← Акыда

Акыда · id 934

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

صالح آل الشيخ

Полный текст (757 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

[المسألة الرّابعة] : وهي أعظم المسائل وأَجَلِّهَا في كلام الطحاوي هذا، وهي قوله في وصف الله (مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَفَوْقَهُ) . كما ذكرتُ لك أنَّ الإحاطة قد يتبادر إلى بعض الأذهان أنها إحاطة ذاتٍ، بمعنى أنَّ الأشياء جميعاً الله سبحانه بذاته محيط بها من كل جهة، وهذه قد نفاها العلماء ولم يجعلوها تفسيراً للإحاطة. لهذا قال بعدها (وَفَوْقَهُ) يعني أنَّهُ مع إحاطته بكل شيء فهو فوق جميع الأشياء. والفوقية هنا هي المسألة المشهورة العظيمة في هذه الأمة وهي مسألة علو الله على خلقه وفوقية الرب على خلقه. والفوقية بمعنى العُلو، فالآيات التي فيها ذِكْرُ الفوقية تُفَسَّرُ بالعلو، والآيات التي فيها العلو تُفَسَّرُ بالفوقية، ففوقية الرب هي علوه سبحانه على جميع خلقه.

стр. 282

وفي قوله (وَفَوْقَهُ) مسائل لبسط الكلام عليها.

стр. 283

[المسألة الثانية] : العلو والفوقية لله ثابت بدليل القرآن والسنة والعقل والفطرة. بل قال بعض العلماء: إنَّ في القرآن والسنة ألف دليل لإثبات علو الله بذاته وفوقيته بذاته على خلقه. وهذا يعني أنَّ أمر العلو ومسألة العلو والفوقية من المسائل المتواترة العظيمة التي دلالتها صريحة؛ بل دلالتها نصية فدلالتها إذاً قطعية. ولهذا دخل عدد من أهل العلم؛ بل صَرَّحَ عدد من أهل العلم بتكفير من أنكر علو الله على خلقه لأجل عِظَمْ الأدلة في هذا كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الأدلة التي دَلَّتْ على علو الله على خلقه وعلى أنه سبحانه فوقهم بذاته وصفاته كثيرة جداً. لهذا ابن القيم جعلها أنواع لأجل كثرتها، جعلها ثمانية عشرة نوعا كل نوع تحته جملة من الأدلة في الكتاب والسنة، ونذكر بعضا منها، وترجعون إلى الباقي: ١ - أنَّ الله صرَّحَ سبحانه ونص على أنه فوق عباده في قوله في سورة الأنعام ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨] ، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ . ٢ - أنه جاء التصريح بـ ﴿مِنْ﴾ قبل الفوقية في قوله سبحانه في سورة النحل ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] . ومن مقتضيات اللغة أنَّ مجيء (من) قبل الظرف (فوق) تدل بظهور على أنَّ الفوقية فوقية ذات؛ لأنَّ فوقية الصفة أو القَهْرْ أو القَدْرْ لا يُؤتى فيها بـ (من) ، فلا يُقَال الذهب من فوق الحديد ويُعنى به صفاته، أو الملك من فوق الرعية ويعنى بها من الصفات. إذا أُتيَ بـ (من) في اللغة قبل الظرف (فوق) فإنها تدل على فوقية المكان أو فوقية الذات لله . يعني فوقية الذات لأي شيء، وفي الآية فوقية الذات لله . فإذاً قوله سبحانه لما وصف الملائكة بأنَّهُم [ ... ] إلى السماء وأنهم يسبحون قال ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني الذي هو فوقهم بذاته ﷻ وتقدست أسماؤه. ٣ - أنه سبحانه ذَكَرَ أنَّ الملائكة تعرج إليه فقال سبحانه ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] ، عروج الملائكة يعني صعودها، عروج الملائكة يعني ارتقاءها إلى أعلى وإلى فوق، وهذا يدل على فوقية الذات لله . ٤ - أنه سبحانه ذَكَرَ ونصَّ على أنَّ العمل الصالح يصعد إلى الرب ، والأعمال الصالحة تُرْفَعُ إليه ، كما جاء في قوله تعالى في سورة فاطر ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، فقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ يعني لا إلى غيره لأنه سبحانه هو المتفرد بعلو الذات على خلقه جميعاً. ٥ -أنَّ الله سبحانه ذَكَرَ أنَّهُ اخْتَصَّ بعض عباده بأن جعلهم عنده، ومن ذلك الملائكة، فالملائكة في السماء؛ ولكن هم متنوعون أيضاً في سُكناهم للسماء، فجعل بعضهم مختص بأنه عنده سبحانه، وهذه العندية هي عندية علو وفوقية، كما في قوله سبحانه ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩-٢٠] ، ونحو ذلك من الآيات، فالعندية -عندية الملائكة- يعني كون الملائكة عند الله ﴿الذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يقتضي أنه سبحانه شرَّفَهُمْ وخَصَّهُمْ بشيء وهو أنهم عنده؛ يعني في عُلاهُ . وكذلك ما وصف الله به الشهداء في قوله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هم بين الخلق جَسَدَاً ولكنهم عند ربهم روحاً يعني في العلا تكريماً لهم وتعظيماً لأجرهم وثوابهم. ٦ - ما ذكر الله من تنزيله للكتاب من عنده، كقوله ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] وكقوله ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢] ، وكقوله ﴿تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢] ، وكقوله سبحانه ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢] ، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] ، ونحو ذلك من الآيات. وهذه كلها ذكرها ابن القيم تحفظونها لأنها نافعة في الحجاج ومجادلة من ينكرون علو الله . والأنواع كثيرة يمكن أن تطلبوها، وفيها أقوى دلالة وأوضح برهان على أنَّ الله سبحانه هو العالي فوق خلقه بذاته .

