← Фикх общий

Фикх общий · id 933

المسائل الفقهية التي حمل النهي فيها على غير التحريم - من كتاب الطهارة إلى باب صلاة التطوع

جميلة بنت شفيع

Полный текст (520 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

يَدَيْهِ)) (١)، وما أُثر ((عن ابن عمر ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ إِذَا سَجَدَ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا رَفَعَ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ)) (٢). الدليل الخامس: أن الأَولى أن يضع أولاً ما كان أقرب إلى الأرض: فيضع ركبتيه، ثم يديه، وإذا رفع يرفع أولاً ما كان أقرب إلى السماء (٣). الدليل السادس: قالوا: «لأن الجبهة لما كانت أَوْلى الأعضاء رفعاً وكانت آخرها وضعاً، وجب إذا كانت الركبتان آخر الأعضاء رفعاً أن تكون أولها وضعاً، ولأن كل عضو يُرفع قبل صاحبه فإنه يُوضع بعد صاحبه» (٤). الدليل السابع: أن تقديم الركبتين أرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل ورأي العين (٥). الدليل الثامن: أن المنهي عنه بروك كبروك الإبل، والإبل في بروكها تبدأ باليد، فينبغي أن يبدأ المصلي بالرجل (٦). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ)) (٧). الدليل الثاني: ما أُثر ((عن ابن عمر ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ، وعند ابن خزيمة زيادة: وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ)) (٨). وجه الاستدلال: أن الحديث والأثر يدلان على سنية وضع اليدين قبل

стр. 422

الركبتين (١). نُوقش من وجوه: الأول: أن تقديم اليدين على الركبتين منسوخ بحديث سعد بن أبي وقاص (٢). أُجيب عنه: بأن حديث سعد ضعيف. الثاني: أن أول حديث أبي هريرة يخالف آخره؛ لأنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برَك برْك البعير المنهي عنه في أوله (٣). أُجيب عنه: بأن الركبة من الإنسان في الرجلين ومن ذوات الأربع في اليدين، فإذا وضع الرجل ركبته أولاً فقد شابه الجمل في البروك (٤). ورُدّ: بأن هذا وهم وغلط ومخالف لغة وعرفاً (٥). الثالث: أنه رُوي عن أبي هريرة ما يخالف هذه الرواية، فلما اختلفت الروايات عن أبي هريرة ﵁: مرة بتقديم اليدين ومرة بتأخيرهما، كان ينبغي أن ترتفع ويثبت ما رواه وائل بن حجر (٦)، وكذلك اختلفت الرواية عن ابن عمر. الرابع: أن حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة (٧)، وإذا اختلف الحديثان فالعمل على أقواهما أَوْلى (٨). الدليل الثالث: أن هذه الصفة أحسن في خشوع الصلاة ووقارها (٩). الدليل الرابع: أن المصلي يلقى الأرض عن جبهته، ويعتصم بتقديم اليدين على إيلام ركبتيه إذا جثا عليهما (١٠).

стр. 423

الدليل الخامس: أن حديث أبي هريرة أرجح؛ لأن دلالته قولية، وقد تأيد بحديث ابن عمر، أما حديث وائل: فدلالته فعلية (١). نُوقش: بأن الأصل أن فِعله ﷺ لا يعارض قوله الخاص بالأمة (٢). سبب الخلاف: الذي يظهر أن الاختلاف يرجع إلى سببين: الأول: الاختلاف في موضع الركبتين من البعير، هل هي في يديه أم رجليه. الثاني: تعارُض حديث أبي هريرة ﵁ وحديث وائل بن حجر ﵁، واختلفوا في أيهما أثبت: فمنهم مَنْ ذهب إلى أن حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة وهم الجمهور، فقالوا بتقديم الركبتين قبل اليدين، وذهب المالكية إلى أن حديث أبي هريرة أثبت، فقالوا بتقديم اليدين على الركبتين (٣). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بأنه يُستحب تقديم الركبتين على اليدين عند السجود، وهو ما ذهب إليه الجمهور. قال الترمذي ﵀: « … والعمل عليه عند أكثر أهل العلم: يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (٤). أسباب الترجيح: ١ - قوة أدلة هذا القول؛ فحديث وائل بن حجر أثبت، ويؤيده ما ورد من آثار الصحابة ﵃. ٢ - ضعف أدلة القول الثاني؛ لوقوع الاختلاف في حديث أبي هريرة ﵁ وأثر ابن عمر ﵄. ٣ - أن السجود بتقديم الركبتين فيه تحقيقُ مخالفةِ بروك البعير؛ لأنه ينزل بيديه أولاً. ٤ - أنه أرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل ورأي العين.

стр. 424

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم قرينة: المقصد من النهي. إن من الأمور المتقررة في الشريعة النهي عن مشابهة الحيوانات على العموم؛ لعموم الأدلة على تكريم بني آدم؛ ولأنه لم يشّبه بالحيوان إلا على سبيل الذم والتنفير، فإذا نُهي عن التشبه في كل حال ففي الصلاة التي هي أجلّ العبادات أَوْلى. وقد نهى النبي ﷺ المصلي عن مشابهة البعير في بروكه؛ وذلك تعظيماً وتكريماً للإنسان وإرشاداً إلى آداب الصلاة والوقوف بين يدي الملك ﷻ بأحسن هيئة، وتنزيهاً للصلاة عن الهيئة القبيحة، فلا يليق مع عظمة الموقف أن يأتي فيه بمشابهة الحيوانات؛ لما فيها من القبح والنقص. قال ابن القيم ﵀: «نهى النبي ﷺ في الصلاة عن التشبه بالحيوانات: فنهى عن بروك كبروك البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإِقْعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس، فهدْيُ المصلي مخالف لهدْي الحيوانات» (١). وقال الخطابي ﵀: «ذهب أكثر العلماء إلى وضع الركبتين قبل اليدين، وهذا أرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل وفي رأي العين» (٢). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قرينة المقصد من النهي قوية ومعتبرة؛ إذ تكريم بني الإنسان من مقاصد الشريعة الإسلامية؛ فإن الأفضل والأحسن صورة في هيئة الصلاة ألا يشابه المصلي الحيوانات، والله تعالى أعلم.

