← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المبحث الأول: النهي عن تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد المطلب الأول: حكم تشبيك اليدين (١) عند الذهاب إلى المسجد: دليل النهي: عن كعب بن عُجْرَة ﵁ (٢) أن النبي ﷺ قال: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ)) (٣). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم تشبيك اليدين عند الذهاب إلى المسجد، على قولين: القول الأول: كراهة التشبيك. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: لا يُكره التشبيك.

стр. 352

وهو مذهب المالكية (١). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ)) (٢). وجه الاستدلال: أن العامد إلى الصلاة أُلحق بمَن كان في الصلاة، وذلك إشارة إلى أنه ينبغي له أن يتأدب بآداب المصلين: فيترك العبث، ولا يشبك في الصلاة، كذلك في طريق الصلاة، فيُستدل به على كراهة تشبيك الأصابع في طريقه إلى المسجد؛ لأنه من العبث الذي يتنافى مع السكينة المطلوبة في الصلاة، وفي المشي إلى الصلاة (٣). الدليل الثاني: عن كعب بن عُجْرَة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ)). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلَا يَقُلْ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)) (٤). وجه الاستدلال: أن في الأحاديث نهياً عن التشبيك حال الذهاب إلى المسجد للصلاة، ويُحمل على الكراهة؛ للتعليل بقوله (فِي صَلَاةٍ) فإن مَنْ قصد الصلاة فكأنما هو في الصلاة حكماً وحصول الأجر، فيُؤمر بالتأدب بآداب الصلاة وترك العبث؛ تنزيهاً له عن مخالفة هيئة المصلي (٥). قال الشافعي ﵀: «وإذا مشى على سَجِيَّة مشيه كَرهتُ أن يشبك بين أصابعه؛ لأنه

стр. 353

في حكم المصلي في الثواب» (١). نُوقش من وجهين: الأول: أن حديث كعب بن عُجْرَة ﵁ في إسناده ضعف (٢). يُمكن أن يُجاب عنه: بعدم التسليم؛ فقد تبيَّن في التخريج أن حديث كعب بن عُجْرَة وإن ضُعف من طريق فقد صححه ابن حبان من أحد طرقه، وله شواهد يتقوى بها، منها: حديث أبي هريرة. قال الطحاوي: «لا نعلم في هذا الباب عن كعب أحسن من هذا الحديث» (٣). وعلى فرض التسليم بضعف الحديث: فقد ذكر النووي وغيره أن حديث أبي هريرة الذي عند مسلم -الدليل الأول- هو المعتمد في الاستدلال على المسألة (٤). الثاني: أن هذه الأحاديث معارضة بما صح عن رسول الله ﷺ أنه شبك بين أصابعه في المسجد: من حديث أبي موسى ﵁، وفي قصة ذي اليدين (٥) من حديث أبي هريرة ﵁، وقد ترجم البخاري على هذين الحديثين بجواز تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ولعل مراده جواز التشبيك مطلقاً؛ لأنه إذا جاز فِعله في المسجد ففي غيره أولى بالجواز (٦). وأحاديث النهي غير مقاومة لهذين الحديثين في الصحة ولا مساوية؛ لأنهما في الصحيحين، فيترجح الجواز وعدم الكراهة (٧).

стр. 354

والجواب عنه سيأتي عند مناقشة أدلة القول الثاني. أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ)) (١). الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁: ((أن رسول الله ﷺ صَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ … الحديث)) (٢). وجه الاستدلال: أن حديث أبي موسى يدل على جواز التشبيك مطلقاً، وحديث أبي هريرة يدل على جوازه في المسجد، وإذا جاز في المسجد فهو في غيره أجوز (٣)، وفيه أيضاً أنه ﷺ شبك أصابعه بعد الصلاة في ظنه ﷺ ، فهو في حكم المنصرف عن الصلاة؛ فدل على أن التشبيك لا يكره إلا في الصلاة. وهذه الأحاديث معارضة لأحاديث النهي وأصح منها فالقول بالجواز أرجح (٤). نُوقش (وهو جواب الوجه الثاني من مناقشة الدليل الثالث للقول الأول): بأنه لا تعارض بين هذه الأحاديث وأحاديث النهي، وأنه يمكن الجمع بينها (٥)، وللعلماء في الجمع بين هذه الأحاديث أوجه، منها: ١ - أن النهي محمول على التشبيك للعبث، والجواز إن كان لغير العبث، بل لقصد من المقاصد الصحيحة (٦).

стр. 355

قال ابن المُنَيِّر ﵀ (١): «التحقيق أنها لا تعارضها إذا المُنهى عنه فَعَله على وجه الولع والعبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس ونحو ذلك من المقاصد الصحيحة، والله أعلم» (٢). ٢ - أن النهي والكراهة إنما هي في حق المصلي وقاصد الصلاة، وتشبيك النبي ﷺ في قصة ذي اليدين كان بعد سلامه من الصلاة، فلا معارضة إذاً (٣). قال ابن حجر ﵀: «ويُجمع بأن النهي مقيد بما إذا كان في الصلاة أو قاصداً لها؛ إذ منتظر الصلاة في حكم المصلي، وأحاديث الباب الدالة على الجواز خالية عن ذلك» (٤). ٣ - أن أحاديث تشبيكه ﷺ في الصحيحين تفيد عدم التحريم، ولا تمنع الكراهة لغيره؛ لكون فعله نادراً، أي: لبيان الجواز (٥). قال الشوكاني ﵀: «يُجمع بما ذكره المصنف (٦) من أن فِعله ﷺ لذلك نادراً يرفع التحريم، ولا يرفع الكراهة» (٧).