стр. 284

[المسألة الثالثة] : دلالة السنة على فوقية الله أيضاً جاءت الأدلة فيها كثيرة جداً. كقوله ﷺ «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» (١) ، وكقوله «والعرش فوق سمواته والله فوق ذلك» في الحديث الذي مرَّ معنا البحث فيه وأنَّ أهل السنة يستدلون منه بهذا القَدْرْ لثبوته في أدلةٍ أخرى. وكذلك قوله ﷺ في حجة الوداع يشير إلى السماء ثم ينكث بإصبعه الأرض «اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد» (٢) . وكذلك قوله ﷺ في حديث الجارية لما سألها «أين الله؟» قالت: في السماء. قال ﷺ لسيدها «أعتقها فإنها مؤمنة» (٣) ، والأدلة على علو الله في السنة كثيرة.

стр. 285

[المسألة الرابعة] : وهي في الدِّلالة العقلية، دلالة العقل على علو الله بذاته على خلقه. ودلالة العقل متنوعة وكثيرة؛ لكن نكتفي منها بدليل عقلي واحد، وهو أنّ الله موجود بالاتّفاق، يعني كل من أثبت الله أثبت وجوده، حتى جهم الذي ينفي جميع الصفات يثبت وجود الله . فنقول لجميع هذه الفئات أنّ الوجود قَدْرٌ مشترك، فالله موجود، وخلق الله أيضا موجودون. وهذان الوجودان إما أن يتمايزا وإما أن يتداخلا. فإن تداخلا -يعني صار أحدهما داخل الآخر-: إما أن يكون الخَلْقْ محيطون والله في داخل خلقه وإما أن يكون الخَلْقْ في داخل الله . خَلْقْ الله والكائنات منها أشياء مستقبحة (١) ومستقذرة وقبيحة مثل النجاسات ومثل القاذورات ومثل الأشياء التي لا يُصَرَّحُ بها ونحو ذلك استقذاراً واستهجانا وبعض المخلوقات السيئة ونحو ذلك، وهذه لا أحد - من جميع من يبحث هذه المسائل- يقول بجواز أن تكون في داخل الله . فإذاً تَحَصَّلَ الأمر إلى أنَّه يتعَيَّنْ أن يكون الله عالياً على خلقه لأنَّ الإختلاط يقتضي هذا المعنى العقلي الفاسد، وكون الله في داخل خلقه هذا فيه نَقص لله . وهذا برهان عقلي صحيح، وذلك لأنه مبني على مقدمتين وهاتان المقدمتان إثباتهما مُشْتَرَكْ بين جميع الجهات: - المقدمة الأولى: وجود الله . - المقدمة الثانية: تنزه الله عن أن يكون في داخله شيء مما يُسْتَقْبَحْ أو يُسْتَقْذَرْ.

