ذلك في المجتمعات وعند الكبراء من الناس، فما بالك بالوقوف بين يدي الله رب الناس؟!» (٣). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القرينة قوية ومعتبرة؛ لمناسبة ما عُلل به لمعنى الأدب والإرشاد، ويؤيد ذلك أن الصلاة في السراويل تحصل بها الستر الواجب، فلا معنى حينئذ لحمل النهي على التحريم، بل يُحمل على ما دون التحريم، وهو الكراهة؛ لأنه وإن حصل الستر فهو مخل بالزينة المطلوبة للصلاة، وأشرف أحوال الإنسان أن يقف بين يدي ربه للعبادة، فينبغي له أن يتجمل لهذا الموقف العظيم بأجمل الثياب وأحسن الهيئات، والله أعلم.

стр. 337

المبحث السابع: النهي عن شد الوسط بما يشبه شد الزُّنَّار المطلب الأول: حكم شد الوسط بما يشبه شد الزُّنَّار (١): دليل النهي: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَراً وَلَا ثَوْباً (٢) (٣). صورة المسألة: ماحكم أن يصلي المسلم وقد شد وسطه؟ وما الحكم إن كان شد وسطه بخيط

стр. 338

مما يشبه شد الزُّنَّار؟ الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم شد الوسط في الصلاة، على قولين: القول الأول: يجوز شد الوسط في الصلاة. وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وقيده الحنابلة بما لا يشبه شد الزُّنَّار، فإن كان بما يشبه شد الزُّنَّار فيُكره ولا يختص ذلك بالصلاة. القول الثاني: يكره شد الوسط في الصلاة (٣). وهو قول عند الحنفية (٤)، ومذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: استدلوا على جواز شد الوسط بما يأتي: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ حَتَّى يَحْتَزِمَ (٧) (٨). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى الرجل عن الصلاة حتى يحتزم، فدل على أن شد الوسط لا يُكره، بل يؤمر به؛ لأنهم كانوا قلَّما يتسرولون، ومَن كان عليه إزار، وكان جيبه واسعاً، ولم يشد وسطه -ربما انكشفت عورته (٩).

стр. 339

الدليل الثاني: أن شد الوسط في الصلاة أستر للعورة (١). واستدل الحنابلة على كراهة شد الوسط بما يشبه الزُّنَّار بعموم أدلة النهي عن التشبه بالكفار: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)) (٢). الدليل الثاني: وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (( .. وَلَا تَشْتَمِلُوا كَاشْتِمَالِ الْيَهُودِ)) (٣). وجه الاستدلال من الأحاديث: أن الأحاديث تدل على النهي عن التشبه بالكفار، وهو للتحريم فيما كان مختصاً بهم وشعاراً لهم؛ لشدة المشابهة، ويُحمل على الكراهة إذا لم يَقْوَ التشبه: كشد الوسط بما يشبه الزُّنَّار (٤)، ولأنه لا فرق إلا بما يتميزون به من اللباس (٥). دليل القول الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَراً وَلَا ثَوْباً)) (٦). وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً عن كف الثوب بجمعه وضمه، وهو ضد الإرسال، ومن ذلك شد الوسط، فيُكره؛ لأن فيه منع الثوب من السجود معه؛ ولأن فيه تكبراً (٧).

стр. 340

نُوقش: بأنه لم يرِد نهي عن شد الوسط (١)، ودلالة حديث ابن عباس ليست صريحة في منع شد الوسط. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بجواز شد الوسط، فإن كان الشد بما يشبه شد الزُّنَّار فيُكره. أسباب الترجيح: ١ - قوة الأدلة، ولأنه لم يرِد في المنع من شد الوسط دليل صريح. ٢ - أن معنى التشبه بأهل الكتاب يكون في الشد بما يشبه شد الزُّنَّار، وذلك المعنى مفقود في غيره، فلا يُمنع. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: ذهب الحنابلة إلى كراهة شد الوسط بما يشبه الزُّنَّار؛ لقرينة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. ذلك أن النهي عن مشابهة الكفار بما لا يختص بهم ولم تَقْوَ فيه المشابهة، يُحمل على الكراهة والتنزيه. قال ابن مفلح ﵀ في (الفروع): «كراهة شد وسطه بما يشبه الزنار لا يختص بالصلاة كالذي قبله، ذكره غير واحد، لأنه يكره التشبه بالنصارى في كل وقت» (٢). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القرينة معتبرة؛ لأن شد الوسط بما يشبه الزنار ليس فيه قوة المشابهة وشدتها كما في لبس الزُّنَّار ذاته، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 341