стр. 425

المبحث الثاني عشر: النهي عن افتراش السباع المطلب الأول: حكم افتراش السباع: دليل النهي: عن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ : يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِساً، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ (١)، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ (٢)، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ)) (٣). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٤) على كراهة افتراش الذراعين حال السجود. قال ابن قدامة ﵀: «الافتراش المنهي عنه في الحديث، وهو أن يضع ذراعيه على الأرض كما تفعل السباع، وقد كرهه أهل العلم» (٥). وقال ابن رجب ﵀: «باب النهي عن افتراش الذراعين في السجود … وقد ذكر الترمذي أن العمل على هذا عند أهل العلم: يختارون الاعتدال في السجود، وهذا يُشعِر بحكاية الإجماع عليه، وهو قول جمهور العلماء». الأدلة:

стр. 426

الدليل الأول: حديث عائشة ﵂ المتقدم وفيه: (وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((اعْتَدِلُوا (١) فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ)) (٢). الدليل الثالث: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ، وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ)) (٣). وجه الاستدلال: أن في هذه الأحاديث نهَى النبي ﷺ المصلي عن وضع ذراعيه حال السجود على الأرض كما تفعل السباع والكلاب، وحمل أهل العلم النهي على الكراهة؛ للتنزيه (٤). الدليل الرابع: أن الافتراش من صفات الكاسل والمتراخي المتهاون بحاله، مع ما فيها من التشبه بالسباع والكلاب (٥). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم إلى الكراهة:

стр. 427

القرائن التالية: القرينة الأولى: المقصد من النهي. فالمقصد من النهي: التنفير من هذه الهيئة التي لا تناسب الصلاة؛ فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركُه محافظةً على الهيئة المشروعة في الصلاة، ويقصد به أيضاً تكريم بني الإنسان وهذا مقصد من مقاصد الشريعة. أشار ابن دقيق العيد ﵀ إلى مقصد التنفير؛ حيث يقول: «قد ذُكر في هذا الحديث الحكم مقروناً بعلته؛ فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركُه في الصلاة، ومِثل هذا التشبيه: أن النبي ﷺ لما قصد التنفير عن الرجوع في الهبة قال: ((مَثَلُ الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه)) (١) أو كما قال» (٢). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. ذلك أن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد للتنزيه؛ فالنهي عن افتراش الذراعين فيه: إرشاد لأدب الصلاة، وتنزيه لها عما لا يليق من الهيئات، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (٣). قال النووي ﵀: «مقصود أحاديث الباب أنه ينبغي للساجد أن يضع كفيه على الأرض، ويرفع مرفقيه عن الأرض وعن جنبيه رفعاً بليغاً بحيث يظهر باطن إبطيه إذا لم يكن مستوراً، وهذا أدب مُتفَق على استحبابه … والنهي للتنزيه» (٤). والمعنى في ذلك: تنوعت أقوال العلماء في العلة من النهي، منها ما ذكره القاضي عياض ﵀، وتبعه مَنْ

стр. 428

بعده (١): ١ - أنه إذا رفع المصلي يديه عن الأرض وجافاهما، كان اعتماده عليهما؛ فيخف اعتماده حينئذ عن وجهه، ولم يتأذَّ بما يلاقيه من الأرض، ولا أثر في جبهته وأنفه، فلا يتشوش في الصلاة. ٢ - أن فيه استعمالَ كلِّ عضو في الصلاة بأدبه الخاص. ٣ - أنه أشبه بهيئة الصلاة والتواضع. ٤ - أن الافتراش من صفات الكاسل والمتراخي المتهاون بصلاته. ٥ - أن فيها التشبه بالحيوانات، وذلك غاية في القبح. الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قرينة المقصد من النهي قوية ومعتبرة؛ إذ المسلم مُطالَب بالترفع عن مشابهة الحيوانات، ومُطالَب بالمحافظة على الصلاة بهيئتها الشرعية التي جاءت عن النبي ﷺ ، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة تصرف النهي عن التحريم؛ فإنه من الأدب وحسن الهيئة في الصلاة والوقوف بين يدي الله: ألا يشابه المصلي الحيوانات في هيئاتها، وهي داخلة في جملة آداب الصلاة الأخرى، والله تعالى أعلم.

стр. 429

المبحث الثالث عشر: النهي عن الإقعاء في الصلاة المطلب الأول: حكم الإقعاء (١) في الصلاة: دليل النهي: عن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ : يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ … وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ (٢) (٣). وعن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يَا عَلِيُّ، إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)) (٤). صورة المسألة: الإقعاء له معانٍ عدة، وأشهرها معنيان: الأول: أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه -زاد أهل اللغة: ويضع يديه على الأرض- كما يُقعِي الكلب (٥).

стр. 430

وهو تفسير أهل اللغة (١)، قال ابن عبد البر ﵀: «وهذا إقعاء مجتمع عليه، لا يختلف العلماء فيه، وهو تفسير أهل اللغة وطائفة من أهل الفقه» (٢). وقال السرخسي ﵀: « … وهذا أصح؛ لأن إقعاء الكلب يكون بهذه الصفة، إلا أن إقعاء الكلب يكون في نصب اليدين، وإقعاء الآدمي يكون في نصب الركبتين إلى صدره» (٣). الثاني: هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين (٤)، ونُسب إلى الفقهاء (٥). وقد اختلف العلماء في تفسير (عقبة الشيطان) المنهي عنه في حديث عائشة ﵂، فمنهم مَنْ فسَّره بالإقعاء على المعنى الأول (٦)، ومنهم مَنْ فسَّره بالإقعاء على المعنى الثاني (٧). والمراد بالمسألة: ما حكم جلوس المصلي بين السجدتين على هيئة الإقعاء؟ تحرير محل النزاع: أولاً: اتفق الفقهاء من: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، والشافعية (١٠)، والحنابلة (١١) على أن الإقعاء -بالمعنى الأول- ليست من هيئات الصلاة، وأنها مكروهة؛ للنهي عنها، ولأنها