стр. 286

[المسألة الخامسة] : وهي في الدليل الفطري، والدليل الفطري لعلو الله هو أنّه كل أحد يحس من فطرته سواء عَلِمَ الدين أو لم يعلم الدين، عُلِّمْ أو لم يُعلَّم أنَّ قلبه عند الحاجة وعند الرّغَبْ إلى لله وعند اقتطاع الأسباب وبقاء لطف الله أنه يتجه القلب إلى العلو، وهذا شيء فطري مغروس في الإنسان. ولهذا ذَكَرَ شارح الطحاوية وقد نقله أيضاً غيره قصة الزاهد الأثري الهمذاني مع أبي المعالي الجويني الذي يُلَقَّبْ بإمام الحرمين، حيث ذكر إمام الحرمين في درسه نَفْيَ علو الله على خلقه -علو الذات-؛ وأنَّ المراد بذلك علو القهر وعلو القدر. فقال له الشيخ الهمذاني: يا أستاذ -وكلمة أستاذ في الزمن الأول تطلق على من أجاد فناً من الفنون، وأما كلمة الشيخ فتطلق على من له مكانة وديانة وورع وخوف من الله -، فقال له: يا أستاذ -لإجادته فن الكلام- أخبرني عن هذه الضرورة التي أجدها في نفسي وهي أني أطلب العلو إذا احتجت إلى الله . فقال أبو المعالي: حيرني الهمذاني، حَيَّرَنِي الهمذاني. لأنَّ قوله بنفي العلو لله هذا منافٍ للفطرة، فلما استدل عليه بالفطرة قال حيرني الهمذاني. وقد ذكر بعض من صَنَّفَ في الرحلات كما ذكرته لكم في هذه الدروس، ذكَرُوا أنَّ وَفْداً من الخليفة العباسي ذَهَبَ إلى روسيا يعني إلى بلاد الترك التي هي روسيا الآن، وقالوا: وجدنا أناساً لا يعبدون الله وليس عندهم رسالة يريدون أن يشرحوا لهم الإسلام، قالوا: ولكنا وجدناهم أنهم إذا أصابتهم شدة وعواتي إما من المطر ونحوه ومن قحط ونحو ذلك خرجوا إلى الفلاة ورفعوا أيديهم إلى السماء ونظروا إلى السماء يهمهمون، كأنهم يطلبون الفرج مِمَنْ هو في السماء، وهذا أمر مركوز في الفطرة كما ذكرنا لك. إذاً دليل علو الله وفوقية الرب دليل من القرآن والسنة ومن العقل ومن الفطرة. نكتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله تعالى ما يتصل بهذا البحث في الأسبوع القادم بإذنه تعالى. نجيب عن بعض الأسئلة

