الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ذكرنا بعض المسائل التي تتعلق بمذهب أهل السنة والجماعة في باب القدر، وآخر ما تكلمنا عليه تفسير الكَسْبْ عند الناس ونجعلها مسألة مستقلة أحسن فنقول:
[المسألة السادسة] :
لفظ الكَسْبْ جاء في القرآن في ذِكْرِ ما للمكلف وما عليه، فقال سبحانه ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (١) وقال ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] ونحو ذلك من الآيات.
ولمَّا جاء لفظ الكسب في القرآن وفي السنة أيضاً جاء مذهب أهل السنة والجماعة بإثبات كَسْبْ المرء وتفسير الكَسْبْ بما دلت عليه النصوص وهو أنَّ كَسْبَ المرء هو عمله.
فالكسب هو العمل والفعل، فقوله سبحانه ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يعني لها ما عملت، فالعمل هو الكَسْبْ، ودلّ على ذلك أنه قال ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [النحل:١١١] ، وفي الآية الأخرى ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ فدلّ على أنَّ الكَسْبْ هو العمل.
والناس أعني المذاهب الثلاثة المشهورة في باب القَدَرْ وهي مذهب الجبرية والقدرية وطريقة أهل السنة والحديث كلٌّ فسر الكَسْبْ على حسب معتقده:
١- مذهب القَدَرِيَّةْ:
فسَّرَ القدرية -وهم نُفاة القدر الذين يقولون: إنَّ العبد يخلق فعل نفسه وأنَّ الله لا يخلق فعل العبد من المعتزلة ومن شابههم- قالوا: إنَّ معنى الكَسْبْ في هذه الآيات هو إيجاد العبد للفعل، وشَبَّهُوهُ بكسب التجارة فإنَّ كسب التجارة فعل، كما قال ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] فما كَسَبَ الإنسان من التجارة أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] ، فَذَكَرْ الكسب في معرض التجارة فقالوا كذلك هو في فعله يكسب العمل الصالح كما يجتهد في كَسْبْ التجارة.
فإذاً جعلوا الكَسْبْ هو إيجاد العبد الفعل على مذهبهم في خلق أفعال العباد.
وذلك أنَّ لفظ الكَسْبْ فيه شيء من الاحتمال، ولهذا فسرته كل طائفة على مذهبها.
٢- مذهب الجبرية:
والجبرية -كما ذكرنا لكم طرفاً من مذهبهم في قول الأشاعرة والجهمية- الجبرية فَسَّرُوا الكَسْبْ بأشياء كثيرة وبعبارات متنوعة لا حاصل معها على التحقيق، وذكرت لكم قول الشاعر أو قول أحد العلماء:
مما يقال ولا حقيقة تحته معقولة تدنو لذي الأفهام
الكسب عند الأشعري والحال عند البهشمي وطفرة النظام
فحين اخترع الأشعري مذهبه الذي هو جَبْرٌ باطن لا جَبْراً ظاهرا، لما [.....] ووجد في لفظ الكَسْبْ في الكتاب والسنة مخرجاً له فقال الأعمال كسب.
كيف يتوافق هذا مع قوله في القَدَرْ؟
قال: الكَسْبْ عبارة عن تعلق القُدْرَةْ بالحال أو غير ذلك من التفاسير.
واختلف أصحابه في تفسير الكَسْبْ على هذا الاصطلاح الذي هو كسب الجبر.
كيف يكون للإنسان كسب وهو مجبور؟
اختلفوا في تفسير الكَسْبْ على أوجه كثيرة أكثر من عشرة أوجه، وكلها راجعة إلى نوع من التعلق ما بين القدرة والإرادة والعمل والتكليف، وهذا فيه صعوبة في الربط بينها.
ولذلك أهل العلم حتى الأشاعرة قال محققوهم: إنه لا حصيلة تحت هذه العبارة التي هي عبارة الكَسْبْ على خلاف معنى العمل.
٣ - مذهب أهل السنة والجماعة:
أما القول الثالث في الكَسْبْ فهو قول أهل العلم والسنة والحديث من الصحابة رضوان الله عليهم فمن بعدهم فإنهم قالوا إنَّ الكَسْبَ هو العمل وهو الفعل، والله قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، وفَرَّقَ ما بين الكَسْبْ والاكتساب مع أنَّ كثيراً من أهل العلم يجعلون الكَسْبَ والاكتساب بمعنى واحد؛ لكن في الآية قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ يعني في الخير، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فجعل الاكتساب فيه زيادة في المَبْنَى؛ لأنّ فيه نوع كُلْفَة، فالخير موافق للفطرة فَيَكْسَبُهُ الإنسان لموافقته لفطرته مع أنَّه تكليف، وأمّا الشر والرَّدَى والضلال فإنه مخالف لفطرته.
لذلك إتيان المحرمات وإتيان الموبقات ونحو ذلك على ما في الإنسان ربما من الشهوة لبعض ذلك لكن يحتاج معه إلى أن يُعْمِلَ نفسه، يعني أن يُتْعِبَ نفسه ويخالف فطرته في أن يأتي تلك الموبقات.
لذلك زاد المبنى ليدل على أنها فيها نوع كَلَفَة ومشقّة في ما يعمله المرء من الشر، قال ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ يعني من الشر.
فجعل أهل السنة الكسب بمعنى العمل.
стр. 247
[المسألة السابعة] :
وهذه المسألة متعلقة بمعنى خلق الله لفعل العبد، وتحقيق مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك.
فقد قلنا: إنَّ الإنسان عَمَلُهُ من خير أو شر يضاف إليه حقيقة، فهو الذي عَمِلَ الخير حقيقة وهو الذي عَمِلَ الشر حقيقة.
ومع ذلك لا يقال: إنه خَلَقَ فعله، بل هو عَمِلَهُ ويُضَافُ إليه لأنه كَسَبَهُ وعَمِلَه.
وأما خَلْقُ الفِعْلِ فالله هو الذي خَلَقَ .
وبيان ذلك في الفَرْقْ ما بين أهل السنة والجماعة وما بين مذهب القدرية والمعتزلة وأشباه هؤلاء:
أنَّ العبد كَسَبَ العمل وعَمِلَ العمل حقيقة؛ لأنَّ ذلك العمل نتج عن شيئين فيه من الصفات لا يمكن له أن يُحْدِثَ العَمَلْ إلا بوجود هاتين الصفتين:
فالصّفة الأولى: هي صفة القدرة التامة.
والصّفة الثانية: هي الإرادة الجازمة.
فإذا كان عند العبد قدرة تامة وإرادة جازمة حَصَلَ له الفعل.
تَوَجَّهَتْ قدرته التامة -يعني ليس بعاجز- وإرادته الجازمة -يعني ليس بمتردد- تَوَجَّهَتْ للشيء فعمله.
فيكون الفعل حدث: بقدرة العبد وبإرادته.
١ - بقدرته التامة.
٢ - وبإرادته الجازمة.
فالذي تكون قدرته ناقصة لا يُحْدِثْ الفعل.
والذي تكون إرادته مترددة لا يُحْدِثْ الفعل.
مثلاً الإتيان إلى المسجد للصلاة: شخص لا يستطيع أن يأتي إمَّا لمرض أو لغير ذلك فهذا ربما عنده إرادة لكن ليس عنده قدرة، ولذلك لا يحصل منه (الفعل-العمل-الكسب) وهو إتيان المسجد.
آخر عنده قدرة تامة ولكن ليس عنده إرادة البتة ليس عنده إرادة لإتيان المسجد فلا يمكن بالقدرة أن يُحْدِثْ الإتيان.
وقد يكون عنده إرادة لكن عنده تردد، ما جَزَمَ على الإتيان فلا تتحرك جوارحه وآلاته؛ لأنَّ إرادته ليست جازمة.
فإذاً العمل -فعل العبد- عند أهل السنة والجماعة لا يمكن أن يحدث إلا بقدرة تامة وإرادة جازمة.
وقدرة العبد صفة من صفاته لم يُقْدِرْ هو نفسه باتفاق الناس.
وإرادة العبد صفة من صفاته لم يُحْدِثْ- إرادة نفسه ويختار الإرادة يعني أن يكون مريدا بنفسه-، وإنما الله هو الذي خَلَقَ فيه القدرة وآلات القدرة وخلق فيه الإرادة وله الإرادة ومقتضيات الإرادة.
فإذاً ما نَتَجَ عن خلق الله في الأمرين فهو مخلوق لله .
ففعل العبد نتج عن الإرادة والقدرة وهما مخلوقان.
فنتج شيء عن خلق الله ، فإذاً هو مخلوق لله لأنَّ الله جعل العمل نتيجة للقدرة والإرادة.
مثل النبات: أنزل الله من السماء ماءً فأنْبَتَ به أزواجاً من نبات شتى.
الماء نَزَلْ، والأرض موجودة، فبِسَبَبِ الماء وبسبب الأرض خرج النبات.
فهل يقال: إنَّ النبات خلقه الماء والأرض؟
ليس كذلك باتفاق المسلمين، باتفاق الناس، لم؟
لأنَّه نتيجة لنزول الماء الذي هو مخلوق باتفاق القدرية وأهل السنة، ونتيجة لنزول الماء على الأرض والتراب، والتراب والأرض مخلوق باتفاق أهل السنة والجماعة والقدرية والناس جميعاً.
فإذا كان كذلك كان ما ينتج عنهما وهو النبات مخلوق؛ لأنه نتج عن شيئين اجتمعا (الماء والتراب) وما نتج عن مخلوقين فإذاً له نفس الحكم.
إذا تبين ذلك فإذاً نقول أهل السنة والجماعة في تقريرهم في خلق أفعال العباد استدلوا بالآية كما ذكرنا لكم من قبل ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] ، وبقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ، وأيضاً استدلوا بهذه القاعدة وهو أنَّ عمل العبد لا ينتج إلا عن هاتين الصفتين.
لهذا إذا لم يعط الله العبد القدرة فإنه يرفع عنه التكليف «صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعداً» (١) ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] .
وإذا لم يُعْطِهِ الإرادة كأن يكون مجنوناً لا يريد، أو كان صغيراً إرادته لا تتوجه إلى شيءٍ بِجَزْمْ مع عقل فإنه أيضاً يكون التكليف مرفوعاً عنه لأنَّ الفعل لا يتوجه إليه.
الحقيقة إذاً أنَّ العبد ابْتُلِيَ بهذه الصفات التي فيه.
ابتلي بالصفات الجسمانية هذه كلها ومنها صفة القدرة وصفة الإرادة.
إذاً فَتَحَصَّلَ لك أَنَّ معنى خلق أفعال العباد والدليل عليها هو ما ذكرنا من الأدلة من القرآن.
ومن السنة قوله ﷺ «إن الله صانع كل صانع وصنعتِه» (٢) يعني صَنَعْ الناس وصَنَعَ أيضاً ما يصنعون.
ولهذا نقول إنَّ الدليل على خلق أفعال العباد واضح من الكتاب والسنة، وأيضاً مما قرّرنا لك من صفات الإنسان وما ينتج عن ذلك من الدليل العقلي.
وثَمَّ بسط كثير في الاستلال على هذه المسألة محله المطولات.
هذه ألفاظ ترد معك في مباحث القدر لا بد أن تعرفها بوضوح ثم بعد ذلك إذا قرأت ما شئت من الكتب في باب القدر ستكون واضحة إن شاء الله تعالى لك.
стр. 248
[المسألة الثامنة] :
معنى الاستطاعة التي وَصَفَ الله بها المكلف ونفاها عن بعض فقال في النفي ﴿وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَا﴾ [البقرة:٢٦٧] ، والعبد مستطيع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأَطِيعُوا﴾ [التغابن:١٦] .
فالعبد أُثْبِتَتْ له استطاعة ونُفِيَتْ عنه استطاعة.
والاستطاعة التي أثْبَتَها ربنا للعبد غير الاستطاعة التي نفاها.
وهذه المسالة مسألة الاستطاعة فيها بحثٌ طويل مع القدرية والجبرية معاً، وسيأتي تفصيل الكلام عليها إن شاء الله تعالى في آخر شرح الطحاوية؛ لأنه تعرض لها الطحاوي في أواخر هذه العقيدة المختصرة.