المبحث الثامن: النهي عن إسبالِ الرجل شيئاً من ثيابه المطلب الأول: حكم إسبال (١) الرجل شيئاً من ثيابه: دليل النهي: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّ الَّذِي يَجُرُّ ثِيَابَه مِنَ الْخُيَلَاءِ (٢) لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (٣). وعن جابر بن سُلَيْمٍ الْهُجَيْمِيِّ ﵁ (٤) قال: قال رسول الله ﷺ : ((ولا تحقِرنَّ شيئاً من المعروفِ … وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ (٥)، وَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ … )) (٦). تحرير محل النزاع:

стр. 342

أولاً: أجمع العلماء (١) على جواز الإسبال للمرأة، وحدَّه النبي ﷺ بألا يزيد عن الذراع. فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْراً، فَقَالَتْ: إِذاً تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعاً لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ)) (٢). قال النووي ﵀: «أجمع العلماء على جواز الإسبال للنساء، وقد صح عن النبي ﷺ الإذن لهن في إرخاء ذيولهن ذراعاً، والله أعلم» (٣). ثانياً: الإسبال: إما أن يكون للخيلاء، أو يكون لغير الخيلاء. فأما الإسبال للخيلاء: فقد اتفق الفقهاء (٤) على تحريمه مطلقاً، وأنه كبيرة من كبائر الذنوب (٥)، وذلك للأدلة الكثيرة التي ورد فيها الوعيد الشديد لمَن أسبل لباسه خيلاء، منها: ١ - أحاديث ابن عمر ﵁ المتقدمة. ٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ لَمْ يَكُنْ مِنَ اللهِ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ (٦) (٧).

стр. 343

٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لَا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَراً (١) (٢). وجه الاستدلال: أن ظاهر هذه الأحاديث صريح في الدلالة على تحريم إسبال اللباس للخيلاء مطلقاً في الصلاة وفي غيرالصلاة، وأنه كبيرة؛ لتوعُّد فاعله بالوعيد الشديد من الله تعالى، وقوله (مَنْ) تفيد العموم للرجال والنساء (٣). وأما إن كان الإسبال لغير الخيلاء: فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: التحريم. وهو قول عند المالكية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٥). القول الثاني: الكراهة. وهو مذهب الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ

стр. 344

الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ)) (١). الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، فَمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ (٢)، لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَراً)) (٣). الدليل الثالث: حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ (٤)، وَلَا يُزَكِّيهِمْ (٥)، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ (٦)، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)) (٧). وجه الاستدلال من الأحاديث: أن النبي ﷺ بيّن في الحديثين -الأول والثاني- أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين مُتوعَّد بالنار، ولم يقيده بالخيلاء، فدل ظاهر الأحاديث على أن هذا الاسبال محرم مطلقاً، سواء كان للخيلاء أم لغير الخيلاء؛

стр. 345

لأن الحرام يوجب النار في الآخرة (١)، وفي الحديث الثالث بيّن أن المسبل مُتوعَّد بما ذُكر من الوعيد الشديد من الله، وكل ما تُوعِّد عليه بالوعيد الشديد فهو حرام. نُوقش: أن هذا الإطلاق في هذه الأحاديث محمول على الأحاديث المقيدة بالخيلاء كحديث ابن عمر: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (٢)، وحديث أبي هريرة: ((لَا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَراً)) (٣) فالتقييد يدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء (٤). أُجيب عنه بجوابين: الأول: أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنى، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقاً، سواء كان عن مخيلة أم لا، فسألت عن حكم النساء في ذلك؛ لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة .... وأقرها ﷺ على فهمها، لكنه بيَّن لها أنه عام مخصوص؛ لتفرقته في الجواب بين الرجال والنساء في الإسبال (٥). الثاني: أن الإسبال مظنة الخيلاء، ذلك أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء (٦)، فلا يصح التقييد بقصد الخيلاء، وقد قال ﷺ : (وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ) فهذا نص صريح أن الإسبال من المخيلة. جاء في (فتح الباري): «لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كَعْبَه، ويقول: لا أَجرُّه خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظاً، ولا يجوز لمَن تناوله اللفظ حكماً أن يقول: لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست فيَّ؛ فإنها دعوى غير مُسلَّمة، بل إطالته ذيلَه دالة على تكبُّره» (٧).