стр. 287

الأسئلة: س١/ ذكرتم كثرة الأدلة على ثبوت علو الله بذاته ومع ذلك فأكثر الفِرَقْ تُنكرهُ وتصرفه إلى المعاني الأخرى، فما سبب ذلك؟ ج/ سببه أنَّ إثبات علو الذات عندهم يقتضي إثبات الجهة؛ أن يكون الله في جهة، وإثبات الجهة يقتضي التحيز، والتحيز ممتنع عندهم عقلاً لأنه من صفات الأجسام، فمنعوا العلو لأجل ذلك، يعني هذه شبهتهم. س٢/ ذكر بعض العلماء في مقدمة قول: الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار يبسط كفه بالأسحار. فهل العبارة الأخيرة صحيحة؟ ج/ هذه أخَذَهَا من الحديث الصحيح الذي في الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال «إن الله يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» (١) ، العبارة صحيحة؛ لأنَّ السَحَرْ بعض الليل. س٣/ آية الأنبياء ﴿الذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف:٢٠٦] ، فهل هذه العندية عندية ذات أم عندية القهر؟ ج/ العندية عندية ذات، العندية لا تنقسم، العندية عندية ذات يعني عند الله فوق سماواته هذا معناه. قوله تعالى في سورة الأنبياء ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩] ، ليست ﴿الذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أو فالذين عند ربك ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩-٢٠] ،. والآية الآخرى ﴿وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٥-٢٠٦] . س٤/ ما معنى (ذات) في قولنا: ذات الله سبحانه؟ ج/ الذات في اللغة تأنيثه، يقال: هذا الشيء ذو صفات وهذه ذات صفات. هذا في الأصل ولا تطلق إلا مضافة ما تطلق الذات مستقلة إنما تطلق مضافة، وقد جاءت في قول الصحابي ﵁ في شعره المشهور قال: وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شِلْوٍ ممزّع (٢) استعمال كلمة ذات مضافة لله موجود وقد قال سبحانه ﴿فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] ، استُعْمِلَتْ بعد ذلك الذّات ويُعْنَى بها ما يقابل الصفات فقُسِمَ الشيء إلى صفة وإلى ذات، ذات وصفات، لِم قُسِمْ هذا التقسيم؟ لأنَّ الصفة تضاف إلى الموصوف، فكأنه قال القائل: الذات يعني الشيء الذي هو ذو الصفات، فالذات المتصفة بالصفات، فقَسَمُوهَا لأجل أَنَّ الذات كأنه نعتها بقوله الذات الموصوفة بالصفات، فيكون تتمة الكلام محذوف. ثم اسْتُعْمِلْ يعني كلمة الذات هكذا بالتعريف، استعملت بدون إضافة ولا تنكير، معرفة الذات، استعملت استعمالاً واسعاً في كلام أهل العقائد. فإذاً نقول: الذات يُعنى بها الذات الموصوفة بالصفات؛ يعني ما يُضَافُ إليه الوصف ويتّصف به، طبعاً ربنا ﷻ وتقدست أسماؤه لا نضيف إليه من شيء إلا إذا ثبت به الدليل بالكتاب أو السنة، وما يُتَوَسَعُ في الكلام في بيان العقيدة من الألفاظ أو التعابير الأَوْلى بل الذي ينبغي ويتأكد على طالب العلم أن يستعمل تعابير السلف لأنها أبعد عن الخطأ في التعبير. لهذا يمرِّن طالب العلم نفسه على أن يعبر في هذه المسائل، مسائل التوحيد والعقيدة بتعابير السلف لأنهم أعلم وأحكم في هذه المسائل. س٥/ أين ذكر هذه الأدلة ابن القيم؟ ج/ ذكرها في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية غزو المعطلة والجهمية وفي النونية وفي غيرها، ذكرها شارح الطحاوية عندك. س٦/ ما هو ضابط الإسم والصفة فيما ورد في الكتاب والسنة مثلا ﴿وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء:١٣١] هل يقال الغنى هنا صفة أم اسم؟ وهل المحسن من أسماء الله ؟ ج/ الجواب (كان غنياً) هذا وصفه بالغنى، لكن ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] ، هذا اسم، وإذا أُطلق الإسم فإنه يقتضي الاسم والصفة لأنَّ أسماء الله مشتملة على الصفات، وأما إذا جاءت الصفة فإنه لا يستقل ورود الصفة بإثبات الاسم؛ بل قد تَرِدْ الصفة ولا نثبت لله الاسم الذي فيه الصفة، وهذه فيها يعني بحث أطول في وقته إن شاء الله. المحسن من أسماء الله ؛ لأنه جاء في الحديث «إن الله محسن» (٣) ومن أسماء العلماء من القديم عبد المحسن وشيخ الإسلام وابن تيمية وابن القيم وعلماء الدعوة أيضا إذا ذكروا أسماء الله عدوا فيها المحسن. والمحسن صفة كمال والمحسن اسم متضمن لصفة كمال لا نَقص فيها بوجه من الوجوه. س٧/ قلتم من معاني العلو العندية، هل هذا المعنى لغوي أم شرعي؟ ج/ لا، العلو معانيه نقول: علو ذات علو قهر علو قدر، علو ذات علو صفات ونحو ذلك. لكن العندية يعني فيما جاء من الأدلة فيه ذكر ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ، ﴿عِنْدَ الله﴾ فهذه دليل لعلو الله ونوع من أنواع الأدلة في الكتاب والسنة فلا نقول أنَّ معنى العلو الندية لا، نقول إنه قد تأتي (عند) ويراد بها العلو. وكما في قوله في الآيات التي ذكرنا لك ﴿الذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف:٢٠٦] ، ونحو ذلك. س٨/ ما حكم قول القائل: مادة القرآن في وقت كذا؟ ج/ الجواب أنّ القرآن كلام الله ، صفة من صفاته، تعظيمه واجب لأنه أعظم شعائر الله التي أشعر عباده بتعظيمها وإجلالها وقد قال في سورة الحج ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] ، فتعظيم شعائر الله واجب، تعظيم حرمات الله واجب، والقرآن لا يُسَاوَى بغيره ولا يُجْعَلْ كغيره، فتُجْعَلْ مادة من المواد كغيره، فتعظيم القرآن يقضي بأن لا يُجعل في تسميته كغيره من المواد، يقال: مادة جغرافيا، مادة إنجليزي، ومادة قرآن. هذا فيه عدم تعظيم والله أمرنا بتعظيم كتابه، ثم القرآن كلام الله وكلام الله ليس بمادة؛ لأنَّ المادة قد تطلق ويراد بها المادة المخلوقة، أو يراد بالمادة المخلوق والقرآن كلام الله صفة من صفاته ليس بمخلوق. نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله لكم التوفيق والسداد والعلم والعمل، وأن يجمعنا على المحبة فيه وعلى طاعته وعلى نصرة دينه إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 288