стр. 249
[المسألة التاسعة] :
في معنى إضلال الله من أَضَلْ، وهدايته من هَدَى.
إذا كنا نقول إنَّ الإنسان غير مجبور على الضلال وغير مجبور على الهدى.
فما معنى قوله ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (١) وهذا من احتجاجات الجبرية؟
ما معنى ﴿وَمَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] ؟
ما معنى ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَد﴾ [الكهف:١٧] ؟
ما معنى ﴿مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدي﴾ [الأعراف:١٧٨] ؟
ما معنى ﴿مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُم فِي طُغْيَانِهِم يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف:١٨٦] ؟
ونحو ذلك من الآيات التي فيها لفظ الإضلال والاهتداء لله وفق مشيئته وإرادته.
هذه المسألة ضل فيها الناس ومن أجلها ضَلَّت الجبرية والقدرية.
وهي مرتبطة في بيانها بمسألة التوفيق والخذلان.
فالله عَلَّقَ الإضلال بمشيئته وعلق الهداية بمشيئته.
ونعلم أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله خَلَقَهُ، الذي يشاؤه سبحانه وتعالىأن يكون فإنه يكون، والذي يشاء الله ألا يكون فإنه لا يكون.
إذا كان كذلك فإنَّ حدوث الهداية وحدوث الضلال نتيجة لأشياء.
ولذلك جاء لفظ التوفيق والخذلان في النصوص.
جاء لفظ التوفيق في القرآن في قوله تعالى ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بْاللهِ﴾ [هود:٨٨] ، ونحو ذلك فالله يوفّق من يشاء ويخذل من يشاء.
ما معنى وَفَّقَ وخَذَلَ؟ وما صلتها بـ (يهدي الله من يشاء ويضل من يشاء) ؟
إذا تبين لك معنى التوفيق والخذلان فإنه سيَتَبَيَّن لك بوضوح معنى أنَّ الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء .
* التوفيق: عند أهل السنة والجماعة هو إمداد الله بعونه، إمداد الله العبد بعونه -يعني بإعانته- وتسديده وتيسير الأمر وبذل الأسباب المعينة عليه.
فإذاً التوفيق فَضْلْ لأنَّهُ إعانة.
* وأما الخذلان: فهو سلب التوفيق، فهو سلب الإعانة.
يعني التوفيق إعطَاءٌ، مَنٌّ، كَرَمٌ.
وأما الخذلان فهو عَدْلٌ وسلبٌ.
لأنَّ العبد أعطاه الله القُدَرْ، أعطاه الصفات، أعطاه ما به يُحَصِّلُ الهدى، أعطاه الآلات، يَسَّرَ له، أنزل عليه الكتب، فلذلك هو بالآلات التي معه قامت عليه الحجة.
لكِنَّ الله يُنعم على من يشاء من عباده بالتوفيق فيعينهم ويسدِّدُهُم ويفتح لهم أسباب تحصيل الخير.
ويمنع من شاء ذلك فلا يُسَدِّدُهُ ولا يُعِينُهُ ولا يفتح له أسباب الخير بل يتركه ونفسه.
وهذا معنى أنه يخذل؛ يعني لا يُعِين، يترك العبد وشأنه ونفسه.
ومعلومٌ أنّ العبد عنده آلات يُحَصِّلُ بها الأشياء لكن هناك أشياء ليست في يده.
هناك أشياء لا يمكن له أن يُحَصِّلَهَا، فهذه بيد من؟
بيد الله .
لأنَّ الإنسان مرتبط قَدَرُهْ بأشياء كثيرة من الأسباب التي تفتح له باب الخير.
مثل مثلاً أن يكون ذا أصحابٍ أو أن يُيَسَّرَ له أصحاب يعينونه على الخير.
مثل أن لا يكون في طبعه الخَلْقِي مزيد شهوة، إما شهوة كِبِرْ من كبائر القلوب أو من كبائر البدن، هذه الأشياء موجودة فيه خَلْقاً، خارجة عن اختياره وتصرفه.
فالله يُوَفِّقْ بعض العباد بمعنى يعينهم على الأمر الذي يريدونه، إذا انفَتَحَ له بابُ خَيرٍ وأَرَادَهُ فَيُحِسُّ العبد أنه أُعين على ذلك، إذا أَرَادَ فِعْلَ أَمْرٍ ما من الخير يَسَّرَ الله له أسباباً تعينه فانفتح له طريق الخير.
وآخَرُ حَضَرَتْهُ الشياطين وغلبته على مُرَادِهِ وأَطَاعَهَا؛ لأنه لم يُزَوَّد بِوِقَايَة، بإعانة، بتوفيق يمنعه من ذلك.
فإذاً صار عندنا أنَّ مسألة إضلال الله مَن يشاء هو بخذلان الله العباد.
وهداية الله من يشاء بتوفيق الله بعض العباد، يعني أعان هذا وترك ذاك ونفسه.
كونه أعان هذا هو بمشيئته.
فإذاً من يشأ الله يُضْلِلْهُ يعني: يَسْلُبُ عنه التوفيق فيَخْذُلُهُ فينتج من ذلك أنَّ الله سَلَبَ عنه إعانته، سَلَبَ عنه تسديده، سَلَبَ عنه أسباب الخير، سَلَبَ عنه غَلْقْ أبواب الشر من الكفر وما دونه.
فإذاً يكون ضالاً، لاهٍ هو بفعل نفسه؛ لأنَّهُ وُكِلَ إلى نفسه، لأنَّ الله لم يَمُنْ على هذا بمزيد توفيق.
فإذاً مسألة الإضلال في كلام أهل السنة والجماعة عدل، ومسألة الهداية فضْل.
ولهذا أعظم الفضل والنعمة والإحسان نعمة التوفيق، الذي هو في الحقيقة نعمة الهداية.
стр. 250
فإذاً نقول: إنّ ربنا مَنَّ على عباده المؤمنين فوفّقهم، أَعَانَهُم، سَدَّدَهُم، هَيَّأَ لَهُمْ الأسباب التي توصلهم إلى الخير، حبَّبَ لهم العلم، حبّب لهم الجهاد، حبّب لهم الحكمة، حبّب لهم الأمر والنهي، حبّب لهم أهل الخير إلى آخره، حبّب لهم كتاب مثل ما جاء.
وهذا التوفيق درجات أيضاً ففي البداية يكون فتح باب:
- وبعض الناس إذا انْفَتَحَ له باب التوفيق نَفْسُهُ فيها قُبح فتنازعه للشر فيكون بين هذا وهذا.
- وآخر نَفْسُهُ فيها خير، فَمِنَ الخير الذي معه أنَّهُ ينتقل من توفيقٍ إلى توفيقٍ أعظم منه حتى يصل بسبب عمله أنَّ الله يُنْعِمْ عليه بتوفيقٍ زائد ثم بتوفيقٍ زائد ثم بتوفيقٍ زائد، مثل ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره «وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه -يعني وُفِّقَ في سمعه- الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها» (١) هذا كله توفيق، مزيد إعانة في هذه الجوارح، الجوارح هذه هي التي عليها الحساب والتي يُحَاسب العبد على ما صنعت جوارحه.
إذاً فحقيقة إضلال الله من شاء ليست جبراً، وهداية الله من شاء ليست جبراً.
وإنما العبد عنده آلات، خوطب بالتكليف وعنده الآلات، ولو كانت جبراً لصارت التكاليف -بعث الرسل، إنزال الكتب، الأمر والنهي، الجهاد- لكان كل ذلك عبثاً.
والله منزّه عن العبث؛ لأنَّ العبث سلب الحكمة وشر والله الشر ليس إليه، لا في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٧-١٨] .
فالله مُنَزَّهٌ عن العبث.
يُضلِ ْجبراً ويسلب العبد الاختيار بالمرة ثم يُحَاسبه ويُنْزِل عليه الكتب ويرسل الرسل ويأمره بالتكاليف كيف يكون ذلك؟
يكون كالغريق الذي يقال له: (٢) إياك أن تبتل بالماء.
: [[الشريط التاسع عشر]] :
وهذا العياذ بالله هو حقيقة قول الجبرية الذين قال قائلهم:
ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له ****** إيّاكَ إيّاك أن تبتلّ بالماء
وهذا يُنَزَهُ عنه الحكيم الخبير ﷻ .
فمن عَرَفَ صفات الله وعَلِمَ حكمته، فإنَّ القول بالجبر في حقيقة الأمر إبطال للتكاليف أو رجوع إلى أفعال الله بأنها لعب ولا حكمة فيها ولا تُوافق غاياتٍ محمودة، والله منزه عن ذلك.
стр. 251
[المسألة العاشرة] :
وهي في إثبات الأسباب، وأنَّ أفعال الله مُعَلَّلَة، وأنَّ الله يفعل الفعل لعِلَّة، ويأمر بالأمر لعلة.
وهذه العلة هي حكمته لإيجاد ذلك الشّيء.
وهذا في الأمور الكونية وفي الأمور الشرعية.
فما أحْدَثَهٌ الله في ملكوته أمْراً فَحَدَثْ فَلَهُ حِكْمَة من إيجاده.
وما أَمَرَ الله به في الشرع من الأحكام التشريعية أو نهى عنه فهو لعلة.
فالله سبحانه يأمر في الشرع بما مصلحته راجحة أو تامة، وينهى في الشرع عن ما مفسدته تامة أو راجحة.
فإذاً أهل السنة والجماعة يُثبتون التعليل في أفعال الله ، وأنّ أفعال الله الكونية وأوامره الكونية والشرعية كلّها مرتبطة بِحِكَمْ عظيمة كما قال سبحانه ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥] .
إذا تبين ذلك ففي القرآن إثبات أفعال الله مُعَلَّلَة، وتنزيه الله عن أن يفعل الفعل لا لعلة كما قال سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٦-١٨] .
وقال أيضاً للسموات والأرض ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الدخان:٣٩] ، وقال ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] ، وفي الأشياء الشرعية -الأوامر والنواهي- الأدلة على التعليل كثيرة جدّاً جداً.
المقصود من هذا أنَّ الله إذا كانت أفعاله مُعَلَّلَة، فأفعاله لم يفعلها في مخلوقاته مباشرة دون وسائط؛ بل جَعَلَ الله إيصال الفعل إلى نهايته مَنُوطَاً بأسباب، وكلُّ سَبَبٍ يُحدِثُ مُسَبَّبَاً.
ولهذا قال أهل السنة بإثبات التعليل في أفعال الله والأسباب.
وأما أهل البدع من الجبرية وغيرهم فإنهم ينفون العِلَلْ وبالتالي ينفون الأسباب.
ولذلك يقال للجبرية -الأشاعرة ومن نحا نحوهم- يقال لهم نُفَاة الأسباب.
وهم في الحقيقة نُفَاةُ التعليل، يقولون: أفعال الله غير معللة.
فإذاً السبب لا يُنْتِجُ المُسَبَّبْ؛ ولكن يَحْدُثُ عنه المُسَبَّبْ عند الالتقاء.
وهذا القول -يعني في نفي الأسباب والتعليل- قول ابن حزم وجماعة من الذين ظاهرهم متابعة الحديث.
إذا تبين ذلك فإنَّ حقيقة السبب؛ بأنَّ الله يخلق شيئاً ويأمر بشيء أمراً كونياً ويكون ذلك سبباً لأشياء كثيرة.
فمثلاً إنزال المطر من السماء، الله أمَرَ بإنزاله، وفي إنزاله حِكْمَةٌ لله .
وأمْرُهُ بأن يُنزَلَ هذا الماء على الأرض مرتبط بعلة؛ لأنَّ الأرض حياتها بالماء، وأيضاً إنزال المطر على هذه الأرض المعينة مرتبط بعلة الله يعلمها وكما قال في بعض حكمته ﴿وَلَقَدْ صَرَفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورَا﴾ [الفرقان:٥٠] .
إذا تبين ذلك فالماء ينتج عنه شيء آخر، الماء سَبَبْ، والله بَيَّنَ أنه أَنْبَتَ النبات بالماء ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:٦٠] ، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ﴾ [ق:٩٠] ، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ ، إذاً صارت كلمة ﴿بِهِ﴾ هذه تدل على أنَّ الإخراج بالماء، وأنَّ الماء بسببه صار الإخراج؛ يعني الماء أنتج الإخراج.
