← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قبل رؤيته (١). نُوقش: أن ظاهر هذه الأحاديث يعارض حديث أبي قتادة، فيُصار إلى الجمع بينها. مسالك العلماء لدفع التعارض بالجمع بين الأحاديث: ذكر القاضي عياض ﵀ ثلاثة مسالك في الجمع بين مختلف هذه الأحاديث (٢)، ونقله عنه النووي ﵀ (٣): الأول: أن بلالاً ﵁ كان يراقب خروج رسول الله ﷺ من حيث لا يراه غيره أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم، ولا يقوم الناس حتى يروه ﷺ ، ثم لا يقوم مقامه حتى يعدلوا صفوفهم. الثاني: أن الرواية الأخرى عن أبي هريرة: (فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ) كانت مرة أو مرتين ونحوهما؛ لبيان الجواز أو لعذر. الثالث: أنهم كانوا يقومون قبل رؤيته، فنهاهم النبي ﷺ في حديث أبى قتادة بعد ذلك، فكان سبب النهي أن المؤذن كان يقيم الصلاة ولم يخرج النبي ﷺ ، فنهاهم عن القيام إليها حتى يروه قد خرج من منزله، كما أفاده قوله: (حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ). ومن العلماء مَنْ جمع بمثل هذا الجمع أو قريب منه، منهم: القرطبي (٤)، وابن الملقن (٥)، وابن حجر ﵏ (٦). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة القيام للصلاة قبل رؤية الإمام، وينبغي أن يُتنبه أن المراد بالرؤية كما بيَّنها الحافظ ابن رجب ﵀: أن يخرج من بيته، فيراه مَنْ كان عند باب المسجد، وليس المراد: يراه كل مَنْ كان في المسجد. أسباب الترجيح:

стр. 387

١ - أن خطاب النهي صريح في المنع من القيام قبل رؤية الإمام. ٢ - أن فيه الرفق بالمأمومين؛ لئلا يشق عليهم الانتظار قياماً إن تأخر الإمام لعذر. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبين فيما سبق أن الجمهور حملوا النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص وفيه بيان الجواز. جاءت القرينة النصية في حديث أبي هريرة ﵁؛ حيث ذكر فيها قيام المأمومين قبل رؤيتهم الإمام، وأنهم سووا صفوفهم، ثم خرج إمامهم رسول الله ﷺ : ((أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: عَلَى مَكَانِكُمْ، فَرَجَعَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ)) (١). أشار العلماء إلى أن انتظارهم للإمام قياماً، لعله كان مرة أو مرتين؛ لبيان الجواز (٢)، وذلك يفيد عدم التحريم، ولا يمنع الكراهة. القرينة الثانية: المقصد من النهي. مقصود النهي: الرفق بالمأموم؛ لاحتمال أن يقع للإمام شغل يبطاء فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره، فنهاهم عن ذلك (٣). قال ابن بطال ﵀: «يحتمل أن يكون حديث أبي قتادة على غير الإيجاب والحتم، بل على وجه الرفق بهم؛ لئلا ينتظروه قياماً» (٤). وقال النووي ﵀: «قال العلماء: والنهي عن القيام قبل أن يروه؛ لئلا يطول عليهم القيام، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه» (٥). وذكر المناوي ﵀ في (فيض القدير): أن النهي في قوله: (فَلَا تَقُومُوا) للندب، إشارة

стр. 388

إلى أنه يحمل على الكراهة وليس للتحريم. القرينة الثالثة: قرينة الحال وسبب النهي. أن النهي في حديث أبى قتادة كان سببه صنيعهم في حديث أبي هريرة وطول انتظارهم النبي ﷺ للأمر الذى شغله عنهم، وأنهم كانوا يقومون ساعة إقامة الصلاة ولو لم يخرج النبي ﷺ ، فنهاهم عن ذلك (١)؛ شفقة عليهم من الانتظار قياماً، لا على سبيل الحتم والتحريم. الحكم على القرينة: الذي يظهر أن القرائن قوية ومعتبرة؛ فالقرينة الأولى قرينة نصية، وهي أقوى القرائن الصارفة، فالقرينة هنا قوية في أصلها ولثبوتها وقوة دلالتها، والقرينة الحالية هنا قوية ومعتبرة؛ لأنها في أصلها تعتمد على نص صحيح يصف الحال والحدث، ولدلالتها على موضوع النهي؛ فقد جاءت في بيان الرخصة وجواز المنهي عنه، وقرينة المقصد من النهي كذلك معتبرة لاعتبار مقصد الرفق بالمأمومين. فالذي يظهر أن القرائن قوية صالحة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة، ولأنه بذلك تجتمع الأدلة، وإعمال جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها، والله تعالى أعلم.

стр. 389

المبحث الرابع: النهي عن الالتفات في الصلاة المطلب الأول: حكم الالتفات في الصلاة: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ قال: ((أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ (١)، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ (٢)، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ)) (٣). صورة المسألة: هل يجوز للمصلي أن يلتفت في صلاته يميناً ويساراً بوجهه وجسده ما لم يصِل إلى الاستدبار؟ تحرير محل النزاع: أولاً: أجمع العلماء (٤) على أن استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، وأن المصلي إذا التفت بجميع بدنه أو استدبر القبلة بطلت صلاته؛ لفوات الشرط. لقوله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٥). قال ابن عبد البر ﵀: «أجمع العلماء أن القبلة التي أمر الله نبيه وعباده بالتوجه نحوها في صلاتهم هي الكعبة -البيت الحرام بمكة- وأنه فَرْضٌ على كل مَنْ شاهدها وعاينها استقبالُها، وأنه إن ترك استقباله وهو معاين لها أو عالم بجهتها، فلا صلاة له،