стр. 431

تشبُّه بالحيوان، ولأن فيها ترك الجلسة المسنونة. قال النووي ﵀: «عقبة الشيطان هو الإقعاء الذي فسرناه (المعنى الأول)، وهو مكروه باتفاق العلماء بهذا التفسير الذي ذكرناه» (١). وقال ابن رشد ﵀ في (بداية المجتهد): «اتفق العلماء على كراهية الإقعاء في الصلاة؛ لما جاء في الحديث من النهي أن يقعي الرجل في صلاته كما يقعي الكلب، إلا أنهم اختلفوا فيما يدل عليه الاسم: فبعضهم رأى أن الإقعاء المنهي عنه هو جلوس الرجل على أليتيه في الصلاة ناصباً فخذيه مثل: إقعاء الكلب والسبع، ولا خلاف بينهم أن هذه الهيئة ليست من هيئات الصلاة» (٢). وقال ابن قدامة ﵀: «الإِقْعَاء عند العرب: جلوس الرجل على أليتيه ناصباً فخذيه، مثل: إقعاء الكلب والسبع، ولا أعلم أحداً قال باستحباب الإقعاء على هذه الصفة» (٣). ثانياً: اختلف الفقهاء في حكم الإقعاء بالمعنى الثاني، على قولين: القول الأول: يُستحب، وهو سنة. وهو قول عند الشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد ﵀ (٥). القول الثاني: يُكره. وهو مذهب الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والمشهور من مذهب الشافعية (٨)، وهو المذهب عند الحنابلة (٩). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول:

стр. 432

الدليل الأول: ((سُئل ابن عباس ﵄ عن الإقعاء على القدمين، فقال: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ ) (١). الدليل الثاني: وعنه قال: ((مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَضَعَ أَلْيَتَيْكَ عَلَى عَقِبَيْكَ فِي الصَّلَاةِ)) (٢). الدليل الثالث: عن ابن عمر ﵄: ((أَنه كَانَ إِذا رفع رَأسه من السَّجْدَة الأولَى يقْعد عَلَى أَطْرَاف أَصَابِعه، وَيَقُول: إِنَّه من السُّنَة)) (٣). وجه الاستدلال: أن في قول ابن عباس وابن عمر دليلاً يثبت أن هذه الهيئة هي سنة عن النبي ﷺ في الجلوس بين السجدتين، وقد فسَّرها في الأثر الآخر (٤)، وليست هي الإقعاء المنهي عنه (٥)، وقول الصحابي: (سنة) يُفهم منه أن المقصود سنة النبي ﷺ ؛ فهم نقلة الشريعة إلى الأمة، «والسنة إذا أُطلقت فهي سنة رسول الله حتى تُضاف إلى غيره» (٦). الدليل الرابع: في الأثر: ((أَنّ العَبادِلَةَ الثَّلاثَةَ: عبدَ اللَّهِ بنَ عباسٍ وعَبدَ اللَّه بنَ عمرَ وعَبدَاللَّه بنَ الزُّبَيرِ يَفعَلونَه)) (٧). وجه الاستدلال: أن الصحابة كانوا يفعلونه، ويراهم غيرهم من الصحابة، ولا ينكرونه؛ فدل على أنه سنة (٨). نُوقشت الأدلة:

стр. 433

أولاً: بأن أحاديث الإباحة منسوخة بأحاديث النهي، والأشبه أن مَنْ روى أنها من السنة لم يعلم ما ورد من الأحاديث الناسخة التي فيها النهي عن الإقعاء (١). ثانياً: أنه جاء عن ابن عمر ﵄ أنه كان يفعل ذلك؛ لتقدمه في العمر وضعفه، ويقول: لا تقتدوا بي (٢). وقد جاء بيانه في الأثر عنه: ((أنه يَرْجِعُ فِي سَجْدَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ذَكَرَ لَهُ ذلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أَفْعَلُ هذَا مِنْ أَجْلِ أَنِّي أَشْتَكِي)) (٣). أُجيب عنه: أولاً: بأن القول بالنسخ فاسد؛ لأن النسخ لا يُصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، وعلمنا التاريخ، ولم يتعذر هنا الجمع بل أمكن، ولم يُعلم أيضاً التاريخ، فكيف يثبت النسخ؟! (٤). ثانياً: غلط مَنْ توهم أن الإقعاء نوع واحد، إنما هو نوعان، والمنهي عنه محمول على المعنى الأول، وهو أن يضع أليتيه على الأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه علي الأرض، وهو مكروه باتفاق العلماء، وهو غير ما صح عن ابن عباس وابن عمر أنه سنة، فذلك الإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه قاعداً عليها وعلى أطراف أصابع رجليه. وقد نص الشافعي على استحبابه بين السجدتين؛ فهو سنة، والافتراش (٥) سنة، لكن الصحيح أن الافتراش أفضل منه؛ لكثرة الرواة له، ولأنه أعون للمصلي، وأحسن في هيئة الصلاة، وبهذا يُجمع بين الأحاديث (٦).

стр. 434

ثالثاً: أن حمل الإقعاء المنهي عنه على المعنى الأول الذي فسره به أهل اللغة هو الصحيح؛ لأن الأسماء التي لم تثبت لها معانٍ شرعية يجب أن تُحمل على المعنى اللغوي؛ حتى يثبت لها معنى شرعي، بخلاف الأمر في الأسماء التي تثبت لها معانٍ شرعية، ولأن أحاديث النهي والمعارض لها ترشد إلى ذلك؛ لما فيها من التصريح بإقعاء الكلب، ولما في أحاديث العبادلة من التصريح بالإقعاء على القدمين وعلى أطراف الأصابع (١). رابعاً: أن قول ابن عباس: (مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَضَعَ أَلْيَتَيْكَ عَلَى عَقِبَيْكَ فِي الصَّلَاةِ): «يُثبِت هذا المعنى سنة، وهو الذي نفاه ابن عمر عن السنة، والمثبت أَولى من النافي من جهة النظر ومن جهة الأثر أيضاً؛ لأن الحديث المسند إنما فيه أن يقعي الرجل كما يقعي الكلب، والكلب إنما يقعد على أليته ورجلاه من كل ناحية» (٢). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ : يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ … وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ)) (٣). الدليل الثاني: عن عليٍّ ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يَا عَلِيُّ، إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ)) (٤). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: ((أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِثَلَاثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلَاثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ)) (٥)، وجاء في رواية: (( … وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْقِرْدِ … )) (٦). الدليل الرابع: عن سمرة بن جندب ﵁ قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْإِقْعَاءِ فِي