أما غير أهل السنة فماذا يقولون؟
يقولون عند التقاء الماء بالأرض حَصَلَ النبات، فيُفَسِّرُونَ حرف (بِـ) بنحو كلمة (عند) مِنَ الكلمات.
فإذاً عندهم عِنْدِيَّةْ ولذلك ينفون السبب.
يقولون: الماء لم يُنْبِتْ إلا على المَجَازْ العقلي، كما تقولُ: أَنْبَتَ الماء البقلَ والمنبِتُ هو الله .
ولذلك يذكرون هذه القاعدة في كتب العقائد وفي كتب البلاغة الذي يسمونه المجاز العقلي: أنبت الربيع البقل أو نحو ذلك.
فإذاً نقول: إنَّ الله من حكمته أنه خلق الأشياء وجعلها أسباباً لأشياء.
خَلَقَ ماء الرجل وجعله سبباً لحمل المرأة، خَلَقَ اللباس وجعله سببا للدفء، خَلَقَ السّرابيل لِعِلَّة، خَلَقَ الأشياء لعلة، وهكذا فما من شيء تراه إلا وله حكمة، حتى في المُؤْذِيَات، حتى الهوام، حتى الحشرات، حتى ما تتأذى منه وتظن أنَّهُ لا حكمة فيه، فإنَّ فيه حكمة بالغة لله ﷻ وتقدست أسماؤه، هذه كلها أسباب والأسباب تُحْدِثْ المسببات.
إذاً حقيقة قول نفاة الأسباب أنهم يقولون: إنَّ السبب يُحدِثْ المُسَبَبْ عند الالتقاء؛ لكن لا يُنْتِجُهُ بالإقتِضَاءْ، يعني لا ينتجه بما جعل الله فيه من التأثير.
стр. 252
ويمثّلون لذلك بالسكين التي يحملها الحامل لقطع الخبز، فيقولون: هذه السّكين لمَّا أَمَرَّهَا الحامل على الخبز قَطَعَتْ الخبز.
فإذاً الواقع السكين ما قَطَعَتْ الخبز عندهم حسب ما يُقَرِّرُونَ -والعياذ بالله-.
يقولون إنَّ الذي قَطَعَ في الواقع هو الحامل الذي حَمَلَ السكين، لكن صارت هذه لما التقت السكين بالخبز انقطع لأجل أنَّ الحامل أَمَرَّهَا.
فيقولون لما التقى الرجل بالمرأة، جامَعَ الرجل المرأة وأَذِنَ الله بالحمل حَمَلَتْ، سواء بماء أو بغير ماء، فالماء عنده حَصَلَ الحمل، لما نزل الماء على الأرض نبتت، فإذاً عندهم عندية.
وهؤلاء نفاة الأسباب وكثير من التفاسير مشحونة بهذا في مسائل القدر.
* وأنا يعني أردت بمزيد من هذه التفاصيل إلى أنَكَ تنتبه للتفاسير.
كثير من الناس يَحْذَرْ مسائل التأويل، ومعلوم أنَّ مذهب أهل السنة والجماعة وما في النصوص ليست هي مسائل التأويل فقط، يعني المخالف خالف في التأويل.
لكن مسائل القدر أهم، مسائل القدر في التفاسير أهم ليس لأنها أعظم من مسائل الصفات ولكن لأجل خفائها على الناس فهي خفية.
الآيات: آيات الإضلال، الهداية، آيات الأسباب، آيات أفعال الله ، الصفات، كلها تجد في كتب التفاسير فيها خلطٌ وخبطٌ وخروجٌ عن طريقة أهل السنة والجماعة، رَفَعَ الله مراتبهم.
وأنتَ وبعد ذلك أقول تستفصل إن شاء الله وتزداد من هذه الأصول.
стр. 253
[المسألة الحادية عشر] :
في أنواع التقدير.
ذكرنا لك أنَّ التقدير أربعة مراتب ومنها مرتبة الكتابة.
ومرتبة الكتابة جاء في الحديث أنها التقدير كما في قوله ﷺ «قدّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) يعني كَتَبْ، ولهذا نقول مراتب التقدير يعني مراتب الكتابة.
فالله جعل كتابته للأشياء لها خمس أحوال:
١- الكتابة الأولى: وهي أوَّلُهَا وأقدمها وأعظمها كِتَابَةُ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة في اللوح المحفوظ، وهذه هي الكتابة التي كانت قبل الخلق، وهذه الكتابة لا تتبدل ولا تتغير، رُفعت الأقلام وجفَّتْ الصحف.
فيجد العبد ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ من خير أو شر.
وهذه مر معنا جُمَلْ الأدلة عليها وبعض التفصيل لها.
٢- الكتابة الثانية: كِتَابَةٌ لمقادير الخلق من حيث الشّقاوة والسعادة، ونعني بالخلق خاصةَ المكلفين.
وهذه التي تأتي فيها أحاديث الميثاق وأنَّ الله استخرج ذرية آدم من صلبه فنثرهم أمامه كهيئة الذَّر وأخذ عليه أن لا يشركوا به شيئاً ، وقَبَضَ قبضة إلى الجنة وقبضة إلى النار وكتب أهل الجنة وكتب أهل النار، ونحو ذلك مما جاء في السّنة من بيان ذلك.
هذا تقديرٌ بَعْدَ الأول، وهو قبل أن يُخْلَقَ جِنْسُ المكلفين أي من الإنسان.
لمَّا خلق الله آدم حصل ذلك، حصل هذا التقدير العام لهم.
٣- الكتابة الثالثة: وهي التقدير العمري، والعُمري هو الذي يكون والإنسان في بطن أمه فإنَّ النطفة إذا صارت في الرحم وبلغت ثنتين وأربعين ليلة أتاها ملك، فأمره الله بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد.
وهذه أيضا جاءت في حديث ابن مسعود المشهور الذي فيه (أنَّ الملك يأتي بعد أربعين وأربعين وأربعين؛ يعني بعد عشرين ومائة، فيأتي فيكتب رزق الإنسان وأجله وعمله وشقي أو سعيد، يؤمر بِكَتْبِ هذه الكلمات الأربع) . (٢)
هذه الكتابة العُمرية هي تفصيلٌ لما في اللوح المحفوظ، لأنَّ الذي في اللوح المحفوظ شامل لكل المخلوقات، وهذا مُتعلِقٌ بهذا المخلوق المعين وحده.
لهذا قال العلماء: إنَّ هذه تفصيل، فذاكَ فيه الجميع، وهذا للإنسان المعين بخصوصه، قالوا تفصيل ولك أن تقول تخصيص.
٤- الكتابة الرابعة: الكتابة السنوية، والكتابة السنوية هي التي تكون في ليلة القدر قال ﴿حم (١) وَالكِتَابِ المُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:١-٤] .
وهذه تُكْتَبْ فيها المقادير في تلك السَّنَةْ.
من السَّنَةْ إلى السَّنَةْ.
إيش معنى ذلك؟
معناها أنَّ الله يوحي إلى ملائكته بأن يكتبوا أشياء مما في اللوح المحفوظ فتكون بأيديهم مما سيحصل للناس.
٥- الكتابة الخامسة: هي التقدير الأخير وهي التقدير اليومي.
واستدل له أهل العلم بقوله سبحانه ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] .
إذا تَبَيَّنَتْ هذه المراتب فإنه قد ثبت في السنة أنَّ الله يزيد في العُمُر، ينْسَأُ في الأَثَرْ، يبسط في الرزق، فقال ﷺ «من سرّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه» (٣) يعني الرزق صار يتغير والأثر العمر صار يتغير، وقال أيضاً في الحديث الآخر «إنّ العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه» (٤) فمعناه فيه حرمان لبعض الرزق.
وهذا معنى قول الله في آية سورة الرعد ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] .
فنظر أهل العلم في ذلك فقالوا:
إنَّ المراتب الثلاث الأُوَلْ هذه لا تتغير ولا تتبدل؛ يعني:
- الأول السابق القديم الذي في اللوح المحفوظ.
- وهؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار.
- وكذلك كتب الملك الكلمات الأربع.
لهذا جاء في آخر الحديث مُؤَكِّدَاً ﷺ على أنها لا تتغير «وإنّ الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (٥) ، الثلاث الأُوَلْ هذه ما تتغير.
إيش الذي يَتَغَيَّرْ ويتبدل ويحدث فيه المَحْوُ والإثبات والزيادة إلى آخِرِهْ ويؤثر فيه الدعاء وتؤثر فيه الأعمال الصالحة؟
هذا التقدير السنوي.
والتقدير السنوي في الحقيقة هو من التقدير الأوّل.
هو مِنَ اللوح المحفوظ؛ لكنه في اللوح المحفوظ وُجِدَ مُعَلَّقَاً فصار بأيدي الملائكة مُعَلَّقَاً.
стр. 254
وأما التقدير العمري فهو ما فيه النهاية؛ يعني ما كَتَبَهُ الله بما فيه نهاية العبد وما فيه نتيجة أثر الدعاء وأثر الأعمال إلى آخره مما قد يكون مُتَغَيِّراً.
إذاً فقوله ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ يعني مما في أيدي الملائكة من الصحف ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ وكذلك من التقدير اليومي.
إذا كان كذلك فهذا به تَفْهَمُ الأحاديث التي فيها تغيير الرزق وتغيير العمر والنَّسْءْ في الأثر أو حرمان الرزق بالذنب ونحو ذلك، ومنه أيضا تفهم قول عمر ﵁ فيما جاء عنه (اللهم إن كنت كتبتني شقيا فاكتبني سعيدا؛ يعني بما يتعلق بتلك السنة من الإضلال والهداية) (١) .
هذه إحدى عشرة مسألة لعل فيها بياناً لما تحتاج إليه في هذا الركن من أركان الإيمان.
لعل في هذا كفاية إن شاء الله تعالى.
وأسأل الله سبحانه أن ينور قلبي وقلوبكم بعلم سلفنا الصالح، وأن يزيدنا من العلم النافع وأن يوفقنا لحسن الظن به وحسن التوكل عليه وعِظَمْ العلم به وحسن العمل إنه سبحانه جواد كريم سميع قريب.
وصلى الله وسلم بارك على نبينا محمد.
قال بعد ذلك ﵀ (وَنُؤْمِنُ بِاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ، وَبِجَمِيعِ مَا فِيهِ قَدْ رُقِمَ) .
стр. 257
[المسألة الأولى] :
أنَّ اللوح جاء وصْفُهُ في حديث حَسَّنَهُ طائفة من أهل العلم ويحتاج في بحث إسناده إلى مزيد نظر، فيه أنَّ اللوح كما جاء في الحديث «خلق الله اللوح من دُرَّةٍ بيضاء» (١) ووصفه بأنَّ حافتيه الدر والياقوت؛ يعني غطاء هذا اللوح أو دفتا هذا اللوح من دُرٍّ وياقوت، وصفحات هذا اللوح حمراء.
جعل الله هذا اللوح كما وصفه بعض السلف على يمين العرش، وهو بين جبين إسرافيل لا يَنْظُرُ فيه.
وجاء أيضاً أنَّ الله خَلَقَ القلم وجعله من نور، وأنَّ طوله ما بين السماء والأرض، وأنَّ اللوح المحفوظ طوله ما بن السماء والأرض وعرضه كما بين المشرق والمغرب.
وهذا كما ذكرتُ لك يحتاج إلى مزيد بحث لكن يذكره العلماء من أهل السنة وتتابعوا عليه في حديث رواه -يعني في أصل وصف اللوح والقلم- رواه الطبراني وغيره وحُسِّنَ إسناده كما ذكرت لك، وقد ساقه أو ذكر الحديث شارح الطحاوية وغيره.
стр. 258
[المسألة الثانية] :
أنَّ القلم الذي كَتَبَ الله به القَدَرْ كُتِبَ به ما يتعلق بهذا العالم.