стр. 356

سبب الخلاف: السبب في اختلافهم: تعارض ظاهر أحاديث النهي عن التشبيك مع أحاديث تشبيكه ﷺ بين يديه، واختلافهم في صحة حديث النهي. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة تشبيك الأصابع عند الذهاب إلى المسجد. أسباب الترجيح: ١ - أن خطاب النهي عن التشبيك حال الذهاب إلى المسجد للصلاة، ورد بطلب الترك من غير جزم ولا وعيد، وذلك يفيد الكراهة (١). ٢ - أنه القول الذي به تجتمع الأدلة، وفيه إعمال للأحاديث جميعاً. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبين فيما سبق أن أصحاب القول الأول حملوا النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وفيه فِعله ﷺ لبيان الجواز. أشار العلماء إلى أن ما صح عن رسول الله ﷺ من أنه شبَّك بين أصابعه في المسجد، جاء لبيان الجواز، فكانت هذه الأحاديث قرينة صارفة: الأول: حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ)) (٢). الثاني: قصة ذي اليدين من حديث أبي هريرة ﵁: ((أن رسول الله ﷺ صَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ

стр. 357

يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ … الحديث)) (١). قال الزركشي ﵀: «حديث كعب بن عُجْرَة محمول على الكراهية، وحديث ذي اليدين على الجواز، وفِعله ﷺ إذا كان بياناً للجواز لم يكن مكروهاً» (٢). جاء في (مرقاة المفاتيح): «فالنهي محمول على الكراهة؛ لما ثبت في حديث ذي اليدين أنه ﵇ شبَّك أصابعه، وذلك يفيد عدم التحريم، ولا يمنع الكراهة، أي: لغيره؛ لكون فِعله نادراً، أي: لبيان الجواز» (٣). وقال الشوكاني ﵀: «وظاهر النهي عن التشبيك: التحريم، لولا حديث ذي اليدين» (٤). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. قال المناوي ﵀: «التشبيك من هيئات التصرفات الاختيارية، والصلاة تُصان عن ذلك، مع أن التشبيك جالب للنوم، وهو مظنة للحدث؛ فلذلك كُره تنزيهاً» (٥). وتعددت أقوال أهل العلم في العلة من النهي عن تشبيك اليدين، ومما ذكروه (٦): الأول: لما في التشبيك من العبث المخالف لهيئة الصلاة. الثاني: لأنه يجلب النوم، وهو من مظان الحدث. الثالث: أن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف. الرابع: لكونه من الشيطان، أو فيه التشبه بالشيطان. الحكم على القرينة: القرينة النصية من أقوى القرائن الصارفة، وتزداد قوة بثبوتها وصحتها، ولكونها جاءت في بيان الرخصة والجواز، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ لاعتضاد هذه القرينة بما قبلها، ولاعتبار ما جاء فيها من المعاني؛ فهي معاني مناسبة لحمله على التنزيه، والله أعلم.

стр. 358

المبحث الثاني: النهي عن الاستعجال أثناء المشي إلى الصلاة المطلب الأول: حكم الاستعجال أثناء المشي إلى الصلاة: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ (١)، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)) (٢)، وفي رواية مسلم: ((إِذَا ثُوِّبَ (٣) لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ)) (٤). صورة المسألة: إذا أقيمت الصلاة وكان الرجل في طريقه إليها فهل له أن يسرع ويستعجل ليدرك الصلاة من أولها أم لا؟. حكم المسألة:

стр. 359

اتفق الفقهاء (١) على: استحباب المشي بالسكينة والوقار، وكراهة الاسراع والهرولة، أثناء الذهاب إلى الصلاة. قال ابن تيمية ﵀: «قال أبو عبد الله ﵀: ويُستحب للرجل إذا أقبل إلى المسجد أن يُقبِل بخوف ووجل وخشوع وخضوع، وأن تكون عليه السكينة والوقار، ما أدرك صلى، وما فات قضى، بذلك جاء الأثر عن النبي ﷺ » (٢). الأدلة: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)) (٣). وفي رواية: ((إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ)) (٤). وجه الاستدلال: أن في قوله ﷺ : (فَامْشُوا) أمراً بالمشي عند الذهاب للصلاة، وقوله: (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ) أَمْرٌ بلزوم السكينة والوقار، وقوله: (وَلَا تُسْرِعُوا) تصريح بالنهي عن الإسراع، فدل بمجموعه على تأكيد الندب إلى إتيان الصلاة بسكينة ووقار، وكراهة إتيانها سعياً، سواء في صلاة الجمعة أم غيرها، وأكَّد ذلك ببيان العلة، فقال: (فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) فالذاهب إلى صلاة عامد في تحصيلها ومتوصل إليها، فينبغي أن يكون متأدباً بآدابها، وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة (٥). الدليل الثاني: عن أبي قتادة ﵁ قال: ((بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سَمِعَ

стр. 360

جَلَبَةَ (١) رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ؟ قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا)) (٢). وجه الاستدلال: أن قوله: (إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ) يفيد العموم في كل صلاة، وكل أوقات الصلاة، وقوله: (فَلَا تَفْعَلُوا) أي: لا تستعجلوا ولا تسرعوا، ذُكر بلفظ الفعل لا بلفظ الاستعجال مبالغةً في النهي عنه، فالحديث يدل على مشروعية المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، وكراهية الإسراع والسعي؛ لأنه في حكم المصلي من حين خروجه إلى الصلاة، كما في حديث أبي هريرة (٣). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم إلى الكراهة القرائن التالية: القرينة الأولى: التعليل بعلة لا تقتضي التحريم. وقد جاءت العلة منصوصاً عليها في قوله ﷺ : ((إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، .... فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ)) (٤) فينبغي له أن يتأدب بأدبها: فيمشي على هينته (٥)، ولا يسرع. قال النووي ﵀ في (المنهاج): «قال العلماء: والحكمة في إتيانها بسكينة والنهي عن السعي: أن الذاهب إلى صلاة عامد في تحصيلها ومتوصل إليها، فينبغي أن يكون متأدباً