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ى شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد: نجيب على بعض الأسئلة لمَّا يجتمع الإخوة. الأسئلة: س١/ هل يُفْهَمُ من قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، أنَّ المؤمنين في الجنة إذا تجلَّى لهم الرب أنهم لا يرون جميع ذات الرب ؟ ج/ أولاً تعلمون أنَّ الأصل في عقيدة السلف هو اتباع القرآن والسنة هو عدم تجاوز القرآن والحديث، وأنَّ الكلام في الصفات والكلام في تقرير العقائد بتفصيل إنما جاء بعد فُشُو البدع وكثرة كلام الضّالين من الفرق في ذلك، فتَوَسَّعَ من تَوَسَّعَ من أئمة السلف لأجل أنَّ المخالف توسّع والحق يُقذف به على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. فالأصل أنَّ المسلم السُنِّي المتبع لطريقة السلف الرّاغب في الاعتقاد الحق أن لا يُشْغِلَ نفسه بتفاصيل أسئلة في الصفات ليست على ظاهر الأدلة التي وقفنا عليها من سنة النبي ﷺ أو ما جاء في القرآن من آياته العظام. لهذا لا ينبغي تفصيلات الكلام في الصفات؛ بل قد يدخل ذلك في الكلام المذموم إذا كان ليس ثَمَّ حاجة في تفصيل الكلام في الرد على أهل البدع أو تقرير عقيدة من عقائد أهل السنة والجماعة. لهذا نقول: ظاهر قوله الله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أنَّ الله لا تحيط به الأبصار، وأنه وإن رآه من شاء الله من عباده وشرَّفَهْ بأن يرى الرب ﷻ فإنه يراه رؤية وليست بإحاطة. لذلك ظاهر الآية أنَّ الإحاطة بالرب ممتنعة، سواء أكان ذلك في عرصات القيامة أم كان ذلك بعد دخول أهل الجنة الجنة جعلني الله وإياكم منهم. س٢/ معلوم أنَّ الإمام أحمد ﵀ قال في مذهب المفوضة إنه من شر المذاهب، ومع ذلك وُجِدَ في كتب أصحاب مذهبه بعض التفويض كما في كتاب المرداوي في شرح لامية شيخ الإسلام وفي لمعة الاعتقاد، فهل هناك فرق بين ما يقصد الإمام أحمد وما وقع فيه بعض أتباعه أم لا؟ نرجو بسط القول في ذلك. ج/ مذهب المفوضة مذهبٌ كبير، والذين قالوا بالتفويض كثرة جداً وليسوا بالقليل سواء من المتقدمين يعني في عهد الإمام أحمد وما قبل إلى زماننا هذا. ثَمَّ رسالة طُبِعَتْ مؤخرا بعنوان التفويض فيها تفصيل الكلام على المذهب بما لا يمكن أن يقال في هذا الموضع ما يستحقه المقام وتستحقه المسألة. لكن الذي ينبغي أن تعلمه أن التفويض قسمان: - تفويض للكيفية. - وتفويض للمعنى. والذي ورد عن السلف فيمن قال منهم إنهم يفوضون، أو نفوض هذا، أو نَكِلُ علمه إلى قائله، أو نحو ذلك مما يفهم منه التفويض، فيراد به تفويض الكيفية؛ لأنَّ الكيفية من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله كما قال سبحانه ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف:٥٣] ، إلى آخر الآية في الأعراف، وكذلك قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران:٧] ، عند الوقف على لفظ الجلالة يدخل في التأويل ما تؤول إليه حقائق الأخبار، ومنها العلم بالكيفيات. فلا شك أنَّ أحداً لا يعلم كيفية اتصاف الرب بصفاته، ولا كيفية الغيبيات على حقيقتها التي خَلَقَهَا الله عليها؛ لأنَّ هذا من علم الغيب الذي اختَصَّ الله به نفسه العلية ﷻ وتقدست أسماؤه. فهذا النوع الأول تفويض الكيفية وهذا نؤمن به، فنُفَوِّضْ كيفية الأمور الغيبية ومن ذلك صفات الرب ونعوت جلاله ومعاني أسمائه، وما يتصل بذلك من أمور الغيب نفوض كيفيتها إلى ربنا . والقسم الثاني من التفويض تفويض المعنى؛ يعني يقول أنا أُفَوِّضْ العلم بالمعنى، أفوض المعنى، لا أدري ما معنى (الرحمن الرحيم) ، لا أدري ما معنى الرحمن، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشْ﴾ لا أعلم معنى استوى، أُفَوِّضْ معناها إلى الله، فالاستواء ربما يكون معناه القهر، ربما يكون معناه العلو، ربما يكون معناه الرحمة، ربما يكون معناه أي معنى، فيُفَوِّضُونَ المعنى. فيقولون: لا نعلم معاني الغيبيات ولا أحد يعلمها. ولهذا ذَهَبَ إلى هذا المذهب قلة -يعني تفويض المعنى- قلة من المتقدمين يعني في القرن الثاني والثالث، وشاع عند طائفة من المتأخرين بسبب أنه قول للأشاعرة، وقد نَظَمُوهُ في عقائدهم بقول القائل في جوهرة التوحيد: وكلُّ نصٍ أَوْهَمَ التشبيها أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تنزيها فمذهب الأشاعرة له في الصفات قولان: الأول: وهو الراجح عندهم والأقوى أن تُؤَوَلْ الصفات التي تتعارض مع الصفات السبع التي أثبتوها وتتعارض مع العقل. والثاني وهو صحيح عندهم؛ لكنه ليس بقول أهل العلم والحكمة هو تفويض المعنى.