يعني كُتِبَ به القَدَرْ إلى قيام الساعة كما جاء في الحديث الصحيح حديث عبد الله بن عمرو أنّ النبي ﷺ قال «قدر الله مقادير الخلائق -يعني كتب مقادير الخلائق- قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١) فالقلم متعلقة كتابته في اللوح المحفوظ بما هو كائن إلى قيام الساعة.
стр. 259
[المسألة الثالثة] :
أنّ القلم لمَّا خَلَقَهُ الله أمره أن يكتب، فجَرَى بما هو كائِنٌ إلى قيام الساعة، كما جاء ذلك في حديث عُبادة بن الصامت الذي رواه أبو داوود والترمذي والإمام أحمد وجماعة بألفاظ متقاربة، وفيه أنَّ النبي ﷺ قال «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: أكتب، فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة» (١) .
وهذا لفظ أبو داوود وغيره.
وجاء أيضا بلفظ «أول ما خلق الله القلم قال له: أكتب. فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة» (٢) .
ولهذا اختلف العلماء هنا في هل هذا الحديث على ظاهره في أنَّ أول المخلوقات القلم أو أنَّ هذا الحديث له معنىً آخر؟ وجعلوا هذا الحديث وحديث عبد الله بن عمرو من الأحاديث التي ينبغي الجمع بينها وهذا هو المسألة الرابعة وهو الجمع ما بين الحديثين.
стр. 260
[المسألة الرابعة] :
تلحَظُ أَنَّ حديث عبد الله بن عمرو فيه قال «قدر الله مقادير الخلائق» ولما قَدَّرْ -يعني كتب- كان عرشه على الماء.
وفي حديث عبادة قال «إن الله أول ما خلق الله القلم فقال له أكتب» فيقتضي حديث عبادة أنَّ الأمر بالكتابة كان مُرَتَّباً على ابتداء خلق القلم.
وتقدير القَدَرْ كان قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة والعرش على الماء.
فدل حديث عبد الله بن عمرو على وجود تقدير وعلى وجود العرش -خلق العرش- وعلى خلق الماء.
ودلَّ حديث عبادة على أنَّ خَلْقْ القلم تَبِعَهُ قول الله للقلم أكتب فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة.
وهذا الترتيب جاء في حرف الفاء الذي يدل في مثل هذا السياق على أنَّ هذا بعد هذا دون تراخٍ زمني.
ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة في الجمع بين هذين الحديثين هل القلم هو أول المخلوقات أم العرش خُلِقَ قبله على قولين للسلف فمن بعدهم:
١- القول الأول: إنَّ العرش قبل القلم وكذلك الماء قبل القلم.
والقول الأول هو قول جمهور السلف كما نسب ذلك إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
٢- القول الثاني أنَّ القلم هو أول المخلوقات والعرش والماء بعد ذلك وهو قول طائفة من أهل العلم.
الترجيح ما بين هذين القولين هو أنَّ الأحاديث يجب الجمع بينها وعدم تعارضها.
وحديث عبادة بن الصامت في قوله ﷺ «إن أول ما خلق الله القلم فقال له أكتب» يقتضي أنَّ الكتابة كانت بعد خلقه.
وحديث عبد الله بن عمرو يقتضي تقدم وجود العرش والماء على حصول الكتابة.
فدلّ هذان الحديثان على أنَّ العرش والماء موجودان قبل، وأنَّ خلق القلم تبعته الكتابة.
ولهذا نسبه شيخ الإسلام إلى جمهور السلف بأنَّ القلم موجود بعد العرش والماء.
وهذا تدل عليه رواية «أَوَلَ ما خلق الله القلم قال له أكتب» يعني حين.
«أَوَلَ» بمعنى حين.
«أَوَّلَ ما خلق الله القلم قال له أكتب» حين خَلَقَهُ قال له أكتب.
وهذا هو معنى «إن أَوَلَ ما خلقه الله القلم فقال له أكتب» لأنَّ الجمع بين الروايات أولى من تعارضها.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه التِّبْيَان أنَّ قوله «إن أَوَلَ ما خلق الله القلم» ورواية «أَوَلَ ما خلق الله القلم» إما أن تُجعل جملتين أو جملة واحدة.
وقد ذكر هذا النقل شارح الطحاوية فترجع إليه.
وخلاصة البحث هو ما ذكرت لك من التقدير، فإن قوله «إن أَوَلَ ما خلق اللهُ القلمُ» هنا برفع القلم يكون خبر (إنَّ) .
يعني: إنَّ أَوَلَ الذي خلق الله، إن أَوَلَ المخلوقات القلمُ فقال له أكتب.
وإذا كان أَوَّلْ المخلوقات فكيف يُفَسَّرْ مع حديث «وكان عرشه على الماء» الذي ذكرته لك.
فقوله إنَّ أَوَّلَ المخلوقات أو أَوَّلَ ما خلق الله أو أَوَّلَ الذي خلقه الله، يُفهم على أنَّ القلم جرى بما هو كائن إلى قيام الساعة قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
فالقلم متعلّق بما كُتِبَ في اللوح المحفوظ، مُتَعَلِّقاً بما يحدث في هذا العالم المخصوص لا في مطلق الأشياء، ولهذا عُلِّقْ بأنه إلى قيام الساعة.
فإذاً يُفهم لمَّا كان تعلق الكتابة بهذا العالم الذي جرى التقدير عليه إلى قيام الساعة، يُفهم أنَّ القلم لمَّا تَعَلَّقَ بهذا العالم كتابةً لِتَقْدِيرِهِ ولِقَدَرِهِ ولآجاله إلى آخره فإنه من هذا العالم؛ لأنّ العوالم أجناس والله جعل لمخلوقاته أقدارا وأجناسا.
فإذاً يُفهم قوله «إن أَوَّلَ ما خلق الله القلم» يعني من هذا العالم.
فالقلم قبل السموات وقبل الأرض وقبل الدخان المتعلِّق الذي خُلِقَ منه السموات والأرض وكل ما يتصل بهذا العالم المرئي المُشاهَدْ، فالقلم هو أول المخلوقات أما العرش والماء فليسا مُتَعَلِّقَينِ بهذا العالم.
فإذاً إعمال الحديثين مع ما يتّفق مع عقيدة أهل السنة والجماعة واضح لا إشكال فيه، فيكون ذلك هو تقرير هذه المسألة.
وقد لخّص ابن القيم المسألة في نونيته وبحثها مفصلاً في كتابه التبيان في أقسام القرآن، وفي غيره فقال في النونية ﵀:
والناس مختلفون في القلم الذي ****** كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو بعده ****** قولان عند أبى العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه ****** عند الكتابة كان ذا أركان
وهذا القول كما ترى من تقريره مع دليله هو الصحيح، وهو الموافق لفقه النص وفقه خلق العالم وآثار فعل الله في ملكوته، ومتّفق مع القول بأن الله فعَّالٌ لما يريد، وأن قَبْلَ هذا العالم ثَمَّ عوالم أخرى، والله يخلق ما يشاء ويختار، وأنّه ثَم أشياء أخرى بعد قيام الساعة، والقلم مُتَقَيِّدٌ بما خلقه الله له، والله سبحانه له الأمر كله يقضي ما يشاء ويحكم ما يريد .
стр. 261
[المسألة الخامسة] :
جاء في حديث أنس الذي رواه البخاري وغيره في قصة الإسراء أنَّ النبي ﷺ ذَكَرَ عروجه إلى الله ليلة المعراج، ثم قال في وصف ارتفاعه ﷺ «ثم إني رُفِعْتُ لمستوىً أسمع فيه صريف الأقلام» (١) .
وهذه الأقلام غير القلم الذي كُتِبَ به القَدَرْ فإنَّ ذلك القلم من نور كُتِبَ به القَدَرْ في اللوح المحفوظ.
وأما هذه الأقلام فهي التي بأيدي الملائكة.
أقلامٌ يُكْتَبُ بها وحي الله إلى ملائكته مما يُوَكَّلُونَ به من الأشياء.
فهم يكتبون أَمْرَ الله ، وله كلمات لا تنقضي كما قال ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] .
فالله كلماته الكونية لا تنفذ يأمر وينهى في ملكوته والملائكة تكتب، فهذه الأقلام نوع آخر.
ولك أن تقول هذا هو النوع الثاني وهي أقلام الوحي التي بأيدي الملائكة يكتبون ما يوحي الله به في سَمَائه.
الأسئلة:
س١/ إنَّ من ضابط الكبيرة ما تُوُعِّدَ فيه بنفي الإيمان، فهل كل نَصٍ نُفِيَ فيه الإيمان دالٌّ على أنَّ مرتكبه فاعل للكبيرة، نرجو بيان الضابط في ذلك حيث أشكل هذا على بعض الأخوة؟
ج/ هذه المسألة أصْلُهَا أَنَّ الله حَرَّمَ أشياء، وقَسَم المحرّمات إلى قسمين: إلى كبائر وإلى صغائر. فقال ﴿الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢] ، فجعل ثَمَّ كبائر وثَمَّ صغائر، وقال أيضا ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفَّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١] ، وصحّ عنه ﷺ أنه قال «الكبائر سبع» (١) وفي الحديث المتفق على صحته «اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر» (٢) إلى آخره.
فإذاً انقسام المحرمات إلى كبائر وصغائر أمْرٌ مُقَرَّر في الشريعة، في القرآن وفي السنة وعليه أكثر أهل العلم أو غالب أهل العلم.
وقال آخرون: إنَّ الذنوب كلها كبائر؛ لأنَّ الصغيرة إذا نُظِرَ فيها إلى حق من عُصِيَ بها فهي كبيرة، واستدلوا لذلك بقوله ﷺ «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير» (٣) فجعله ليس بكبير ثم أثبت أنه كبير، فقالوا: إنَّ الذنب لا يكون صغيراً.
وهذا غَلَطْ ممن قال به لأنَّ النصوص دالة على التقسيم، ثُمَّ إنَّ النبي ﷺ قال في ذِكْرِ المكفرات «الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما ما اجتنبت الكبائر» (٤) وصحّ أيضا أنه ﷺ (جاءه رجل وقال يا رسول الله: إني لقيت امْرَأَةً في بعض السكك فأصبت منها غير أني لم أَنْكَحْ. فقال ﷺ «هل صليت معنا؟» فقال: نعم فقال «تلك كفارتها» (٥) وتلا قول الله ﴿وأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى للذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ، قال الرجل: يا رسول الله أهي لي أم للناس عامة؟ قال «بل هي عامة» فدل هذا على أن الصغائر تُكَفَّرْ وعلى أن الكبائر لابد لها من التوبة.
اختلف العلماء في ضابط الكبيرة ما هي الكبيرة؟ وبِمَ تُحَد؟ على أقوال كثيرة جداً.
لكن الذي نُرِجِّحُهُ في ذلك تَبَعَاً للمحققين من أهل العلم أنَّ الكبيرة ما تُوُعِّدَ فيه، يعني ما جاء الليل بأن صاحبه مُتَوَعَّدْ بالحد في الدنيا أو بالعذاب في الآخرة، وما كان فيه الوعيد بحد في الدنيا كشرب الخمر والزنا والسرقة والقذف وأشباه ذلك فإن هذا أو ما هو أكبر من ذلك فإن هذا كبيرة؛ لأنه متوعد صاحبُه بالعذاب بالنار في الآخرة أو بالحد في الدنيا.
وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية -اجتهادا منه- على هذا أنه ما جاء النص فيه بنفي الإيمان واللعن فإنه يدل على أنه كبيرة ونظمها ابن عبد القوي في منظومته المشهورة التي طُبعت مؤخرا فقال في ذلك في حد الكبيرة:
فما فيه حد في الدُّنَى أو تَوَعُدٌ بأخرى فَسَمْ كبرى على نص أحمد
يعني هذا هو الذي نص عليه الإمام أحمد وهو قول جمهور العلماء، قال:
وزاد حفيد المجد أو جا وعيده بنفي لإيمان وطرد لمُبْعَدِ
وزاد حفيد المَجْدِ) يعني الشيخ تقي الدين ابن تيمية
يعني ما جاء في النص بنفي الإيمان «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» (٦) .
وطرد لمبعد «لعن الله من غير منار الأرض» (٧) هذا يدل على أنه كبيرة عند شيخ الإسلام.