стр. 435

الصَّلَاةِ)) (١). الدليل الخامس: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : ((إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ، ضَعْ أَلْيَتَيْكَ بَيْنَ قَدَمَيْكَ، وَأَلْزِقْ ظَاهِرَ قَدَمَيْكَ بِالأرض)) (٢). وجه الاستدلال من الأحاديث: أن النبي ﷺ نهى عن عقبة الشيطان، وهو الإقعاء المنهي عنه في الأحاديث الأخرى، وفُسر الإقعاء بأن يفرش قدميه ويجلس بأليتيه على عقبيه، وقال بكراهته عامة أهل العلم (٣)؛ لأن سنة الصلاة أن يكون جلوسه بين السجدتين كهيئة جلوسه في التشهد (٤)، والعدول عن هيئة جلوسه ﷺ إلى نوع آخر في غاية من قلة الأدب، ولما فيه من التشبه بالكلاب (٥). نُوقش من وجهين: الأول: أن حديث علي وحديث أنس ضعيفان متكلم في إسنادهما، وحديث عائشة صحيح وفيه النهي عن عقبة الشيطان، وهو محمول على الإقعاء بالمعنى الأول كما فسره أهل اللغة (٦)، وما صح من أحاديث النهي فهي محمولة على هذا المعنى. الثاني: أن الصواب والصحيح أن الإقعاء المنهي عنه هو الإقعاء بمعناه عند أهل اللغة؛ لأن إقعاء الكلب يكون بهذه الصفة، وهو غير الإقعاء المسنون (٧)، ولأن الأسماء التي لم تثبت لها معانٍ شرعية يجب أن تُحمل على المعنى اللغوي حتى يثبت لها معنى

стр. 436

شرعي، بخلاف الأمر في الأسماء التي تثبت لها معانٍ شرعية (١). الدليل السادس: قال أبو حميد الساعدي ﵁ (٢): أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ : ((فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ)) (٣). وجه الاستدلال: أن الثابت عن النبي ﷺ في جلسات الصلاة التي واظب عليها هما صفتا: الافتراش والتورك، لا الإقعاء، وهو الذي نقله أكثر الصحابة. أجيب عن الاستدلال: بأنه لا تعارض بين الأحاديث، ويمكن الجمع بين الأحاديث بأن النبي ﷺ كانت له في الصلاة أحوال: حال يفعل فيها هذا، وحال يفعل فيها ذاك كما كانت له أحوال في تطويل القراءة وتخفيفها وغير ذلك. وكان يفعل العبادة على نوعين أو أنواع؛ ليبين الرخصة والجواز بمرة أو مرات قليلة، ويواظب على الأفضل بينهما على أنه المختار والأَولى. فالحاصل أن الإقعاء الذي رواه ابن عباس فعله النبي ﷺ ، وفعل ﷺ ما رواه أبو حميد من جهة الافتراش، فكلاهما سنة، ومواظبته ﷺ على الافتراش يدل على أنها أفضل وأرجح مع أن الإقعاء سنة أيضاً (٤). سبب الخلاف: «سبب اختلافهم: هو تردد اسم الإقعاء المنهي عنه في الصلاة بين أن يدل على المعنى اللغوي أو يدل على معنى شرعي: (أعني: على هيئة خصها الشرع بهذا الاسم): فمَن رأى أنه يدل على المعنى اللغوي قال: هو إقعاء الكلب، ومَن رأى أنه يدل على معنى شرعي

стр. 437

قال: إنما أُريد بذلك إحدى هيئات الصلاة المنهي عنها» (١). الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بأنه يُستحب الجلوس بين السجدتين: بأن يضع أليتيه على عقبيه قاعداً عليها، وأنها سنة، وليس هو الإقعاء المنهي عنه، والأفضل في الجلوس الافتراش؛ لمواظبته ﷺ عليها. أسباب الترجيح: ١ - قوة أدلة هذا القول، وسلامتها من المعارضة الصحيحة. ٢ - أن النهي محمول على المعنى الأول؛ لأن الصواب أن تُفسر الأسماء على المعنى اللغوي ما لم يرد لها وضع في الشرع. ٣ - ضعف أدلة القائلين بالكراهة على هذا المعنى، وورود المناقشة عليها. ٤ - أن فيه الجمع بين الأدلة الصحيحة الثابتة، والجمع -إن أمكن- أَولى من النسخ. المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبيَّن فيما سبق أن الفقهاء اتفقوا على كراهة الإقعاء كإقعاء الكلب، الذي فسره أهل اللغة، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي عن التحريم القرائن التالية: القرينة الأولى: المقصد من النهي. فالمقصد من النهي تكريم الإنسان عن مشابهة الحيوان، وكذلك يُقصد منه التنفير من هذه الهيئة التي لا تناسب الصلاة؛ فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركُه محافظةً على الهيئة المشروعة في الصلاة، والله أعلم. وذلك في قوله: (وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ) وقوله: (وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْقِرْدِ). أشار إلى هذا المقصد ابن دقيق العيد ﵀ عند شرح حديث الافتراش (٢)، وسبق نقل كلامه في مبحث النهي عن الافتراش. القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد.

стр. 438

ذلك أن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد للتنزيه؛ فالنهي عن مشابهة الحيوانات في هيئات الصلاة فيه إرشاد إلى: مكارم الأخلاق، والآداب الشرعية للصلاة، والوقوف بين يدي الله ، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (١). ومما أشار إليه العلماء في العلة من النهي عن الإقعاء (٢): ١ - أن الإقعاء منهي عنه؛ لما فيه من قبح الهيئة في التشبه بالكلاب والقردة. جاء في (تحفة المحتاج): «وحكمة كراهته ما فيه من التشبه بالكلاب والقردة» (٣). ٢ - أن فيها تركَ سنةِ الافتراش المسنونة في الجلوس. جاء في (المبدع): «يُكره الإقعاء في الجلوس؛ … لأنه يتضمن ترك الافتراش المسنون فعلاً وقولاً، فكان مكروهاً» (٤). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قرينة المقصد من النهي قوية ومعتبرة؛ إذ الإنسان مُكرم، فينبغي له الترفع عن مشابهة أهل النقص، وينزه صلاته عنها، وأن يحافظ على الصلاة بهيئتها الشرعية التي جاءت عن النبي ﷺ . وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ فإنه من الأدب والمكارم ألا يشابه المصلي الحيوانات في هيئاتها، وهي داخلة في جملة آداب الصلاة الأخرى، والله أعلم.