стр. 390

وعليه إعادة كل ما صلى كذلك» (١). وقال المرداوي ﵀ (٢): «إن استدار بجملته أو استدبرها -القبلة- فإن صلاته تبطل بلا نزاع» (٣). ثانياً: أجمع العلماء (٤) على كراهة الالتفات في الصلاة لغير حاجة ما لم يصِل إلى حد استدبار للقبلة. قال ابن عبد البر ﵀: «أجمع العلماء على أن الالتفات في الصلاة مكروه … وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيراً» (٥). وقال النووي ﵀: «أجمع العلماء على: استحباب الخشوع والخضوع في الصلاة، وغض البصر عما يلهي، وكراهة الالتفات في الصلاة» (٦). وقال العيني ﵀ (٧): «قالت العلماء بكراهة الالتفات في الصلاة، … ثم إن الإجماع

стр. 391

على أن الكراهة فيه للتنزيه» (١). الأدلة: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ (٢) يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ)) (٣). الدليل الثاني: عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَزَالُ اللهُ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ (٤) فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا التَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ)) (٥). وجه الاستدلال: أن في الحديثين تنفيراً من الالتفات في الصلاة؛ لما فيه من ترك الإقبال والتوجه إلى الله، ونقص الخشوع المأمور به في الصلاة؛ فلذلك جعله النبي ﷺ اختلاساً للشيطان من الصلاة، وذلك دليل صريح على كراهة الالتفات، وهو إجماع (٦). قال الطيبي ﵀ (٧): «المعنى من التفت يميناً وشمالاً: ذهب عنه الخشوع المطلوب

стр. 392

بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١)، فاستُعير لذهاب الخشوع اختلاس الشيطان؛ تصويراً لقبح تلك الفِعلة، أو أن المصلي حينئذ مستغرق في مناجاة ربه، وأنه تعالى مقبل عليه، والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الفرصة عنه، فإذا التفت المصلي اغتنم الفرصة فيختلسها منه» (٢). الدليل الثالث: حديث أبي هريرة ﵁: ((أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ)) (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الالتفات في الصلاة، وهو للكراهة (٤)؛ لأن فيه مشابهة الحيوانات، والصلاة تُصان عن مثل ذلك. ثالثاً: اتفق الفقهاء (٥) على جواز الالتفات في الصلاة للحاجة. الأدلة: الدليل الأول: عن جابر ﵁ قال: ((اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَاماً، فَأَشَارَ إِلَيْنَا، فَقَعَدْنَا، فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُوداً)) (٦). الدليل الثاني: عن سهل ابن الحنظلية (٧) ﵁ قال: ((ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ -يَعْنِي: صَلَاةَ الصُّبْحِ- فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ))، قال أبو داود: وكان أرسل

стр. 393

فارساً إلى الشعب من الليل يحرس (١). وجه الاستدلال من الحديثين: أن حكاية فِعله ﷺ وأنه كان يلتفت في صلاته لمصلحة، دليل على أن الالتفات في الصلاة للحاجة غير مفسد لها، ولا مكروه فيها (٢). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبيَّن فيما سبق أن الفقهاء حملوا النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي القرائن التالية: القرينة الأولى: المقصد من النهي. أن مقصود النهي: التنفير من هذه الفِعلة القبيحة؛ لأنها من اختلاس الشيطان، ولما فيها من مشابهة الحيوان، ولأنها تؤثر على حضور القلب في الصلاة، فتنقص من الخشوع، فينقص بذلك كمال الصلاة ولا يبطلها؛ لأن الخشوع سنة باتفاق الفقهاء (٣). قال ابن بطال ﵀: «فيه حضٌّ على إحضار المصلي ذهنه ونيته؛ لمناجاته ربه، ولا يشتغل بأمر دنياه» (٤). وقال الشوكاني ﵀: «والحكمة في التنفير عنه ما فيه من: نقص الخشوع، والإعراض عن الله تعالى، وعدم التصميم على مخالفة وسوسة الشيطان» (٥). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. أن كراهة الالتفات في الصلاة؛ للتنزيه عما لا يليق من الهيئات، وإرشاد

стр. 394

للمحافظة على أدب الصلاة، واستحضار القلب في مناجاة الله ﷻ . قال النووي ﵀: «إن كان لحاجة لم يُكره، وإلا كُره كراهة تنزيه» (١). والعلة من النهي عن الالتفات في الصلاة لغير حاجة (٢): ١ - أن فيه تركَ الاقبال على الله، فينقص الخشوع المأمور به في الصلاة؛ ولذلك جعله الشارع اختلاساً للشيطان من الصلاة. ٢ - أن فيه ترك استقبال القبلة ببعض البدن. ٣ - أن كثرة الالتفات يميناً ويساراً هو من هيئة الحيوان. الحكم على القرينة: قرينة المقصد من النهي قرينة معتبرة؛ لكونه وسيلة للمحافظة على الخشوع في الصلاة، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ إذ هي بمعنى قرينة المقصد، وما ذُكر فيه من المعاني معتبر بمجموعه، والله أعلم.