стр. 361

بآدابها، وعلى أكمل الأحوال» (١). وقال ابن حجر ﵀: «الحكمة في هذا الأمر تُستفاد من قوله ﷺ : (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) أي أنه: في حكم المصلي، فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه، … قال النووي: نبَّه بذلك على أنه لو لم يدرك من الصلاة شيئاً لكان محصلاً لمقصوده؛ لكونه في صلاة» (٢). القرينة الثانية: وروده في باب الأدب والإرشاد. ذلك أن النهي عن الاستعجال والإسراع عند الذهاب للصلاة فيه حثٌّ على الأدب، وإرشاد إلى تحصيل مصلحة الصلاة ومقصدها وهو الخشوع، وهو سنة باتفاق الفقهاء (٣)، فنُهي عن الإسراع؛ لأنه مُخل بالخشوع؛ لما يقع فيه من التشويش وضيق النفس، واستُحب له المشي بسكينة ووقار. قال القرطبي ﵀: «ذلك أنه إذا أسرع انبهر (٤)، فتشوّش عليه: دخوله في الصلاة، وقراءتها، وخشوعها» (٥). وقال الطحاوي ﵀: «كذلك نأمر الذي يأتي للصلاة بالمشي على هيئته، لا يأتيها وقد حصره النفس الذي شغله عنها، وتقطعت عما أُمر به فيها» (٦). الحكم على القرينة: قرينة التعليل قوية ومعتبرة؛ فقد جاءت في نص ثابت من حديث رسول الله ﷺ ، وقوية في دلالتها على علة النهي، ولا معارض لها، والقرينة الثانية أيضاً معتبرة؛ لاعتبار

стр. 362

معنى تحصيل مقصود الصلاة -الخشوع- وهو مستحب فوسيلة تحصيله مستحبة، والله أعلم.

стр. 363

المبحث الثالث: النهي عن المشي في نعل واحدة المطلب الأول: حكم المشي في نعل واحدة: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: ((لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا (١) جَمِيعاً، أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعاً)) (٢). حكم المسألة: أولاً: لا خلاف بين العلماء في أن الأوامر والنواهي في باب الانتعال من الآداب المكمِّلة، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر (٣). قال القاضي عياض ﵀: «النهى عن المشي في نعل واحدة … وهذه جملة لم يختلف العلماء فيها، وأنها أوامر أدب وتحضيض لا تجب» (٤). وقال القرطبي ﵀: «باب في الانتعال وآدابه … ولا خلاف في أن أوامر هذا الباب ونواهيه إنما هي من الآداب المكمِّلة، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر عند مُعتبَر بقوله من العلماء» (٥). ثانياً: اتفق الفقهاء (٦) على كراهة المشي في نعل واحدة. الأدلة: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: ((لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ

стр. 364

وَاحِدَةٍ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعاً، أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعاً)) (١). الدليل الثاني: عن جابر بن عبد الله: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ)) (٢). وجه الاستدلال: في الأحاديث نهي النبي ﷺ عن المشي في نعل واحد، وهو محمول على الكراهة؛ للإجماع على أنه نهي أدب وإرشاد (٣). الدليل الثالث: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَنِ انْقَطَعَ شِسْعُ (٤) نَعْلِهِ فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ)) (٥). وجه الاستدلال: أن قوله: (مَنِ انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ): «لا مفهوم له حتى يدل على الإذن في غير هذه الصورة، وإنما هو تصوير خرج مخرج الغالب، ويمكن أن يكون من مفهوم الموافقة، وهو: التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا مُنع مع الاحتياج فمع عدم الاحتياج أولى» (٦).

стр. 365

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وحُكي فيها فِعله ﷺ للمنهي عنه. أشار بعض أهل العلم إلى أن حديث عائشة ﵂: ((رُبَّمَا مَشَى النَّبِيُّ ﷺ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ)) (١) قرينة صارفة للنهي عن التحريم؛ لأنه وقع منه نادراً؛ لبيان الجواز كما يشير إليه التعبير بـ (ربما) المفيدة للتقليل، أو أنه لعذر كما جاء مصرحاً به في رواية (٢). قال أبو زرعة العراقي ﵀ (٣): «بوَّب الترمذي بعد إيراد هذا الحديث على الرخصة في المشي في نعل واحدة، وروى فيه عن عائشة -الحديث- ثم رواه موقوفاً على عائشة، وقال: إنه أصح (٤)، … وقال والدي ﵀ (٥) في شرح الترمذي: لعله بتقدير ثبوته وقع منه نادراً؛ لبيان الجواز أو لعذر، وفي بعض طرقه التصريح بالعذر» (٦).

стр. 366

القرينة الثانية: فِعل الصحابة (رضوان الله عليهم) للمنهي عنه. ذكر بعض أهل العلم آثاراً عن الصحابة بأنهم مشوا في نعل واحد، ففِعلهم دليل على أنهم فهموا أن النهي ليس على ظاهره، وأنه للتنزيه (١)، وفي ذلك إشارة إلى أن فِعل الصحابي للمنهي عنه قرينة صارفة؛ فالصحابة شهدوا التنزيل، وشاهدوا النبي ﷺ ، وعايشوا أحواله وأقواله وأفعاله، فهم أعرف بالخطاب، وأفهم للمراد منه. من ذلك ما نقله ابن مفلح (٢) والبُهوتي (٣) (٤) -رحمهما الله- أنه: ((مشى عليٌّ في نعل واحدة)) (٥)، و ((مشت عائشة في خف (٦) واحد)) (٧). وحديث عائشة ﵂ المتقدم، والذي حكت فيه مشي النبي ﷺ في نعل واحدة، تبيَّن في تخريجه أن من أهل العلم مَنْ رجح وقفه على عائشة، فإن كان كذلك فإنه يكون من جنس قرينة فِعل الصحابي، والله أعلم. القرينة الثالثة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. فالعلماء حملوا النهي على الكراهة والتنزيه؛ لأنه نهي أدب وإرشاد. قال ابن عبد البر ﵀: «نهيُه ﷺ عن المشي في نعل واحدة نهي أدب لا نهي تحريم، والأصل في هذا الباب أن كل ما كان في ملكك فنُهيت عن شيء من تصرفه والعمل به، فإنما هو نهي أدب؛ لأنه ملكك، تتصرف فيه كيف شئت، ولكن التصرف على سنته لا