стр. 346

وجاء في (الفواكه الدواني): «الذي يظهر أن الجر من الرجل مظنة البطر والعجب، فيحرم في حقه ذلك، ولو تجرد عن ذلك القصد» (١). الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵄ قال: ((مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ، ارْفَعْ إِزَارَكَ، فَرَفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ: زِدْ، فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا (٢) بَعْدُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ)) (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أنكر على ابن عمر استرخاء إزاره، وأَمَره برفعه، فدل إنكاره ﷺ على تحريم الإسبال؛ لأنه مظنة الخيلاء. الدليل الخامس: عن جابر بن سُلَيْمٍ الْهُجَيْمِيِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ولا تحقِرنَّ شيئاً من المعروفِ … وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ … )) (٤). وجه الاستدلال: أن في الحديث: دليلاً على النهي، والتحذير من الإسبال مطلقاً، وعدم اعتبار التقييد بالخيلاء، وصرح ﷺ أن الإسبال من المخيلة المحرمة، وذلك أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء (٥)، وقوله: (وَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ): ضربٌ من التوعد على الاختيال (٦). أدلة القول الثاني: استدلوا بالأحاديث السابقة التي وردت بالنهي عن الإسبال مطلقاً والأحاديث المقيدة بمَن أسبل للخيلاء. وجه الاستدلال من الأحاديث: قالوا أن الأحاديث المطلقة في الإسبال يجب حملها على المقيدة بالخيلاء، فالتقييد بالخيلاء يدل على أن التحريم مخصوص

стр. 347

بالخيلاء، وأما إن كان لغير الخيلاء فيحمل النهي على الكراهة (١). نوقش من وجهين (وهو ماجاء في جواب مناقشة أدلة القائلين بالتحريم). واستدلوا على حمل النهي على الكراهة إن لم يقصد الخيلاء، بأدلة الترخص فيه: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ)) (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ رخَّص لأبي بكر في ذلك؛ إذ كان جَرُّه لغير الخيلاء، وأن قوله ﷺ لأبي بكر: (لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ): فيه تصريح بأن مناط التحريم الخيلاء، وأن الإسبال قد يكون للخيلاء، وقد يكون لغيره (٣). نُوقش من وجهين (٤): الأول: بأنه ورد في الحديث ما يفيد أن أبا بكر ﵁ لم يسبل إزاره قصداً؛ وإنما كان يشده على قدره، ولكن أحد شقي إزاره كان يسترخي عرَضاً، فكأنّ شده كان ينحل إذا تحرك بمشي أو غيره بغير اختياره لنحافة جسمه؛ ولذلك كان يتعاهده، فإذا سقط إزاره جَرَّه، فرخص له رسول الله ﷺ في ذلك، وعذره. الثاني: أن قوله ﷺ : (لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ): فيه أنه لا حرج على مَنْ انجر إزاره بغير قصده مطلقاً. الدليل الثاني: استدلوا بأثرٍ عن ابن مسعود ﵁ أنه ترخص في الإسبال: فعن ابن مسعود ﵁: ((أنه كان يسبل إزاره، فقيل له في ذلك، فقال: إني رجل حَمْشُ (٥) الساقين)) (٦). نُوقش: بأن فِعل ابن مسعود ﵁ محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب،