стр. 439

المبحث الرابع عشر: النهي عن كفِّ المصلي الشعرَ والثيابَ أثناء الصلاة المطلب الأول: حكم كفِّ المصلي الشعرَ والثيابَ أثناء الصلاة: دليل النهي: عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ- وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ (١) (٢)، وفي رواية: ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَراً وَلَا ثَوْباً)) (٣). حكم المسألة: اتفق الفقهاء (٤) على كراهة كف الشعر والثياب أثناء الصلاة؛ للنهي عنه كما في حديث ابن عباس ﵄، ولأنه يسجد مع المصلي، ولما في كفِّه من التكبر المنافي للخشوع والخضوع (٥). قال النووي ﵀: «اتفق العلماء علي النهي عن الصلاة وثوبه مشمر، وكمه أو نحوه أو ورأسه مَعْقُوص (٦)، أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك، فكل هذا مكروه باتفاق العلماء، وهي كراهة تنزيه» (٧). قال ابن قدامة ﵀ في (الشرح الكبير): «يُكره أن يكف شعره أو ثيابه … ولا نعلم بين

стр. 440

أهل العلم في كراهية هذا كله خلافاً» (١). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن الصارف للنهي القرائن التالية: القرينة الأولى: الإشارة إلى علة النهي في نص آخر. وذلك في حديث ابن عباس ﵄: أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ، فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأْسِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ (٢) (٣)، ففي الحديث تشبيه مَنْ يصلي معقوص الشعر بالذي يصلي مكتوف اليدين؛ لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود، فكذلك مَنْ كفَّ شعره وثوبه. ويتبين بهذا أن علة النهي هي أنهما يسجدان معه، وهي علة لا تقتضي التحريم (٤). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. أن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد للتنزيه؛ إذ النهي عن كف الشعر والثوب فيه إرشادٌ للأكمل والأفضل في هيئة المصلي، وحث على آداب الصلاة، والنهي في باب الأدب محمول على الكراهة (٥). قال النووي ﵀: «فكل هذا مكروه باتفاق العلماء، وهي كراهة تنزيه» (٦). وقال ابن رجب: «كف الشعر مكروه كراهة تنزيه عند أكثر الفقهاء» (٧). وقال العيني ﵀: «اتفق العلماء على النهي عن الصلاة وثوبه مشمر، أو كمه أو

стр. 441

رأسه معقوص، أو مردود شعره تحت عمامته أو نحو ذلك، وهو كراهة تنزيه» (١). ومما ذكره العلماء في علة النهي: ١ - أن الشعر يسجد مع المصلي (٢). ٢ - أن في الكف تجبراً وتكبراً منافياً للخشوع المطلوب في الصلاة (٣). قال ابن رجب ﵀: «قال الإمام أحمد: إذا صلى فلا يرفعن ثوبه ولا شعره ولا شيئاً من ذلك؛ لأنه يسجد» (٤). الحكم على القرينة: القرينة الأولى قرينة قوية ومعتبرة؛ لقوتها في أصلها؛ فهي قرينة نصية صحيحة، ولقوتها في دلالتها على علة النهي، وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة؛ لاعتبار ما ذُكر من المعاني ومناسبته للنهي والتنزيه؛ فالقرائن قوية ولا سيما مع عدم ما يعارضها، ولمشابهة النهي لجملة آداب الصلاة، والله تعالى أعلم.

стр. 442

المبحث الخامس عشر: النهي عن اعتماد المصلي على يديه إذا نهض في الصلاة المطلب الأول: حكم اعتماد المصلي على يديه إذا نهض في الصلاة: دليل النهي: عن ابن عمر ﵄: ((أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ)) (١). صورة المسألة: إذا أراد المصلي أن ينهض من السجود أو الجلوس إلى القيام، فكيف ينهض؟ وما حكم اعتماده على يديه عند النهوض؟ تحرير محل النزاع: أولاً: اتفق الفقهاء (٢) على أن مَنْ شقَّ عليه النهوض لِكِبَر، أو ضعف، أو مرض، أو سمن ونحوه، فإنه يُسن له الاعتماد بيديه على الأرض عند النهوض. الأدلة: الدليل الأول: عن علي ﵁ قال: ((إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ إِذَا نَهَضَ

стр. 443

الرَّجُلُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ أَلَا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الأرض إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخاً كَبِيراً لَا يَسْتَطِيعُ)) (١). وجه الاستدلال: أن قوله: (من السنة) دليل على أن الاعتماد باليدين على الأرض عند النهوض في حال العذر من كبر أو ضعف، لا يُكره، بل هو السنة، لمشقة القيام دون الاعتماد في هذه الحال، ويؤيده قوله ﷺ : ((لَا تُبَادِرُونِي فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ فَإِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ (٢) (٣) (٤). قال ابن قدامة ﵀: «إذا شق عليه النهوض على الصفة التي ذكرناها، فلا بأس باعتماده على الأرض بيديه، لا نعلم أحداً خالف في هذا» (٥). الدليل الثاني: يمكن أن يُستدل له بقاعدة: المشقة تجلب التيسير (٦). ثانياً: اختلف الفقهاء في حكم نهوض المصلي معتمداً على يديه، في غير حال المشقة، على قولين: القول الأول: يُكره الاعتماد على اليدين عند النهوض. وهو مذهب الحنفية (٧)، والحنابلة (٨).

стр. 444

القول الثاني: يُستحب الاعتماد. وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن وائل بن حجر ﵁ قال: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ)) (٣)، وفي رواية: ((وإذا نهضَ نهضَ على رُكْبتيهِ، واعتمدَ على فَخِذِه)) (٤). وجه الاستدلال: أن في قوله: (رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ) دلالة على أنه ﷺ يرفع يديه أولاً، ولا يعتمد عليها عند القيام، وفي الرواية الأخرى دلالة على النهوض على الركبتين والاعتماد على الفخذين، لا على الأرض بيديه (٥). فالرواية الأخرى موافقة لما قبلها؛ «لأنه إذا رفع يديه تعيَّن نهوضه على ركبتيه؛ إذ لم يبق ما يعتمد عليه غيرهما، وقوله: واعتمد على فخذه، أي: اعتمد بيده على فخذه، يستعين بذلك على النهوض» (٦)، فدل فِعله ﷺ على كراهة الاعتماد عند النهوض. نُوقش: بأن الحديث ضعيف (٧). أُجيب عنه: بأن حديث وائل بالرواية الأولى صحَّحه جماعات من الحفاظ، وتبيَّن ذلك في تخريجه.