стр. 367

تتعدى، وهذا باب مطرد ما لم يكن ملكك حيواناً، فتُنهى عن أذاه؛ فإن أذى المسلم في غير حقه حرام. وأما النهي عما ليس في ملكك إذا نهيت عن تملكه أو استباحته إلا على صفة ما في نكاح أو بيع أو صيد أو نحو ذلك: فالنهي عنه نهي تحريم، فافهم هذا الأصل» (١). وقال المناوي ﵀: «في الحديث نهَى ﷺ أن يمشي الرجل أو المرأة في نعل واحدة أو خف واحدة؛ فيُكره تنزيهاً» (٢). وقد تنوعت أقوال العلماء في العلة من النهي، ومن ذلك: أن فيه مشقة، أو ضرراً؛ لخوف العثار أو الاستهزاء، أو فيه شهرة أو ترك العدل بين الرجلين، أو فيه مشابهة للشيطان. قال الطحاوي ﵀: «ذلك لأن مَنْ يلبس كذلك يستهزئ به الناس؛ لأنه ليس بمستحسن عندهم، فلو لم يرِد فيه نهي لوجب أن ينتهي عنه» (٣). وقال الخطابي ﵀: «أما نهيه عن المشي في النعل الواحدة؛ لمشقة المشي على مثل هذه الحالة، ومخالفته لسجِيِّة المشي المعتاد: فلا يأمن عند ذلك من العثار مع سماجته في الشكل وقُبح منظره في العيون؛ إذ كان يُتصور فاعل ذلك عند الناس بصورة مَنْ إحدى رجليه أقصر من الأخرى» (٤). وقال النووي ﵀ في (المنهاج): «إن ذلك تشويه ومُثلة ومخالف للوقار، ولأن المنتعلة تصير أوفع (٥) من الأخرى، فيعسر مشيه، وربما كان سبباً للعثار» (٦). وجاء في (أسنى المطالب): «المعنى فيه أن مشيه يختل بذلك، وقيل: لما فيه من ترك العدل بين الرجلين، والعدل مأمور به» (٧).

стр. 368

وقال ابن حجر ﵀: «الكراهة فيه للشهرة، فتمتد الأبصار لمن ترى ذلك منه، وقد ورد النهي عن الشهرة في اللباس، فكل شيء صيَّر صاحبه شهرة، فحقه أن يُجتنب» (١). وقال النفراوي ﵀ (٢): «وإنما كُره المشي في النعل الواحدة لغير ضرورة؛ لأن الشيطان يمشي في نعل واحدة» (٣). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القرائن قوية؛ فقرينة فِعله ﷺ قوية من حيث أصلها ودلالتها، لكن بعض أهل العلم رجح فيه الوقف على الرفع. وقرينة فِعل الصحابي قرينة معتبرة؛ لثبوتها وعدم المعارض، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، والأصل أن النهي في الآداب محمول على الكراهة، ولعل ما جاء في الحكمة والتعليل لهذا الأدب مقصود بمجموعه؛ فالقرائن قوية صارفة للنهي إلى الكراهة مع عدم ما يعارضها ويقوي جانب التحريم، والله أعلم.

стр. 369

المبحث الرابع: النهي عن الانتعال قائماً المطلب الأول: حكم الانتعال قائماً: دليل النهي: عن ابن عمر ﵄: ((نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِماً)) (١). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم الانتعال قائماً، على قولين: القول الأول: كراهة الانتعال قائماً. وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وخُص النهي بما يلحقه مشقة أو خوف سقوط مَنْ لبسه قائماً. ولعله يمكن القول بأن الكراهة هو مذهب الحنفية (٥)؛ تخريجاً على ما سبق من إجماع الفقهاء على أن الأوامر والنواهي في باب الانتعال إنما هي من الآداب، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر (٦). القول الثاني: لا يُكره الانتعال قائماً.

стр. 370

وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ (١). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄: ((نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِماً)) (٢). الدليل الثاني: عن جابر ﵁ قال: ((نهى رسولُ الله ﷺ أن ينتعِلَ الرَّجُلُ قائماً)) (٣). وجه الاستدلال من الحديثين: أن النبي ﷺ نهى عن الانتعال قائماً، ويُحمل على الكراهة؛ لأنه نهي إرشاد، وهو مخصوص بما إذا لحقه مشقة أو خوف انقلابه وسقوطه (٤). نُوقش: بأن حديث النهي ضعيف (٥). أُجيب عنه: أن حديث ابن عمر صحيح، ويُعتمد عليه (٦)، وحديث جابر حسنه النووي، كما تبيَّن ذلك في تخريج الحديثين. دليل القول الثاني: أنه لا يثبت في النهي شيء؛ لضعف الأحاديث (٧). وجوابه ما سبق من صحة الأحاديث. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الانتعال قائماً فيما يشق لُبسه حال القيام، أو يُخشى منه الانقلاب والسقوط، فإن أمن ذلك فلا يُكره. جاء في (نهاية المحتاج): «ويُكره أن ينتعل قائماً؛ للنهي الصحيح عنه خوف انقلابه، ويُؤخذ منه أن المداس المعروفة الآن ونحوها لا يُكره فيها ذلك؛ إذ لا يُخاف منه

