← Акыда

Акыда · id 934

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

صالح آل الشيخ

Полный текст (757 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الأسئلة: س١/ يقول الحديث الوارد في شرح ابن أبي العز للطحاوية في موضوع الشفاعة فيه خلط بين أنواع الشفاعة، ثم لو أراد شخص الاستزادة هل يرجع إلى هذه الكتب؟ ج/ الحمد لله مسألة الشفاعة ليست من المسائل الغامضة أو العزيزة، هي موجودة في كل كتب العقيدة؛ لكن من حيث الحديث الذي ورد حديث الشفاعة الطويل كلام ابن أبي العز عليه حسن فيُرْجَعْ إليه. س٢/ ما حكم قول من قال لمن ذهب إلى الغزو: إن استشهدت فاجعلني من السبعين الذين تشفع لهم. وهل إذا قُتل يكون شهيدا؟ ج/ الله المستعان، كما جاء في البخاري أنَّ عمر ﵁ لمَّا كَثُرَ قول الناس في ذلك، لما رجعوا من معاركهم يقول (تقولون فلان شهيد وفلان شهيد، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله، والله أعلم بمن يُستشهد في سبيله) (١) . فالمسألة عسيرة ولذلك لا يقال لأحد إنه شهيد، الشهيد فلان، هذا جزم لأنّ الشهداء معلومة منزلتهم في الأحاديث، فلا يجوز أن يقال فلان شهيد لأنه حكم له من أنه من أهل الجنة وهذا موقوف على معرفة النية والخاتمة. وقد ذُكِرَ رجل بأنه استشهد فقال ﷺ في حقه «لا هو في النار» (٢) فلما رأوا إذا هو قد غلَّ شَمْلَةْ، نسأل الله العافية. وما أحسن قول أنس بن مالك ﵁ وأرضاه لما رأى الناس وما توسعوا فيه قال (إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نَعُدُّها على زمن رسول الله ﷺ من الموبقات) (٣) . والناس لا يتوسعون في الألفاظ خاصة العالم، طالب العلم ما يتلاعب بالألفاظ الشرعية بالمدح؛ لأنه بالتلاعب بالألفاظ تذهب معالم الدين وتذهب حراسته، فلابد لطالب العلم أن يكون حريصاً على ألفاظه حتى يسلم أولاً وحتى لا ينشر شراً بالألفاظ، ولهذا صار من علامات يوم القيامة أو مما يكون قرب الساعة أن يُقَالَ فلان أمين فلان فيه كذا فيه كذا من أنواع المدح، كما جاء في الحديث «فلان أمين ما أجلده ما أظرفه وليس في قلبه من الإيمان حبة خرذل» (٤) . فالثناء يكون بما فيه إذا أراد المرء أن يُثني على أحد يكون بما فيه وبما لا يتضمن محظوراً شرعياً؛ لأنّ الثناء على المرء بما فيه يشجّع ويحثّ المرء به الآخرين على الخير وينتشر الخير، ولكن لا يكون في وجهه حتى لا يكون مدحا إلا لمصلحة شرعية. ولهذا ينبغي على طلاّب العلم ألا يتوسّعوا في الألفاظ الخادشة بالشرع أو التي ليس لها أصل في الشرع أو التي فيها مؤاخذة في الاعتقاد كلفظ الشهيد، الشهيد فلان، الشهيد فلان، والله المستعان. س٣/ هل يشفع الغريق والمحروق بسبعين من أهل بيته؟ ج/ لا أعلم. س٤/ ذكر بعض أهل العلم أنَّ من أنواع الشفاعة: الشفاعة بأقوام استحقوا النار بأن لا يدخلوها، فما الدليل على هذا النوع من أنواع الشفاعة؟ ج/ الدليل «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ، بعض أهل العلم قال وهذا النوع لا دليل عليه؛ لكن هذا ليس بصحيح، لأن قوله ﷺ «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» هذا يعم نوعي أهل الكبائر فيمن استحق النار وفيمن دخل النار، ولذلك جعلتهم لك في التقسيم في نوع واحد، في جعلتها لك في أحد (٥) أنواع الشفاعة لأجل أن الدليل واحد في النوعين معا. س٥/ ما توجيه قول الرسول ﷺ في الحديث «أسألك بحق السائلين عليك» (٦) ؟ ج/ هذا ذكره الشارح والبحث فيه معروف، وخلاصة الكلام أنَّ دعاء الخارج إلى المسجد في قوله أسألك بحق السائلين عليك في الحديث المعروف الذي رواه ابن ماجه وغيره بإسناد ضعيف وحسَّنَهُ بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر وغيره، معنى «أسألك بحق السائلين عليك» يعني أسألك بصفة الإجابة أسألك بصفة إجابتك للسائل؛ لأن حق السائل على الله ? أن يجيبه أو أن يثيبه، كما قال سبحانه ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] . ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الدعاء: - منه دعاء مسألة. - ومنه دعاء عبادة. ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ في دعاء المسألة بإعطائكم السؤال. و ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ في دعاء العبادة بالإثابة. ولهذا قول القائل: «أسألك بحق السائلين عليك» حق السائلين صفة الله ? وهي إثابتهم أو إجابتهم. فإذاً هو سأل بصفة من الصفات، والسؤال بالصفة جائز. س٦/ ما رأيك في من يقول إن شروط طلب الشفاعة أن يكون حاضراً حيّاً قادراً، وأنها تتوفر في الجن، وكيف نرد على ذلك؟ ج/ هذا ربما أنه من أصحاب الجن؛ لأنه إذا كان عَلِمْ أنه حاضر وحي، كيف علم أنه قادر؟ ثم كيف علم أنَّهُ مسلم؟ لأنَّ الجن عند أهل العلم خبرهم ضعيف وشهادتهم غير مقبولة.

стр. 212

ولهذا الأحاديث التي يرويها أهل العلم وفي إسنادها جني عندهم ضعيفة كما هو معروف في مصطلح الحديث. كذلك قَبول الخبر -فضلاً عن الشفاعة- متوقّف على معرفة العدالة، والجني إنما يُسْمَعُ صوته عند من سمع صوته ولا يعرف عدالته، وقول القائل أنا مسلم وأنا أشهد، يعني لو قال الجني خاطبه بهذا الكلام، فإنه لا يعني أنه صادق في ذلك؛ لأنه تراه في الإنس يقول كذا وهو كاذب، فإذا كان شيطاناً فإنه قد يكذب في ذلك. لهذا نقول: قبول قول الجني في هذه الأشياء متوقّف على القول بعدالته، والعدالة مبنية على الرؤية والمشاهدة، وهذه غير حاصلة، فلذلك لا يؤخذ بقول الجن ولا بشهادتهم، نعم قد يكون خبرهم خبراً من الأخبار التي يُتَثَبَتْ منها كما يقال، يعني قيل لا يعتمد ولا يؤخذ به. هذا في مسألة قبول الخبر. فكيف بأن تُطْلَبْ منه الشفاعة؟ فإذا كان طلب الشفاعة من الإنسان فيها ما فيها، فكيف تطلب من جني لا يُرى ولا يُعرف حاله، لا شك أن هذا من وسائل الشرك ومن ذرائع التعلق بالجن والغائبين. نسأل الله ? أن يعيذني وإياكم من مضلات الفتن، ومما يقرب إلى مساخطه، وأن يوفقنا إلى ما فيه رضاه، وأن يشرح صدورنا لطاعته، وأن يُعلي مقامنا في الجنة إنّه جواد كريم. كما أسأل المولى ﷻ أن لا يحرمنا شفاعة نبيه ﷺ ، وأن يجعلنا ممن حظي بها ومُنَّ عليه بها. اللهم فاغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا واجعلنا من الصّالحين وثبت أقدامنا إنك على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. (١)

стр. 213

: [[الشريط السادس عشر]] : الحمد لله رب العالمين وولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليما كثيرا. نجيب على بعض الأسئلة فيما يجتمع الإخوة. الأسئلة: س١/ هل يجوز لعن من فيه نَصٌّ بدخول النار كقاتل الزبير بن العوام ﵁، هذا إن صَحَّ حديث «بشّر قاتل ابن صفية بالنار» (١) ، إلى آخره؟ ج/ هذه المسألة مبنية على حكم اللعن، وهل يجوز للمسلم أن يلعن أم لا؟ واللعن: - إما أن يكون لمسلم، يعني أن يلعن مسلمٌ مُسْلِمَاً. - وإما أن يلعن المسلم كافِرَاً. فهاتان مسألتان. ولعْن المسلم اختلف فيه أهل العلم؛ هل يجوز لعْن المسلم الذي ارتكب شيئا يستحق به اللعن أم لا؟ على أقوال. والصحيح منها أنّ اللعن يجوز أن يتوجه للجنس لا للمُعَيَّنِ من المسلمين، فلا يجوز أن يَلعَنَ مُسْلِمٌ مُسْلِماً معيّنا، ولو كان قد فعل كبيرة أو كان فَعَلَ أو كان كاذباً أو كان ظالماً ونحو ذلك، فلا يجوز أن يُلعَنَ المسلم، واستدلّوا على ذلك بقول الصحابة لرجل كان يشرب الخمر وجُلِدَ مرة ومرتين، ثم لما أوتي به بعد ذلك قال أحدهم (لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به) فقال ﷺ «لا تقولوا هذا فإنه يحب الله ورسوله» (٢) فدل هذا على أنَّ المسلم المعين الذي يشرب الخمر لا يُلعن مع أنَّ النبي ﷺ لعن الجنس فَلَعَنَ في الخمر عشرة؛ لعن شاربها وساقيها إلى آخره، فدلَّ على التفريق ما بين الجنس وما بين المعين، وهذا من مثل الآيات التي في هذا الباب ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] ، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٨-٧٩] ، فالذي لا يتناهى عن المنكر من المسلمين لا يُلعن بعينيه وإنما قد يُلعن بوصفه، وكذلك أشباه هذه لعنة الظالم ولعنة الكاذب إلى آخره. فإذاً هذا النوع وهو لعن مسلم مسلماً فإنه لا يجوز لعن المعين؛ لكن قد يُلعن الصفة، يُلعن الجنس كما لَعن الله ? ولعن رسوله ﷺ . ومن ذلك لعن الكاسيات العاريات وقول النبي ﷺ في حقهن «أينما لقيتموهن فالعنوهن فإنهن ملعونات» (٣) ، هذا لعنٌ للجنس، والقاعدة منطبقة عليه لأنَّ المرء لا يجوز أن يلعن مُعَيَّنَة مسلمة لكونها كاسية عارية، فقوله «أينما لقيتموهن فالعنوهن» يعني لعن الجنس لا لعن المعينة، مثل لعن شارب الخمر ولعن المرابي وأشباه ذلك. أما المسألة الثانية وهي لعن مُسْلِمٍ كافراً فالعلماء اختلفوا فيها على قولين: ١- القول الأول: جواز أن يُلعن الكافر المعين؛ لأنَّ الكافر المعين ليس له حق وعِرضه غير مصان؛ ولأنَّ معنى اللعن طلب الطرد والإبعاد من رحمة الله وهو متحقق في الكافر، فجاز عند هؤلاء أن يَلْعَنُ المسلم الكافر المعين كما يلعن جنس الكفرة، واستدلوا لذلك أيضا بأنَّ النبي ﷺ لَعَنَ أقواما بعينهم من كفار قريش. (٤)

стр. 214

٢- القول الثاني: وهو الصحيح أنَّ الكافر أيضا لا يُلْعَنْ بعينه؛ لأن النبي ﷺ لما لعن أقواما نزل قول الله ? في حقهم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] ؛ ولأنه ﷺ كان لا يلعن؛ ولأنَّ اللَّعَّانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة، يعني من جرى اللعن على ألسنتهم. وكذلك يدل عليه أيضا -يعني على امتناع لعن الكافر المعين- أنَّ السنة لم تأتِ به، فإنَّ النبي ﷺ لم يلعن كافرا بعينه إلا هؤلاء ونزل فيهم قول الله ? ﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ، لهذا قال طائفة من العلماء: إنّ لعن الكافر المعين منسوخ بهذه الآية. ويلحق ببحث لعن الكافر لعن الشيطان أو لعن إبليس، وهذا أيضا اختلف فيه أهل العلم على قولين: ١- القول الأول: منهم من أجاز لعنه بعينه لقول الله ? ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء:١١٧-١١٨] ، وما جاء في الآيات في لعن إبليس وطرده عن رحمة الله ?. ٢- القول الثاني: أنه لا يُلْعَنْ إبليس ولا الشيطان لما صَحَّ في الحديث أنَّ النبي ﷺ نهى عن لعن الشيطان أو عن لعن إبليس وقال «لا تلعنوه فإنه يتعاظم» (١) رواه تمَّام في فوائده وغيره بإسناد جيد، قالوا: فهذا يدل على النهي عن اللّعن، وهذا متّجه في أنَّ اللعن عموماً في القاعدة الشرعية أنَّ المسلم لا يلعن؛ لأنّ اللعن منهي عنه المؤمن بعامة، ومن أعظم ما يكون أثراً للعن أنَّ اللَّعان لا يكون شفيعاً ولا شهيداً يوم القيامة. والمسألة فيها أيضاً مزيد بحث فيما جرى من لعن يزيد، ولعن بعض المعينين؛ ولكن الإمام أحمد لما سئل عن حال يزيد قال: أليس هو الذي فعل بأهل المدينة يوم الحرة ما فعل، أليس هو كذا؟ فقال له: لم لا تلعنه؟ فقال: وهل رأيت أباك يلعن أحداً. وهذا يدل على أنَّ ترك اللعن من صفات الأتقياء، وأنَّ اللَّعن من صفات من دونهم إذا كان في حقّ من يجوز لعنه عند بعض العلماء، أما لعن من لا يستحق اللعن فهذا يعود على صاحبه؛ يعني من لَعَنَ من لا يستحق اللعن عادت اللعنة؛ يعني الدعاء بالطرد والإبعاد من رحمة الله على اللاعن والعياذ بالله.

стр. 215

وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ. وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَلَا يُنْقُصُ مِنْهُ.

стр. 216

[المسألة الأولى] : الميثاق ذُكِرَ في القرآن بمعنى العهد الشديد المؤكد كما في قوله سبحانه ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٨٤] ، وكما في قوله أ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧] ، والآيات في ذكر الميثاق متنوّعة كثيرة. ومعنى الميثاق هو العهد الشّديد المؤكّد ومنه قوله ? في سورة يوسف ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ﴾ ؛ يعني عهدا شديدا مؤكّدا من الله ? تُشهِدُون عليه ربّنا، تشهدون عليه الله ﴿لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف:٦٦] .