إذا تبين ذلك فالسائل يسأل عن ضابط نفي الإيمان لأنه فيه نصوص نُفِيَ فيها الإيمان وبالإجماع أنه ليس بكبيرة كقوله ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٨) والضابط في نفي الإيمان أنه ما نُفِيَ الإيمان فيه عن مَنْ فَعَلَ مُحَرَّمَاً، أما من لم يفعل المحرم فإنَّ نَفْيَ الإيمان ليس من هذا الباب، لكن من فَعَلَ محرما فإنَّ دخول نفي الإيمان على الفعل المحرم ينقل هذا الفعل المحرم من كونه صغيرة إلى كونه كبيرة «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» .
أما قوله «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» فهذا بالإجماع مستحب، قوله أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك من الخير بالإجماع على أنه مستحب.
стр. 265
وقال «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (١) ونحو ذلك فهذا لا يدخل في البحث، وإنما المقصود إذا كان الشيء محرما فاقترن بالشيء المحرَّم بنفي الإيمان عن من فعله. والله أعلم. (٢)
стр. 266
: [[الشريط العشرون]] :
الحمد لله حق الحمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.
الأسئلة:
س١/ هل النبي ﷺ يُحَبُّ لذاته لأنَّ ذاته حميدة، أم يُحَبُّ في الله لما اتصف بالنبوة والرسالة؟
ج/ هذا سؤال جيد، ونبينا ﷺ جَمَعَ من الأوصاف والعِلَلْ والأسباب التي لأجلها يُحِبُّ المُحِبْ من أحب، جَمَعَ كل الأسباب والأوصاف، فهو ﷺ يُحَبُّ من كل جهة:
- يُحَبْ لله لأنَّ الله أمر بحبه ﷺ .
- ويُحَبْ لأنَّ الله اصطفاه وفَضَّلَهُ وجعله رسولاً ورحمةً للعالمين.
- ويُحَبْ ﷺ لأنَّ الله خَصَّهُ بالقرآن خَصَّهُ بالآيات والبراهين، خَصَّهُ بما لم يخصّ به الأنبياء والرسل.
- ويُحَبْ ﷺ لأجل جهاده في الله حق الجهاد ونصحه لهذه الأمة وتبليغه رسالة ربه ﷻ .
- ويُحَبْ ّ ﷺ لعِظَمِ إحسانه لكل أحد، فما من أحد إلا وهو قد أحسن إليه ﷺ أيما إحسان، وإذا كان الناس فيما بينهم يحبون من أحسن إليهم كما قال شاعرهم:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ (١)
فنبينا ﷺ أَحْسَنَ أيَّمَا إحسان وأفاض على هذه الأمة من إحسانه وفضله ﷺ بما بلغ من رسالة ربه واهتدى بهدي ربه ، فيُحَبُّ لذلك أعظم المحبة ﷺ ، فلولا أنَّ الله مَنَّ علينا ببعثة محمد ﷺ ثُمَّ باتِّبَاعِهِ لكنا من الهالكين، فنبينا ﷺ يُحَبْ لما في عنق كلّ أحد من هذه الأمة له ﷺ من المنّة، فمنّته ﷺ على كل أحد، ولهذا جعل الله من جميل ثوابه لنبيه أنّ له مثل أجور أمته، فكل من عمل عملاً صالحا من الإيمان وشُعَبِه، فله ﷺ مثل أجره، والناس يُحِبُّونَ أيضاً لأنواع الصفات، فَيُحِبُّ المحب فلاناً لكرمه، ويُحِبُّ المحب فلاناً لخلقه ولشجاعته ولإمامته ولفتواه ولحكمه ولحسن تعامله ولأشياء كثيرة من الخلال والأوصاف ولتعامله مع أهله ولكماله في صفاته وأخلاقه وسجاياه.
والنبي ﷺ إذا نظرنا إلى كل جهة من هذه الجهات فإنه يُحَبْ عليها ﷺ .
ولكن مع هذا كله فإن القاعدة عند أهل العلم من أهل السنة أنَّ النبي ﷺ محبته ليست استقلالاً ولكن تبعٌ لمحبة الله ، وهذا يعظّم شأن نبينا ﷺ .
ففي الحقيقة من تأمل ذلك حق التأمل فإنه يحبه ﷺ ، وبرهان المحبة قوله ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] ، وقد قال الشاعر في معرض كلام له لمَّا ذكر بعض الصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها من يعظ الناس قال:
لو كان حبك صادقاً لأطعته إنَّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
فالمحبة للنبي ﷺ ليست تراتيل تُنْشَد ولا أشعار يُتَباهى بها وليست هي قلادة يَتَزَيَّنْ بها من يَتَزَيَّنْ دون إتباع لسنته ﷺ ، فحقيقة المحبة لمن أحب أنَّهُ يَتَّبِعْ سنة هذا النبي الكريم ﷺ ، فهو الرسول المصطفى والخليل المُجتبى الذي أرسله الله بالهدى، فطاعته ﷺ أول ثمرات محبته ﷺ ، لهذا إذا عظمت المحبة فإنَّ الطاعة تكون أعظم، لهذا قال من قال من السلف (لهذا لما كَثُرَ الأدعياء طُولبوا بالبرهان ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ ) .
وقال آخر (ليس الشأن أن تُحِبَّ ولكن الشأن أن تُحَبْ) (٢)
فليس الشأن أن تُحِبَ النبي ﷺ ولكن الشأن أن يحبك النبي ﷺ ، ليس الشأن أن تُحِبَّ الله ولكن الشأن أن يحبك الله ﷻ ، والله لا يحب إلا أهل توحيده والإنابة إليه وخلع الأنداد والشرك؛ الذين يحبون نبيه ﷺ ويحققون معنى الشهادة له لأنه رسول الله ﷺ .
س٢/ في قوله تعالى ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤] ، البعض يقول إنَّ الله لم يقل وما تدري نفس ماذا تعمل غداً؛ لأنَّ الإنسان قد يعلم ماذا يعمل إذاً فَعَلَى هذا يقولون إنَّ الكسب لا يعني العمل فما هو القول الصحيح في تفسير هذه الآية؟
стр. 267
ج/ الآية هذه كنظائرها ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ يعني ماذا تعمل في الغد فإنَّ الكسب بمعنى العمل لكنه عمل يَتَحَصَّل منه على شيء وهو أجره، سُمِيَ العمل الصالح في النص كسباً لأنه كأنه شيء يكتسبه، مثل شخصٍ يتاجر فيقال: كَسَبَ كذا، (فَكَسَبَ) يعني عمل وخرج له شيء من عمله، فلما كان العمل الصالح يؤجر عليه العبد سُمِيَّ بالنص كسباً، لا بمعنى الكسب عند المبتدعة فإنَّ ذلك كما أوضحت لك في الدروس له معنى آخر.
[المسألة الأولى] :
أنَّ العرش حق لأنَّ الله ذكره في كتابه في آيات كثيرة فقال ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] ، ووَصَفَ العرش بأنه عظيم، فقال ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ (١) ووصف عرشه بأنه مجيد، ووصف عرشه بأنه يُحْمَلْ فقال سبحانه ﴿الذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر:٧] ، ووصف عرشه أيضا بأنَّهُ يستوي عليه ، وأنَّ عرشه ﷻ موصوف بصفات العظمة التي فاق بها سائر العروش.
فإذاً وُصِفَ بهذه الصفات، وجاء في السنة مزيد في وصفه بأنَّ العرش له قوائم تحمله الملائكة، كما قال ﵊ «يُصعق الناس فأكون أول من يُفيق، فإذا بموسى باطشٌ -أو قال آخذٌ- بقائمة من قوائم العرش» (٢) .
فالعرش إذاً مخلوق من مخلوقات الله العظيمة، ومن عِظَمِهْ أنه قال فيه ﷺ «مثل السموات السبع للعرش كمثل حلقة ألقيت في فلاة ومثل الكرسي للعرش كذلك» (٣) يعني كحلقة ألقيت في فلاة وهذا الحديث صححه وقواه جمع من أهل العلم، وروي من طرق كما ذكر الإمام ابن تيمية ﵀ والبحث يقتضي ذلك.
وصْفُ العرش في النص جاء بأنه مجيد؛ يعني أنه ذو سَعَةْ، وأنه ذو جمال، وجاء بأنه عظيم؛ يعني أنه أعظم من غيره، وجاء في وصف العرش أنه كريم؛ يعني أنه فاق جنس العروش والمخلوقات في البهاء والحُسْنِ والعظمة؛ لأنَّ لفظ كريم في اللغة تعني أنه فاق غيره في الأوصاف التي يُحْمَدُ فيها، فقول العرب للإنسان الجواد الذي يبذل الندى ويبذل الطعام للأضياف أنه كريم داخلٌ في قاعدةٍ كبيرة في معنى كلمة كريم في لغة العرب.
ولهذا من فاق غيره في الأوصاف فإنه كريم، ومن أسماء الله الكريم الذي بلغ المنتهى في علو صفاته وحُسْنِ أسمائه بحيث لا يشابهه ولا يماثله شيء فيما وُصِفَ به ﷻ ، ووُصِفَ النبي ﷺ بأنه كريم لذلك؛ بل وُصِفَ في القرآن أنَّ النبات كريم لأجل ذلك، فقال سبحانه ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء:٧] ، يعني الأزواج التي تفوق غيرها وجنسها في النضرة والبهاء وما خلقه الله .
فإذاً يقتضي وصف العرش في النص بأنه كريم ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] في الحديث، يقتضي ذلك أنَّ العرش من جنس العروش.
يعني أنَّ له صفة العروش.
يعني أنه عرش على ظاهره لكنه فاقها في جميع الصفات التي توصف بها العروش.
فإذاً هو عرش على الحقيقة ليس على المعنى، هو عرش على الحقيقة، وفاق جنس العروش، والله في القرآن ذكر العرش، عرش المخلوقين وعرش الملوك في آيات كثيرة فقال مثلا في قصة يوسف ﵇ ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدَا﴾ [يوسف:١٠٠] ، وقال سبحانه في وصف عرش بلقيس قال ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] ، وقال سبحانه ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل:٤١] ونحو ذلك.
فإذاً العرش هذا معناه، فيما جاء في الأدلة، وهذا عرش الرحمن، ووُصِفَ في الأدلة في الكتاب والسنة بهذه الأوصاف، وأنَّ العرش يُحْمَلْ، وأنَّ له قوائم، وأنه يُدَار حوله من الملائكة، وأنه مُقَبَّب كالقبة فوق سمواته، كما جاء في الحديث الذي في السنن واعتمد ما دلَّ عليه في جهة العرش أهل العلم لما جاء عن الصحابة في تقوية ذلك بأنَّ عرشه على سمواته هكذا وأشار بيديه مثل القبة، فقال أهل العلم إن العرش مُقَبَبْ.
وكونه مُقَبَبْ لا يعني أنه أصغر كما يدل عليه النظر العقلي، مثل تقبيب سطح الأرض على مستوى النصف فيها فإنه مُقَبَب عليها وهو أعظم منها فكيف بالعرش.
стр. 270
[المسألة الثانية] :
العرش في اللغة مأخوذ من الرفع والارتفاع كما قال في ذكر فرعون ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧] ، يعني يَبْنُونَ ويرفعون من الأبنية، وقال ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام:١٤١] ، المعروشات يعني التي جُعِلَ لها البناء الذي يسمى تعريش أو العريش.
ولأجل هذا الارتفاع والعلو سُمِّيَ العرش عرشاً.
فكلمة عرش والتعريش ونحو ذلك مأخوذة أو أصلها الإرتفاع، ولهذا حتى في أكل اللحم إذا أراد أن يأخذ اللحم إلى فِيْهِ ويأكله بفيه بدون أن يقتطع منه يقال عَرَشَهُ، عَرَشَ اللحم أو عَرَشَ اللحم على العظم ونحو ذلك لأنه يرفعه على هذا النحو.
فإذاً مادة العرش في اللغة ترجع إلى الارتفاع وهذا التحليل اللغوي المختصر يفيد في الرد على المخالفين في مسألة العرش.