стр. 371

انقلاب» (١). أسباب الترجيح: ١ - صحة حديث النهي وثبوته. ٢ - الإجماع على أن الأوامر والنواهي في باب الانتعال إنما هي من الآداب. قال ابن عبد البر ﵀: «نهيه ﷺ عن المشي في نعل واحدة نهي أدب لا نهي تحريم، والأصل في هذا الباب أن كل ما كان في ملكك فنهيت عن شيء من تصرفه والعمل به، فإنما هو نهي أدب» (٢). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل أصحاب القول الأول النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف هو: قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. قال ابن رشد (٣) ﵀ في (البيان والتحصيل): « … وهو نهي أدب وإرشاد» (٤). وقال المناوي ﵀: «والأمر للإرشاد؛ لأن لُبسها قاعداً أسهل وأمكن» (٥). وقد علل العلماء النهي بخوف المشقة أو خوف السقوط. قال الخطابي ﵀: «يشبه أن يكون إنما نهَى عن لُبس النعل قائماً؛ لأن لُبسها قاعداً أسهل عليه وأمكن له، وربما كان ذلك سبباً لانقلابه إذا لبسها قائماً، فأمر بالقعود له والاستعانة باليد؛ ليأمن غائلته، والله أعلم» (٦). وجاء في (المفاتيح شرح المصابيح): «هذا النهي مختص بما في لُبسه تعب عن

стр. 372

القيام كلبس الخف؛ فإن النعل تحتاج إلى شد شراكها، فلُبسها جالساً أسهل، فأما لُبس القَفْش (١): فليس في لبسه قائماً تعب، فلا يدخل تحت النهي» (٢). الحكم على القرينة: قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، ولعل ما ذكره العلماء من علل النهي معتبرة بمجموعها؛ لأنه من باب الإرشاد لمصلحة المرء والحفاظ على سلامته، ولأنه أحسن في الهيئة، والله أعلم.

стр. 373

المبحث الخامس: النهي عن وضع النعل عن يمينه أو عن يساره في المسجد المطلب الأول: حكم وضع النعل عن يمينه أو عن يساره في المسجد: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَضَعْ نَعْلَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا عَنْ يَسَارِهِ فَتَكُونَ عَنْ يَمِينِ غَيْرِهِ، إِلَّا أَلَّا يَكُونَ عَنْ يَسَارِهِ أَحَدٌ، وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ)) (١). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٢) على أن الأدب للمصلي أن يضع نعليه عن يساره إذا صلى وحده، ويُكره وضْعُهما عن يمينه، وأما إذا كان مع غيره في الصف، وكان عن يمينه وعن يساره ناس: فإنه يضعهما بين رجليه. الأدلة: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁. الدليل الثاني: وعنه أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا صلّى أحدُكم فخلعَ نَعلَيه، فلا يُؤذِ بهما أحداً: لِيَجعَلهما بينَ رِجلَيهِ، أو لِيصَل فيهما)) (٣). وجه الاستدلال: أن ما جاء في هذه الأحاديث من النهي عن وضْع النعل عن اليمين أو اليسار والأمر بوضعهما بين رجليه، دليل على أن المصلي إذا خلع نعليه فإنه ينبغي له أن يتأدب بالآداب: فهو منهيٌّ عن وضْع نعليه عن يمينه؛ إكراماً لجهة اليمين وصيانة لها عن كل

стр. 374

شيء يكون محلاً للأذى. فإن لم يكن عن يساره أحد يضعهما عن يساره، وإلا فلا؛ لأنه يكون يمين غيره فيؤذيهم، ويندب له وضعهما بين رجليه، وقوله: (فَلا يُؤذِ) خبر بمعنى النهي يفيد المنع من أذى الآدمي، وإن قل التأذي (١)، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (٢). الدليل الثالث: عن عبد الله بن السائب ﵁ (٣) قال: ((رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ يُصلِّي يومَ الفَتحِ ووضعَ نَعليهِ عَنْ يَسَارِهِ)) (٤). وجه الاستدلال: أن فِعل النبي ﷺ دليل على أن الأدب للمصلي منفرداً كان أو إماماً: أن يضع نعليه عن يساره، لئلا يؤذي أحداً، وإكراماً لليمين، ولأن اليسار جُعلت للأشياء المستقذرة من الأفعال (٥). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل الفقهاء النهي على الكراهة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف هو: قرينة المقصد من النهي. ذكر العلماء أن المقصد من النهي تكريم جهة اليمين واحترامها، وصيانة لحق المسلم، والمنع من إيذائه، وحفاظاً على خشوعه والتفات قلبه إن جعله خلفه.

стр. 375

قال البهوتي ﵀: «من الأدب وضْع الإمام نعله عن يساره في حال صلاته إكراماً لجهة يمينه، ووضْع مأموم نعله بين يديه، أي: قُدامه؛ لئلا يؤذي غيره» (١). وقال الخطابي ﵀: «فيه باب من الأدب، وهو أن يُصان ميامن الإنسان عن كل شيء يكون محلاً للأذى» (٢). وجاء في (مرقاة المفاتيح): «وضعُه عن يساره مع وجود غيره سببٌ لأن تكون عن يمين صاحبه، يعني: وفيه نوع إهانة له، وعلى المؤمن أن يحب لصاحبه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه … وقال: ليجعلهما بين رجليه، ولم يقل: أو خلفه؛ لئلا يقع قدام غيره، أو لئلا يذهب خشوعه لاحتمال أن يُسرق» (٣). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القرينة معتبرة وقوية؛ إذ تكريم اليمين ومنع الإيذاء معانٍ مناسبة لحمل النهي على الكراهة والتنزيه، والله تعالى أعلم.