стр. 217

[المسألة الثانية] : أنَّ الميثاق الذي أُخِذَ من آدم معناه على ما جاء في بعض الأحاديث: أنَّ الله ? استخرج ذرية آدم من ظهره؛ استخرج صورهم، وأنَّ هذا الاستخراج لأجل ظهور عِلْمِ الله ? فيهم ولأجْلِ أخْذ العهد عليهم بما يشاؤه الله ?. والأحاديث في هذا متعارضة متنوعة مختلفة، لهذا يُدْخِلُ أهل العلم تارَةً في بحث الميثاق دليل من القرآن على ذلك -وهو ليس بدليل في المسألة- وهو قول الله ? ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢-١٧٤] ، فيجعلون هذه الآية لأجل اختلاف الأحاديث وتنوع العبارات فيها يجعلونها من أدلة هذا الميثاق. وسيأتي بيان أنَّ هذا ليس بصحيح، وأنّ الميثاق الذي أخذه الله من آدم وذريته لا دليل عليه من القرآن. الأحاديث تحتاج إلى عناية وإلى جمع، والاختلاف فيها كما ذكرنا والاضطراب والشذوذ كثير، فلعله أن يُجمَعْ ما صَحَّ من ذلك في الصحيحين ويُطَّرح الضعيف أو المضطرب أو المختلف، مع أنَّ كثيراً من العلماء دخل عليهم بعض تلك الألفاظ في بعض ولذلك اضطربت أقوالهم في المسألة. هذا ذكر سبب الاضطراب في هذه المسألة العظيمة. فإذاً الميثاق أمرٌ غيبي، والأخذ من آدم وذريته على ما جاء في الأحاديث حق وصواب، وأنّ هذا الميثاق لأجل مسألة القَدَرْ ولأجل العهد عليهم وهذا العهد أمر غيبي وليس متّصلاً بآية الأعراف. [المسألة الثالثة] : أنَّ آية الأعراف التي ذكرنا وهي قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لا يصح بها الاستدلال على ما أَوْرَدَهُ هنا الطحاوي في قوله (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ) . والطحاوي في كتابه مُشْكِلْ الآثار ذَهَبَ إلى تفسير الآية بالميثاق الذي أخذه ربنا من آدم وذريته، فَجَعَلَ الآية مُفَسَّرَةً بما جاء في السنة من حديث عمر وحديث ابن عباس وحديث عبد الله بن عمرو في أنَّ الميثاق مأخوذٌ من آدم وذريته تفسيراً لقول الله ? ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فقال إنّ التفسير الصحيح هو ما جاءت به السنة من أنَّ آية الأعراف هذه تُفسَّر بالميثاق وأن قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ لأنَّ آدم هو السبب فَذُكِرَ المُسَبَّبْ وهم بنو آدم ولم يذكر آدم لأنه هو السَّبَبْ كما قال ? ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] ، ويعني بذلك آدم ﵇ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةْ﴾ [الأعراف:١١] ، يعني آدم ﵇. ولأجل هذا المأخذ من الطحاوي ذكر الشارح ابن أبي العز عندك هذه الآية في أول بحثه على هذه المسألة لأجل أنَّ الطحاوي نفسه ولأنَّ كثيرين جداً من أهل العلم يوردون الآية دليلاً. وهذا الاستدلال من الطحاوي المُصَنِّفْ ومن عدد كثير من أهل العلم فيه نظر على هذه المسألة. فالميثاق كما ذكرنا أمرٌ غيبي، وأما الآية فليس فيها ذكر الميثاق بل قال الله ? فيها ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فهذا الذي في الآية: ١ - أنَّ الله سبحانه أَخَذَ من بني آدم ولم يأخذ من آدم. ٢ - وأَخَذَ من الظهور على صفة الجمع ولم يأخذ من الظهر -ظهر آدم-. ٣ - وأنه أشْهَدَ بعضهم على بعض ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ وهذا ليس موجوداً في مسألة الميثاق. ٤ - وأنَّ هذا الاشهاد هو متعلق بمسألة الربوبية ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وأنهم أجابوا بـ ﴿بَلَى﴾ . * لهذا نقول: إنَّ الآية ليس فيها مسألة الميثاق، وإنما دَلَّهُمْ على أنَّها مسألة الميثاق وجعلوها دليلاً على تلك المسألة ورتَّبوا عليها أشياء لأجل أمور: @ الأمر الأول: أن الصيغة متشابهة ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وأنَّهُ جاء في الأدلة في السنة أنَّ الله سبحانه أخرج ذرية آدم من ظهره كهيئة الذَّرْ، فلما جاء هنا ذِكْرُ الظهر والاستخراج فجعلوا هذا تفسيراً لهذا كما ذكرت لكم من كلام الطحاوي ومن كلام كثيرين من أهل العلم من السلف والخلف.

стр. 218

@ الأمر الثاني: لأجل الربط ما بين الآية وبين مسألة الميثاق أنَّهُ قال ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ والإشهاد معناه الشهادة وهذا يقتضي أن يكون الاستخراج على ما جاء في الأحاديث وأنَّ الله خاطبهم وأنهم ردوا عليه إلى آخره. @ الأمر الثالث: هو أنَّهُمْ أجابوه بالقول ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وهذا صريح في القول دون غيره. * والجواب: أنَّ هذه الأمور اشتبهت على من استدل بالآية على مسألة الميثاق، والآية ليست دليلاً على مسألة الميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته، وأَنَّ تفسير الآية اخْتُلِفَ فيه على قولين: ١ - القول الأول: هو الذي ذكرنا من أنَّ الله استَخْرَجَ من ظهر آدم ذريته إلى آخره، وجعلوا السنة تفسيراً لما جاء في الآية والآية دليلاً، فلم يُفَرِّقُوا بين هذا وهذا. ٢ - والقول الثاني: وهو قول جماعات كثيرة من أهل العلم من جميع المذاهب والفِرَقْ والمحققين من أهل العلم أيضاً فقالوا إنَّ الآية تفسيرها هو: أنَّ الله أخذ من بني آدم من ظهورهم يعني: ﴿أَخَذَ﴾ يعني خَلَقَ وجَعَلَ، فجعلهم يتناسلون، و (أخذ بعضهم من بعض) يعني أنشأ بعضهم من بعض كما قال سبحانه ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٣] . (أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) يعني بما خَلَقَ من السبب من إراقة الماء في الأرحام إلى الحمل إلى الولادة. فقوله ﴿إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ لمَّا ذَكَرَ الربوبية هنا في الأخذ دلَّ على أنَّ معنى الأخذ هنا الخلق. قال ﴿أَخَذَ رَبُّكَ﴾ يعني خَلَقَ ربك. (من ظهور بني آدم ذريتهم) هذا سبك الآية ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ . فتكون ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل بعض من كل من بني آدم. ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ لأنَّ أصلاب الرجال فيها الماء فقال ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ . يعني خلق الذرية من الماء الذي في ظهور الآباء. (أخذهم) يعني أخَذَ بعضهم من بعض وهذا يُطْلَقْ من هذا وهذا يوجد بسبب هذا. ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ (أَشْهَدَهُمْ) هنا الإشهاد في القرآن له معنيان: - إشهاد بلسان المقال بأن يَشْهَدَ بقوله (اشهد أنه كذا وكذا قولاً) . - والثاني إشهاد بلسان الحال، يعني أنَّ حالته تشهد. والإشهاد هذا بلسان الحال بمعنى ما جاء في قوله تعالى ﴿مَا كَانَ للمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهْ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالكُفْرِ﴾ [التوبة:١٧] فشهودهم على أنفسهم بالكفر هو بلسان حالهم من تألِيهِهِم غير الله وعبادتهم لغير الله، أمَّا هم فلا يقولون عن أنفسهم إنهم كفار؛ بل يقولون نحن الحنفاء. وكذلك في قوله ? ﴿إِنَّ الإْنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات:٦] يعني شاهد بلسان حاله بأفعاله أنه كنود جاحد لنعمة الله ?. وهذا أيضاً في مثل قول الله تعالى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:١٣٥] هنا ﴿شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني بلسان الحال أو بلسان المقال. فدل إذاً على أنَّ الإشهاد في القرآن له هذان المعنيان. ولهذا لمَّا كان الإشهاد على هذين المعنيين صار تفسير الآية ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ محتمل أن يكون بلسان المقال أو بلسان الحال. ولمَّا كان أول الآية فيه الأخذ بالخلق صار الإشهاد على الربوبية بلسان الحال لا بلسان المقال. ﴿أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ يعني بحالهم وما جَعَلَ الله ? فيهم، في كل الأنفس من دلائل ربوبيته ووحدانيته التي تؤدي وتدل على أنَّهُ سبحانه هو المستحق للعبادة وحده دونما سواه. ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ بما جعل في أنفسهم من العبرة والدلالة على أَنَّ الذي خلقهم وفَطَرَهُمْ وأوجدهم وأبْدَعَهُم وبَرَأَهُمْ هو الله ? كما قال سبحانه ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] ، وكما قال ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] . فإذاً تكون هنا الشهادة ﴿أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ يعني جَعَلَ حالهم وما هم مُرَكَبُونَ عليه دال على الوحدانية وأيضا جعل بعضهم دليلاً على بعض. ﴿أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ يعني جَعَلَ هذه الذّرية بعضها شاهداً على بعض بما أودع الله ? في الناس من دلائل وحدانيته وآثار ربوبيته ومعالم صنعته وبرءه ?. لهذا قاله سبحانه هنا ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فذَكَرَ الربوبية التي هي الخلق وما يترتّب عليه. ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ يعني أنهم جميعاً جميع هذه الذرية إذا رجعوا لدلائل الوحدانية التي يشهدونها بلسان الحال فإنهم مقرون بالربوبية. وهذا هو الذي ذَكَرَهُ الله ? عن جميع الفئات والمشركين في أنّهم مقرون بالربوبية منكرون للإلهية.

стр. 219

﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ في قوله ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ وجهان من الوقف: - الوجه الأول: أن يُوقَفَ على ﴿بَلَى﴾ ثم تستأنف ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . - الوجه الثاني: أن يُوقَفَ على شهدنا ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ ثم تقف، وتقول بعدها ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ . * والوجه الأول وهو أن يكون الوقف على ﴿بَلَى﴾ هذا أولى وأظهر في معنى الآية، ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ . ﴿شَهِدْنَا﴾ هذا من كلام بعضهم لبعض يعني بلسان الحال شهادة الحال. شهد بعضهم على بعض بلسان الحال، لم؟ ليكون ذلك دليلاً من الأدلّة التي تكون دافعةً لاحتجاجهم يوم القيامة، فإنّ الله ? جعل دَفْعْ احتجاج المشركين يوم القيامة وتَنَصُّلِهِم من التّكليف ورغبتهم في عدم التّعذيب، جَعَل ثَمَّ حُجَجاً منها هذا الإشهاد؛ أنّ بعض هذه الذّرية شاهد على بعض. فهذه الآية فيها ذِكْرُ الشهداء وهم الذين يأتون يوم القيامة في قوله ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء﴾ [الزمر:٦٩] يشهد بعضهم على بعض بأنّ الدلائل ظاهرة وأنّكم مُقِرُّونَ بالربوبية، مُقِرُّونَ بالوحدانية، ويشهد الآباء على الأبناء، ويشهد الأبناء على الآباء، ويشهد بعضهم على بعض، حتى لا تكون ثَمَّ حجة. لكن هذه ليست الحجة التي يُحاسَبُون عليها ويُعَذَّبُونَ عليها وإنما هي دليل لقطع معذرتهم مع الدّليل الآخر وهو الأعظم وهو بعث الرسل. لهذا هذه الآية فيها ذِكْرُ دليل، وما رُتِّبَّ على هذا الإشهاد إنما هو مع بعثة الرسل. وتأمل حين قال ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ من الذي شَهِدَ؟ الذرية شَهِدَ بعضهم على بعض ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ . ﴿عَنْ هَذَا﴾ الإشارة إلى أي شيء؟ لدليل الربوبية، ودليل الربوبية هو الذي احتجّت به الرسل على ما جاءت به وهو توحيد الإلهية. فإذاً في قوله ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ يعني أَشهد الله بعض الذرية على بعض على مسألة الربوبية لئلا يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين. والرّسل جاءت بتقرير الحجة التي بعدها العذاب. مستمسكة الرسل بالأصل الذي شهد بعضهم على بعض فيه بلسان الحال وهو الإيمان بالربوبية. لهذا صارت الآية دليلاً على الربوبية وهذه حجة عليهم؛ ولكنها ليست الحجة التي بها يُعَذَبُون، ولكنها قاطعة لنزاعهم ورغبتهم في التنصّل من العذاب. والثاني أنَّ في قوله ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ يعني عن هذا الدليل الذي هو التوحيد -توحيد الربوبية أو الفطرة- الذي ذَكَّرَتْ به الرسل أو الذي جاءت الرسل بإحيائه في الأنفس ليدلّ الناس على ما يستحقه الله ? من توحيد العبادة. ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا﴾ يعني الذين يحتجون بالغفلة أو يحتجون بالتقليد، ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ فهم احتجوا إما بالغفلة أو احتجوا بعدم الشرك، بمتابعة الآباء وهذا لو حصل يوم القيامة أنْ احتجوا به فإن الله سبحانه أقام عليهم الحجة بالشهداء وأقام عليهم الحجة بالرسل والعذاب إنما يكون بـ[.....] (١) دلائل الصّنعة وما أقام الله ? في الإنسان من عقل وفِكْرٍ بحيث يستدل بهذه المخلوقات على خالقها أ، وإنما بالثاني مع الأول وهو بعثة الرسل. إذا تبيّن لك ذلك فإنّ: ١- أولاً: الآية إذاَ ليس فيها حجة لمن ذهب بأنَّ هذه الآية في الميثاق، ليس فيها دليل على الميثاق. ٢- ثانياً: الآية ليس فيها حجة لمن قال إنه بالفطرة أو بالتوحيد أو بما أُخِذَ من الميثاق الأول أنَّ هذا كافٍ عن إقامة الحجة على العباد، وأنّه بذلك الميثاق وذلك الإشهاد وإقرارهم على أنفسهم والشّهادة في الربوبية والعبادة؛ لأنه إذا لم تبلغهم الرّسالات ولم تأتِهم الرسل أنَّ تلك الشهادة كافية في تعذيبهم، فليس فيها دليل على أنّ هذه حجة كافية في تعذيبهم، بل لابد من إقامة الحجة الرّسالية. لذلك ترى أن أئمة أهل العلم المحققين كشيخ الإسلام وأئمة الدعوة دائماً يذكرون الحجة الرّسالية، لابد من إقامة الحجة الرّسالية. لماذا لفظ الرّسالية؟ حتى لا يَتَوَهَّمْ المُتَوَهِّم أنَّ الحجة الفطرية كافية.

стр. 220

إذا تبين ذلك فإنَّ تفسير الشهادة هنا وهذه الآية عند المحققين من أهل العلم على ما ذكرنا هو بالفطرة؛ الفطرة التي فطر الله ? الناس عليها، وهي الفطرة في الربوبية التي تدل على الألوهية، وهي في معنى قوله ? ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] ، وفي معنى قوله ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة» (١) . وهذا الذي ذَكَرْتُ من تفسير الآية على وجه التفصيل والبسط هذا هو مذهب واختيار أئمة أهل السنة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير ﵀ في تفسيره وشارح الطحاوية وأئمة الدعوة والشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره وهو تفسير جماعات كثيرة من أهل العلم. وهو الذي يتعيَّن في الموافقة مع أصول التوحيد وأصول العقيدة بعامة. وهو الذي يتعين مُوَافَقَةً لحكمة الله ?. وهو الذي يتعين مُوَافَقَةً لما هو مقرر في الشريعة من مسألة إقامة الحجة في أحكام المرتد. لهذا غَلِطَ في هذه الآية جماعات، ومن المعاصرين جماعات أيضاً فجعلوها حجَّةً على أنَّهُ ليس ثَمَّ حاجة لإقامة الحجة على العباد؛ بل الفطرة كافية، والعهد الأول كافي وإلى آخره. وهذا ولاشك ليس بمرضيّ. والحجة لا تقوم على العباد بشيء لا يتذكرونه أصلاً، وإنما العباد أمامهم الدّلائل. أما تَذَكُّر ميثاق وتَذَكُّرْ شهادة وتَذَكُّرْ هذه الأشياء، فإنّ أحداً لا يتذكر ذلك، وإنما الرسل تُذَكِّرُهُمْ بذلك فتكون الحجة بالرسل لا بذلك الأمر الأول. لهذا ذكرتُ لك في أول البحث أنَّ مسألة الميثاق مرتبطة بالقدر، وليست متصلةً بالتكفير، ليست متصلةً بالحجة، ليست متصلة بهذه المسائل، وإنما هي -يعني الميثاق- مرتبط بالقدر لا غير، وليس حجة على خلاف القدر، إنما هو دليل على القدر فقط دون ما سواه. تقرؤون الكلام الطويل الذي ذكره شارح الطحاوية وفيه طُولْ. والمسألة بما ذكرتُ لك تكون قريبةً واضحة، ولا يكون ثَمَّ إشكال في هذه الآية ولله الحمد، وهي من الآيات المُشْكِلَة كما ذكرتُ لك؛ لكن بتأمل قول المحققين والنّظر في تصحيح الأحاديث وعِلَلِهَا وأنَّ الأحاديث التي فيها الرّبط ما بين الآية والميثاق فيها اضطراب وفيها ضَعف في بعضها ضعف في الإسناد وفي بعضها علّة بالوقف وثَمَّ أشياء أُخر لا نطيل بالكلام عليها. بعدها ذَكَرَ مسألة القدر، مسألة القدر يطول الكلام عليها، ولعلنا نبحثها إن شاء الله المرة القادمة.