стр. 445

الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄: ((أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ)) (١). وجه الاستدلال: أن الحديث يدل على النهي عن الاتكاء على اليدين حال النهوض، بل ينهض على صدور قدميه من غير اعتماد على الأرض (٢)، والنهي محمول على الكراهة؛ لدلالة فِعله ﷺ سيأتي عند ذكر أدلة القول الثاني-، وحُمل على بيان الجواز أو على حالة الكِبَر والضعف (٣). نُوقش: بأن حديث النهي ضعيف (٤). يمكن أن يُجاب عنه: بأن الحديث يتقوَّى بشواهده كما تبين في التخريج، ويؤيده أن عليه العمل عند أهل العلم. «لا شك أن الرواية إذا كثرت تنتقل من الضعف إلى القوة، كيف وقد حسن الترمذي الحديث الذي في الأصل (يقصد: حديث وائل)، وصححه الحاكم، وابن حبان» (٥). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ)) (٦). وجه الاستدلال: أن في قوله: (عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ) إشارة إلى أنه لا يعتمد بيديه على الأرض عند قيامه كما لا يعتمد على جالس بين يديه، والمعنى: أنه اعتماد من غير

стр. 446

حاجة؛ فكان مكروهاً (١). نُوقش: بأن الحديث ضعيف؛ لضعف راويه (٢). أجيب عنه: أن الترمذي ضعَّف راوي الحديث، ومع ضعفه يكتب حديثه، وقول الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم، يقتضي قوة أصله، وإن ضعف خصوص هذا الطريق، وهو كذلك (٣)، ومما يقويه أيضاً ما رُوي عن الصحابة أنهم كانوا ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم (٤). الدليل الرابع: ما رُوي عن الصحابة أنهم كانوا يقومون على صدور أقدامهم: فقد رُوي أنه: ((كَانَ عَلِيٌّ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ))، وقال أحد الرواة: ((رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، إِذَا سَجَدَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ قَامَ كَمَا هُوَ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ))، ورُوي: ((أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيّاً وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَنْهَضُونَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ أَقْدَامِهِمْ))، ورُوي: ((عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ)) (٥). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث مالك بن الحويرث ﵁ (٦)، وفيه: ((وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأرض، ثُمَّ قَامَ)) (٧). وجه الاستدلال: أن في حكاية صفة قيام النبي ﷺ واعتماده عند القيام، دليلاً

стр. 447

على استحباب الاعتماد باليدين على الأرض حين ينهض إلى الركعة الثانية وغيرها (١). نُوقش: بأن حديث مالك محمول على أن ذلك كان من النبي ﷺ لمشقة القيام عليه؛ لضعفه وكبره، فمالك قدم على النبي ﷺ في آخر عمره، ومما يدل على حمله على المشقة: قوله ﵇: ((لَا تُبَادِرُونِي فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ)) (٢)، أو يُحمل على أنه ﷺ فعله تشريعاً وبياناً للجواز؛ جمعاً بين الأدلة (٣). الدليل الثاني: عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ)) (٤). وجه الاستدلال: أنه لما أمر ﷺ أن يضع يديه بالأرض قبل ركبتيه في سجوده لئلا يشبه البعير في بروكه، وجب بدليل قوله أن يضع يديه بالأرض إذا قام؛ لئلا يشبه البعير في قيامه (٥). يمكن أن يُناقش: بأن مسألة النهي عن البروك كبروك البعير محل خلاف، فلا يصلح الاحتجاج بها، ولحديث أبي هريرة رواية أخرى مخالفة لهذه الرواية. الدليل الثالث: قال الراوي: ((رأيتُ ابْنَ عُمَرَ يَنْهَضُ في الصلاةِ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ)) (٦). يمكن أن يُناقش: بأنه رُوي عنه وعن جمع من الصحابة خلاف ذلك أيضاً، فترجح رواية الأكثرية، ويُحمل على أنه فعله عند الكبر. الدليل الرابع: أن النهوض مع الاعتماد أولى؛ لأنه أزين في أدب الصلاة، وأبلغ في الخشوع والتواضع وأعون للمصلي (٧).

стр. 448

سبب الخلاف: الخلاف في هذه المسألة له تعلق بالخلاف السابق في مسألة النهي عن البروك كبروك البعير، وله سبب آخر هو: تعارض أحاديث النهوض بلا اعتماد والنهي عن ذلك مع حديث مالك بن الحويرث في صفة صلاة النبي ﷺ ، وذكر فيه الاعتماد، وهو من باب تعارض القول والفعل. الترجيح: بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الاعتماد على اليدين عند النهوض بلا عذر. أسباب الترجيح: ١ - أنه القول الوسط الذي به تجتمع الأدلة، والجمع بين الأدلة أَولى من إهمال بعضها. ٢ - أنه اتفق أكابر الصحابة الذين كانوا: أقرب إلى رسول الله ﷺ ، وأشد اقتفاء لأثره، وألزم لصحبته من مالك بن الحويرث ﵁، على خلاف ما قال، فوجب تقديمه (١). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: تبين فيما سبق أن أصحاب القول الأول حملوا النهي على الاعتماد على اليدين حال النهوض على الكراهة لا التحريم، والذي يظهر من كلام أهل العلم أن القرينة الصارفة له عن التحريم: ورود النص، وفيه فِعله ﷺ للمنهي عنه. وذلك في حديث مالك بن الحويرث ﵁ أنه ﷺ اعتمد على الأرض ثم قام، ويُحمل على أنه فعله تشريعاً وبياناً للجواز، أو أنه فعله لكبره ومشقة القيام عليه. قال علي القاري ﵀ (٢): «يمكن حمله على بيان الجواز، أو على حالة الكبر، وهو

стр. 449

أوفى بالتأويل» (١). وقال ابن الهمام ﵀: «التوفيق أَولى، فيُحمل ما رواه (مالك بن الحويرث) على حالة الكبر» (٢). الحكم على القرينة: قرينة فِعله ﷺ قرينة قوية؛ لقوتها في أصلها، فهي قرينة نصية صحيحة، ولدلالتها على بيان الجواز في بعض الأحوال، فأفادت هذه القرينة أن النهي ليس للتحريم، والله تعالى أعلم.