стр. 348

وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يُظن به أنه جاوز به الكعبين، والتعليل يرشد إليه، أي أنه: أسبل إلى الكعبين، وهو ما يغطي حَمْشَ الساقين (١). سبب الخلاف: الذي يظهر -والله أعلم- أن سبب الخلاف هو اختلافهم في مناط الحكم: هل هو مطلق الإسبال وتجاوز الحد المشروع أو أن مناط الحكم هو ما ورد من تقييد الإسبال بالخيلاء في بعض الأحاديث؟ فمَن قال بأن مناط الحكم التقييد بالخيلاء قال بكراهة الإسبال لغير الخيلاء، ومَن قال أن مناط الحكم هو الاسبال قال بتحريم الإسبال مطلقاً، ويمكن أن يُعبر عنه بالخلاف في حمل المطلق على المقيد. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بتحريم الإسبال وإن كان لغير الخيلاء، وهو عام في جميع الأحوال سواء كان في صلاة أو لا. أسباب الترجيح: ١ - قوة أدلة التحريم وعمومه. ٢ - ضعف استدلال أصحاب القول الثاني، وورود المناقشات عليها. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبين مما سبق أن أصحاب القول الثاني حملوا النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له عن التحريم: قرينة: ورود النص بالرخصة لمَن لا يفعله خيلاء: أن النبي ﷺ رخَّص لأبي بكر ﵁ وبيَّن أن علة الوعيد الشديد فِعله للخيلاء. قال النووي ﵀: «رخَّص النبي ﷺ في ذلك لأبي بكر الصديق ﵁، وقال: لست منهم؛ إذ كان جره لغير الخيلاء» (٢). قال النووي ﵀: «فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع

стр. 349

منع تحريم، وإلا فمنع تنزيه» (١). وقال الطيبي ﵀: «فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلا فمنعُ تنزيه» (٢). الحكم على القرينة: القرينة النصية من القرائن القوية الصارفة للنهي عن التحريم في حال ثبوتها وصحتها وعدم المعارض لها، لكنَّ القرينة النصية هنا يُعترض عليها بأن دلالتها ضعيفة؛ لأنها ليست في محل النزاع وهو قصد الإسبال، وإنما وردت فيمَن استرخى إزاره عرضاً ولم يتركه، بل تعاهد رفعه؛ ولذلك لا تصلح قرينة لحمل النهي على الكراهة. والنهي ورد مؤكداً بالوعيد الشديد فيمَن أسبل ثوبه قصداً مما قَوَّى جانب بقاء النهي على مقتضاه -التحريم-سواء قصد الخيلاء أو لا، والله أعلم.

стр. 350

الفصل الخامس المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب آداب المشي إلى الصلاة وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: النهي عن تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد. المبحث الثاني: النهي عن الاستعجال أثناء المشي إلى الصلاة. المبحث الثالث: النهي عن المشي في نعل واحدة. المبحث الرابع: النهي عن الانتعال قائماً. المبحث الخامس: النهي عن وَضْع النعل عن يمينه أو عن يساره في المسجد.

стр. 351

المبحث الأول: النهي عن تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد المطلب الأول: حكم تشبيك اليدين (١) عند الذهاب إلى المسجد: دليل النهي: عن كعب بن عُجْرَة ﵁ (٢) أن النبي ﷺ قال: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ)) (٣). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد، على قولين: القول الأول: كراهة التشبيك. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: لا يُكره التشبيك.

стр. 352

وهو مذهب المالكية (١). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ)) (٢). وجه الاستدلال: أن العامد إلى الصلاة أُلحق بمَن كان في الصلاة، وذلك إشارة إلى أنه ينبغي له أن يتأدب بآداب المصلين: فيترك العبث، ولا يشبك في الصلاة، كذلك في طريق الصلاة، فيُستدل به على كراهة تشبيك الأصابع في طريقه إلى المسجد؛ لأنه من العبث الذي يتنافى مع السكينة المطلوبة في الصلاة، وفي المشي إلى الصلاة (٣). الدليل الثاني: عن كعب بن عُجْرَة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ)). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلَا يَقُلْ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)) (٤). وجه الاستدلال: أن في الأحاديث نهياً عن التشبيك حال الذهاب إلى المسجد للصلاة، ويُحمل على الكراهة؛ للتعليل بقوله (فِي صَلَاةٍ) فإن مَنْ قصد الصلاة فكأنما هو في الصلاة حكماً وحصول الأجر، فيُؤمر بالتأدب بآداب الصلاة وترك العبث؛ تنزيهاً له عن مخالفة هيئة المصلي (٥). قال الشافعي ﵀: «وإذا مشى على سَجِيَّة مشيه كَرهتُ أن يشبك بين أصابعه؛ لأنه