стр. 271
[المسألة الثالثة] :
أنَّ العرش دَلَّتْ الأدلة على هذا الوصف، أما المخالفون فلهم في العرش أقوال:
١- القول الأول:
أنَّ العرش هو فَلَكٌ من الأفلاك، وهو نهاية الأفلاك مستديرٌ حولها.
وهذا هو قول أهل الكلام المدون في كتبهم، ويُسَمُّونَ الفلك التاسع عندهم الأطلس، يعني الذي ليس فيه خروق ولا نجوم، قالوا وهو المسمى في الشريعة العرش لأجل علوه وارتفاعه على سائر الأفلاك.
وهذا على أصلهم لأنهم جعلوا الأفلاك سبعة ثم الثامن ثم التاسع وهو الفلك الأطلس، ولأجل عُلُوِّهِ وارتفاعه جمعوا ما بين الشريعة والفلسفة فقالوا هو هذا الفلك التاسع الذي تسميه الفلاسفة وأهل الهيئة -وهم جزء من الفلاسفة- يسمونه الفلك التاسع أو الأطلس هو العرش.
وهذا القول يُرَدُّ عليه بردود واضحات وهي:
@ الرد الأول: أنَّ أهل الهيئة سَمَّوا فلكهم التاسع أطلس ولم يزعموا -يعني قبل الإسلام- أنَّهُ هو العرش، والعرش في النصوص له صفة أخرى غير صفة الفلكية، فوُصِفْ بأنَّ له قوائم وأنَّ الملائكة تحمله وأنه على السموات على هذه الصفة وأنه مُفَضَّلٌ على العروش إلى آخره، فدلَّ على أنه ليس بفلك، والفلك مسارٌ من المسارات وكرة من الكرات التي تكتنف الأفلاك الأخرى.
فإذاً من جهة دلالة النص تُبطِلُ هذه الدلالة.
@ الرد الثاني: أنَّ الدلالة العقلية أيضاً تُبْطِلْ ذلك ودليله أَنَّ أهل الهيئة والفلاسفة لم يُقَدِّموا باتفاقهم برهاناً قطعياً على أنه ليس وراء الفلك التاسع كما سَمَّوهُ فلك، وإنما قالوا هذا نهاية ما رأينا بوضع الخسوفات، وتَقَدَّمَ هذا على هذا.... إلى آخره، فَرَتَّبُوهَا بحكم مشاهدة، ولم يقولوا إنه ليس وراء الفلك التاسع فلك؛ لكن على هذا رتبوا، ولهذا لم يقولوا -يعني بالبرهان القاطع- وإنما قالوا إنَّ الفلك التاسع هذا هو آخر الأفلاك بحكم ما شاهدنا؛ لكن قد يكون ثم شيء آخر وراءه.
وهذا يخالف ما فَهِمُوهُ من كلمة العرش لأنهم أرادوا أن يجعلوا صِلَة بين العرش وبين كلام الفلاسفة، والعرش هذا الذي ذُكِرَ في النصوص لا يوافق هذا المبدأ؛ لأنه آخر المخلوقات والعرش أعظم المخلوقات وما تحته صغيرٌ بالنسبة إليه وليس دائرياً كما ذكروا.
فإذاً كلامهم من الجهة العقلية لمَّا لم يأتِوا ببرهانٍ يدلُّ على أنه ليس وراء الفلك التاسع شيء ببرهانٍ قطعي عقلي وإنما قالوا هذا الذي يظهر من جهة النظر، فإنَّ هذا يدل على أنَّ تسمية الفلك التاسع بالعرش أنه ليس بصواب، وهذا واضح لكن لأنك قد تجده في بعض كتب التفسير فانتبه من ذلك.
٢- القول الثاني:
أنَّ العرش هو عبارة عن المُلْكْ ولكن عَبَّرَ عن الملك بالعرش لتلازمهما، فكما أنَّ لملوك الأرض عرشاً يجلسون عليه فإنَّ الله جعل لنفسه عرشاً، وهذا العرش هو مُلْكُهُ، لكن من قبيل تعظيم الأمر.
وهذا القول أيضاً باطلُ ومردود؛ لأنَّ مُلْكُ الله لا يوصف بتلك الصفات في الشريعة، فإنَّ المُلْكَ لا يُحْمَلْ، والمُلْكْ ليس له قوائم، والمُلْكْ ليس ثَمَّ ملائكة تدور حوله ونحو ذلك، والمُلْكْ لا يأتي يوم القيامة محمول ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] ، إلى آخره، أيضا المُلْكْ مرتفع معنىً والعرش مرتفع حِسّاً يعني من جهة دلالة اللغة وهذا فرق بَيِّنْ.
٣- القول الثالث:
أنَّ حقيقة العرش هي الكرسي، وأنَّ الكرسي والعرش شيء واحد، وأنَّ الكرسي الذي وَسِعَ السموات هو العرش، وهذا قولٌ هنا وقولٌ في أقوال الكرسي يأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى، وهذا القول منسوب إلى الحسن البصري وهو قول ضعيف؛ لأنَّ:
- الله وَصَفَ العرش بصفات ليست هي صفات الكرسي.
- ثم مادة العرش غير مادة الكرسي؛ يعني من جهة الاشتقاق.
- ثم الآثار عن السلف متضافرة في أنَّ العرش شيء والكرسي شيء آخر
ولهذا عطف الطحاوي الكرسي على العرش فقال (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ.) لأنَّ العطف بالواو يقتضي المغايرة، مغايرة الذوات بين الكرسي والعرش.
٤- أما بالنسبة مذهب الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم فإنهم في العرش مضطربون، ليس لهم مذهب واضح:
- منهم من ينحو منحى أهل الكلام.
- ومنهم من يقول العرش مخلوق من مخلوقات الله لا نعرف حقيقة تكوينه، ولا معنى الاستواء عليه ونحو ذلك.
- ومنهم من يقول إنَّ العرش هو الملك.
- ومنهم من يقول العرش تمثيل، أصلاً ليس فيه عرش وليس ثّمَّ شيء وإنما هو تقريب، تمثيل للأفهام.
стр. 272
والكرسي
стр. 273
[المسألة الثانية] :
أنَّ كلمة كرسي من جهة اللغة مأخوذة من الكَرْسِ، والكَرْسِ هو الجمع في اللغة، ويقال للكرسي المعروف إنه كرسي لأجل أنَّ أعواده تُجمَعْ على هيئة ما.
فالكرسي يختلف عن المقعد الآخر بأنَّهُ أعواد مجموعة في اللغة، ومنه سُمِّيَ العلماء أيضاً كَرَاسِي لأجل أنهم جَمَعُوا العلم، لأجل معنى الجمع، وكذلك قيل للوَرَقْ المجموع على نحوٍ ما كُرَّاسة لأنها أوراق جُمِعَتْ.
فمادة الجمع مادة الكَرْسْ تعود إلى الجمع، ويقال تَكَرَّسَ فلان بالشيء إذا جَمَعَهُ أو تكرَّس فلان الشيء إذا جمعه إلى صدره أو جمعه إليه.
فإذاً مادة الكرسي مأخوذة من الجمع.
وهذا يدل على أنَّ كرسي الرحمن ﷻ وتقدست أسماؤه له من الصفات العظيمة ما يختلف به عن صفة العرش؛ لأنَّ الله سَمَّى العرش عرشاً وهذه لها دلالتها في اللغة، وسَمَّى الكرسي كرسيَّاً وهذه لها دلالتها في اللغة.
стр. 274
[المسألة الثالثة] :
الناس لهم في الكرسي أربعة أقوال، يعني غير أهل السنة:
١- القول الأول: وهو قول الحسن وهو أنَّ الكرسي هو العرش وهذا قول ضعيف، الآثار ترده كما قلت لك.
٢- القول الثاني: أنَّ الكرسي لمَّا ذُكِرْ في آيةٍ واحدة هي آية الكرسي في سورة البقرة، أَنَّهُ تمثيل وأنه ليس ثمَّ حقيقة للكرسي؛ ولكن هو تمثيل لتقريب عظمة الله .
وهذا هو قول الذين ينفون كثير من الصفات التي تدل على عظمة الله وقدرته كقوله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، ونحو ذلك فيقولون: إنَّ هذا كله تخييل؛ بل قالوا: إنَّ كل نص جاء في الكتاب والسنة من هذا القبيل فإنه لأجل التخييل لا تُقْصَدُ حقائقه، وإنما المقصود تعظيم الناس لله وإلا فهذه ليست على حقائقها.
وهذا القول معروف من أقوال المعتزلة وطائفة من الأشاعرة، ومن المعاصرين قرَّرَهُ في تفسيره سيد قطب في ظلال القرآن وجعله قاعِدَةً كلية في آخر سورة الزّمر عند قوله تعالى ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ والسَّمَوَاتُ مَطْوِيَاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ .
وفي الحقيقة إنَّ القول بأنَّ هذا كله على جهة التخييل إلغاء لكل الدلالات الشرعية للألفاظ وإلغاء لكل الغيبيات لأنه يكون المقصود في كل هذا التمثيل.
وهذا القول قَدَّمَهُ الزمخشري في الكشاف وكأنه يميل إليه، وعلى قاعدتهم في أنَّ كل النصوص من هذا الباب على وجه التوهم والتخييل.
وهذا القول كما ذكرت لك غلط عظيم؛ لأنَّ معناه نفي كل الأمور الغيبية هذه على هذه القاعدة، فما كان من الأمور الغيبية يدل على عظمة الله وكان فيها تمثيل بأشياء موجودة عند البشر فتُنْفَى ويكون المقصود التمثيل لا الحقيقة.
٣- القول الثالث: أنَّ الكرسي هو العلم، فكرسي الرحمن هو عِلْمُهُ، وقوله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني وسع علمه السموات والأرض.
وهذا القول مروي عن ابن عباس ولكن الصحيح عن ابن عباس خلاف هذا القول.
ويُرَدْ على هذا القول بأمور:
١ - أنَّ مادة الكرسي للجمع، والعلم شيء آخر، هذا من جهة اللغة.
٢ - أنَّ الله ذكر أنَّ الكرسي وسع السموات والأرض؛ ولكن علمه وسع كل شيء، قال سبحانه ﴿ربنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧] ، وقال ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وعِلْمُ الله يشمل علمه بذاته وبأسمائه وصفاته وأفعاله وعلمه الذي يسع السموات والأرض وعلمه الذي يسع الجنة والنار وعلمه بعد تغير السموات والأرض وقبل خلق السموات والأرض.
فإذاً تفسير الكرسي بأنه العلم هذا يضاد أنَّ العلم يسع كل شيء ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ ، وأما كرسي الرحمن فقال ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ .
٣ - أنَّ قولهم إنَّ الكرسي هو العلم وأنَّ مادة تَكَرَّسَ راجعة إلى العلم، والعلماء سُمُّوا كراسي لأجل العلم ونحو ذلك من الاحتجاجات واحتجاجهم بقول الشاعر يصف قنصه لفريسته:
فلما احتازها تكرَّسا.................
قالوا يعني علم.
فهذا من الجهة اللغوية فيه ضعف، وذلك أنَّ العلم ليس راجعاً إلى الجمع والعلماء صحيح أنهم جمعوا علومهم لكنَّ العلم من حيث هو يَحْصُلُ بتلقي المعلوم ثُمَّ العِلْمُ به والمعرفة به، فليس كل علم ناتجاً عن جمع بل يكون ناتجاً عن تصور الخَبَر، فيكون معلوماً له.
وهذا هو المقرر في اللغة وعند أهل نظرية المعرفة، فإن المرء يعلم بدون جمع، والله وَصَفَ الصغير بقوله ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨] ، فكُلَّمُا عَلِمَ المخلوق، كلما علم الصغير شيئا صار عالماً به ولو لم يجمعه إلى غيره، فمادة الجمع غير مادة العلم، مادة الكَرْسْ غير مادة العلم والعلم ما صار علماً للجمع، وإن كان العلماء سُمُّوا كراسي لأجل جمعهم العلم.
فإذاً راجِعٌ تفسير كلمة التكرس إلى كلمة الجمع، واحتجاجهم بقول الشاعر كما ساقه ابن جرير الطبري في تفسيره:
فلما احتازها تكرسا...............