стр. 221

الأسئلة: س١/ ... ج/ الله جعل المؤمنين شهداء على الكفار، فالإشهاد قائم، أنا مُشْهَدٌ على كل مخالف للرسالة، مُشْهَدٌ على كل مخالف لدليل الوحدانية، كل مؤمن لما كان مؤمناً مستسلماً للرسالة هو مُشْهَدٌ على غيره، مُشْهَدٌ على المخالف، فهو إشهاد، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾ يعني جعل بعضهم شهيدا على بعض، لذلك يوم القيامة سمى الشهداء يشهدون. س٢/ بعض أهل العلم يستشهد بقوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ يعني على أنَّ الذي يفعل الشرك ولو كان جاهلاً فإنه يكون مشركاً لهذه الآية، قال فإنه قد أُخذ عليه الميثاق إذ هو عالم، فما تعليقكم؟ ج/ هذا هو الذي بحثنا الكلام عليه، هذا قول ليس بصحيح، وهو مخالف لظاهر الآية، وسبب الاشتباه هو الذي ذكرنا أنه الربط ما بينه وبين الميثاق يعني هذا، هو أخذ الألفاظ على مسألة الميثاق. س٣/ هل هناك ميثاق أول وميثاق غيره أم هو ميثاق واحد؟ ج/ ثَمَّ ميثاق سابق هو الذي نؤمن به الذي جاءت به الأحاديث وهو أنَّ الله استخرج ذرية آدم من ظهره؛ لكن إيش معنى هذا الميثاق؟ الله أعلم بحقيقته، ثُمَّ هناك عهود مؤكدة لكل فئة من بني آدم؛ فآدم أُخِذَ عليه عهد موثق لطاعة الله ?، كذلك ذرية آدم القريبين، كل رسول أُخذ عليه ميثاق، وأخذت على أمته المواثيق بأن تطيع وهكذا؛ يعني هذه مواثيق لفظية وعهود بما أنزل الله ? من الكتب وبعث من الرسل. س٤/ كيف يكون أهل الفِرَقِ متّفقين على الميثاق، وهناك من الفِرَقِ من يأخذ بالقرآن فقط، والقرآن لم يأتِ بالميثاق؟ ج/ هل هناك من الفِرَقْ من يأخذ بالقرآن فقط؟ يعني من الفِرَقِ القديمة، هل فيه أحد؟ أنا ما أعرف؛ يعني من الذي يأخذ بالقرآن فقط؟ أنا ودي أستفيد؛ لأنَّ الخوارج يأخذون بالقرآن والسنة، الرافضة بالقرآن والسنة، المعتزلة القرآن والسنة، المرجئة، القدرية، كلهم يأخذون بالقرآن والسنة، لكن السّنة يحتجون في العقائد بالمتواتر لا بالآحاد، الآحاد مقبولة عندهم لكنها تفيد الظن لا العلم، على تفصيل الكلام المعروف لديكم في هذا. س٥/ أورد الألباني -حفظه الله- الأحاديث في المسألة في السّلسلة الصحيحة، وقد جمعها وحقَّقَهَا وبَيَّنَ الصحيح منها. ج/ أنا ما أدري عن بحث الشيخ ناصر؛ لكن المسألة تحتاج إلى نظر فيما قال لأنها راجعة إلى نَظَرٍ في المتن ونَظَرٍ في الإسناد، النظر في الإسناد غير النظر في المتن، النظر في المتن يحتاج إلى معرفة تفاسير الآية وأن لا يَحْمِلْ الآية على الأحاديث، يعني لابد من مراجعة البحث حتى نشوف إيش وصل إليه. س٦/ اتضح عدم دخول الآية في الميثاق فما معنى الميثاق الذي ذكره أهل العلم؟ ج/ معنى الميثاق هو العهد لكن إيش هذا العهد؟ إيش حقيقته؟ قال العلماء: معناه الفطرة؛ الفطرة التي فطر الله الناس عليها. فإذاً مسألة الميثاق ما فيه شيء غريب، هو الفطرة (كل مولود يولد على الفطرة) ، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ؛ يعني جَعَلَهُم مفطورون عليها لما أخَذَ الميثاق. فإذاً مسألة الميثاق -يعني العهد- لما استخرجت الذرية معناه الفطرة السابقة وهكذا، يعني الميثاق ما فيه شيء جديد، الميثاق ليس فيه شيء جديد عن غيره ولا يتميز بشيء. س٧/ هل الإشكال بين الآية والأحاديث جاء من قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف:١٧٣] ؟ ج/ لا، هذه ما لها علاقة؛ لأنَّ الآية قال ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني لئلا تقولوا يوم القيامة، أقام الله هذه الدلائل بالربوبية وأقام دلائل الوحدانية لئلا تقولوا يوم القيامة أو تحتجوا بالغفلة، ولئلا تحتجوا بالتقليد، ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأعراف:١٧٣] فلا تحتجوا بالغفلة ولا تحتجوا بالتقليد، فثمَّ فِطْرَة مَرْكُوزَة ورُسُل أُرسِلَتْ إليكم تدلكم بهذه الفطرة المركوزة على حق الله أ، فليس ثَمَّ إذاً حجة لأولئك، فقطع الله المعذرة وأقام الحجة وأبان المحجة، ولله الحمد والمنة. نكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 222

بسم الله، نحمد الله ﷻ على نعمه التي لا تحصى وآلائه التي لا تعد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيداً: فبين يدي هذا الدرس نجيب عن بعض الأسئلة. الأسئلة: س١/ هل يجوز الدعاء بهذه الصيغة: أسأل الله أن يوفقك إن شاء الله؟ ج/ الدعاء الأصل فيه أن يكون المرء إذا دعا عازماً في المسألة غير متردد، ظانّا بالله ? الظن الحسن؛ وهو أنَّه يجيب الدعاء ولا يرد العبد، وكلّما قوي يقين العبد بإجابة الدعاء كلما كان هذا من أسباب الإجابة. وتعليق الدعاء أو السؤال بالمشيئة يخالف عزم المسألة، ولهذا لما قال رجل (اللهم اغفر لي إن شئت) ، قال النبي ﷺ «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت. وليعزم المسألة فإن الله لا مُكره له» (١) فتعليق الدعاء بالمشيئة الأصل فيه أنه خلاف أدب الدعاء، والله ـ لا مكره له على إجابة الدعاء حتى تُعَلِّقَهُ بالمشيئة. لكن إن كان تعليقه المشيئة ليس المقصود به التعليق، إنما المقصود به التبرك فهذا لا بأس به. وبعض أهل العلم يرى أنَّ قوله (إن شاء الله) في مثل هذا لا بأس به؛ وذلك لقول النبي ﷺ لَّما زار رجلا! وهو مصابا بالحمى فقال له «طهورٌ إن شاء الله» (٢) ، فأجاب الرجل بجواب سيئ، المقصود أنه يُسْتَدَلُّ بقوله «طهور إن شاء الله» على أنَّه لا بأس أن يُعَلَقَ الدعاء بالمشيئة. والأول هو الأوْلى، وللمسألة مزيد تفصيل لا يناسب هذه الأجوبة المختصرة. س٢/ هل يصحّ أن يُطْلَقَ على المسلم بأنه هالك إذا مات؟ ج/ إذا كان الهلاك بمعنى الموت فلا بأس، إذا كان إطلاق الهلاك بمعنى الموت فلا بأس، أما إذا قال إنّ فلاناً هلك ويعني به أنه آل به الأمر إلى عذاب أو نحو ذلك، فهذا لا يُجْزَمْ لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار ولا بعذاب ولا برحمة إلا من شهِد له الله أبذلك أو نبيُّه ﷺ ، ولهذا مما درج عليه العلماء في تدريس علم الفرائض أنهم إذا ذكروا قسمة المسائل يقولون هلك هالك عن، ثُمَّ يذكرون الوَرَثة. نكتفي بهذا، نعم اقرأ

стр. 223

وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَلَا يُنْقُصُ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ فِيمَا عَلِمَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ. وَالْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ.

стр. 224

[المسألة الأولى] : أنَّ عِلْمَ الله جل وعلا كما ذكر (عَلِمَ اللَّه فِيمَا لَمْ يَزَلْ) يعني أنَّ عِلْمَ الله أزلي وأبدي، وأنَّ عِلْمَهُ سبحانه أوّل، وهذه كلّها بمعنى واحد.

стр. 225

[المسألة الثانية] : أنّ عِلْمَ الله ﷻ من حيث هو صِفَةٌ له سبحانه مُتَعَلِّقٌ بكل شيء، كما قال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢] ، وقال ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال أيضاً أ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠] وقال سبحانه ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧] ، ونحو ذلك من الآيات. فعِلْمُ الله أمتعلق بكل شيء، وكلمة (بِكُلِّ شَيْءٍ) هذه فيها شمول للأشياء. والشيء يُعرَّف بأنه ما يصح أن يُعلَمَ أو ما يصح أن يَؤُولَ إلى أن يُعْلَمْ. فإذاً ما سيقع سواءً كان من جليل الأمر أو من حقيره هذا سَيَؤُولُ إلى العلم، وأيضاً يصح أن يُعلم ويصح أن يؤول إلى العلم ما لم يقع. لهذا نقول: إنَّ علم الله ﷻ بالأشياء شامل، وأنَّ عِلْمَ الله ? بالأشياء أَوَّلْ؛ لكن بَدَأَ حيث أراد الله ? أن يوجَد ذلك الشّيء، أو أن يكون الأمر على هذا النّحو، أو أن لا يكون هذا الأمر. يعني أنّ الله ـ عَلِمَ أحوال الأشياء على التفصيل وعلى الإجمال لَمَّا أراد خلقها وإيجادها ـ. والله سبحانه يعلم تلك الأشياء على ما هي عليه، وعِلْمُهُ بها أوَّل، وإذا قلنا إنَّ علمه ـ بها شامل وأنه ? عَلِمَ تلك الأشياء إذْ تَوَجَّهَتْ الإرادة إليها فإنَّ ذلك العلم لم يسبقه جهالة. وهذه من أصول المسائل أيضاً؛ لأنّ عِلْمَ الله ﷻ لم يسبقه جهالة، وهذه تنفعك في البحث مع القدرية؛ نفاة العلم.] (١) وقولنا: لم يسبقه جهالة؛ يعني لا في الأزل، فإذا قلنا: عَلِمْ، ليس معناه أنه قبل ذلك كان جاهلاً بهذا الشيء، لم؟ لأنه لم يكن شيئاً إلا لمَّا تَوَجَّهَت الإرادة إليه، فلما توجهت الإرادة إليه بأنه يكون أو لا يكون أو إذا كان كيف يكون فإنه سبحانه عِلْمُه بذلك سابق. فإذاً عِلْمَ الله ? لم يسبقه جهالة، لا حين توجه إلى الإرادة ولا حين وقع مشيئةً كونيةَ. والإرادة في قولنا: توجّهت إليه الإرادة، ليست هي الإرادة الكونية المتعلقة -يعني التي تعرفونها التي هي المشيئة، إذا تعلقت بشيء كان- وإنما هي إرادة القدر؛ يعني تقدير الأشياء بأنَّ هذا سيكون أو لا يكون وأن هذا سيخلقه الله أو لا يخلقه الله؛ يعني الإرادة المرتبطة بالحكمة والتقدير في إيقاع الأشياء في أوقاتها.

стр. 226

[المسألة الثالثة] : أنَّ مرتبة العلم من أنْكَرَهَا كفر، ومراتب القدر أربعة كما تعلمون: - أولها العلم. - ثم الكتابة. - ثم عموم المشيئة. - ثم عموم خلق الله ? للأشياء. والمرتبة الأولى وهي العلم من أنْكَرَهَا كَفَر. وعِلْمُ الله ـ -كما ذكر لك الطحاوي- أنه عَلِمَ أهل الجنة وعَلِمَ أهل النار؛ يعني عَلِمَ حال المكلفين وعددهم وصفاتهم، وعَلِمَ أيضاً أعمالهم، هذا القدر المتعلق بالمكلَّفين. وأيضا علم الله ? بكل شيء حتى بغير المكلفين على التفصيل.

стр. 227

[المسألة الرابعة] : أنَّ المنكرين للعلم -علم الله السابق- خَرَجُوا في زمن ابن عمر ﵁، فقال ابن عمر في حقهم لمن سأله (أعلمهم أني منهم بريء) وذكر حديث الإيمان -يعني حديث جبريل الطويل المعروف، وفيه من أركان الإيمان، الإيمان بالقدر خيره وشره-. وهؤلاء كانوا يقولون إنّ الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها؛ يعني أنّ الأمر أُنُفْ مُستَأْنَفَ يقع ثم يُعْلَمْ. وشبهتهم -شبهة القدرية هؤلاء- أنهم قالوا: إنّ الله سبحانه عَلَّقَ أشياء في القرآن بالعلم الذي ظاهره أنَّه لم يكن قبل ذلك عالماً، وذلك من مثل قوله ? ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣] ، وهذا فيه تعليق الأمر بعلمٍ سيحصل، قال ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ يعني أنه قبل ذلك -يعني كما يقولون- لم يكن يعلم من سيتّبع ممن سينقلب على عقبيه. وهذا الإيراد في الاستدلال بالآية هو استدلال بالمتشابه وتركٌ للمحكمات. ولهذا يُرَدُّ عليهم هذا الاستدلال بأنَّ هذه الآية تُفهَمْ مع الآيات الأُخَرْ التي فيها عِلْمُ الله ? بكل شيء، حتى قبل وقوع الأشياء كما قال سبحانه ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وكما ذكرتُ لك أنَّ الشيء يُعَرَّف بأنه ما يؤول إلى العلم؛ ما يصح أن يُعْلَمْ أو يؤول إلى العلم. وكذلك يُسْتَدَلُّ عليهم بقوله ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] والأحاديث الكثيرة التي فيها عِلْمُ الله ? بأهل الجنة، وعِلْمُ الله ? بأهل النار، وعلمه بعمل العاملين، ونحو ذلك قبل خلق الخلق. ويُستَدَلُّ أيضاً عليهم بقوله سبحانه ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ، وبقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢] ، والآيات في ذلك كثيرة التي فيها ذكر العلم بلفظ ﴿كَانَ﴾ ؛ ﴿كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ . إذاً يكون الرد على القدرية من وجهين: (١) ١- الوجه الأول: هو أنَّ ذلك اتِّبَاع للمتشابه وترك للمحكم وذكرنا المُحْكَمَات. ٢- الوجه الثاني: أنَّ معنى الآية ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة:١٤٣] ومعنى قوله تعالى ﴿وَلَمَّا يَعْلَم اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ ، وقوله ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦] ، ونحو ذلك هو ظهور علم الله ؛ لأنَّ علم الله خَفِيْ، ولا يُحَاسِب العبد إلا على ما ظهر من علم الله المتعلق بالعبد، وإلا فلو أُنِيط ذلك بعلم الله الباطن دون ظهور الشيء في الواقع المتعلق بالمكلف لكان للمكلف حجة في رد التكليف. ولهذا الآيات التي فيها ذِكْرُ العِلْمْ اللاحق أو ما سيأتي المقصود منه ظهور العلم. (العلم الذي سيأتي) يعني العلم الذي سيظهر. أما علم الله المشتمل على ما خَفِيَ وما ظَهَرَ، أو عِلْمُ الله السّابق واللاّحق فهذا [.....] بعلم الله للأشياء الذي هو مرتبة من مراتب القدر. فإذاً في قوله ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ يعني إلا ليظهر علمنا في المكلفين، فيظهر علمنا فيمن اتبع الرسول ممن انقلب على عقبيه، حتى تكون حجة على هذا العبد. كذلك ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ هذا مرتبط بالتّشريع. وعِلْمُ الله الشّامل -يعني الظاهر والباطن- هذا متّصف الله به؛ لكن لا يكون معه التّدرج في التشريع. فالله جعل العبد المؤمن يقاتل عشرة، ثم ظَهَرَ عِلْمُهُ فيهم أنهم ضعفاء فخفّف، فالتخفيف إذاً مسألة شرعية لما ظَهَرَ عِلْمُ الله الباطن بحالهم فهنا شَرَعَ لهم التّخفيف. وهذا يعني أنّ الآيات هذه تدل على ظهور علم الله . وظهور علم الله فيهم مُناط بأمرين: ١- الأمر الأول: أن تنقطع الحجة من العبد على التكليف والحساب. ٢- الأمر الثاني: أن يُشَرَّع وتظهر الشريعة أو تُسن الأحكام. وهؤلاء القدرية هم الذين قال فيهم السلف (ناظروا القدرية بالعلم فإن أنكروه كفروا وإن أقرّوا به خُصِمُوا) . والقدرية هؤلاء سُمُّوا قَدَرِيَّة لأنهم ينفون القَدَرْ. ونفي القَدَرْ قد يتوجه إلى نفي مرتبة من مراتبه، أو إلى نفي أكثر من مرتبة. فَمِمَّنْ نفى أكبر المراتب وأعظمها وهي العلم، هؤلاء هم القدرية الأوائل الذين يقال لهم القدرية الغلاة. ومن هؤلاء -يعني من القدرية- الذين ينفون مرتبة عموم الخلق كالمعتزلة. والقدرية في ذلك مراتب، وقد لخَّصَ شيخ الإسلام أصناف القدرية بقوله في تائيته القدرية: ويدعى خصوم الله يوم معادهم إلى النار طُرَّاً معشر القدرية سواء نفوا أو سعوا ليخاصموا به الله أو ماروا في للشريعة يعني أنَّ أعظم تلك الفرق التي تُدْعَى القدرية، الذين ينفون القدر، وهم الغلاة نفاة العلم أو المتوسّطون وهم المعتزلة ومن شابههم.