стр. 395

المبحث الخامس: النهي عن رفْع البصر إلى السماء أثناء الصلاة المطلب الأول: حكم رفْع البصر إلى السماء أثناء الصلاة: دليل النهي: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ (١) (٢). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٣) على كراهة رفع البصر إلى السماء في الصلاة. الأدلة: الدليل الأول: حديث أنس بن مالك ﵁. الدليل الثاني: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ)) (٤). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ)) (٥). وجه الاستدلال: أن في الأحاديث نهياً أكيداً ووعيداً شديداً في رفع البصر إلى جهة

стр. 396

السماء في الصلاة، وحُمل على الكراهة؛ لأن الإجماع انعقد على كراهته في الصلاة (١)، والمعنى في كراهته أنه يُخِل بخشوع المصلي (٢)؛ فذلك لا يقتضي التحريم؛ لأن الخشوع سنة. الدليل الرابع: الإجماع على كراهة رفع البصر إلى السماء في الصلاة (٣). قال ابن بطال ﵀: «العلماء مجمعون على القول بهذا الحديث، وعلى كراهية النظر إلى السماء في الصلاة» (٤). وقال ابن الملقن ﵀: «الإجماع قائم على العمل بمقتضى الحديث، وأنه يُكره رفع بصره إلى السماء» (٥). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي القرائن التالية: القرينة الأولى: الإجماع. فإجماع العلماء على كراهة رفع البصر إلى السماء في الصلاة، قرينة على أن النهي ليس للتحريم. قال زكريا الأنصاري ﵀ (٦): «والحاصل: أن رفعها مكروه، وإنما لم يحرم؛ للإجماع

стр. 397

على عدم الحرمة» (١). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. ذلك أن النهي والوعيد جاء للتخويف من هذه الفِعلة؛ تنزيهاً للصلاة عما ينقص في خشوعها وهيئتها. جاء في (المفاتيح في شرح المصابيح): «اعلم أن النظر إلى السماء عند الدعاء في الصلاة مكروه؛ لأنه التفات، والالتفات في الصلاة مكروه، فلأجل هذا خوَّفهم الرسول ﵀» (٢). قال ابن تيمية ﵀: «ليس العبد ينهى عن رفع بصره مطلقا وإنما نهي في الوقت الذي يؤمر فيه بالخشوع؛ لأن خفض البصر من تمام الخشوع» (٣). وقال المناوي ﵀: «وذلك لما فيه من فوت كمال الخشوع» (٤). الحكم على القرينة: قرينة الإجماع من أقوى القرائن المعتبرة، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة، وقد تقوَّت واعتضدت بقرينة الإجماع؛ فالنهي محمول على الكراهة، والذي يظهر أن الكراهة شديدة؛ لقوة النهي والوعيد، والله تعالى أعلم بالصواب. قال ابن تيمية ﵀: «مسألة: ويجعل نظره إلى موضع سجوده، وجملة ذلك: أنه يُكره للمصلي: رفع البصر إلى السماء، أو الالتفات يمنة ويسرة لغير حاجةٍ، كراهةً شديدةً» (٥).

стр. 398

المبحث السادس: النهي عن تغميض العين في الصلاة المطلب الأول: حكم تغميض العين في الصلاة: دليل النهي: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ)) (١). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في حكم تغميض العين في الصلاة، على قولين: القول الأول: كراهة تغميض العين في الصلاة من غير حاجة. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: لا يُكره تغميض العين في الصلاة إذا لم يخف ضرراً. وهو مذهب الشافعية (٥). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: حديث ابن عباس ﵄ (٦). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهَى عن تغميض العين في الصلاة، وظاهر النهي محمول على الكراهة لا التحريم، والصارف له التعليل بأنه يفوت النظر إلى المحل

стр. 399

المندوب (١). نُوقش: بأن الحديث ضعيف وليس بشيء (٢). الدليل الثاني: أنه لم يكن من هدي النبي ﷺ تغميض عينيه في الصلاة، بل إن الوقائع تشهد لكونه يفتح عينيه في الصلاة (٣). الدليل الثالث: أنه من فِعل اليهود (٤)، وقد نُهينا عن التشبه بهم. قال ابن قدامة ﵀: «يُكره أن يغمض عينيه في الصلاة، نص عليه أحمد، وقال: هو فِعل اليهود» (٥). الدليل الرابع: أن تغميض العين يغير هيئة المصلي، وربما كان سبباً للنوم، وفيه نوع عبث يخل بالخشوع (٦). الدليل الخامس: أن تغميض العين في الصلاة يوهم أنه مطلوب فيها، فيُكره خوفاً من اعتقاد وجوبه (٧). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: أنه لم يرِد في النهي دليل صحيح (٨). يمكن أن يُناقش: بأنه يُسلم أنه لم يثبت في النهي دليل صحيح، لكن وردت الأحاديث بمجموعة من الوقائع التي تفيد العلم بأنه ﷺ لم يكن يغمض عينيه في الصلاة (٩). الدليل الثاني: أن في تغميض العين منعاً لتفريق الذهن، فيكون سبباً لحضور

стр. 400

القلب وجمع الخشوع الذي هو سر الصلاة وروحها (١). يمكن أن يُناقش: لا يُسلَّم بأن تغميض العينين يجمع الخشوع وحضور القلب في كل حال، بل قد يكون مخلاً بالخشوع؛ لكونه جالباً للنوم. سبب الخلاف: السبب هو اختلافهم في صحة ما ورد في النهي وثبوته، واختلافهم في كون التغميض يجمع الخشوع أم ينافيه. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة تغميض العين في الصلاة لغير حاجة. أسباب الترجيح: ١ - أنه لم يكن من هدي النبي ﷺ تغميض العين في الصلاة، والأمة مأمورة باتباع هديه ﷺ . ٢ - أنه لم يُنقل أنه ﷺ أرشد أمته أو أمرها بتغميض العين طلباً للخشوع وحضور القلب. قال ابن القيم ﵀: «لم يكن من هديه ﷺ تغميض عينيه في الصلاة»، ثم ساق مجموعة من الأدلة والوقائع، وقال بعدها: «فهذه الأحاديث وغيرها يُستفاد من مجموعها العلم بأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة .... والصواب أن يُقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قِبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه، فهنالك لا يُكره التغميض قطعاً، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم» (٢).