стр. 376

الفصل السادس المسائل الفقهية التي حُمل النهي فيها على غير التحريم في باب صفة الصلاة وفيه ثمانية عشر مبحثاً: المبحث الأول: النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث. المبحث الثاني: النهي عن الصلاة لمَن كان بحضرة طعام أو حاقناً أو يدافع الأخبثين. المبحث الثالث: النهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام. المبحث الرابع: النهي عن الالتفات في الصلاة. المبحث الخامس: النهي عن رفْع البصر إلى السماء أثناء الصلاة. المبحث السادس: النهي عن تغميض العين في الصلاة. المبحث السابع: النهي عن التَّثاؤب. المبحث الثامن: النهي عن فَرْقعة الأصابع أثناء الصلاة. المبحث التاسع: النهي عن تشبيك الأصابع أثناء الصلاة. المبحث العاشر: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. المبحث الحادي عشر: النهي عن بروك المصلي كما يبرك البعير. المبحث الثاني عشر: النهي عن افْتِراش السباع. المبحث الثالث عشر: النهي عن الإقعاء في الصلاة. المبحث الرابع عشر: النهي عن كف المصلي الشعر والثياب أثناء الصلاة. المبحث الخامس عشر: النهي عن اعتماد المصلي على يديه إذا نهض في الصلاة. المبحث السادس عشر: النهي عن جلوس المصلي في الصلاة وهو معتمد على يديه. المبحث السابع عشر: النهي عن مسح الحصى من موضع السجود والعبث أثناء الصلاة. المبحث الثامن عشر: النهي عن رد السلام في الصلاة.

стр. 377

المبحث الأول: النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث المطلب الأول: حكم الصلاة إلى النائم والمتحدث: دليل النهي: عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لا تُصَلُّوا خلفَ النائمِ ولا المتحدّث)) (١). تحرير محل النزاع: أولاً: اتفق الفقهاء (٢) على كراهة الصلاة إلى المتحدث؛ لأن ذلك يشغله عن حضور قلبه في الصلاة، وقيَّده الحنفية بما إذا ارتفع الصوت، وخاف منه الغلط في الصلاة. ثانياً: اختلفوا في حكم الصلاة إلى النائم، على قولين: القول الأول: لا يُكره الصلاة إلى النائم. وهو مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والمذهب عند الحنابلة (٥)، وقيَّده الحنفية بالأمن من ظهور شيء يضحكه، وإلا فيُكره. القول الثاني: كراهة الصلاة إلى النائم.

стр. 378

وهو مذهب المالكية (١)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٢). أدلة الأقوال: دليل القول الأول: عن عائشة ﵂ قالت: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ)) (٣). وجه الاستدلال: أن صلاة النبي ﷺ وعائشة ﵂ راقدة أمامه، دليل على جواز الصلاة إلى النائم من غير كراهة (٤)، وكونه أيقظها دليلٌ أنها كانت نائمة. نُوقش: بأن الحاجة دعت إليه؛ لضيق البيت (٥). يمكن أن يُجاب عنه: بأن دلالة الحديث على العموم، ولو كان السبب ضيق البيت لنقلته إلينا عائشة ﵂، ولم تُغفل ذِكره مع وجود الداعي؛ لكونه مؤثراً في الحكم. دليل القول الثاني: عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لا تُصَلُّوا خلفَ النائمِ ولا المتحدّث)). وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً صريحاً عن الصلاة خلف النائم، وحُمل على الكراهة؛ لخشية ما يبدو من النائم مما يلهي المصلي عن صلاته، ويشغله عن حضور قلبه فيها (٦). نُوقش: بأن الحديث ضعيف، ولا يصح (٧). قال الخطابي ﵀: «هذا حديث لا يصح عن النبي ﷺ ؛ لضعف سنده» (٨). سبب الخلاف:

стр. 379

تقابل الخبر الصحيح مع الخبر الضعيف، فمن قدم الصحيح قال بجواز الصلاة خلف النائم، ومَن أخذ بالخبر الضعيف مع الصحيح قال بكراهة الصلاة خلف النائم. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بأن الصلاة إلى النائم لا تُكره؛ لصحة دليل هذا القول وضعف دليل المخالف، ويمكن تقييده بما ذكره الحنفية: لا تُكره الصلاة خلف النائم إن أمن أن يصدر منه ما يشغل عن الصلاة. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل أصحاب القول الثاني النهي عن الصلاة إلى النائم على الكراهة، ولعل الصارف له القرائن التالية: القرينة الأولى: المقصد من النهي. أن المقصد من النهي هو الاحتياط للصلاة وصيانة خشوع المصلي؛ لأن وجود النائم أمامه يشغله عن حضور قلبه في الصلاة (١). القرينة الثانية: ضعف الحديث. لعل القائلين بالكراهة نظروا إلى ضعف حديث النهي، فحملوه على الكراهة؛ لأن الضعيف لا ينهض للتحريم. وقد أشار ابن مفلح ﵀ إلى أن الضعيف يُعمل به في الاستحباب والكراهة؛ حيث قال: « … وقد يُقال: المقام مقام استحباب وكراهة، والخبر الضعيف يُعمل به في ذلك، وعلى كل حال فهو شيء يُستأنس به في مثل هذا، والله أعلم» (٢). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القرائن ضعيفة؛ فقرينة المقصد من النهي تكون معتبرة ولها أثر،

стр. 380

في حال ثبوت دليل النهي وعدم المعارض، أمَا وقد سقط دليل النهي لعدم صحته؛ ووُجد المعارض الثابت الصحيح -فالقرائن ضعيفة، والله أعلم.