يدل على أنَّ التكرس بمعنى الجمع لا بمعنى العلم لم؟
لأنه قال (فلما احتازها) يعني صارت في حوزته.
(تَكَرَّسَا) وهو عَلِمْ بأنه قَنَصَهَا لمَّا صارت في حوزته.
يكون تكرسه شيئاً جديداً زائداً على ما حَصَلَ له من الحيازة، فالحيازة بها عَلِمْ وزاد بعد الحيازة أن ضَمَّهَا وجمعها إليه.
فإذاً من حيث اللغة فإنَّ دلالة التَّكَرُّس على العلم دلالة ضعيفة؛ بل الصواب أنَّ التَّكَرُّس ومادة كَرَسَ راجعة إلى الجمع في اشتقاقاتها جميعا.
стр. 275
٤- القول الرابع: أنَّ الكرسي عبارة عن المُلْكْ كما قالوا في العرش، وقالوا إنَّ الكرسي إذا قيل إنَّ كرسي الملك واسع فهذا يدل على سعة مُلْكِهِ وعلى عُلُوِّ شأنه وقُوَّتِهِ.
فيقولون: الله قال ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، يعني أنَّ سلطانه وملكه وسع السموات والأرض.
وهذا ليس بجيد أيضاً؛ لأنَّ:
١ - الكرسي من جهة دلالة اللغة غير دلالته على الملك.
٢ - أنَّ الكرسي موصوف في السنة وفي آثار السَّلف بأنه غير الملك، فدلَّ ذلك على أنَّ تفسيره بالملك تفسير حادث، والتفسير الحادث بعد زمن الصحابة رضوان الله عليهم لا يُصَارُ إليه في تفسير القرآن.
стр. 276
[المسألة الرابعة] :
وهذه المسألة متصلة بالعرش والكرسي جميعاً، وهي راجعة إلى أثر الإيمان بالعرش والكرسي.
فالمؤمن إذا آمن بأنَّ عرش الله حق، وأنَّ هذه التي ذُكرت هي صفة العرش، وأنَّ عرش الله عظيم جداً وأنه مجيد وأنه كريم، وأنَّ النبي ﷺ حَدَّثَ عن أحد حملة العرش بأنَّ مسيرة ما بين عاتقه إلى شحمة أذنه مسيرة خمسمائة عام، وأنَّ السموات بالنسبة للكرسي كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، وأنَّ الكرسي بالنسبة إلى العرش كذلك، وأنَّ الكرسي موضع قدمي الرحمن ، فلا شك أنَّ هذا يَؤُولُ بالمؤمن الحق إلى اعتقاد عظمة الله ، وإلى أنَّ الله سبحانه تتناهى المخلوقات عنده في الصِّغَر، وأنه كما وصف نفسه بقوله ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، وجاء في الأثر في تفسير ذلك أنه يرمي بها يوم القيامة كما يرمي الصغير بالكرة فيقول أنا الله الواحد أنا الملك إلى آخره.
فمعرفة صفة الكرسي وصفة العرش، ويبتدئ المرء من نفسه التي يُعَظِّمُهَا وكيف هو على هذه الأرض العظيمة جداً وهو صغير جداً جداً، هذه الأرض، حتى إنَّ المدن الكبار إذا صعدت بالطائرة تراها صغيرة جداً وهي تحوي ملايين الناس، فكيف بالفرد والأرض هذه بالنسبة للسماوات صغيرة، والسماوات السبع على سعتها وعِظم ما فيها من الأفلاك والنجوم والسيارات بالنسبة للكرسي صغيرة كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، والكرسي بالنسبة إلى العرش كذلك، والله فوق العرش مستغن عن العرش، وكل شيء محتاج إليه، والله سبحانه محيط بكل شيء إحاطة سعة وقدرة وذات وشمول ﷻ وتقدست أسماؤه فإنَّ المرء ولاشك يصيبه بل يحصل له في قلبه نوع عظيم من الذل لله ، ونوع عظيم من احتقار النفس ومعرفة قدر الإنسان كيف هو، وأنه شُرِّفَ أعظم تشريف أَنْ جعله الله عبداً له سبحانه، ولهذا ينظر المرء إلى عِظَمْ المخلوقات هذه ويؤمن بها فيُعَظِّمْ الله .
حقيقةً الإيمان بأسماء الله وصفاته يُثْمِرُ ثمراتٍ عملية في القلب من وَجَلِ القلوب، من إجلال الله وحب القلوب لجمال الله وأنواع ما يحدث في القلب من الإيمان ومدارج الإيمان التي تتصل بالإيمان بالأسماء والصفات، كذلك الإيمان بالجنة والنار، كذلك الإيمان بالعرش والكرسي لمن تأمله فإنه يجعل القلب خاضعا لربنا ويجعل القلب مُخْبِتَاً مُنِيبَاً لله فإنْ غَفَلَ جاءه تعظيمه وإيمانه وعقيدته بالإنابة السريعة بالاستغفار الحق.
إذاً حين نبحث هذه المباحث في العقيدة ليست كما يبحثها أهل الكلام المذموم في كونها أشياء لا ثَمَرَةَ لها على الإيمان والعمل الصالح وتَعَبُّدْ المرء لله ، فإنَّ كل شيء وَصَفَهُ الله لنا من الأمور الغيبية لم يُقْصَدْ إيماننا به واعتقادنا له من جهة الوجود دون جهة الإيمان وما يُثْمِرُ منه؛ بل قُصِدَ الإيمان به -يعني بوجوده وأثر الإيمان الذي يُحْدِثُهُ في النفس- لأنَّ المقصود إصلاح القلوب بالله .
وأنت سمعت قول أولئك من المعتزلة وطوائف من المبتدعة إنَّ هذه الأشياء تمثيل لأجل إصلاح الناس وإيمانهم بعظمة الله ، والواقع أننا إذا قلنا بما جاء في الأدلة من الكتاب والسنة فإنها في تحصيل الإيمان وفي إحداث الإيمان في النفوس وتقوية الإيمان أعظم من أن تكون للتمثيل؛ لأنَّ ذِكْرَهَا على الحقيقة وعلى هذه الصفات يجعل المرء على الحقيقة يتصور كيف هذه المخلوقات جميعاً والأرض هذه الكبيرة وما فيها ثُمَّ السموات ثم الكرسي بعد ذلك ثم العرش ثم الملائكة الحافين من حول العرش لاشك يُحْدِثْ له أنواع من الإيمان والوجل والخوف وحب الله وتعظيمه والإنابة إليه، وهذا لاشك كله من المقاصد الشرعية.
فإذاً الإيمان بهذه يحتاج منك إلى تأمل وتدبر في أن تُعْمِلَ في قلبك هذه الأشياء وتتذكر عظمة الله .
هذه بعض المباحث المتعلقة بقوله (وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ حَقٌّ) وثَمَّ مباحث زائدة يعني قد تدخل في مباحث الكلام المذموم، فالذي يهمنا هو تقرير ما دل عليه الكتاب والسنة وما يجب اعتقاده أنَّ العرش والكرسي حق، وأنَّ العرش موصوف بتلك الصفات والكرسي موصوف بتلك الصفات، وأنَّ الأقوال الباطلة في العرش والكرسي متعددة والجواب عليها، وأسأله لي ولكم التوفيق والسداد.
وفي هذا القدر كفاية عسى الله أن يرحمنا برحمته وأن يجعلنا من المنيبين إليه المتقين.
نكتفي بهذا القدر، لا تنسونا من صالح الدعاء. (١)
[المسألة الأولى] :
في قوله (وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعَرْشِ) ، (مُسْتَغْنٍ) من الغِنَى وهو عدم الحاجة.
والله سَمَّى نفسه بالغني كما في قوله سبحانه ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ وفي قوله ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦] ، وفي قوله ﴿فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] وفي قوله أيضا ﴿وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء:١٣١] ، ونحو ذلك من الآيات، فهو سبحانه موصوف بالغنى، ومن أسمائه الغَنِيْ.
ومعنى هذا الاسم -الذي هو من أسماء الجلال لله ومن أسماء الجمال لله - أنه سبحانه الذي يحتاج إليه كل شيء، وهو المستغني عن كل شيء.
وهذا الغِنَى غِنَىً بالقهر؛ فإنَّ الله سبحانه لا يحتاج إلى مُعينٍ لِيَقْهَرَ من شاء ويُذِلَّ من شاء، كما أنه غِنَىً في الملك؛ فالله سبحانه غَنِيٌّ عن أن يعينه أحد في تدبير ملكه ولكن يُشَرِّفُ من شاء من عباده ببعض ما يقومون به من عمل في ملكوت الله ، كما يُشَرِّف الملائكة وبعض عباده الصالحين.
وغناه أيضا غنىً لكمال قدرته .
ومن هذا الأخير غناه عن العرش، فهو سبحانه لكمال قدرته واستغنائه بقدرته عن أحد من خلقه فإنه مستغنٍ عن العرش.
فإذاً عموم غِنَاهُ وإطلاق غِنَاهُ وأنَّ الخلق جميعاً فقراء إليه هذا يشمل هذه المعاني جميعاً.
стр. 279
[المسألة الثّانية] :
استغناؤه عن العرش وما دونه يقتضي أنَّ العرش وما دونه محتاج إليه ومفتقر إلى الربّ ، وهذا له جهتان:
١- الجهة الأولى: أنَّ العرش وما دونه مُفْتَقِر لله ؛ لأنَّهُ لا قَوَامَةَ لَهُ ولا قيام له بنفسه، فهو محمولٌ، له قوائم كما مَرَّ معنا في وصفه، وهو محمول والذي يحمله خَلْقٌ سَخَّرَهُمْ الله لحمله وأقْدَرَهُمْ على ذلك، فقُدْرَتُهُم في حمل العرش واستقراره وفي بقائه وقيامه إنما هو بقدرة الله ، فهذا نوع من الحاجة.
٢- الجهة الثانية: أنَّ كلّ شيء عبدٌ لله ، ومن ذلك العرش، فالعرش من مخلوقات الله التي تَعْبُدُهُ وتُسَبِّحُهُ وتذِلُ له ، وكذلك حملة العرش، وكذلك من في السموات ومن في الأرض، وكذلك ما في السموات وما في الأرض، وقد قال ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] ، وقال أيضاً ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] ، فقوله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه نكرة جاءت في سياق النفي بـ ﴿إِنْ﴾ ، لأَنْ ﴿إِنْ﴾ هنا بمعنى ما و ﴿إِلَّا﴾ بعدها حاصرة أو قاصرة، فيكون المعنى: ما من شيء إلا يسبّح بحمده.
والعرش شيء، وتسبيحه بحمد الله نوع من الذل والعبودية له ، والعبودية والذل معنىً من معاني الافتقار إلى الرب ﷻ وتقدست أسماؤه.
وفي هذا تنبيه للعباد بعامة أنّ هذا المخلوق العظيم الذي الكرسي بالنسبة إليه كالحلقة الملقاة في فلاة من الأرض، (والكرسي) السموات السبع بالنسبة إليه كما جاء في كلام السلف كدراهم سبعة ألقيت في تُرْسْ أو كحلقات ألقيت في ترس، والأرض صغيرة بالنّسبة للسموات، فإنّ هذا يعني أنك أيها العبد أيها الإنسان المخلوق الضعيف الذي تعرف ضعفَك، تنظر إلى العرش الذي هو مفتقر إلى الله مُسَبِّحٌ ذالٌ منيبٌ إلى ربه ، كيف أنه لا يستغني عن مولاه، وكيف أنه يُسَبِّحُ ويحمد ويَذِلُّ لله ، فهذا المخلوق الضعيف جدا الذي هو الإنسان وأُبتلي بالتكليف لاشك أنه أولى بالذل لله؛ لأنه ضعيف جداً ومفتقر للغاية.
فإذاً النظر إلى العرش وفَقْرْ العرش إلى الله ، وأنَّ قوامَةَ العرش على عِظَمِهِ وعِظَمِ خلق السموات وضعف نِسْبَةِ خلق السموات إلى العرش جداً، كيف الإنسان ينظر إلى نفسه لاشك أنه يستفيد من هذا في قلبه وعمله أنه أولى بالافتقار إلى الله وأولى بالذل إلى الله، وأولى بالعبودية لله ﷻ وتقدّست أسماؤه وهذا من ثمرات التّفكر الشّرعي والنظر في ملكوت السموات والأرض، والنظر أيضا فيما ذكر الله في كتابه من أنواع خلقه التي لم نر ومنها عرشه ﷻ وتقدست أسماؤه.