стр. 401

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: حمل أصحاب القول الأول النهي على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف له: قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. أشار العلماء في كلامهم أن كراهة تغميض العين في الصلاة إنما هو من باب الأدب والإرشاد لمصلحة الصلاة، وما كان كذلك يُحمل على الكراهة (١). قال المناوي ﵀: «فإن غمضهما بغير عذر كُره تنزيهاً» (٢). تنوعت أقوال أهل العلم في العلة من كراهة تغميض العين في الصلاة، ومن ذلك: قيل: أن السُّنَّة أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، وفي التغميض تركها. وقيل: أنه يُكره تغميض البصر؛ لئلا يُتوهم أنه واجب ومطلوب فيها (٣). وقيل: أن فيه نوع عبث يخل بالخشوع (٤). وقيل: أنه مظنة النوم، ولأنه يغير هيئة المصلي (٥). وقيل: أنه فِعل اليهود (٦). الحكم على القرينة: قرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة إن ثبت النهي، وإن لم يثبت النهي فإن القول بكراهة تغميض العين في الصلاة أُخذ من ظاهر هدي النبي ﷺ ، وأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة، ولم يرِد ما يُثبِت خلاف ذلك، ويمكن أن يصدُق علةً للكراهة جميع ما ذكره العلماء، والله تعالى أعلم.

стр. 402

المبحث السابع: النهي عن التثاؤب المطلب الأول: حكم التثاؤب: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ (١)، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ (٢) مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ)) (٣). وفي رواية: ((وَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْدُدْهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَقُلْ: آهْ آهْ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا فَتَحَ فَاهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْهُ)) (٤). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٥) على كراهة التثاؤب مطلقاً، وأنه يُستحب ردّه ما استطاع.

стр. 403

جاء في (التفريع): «يُكره التثاؤب، فإن، تثاءب فليكظم ما استطاع، وليضع يده على فيه» (١). وقال النووي ﵀ في (المجموع): «يُكره التثاؤب في الصلاة، ويُكره في غيرها أيضاً، فإن تثاءب فليرده ما استطاع، ويُستحب وضْع يده على فيه، سواء كان في الصلاة أم لا» (٢). وقال ابن مفلح ﵀ في (الآداب الشرعية): «يُكره التثاؤب مطلقاً» (٣). الأدلة: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁: ((وَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْدُدْهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلَا يَقُلْ: آهْ آهْ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا فَتَحَ فَاهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَضْحَكُ مِنْهُ)) (٤). وجه الاستدلال: أن ما جاء في الحديث من ذم التثاؤب يدل على كراهته؛ لأن الله يكرهه، ولأنه مما يرتضيه الشيطان؛ فلذا نهى ﷺ مَنْ تثاءب عن التمادي فيه حتى يقول: آه آه، وأمر برده وكظمه ما أمكن؛ لئلا يبلغ الشيطان مراده من تشويه صورته وضحكه منه، فالنهي محمول على الكراهة والأمر على الندب؛ لأنه من باب الإرشاد إلى محاسن الأحوال، ومكارم الآداب (٥). الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ (٦) (٧). وجه الاستدلال: أنه جاء في هذا الحديث التقييد بالصلاة، وقد جاء مطلقاً في غيره من الأحاديث، وذلك لاحتمال أن تكون كراهته في الصلاة أشد، ولا يلزم من ذلك أن

стр. 404

لا يُكره في غير حالة الصلاة، فلا تنافيَ بينهم، ويؤيد كراهته مطلقاً كونه من الشيطان (١). جاء في (فتح الباري) لابن حجر: «ينبغي كظم التثاؤب في كل حالة، وإنما خص الصلاة؛ لأنها أولى الأحوال بدفعه؛ لما فيه من الخروج عن اعتدال الهيئة واعوجاج الخِلقة» (٢). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم القرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص بالتعليل في الحديث نفسه. وذلك أن قوله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ)، وقوله: (وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ: فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ) أفاد تعليل النهي عن التثاؤب. جاء في (الآداب الشرعية): «العطاس يدل على خفة بدن ونشاط، والتثاؤب غالباً لثقل البدن وامتلائه واسترخائه، فيميل إلى الكسل، فأضافه إلى الشيطان؛ لأنه يرضيه أو من تسببه لدعائه إلى الشهوات» (٣). وقوله: (ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ) فيه إشارة إلى ذم التثاؤب وكراهة التمادي فيه؛ لئلا يبلغ الشيطان مراده. قال ابن الجوزي ﵀ (٤): «وإنما يضحك الشيطان من قول المتثائب: ها؛ لمعنيين: أحدهما: أنه يرى ثمرة تحريضه على الشبع، فيضحك فرحاً بأن أثمرت شجرات غرسه. والثاني: أن المسنون للمتثائب أن يكظم ويحبس ما استطاع، فإذا ترك الأدب وقال: ها، ضحك الشيطان؛ لقلة أدبه» (٥).