стр. 381

المبحث الثاني: النهي عن الصلاة لمَن كان بحضرة طعام أو حاقناً أو يدافع الأخبثين المطلب الأول: حكم الصلاة لمَن كان بحضرة طعام أو حاقناً (١) أو يدافع الأخبثين (٢): دليل النهي: عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ)) (٣). حكم المسألة: أولاً: أجمع العلماء (٤) على أنه لا يحل لأحد أن يدخل في الصلاة وهو حاقن إذا بلغ به ما لا يعقل به صلاته: فلا يقيمها، ولا يضبط حدودها، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها. قال ابن عبد البر ﵀: «أجمع العلماء على أنه لا ينبغي لأحد أن يصلي وهو حاقن إذا كان حقنه ذلك يشغله عن إقامة شيء من فروض صلاته وإن قَلَّ» (٥). وقال القاضي عياض ﵀: «كلهم مجمعون أن مَنْ بلغ به ما لا يعقل به صلاته ولا يضبط حدودها أنه لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك فى الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها» (٦).

стр. 382

ثانياً: أجمع العلماء (١) على كراهة الصلاة لمَن كان: بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، أو يدافع الأخبثين، وأنه إن صلى فإن صلاته صحيحة مجزئة. قال ابن عبد البر ﵀: «أجمعوا أنه لو صلى بحضرة الطعام، فأكمل صلاته، ولم يترك من فرائضها شيئاً -أن صلاته مجزية عنه، فكذلك إذا صلاها حاقناً فأكمل صلاته، وفي هذا دليل على أن النهي عن الصلاة بحضرة الطعام من أجل خوف اشتغال بال المصلي بالطعام عن الصلاة، وتركه إقامتها على حدودها، فإذا أقامها على حدودها خرج من المعنى المخوف عليه، وأجزأته صلاته لذلك» (٢). وقال ابن مفلح ﵀ (٣) في (المبدع): «يُكره أن يصلي، وهو حاقن -أي: بوله- سواء خاف الجماعة أم لا، لا نعلم فيه خلافاً» إلى أن قال: « … وعلى هذا: إن بدأ بالصلاة صحت إجماعاً» (٤). الأدلة: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ)) (٥). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِالعَشَاءِ)) (٦). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لَا صَلَاةَ

стр. 383

بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ)) (١). الدليل الرابع: عن عبد الله بن الأرقم ﵁ (٢) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الخَلَاءَ، فَلْيَبْدَأْ بِالخَلَاءِ)) (٣). وجه الاستدلال: أن في هذه الأحاديث نهياً عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين أو بحضرة الطعام الذي يريد أكله، وفيها أمر بالبدء بالطعام أو الخلاء قبل الصلاة ندباً؛ لما فيه من: اشتغال القلب به، وذهاب كمال الخشوع، والنهي محمول على الكراهة عند عامة العلماء (٤). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم قرينة: الإجماع. فإجماع العلماء الذي نقله أهل العلم، قرينة على أن النهي ليس على بابه، وأنه مصروف عن التحريم إلى الكراهة، وأنه إن صلى في هذه الحالة صحت صلاته. الحكم على القرينة: قرينة الإجماع قرينة قوية معتبرة؛ لأن الإجماع لا يمكن أن يقع مخالفاً لمقتضى النص الشرعي. فالنهي محمول على الكراهة، والله أعلم.

стр. 384

المبحث الثالث: النهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام المطلب الأول: حكم القيام للصلاة قبل رؤية الإمام: دليل النهي: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي (١) (٢)، وفي رواية أخرى عند مسلم: ((حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ)) (٣). تحرير محل النزاع: قيام المأموم للصلاة له حالان: الأول: أن يكون الإمام معهم في المسجد، وقد اختلف الفقهاء فيها على أقوال عدة، وهي خارج محل البحث. الثاني: إذا أُقيمت الصلاة، وكان الإمام خارج المسجد، والمأموم ينتظر مجيئه، فمتى يقوم المأموم؟ وهذه مسألة البحث التي ورد فيها النهي عن القيام قبل رؤية الإمام. وقد اختلف الفقهاء فيها على قولين: القول الأول: استحباب قيام المأموم عند رؤية الإمام، وكراهة القيام قبله. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٧). القول الثاني: إذا أُقيمت الصلاة تُقام الصفوف قبل أن يدخل الإمام.

стр. 385

وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ (١). أدلة الأقوال: دليل القول الأول: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي)) (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث نصٌّ صريحٌ بالنهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام، وهو محمول على الكراهة لا الحتم؛ لأنه نهَى عنه تخفيفاً ورفقاً بالناس؛ لئلا يشق عليهم الانتظار قياماً، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه (٣). قال الترمذي ﵀ بعد ذِكر حديث أبي قتادة: «وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن ينتظر الناس الإمام وهم قيام» (٤). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: ((أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى مَكَانِكُمْ، فَرَجَعَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ)) (٥). الدليل الثاني: وعنه أيضاً قال: ((أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ تُقَامُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنَّ يَقُومَ النَّبِيُّ ﷺ مَقَامَهُ)) (٦). وجه الاستدلال من الحديثين: أن ظواهر الأحاديث تدل على أن الناس كانوا يقومون إذا أُقيمت الصلاة، ويسوون الصفوف، قبل أن يخرج النبي ﷺ ، فدل ذلك على جواز قيامهم