стр. 450

المبحث السادس عشر: النهي عن جلوس المصلي في الصلاة وهو معتمد على يديه المطلب الأول: حكم جلوس المصلي في الصلاة وهو معتمد على يديه: دليل النهي: عن ابن عمر ﵄: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُعْتَمِد عَلَى يَدَيْهِ (١) (٢). صورة المسألة: ماحكم اعتماد المصلي على يده والاتكاء بها على الأرض بلا حاجة حال جلوسه في الصلاة؟ حكم المسألة: يُكره للمصلي أن يجلس في صلاته وهو معتمد على يديه لغير حاجة؛ للنهي عنه في حديث ابن عمر ﵄. وهو مذهب الحنابلة (٣) (٤). قال ابن قدامة ﵀: «يُكره أن يعتمد على يده في الجلوس» (٥). وقال البهوتي ﵀: «يُكره اعتماده على يده في جلوسه من غير حاجة تدعو إليه» (٦).

стр. 451

المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: لعل الصارف للنهي عن التحريم هي القرائن التالية: القرينة الأولى: قرينة نصية بينت علة النهي. فالنبي ﷺ نهى عن الجلوس في الصلاة بهذه الهيئة، وعلل بأنها تشبه جلسة الذين يعذبون؛ تنفيراً وتنزيهاً للمصلي عن مشابهتهم، وذلك في حديث ابن عمر ﵄: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا سَاقِطاً يَدَهُ (١) فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا تَجْلِسْ هَكَذَا، إِنَّمَا هَذِهِ جِلْسَةُ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ)) (٢). القرينة الثانية: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد. لم ينص فقهاء الحنابلة على صارف النهي عن التحريم، في حين أن ذِكرهم للمسألة في باب مكروهات الصلاة، وإطلاق الكراهة عليها يشير إلى أن النهي جاء في باب الأدب والإرشاد؛ إذ إطلاق الكراهة عند الحنابلة ينصرف إلى التنزيه (٣). فالنهي أُريد به المحافظة على أدب الصلاة وهيئتها المشروعة، والتنزيه عما لا يليق بها من الهيئات، والنهي في باب الأدب والإرشاد محمول على الكراهة (٤). والعلة من النهي: ١ - أن الجلوس مع الاعتماد باليدين على الأرض تشبه هيئة وجلوس المعذبين؛ فيكره تنزيهاً عن مشابهتهم. قال العيني ﵀: « … لأنه يشبه جلوس المعذبين» (٥). ٢ - ويمكن أن يكون من المعنى أيضاً: ما في الاعتماد على اليد من هيئة الكسل التي تُنزه عنها الصلاة.

стр. 452

الحكم على القرينة: القرينة النصية قرينة قوية؛ لثبوتها ودلالتها على موضوع المسألة وعلتها، فهي قرينة معتبرة. وقرينة ورود النهي في باب الأدب والإرشاد قرينة معتبرة صارفة للنهي عن التحريم، والتنزيه عن هيئة المعذبين أو الكسالى معنى مناسب لباب الأدب والإرشاد، والله تعالى أعلم.

стр. 453

المبحث السابع عشر: النهي عن مسح الحصى من موضع السجود، والعبث أثناء الصلاة المطلب الأول: حكم مسح الحصى من موضع السجود، والعبث (١) أثناء الصلاة: دليل النهي: عن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى)) (٢). صورة المسألة: في المسألة صورتان: الأولى: العبث في الصلاة على وجه العموم. والثانية: مسح الحصى في الصلاة، وهي صورة من صور العبث. حكم المسألة: أولا: اتفق الفقهاء (٣) على كراهة العبث في الصلاة. وحكي الإجماع على ذلك (٤). قال ابن عبد البر ﵀: « … وفي هذا الحديث النهي عن اللعب بالحصباء والعبث بها في الصلاة، وهو أمر مجتمع عليه، وكذلك غير الحصباء» (٥). وقال ابن قدامة ﵀: «يُكره العبث كله، وما يشغل عن الصلاة، ويذهب بخشوعها، وقد رُوي ((أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يعبث في الصلاة، فقال: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا

стр. 454

لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ)) (١)، ولا نعلم بين أهل العلم في كراهة هذا كله اختلافاً» (٢). الأدلة: الدليل الأول: عن علي بن عبد الرحمن الْمُعَاوِيِّ (٣)، أنه قال: رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة، فلما انصرف نهاني، فقال: اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع، فقلت: وكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ ((كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى)) (٤). وجه الاستدلال: أن في نهي ابن عمر للمعاوي دليلاً على كراهة العبث في الصلاة وتحريك اليد لغير حاجة؛ لأن السنة أن لليدين موضعاً وعملاً تشتغلان به في الصلاة كما أرشد إليه ابن عمر، ولم يأمر المعاوي بإعادة الصلاة؛ لأن ذلك -والله أعلم- كان منه يسيراً لم يشغله عن صلاته، ولا عن إقامة شيء من حدودها، والعمل اليسير في الصلاة لا يفسدها (٥). الدليل الثاني: أن العبث يخل بالخشوع، والخشوع سنة (٦). قال السرخسي ﵀: «فالحاصل أن كل عمل هو مفيد للمصلي فلا بأس أن يأتي به، … فأما ما ليس بمفيد: فيُكره للمصلي أن يشتغل به، لقوله ﷺ : ((إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلاً)) (٧)، والعبث غير مفيد له شيئاً، فلا يشتغل به» (٨).

стр. 455

ثانياً: اتفق الفقهاء (١) على كراهة مسح الحصى من موضع السجود أثناء الصلاة، وإباحة المرة الواحدة للحاجة والعذر. قال النووي ﵀: « … ومعنى الحديث لا تمسح وإن مسحت فلا تزد على واحدة، وهذا نهي كراهة تنزيه، واتفق العلماء على كراهته إذا لم يكن عذر» (٢). الأدلة: الدليل الأول: عن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى)) (٣). وجه الاستدلال: أن في الحديث نهياً صريحاً عن مسح الحصى، ويُحمل على كراهة التنزيه؛ للتعليل بكون الرحمة تواجهه، فلا يشتغل بما يلهيه عنها، ويفوت حظه منها (٤). الدليل الثاني: حديث مُعَيْقِيبٍ ﵁ (٥): ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَوَاحِدَةً)) (٦)، وفي رواية: ((لا تمسَحْ وأنت تُصلّي، فإن كنتَ لا بدَّ فاعِلًا فواحدةً؛ تسويةَ الحصى)) (٧). وجه الاستدلال: أن النهي عن مسح الحصى نهي صريح، وفي معناه: تسوية التراب، وإباحة المرة الواحدة؛ للحاجة إلى تسوية الحصى حتى يتمكن من السجود عليه، والمنع فيما