стр. 228

[المسألة الخامسة] : أنّ عِلْمَ الله شامل لكل شيء، هذا يفيد المؤمن في إيمانه بالقدر، وهو أنه سبحانه عَلِمْ الأشياء، وعَلِمَ حال العبد، وعَلِمَ ما ستكون عليه هذه الأمور جميعاً من دقائقها وتفاصيلها وإجمالها. وهذا يعني أنه ليس ثمَّ شيء يقع على وجه الصدفة بلا ترتيب سابق ولا تقدير سابق. فإذا كان الله عَلِمْ فإنَّ معنى ذلك أنه سبحانه جعل هذا الذي عَلِمَ أنَّهُ سيقع على وفق ما يشاؤه، على وفق الحكمة البالغة؛ لأنَّ الرب المتصرف ذا الملكوت لا يقع في ملكه إلا ما يشاء أن يقع، فإذا كان عَلِمْ وأيقن العبدُ هذا العلم الشامل الكامل فإنه يوقن بعده بالحكمة العظيمة. ولهذا مسألة الحكمة من وجود الأشياء مرتبطة بالقدر عِلْماً ونفياً: - فحكمتة ـ مرتبطة بالقدر علماً؛ لأنَّ الله ـ عليم؛ ولأنه سبحانه ما شاء كان. - ومرتبطة بالقدر نفياً في أنَّ الخوض في الحكمة خوضٌ في القدر. ولهذا قال الطحاوي في آخر كلامه (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ) وقال في آخرها أيضا (فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ) إلى أن قال (١) : [[الشريط السابع عشر]] : (فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ) ، وهذه هي التي يُشكِلُ على البعض كيف دَخَلَتْ في القدر، وهي مسألة الحكمة. إذا قال المرء لم حصل كذا؟ ولم قُدِّرَ كذا؟ أو لم صار الأمر على هذا النحو؟ لم صار هذا غنياً وهذا فقيراً؟ ولم صار هذا مريضاً وصار ذاك صحيحاً؟ كيف انتقل هذا السؤال في القَدَرْ وصار المتشكك من القدرية؟ لأنَّ المتشكك ينفي الحكمة، ولو أيقن بعموم العلم وعموم المشيئة لأيقن بحكمة الله الماضية، وأنَّهُ لا شيء يقع إلا والله عَلِمَهُ قبل أن يقع وأَرَادَهُ كَونَاً وشَاءَهُ، وهذا يعني أنه لن يقع إلا على وفق حكمة الله ﷻ ، فلهذا صار السائل في مسائل القدر بـ: لم؟ مُعَارضِاً للقدر. ولهذا قال لك ابن تيمية في البيت الذي ذكرته لك آنفا (أو ماروا في الشريعة) يعني أنَّ القدرية منهم من يُمَارِي في الشريعة، يماري يعني يشكك ويجادل ويسأل وكذلك قال بعدها: وأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةِ هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ فإنَّهمُو لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ فأهل الجاهلية عارَضُوا الشريعة بـ: لم؟ والمتشككون عارَضُوا أفعال الله بـ: لم؟ إذاً فمِن أعظم مراتب الإيمان بالقدر، الإيمانُ بعلم الله الشامل للأشياء، الشامل لكل شيء. فإذا أيقن العبد بهذا، بعموم العلم، وعَلِمَ معنى ذلك، أيقن أيضاً بحكمة الله واستسلم لقدر الله ولم يخض فيه بالسؤال؛ لأنَّ القدر سر وهو مرتبط بعلم الله . يوضّح لك ذلك أنَّ الله ﷻ قصَّ علينا في القرآن قصة الخَضِرْ مع موسى ﵇ أو ﵉. فالخَضِرْ مع موسى اختلفا واعترض موسى على الخَضِرْ، وسبب الاعتراض عدم العلم، لمَّا كان موسى في تلك المسائل أنْقَصَ علماً من الخَضِرْ واعْتَرَضَ حُجِبَ عن علمٍ زائد. ولذلك صار السؤال -سؤال الاعتراض- مُرْتَبِطَاً بالعلم، فإذا كان الخَضِرْ أعلم من موسى، وموسى حُجِبَ بالسؤال فدلَّ على أنَّ السؤال في أفعال الله أو السؤال في قدر الله أو السؤال في تصرفات خلق الله أنَّ هذا اعتراض على العلم. وإذا كان الله هو العليم بكل شيء فإنَّهُ لا يجوز للعبد أن يعترض على علمه وعلى حكمته بـ: لم؟ لهذا قال في آخر الكلام هنا (فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يعني قوله ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] . هذه بعض المسائل في كلامه على مرتبة العلم.

стр. 229

[ثم قال (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ) ]

стр. 230

[المسألة الأولى] : القَدَرْ يمكن أن يُعرَّف بأنه: تقدير الله للأشياء قبل وقوعها، وعلمه الأوّل بكل شيء، وكتابته لذلك -يعني للمقادير- في اللوح المحفوظ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وعموم خلق الله للأشياء كلها. هذا لا ينطبق عليه حد التعاريف عند أهل التعاريف؛ لكن هذا يعُمْ ويَضُمْ كل مراتب الإيمان بالقدر الأربعة.

стр. 231

[المسألة الثانية] : الإيمان بالقدر إيمانٌ بما دَلَّ القرآن والسنة عليه مما يتصل بالقدر، وذلك إيمانٌ بأربع مراتب: - المرتبة الأولى: العلم. - المرتبة الثانية: الكتابة. - المرتبة الثالثة: عموم المشيئة. - المرتبة الرابعة: خلق الله للأشياء كلها. @ أما المرتبة الأولى العلم: فأدلتها كثيرة ذكرنا لكم بعضاً منها. @ المرتبة الثانية الكتابة: الكتابة ثَمَّ أدلة كثيرة عليها منها قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] ، وفي قوله تعالى ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣] ، ودلّ عليه قول النبي ﷺ «قدّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) . ومعنى الكتابة أنّ الله سبحانه كَتَبَ كلَّ شيء في اللوح المحفوظ، سواء ما يتعلق بالمكلفين أو ما يتعلق بغير المكلَّفين وذلك لعموم قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠] يعني ما في السماء والأرض. والكتابة هذه المقصود بها الكتابة في اللوح المحفوظ؛ كتابة مقادير الأشياء في اللوح المحفوظ. ومن هذه الكتابة ثَمَّ أنواع من الكتابة تفصيلية لها: منها الكتابة العُمْرية، والكتابة السنوية، والكتابة اليومية، وأشباه ذلك مما دلت عليه الأدلة في القرآن والسنة. @ المرتبة الثالثة مرتبة المشيئة: ويُعْنَى بها أنَّ ما شاء الله كان، لا تُرَدُّ مشيئة الله ، وأنَّ الذي لا يشاؤه الله سبحانه ولو شاءه العبد ورَغِبَ فيه فإنه لا يقع، ودليلها قوله سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠] ، وقوله سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] . والمشيئة مرتبطة بالكون؛ يعني أنَّ المشيئة كونية، فإذا شاء الله أن يقع هذا الشيء في هذا الوقت على هذه الصفة فإنّه يقع على ما شاءه الله وأراده كوناً. والمشيئة تساوي الإرادة الكونية. ولهذا يُبْحَثْ هنا في مرتبة المشيئة الفرق ما بين المشيئة والإرادة. وأهل السنة على أنّ مشيئة الله هي إرادته الكونية، وأنّ الإرادة منقسمة إلى: إرادة شرعية دينية وإلى إرادة كونية، وأنَّ الله سبحانه قد يشاء الشيء كوناً؛ يعني يريده كوناً فيقع ولا يريده ديناً وشريعة. فيجتمع إذاً في بعض الحالات إرادة وعدم إرادة، فيكون الفعل المعيّن مُرَادْ وغير مُرَادْ. شاءه الله فوقع وأراده فوقع؛ ولكن لم يُرِدْهُ سبحانه ديناً وشريعة، وهذا فيما يَكرهه الله ولا يرضاه ديناً مثل كفر الكافر، معصية العاصي، ضلال الضال إلى آخره. فإنّ الله سبحانه شاء الكفر من الكافر؛ لأنّه ما دام وَقَعَ فإنه قد شاءه وأراده كوناً؛ لأنه لا يحصل في ملكوته إلا ما أراده كوناً؛ ولكن لم يرضه لم يُرِدْهُ ديناً؛ لأنَّ الله نهى في كتابه وعلى ألسنة رسله عن الكفر والفساد وبيَّن أنه لا يرضى ذلك ولا يحبه، كما قال ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] ، وقال ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] . وهذه هي المسألة المعروفة لدى كثير منكم بالفرق ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وسيأتي لها مزيد بيان عند ذكر الرد على المخالفين في القدر إن شاء الله تعالى. @ المرتبة الرّابعة مرتبة عموم خلق الله للأشياء: وأنَّ الله سبحانه خالق كل شيء، وأنَّ طاعة المطيع خَلَقَهَا الله ومعصية العاصي خَلَقَهَا الله وأنَّ صلاة المصلي خَلَقَهَا الله كما خلق ذاته؛ يعني ذات المصلي فإنه يخلق أعمالهم. وهذه يُسْتَدَلُّ لها بقول الله سبحانه ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] ، وبنحو قوله سبحانه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] ، ونحو ذلك من الآيات. وفي خصوص عموم خلق الله للعمل يُستدل بقوله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ، وفي هذه الآية دليل على أنَّ عمل العامل خَلَقَهُ الله. وذلك أنَّ كلمة ﴿مَا﴾ في الآية ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيها وجهان: ١- الوجه الأول: أنها مصدرية بمعنى أنّها تُقَدَّرْ مع ما بَعْدَهَا بمصدر؛ يعني يكون سبك الآية (والله خلقكم وعملكم) ، وهذا الوجه هو?الأصح فيها. ٢- الوجه الثاني: أنَّ ﴿مَا﴾ هنا موصولة بمعنى الذي فيكون المعنى (والله خلقكم والذي تعملونه) . * وهي على كلٍ من الوجهين دالة على المراد في عموم خلق الله للعبد. ووضوح الدليل الأول يعني في كونها مصدرية، وقد يكون ثَمَّ بعض الاعتراض على الاستدلال بالوجه الثاني.

стр. 232

الأسئلة س١/ ما الفرق بين القدر والقضاء؟ ج/ يأتي إن شاء الله. س٢/ يجعل الله سرّه في أضعف خلقه، إذا رأى مثلا شخصا ضعيفا؟ ج/ هذا المقصود به حكمته في الخلق، لا بأس به. س٣/ هل يدخل الغيب تحت القدر؟ ج/ نعم كل مُغَيَّب فهو مقدر. س٤/ هل يصح قول (ما ليس بشيء فإنَّ الله لا يعلمه) ؟ ج/ ما معنى (ما ليس بشيء فإنَّ الله لا يعلمه) ؟ والله على كل شيء قدير والذي ليس بشيء فإنَّ الله غير قادر عليه لأنه ليس بشيء كالجمع بين النقيضين؟ هذا الكلام غير منضبط لا من جهة كلام المناطقة ولا من جهة أيضا التعريف، فلا تُطْلَقْ عليه العبارة لأنها غير منضبطة؛ لأنه يقول ما ليس بشيء يعني الذي ليس بشيء، وما دام قال الذي فإنه شيء. س٥/ قبل إرادة الله الخلق للشيء وعلمه به، ماذا يسبقه، هل يسبقه جهل به؟ ج/ أستغفر الله وأتوب إليه، الله سبحانه علمه أول، وعلمه مرتبط بإرادته وحكمته فلا يسبق علمه جهل ﷻ وتقدست أسماؤه. س ٦/ نرجو أن تملوا علينا الأبيات الميمية في القضاء والقدر؟ ج/ الميمية هي أو التائية؟ تائية شيخ الإسلام القدرية هذه مشهورة ينبغي لطالب العلم أن يحفظ منها أو أن يحفظها؛ لأنها فيها ذكر كثير من مسائل القدر. [.....] (١) هذيك في التعليل مو في القضاء والقدر؛ في ترك تعليل أفعال الله أو الخوض في ذلك، نأتيها إن شاء الله تعالى. هذه أبيات ذكرها ابن الوزير في كتابه إيثار الخلق على الحق دون نسبة، هي أبيات جميلة مهمة في مسألة تعليل الأفعال ومطلعها يقول فيها: تَسَلَّ عن الوفاق فربنا قد حكى بين الملائكة الخصاما كذا الخَضِرُ المكرّم والوجيه الـ ـمكلّم إذ ألم به لماما تكدَّر صفو جمعهما مرارا فعجّل صاحب السرّ الصَّرَاما ففارقه الكليم كليم قلب وقد ثَنَّى على الخضر الملاما وماسبب الخلاف سوى اختلاف ال ـعلوم هناك بعضا أو تماما فكان من اللوازم أن يكون الإله مخالفا فيها الأناما فلا تجهل لها قدْرا وخُذها شكورًا للذي يحيى العظاما هذه قصة عظيمة قصة الخضر مع موسى فيها من الفوائد ما لا يحصى. نكتفي بهذا القدر ونلتقي إن شاء الله تعالى بخير وعافية، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 233