стр. 405

القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. أشار العلماء إلى أن كراهة التثاؤب وكراهة التمادي فيه إنما هو أدب من الآداب، والنهي في باب الأدب يُحمل على الكراهة (١). قال القرطبي ﵀: « … وكل هذا يشعر بكراهة التثاؤب، وكراهة حالة المتثائب إذا لم يكظم، وأوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى محاسن الأحوال، ومكارم الآداب» (٢). ومما ذكره العلماء من علل النهي: قيل: أن التثاؤب دون كظمه أو تغطية الفم يُعد من سوء الأدب المخالف لآداب العشرة والمحادثة بين الناس، وأشد منه حين تكون في الصلاة ومناجاة الرب سبحانه؛ فلذا نُهي عن التمادي فيه، وأُمر بكظمه أو تغطية الفم (٣). جاء في (الآداب الشرعية): «مَنْ تثاءب كظم ما استطاع؛ للخبر، وأمسك يده على فمه أو غطاه بكمه أو غيره إن غلب عليه التثاؤب، … ويُكره إظهاره بين الناس مع القدرة على كفه، وإن احتاجه تأخَّر عن الناس وفَعَله» (٤). وقيل: أنه من التكاسل والامتلاء (٥). وقيل: أنه مخل بمعنى الخشوع إن كان في الصلاة (٦). قال ابن الجوزي ﵀: «إن قال قائل: ليس العطاس داخلاً تحت الكسب ولا التثاؤب، فما حيلة العبد في تحصيل المحبوب ونفي المكروه؟ فالجواب: أن العطاس إنما يكون مع انفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات، وسبب هذه الأشياء تخفيف الغذاء والتقلل من المطعم، فأما التثاؤب: فإنه يكون مع ثقل البدن وامتلائه واسترخائه للنوم، فحَمد العطاس؛ لأنه يعين على الطاعة، وذَمَّ التثاؤب؛ لأنه يثبط عن الخير» (٧). الحكم على القرينة:

стр. 406

القرينة النصية هي أقوى القرائن الصارفة؛ فالقرينة هنا قوية ومعتبرة، وكونها جاءت في النص نفسه يزيدها قوة؛ لأنها تكون مبيِّنة للمراد، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد وما ذُكر فيها من المعاني قرينة معتبرة؛ إذ إن كراهة التثاؤب من جملة آداب العشرة ومكارم الأخلاق، فالقرائن قوية خصوصاً مع عدم ما يعارضها، والله تعالى أعلم.

стр. 407

المبحث الثامن: النهي عن فرقعة الأصابع أثناء الصلاة المطلب الأول: حكم فَرْقَعَةِ (١) الأصابع أثناء الصلاة: دليل النهي: عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لَا تُفَقِّعْ (٢) أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ)) (٣). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٤) على كراهة فرقعة الأصابع في الصلاة. قال العيني ﵀: «قال شيخ الإسلام (٥): كُره من الناس الفرقعة خارج الصلاة؛ فإنها تلقين الشيطان، ولا خلاف لأحد من الأئمة الأربعة وغيرهم في كراهة فرقعة الأصابع وتشبيكها في الصلاة» (٦).

стр. 408

الأدلة: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لَا تُفَقِّعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ)) (١). وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً صريحاً عن فرقعة الأصابع في الصلاة، وهو محمول على الكراهة والتنزيه؛ لأنه من العبث (٢). الدليل الثاني: عن معاذ بن أنس ﵁ (٣)، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول: ((قال الضَّاحِكُ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمُلْتَفِتُ، وَالْمُفَقِّعُ أَصَابِعَهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ)) (٤). وجه الاستدلال: أن في الحديث التسوية بين هذه الأفعال الثلاثة، وأنها بمنزلة واحدة، إشارةً إلى كراهتها؛ لكونها من العبث المخل بالخشوع في الصلاة (٥)؛ فهي مكروهة تنزيهاً (٦). الدليل الثالث: أن فرقعة الأصابع عبث، والعبث مكروه في الصلاة (٧). قال ابن قدامة ﵀ حيث يقول: «يُكره العبث كله، وما يشغل عن الصلاة، ويذهب بخشوعها، وقد رُوي: ((أنَّ رسولَ الله ﷺ رأى رجلاً يَعبَث في الصَّلاة، فقال: لو خشَع قلبُ هذا لخشعت جوارحُه)) (٨)، ولا نعلم بين أهل العلم في كراهة هذا كله اختلافاً» (٩).

стр. 409

الدليل الرابع: عن شعبة (١) مولى ابن عباس ﵄، قال: ((صليت إلى جنب ابن عباس، ففقعت أصابعي، فلما قُضيت الصلاة قال: لَا أُمَّ لَكَ، تُقَعْقِعُ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ)) (٢). وجه الاستدلال: أن إنكار الصحابي على المفقع أصابعه، دليل على أنه مكروه في الصلاة، وأن الصلاة ينبغي أن تُنزه عن مثل هذا العبث الذي لا يليق بالوقوف بين يدي المولى -جل وعلا-. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم قرينة: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. فالذي يظهر أن الفقهاء حملوا النهي على الكراهة لما فيه من الترغيب إلى التزام الأدب حين الوقوف بين يدي الله ، وإرشاداً وتنزيهاً للصلاة عن العبث المخل بالخشوع، والنهي في باب الأدب والإرشاد محمول على الكراهة (٣). فترْك الفَرْقعة والعبث من باب الأدب، وهو وسيلة للمحافظة على كمال الخشوع في الصلاة. قال القرافي ﵀: «القاعدة: أن الوسائل تبع للمقاصد ودونها في الرتبة: فوسيلة الواجب واجبة، ودونه في الوجوب، ووسيلة المندوب مندوبة، ودونه في الندب، ووسيلة المباح مباحة غير أنها لا يمكن أن تكون أدنى منه؛ لتعذر ذلك في المباح؛ لضرورة

стр. 410

الاستواء» (١). قال المناوي ﵀: «قوله: (لا تفقع أصابعك) أي: أصابع يديك وأنت في الصلاة، فيُكره تنزيهاً» (٢)، والعلة في ذلك: أنه عبث مخالف لهيئة الصلاة (٣)، ولكونه من الشيطان (٤). الحكم على القرينة: قرينة ورود النهي في باب الأدب قرينة قوية ومعتبرة؛ لعدم المعارض ولاعتبار العلة من النهي، وإنكار الصحابي على المفقع يؤيد معنى الأدب والتنزيه، والله تعالى أعلم.