стр. 353

في حكم المصلي في الثواب» (١). نُوقش من وجهين: الأول: أن حديث كعب بن عُجْرَة ﵁ في إسناده ضعف (٢). يُمكن أن يُجاب عنه: بعدم التسليم؛ فقد تبيَّن في التخريج أن حديث كعب بن عُجْرَة وإن ضُعف من طريق فقد صححه ابن حبان من أحد طرقه، وله شواهد يتقوى بها، منها: حديث أبي هريرة. قال الطحاوي: «لا نعلم في هذا الباب عن كعب أحسن من هذا الحديث» (٣). وعلى فرض التسليم بضعف الحديث: فقد ذكر النووي وغيره أن حديث أبي هريرة الذي عند مسلم -الدليل الأول- هو المعتمد في الاستدلال على المسألة (٤). الثاني: أن هذه الأحاديث معارضة بما صح عن رسول الله ﷺ أنه شبك بين أصابعه في المسجد: من حديث أبي موسى ﵁، وفي قصة ذي اليدين (٥) من حديث أبي هريرة ﵁، وقد ترجم البخاري على هذين الحديثين بجواز تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ولعل مراده جواز التشبيك مطلقاً؛ لأنه إذا جاز فِعله في المسجد ففي غيره أولى بالجواز (٦). وأحاديث النهي غير مقاومة لهذين الحديثين في الصحة ولا مساوية؛ لأنهما في الصحيحين، فيترجح الجواز وعدم الكراهة (٧).

стр. 354

والجواب عنه سيأتي عند مناقشة أدلة القول الثاني. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ)) (١). الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁: ((أن رسول الله ﷺ صَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ … الحديث)) (٢). وجه الاستدلال: أن حديث أبي موسى يدل على جواز التشبيك مطلقاً، وحديث أبي هريرة يدل على جوازه في المسجد، وإذا جاز في المسجد فهو في غيره أجوز (٣)، وفيه أيضاً أنه ﷺ شبك أصابعه بعد الصلاة في ظنه ﷺ ، فهو في حكم المنصرف عن الصلاة؛ فدل على أن التشبيك لا يكره إلا في الصلاة. وهذه الأحاديث معارضة لأحاديث النهي وأصح منها فالقول بالجواز أرجح (٤). نُوقش (وهو جواب الوجه الثاني من مناقشة الدليل الثالث للقول الأول): بأنه لا تعارض بين هذه الأحاديث وأحاديث النهي، وأنه يمكن الجمع بينها (٥)، وللعلماء في الجمع بين هذه الأحاديث أوجه، منها: ١ - أن النهي محمول على التشبيك للعبث، والجواز إن كان لغير العبث، بل لقصد من المقاصد الصحيحة (٦).

стр. 355

قال ابن المُنَيِّر ﵀ (١): «التحقيق أنها لا تعارضها إذا المُنهى عنه فَعَله على وجه الولع والعبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس ونحو ذلك من المقاصد الصحيحة، والله أعلم» (٢). ٢ - أن النهي والكراهة إنما هي في حق المصلي وقاصد الصلاة، وتشبيك النبي ﷺ في قصة ذي اليدين كان بعد سلامه من الصلاة، فلا معارضة إذاً (٣). قال ابن حجر ﵀: «ويُجمع بأن النهي مقيد بما إذا كان في الصلاة أو قاصداً لها؛ إذ منتظر الصلاة في حكم المصلي، وأحاديث الباب الدالة على الجواز خالية عن ذلك» (٤). ٣ - أن أحاديث تشبيكه ﷺ في الصحيحين تفيد عدم التحريم، ولا تمنع الكراهة لغيره؛ لكون فعله نادراً، أي: لبيان الجواز (٥). قال الشوكاني ﵀: «يُجمع بما ذكره المصنف (٦) من أن فِعله ﷺ لذلك نادراً يرفع التحريم، ولا يرفع الكراهة» (٧).
следующие страницы →