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: الأسئلة: س١/ يقول: الإيمان بالأركان الستة منها ما لا يصح الإيمان إلا به، ومنها ما يجب على المؤمن أن يعتقده إذا بلغه بالدليل، فأرجو أن تبينوا دليل التفريق في ذلك؟ ج/ السؤال ما هو واضح من كل جهة، لكن مقصود السائل أنّ أركان الإيمان هي الأركان الستّة المعروفة قال ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] ، وقال ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] ، وقال في ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] ، وقال ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، فأركان الإيمان الستّة دل الدليل على وجوب الإيمان بها وأنها أركان الإيمان، وهذه الأركان هي التي جاءت في حديث جبريل ﵇، قال: ما الإيمان؟ قال «الإيمان أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُِلهِ وَاليَوْمِ الآخِر، وبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ مِنَ الله تعالى» ، هذا الإيمان الواجب متوقّف على العلم، فهذا القَدْرْ المجمل في الإيمان بالله، بالملائكة، بالكتب، بالرسل، القَدْرْ المجمل هذا واجب على كل أحد؛ لأنّه لا يصحّ الإيمان إلا بقدْرٍ منه، وهذا القَدْرْ هو الذي يتوقف عليه الإيمان بهذه الأمور الستّة، ولذلك ذكرنا لك التقييدات، ما ضابط الإيمان بالملائكة الذي يصح به الإيمان؟ ضابط الإيمان بالكتب؟ يعني القَدْرْ المجزئ، ما القَدْرْ المجزئ في الإيمان باليوم الآخر؟ ما القَدْرْ المجزئ من الإيمان بالقدر؟ ذكرناه لكم بالتفصيل ترجعون إليه. ما زاد على ذلك -على القَدْرْ المجزئ- فهو راجع إلى العلم فمن عَلِمَ شيئاً وَجَبَ عليه أن يؤمن به من عَلِمَ أن ثَمة ملك اسمه جبريل وجب عليه أن يؤمن بجبريل، ثَمة ملك اسمه ميكال في القرآن ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨] وجب عليه أن يؤمن بميكال، من عَلِمَ أنَّ في السنة بعذاب القبر أو بالقرآن ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١] وجب عليه الإيمان بعذاب القبر. فإذاً ثمة قدر مجزئ من الإيمان هذا شرط في صحة الإيمان، أو هو شرط في صحة الإيمان بهذا الركن الخاص من الأركان الستة، ما بعد ذلك ما هو زائد على هذا القدر المجزئ فهو موقوف على العلم بالدليل، وهذه قاعدة الشريعة. س٢/ كثيرا ما نقرأ ونسمع هذا يدل على كذا بالمطابقة، وعلى كذا بالالتزام، وعلى كذا بالتضمن، فما معنى هذه الثلاث وما الفرق بينها؟ ج/ المطابقة والتّضمّن والالتزام هي في أصلها من البحوث المنطقية، مطابقة تضمّن والتزام يبحثها المناطقة في أول كتب المنطق، ونَقَلَهَا اللغويون ونقلها الأصوليون في كتبهم فأصبح الناس يستفيدون ممن لم يُقْبِلْ على كتب المنطق يستفيدونها من كتب الأصول، سيَّما أنّ أئمة أهل السنة استفادوا منها في مباحث الأسماء والصّفات كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وعدد من أئمة الدعوة، ومعناها: - المطابقة: هي دلالة اللفظ على كل معناه. - التضمن: دلالة اللفظ على بعض معناه. - اللزوم: دلالة اللفظ على شيء آخر يلزم لوجود هذه الصفة وجود ذلك الشيء الآخر. مثاله: في صفاته الله الرحيم. الرحيم مطابقة هذا اللفظ يعني المعنى بالمطابقة ذاتٌ متصفة بالرحمة، فجمعت المطابقة ما بين الذات وما بين صفة الرحمة. فإذاً نقول الرحيم دال على الرحمة بالمطابقة، صح أو غلط؟ هذا ليس بصحيح، نقول: دال على ذات متصفة بالرحمة؛ يعني الاثنين يعني هذا زائد هذا، جميعاً، هذا معنى المطابقة. يأتي التضمن على بعض المعنى إذا قلنا الرحيم دالٌّ على صفة الرحمة يكون بالتضمن. يأتي اللزوم الرحيم دالٌّ على صفة الحياة يعني هل هو يكون رحيما بلا حياة؟ يدل على الإرادة، هل هو رحيم بلا إرادة؟ يدل على الكرم، هل ثم رحمة بلا كرم؟ ونحو ذلك من أدوات أو دلالات اللزوم المختلفة. س٣/ من قواعد أهل السنة في باب الأسماء والصفات أنَّ الاسم من الأسماء الحسنى متضمن للصفة، ولا يشتق من الصفة الاسم، وقد أشْكَلَ عليّ بعض الأسماء التي ذَكَرَهَا العلماء مشتقة من الصفات كالمعز المذل المحيي المميت وكالخافض الرافع، القابض الباسط والمعطي المانع؟

стр. 234

ج/ هذه الأسماء كمالها في اجتماعها في اقترانها، ومسألة الاشتقاق هذا في الانفراد، أما إذا كان الكمال في الاقتران فإنه لا بأس، ولذلك عدّوها من الأسماء الحسنى؛ لأنَّ الكمال في الاقتران، والاسم هذا من الأسماء الحسنى مع الاقتران يعني المميت ليس من الأسماء الحسنى؛ لكن المحيي المميت من الأسماء الحسنى، الخافض ليس من الأسماء الحسنى في نفسه، لكن الرافع الخافض من الأسماء الحسنى وهكذا. فإذاً هذه كمالها في اقترانها تدلّ على الكمال بالاقتران لا على وجه الانفراد. س٤/ هل يجوز الدعاء بـ: اللهم ربّ الأرواح الغائبة والأجساد البالية؟ ج/ الأرواح الغائبة مخلوقة لله وهو ربها، والأجساد البالية أيضاً الله ربها وهو أعلم بها وأين تفرقت أجزاؤها، فظاهر الدعاء أنه لم يشتمل على غلط. لكن مما ينبغي التنبيه عليه أنَّ القاعدة أن الدعاء يتحرى فيه المرء الصواب، وأن لا يكون معتديا في الدعاء، والاعتداء في الدعاء: - إما أن يكون في الطلب، يعني في صيغة الدعاء فيها اعتداء؛ ولكن يكون المطلوب طيّب. - وإما أن يكون في المطلوب، يعني في الشيء الذي سأله. مثال الثاني معروف الذي سأل وقال: اللهم إني أسألك القصر الأبيض ... الجنة إلى آخره، فهذا اعتداء في الدعاء من جهة المطلوب. لكن من جهة الطلب نفسه أن يستعمل صِيَغًاُ ليست من الصيغ التي فيها تَأَدُّبْ، أو صيغ ليس له أن يستعملها هو من جهة المعنى، أو أنّ فيها نوع نزول في مخاطبة الله ونحو ذلك، هذه تكون من الاعتداء في الدّعاء، ولذلك كلّما اجتهد المرء في أن يكون دعاؤه مأثوراً كان أسلم وأعظم وأجمع للدّعاء. س٥/ ما هي الحجة التقريرية والحجة الفطرية في آية الميثاق؟ ج/ آية الميثاق أظنه يعني بها قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢-١٧٤] ، هذه عند بعض أهل العلم تسمى آية الميثاق؛ لكن في الواقع ليس فيها ذكر للميثاق كما ذكرنا لكم وإنما فيها الإشْهَادْ، وهذا الإشهاد كما مر معنا تفسيره إنما هو دليل الفطرة والربوبية وآيات الله في الآفاق وفي الأنفس. فإذاً الحجة التقريرية في حد سؤال السائل هي إقرار أولئك بما أقرَّهُمْ الله عليه وشَهِدَ بعضهم على بعض أنَّ الله ربهم وأنه لا إله إلا الله. والحجة الفطرية هي ما فُطِرُوا عليه يعني منذ بداية خلقهم هم فُطِرُوا على الإسلام فُطِرُوا على التوحيد، وهذه الحجة ليست حجة كافية في الحساب؛ بل لابد أن ينظمّ معها الحجة الرّسالية، فالحجة الفطرية لا تكفي؛ بل لابد من الحجة الرسالية في الحساب والعقاب. إلا فيمن لم يَبْلُغْ فإنّ الفطرة تكفيه، الفطرة الأصلية تكفيه، فيمن مات قبل البلوغ، فإنه على الفطرة من أبناء المسلمين، وأما أبناء المشركين فهم على الخلاف المعروف في شأنهم والنبي ﷺ سئل عن أطفال المشركين فقال «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١) رواه البخاري وغيره. س٦/ نقل المرداوي في شرح اللامية عن السلف أنَّ تفسير آيات الصفات عندهم هو قراءتها من غير التعرض لمعناها، ونقل عن الفضيل بن عياض أنَّ تفسير آيات الصفات قراءتها فهل ذلك صحيح؟ ج/ السلف ربما قال بعضهم (أمرّوها كما جاءت) ، تفسيرها قراءتها، وربما قال بعضهم (لا كيف ولا معنى) ، يعنون بذلك أنه ليس ثَمَّ شيء غير الظاهر، لا كيف كما يقول المجسمة، ولا معنى -غير الظاهر- كما يقول المؤولة، قراءتها تفسيرها يعني كما يتبادر إلى الذهن لأن هذه كلمات عربية فما تبادر للذهن من معناها فهو الذي يجب الإيمان به، مع قطع الطمع عن الإدراك. س٧/ أشكل علينا قولكم إن العلم يكون مع أول الإرادة، وما هي الإرادة المقصودة؟ ج/ هذه كلمة أردت بها التوضيح، وأشكلت على كثير من الإخوان، وهي سليمة في نفسها صحيحة؛ لكن لأجل عدم الاستيعاب أتركوها، وهي للإيضاح ليست للاعتقاد، هي للإيضاح، كلمة للإيضاح فاحذفوها من كتاباتكم، وإن أمكن أيضا من التسجيل لئلا يوقع الناس في اللَّبس. س٨/ لماذا نقول عموم المشيئة ولا نقول المشيئة دون ذكر كلمة العموم؟ ج/ لأنَّ المشيئة ما تُبَيِّنْ الفرق ما بين السني والقدري، في مباحث القدر نقول: عموم المشيئة لنُدخل طاعة المطيع ومعصية العاصي في مشيئة الله ﷻ .

стр. 235

س٩/ في سورة التكوير ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] إلى آخره، هل هذه الآيات بعد البعث وقيام أهل القبور أم قبله؟ وكيف الجمع مع قوله ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٤] ؛ ﴿الْعِشَارُ﴾ معناها الإبل التي قَرُبَ حملها، فهل هي لم تتم أم ماذا؟ ج/ الجواب أنَّ هذه التغيرات التي تحدث في ملكوت الله في الأرض وفي السماء وتفجير البحار وانشقاق السماء وما يحدث مما في القرآن كثير أو ذكر كثير من الآيات في هذا الباب. هذا على الصحيح أنه يحدث بين النفختين، بين النفخة الأولى التي هي نفخة الصعق والنفخة الثانية التي هي نفخة البعث، فبين النفختين تحدث هذه الأشياء والنبي ﷺ صح عنه أنه قال «مَا بَيْنَ النّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ» (١) قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْماً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْراً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قال النبي ﷺ «وكل شيء يَبْلَىَ من ابن آدم إلا عَجْبُ الذّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؛ وذلك لأنَّ السماء تُمْطِرُ يوم القيامة في هذه الأربعين مطرَاً كمني الرّجال، مُشَبَّهْ بذلك، تنبت منه أجساد الناس،، فإذا نبتت الأجساد وانشقت الأرض وأخرجت أثقالها؛ يعني من المدفونين، في هذه الفترة الأرض تغيرت، الجبال سُيَّرَتْ والسماء تغيرت وبُدِّلَتْ الأرض غير الأرض والسماوات، يعني صار الأمر أمراً جديداً ليس هو المألوف، لا الأرض هي الأرض، ولا السماء هي السماء، السماء الآن تستعد لنزول الله لفصل القضاء، والأرض كذلك، فيستوي من دُفن وراء الجبال ومن دفن في ساحل البحر، كلهم يستوون، الأرض سيرت جبالها وتغيرت، فيسيرون سيراً واحداً. ثم بعد ذلك ينفخ الله في الصور نفخة البعث فتتطاير الأرواح، فتهتز الأجساد بالأرواح حية، ثم ينظرون يتلفّتون؛ لأنَّ الأرض مختلفة، كما قال سبحانه ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ لأنه انشقت بها الأرض ﴿يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] يعني ينظرون ما حولهم، ويكرم الله أهل الإيمان بأن يأتي لهم بجوار قبورهم بجوار أمكنتهم بنَجَائِبَ من نور من الجنة فيحشرهم إليه وفداً لا يتعبون في السير إلى أرض المحشر، وهذه أول البشائر لهم، ويُذل الله أهل الكفر بأن يجعلهم يحشرون ويساقون إلى جهنم، وهذا معنى قوله تعالى ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥] ، الوفد في اللغة هم الراكبون يقدمون راكبين مكرمين، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦] ، والعياذ بالله. فهذا بعض ما يتعلّق بهذه المسألة. وهذه لابد أنك تعرفها، طالب العلم من المهم أن يعرف في إيمانه باليوم الآخر ماذا يحدث من حين الوفاة إلى دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، حتى ما بعد ذلك ما الذي يحصل. لا بد تعرف، نفخ في الصور، نفخة البعث، نفخة الصعق قبل ذلك، ما الذي يحصل؟ ثم نفخة البعث ما الذي يحصل بعدها، سِيْقُوا، ترتيب الأشياء. في عرصات القيامة، ما الذي يحصل أول؟ الميزان أول، أم الحوض أول، ولا تطاير الصحف، يعني كل هذه الأشياء التي هي من جملة الإيمان باليوم الآخر لابد من أن يتعلّمها طالب العلم، فتكون عنده مرتبة من إحياء الله الموتى إلى دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وهي مرتبة في كتب أهل العلم وإذا كانت غير مرتبة فرتّبها. وإذا فهمتها فهما جيدا فإذاً يكون بعد ذلك فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعرفة دلالات الآيات في ذلك واضحة في ذهنك مرتبة، إذا جاء مثلاً تطاير الصحف متى يكون؟ واضح زمنه عنك، إذا جاء عدم الكلام، ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس:٦٥] متى يكون ذلك؟ واضح عندك أيضا، وهكذا. فيتعلم المرء بذلك العقيدة وعلم الجزاء، وهذا من العلوم الثلاثة المهمة لأنَّ العلوم النافعة ثلاثة -العلوم الشرعية- التوحيد والفقه وعلم الجزاء اليوم الآخر وهذا هو الذي ذكره ابن القيم في النونية حيث يقول: والعلم أقسام ثلاث مالها ****** من رابع والحق ذو تبيانِ علم بأوصاف الإله وفعله ****** وكذلك الأسماء للديانِ والأمر والنهي الذي هو دينه ****** وجزاؤه يوم المعاد الثاني والكلُّ في القرآن والسنن التي ****** جاءت عن المبعوث بالفرقان س١٠/ هل من كلام حول من قال إنه يوجد في القرآن مجاز. ج/ الله المستعان، هذه المسألة طويلة ذكرناها لكم الظاهر مراراً، الكلام عليها يطول جداً. س١١/ هل هناك فرق بين الأمر والقَدَرَ؟ ج/ ما فيه شك، الأمر أعم.

стр. 236

س١٢/ في قول النبي ﷺ «إنّ الله جميل يحب الجمال» (١) ، «إنّ الله وتر يحب الوتر» (٢) ، ونحوها من الأحاديث، هل هذه النصوص من باب الإخبار عن الله بصفاته الذاتية والفعلية؟ أم المراد منها إثبات هذه الأسماء في الأسماء الحسنى؟ ج/ ذكرنا لك أنَّ الشروط التي بها يكون الاسم من أسماء الله الحسنى ثلاثة: (٣) الشرط الأول: أن يكون واردا في الكتاب أو السنة أو فيهما معاً؛ يعني قد جاء به النص؛ لأن باب الأسماء والصفات توقيفي ليس اجتهادياً. الشرط الثاني: أن يكون الاسم متضمناً لكمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه. الثالث: أن يكون الاسم يُدْعَى الله به، كما قال سبحانه ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] . ذكرنا لكم أنَّ هذه الشروط الثلاثة في شرح العقيدة الأصفهانية. س١٣/ ما المقصود بالمقلّد في العقيدة، وما هو حكمه؟ المقلد في العقيدة الذي أخذ ما يَصِحُّ به الدين أو ما لا يصح الدين إلا به تقليداً لا عن دليل، وهذا لا يُقْبَلُ منه؛ بل لابد لكل أحد أن يعلم دينه بدليله، ليعلم معنى الشهادتين بدليله، يعلم فَرَضِيَّةْ الصلاة بدليلها، يعلم فَرَضِيَّةْ الزكاة بدليلها، يعلم فَرَضِيَّةْ الصوم بدليلها، يعلم فَرَضِيَّةْ الحج بدليله، هذه الأركان الخمسة. وهذه يكفي في تعلمها بدليلها مرّة في العمر في أن يتعلمها فيدخل في الإيمان عن عِلْمٍ بهذا الدّليل، فلو نسيه بعد ذلك أو غاب عنه أو غفل لم يؤثّر في استدامة وصحة إيمانه وإسلامه. هذا هو معنى التقليد وحكمه عند أهل السنة. أما تقليد المتكلّمين فهذا له بحث آخر، فتقليدهم يعنون به التقليد في النظر أو في إثبات دليل الوجود عن طريق التأمل في آلاء الله أو القصد إلى التأمل. لعلنا نكتفي بذلك. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. (٤)

стр. 237

: [[الشريط الثامن عشر]] : وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ، فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ، فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ.

стр. 238

[المسألة الأولى] : القَدْرْ في اللغة بمعنى ترتيب الشيء ليكون على وَجْهٍ ما، فيُقَال قَدَّرْت أو تقول قَدَّرْتُ أن يكون الأمر كذا وكذا، إذا رَتَّبْتََ أن يكون الأمر على هذا المنوال. فإذاً القَدَرْ في معناه اللغوي يدخل فيه الفعل، ويدخل فيه الإرادة والمشيئة، ويدخل فيه العلم، ويدخل فيه أيضا الحكمة بحسب من قَدَّرْ. وأما في الشريعة فالقَدَرْ يجمع أربعة أشياء: - يجمع العلم السابق. - والكتابة السابقة. - وعموم مشيئة الله . - وعموم خلقه للأشياء. ولهذا عرَّفَ بعض أهل العلم القَدَرْ بأنَّ القَدَرْ: هو علم الله بالأشياء قبل وقوعها وكتابته لها في اللوح المحفوظ وعموم مشيئته لما يقع وخلقه للأشياء كلها. وهذا في الواقع تعريفٌ من باب ليس حدّاً، يعني على صناعة الحدود ولكنه تعريف يشمل مراتب الإيمان بالقدر الأربعة ولِيُدْخِلَ ذلك في تعريف القدر عند أهل السنة والجماعة.