стр. 411

المبحث التاسع: النهي عن تشبيك الأصابع أثناء الصلاة المطلب الأول: حكم تشبيك الأصابع أثناء الصلاة: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلَا يَقُلْ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)) (١). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٢) على كراهة تشبيك الأصابع في الصلاة. الأدلة: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁. وجه الاستدلال: أن قوله: (فِي صَلَاةٍ) تعليل النهي عن التشبيك في الصلاة إذا خرج من بيته بأنه في صلاة؛ فإذا نهى مَنْ يُكتب له أجر المصلي لكونه قاصدها، دل ذلك على أن حالة الصلاة الحقيقية أَوْلى بترك العبث، سواء كانت الصلاة بالمسجد أم غيره، وهو أشد كراهة؛ لأنه عبث ينافي الخشوع (٣)، والعبث في الصلاة مكروه (٤). الدليل الثاني: حديث كعب بن عُجْرة ﵁: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفَرَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)) (٥). وجه الاستدلال: أن تفريج النبي ﷺ بين أصابع الرجل وعدم أمره بإعادة الصلاة،

стр. 412

فيه دلالة على كراهة التشبيك في الصلاة مطلقاً من غير تقييد بالمسجد؛ لأنه نوع من العبث الذي لا يليق بحال المصلي (١). الدليل الثالث: ((سُئل نافع عن الرجل يصلي وهو مشبِّك يديه، فقال: قال ابن عمر: تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ)) (٢). وجه الاستدلال: أن أثر ابن عمر يدل على أنه يُكره تشبيك اليدين في الصلاة؛ لما فيه من مشابهة أهل الكتاب، فالصلاة بالتشبيك صلاة اليهود، وهم المغضوب عليهم (٣). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم القرائن التالية: القرينة الأولى: المقصد من النهي. فالمقصود: الاتيان بالصلاة على صفات الكمال والبعد عن الهيئات التي لا يلائم شيء منها الصلاة ولا يشاكل حال المصلي (٤). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. أن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد للتنزيه؛ فالنهي عن التشبيك فيه إرشاد لأدب الوقوف بين يدي الله ، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (٥). قال المناوي ﵀: « … فلذلك كُره تنزيهاً» (٦) أي: تنزيهاً للصلاة عن الإخلال بأدبها وخشوعها. والعلة من النهي: قال المناوي ﵀: «إن التشبيك جالب للنوم، وهو مظنة للحدث» (٧). وقال ابن رجب ﵀ في كراهة التشبيك: « … وهو من نوع العبث الذي تنزه عنه

стр. 413

الصلاة، ومثله تفقيع الأصابع» (١). وقيل: لما فيه من مشابهة أهل الكتاب (٢). الحكم على القرينة: قرينة المقصد من النهي معتبرة؛ لأن المقصود صيانة الصلاة والاتيان بها على هيئتها المشروعة، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة تصرف النهي عن التحريم، وخبر تفريج النبي ﷺ لأصابع الرجل مؤيِّد لمعنى التأديب والإرشاد، والله تعالى أعلم.

стр. 414

المبحث العاشر: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود المطلب الأول: حكم قراءة القرآن في الركوع والسجود: دليل النهي: عن ابن عباس ﵄ قال: قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً، فَأَمَّا الرُّكُوعُ: فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ: فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنٌ (١) أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ)) (٢). وعن علي ﵁ قال: ((نَهَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ أَقْرَأَ رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً)) (٣). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٤) على كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود. قال النووي ﵀: «اتفقوا على كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود وغير حالة القيام» (٥). وقال ابن تيمية ﵀: «قد اتفق العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود» (٦). وقال ابنُ الشِّلْبِيِّ ﵀ (٧) في حاشيته على (تبيين الحقائق): «تُكره قراءة القرآن في

стр. 415

الركوع والسجود والتشهد بإجماع الأئمة الأربعة» (١). الأدلة: استدلوا بحديثي ابن عباس وعلي ﵃. وجه الاستدلال: في الحديث نهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، والنهي محمول على الكراهة والتنزيه؛ لأن الركوع والسجود ليسا محلاً للقراءة (٢)، والنهي عام للأمة؛ لأن أمْر الله تعالى للنبي ﷺ أمرٌ للأمة ما لم يوجد تخصيص (٣)، ويدل على عدم التخصيص هنا أنه ﷺ خاطب أمته بعدها، فأمرهم بالتعظيم للرب في الركوع وبالدعاء في السجود، فدل ذلك أن الأمة داخلون معه في خطاب النهي (٤). وكذلك يدل حديث علي ﵁ على عدم التخصيص وعموم النهي للأمة؛ فخطاب النبي ﷺ لأحد أمته هو خطاب للأمة (٥). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم القرائن التالية: القرينة الأولى: المقصد من النهي. سياق الحديث يشير إلى أن المقصد من النهي تعظيم القرآن الكريم وبيان مكانته، وأنه لا يُقرأ في موضع الخضوع والتذلل. قال العيني ﵀: «فإن قيل: ما الحكمة من النهي عن القراءة في حالتي الركوع والسجود؟ قلت: الذي يلوح لنا في هذا المقام هو أن النبي ﵀ أخبر الأمة عن انقطاع الوحي بوفاته، وعزَّاهم عن مبشرات النبوة، ثم نبههم على جلالة قدْرها بما هو تارك فيهم من الوحي المنزل - وهو الكتاب العزيز الذي لم يُؤتَ نبي مثله- بقرينة مستكنة في صيغة النهي. وذلك أن الركوع والسجود من باب الخضوع وأمارات التذلل من العباد لجلال وجه الله الكريم، فنهى أن يُقرأ الكتاب الكريم الذي عظم شأنه، وارتفع محله عند هيئة موضوعة