стр. 280
[المسألة الثالثة] :
في قول المؤلف هنا في وصف الرب (مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ) .
(مُحِيطٌ) هذا الوصف الإحاطة قد جاء وصف الله به في القرآن في عدة آيات كما في قوله سبحانه في آخر سورة فُصِّلت ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:٥٤] ، وكذلك في قوله ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٢٦] ، وكذلك في قوله ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:٢٠] ، ونحو ذلك.
والإحاطة في اللغة: هي الإتيان بالشيء من جميع جهاته.
يعني من جميع الجوانب يكون مُطَوَّقَاً كما في قوله تعالى ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩] ، يعني جاءهم من كل جهة.
وتفسير إحاطة الله بكل شيء السلف والمفسرون منهم من يمضي -وهم الأكثر- عن الدخول في هذا الوصف؛ -وصف إحاطة الله بكل شيء-، وكأنهم هربوا من أن يُظَنَّ أنَّ الإحاطة إحاطة ذات، كإحاطة الفَلَك بما فيه وإحاطة السموات بالأرض ونحو ذلك.
ولاشك أنَّ معنى إحاطة الذات ليس مُرَادَاً، فإنّ الله فوق مخلوقاته والمخلوقات صغيرة بالنسبة لذات الله .
ولهذا أعرضوا عن الخوض في تفسيرها.
وفَسَّرَهَا طائفة من العلماء تفسيراً يوافق ما قاله السلف وما يعتقده أئمة أهل السنة في ذلك بقولهم: إنَّ الإحاطة أنواع:
- إحاطة بمعنى أنها إحاطة عَظَمَة لله .
- إحاطة بمعنى أنها إحاطة سعة، فالله سبحانه وَصَفَ كرسيه بأنّه وسع السموات والأرض ووصف نفسه بأنه واسع الذي وسِع كل شيء.
- إحاطة بمعنى أنها إحاطة صفات: إحاطة علم، إحاطة قدرة، إحاطة قهر، إحاطة مُلْكْ إلى غير ذلك.
فهذه كلها من معاني إحاطة الرب عباده، ولهذا أين المفر؟
فكل أحد يُفَرُّ منه إلى غيره؛ ولكن الله ولإحاطته بخلقه وإحاطته بجميع ملكوته -إحاطة عظمة وسَعَةْ وقدرة وعلم إلى غير ذلك- فإنّه سبحانه إذا فررت منه فإنك لن تجد إلا أن تفر إليه ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] .
ويقول القائل يوم القيامة أين المفر؟
لا مفر من الله إلا إليه.
وهذا إذا نَظَرَ إليه العبد مع التَّفُكُّرْ وَجَدَ نفسه تتصاغر جداً أمام ربه ، فَيعْظُمُ الإيمان في قلبه، ويعْظُمُ اليقين، ويعْظُمُ توكله على الله، فيأنس بالله وبما جاء من الله حتى يصير راضياً بكل ما جاء من الله ذالاً لربه .
وكلمة (شَيْءٍ) في قوله (بِكُلِّ شَيْءٍ) -ذكرنا لكم- أنها تُفَسَّر بأنَّ الشيء ما يصح أن يُعْلَمَ أو يؤول إلى أن يُعْلَمْ.
والله إحاطته بالأشياء منها -كما ذكرنا- إحاطة علم وإحاطة قدرة، فهو عالم بكل شيء، قدير على كل شيء، فإذاً كلمة (كُلِّ شَيْءٍ) هنا لأجل ما جاء في الآيات ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ ونحو ذلك لأجل ما جاء في الدليل.
стр. 281
[المسألة الرّابعة] :
وهي أعظم المسائل وأَجَلِّهَا في كلام الطحاوي هذا، وهي قوله في وصف الله (مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ) .
كما ذكرتُ لك أنَّ الإحاطة قد يتبادر إلى بعض الأذهان أنها إحاطة ذاتٍ، بمعنى أنَّ الأشياء جميعاً الله سبحانه بذاته محيط بها من كل جهة، وهذه قد نفاها العلماء ولم يجعلوها تفسيراً للإحاطة.
لهذا قال بعدها (وَفَوْقَهُ) يعني أنَّهُ مع إحاطته بكل شيء فهو فوق جميع الأشياء.
والفوقية هنا هي المسألة المشهورة العظيمة في هذه الأمة وهي مسألة علو الله على خلقه وفوقية الرب على خلقه.
والفوقية بمعنى العُلو، فالآيات التي فيها ذِكْرُ الفوقية تُفَسَّرُ بالعلو، والآيات التي فيها العلو تُفَسَّرُ بالفوقية، ففوقية الرب هي علوه سبحانه على جميع خلقه.
стр. 282
وفي قوله (وَفَوْقَهُ) مسائل لبسط الكلام عليها.
стр. 283
[المسألة الثانية] :
العلو والفوقية لله ثابت بدليل القرآن والسنة والعقل والفطرة.
بل قال بعض العلماء: إنَّ في القرآن والسنة ألف دليل لإثبات علو الله بذاته وفوقيته بذاته على خلقه.
وهذا يعني أنَّ أمر العلو ومسألة العلو والفوقية من المسائل المتواترة العظيمة التي دلالتها صريحة؛ بل دلالتها نصية فدلالتها إذاً قطعية.
ولهذا دخل عدد من أهل العلم؛ بل صَرَّحَ عدد من أهل العلم بتكفير من أنكر علو الله على خلقه لأجل عِظَمْ الأدلة في هذا كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الأدلة التي دَلَّتْ على علو الله على خلقه وعلى أنه سبحانه فوقهم بذاته وصفاته كثيرة جداً.
لهذا ابن القيم جعلها أنواع لأجل كثرتها، جعلها ثمانية عشرة نوعا كل نوع تحته جملة من الأدلة في الكتاب والسنة، ونذكر بعضا منها، وترجعون إلى الباقي:
١ - أنَّ الله صرَّحَ سبحانه ونص على أنه فوق عباده في قوله في سورة الأنعام ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨] ، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ .
٢ - أنه جاء التصريح بـ ﴿مِنْ﴾ قبل الفوقية في قوله سبحانه في سورة النحل ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] .
ومن مقتضيات اللغة أنَّ مجيء (من) قبل الظرف (فوق) تدل بظهور على أنَّ الفوقية فوقية ذات؛ لأنَّ فوقية الصفة أو القَهْرْ أو القَدْرْ لا يُؤتى فيها بـ (من) ، فلا يُقَال الذهب من فوق الحديد ويُعنى به صفاته، أو الملك من فوق الرعية ويعنى بها من الصفات.
إذا أُتيَ بـ (من) في اللغة قبل الظرف (فوق) فإنها تدل على فوقية المكان أو فوقية الذات لله .
يعني فوقية الذات لأي شيء، وفي الآية فوقية الذات لله .
فإذاً قوله سبحانه لما وصف الملائكة بأنَّهُم [ ... ] إلى السماء وأنهم يسبحون قال ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني الذي هو فوقهم بذاته ﷻ وتقدست أسماؤه.
٣ - أنه سبحانه ذَكَرَ أنَّ الملائكة تعرج إليه فقال سبحانه ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] ، عروج الملائكة يعني صعودها، عروج الملائكة يعني ارتقاءها إلى أعلى وإلى فوق، وهذا يدل على فوقية الذات لله .
٤ - أنه سبحانه ذَكَرَ ونصَّ على أنَّ العمل الصالح يصعد إلى الرب ، والأعمال الصالحة تُرْفَعُ إليه ، كما جاء في قوله تعالى في سورة فاطر ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، فقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ يعني لا إلى غيره لأنه سبحانه هو المتفرد بعلو الذات على خلقه جميعاً.
٥ -أنَّ الله سبحانه ذَكَرَ أنَّهُ اخْتَصَّ بعض عباده بأن جعلهم عنده، ومن ذلك الملائكة، فالملائكة في السماء؛ ولكن هم متنوعون أيضاً في سُكناهم للسماء، فجعل بعضهم مختص بأنه عنده سبحانه، وهذه العندية هي عندية علو وفوقية، كما في قوله سبحانه ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩-٢٠] ، ونحو ذلك من الآيات، فالعندية -عندية الملائكة- يعني كون الملائكة عند الله ﴿الذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يقتضي أنه سبحانه شرَّفَهُمْ وخَصَّهُمْ بشيء وهو أنهم عنده؛ يعني في عُلاهُ .
وكذلك ما وصف الله به الشهداء في قوله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هم بين الخلق جَسَدَاً ولكنهم عند ربهم روحاً يعني في العلا تكريماً لهم وتعظيماً لأجرهم وثوابهم.
٦ - ما ذكر الله من تنزيله للكتاب من عنده، كقوله ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] وكقوله ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢] ، وكقوله ﴿تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢] ، وكقوله سبحانه ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢] ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] ، ونحو ذلك من الآيات.
وهذه كلها ذكرها ابن القيم تحفظونها لأنها نافعة في الحجاج ومجادلة من ينكرون علو الله .
والأنواع كثيرة يمكن أن تطلبوها، وفيها أقوى دلالة وأوضح برهان على أنَّ الله سبحانه هو العالي فوق خلقه بذاته .
стр. 284
[المسألة الثالثة] :
دلالة السنة على فوقية الله أيضاً جاءت الأدلة فيها كثيرة جداً.
كقوله ﷺ «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» (١) ، وكقوله «والعرش فوق سمواته والله فوق ذلك» في الحديث الذي مرَّ معنا البحث فيه وأنَّ أهل السنة يستدلون منه بهذا القَدْرْ لثبوته في أدلةٍ أخرى.
وكذلك قوله ﷺ في حجة الوداع يشير إلى السماء ثم ينكث بإصبعه الأرض «اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد» (٢) .
وكذلك قوله ﷺ في حديث الجارية لما سألها «أين الله؟» قالت: في السماء. قال ﷺ لسيدها «أعتقها فإنها مؤمنة» (٣) ، والأدلة على علو الله في السنة كثيرة.
стр. 285
[المسألة الرابعة] :
وهي في الدِّلالة العقلية، دلالة العقل على علو الله بذاته على خلقه.
ودلالة العقل متنوعة وكثيرة؛ لكن نكتفي منها بدليل عقلي واحد، وهو أنّ الله موجود بالاتّفاق، يعني كل من أثبت الله أثبت وجوده، حتى جهم الذي ينفي جميع الصفات يثبت وجود الله .
فنقول لجميع هذه الفئات أنّ الوجود قَدْرٌ مشترك، فالله موجود، وخلق الله أيضا موجودون.
وهذان الوجودان إما أن يتمايزا وإما أن يتداخلا.
فإن تداخلا -يعني صار أحدهما داخل الآخر-:
إما أن يكون الخَلْقْ محيطون والله في داخل خلقه
وإما أن يكون الخَلْقْ في داخل الله .
خَلْقْ الله والكائنات منها أشياء مستقبحة (١) ومستقذرة وقبيحة مثل النجاسات ومثل القاذورات ومثل الأشياء التي لا يُصَرَّحُ بها ونحو ذلك استقذاراً واستهجانا وبعض المخلوقات السيئة ونحو ذلك، وهذه لا أحد - من جميع من يبحث هذه المسائل- يقول بجواز أن تكون في داخل الله .
فإذاً تَحَصَّلَ الأمر إلى أنَّه يتعَيَّنْ أن يكون الله عالياً على خلقه لأنَّ الإختلاط يقتضي هذا المعنى العقلي الفاسد، وكون الله في داخل خلقه هذا فيه نَقص لله .
وهذا برهان عقلي صحيح، وذلك لأنه مبني على مقدمتين وهاتان المقدمتان إثباتهما مُشْتَرَكْ بين جميع الجهات:
- المقدمة الأولى: وجود الله .
- المقدمة الثانية: تنزه الله عن أن يكون في داخله شيء مما يُسْتَقْبَحْ أو يُسْتَقْذَرْ.