стр. 239

[المسألة الثانية] : القَدَرْ مرّ بك تعريفه. وأما القضاء فإنه في اللغة بمعنى إنهاء الشيء، وقد يكون الإنهاء إنهاء عمل وقد يكون إنهاء خبر، ولهذا جاء في القرآن تنوّع معنى القضاء إلى عدة معاني: ١ - المعنى الأول أنَّ القضاء يكون بمعنى الإنهاء كما قال سبحانه ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] ، وقال ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ [سبإ:١٤] . ٢ - المعنى الثاني أنَّ القضاء بمعنى الوحي وذلك إذا عدي بـ (إلى) ، قضينا إلى، قَضَى إلى، يكون إنهاء الخبر بالوحي كما قال ﴿وَقَضَيْنَا إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء:٤] يعني أوحينا إلى بني إسرائيل وأعلمناهم وأخبرناهم، وقال أيضا ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٦٦] ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ يعني أوحينا إليه وأنهينا إليه ذلك الخبر بالوحي. ٣ - المعنى الثالث أنَّ القضاء يكون بمعنى القَدَرْ كما قال ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢] ، يعني قَدَّرَ ذلك وخلقه وفعله، وكما في قوله أيضا ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾ [سبإ:١٤] ، على أنَّهُ بمعنى القَدَرْ؛ لأنَّ الإنهاء يدخل في القَدَرْ. ولهذا المعنى قال جمع من أهل العلم إنَّ القضاء والقَدَرْ بمعنى واحد؛ لأجل أنهم لحظوا أنَّ معنى القضاء داخل في معنى القَدَرْ، وأنَّ القدر والقضاء لا فرق بينهما. ممن ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم منهم ابن الجوزي وكثير من العلماء السابقين. * وأما فيما دَلَّتْ عليه نصوص الكتاب والسنة فإنَّ القَدَرْ غير القضاء، وهذه الغيرية بمعنى أنَّ القَدَرْ أعم من القضاء، والقضاء قد يكون بعض مراتب القَدَرْ من حيث الإطلاق. ولهذا قال بعض أهل العلم في تبيين ذلك: إنَّ القضاء هو القَدَرْ إذا وقع، وقبل وقوع المقدر لا يسمى قضاء. ذلك لأنَّ كلمة قضاء -كما رأيت في معناها في اللغة وفي استعمالات القرآن أنها بمعنى الإنهاء إنهاء الشيء إنهاء الخلق إلى آخره. والقَدَرْ إذا وقع وانتهى صار قضاءً، قُضِيَ ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف:٤١] ، يعني انتهى ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] ، يعني أحكم بما شئت وأنهى الأمر على أي وجه شئت. فإذاً يكون القضاء هو إنهاء القَدَرْ، وهذا يتبيّن بأنَّ مراتب القَدَرْ الأربعة التي سيأتي بيانها منها مرتبتان سابقتان وهي مرتبة العلم والكتابة، ومنها مرتبتان -وهي عموم المشيئة وعموم الخلق لله - هاتان المرتبتان مقارنتان لوقوع المقدر. ولهذا إذا نُظِرَ لوقوع المُقَدَّرْ من جهة عموم الخلق وعموم المشيئة فإنَّهُ حينئذٍ يكون قضاءً لله لهذا الشيء. قضى الله الأمر على كذا وكذا بمعنى خلقه وشاءه. ولهذا نظر من نَظَرْ في أنَّ القضاء داخل في القَدَرْ فلذلك قالوا القضاء والقدر بمعنى واحد. لكن على التحقيق ليس القضاء والقدر بمعنى واحد، وإنما القضاء هو وقوع المُقَدَّرْ، فإذا وقع القَدَرْ السابق وانتهى سُمِّيَ قَضَاءً، قُضِيَ وانتهى وهو المُقَدَّرْ، ولاشك أنَّ الذي يقع مقدر ويكون قضاء. ولهذا نقول القضاء، والقَدَرْ بينهما فرق فإن: - القَدَرْ أعم، والقضاء أخص. - والقَدَرْ سابق، والقضاء لاحق. - والقَدَرْ فيه عدة صفات لله : العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأما القضاء قضاء الله للشيء في نفسه يدل على خلقه للشيء ومشيئته له. لهذا على الصحيح أنَّ القضاء والقَدَرْ ليسا بمعنى واحد ولا يتواردان، يعني ما يُسْتَعْمَل أحدهما بمعنى الآخر؛ بل القَدَرْ أعم.

стр. 240

[المسألة الثالثة] : الإيمان بالقدر يشمل أربع مراتب: أما مرتبتان فسابقتان قبل خلق السموات والأرض قبل خلق الأشياء وهما: ١ - المرتبة الأولى: علم الله السابق. ٢ - المرتبة الثانية: كتابه للأشياء في اللوح المحفوظ. @ وعلم الله السابق بالأشياء: علم أزلي والله عِلْمُهُ صفة ذاتية له، فما شاء الله أو أراد أن يُوقِعَهُ في ملكوته مُوَقَتاً بوقته مُقَدَّراً بزمان وصفتة فإنه عَلِمَ ذلك على وجه التفصيل لكمال علمه وأنه سبحانه بكل شيء عليم. @ وأما كتابه للأشياء: فإنَّ الله كَتَبَ مقادير الخلائق مؤخراً؛ يعني قبل خَلْقِ السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم وغيره «قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) . وقوله (قَدَّرَ الله) يعني كَتَبَ لأنَّ المرتبة السابقة للعلم هي قبل ذلك. عِلْمُ الله أول علم الله أزلي، يعني لم يَزَلْ. فإذاً نقول إنَّ مرتبة الكتابة هي كتابة الله للأشياء على وجه الإجمال والتفصيل في اللوح المحفوظ كما قال سبحانه ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٣] ، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، وقال ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠] ، ونحو ذلك من الأدلة. والأدلة لهاتين المرتبتين كثيرة في القرآن والسنة. ٣ - أما المرتبة الثالثة فهي مرتبة عموم مشيئة الله : فإنه ما شاء الله كان وما لن يشأ لم يكن. فطاعة المطيع وقعت بمشيئة الله، ومعصية العاصي وقعت بمشيئة الله، إحياء النفس وقع بمشيئة الله، وقتل النفس وإزهاق روحها ظُلْماً وعدوانا وقع أيضا بمشيئة الله . فالله سبحانه شَاءَ كل ما وقع، فما وقع في ملكوته لا يمكن أن يوقعه العبد إلا إذا شاءه الله بما في ذلك الأمور المحمودة عند الإنسان والأمور المذمومة عند الإنسان، الخير بالنسبة للإنسان والشر بالنسبة للإنسان كل ذلك وقع بمشيئة الله ، ولا يخرج أحد عن مشيئته، قال سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠] ، وقال سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] ، وقال سبحانه ﴿مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] ، وقال سبحانه أيضا ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٥] . فإذاً ما يقع من الإضلال هو بمشيئة الله؛ لكن وقع بمشيئة الله لحكمةٍ لله في وقوعها. فإذاً الله سبحانه شَاءَ الخير وشاء الشر وأذِنَ بوقوع الخير، وأَذِنَ بوقوع الشر كَونَاً. وأما من جهة الشرع، من جهة الدين فإنَّ الله سبحانه نهى عن الشر، نهى عن الكفر، نهى عن الكبائر، نهى عن المعصية، نهى عن الظلم وأمر بالإيمان وأمر بالعدل وأمر بالطاعة وأمر بالعبادة. فإذاً ثَمَّ فرق بين الإرادة الكونية وبين الإرادة الدينية. فالإرادة الكونية لا يُشْتَرَطُ لها وهي المشيئة أن يكون الشيء وقع والله يُحِبُّهُ ويرضاه؛ بل قد يأذن الله ويشاء بالشيء وهو لا يحبه ويرضاه، يأذن به كَونَاً ويشاؤه ويقع وهو لا يحبه ويرضاه من عباده، وهو لا يحبه ويرضاه أن يقع؛ لكن أَذِنَ به وشاءه لحكْمَةٍ له في ابتلاء العباد؛ لكنه لم يرضه دينا، يعني ما أراده شريعةً، ما أرده ديناً، وهذا يحتِّمْ كما قال ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] مع أنه ﴿وَمَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ﴾ ، ولكنه ﴿لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ . فإذاً دَلَّتْ الأدلة على التفريق ما بين الإرادة الكونية والإرادة القدرية، والإرادة الكونية هي المشيئة. لأنَّ الإرادة تنقسم إلى: - إرادة كونية. - وإرادة دينية وأما المشيئة فلا تنقسم، المشيئة هي الكونية يعني هي الإرادة الكونية. إذا تبين لك ذلك فمرتبة المشيئة هي المرتبة التي فيها الخلاف والضلال ما بين القدرية المتوسطة وبين أهل السنة والجماعة، هي في مسألة المشيئة. والقدرية الذين ينفون القَدَرْ كالمعتزلة والرافضة وأشباه هؤلاء والزيدية كل هؤلاء يُنَزِّهُون ويقولون: إنَّ المشيئة لا تدخل في معصية العاصي ولا في كفر الكافر، فإنَّ كفر الكافر ومعصية العاصي هذه لم يشأ الله أن تقع وإنما شاءها العبد وهي مكروهة لله استدلالاً بقوله ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ﴾ .

стр. 241

والصواب في ذلك أنه ما من شيء يقع إلا بإذن الله، وإلا فيكون الله يقع في ملكه ما لم يأذن به، وهذا وَصْفٌ لله بالنقائص. بل عموم قدرة الله وقوته وملكوته وجبروته وقهره وملكه لهذا الملكوت أنَّهُ لا يحصل شيء إلا بعلمه سبحانه وبإذنه ومشيئته؛ لكن له حكمة في أَنْ يقع هذا الشيء. فقتل القتيل ظلماً وَقَعَ بمشيئة الله الكونية لكنه لم يأذن به شرعاً بل نهى عنه، اقتحام الكعبة والمسجد الحرام وإسالة الدم فيه لم يقع بإذن الله الشرعي ولكنه وقع بإذن الله الكوني. فإذاً يجتمع في إذن الله الكوني الطاعات والمعاصي، المحمود والمذموم، الشر والخير. وأما إذن الله الشرعي، إرادة الله الشرعية فهي ما أَمَرَ الله به. وأما ما نهى عنه فإنه لم يُرِدْهُ شَرْعَاً. وهذا بيان مهم والمسألة معروفة لأكثر طلبة العلم في التفريق ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لهذه المسألة. ٤ - أما المرتبة الرابعة فهي مرتبة عموم خلق الله للأشياء: وأما خلق الله للأشياء فجميع المنتسبين للإسلام بل وغير المسلمين يؤمنون بأنَّ الله خالق الأشياء. لكن عموم خلق الله الأشياء بِضَابِطِ وقَيْدِ العموم هذا مما تميَّزَ به أهل السنة والجماعة إعمالاً وإيمانَاً بقول الله ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] ، وقوله سبحانه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢] . فإذاً الأشياء التي خَلَقَهَا الله داخلة في قَدَرِ الله . يدخل في عموم خلق الله للأشياء الكُفْرْ، ويدخل في ذلك معصية العاصي، ويدخل في ذلك عمل الإنسان بجميع أنواعه من الخير والشر وذلك لقوله سبحانه ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ، يعني خلقكم والذي تعملونه. - فتكون ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، يعني اسم موصول بمعنى الذي. - أو تكون ﴿مَا﴾ مصدرية يعني حرف مصدري تُقَدَّرْ مع الفعل بعدها بمصدر فيكون تقدير الآية (والله خلقكم وعملكم) . (١) فما عَمِلَهُ الإنسان خَلَقَهُ الله كما خَلَقَ ذات الإنسان خَلَقَ عمله، والله خلقكم وعملكم، أو والله خلقكم والذي تعلمونه. وهذا ظاهر، ويأتي بيان شُبَهْ الفِرَقْ والرد عليها مزيد تفصيل لعموم خلق الله للأشياء.

стр. 242

[المسألة الرابعة] : منشأ الضلال في القدر، منشأ ضلال الفرق: الجبرية والقدرية يرجع إلى عدة أسباب: (١) ١- السبب الأول: قياس أفعال الله وتصرفاته سبحانه بأفعال الخلق. فيجعلون ما كان محموداً في الخلق محموداً في فِعْلِ الله ، وما كان مَذْمُومَاً في الخلق فيكون مَذْمُومَاً في فعل الله . فعندهم أنَّ العدل محمود والظلم مذموم، فيجعلون العدل بتفسيره في الخَلْقْ والظلم بتفسيره في الخَلْقْ في حق الله، فما اقتضى العدل في المخلوق جَعَلُوهُ لله وما اقتضى الظلم في المخلوق جعلوه منفِيَّاً عن الله . ولذلك نفوا عموم المشيئة ونَفَوا عموم الخلق، لأنهم جَعَلُوا أنَّ إِذْنَ الله بالكفر يقتضي الظلم؛ لأنه معناه الإلزام. وجعلوا خلق الله لمعصية العاصي ولكُفْرِ الكافر جعلوا ذلك ظلماً؛ لأنَّهُ في حق الإنسان إذا جَعل غيره يفعل ذلك الشيء فإنَّهُ قَهَرَهُ عليه وأَجْبَرَهُ عليه أو أنه أَذِنَ له به وهذا ظلم في حق الإنسان فيما بينهم. فيقولون: إِذْنُ ما كان عدلاً في الإنسان فهو عدل في الله وما كان ظلماً في الإنسان فهو ظلم في الله لأنَّ تعريف العدل والظلم فيما جاء في النصوص هو التعريف اللغوي وهو الذي يشمل الإنسان ويشمل الله . * وهذا في الحقيقة هو أعظم أسباب الضلال في هذه المسألة. ٢ - السبب الثاني: عدم التفريق ما بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية. فيجعلون الإرادة والمشيئة شيء واحد، فما نُفِيَ مما لم يُرِدْهُ الله شرعا جعلوه مَنْفِيَّاً كونا. فالله لم يرد الكفر فجعلوه لم يشأ الكفر؛ لأنَّ الإرادة عندهم قسم واحد، لم يرد المعصية فجعلوه لم يشأ المعصية، لم يرد الكبيرة جعلوه لم يشأ الكبيرة. والإرادة كما ذكرنا منها إرادة شرعية ومنها إرادة كونية. والإرادة الكونية هي المشيئة، وأما الإرادة الشرعية فهي التي تدخل فيها صفة المحبة والرضا لله . ٣- السبب الثالث: دخول العقل في التحسين والتقبيح. فيجعلون الأفعال التي تقع في ملكوت الله وتقدير الله للأشياء يدخل فيه العقل مُحَسِّناً ومُقَبِّحاً. وذلك لأنَّ العقل عندهم أصل، فقالوا: العقل يُعْمَلُ في أفعال الله فما حَسَّنَهُ العقل في أفعال الله صار حسناً وما قبَّحَهُ العقل في أفعال الله وجب نفيه عن الله . وهذه هي المسألة المشهورة بالتحسين والتقبيح العقليين التي لها صلة بالأصول وبالفقه يعني بالتكليف ولها صلة أيضا بمبحث القضاء والقدر. ٤- السبب الرابع: الدخول في أفعال الله وعدم التسليم لمراد الله . يعني الخوض في أفعال الله . والخوض في أفعال الله كما ذكر لك الطحاوي في ذلك (ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ) . (ذَرِيعَةُ الْخِذْلَانِ) يعني وسيلة لأن يُخْذَلْ العبد، لأنه معناه أنك تريد أن تصل إلى معرفة سر القَدَرْ وهذا لا يمكن. (سُلَّمُ الْحِرْمَانِ) لا يمكن أيضاً أن تدخل في أفعال الله فَتُحْرَمْ؛ ولأنَّ هذا سُلَّمُهُ الحرمان فتصل إلى أن تكون محروماً. وكذلك أنَّه (دَرَجَةُ -من درجات- الطُّغْيَانِ) لأنَّ الإنسان رفع نفسه فوق ما لها، طَغَى وجاوز حَدَّهْ، فحَدَّهُ أن يتعبد الله بالإيمان والتسليم ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] . فإذاً السؤال بـ (لم؟) هذا من منشأ الضلال فيمن ضَلَّ في الجبرية وفي القدرية وفي المتحيرين المتشككين الذين أنكروا الشريعة وضَلُّوا وأَلْحَدُوا بسبب الدخول في القَدَرْ. من المعلوم أنَّ القَدَرْ فيه العِلْمْ، والعلم يتفاوت فيه الناس. والله يعلم ما يوافق حكمته . الحكمة أين هي؟ ما يريده الله من الابتلاء في خلقه. الله يعلم ذلك، فأَوْقَعَ في خلقه ما يوافق الحكمة له؛ يعني ما يوافق مراداته في خلقه وحصول الابتلاء في ذاته، والإنسان قد ينظر فيكون علمه قاصراً فلا يصل إلى حقيقة الإدراك. ولهذا قال بعض السلف وتُنْسَبْ إلى أبي بكر ﵁ (العجز عن الإدراك إدراك) لم؟ (٢) لأنَّ إدراكات الذكي غير إدراكات البليد فإذا اعْتَرَضَ البليد على الذكي بأنَّ هذا الشيء ليس كذلك لأنَّ هذا ما يُعْقَلْ وهذا ما يحصُلْ فيكون هذا اعتراض لا عن علم وإنما عن جهل فَيُرَدْ على صاحبه فيكون هو المحروم. مثل جهل بعض الناس مثلاً ببعض الأجهزة. الكفار من النصارى أوَّل ما اخترع المسلمون الساعة أنكروها وخافوا منها، ورَجَعَ الأمر إلى أنَّ في بعض المخترعات للكفار في العصر الحديث رفضه بعض المسلمين وخافوا منه؛ وذلك لأنَّ ذلك فيه عَجْزَاً عن إدراك حقيقته، فرفضوا لأنهم عجزوا عن إلادراك.