стр. 416

للخضوع والتذلل؛ ليتبين لأولي العلم معنى الكتاب العزيز، وينكشف لذوي البصائر حقيقة القرآن الكريم» (١). وجاء في (مرقاة المفاتيح): «إن الركوع والسجود حالان دالان على الذل، ويناسبهما الدعاء والتسبيح، فنُهي عن القراءة فيهما تعظيماً للقرآن الكريم، وتكريماً لقارئه القائم مقام الكليم، والله بكل شيء عليم» (٢). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. ذلك أن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد للتنزيه، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (٣). قال زكريا الأنصاري ﵀: «فيه كراهة قراءة القرآن -ولو بعض آية- في الركوع والسجود، ومثلها كما في المجموع سائر أفعال الصلاة غير القيام، وهي كراهة تنزيه، فلو قرأ في شيء من ذلك كُره، ولم يُبطِل صلاته» (٤). والعلة من النهي: قال النووي ﵀: «إنما وظيفة الركوع التسبيح، ووظيفة السجود التسبيح والدعاء» (٥). وقال الطيبي ﵀: «لما كان الركوع والسجود -وهما غاية الذل والخضوع- مخصوصين بالذكر والتسبيح، نهَى ﷺ عن القراءة فيهما كأنه كره أن يُجمع بين كلام الله وكلام الخلق في موضع واحد، فيكون علي السواء» (٦). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قرينة بيان المقصد قرينة قوية ومعتبرة؛ إذ إنها مستفادة من

стр. 417

سياق الحديث ومقدمته، ومن جمْع النبي ﷺ بين نهيه عن القراءة في الركوع والسجود وأمره بالتسبيح والدعاء فيهما، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ إذ المعنى هو إرشاد الأمة إلى تعظيم القرآن، وأن لكل حال من أحوال الصلاة ما خُص به من الذكر، والله أعلم.

стр. 418

المبحث الحادي عشر: النهي عن بروك المصلي كما يبرك البعير المطلب الأول: حكم بروك المصلي كما يبرك البعير (١): دليل النهي: عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ)) (٢). صورة المسألة: المراد بالمسألة إذا أراد المصلي أن يهوي للسجود، أيهما يقدم أولاً: يديه أم ركبتيه؟ الأقوال في المسألة: في حديث أبي هريرة نهي عن مشابهة بروك البعير عند الهُوِيِّ للسجود، فاختلف الفقهاء فيما يقدمه المصلي عند إرادة السجود: ركبتيه أم يديه، على قولين: القول الأول: يُستحب تقديم الركبتين على اليدين، ويُكره تقديم اليدين. وهو مذهب الجمهور: الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الثاني: يُستحب تقديم اليدين على الركبتين.

стр. 419

وهو مذهب المالكية (١)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٢). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن وائل بن حجر ﵁ قال: ((رَأَيْتُ النبي ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ)) (٣). وجه الاستدلال: أن في الحديث دليلاً مِنْ فِعل النبي ﷺ على أن السنة عند السجود وضع الركبتين قبل اليدين. نُوقش: بأن الحديث في إسناده مقال، فلا يصلح حجة (٤). أُجيب عنه: بأن الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وصححه جماعة من الحفاظ (٥)، وقال الخطابي ﵀: «حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة» (٦). وحسّنه الترمذي ﵀ في سننه، وقال: «العمل عليه عند أكثر أهل العلم: يرون أن

стр. 420

يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (١). الدليل الثاني: عن سعد بن أبي وقاص ﵁: ((كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَأُمِرْنَا بِالرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ)) (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث «دليل على أن الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين عند السجود منسوخ، وأن وضع الركبتين قبل اليدين ناسخ؛ إذ كان الأمر بوضع اليدين قبل الركبتين مقدماً، والأمر بوضع الركبتين قبل اليدين مؤخراً، فالمقدَّم منسوخ، والمؤخَّر ناسخ» (٣). نُوقش: بأنه لا حجة فيه؛ لأنه ضعيف ظاهر التضعيف (٤)، ولو صح لكان قاطعاً للنزاع، لكنه لم يصح (٥). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فليبْتدئْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُروكَ الْفَحْلِ)) (٦). نُوقش: بأن إسناد الحديث ضعيف، كما تبين في التخريج. الدليل الرابع: ما أُثر من فعل الصحابة ﵃، منها: ((أن عمر ﵁: كَانَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ)) (٧)، و ((عن عبد الله بن مسعود ﵁: أَنَّ رُكْبَتَيْهِ كَانَتَا تَقَعَانِ إِلَى الأرض قَبْلَ

стр. 421

يَدَيْهِ)) (١)، وما أُثر ((عن ابن عمر ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ إِذَا سَجَدَ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا رَفَعَ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ)) (٢). الدليل الخامس: أن الأَولى أن يضع أولاً ما كان أقرب إلى الأرض: فيضع ركبتيه، ثم يديه، وإذا رفع يرفع أولاً ما كان أقرب إلى السماء (٣). الدليل السادس: قالوا: «لأن الجبهة لما كانت أَوْلى الأعضاء رفعاً وكانت آخرها وضعاً، وجب إذا كانت الركبتان آخر الأعضاء رفعاً أن تكون أولها وضعاً، ولأن كل عضو يُرفع قبل صاحبه فإنه يُوضع بعد صاحبه» (٤). الدليل السابع: أن تقديم الركبتين أرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل ورأي العين (٥). الدليل الثامن: أن المنهي عنه بروك كبروك الإبل، والإبل في بروكها تبدأ باليد، فينبغي أن يبدأ المصلي بالرجل (٦). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ)) (٧). الدليل الثاني: ما أُثر ((عن ابن عمر ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ، وعند ابن خزيمة زيادة: وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ)) (٨). وجه الاستدلال: أن الحديث والأثر يدلان على سنية وضع اليدين قبل