стр. 456

زاد عليها؛ لأنه ينافى معنى الصلاة والتواضع فيها، ولئلا يكثر الشغل (١)، فيكون من العبث المكروه. وفي الإذن بالمرة الواحدة دليل وصارف للنهي عن ظاهره -وهو التحريم- إلى الكراهة، والتقييد بالحصى وبالتراب خرج للغالب؛ لأنه فرش المساجد في ذلك الوقت، فيلحق به غيره مما يُصلى عليه (٢). الدليل الثالث: أن مسح الحصى وتقليبه وتسوية التراب فيه نوع عبث، والعبث مكروه؛ لمنافاته الخشوع (٣). المطلب الثاني: القرينة الصارفة عن التحريم: الذي يظهر من كلام أهل العلم أن النهي حُمل على الكراهة للقرائن التالية: القرينة الأولى: ورود النص، وفيه التعليل بما لا يقتضي التحريم. ذَكر النبي ﷺ في الحديث علة النهي عن مسح الحصى بأن الرحمة تواجهه: (فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ)؛ فلا ينبغي للمصلي الانشغال عنها؛ فيفوته شيء منها، أو يجعل بينه وبينها حائلاً. قال ابن حجر ﵀: «قوله: فإن الرحمة تواجهه: يدل على أن العلة فيه ألا يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلاً» (٤). وقال العيني ﵀: «تعليل النهي عن مسح الحصى بكون الرحمة تواجهه، يدل على أن النهي حكمته ألا يشتغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته حظه» (٥). وقال الطيبي ﵀: «قوله: فإن الرحمة تواجهه: علة للنهي، يعني: لا يليق بالعاقل

стр. 457

تلقي شكر تلك النعمة الخطيرة بهذه الفِعلة الحقيرة» (١). القرينة الثانية: المقصد من النهي. أن المقصد من النهي المحافظة على الصلاة وخشوعها، والتنزيه عن الانشغال عنها بالعبث، ومسح الحصى بما يزيد عن المرة الواحد في الصلاة نوع من العبث المنافي للخشوع، والعبث مكروه. قال ابن حجر ﵀: «والذي يظهر أن علة كراهيته المحافظة على الخشوع، أو لئلا يكثر العمل في الصلاة، … وألا يجعل بينه وبين الرحمة التي تواجهه حائلاً» (٢). وقال العيني في (البناية): «لا يقلب الحصى؛ لأنه نوع عبث، وهو خلاف الخشوع، وقد مدح الله الخاشعين في الصلاة بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (٣)» (٤). القرينة الثالثة: النهي عنه في حال دون حال. فالنهي عن مس الحصا حال الكثرة، ورخص فيه إن كان مرة. ففي الإذن بالمرة الواحدة دليل وصارف للنهي عن ظاهره -وهو التحريم- إلى الكراهة (٥). قال النووي ﵀: «قوله: إن كنت لا بد فاعلاً فواحدة: معناه: لا تفعل، وإن فعلت فافعل واحدة لا تزد، وهذا نهي كراهة تنزيه» (٦). الحكم على القرينة: الذي يظهر أن قرينة العلة من النهي قرينة قوية ومعتبرة؛ لقوتها في أصلها؛ إذ هي قرينة نصية جاءت في نفس الحديث وقوية؛ لثبوتها ولدلالتها على معنى النهي المقصود، وقرينة المقصد كذلك قرينة قوية ومعتبرة؛ فمقصد المحافظة على الصلاة وخشوعها والتنزيه عما ينافيها هو ما يُفهم من النواهي التي من هذا القبيل، أقصد بها: النواهي عن أنواع من العبث، والله تعالى أعلم.

стр. 458

المبحث الثامن عشر: النهي عن رد السلام في الصلاة المطلب الأول: حكم رد السلام في الصلاة: دليل النهي: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((لَا غِرَارَ (١) فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيم (٢) (٣). صورة المسألة: إذا كان المرء في الصلاة وسُلم عليه: فهل يرُدُّ السلام كلاماً أو إشارةً؟ تحرير محل النزاع: أولاً: أجمع العلماء (٤) على أن المصلي لا يرد السلام كلاماً؛ للإجماع على أن الكلام عامداً في الصلاة يفسدها. قال ابن عبد البر ﵀: «أجمع العلماء على أن مَنْ سُلم عليه وهو يصلي، لا يرد كلاماً، وكذلك أجمعوا على أن مَنْ رد إشارةً أجزأه، ولا شيء عليه» (٥).

стр. 459

وقال أيضاً: «أجمع المسلمون طُرّاً (١) أن الكلام عامداً في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته -يفسد الصلاة» (٢). وقال ابن بطال ﵀: «أجمع العلماء أن المصلى لا يرد السلام متكلماً» (٣). وقال ابن المنذر ﵀: «أجمعوا على أن مَنْ تكلم في صلاته عامداً وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها، أن صلاته فاسدة» (٤). الأدلة: الدليل الأول: عن ابن مسعود ﵁ قال: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، وَيُوصِي أَحَدُنَا بِالْحَاجَةِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَأَخَذَنِي مَا قَدُمَ، وَمَا حَدُثَ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: ((إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَلَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ)) (٥). الدليل الثاني: قوله ﷺ : ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)) (٦). الدليل الثالث: حديث جابر ﵁ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ، فَرَجَعْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي)) (٧)، وفي رواية: ((فَسَلَّمْتُ

стр. 460

عَلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفاً وَأَنَا أُصَلِّي)) (١). وجه الاستدلال: أن عدم رد النبي ﷺ السلام على من سلم عليه من الصحابة: دليل على تحريم الكلام في الصلاة ومخاطبة الآدميين، وتحريم رد السلام فيها باللفظ، وأنه ناسخ لما كان عليه الأمر قبل ذلك من الإباحة كما دل عليه حديث ابن مسعود (٢). ثانياً: اختلف الفقهاء في رد المصلي السلام إشارة، على قولين: القول الأول: استحباب الرد إشارة. وهو مذهب الجمهور: المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الثاني: الكراهة. وهو مذهب الحنفية (٦). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: الدليل الأول: عن صهيب ﵁ قال: ((مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فسلَّمتُ عليه، فردَّ إشارةً، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُه إِلَّا قَالَ: إِشَارَةً بِإِصْبَعِهِ)) (٧). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄: قال: ((قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ
следующие страницы →