стр. 243

وهذا إذا كان في المخلوق فالله له العلم الكامل وله العلم بكل شيء يعلم الأشياء على تفاصيلها. والإنسان علمه قاصر، فإذاً إذا خاض في القدر بعلمه القاصر فلاشك أنه سيعترض لأنه لا يعلم. وإذا اعترض على الله فإنه سَيُخْذَلْ ويُحْرَمْ ويَتِيه ويُخْذَلْ ويضل الطريق كما حصل أنَّ أناساً كثيرين ضلُّوا بسبب خوضهم في أفعال القدر. هذه وقد ذكرنا لكم كلمة شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته القدرية قال: وأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةِ هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ فإنَّهمُو لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ هذه بعض أسباب ومنشأ الضلال في باب القَدَرْ.

стр. 244

[المسألة الخامسة] : أنّ الناس في القَدَرْ الذين خالفوا أهل السنة والجماعة، لهم فِرَقْ كثيرة وهذه الفرق ترجع إلى فرقتين: ١ - الأولى القدرية. ٢ - الثانية الجبرية. @ ويُعنى بالقدرية: الذين أنكروا القدر، إما أنكروا كل المراتب، أو أنكروا بعض مراتب القَدَرْ التي ذكرنا لك. @ ويُعنى بالجبرية: الذين يزعمون أنَّ الإنسان لا اختيار له وأنه مجبور. & أولاً: القدرية: القدرية فرق يُلَخَّصْ اختلافهم في أنَّ: ١- الفرقة الأولى: هم الغلاة الذين كانوا يُنكرون عِلْمَ الله السابق فيقولون: إنَّ الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه والأمر أُنُفْ، كما كان يقول معبد الجُهَنِي وغيلان الدمشقي وجماعة من الأولين. وهؤلاء هم الذين أنكروا علم الله السابق، فقالوا: إنَّ الله لا يعلم الأشياء حتى تقع والأمر أنف؛ يعني مستأنف جديد غير معلوم وغير مُقَدَّر له قبل ذلك. وهؤلاء هم الذين كفَّرَهُم السلف وكفَّرَهُم الصحابة كابن عمر وابن عباس وغير أولئك، وذلك لأنهم أنكروا مرتبة العلم، والله ذكر عِلْمَهْ، فمعنى ذلك أنهم ردُّوا حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب فهو من الكافرين. وهؤلاء هم الذين قال فيهم السلف (ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خُصِمُوا وإن جحدوه كفروا) . وهذه الفرقة ذهبت ولا يُعْرَفْ أنها عقَّبَتْ وارثاً في الأعْصُرْ المتأخرة. ٢ - الفرقة الثانية: وهم القدرية المتوسطة: المعتزلة والشيعة الرافضة والزيدية ومن نحا نحو أولئك. وهؤلاء لا يُنْكِرُونَ جميع المراتب؛ ولكن يُنْكِرُونَ بعض الأشياء في بعض المراتب. فيقولون: إنَّ المشيئة ثابتة لكن ليست عامة. ويقولون: إنَّ الخلق ثابت ولكن ليس عامَّاً. وسُمُّوا بالقدرية لأنهم ينفون بعض مراتب القدر. وهذه الفرقة باقية إلى الآن المعتزلة موجودة الآن، الزيدية والرافضة والفرق موجودة في أمصار كثيرة من بلاد المسلمين، وهؤلاء هم الذين يأتي إن شاء الله ذكر بعض شبههم والرّد عليها بإذنه تعالى. & ثانياً: الجبرية: أما الجبرية فهم أيضا فِرَقْ منهم: ١- الفرقة الأولى: هم الغلاة، وهم الذين يقولون إنَّ الإنسان مجبور على كل شيء، وحركاته كحركة الريشة في مهب الهواء، وكحركة الخشبة في البحر فإنَّ الأمواج تتقاذفها وليس لها اختيار، وكذلك الريشة يُقَلِّبُهَا الهواء وليس لها اختيار. العبد يقولون ليس له اختيار وإنما هو مفعول به في كل أحواله، سواء من ذلك الطاعات والمعاصي، فَصَلَّى مجبوراً، وصام مجبوراً، وسرق مجبوراً، وغشّ مجبوراً. ويقولون: إنَّ أفعال الله غير مُعَلَّلَة، فقد يُدْخِلْ الله إبليس الجنة، وقد يُدْخِلْ آدم النار؛ يعني من لازِمِ مذهبهم، فإنه لا تعليل في أفعال الله، قد يُعَذّب المطيع الصالح، وقد يُعْطِي ويُنَعِّم الكافر الطاغوت. لماذا؟ لأنَّهُ يقول هؤلاء فَعَلُوا بغير اختيارهم، فالله هو الذي أَجْبَرَ هذا أَجْبَرَ هذا، فله أن يَقْلِبَ الأمور لأنَّ هذا ما فعل الذنب باختياره، نعوذ بالله من الأقوال الضالة. وهؤلاء يمثّلهم -يعني الجبرية- يمثلهم طوائف من الصّلحاء في الزمن الأول ممن رأوا الفَنَاء في شهود الأمر الكوني. وممن قال أيضاً بهذا القول جهم ومن اتَّبَعَهُ، وأيضاً قال به طوائف من غلاة الصوفية يرون أنهم ليس لهم فعل البتة، فأفعالهم الظاهرة كحركة أمعائهم لا اختيار لهم فيها. ٢- الفرقة الثانية: وهم الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم ممن غَلَوا في إثبات المشيئة، مشيئة الله وخلقه، وقالوا إنَّ الإنسان ليس مجبوراً على كل حال؛ ولكن هو مجبور باطناً لا ظاهراً؛ يعني في الباطن مجبور ما يتحرك بإرادته ولكن في الظاهر تصرفاته بإرادته، فَيُحَاسَبُ على تصرفاته الظاهرة، وأما الذي دَفَعَهُ في الحقيقة فهو أمر باطن مُجْبَر عليه من الله . وهذا في الحقيقة قولٌ بالجَبْرْ، ومشهور أنَّ الأشاعرة جبرية. ولهذا لما عُرِضْت هذا الاعتراضات، اعْتُرِضْ على الأشعري في الحساب والعقاب والثواب قال: إنَّ الأفعال يُحَاسَبْ عليها العبد ويُنَعَّمْ ويُعَذَّبْ لأنه كسبها، وكَسْبُهُ لها من فعله. فإذاً يُعَاقَب ويُثَاب على ما كسب، والله يقول ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] فأخذ من لفظ (كَسَبَ) في القرآن أنَّ الفعل الظاهر كَسَبَهُ العبد، يعني عمله فهو يحاسب على ما ظهر. وهذا الكسب عنده في الواقع ابتدأه أبو الحسن الأشعري دون سابق في هذه الأمة، فلهذا نَظَرَ أصحابه في تعريف الكسب، إيش معنى الكسب هذا الذي أحدثه الأشعري لقاء قوله بالجبر الباطن؟

стр. 245

يقول إنَّ الإنسان يُفعل به وهو يَفْعَلْ، والأمر يحصل عند حركة الإنسان، مثل قطع السكين للخبزة، أو تكسير العصا للحجر، فإذا ضَرَبَ الإنسانُ الحجر بالعصا، يقول: إنَّ الحجر تنكسر لا بالضرب؛ ولكن عند الضرب، يعني كَسَرَ الله الحجر لا بِضَرْبِ الإنسان ولكن عند ضربه. يعني أنَّ الحجر ليس له خاصية الانكسار بضرب العصا، والعصا ليست لها خاصية الكَسْرْ -كسر الحجر-، والإنسان ليس فيه خاصية أنَّهُ يحمل العصا على الحقيقة ويكسر على الحقيقة. ولهذا سماهم السلف نفاة التعليل ونفاة الأسباب، يعني ليس ثَمَّ شيء يُنْتِجُ شيئاً ليس ثم سَبَب يُنْتِجُ مُسَبَّبَاً عندهم كل شيء يحصل بخلْقٍ له منعزل عن غيره، لا بأسباب غيره. فالماء إذا نزل على الأرض نبت العشب لا بالماء، ولكن عند الإلتقاء. وما جاء في القرآن من ذكر حرف الباء ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ﴾ [النمل:٦٠] يعني لفظ ﴿بِهِ﴾ هذا يفسرونه بعنده هذا كثير في التفاسير فتنتبه لهم. إذاً خلصوا إلى أنَّ الإنسان يكسب العمل. وتفسير الكسب، كيف يَجْمَعْ ما بين الجبر الظاهر والجبر الباطن بالكسب اختلف فيه الأشاعرة على أقوال كثيرة وخلاصتها أنه لا مُحَصَّلَ لها وأنه مجبور لا مختار. ولهذا قال القائل في البيت المعروف في بعض كتب العقائد المطولة قال: مما يقال ولا حقيقة تحته معقولةً تدنو لذي الأفهام الكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام (١) هذه ثلاثة أشياء لا حقيقة لها اخترعها أصحابها دون حقيقة. إذا تبين لك ذلك فلفظ الكسب له عدة استعمالات، أو الكسب عند الناس له ثلاث استعمالات، أو الناس في الكسب لهم ثلاثة أقوال -يعني بما تراه-: ١- الأول: الكَسْبْ عند الأشاعرة هذا أوضحناه لك. ٢- الثاني: كَسْبٌ بمعنى العَمَل، ما يعمله الإنسان باختياره ورغبته يكون كَسْبَاً له لأنه حَصَّلَهُ. مثل ما تقول: كسبتُ مثلا كذا من المال لأنَّه.... عمل شيئا فَحَصَّلْ هذا المال. كذلك الأعمال الصّالحة كَسْبٌ له؛ لأنه بذل فيها وعمل فكسب. وكذلك الأعمال السيئة عليه لأنه كسبها بجهده. وهذا هو المعنى الذي جاء في الكتاب والسنة، فمن استعمل الكسب في هذا المعنى فهو صحيح؛ لأنه قد جاء في القرآن والسنة مثل ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ولفظ الكسب في القرآن كثير. فإذاً هذا المعنى واضح وصحيح. ترجعون في تقسيم الكسب إلى الأقوال الثلاثة والحُجَجْ فيه؛ لأنه مهم إلى كتاب ابن القيم شفاء العليل. طولنا عليكم نرجئ بقية المباحث إن شاء الله إلى الأسبوع القادم. نكتفي بهذا القدر لأجل عدم الإطالة وإن شاء الله نلتقي بكم على خير حال. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 246

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: ذكرنا بعض المسائل التي تتعلق بمذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر، وآخر ما تكلمنا عليه تفسير الكَسْبْ عند الناس ونجعلها مسألة مستقلة أحسن فنقول: [المسألة السادسة] : لفظ الكَسْبْ جاء في القرآن في ذِكْرِ ما للمكلف وما عليه، فقال سبحانه ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (١) وقال ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] ونحو ذلك من الآيات. ولمَّا جاء لفظ الكسب في القرآن وفي السنة أيضاً جاء مذهب أهل السنة والجماعة بإثبات كَسْبْ المرء وتفسير الكَسْبْ بما دلت عليه النصوص وهو أنَّ كَسْبَ المرء هو عمله. فالكسب هو العمل والفعل، فقوله سبحانه ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يعني لها ما عملت، فالعمل هو الكَسْبْ، ودلّ على ذلك أنه قال ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [النحل:١١١] ، وفي الآية الأخرى ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ فدلّ على أنَّ الكَسْبْ هو العمل. والناس أعني المذاهب الثلاثة المشهورة في باب القَدَرْ وهي مذهب الجبرية والقدرية وطريقة أهل السنة والحديث كلٌّ فسر الكَسْبْ على حسب معتقده: ١- مذهب القَدَرِيَّةْ: فسَّرَ القدرية -وهم نُفاة القدر الذين يقولون: إنَّ العبد يخلق فعل نفسه وأنَّ الله لا يخلق فعل العبد من المعتزلة ومن شابههم- قالوا: إنَّ معنى الكَسْبْ في هذه الآيات هو إيجاد العبد للفعل، وشَبَّهُوهُ بكسب التجارة فإنَّ كسب التجارة فعل، كما قال ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] فما كَسَبَ الإنسان من التجارة أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] ، فَذَكَرْ الكسب في معرض التجارة فقالوا كذلك هو في فعله يكسب العمل الصالح كما يجتهد في كَسْبْ التجارة. فإذاً جعلوا الكَسْبْ هو إيجاد العبد الفعل على مذهبهم في خلق أفعال العباد. وذلك أنَّ لفظ الكَسْبْ فيه شيء من الاحتمال، ولهذا فسرته كل طائفة على مذهبها. ٢- مذهب الجبرية: والجبرية -كما ذكرنا لكم طرفاً من مذهبهم في قول الأشاعرة والجهمية- الجبرية فَسَّرُوا الكَسْبْ بأشياء كثيرة وبعبارات متنوعة لا حاصل معها على التحقيق، وذكرت لكم قول الشاعر أو قول أحد العلماء: مما يقال ولا حقيقة تحته معقولة تدنو لذي الأفهام الكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام فحين اخترع الأشعري مذهبه الذي هو جَبْرٌ باطن لا جَبْراً ظاهرا، لما [.....] ووجد في لفظ الكَسْبْ في الكتاب والسنة مخرجاً له فقال الأعمال كسب. كيف يتوافق هذا مع قوله في القَدَرْ؟ قال: الكَسْبْ عبارة عن تعلق القُدْرَةْ بالحال أو غير ذلك من التفاسير. واختلف أصحابه في تفسير الكَسْبْ على هذا الاصطلاح الذي هو كسب الجبر. كيف يكون للإنسان كسب وهو مجبور؟ اختلفوا في تفسير الكَسْبْ على أوجه كثيرة أكثر من عشرة أوجه، وكلها راجعة إلى نوع من التعلق ما بين القدرة والإرادة والعمل والتكليف، وهذا فيه صعوبة في الربط بينها. ولذلك أهل العلم حتى الأشاعرة قال محققوهم: إنه لا حصيلة تحت هذه العبارة التي هي عبارة الكَسْبْ على خلاف معنى العمل. ٣ - مذهب أهل السنة والجماعة: أما القول الثالث في الكَسْبْ فهو قول أهل العلم والسنة والحديث من الصحابة رضوان الله عليهم فمن بعدهم فإنهم قالوا إنَّ الكَسْبَ هو العمل وهو الفعل، والله قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، وفَرَّقَ ما بين الكَسْبْ والاكتساب مع أنَّ كثيراً من أهل العلم يجعلون الكَسْبَ والاكتساب بمعنى واحد؛ لكن في الآية قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يعني في الخير، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فجعل الاكتساب فيه زيادة في المَبْنَى؛ لأنّ فيه نوع كُلْفَة، فالخير موافق للفطرة فَيَكْسَبُهُ الإنسان لموافقته لفطرته مع أنَّه تكليف، وأمّا الشر والرَّدَى والضلال فإنه مخالف لفطرته. لذلك إتيان المحرمات وإتيان الموبقات ونحو ذلك على ما في الإنسان ربما من الشهوة لبعض ذلك لكن يحتاج معه إلى أن يُعْمِلَ نفسه، يعني أن يُتْعِبَ نفسه ويخالف فطرته في أن يأتي تلك الموبقات. لذلك زاد المبنى ليدل على أنها فيها نوع كَلَفَة ومشقّة في ما يعمله المرء من الشر، قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ يعني من الشر. فجعل أهل السنة الكسب بمعنى العمل.