стр. 422

الركبتين (١). نُوقش من وجوه: الأول: أن تقديم اليدين على الركبتين منسوخ بحديث سعد بن أبي وقاص (٢). أُجيب عنه: بأن حديث سعد ضعيف. الثاني: أن أول حديث أبي هريرة يخالف آخره؛ لأنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برَك برْك البعير المنهي عنه في أوله (٣). أُجيب عنه: بأن الركبة من الإنسان في الرجلين ومن ذوات الأربع في اليدين، فإذا وضع الرجل ركبته أولاً فقد شابه الجمل في البروك (٤). ورُدّ: بأن هذا وهم وغلط ومخالف لغة وعرفاً (٥). الثالث: أنه رُوي عن أبي هريرة ما يخالف هذه الرواية، فلما اختلفت الروايات عن أبي هريرة ﵁: مرة بتقديم اليدين ومرة بتأخيرهما، كان ينبغي أن ترتفع ويثبت ما رواه وائل بن حجر (٦)، وكذلك اختلفت الرواية عن ابن عمر. الرابع: أن حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة (٧)، وإذا اختلف الحديثان فالعمل على أقواهما أَوْلى (٨). الدليل الثالث: أن هذه الصفة أحسن في خشوع الصلاة ووقارها (٩). الدليل الرابع: أن المصلي يلقى الأرض عن جبهته، ويعتصم بتقديم اليدين على إيلام ركبتيه إذا جثا عليهما (١٠).

стр. 423

الدليل الخامس: أن حديث أبي هريرة أرجح؛ لأن دلالته قولية، وقد تأيد بحديث ابن عمر، أما حديث وائل: فدلالته فعلية (١). نُوقش: بأن الأصل أن فِعله ﷺ لا يعارض قوله الخاص بالأمة (٢). سبب الخلاف: الذي يظهر أن الاختلاف يرجع إلى سببين: الأول: الاختلاف في موضع الركبتين من البعير، هل هي في يديه أم رجليه. الثاني: تعارُض حديث أبي هريرة ﵁ وحديث وائل بن حجر ﵁، واختلفوا في أيهما أثبت: فمنهم مَنْ ذهب إلى أن حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة وهم الجمهور، فقالوا بتقديم الركبتين قبل اليدين، وذهب المالكية إلى أن حديث أبي هريرة أثبت، فقالوا بتقديم اليدين على الركبتين (٣). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بأنه يُستحب تقديم الركبتين على اليدين عند السجود، وهو ما ذهب إليه الجمهور. قال الترمذي ﵀: « … والعمل عليه عند أكثر أهل العلم: يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (٤). أسباب الترجيح: ١ - قوة أدلة هذا القول؛ فحديث وائل بن حجر أثبت، ويؤيده ما ورد من آثار الصحابة ﵃. ٢ - ضعف أدلة القول الثاني؛ لوقوع الاختلاف في حديث أبي هريرة ﵁ وأثر ابن عمر ﵄. ٣ - أن السجود بتقديم الركبتين فيه تحقيقُ مخالفةِ بروك البعير؛ لأنه ينزل بيديه أولاً. ٤ - أنه أرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل ورأي العين.

стр. 424

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم قرينة: المقصد من النهي. إن من الأمور المتقررة في الشريعة النهي عن مشابهة الحيوانات على العموم؛ لعموم الأدلة على تكريم بني آدم؛ ولأنه لم يشّبه بالحيوان إلا على سبيل الذم والتنفير، فإذا نُهي عن التشبه في كل حال ففي الصلاة التي هي أجلّ العبادات أَوْلى. وقد نهى النبي ﷺ المصلي عن مشابهة البعير في بروكه؛ وذلك تعظيماً وتكريماً للإنسان وإرشاداً إلى آداب الصلاة والوقوف بين يدي الملك ﷻ بأحسن هيئة، وتنزيهاً للصلاة عن الهيئة القبيحة، فلا يليق مع عظمة الموقف أن يأتي فيه بمشابهة الحيوانات؛ لما فيها من القبح والنقص. قال ابن القيم ﵀: «نهى النبي ﷺ في الصلاة عن التشبه بالحيوانات: فنهى عن بروك كبروك البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإِقْعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس، فهدْيُ المصلي مخالف لهدْي الحيوانات» (١). وقال الخطابي ﵀: «ذهب أكثر العلماء إلى وضع الركبتين قبل اليدين، وهذا أرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل وفي رأي العين» (٢). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قرينة المقصد من النهي قوية ومعتبرة؛ إذ تكريم بني الإنسان من مقاصد الشريعة الإسلامية؛ فإن الأفضل والأحسن صورة في هيئة الصلاة ألا يشابه المصلي الحيوانات، والله تعالى أعلم.

стр. 425

المبحث الثاني عشر: النهي عن افتراش السباع المطلب الأول: حكم افتراش السباع: دليل النهي: عن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ : يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِساً، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ (١)، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ (٢)، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ)) (٣). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٤) على كراهة افتراش الذراعين حال السجود. قال ابن قدامة ﵀: «الافتراش المنهي عنه في الحديث، وهو أن يضع ذراعيه على الأرض كما تفعل السباع، وقد كرهه أهل العلم» (٥). وقال ابن رجب ﵀: «باب النهي عن افتراش الذراعين في السجود … وقد ذكر الترمذي أن العمل على هذا عند أهل العلم: يختارون الاعتدال في السجود، وهذا يُشعِر بحكاية الإجماع عليه، وهو قول جمهور العلماء». الأدلة:
следующие страницы →