стр. 386

قبل رؤيته (١). نُوقش: أن ظاهر هذه الأحاديث يعارض حديث أبي قتادة، فيُصار إلى الجمع بينها. مسالك العلماء لدفع التعارض بالجمع بين الأحاديث: ذكر القاضي عياض ﵀ ثلاثة مسالك في الجمع بين مختلف هذه الأحاديث (٢)، ونقله عنه النووي ﵀ (٣): الأول: أن بلالاً ﵁ كان يراقب خروج رسول الله ﷺ من حيث لا يراه غيره أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم، ولا يقوم الناس حتى يروه ﷺ ، ثم لا يقوم مقامه حتى يعدلوا صفوفهم. الثاني: أن الرواية الأخرى عن أبي هريرة: (فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ) كانت مرة أو مرتين ونحوهما؛ لبيان الجواز أو لعذر. الثالث: أنهم كانوا يقومون قبل رؤيته، فنهاهم النبي ﷺ في حديث أبى قتادة بعد ذلك، فكان سبب النهي أن المؤذن كان يقيم الصلاة ولم يخرج النبي ﷺ ، فنهاهم عن القيام إليها حتى يروه قد خرج من منزله، كما أفاده قوله: (حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ). ومن العلماء مَنْ جمع بمثل هذا الجمع أو قريب منه، منهم: القرطبي (٤)، وابن الملقن (٥)، وابن حجر ﵏ (٦). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة القيام للصلاة قبل رؤية الإمام، وينبغي أن يُتنبه أن المراد بالرؤية كما بيَّنها الحافظ ابن رجب ﵀: أن يخرج من بيته، فيراه مَنْ كان عند باب المسجد، وليس المراد: يراه كل مَنْ كان في المسجد. أسباب الترجيح:

стр. 387

١ - أن خطاب النهي صريح في المنع من القيام قبل رؤية الإمام. ٢ - أن فيه الرفق بالمأمومين؛ لئلا يشق عليهم الانتظار قياماً إن تأخر الإمام لعذر. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبين فيما سبق أن الجمهور حملوا النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص وفيه بيان الجواز. جاءت القرينة النصية في حديث أبي هريرة ﵁؛ حيث ذكر فيها قيام المأمومين قبل رؤيتهم الإمام، وأنهم سووا صفوفهم، ثم خرج إمامهم رسول الله ﷺ : ((أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى مَكَانِكُمْ، فَرَجَعَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ)) (١). أشار العلماء إلى أن انتظارهم للإمام قياماً، لعله كان مرة أو مرتين؛ لبيان الجواز (٢)، وذلك يفيد عدم التحريم، ولا يمنع الكراهة. القرينة الثانية: المقصد من النهي. مقصود النهي: الرفق بالمأموم؛ لاحتمال أن يقع للإمام شغل يبطاء فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره، فنهاهم عن ذلك (٣). قال ابن بطال ﵀: «يحتمل أن يكون حديث أبي قتادة على غير الإيجاب والحتم، بل على وجه الرفق بهم؛ لئلا ينتظروه قياماً» (٤). وقال النووي ﵀: «قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يروه؛ لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه» (٥). وذكر المناوي ﵀ في (فيض القدير): أن النهي في قوله: (فَلَا تَقُومُوا) للندب، إشارة

стр. 388

إلى أنه يحمل على الكراهة وليس للتحريم. القرينة الثالثة: قرينة الحال وسبب النهي. أن النهي في حديث أبى قتادة كان سببه صنيعهم في حديث أبي هريرة وطول انتظارهم النبي ﷺ للأمر الذى شغله عنهم، وأنهم كانوا يقومون ساعة إقامة الصلاة ولو لم يخرج النبي ﷺ ، فنهاهم عن ذلك (١)؛ شفقة عليهم من الانتظار قياماً، لا على سبيل الحتم والتحريم. الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القرائن قوية ومعتبرة؛ فالقرينة الأولى قرينة نصية، وهي أقوى القرائن الصارفة، فالقرينة هنا قوية في أصلها ولثبوتها وقوة دلالتها، والقرينة الحالية هنا قوية ومعتبرة؛ لأنها في أصلها تعتمد على نص صحيح يصف الحال والحدث، ولدلالتها على موضوع النهي؛ فقد جاءت في بيان الرخصة وجواز المنهي عنه، وقرينة المقصد من النهي كذلك معتبرة لاعتبار مقصد الرفق بالمأمومين. فالذي يظهر أن القرائن قوية صالحة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة، ولأنه بذلك تجتمع الأدلة، وإعمال جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها، والله تعالى أعلم.

стр. 389

المبحث الرابع: النهي عن الالتفات في الصلاة المطلب الأول: حكم الالتفات في الصلاة: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ قال: ((أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ (١)، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ (٢)، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ)) (٣). صورة المسألة: هل يجوز للمصلي أن يلتفت في صلاته يميناً ويساراً بوجهه وجسده ما لم يصِل إلى الاستدبار؟ تحرير محل النزاع: أولاً: أجمع العلماء (٤) على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، وأن المصلي إذا التفت بجميع بدنه أو استدبر القبلة بطلت صلاته؛ لفوات الشرط. لقوله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٥). قال ابن عبد البر ﵀: «أجمع العلماء أن القبلة التي أمر الله نبيه وعباده بالتوجه نحوها في صلاتهم هي الكعبة -البيت الحرام بمكة- وأنه فَرْضٌ على كل مَنْ شاهدها وعاينها استقبالُها، وأنه إن ترك استقباله وهو معاين لها أو عالم بجهتها، فلا صلاة له،

стр. 390

وعليه إعادة كل ما صلى كذلك» (١). وقال المرداوي ﵀ (٢): «إن استدار بجملته أو استدبرها -القبلة- فإن صلاته تبطل بلا نزاع» (٣). ثانياً: أجمع العلماء (٤) على كراهة الالتفات في الصلاة لغير حاجة ما لم يصِل إلى حد استدبار للقبلة. قال ابن عبد البر ﵀: «أجمع العلماء على أن الالتفات في الصلاة مكروه … وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيراً» (٥). وقال النووي ﵀: «أجمع العلماء على: استحباب الخشوع والخضوع في الصلاة، وغض البصر عما يلهي، وكراهة الالتفات في الصلاة» (٦). وقال العيني ﵀ (٧): «قالت العلماء بكراهة الالتفات في الصلاة، … ثم إن الإجماع
следующие страницы →