стр. 247

[المسألة السابعة] : وهذه المسألة متعلقة بمعنى خلق الله لفعل العبد، وتحقيق مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك. فقد قلنا: إنَّ الإنسان عَمَلُهُ من خير أو شر يضاف إليه حقيقة، فهو الذي عَمِلَ الخير حقيقة وهو الذي عَمِلَ الشر حقيقة. ومع ذلك لا يقال: إنه خَلَقَ فعله، بل هو عَمِلَهُ ويُضَافُ إليه لأنه كَسَبَهُ وعَمِلَه. وأما خَلْقُ الفِعْلِ فالله هو الذي خَلَقَ . وبيان ذلك في الفَرْقْ ما بين أهل السنة والجماعة وما بين مذهب القدرية والمعتزلة وأشباه هؤلاء: أنَّ العبد كَسَبَ العمل وعَمِلَ العمل حقيقة؛ لأنَّ ذلك العمل نتج عن شيئين فيه من الصفات لا يمكن له أن يُحْدِثَ العَمَلْ إلا بوجود هاتين الصفتين: فالصّفة الأولى: هي صفة القدرة التامة. والصّفة الثانية: هي الإرادة الجازمة. فإذا كان عند العبد قدرة تامة وإرادة جازمة حَصَلَ له الفعل. تَوَجَّهَتْ قدرته التامة -يعني ليس بعاجز- وإرادته الجازمة -يعني ليس بمتردد- تَوَجَّهَتْ للشيء فعمله. فيكون الفعل حدث: بقدرة العبد وبإرادته. ١ - بقدرته التامة. ٢ - وبإرادته الجازمة. فالذي تكون قدرته ناقصة لا يُحْدِثْ الفعل. والذي تكون إرادته مترددة لا يُحْدِثْ الفعل. مثلاً الإتيان إلى المسجد للصلاة: شخص لا يستطيع أن يأتي إمَّا لمرض أو لغير ذلك فهذا ربما عنده إرادة لكن ليس عنده قدرة، ولذلك لا يحصل منه (الفعل-العمل-الكسب) وهو إتيان المسجد. آخر عنده قدرة تامة ولكن ليس عنده إرادة البتة ليس عنده إرادة لإتيان المسجد فلا يمكن بالقدرة أن يُحْدِثْ الإتيان. وقد يكون عنده إرادة لكن عنده تردد، ما جَزَمَ على الإتيان فلا تتحرك جوارحه وآلاته؛ لأنَّ إرادته ليست جازمة. فإذاً العمل -فعل العبد- عند أهل السنة والجماعة لا يمكن أن يحدث إلا بقدرة تامة وإرادة جازمة. وقدرة العبد صفة من صفاته لم يُقْدِرْ هو نفسه باتفاق الناس. وإرادة العبد صفة من صفاته لم يُحْدِثْ- إرادة نفسه ويختار الإرادة يعني أن يكون مريدا بنفسه-، وإنما الله هو الذي خَلَقَ فيه القدرة وآلات القدرة وخلق فيه الإرادة وله الإرادة ومقتضيات الإرادة. فإذاً ما نَتَجَ عن خلق الله في الأمرين فهو مخلوق لله . ففعل العبد نتج عن الإرادة والقدرة وهما مخلوقان. فنتج شيء عن خلق الله ، فإذاً هو مخلوق لله لأنَّ الله جعل العمل نتيجة للقدرة والإرادة. مثل النبات: أنزل الله من السماء ماءً فأنْبَتَ به أزواجاً من نبات شتى. الماء نَزَلْ، والأرض موجودة، فبِسَبَبِ الماء وبسبب الأرض خرج النبات. فهل يقال: إنَّ النبات خلقه الماء والأرض؟ ليس كذلك باتفاق المسلمين، باتفاق الناس، لم؟ لأنَّه نتيجة لنزول الماء الذي هو مخلوق باتفاق القدرية وأهل السنة، ونتيجة لنزول الماء على الأرض والتراب، والتراب والأرض مخلوق باتفاق أهل السنة والجماعة والقدرية والناس جميعاً. فإذا كان كذلك كان ما ينتج عنهما وهو النبات مخلوق؛ لأنه نتج عن شيئين اجتمعا (الماء والتراب) وما نتج عن مخلوقين فإذاً له نفس الحكم. إذا تبين ذلك فإذاً نقول أهل السنة والجماعة في تقريرهم في خلق أفعال العباد استدلوا بالآية كما ذكرنا لكم من قبل ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] ، وبقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ، وأيضاً استدلوا بهذه القاعدة وهو أنَّ عمل العبد لا ينتج إلا عن هاتين الصفتين. لهذا إذا لم يعط الله العبد القدرة فإنه يرفع عنه التكليف «صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعداً» (١) ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] . وإذا لم يُعْطِهِ الإرادة كأن يكون مجنوناً لا يريد، أو كان صغيراً إرادته لا تتوجه إلى شيءٍ بِجَزْمْ مع عقل فإنه أيضاً يكون التكليف مرفوعاً عنه لأنَّ الفعل لا يتوجه إليه. الحقيقة إذاً أنَّ العبد ابْتُلِيَ بهذه الصفات التي فيه. ابتلي بالصفات الجسمانية هذه كلها ومنها صفة القدرة وصفة الإرادة. إذاً فَتَحَصَّلَ لك أَنَّ معنى خلق أفعال العباد والدليل عليها هو ما ذكرنا من الأدلة من القرآن. ومن السنة قوله ﷺ «إن الله صانع كل صانع وصنعتِه» (٢) يعني صَنَعْ الناس وصَنَعَ أيضاً ما يصنعون. ولهذا نقول إنَّ الدليل على خلق أفعال العباد واضح من الكتاب والسنة، وأيضاً مما قرّرنا لك من صفات الإنسان وما ينتج عن ذلك من الدليل العقلي. وثَمَّ بسط كثير في الاستلال على هذه المسألة محله المطولات. هذه ألفاظ ترد معك في مباحث القدر لا بد أن تعرفها بوضوح ثم بعد ذلك إذا قرأت ما شئت من الكتب في باب القدر ستكون واضحة إن شاء الله تعالى لك.

стр. 248

[المسألة الثامنة] : معنى الاستطاعة التي وَصَفَ الله بها المكلف ونفاها عن بعض فقال في النفي ﴿وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَا﴾ [البقرة:٢٦٧] ، والعبد مستطيع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأَطِيعُوا﴾ [التغابن:١٦] . فالعبد أُثْبِتَتْ له استطاعة ونُفِيَتْ عنه استطاعة. والاستطاعة التي أثْبَتَها ربنا للعبد غير الاستطاعة التي نفاها. وهذه المسالة مسألة الاستطاعة فيها بحثٌ طويل مع القدرية والجبرية معاً، وسيأتي تفصيل الكلام عليها إن شاء الله تعالى في آخر شرح الطحاوية؛ لأنه تعرض لها الطحاوي في أواخر هذه العقيدة المختصرة.

стр. 249

[المسألة التاسعة] : في معنى إضلال الله من أَضَلْ، وهدايته من هَدَى. إذا كنا نقول إنَّ الإنسان غير مجبور على الضلال وغير مجبور على الهدى. فما معنى قوله ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (١) وهذا من احتجاجات الجبرية؟ ما معنى ﴿وَمَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] ؟ ما معنى ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَد﴾ [الكهف:١٧] ؟ ما معنى ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدي﴾ [الأعراف:١٧٨] ؟ ما معنى ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُم فِي طُغْيَانِهِم يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف:١٨٦] ؟ ونحو ذلك من الآيات التي فيها لفظ الإضلال والاهتداء لله وفق مشيئته وإرادته. هذه المسألة ضل فيها الناس ومن أجلها ضَلَّت الجبرية والقدرية. وهي مرتبطة في بيانها بمسألة التوفيق والخذلان. فالله عَلَّقَ الإضلال بمشيئته وعلق الهداية بمشيئته. ونعلم أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله خَلَقَهُ، الذي يشاؤه سبحانه وتعالىأن يكون فإنه يكون، والذي يشاء الله ألا يكون فإنه لا يكون. إذا كان كذلك فإنَّ حدوث الهداية وحدوث الضلال نتيجة لأشياء. ولذلك جاء لفظ التوفيق والخذلان في النصوص. جاء لفظ التوفيق في القرآن في قوله تعالى ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بْاللهِ﴾ [هود:٨٨] ، ونحو ذلك فالله يوفّق من يشاء ويخذل من يشاء. ما معنى وَفَّقَ وخَذَلَ؟ وما صلتها بـ (يهدي الله من يشاء ويضل من يشاء) ؟ إذا تبين لك معنى التوفيق والخذلان فإنه سيَتَبَيَّن لك بوضوح معنى أنَّ الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء . * التوفيق: عند أهل السنة والجماعة هو إمداد الله بعونه، إمداد الله العبد بعونه -يعني بإعانته- وتسديده وتيسير الأمر وبذل الأسباب المعينة عليه. فإذاً التوفيق فَضْلْ لأنَّهُ إعانة. * وأما الخذلان: فهو سلب التوفيق، فهو سلب الإعانة. يعني التوفيق إعطَاءٌ، مَنٌّ، كَرَمٌ. وأما الخذلان فهو عَدْلٌ وسلبٌ. لأنَّ العبد أعطاه الله القُدَرْ، أعطاه الصفات، أعطاه ما به يُحَصِّلُ الهدى، أعطاه الآلات، يَسَّرَ له، أنزل عليه الكتب، فلذلك هو بالآلات التي معه قامت عليه الحجة. لكِنَّ الله يُنعم على من يشاء من عباده بالتوفيق فيعينهم ويسدِّدُهُم ويفتح لهم أسباب تحصيل الخير. ويمنع من شاء ذلك فلا يُسَدِّدُهُ ولا يُعِينُهُ ولا يفتح له أسباب الخير بل يتركه ونفسه. وهذا معنى أنه يخذل؛ يعني لا يُعِين، يترك العبد وشأنه ونفسه. ومعلومٌ أنّ العبد عنده آلات يُحَصِّلُ بها الأشياء لكن هناك أشياء ليست في يده. هناك أشياء لا يمكن له أن يُحَصِّلَهَا، فهذه بيد من؟ بيد الله . لأنَّ الإنسان مرتبط قَدَرُهْ بأشياء كثيرة من الأسباب التي تفتح له باب الخير. مثل مثلاً أن يكون ذا أصحابٍ أو أن يُيَسَّرَ له أصحاب يعينونه على الخير. مثل أن لا يكون في طبعه الخَلْقِي مزيد شهوة، إما شهوة كِبِرْ من كبائر القلوب أو من كبائر البدن، هذه الأشياء موجودة فيه خَلْقاً، خارجة عن اختياره وتصرفه. فالله يُوَفِّقْ بعض العباد بمعنى يعينهم على الأمر الذي يريدونه، إذا انفَتَحَ له بابُ خَيرٍ وأَرَادَهُ فَيُحِسُّ العبد أنه أُعين على ذلك، إذا أَرَادَ فِعْلَ أَمْرٍ ما من الخير يَسَّرَ الله له أسباباً تعينه فانفتح له طريق الخير. وآخَرُ حَضَرَتْهُ الشياطين وغلبته على مُرَادِهِ وأَطَاعَهَا؛ لأنه لم يُزَوَّد بِوِقَايَة، بإعانة، بتوفيق يمنعه من ذلك. فإذاً صار عندنا أنَّ مسألة إضلال الله مَن يشاء هو بخذلان الله العباد. وهداية الله من يشاء بتوفيق الله بعض العباد، يعني أعان هذا وترك ذاك ونفسه. كونه أعان هذا هو بمشيئته. فإذاً من يشأ الله يُضْلِلْهُ يعني: يَسْلُبُ عنه التوفيق فيَخْذُلُهُ فينتج من ذلك أنَّ الله سَلَبَ عنه إعانته، سَلَبَ عنه تسديده، سَلَبَ عنه أسباب الخير، سَلَبَ عنه غَلْقْ أبواب الشر من الكفر وما دونه. فإذاً يكون ضالاً، لاهٍ هو بفعل نفسه؛ لأنَّهُ وُكِلَ إلى نفسه، لأنَّ الله لم يَمُنْ على هذا بمزيد توفيق. فإذاً مسألة الإضلال في كلام أهل السنة والجماعة عدل، ومسألة الهداية فضْل. ولهذا أعظم الفضل والنعمة والإحسان نعمة التوفيق، الذي هو في الحقيقة نعمة الهداية.

стр. 250

فإذاً نقول: إنّ ربنا مَنَّ على عباده المؤمنين فوفّقهم، أَعَانَهُم، سَدَّدَهُم، هَيَّأَ لَهُمْ الأسباب التي توصلهم إلى الخير، حبَّبَ لهم العلم، حبّب لهم الجهاد، حبّب لهم الحكمة، حبّب لهم الأمر والنهي، حبّب لهم أهل الخير إلى آخره، حبّب لهم كتاب مثل ما جاء. وهذا التوفيق درجات أيضاً ففي البداية يكون فتح باب: - وبعض الناس إذا انْفَتَحَ له باب التوفيق نَفْسُهُ فيها قُبح فتنازعه للشر فيكون بين هذا وهذا. - وآخر نَفْسُهُ فيها خير، فَمِنَ الخير الذي معه أنَّهُ ينتقل من توفيقٍ إلى توفيقٍ أعظم منه حتى يصل بسبب عمله أنَّ الله يُنْعِمْ عليه بتوفيقٍ زائد ثم بتوفيقٍ زائد ثم بتوفيقٍ زائد، مثل ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره «وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه -يعني وُفِّقَ في سمعه- الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها» (١) هذا كله توفيق، مزيد إعانة في هذه الجوارح، الجوارح هذه هي التي عليها الحساب والتي يُحَاسب العبد على ما صنعت جوارحه. إذاً فحقيقة إضلال الله من شاء ليست جبراً، وهداية الله من شاء ليست جبراً. وإنما العبد عنده آلات، خوطب بالتكليف وعنده الآلات، ولو كانت جبراً لصارت التكاليف -بعث الرسل، إنزال الكتب، الأمر والنهي، الجهاد- لكان كل ذلك عبثاً. والله منزّه عن العبث؛ لأنَّ العبث سلب الحكمة وشر والله الشر ليس إليه، لا في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٧-١٨] . فالله مُنَزَّهٌ عن العبث. يُضلِ ْجبراً ويسلب العبد الاختيار بالمرة ثم يُحَاسبه ويُنْزِل عليه الكتب ويرسل الرسل ويأمره بالتكاليف كيف يكون ذلك؟ يكون كالغريق الذي يقال له: (٢) إياك أن تبتل بالماء. : [[الشريط التاسع عشر]] : وهذا العياذ بالله هو حقيقة قول الجبرية الذين قال قائلهم: ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له ****** إيّاكَ إيّاك أن تبتلّ بالماء وهذا يُنَزَهُ عنه الحكيم الخبير ﷻ . فمن عَرَفَ صفات الله وعَلِمَ حكمته، فإنَّ القول بالجبر في حقيقة الأمر إبطال للتكاليف أو رجوع إلى أفعال الله بأنها لعب ولا حكمة فيها ولا تُوافق غاياتٍ محمودة، والله منزه عن ذلك.
следующие страницы →