стр. 289

وهذا التفويض -تفويض المعنى- حيث يقول لا نعلم معنى الصفات، هذا موجود عند الأشاعرة من بعد أبي الحسن الأشعري إلى وقتنا الحاضر، وهو أيضا الذي راج على جملة من الحنابلة في كتبهم. حيث ظنّوا أنّ ذمَّ الإمام أحمد لمن فوّض أنه تفويض الإثبات في أصله. يعني يقول لا ندري نثبت أو لا، لا ندري الصفة موجودة أو ليست بموجودة أو نفي الصفة من أصلها، وفهموا أيضاً من قول الإمام أحمد وقول الشافعي ونحو ذلك (لا كيف ولا معنى) -يعني في الصفات- مثل ما ساقها صاحب لمعة الإعتقاد، فهموا منه أنَّهُ التفويض، وفهموا أيضاً من قول الشافعي (نؤمن بما جاء عن الله على مراد الله، ونؤمن بما جاء عن رسول الله ﷺ أنه التفويض. هذا التفويض في الحقيقة تفويض المعنى هو الذي قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية وقال فيه غيره أيضا (إن التفويض هو شر المذاهب) وذلك لأنّ تفويض المعنى يرجع إلى عدم العلم به، ولهذا صنفهم ابن تيمية في أول درء التعارض: إلى أنَّ من فوّض فهو من أهل التجهيل، يعني الذين يقولون إنه لا يوجد أحد يعلم معنى الصفات، ما يوجد أحد، الصحابة يعلمون؟ لا، هذه المعاني مجهولة حتى إن بعضهم يقول حتى النبي ﷺ لا يعلم هذه المعاني، إنما هو إثبات ألفاظ دون معاني لها، فنفوض المعنى لأنه لا معنى معقول من هذه الصفات. ولاشك أنَّ مذهب المفوضة هو شر المذاهب؛ لأنه يقتضي تجهيل الصحابة ﵃ بل يقتضي أنَّ في القرآن كلاماً وآيات كثيرة لا أحد يعلم معناها، ومعلوم أنَّ أكثر القرآن في الغيبيات ولذلك جاء أول آية في القرآن في امتداح الذين يؤمنون بالغيب يعني في سورة البقرة ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١-٢] ، والإيمان بالغيب يقتضي الإيمان بالكيفيات والله أعلم بها، والإيمان بمعاني ما دلنا ربنا به على الغيب، نؤمن بها على ظاهرها؛ يعني على ما دلت عليه لغة العرب. نعم معلوم أنَّ المعاني في الشيء الواحد تتفاوت، فمثلاً إذا أخذت السمع، إذا أخذت البصر، إذا أخذت القوة، خذ القوة مثلا والقدرة، الكائن الضعيف، النملة لها قوة ولها قدرة ولها نطق ولها سمع ولها بصر، فأصل القوة موجود فيها؛ يعني معنى القوة موجود فيها، ما هو أعلى منها في الخِلْقة من جهة مثلاً الهرة موجود عندها قوة، لاشك موجود عندها، بصر موجود عندها سمع، موجود عندها قدرة على أشياء، خذ الأعلى منها الأعلى إلى أن تصل إلى الإنسان إلى أن تصل من الحيونات إلى ما هو من جهة القوة والقدرة أقوى من الإنسان يعني بذاته يعني من جهة الحوانات المفترسة كالأسد ونحو ذلك. إذاً القوة قدر مشترك، القدرة قدر مشترك؛ لكن نقول إنه مادام أنها في النملة مختلفة عن الإنسان، نقول: لا فالإنسان ماله قوة لأنَّ قوة النملة هذه، هذا تحديد للصفة ببعض أفردها، ببعض من يتصف بها وهذا جناية على المعنى الكلي؛ لأنَّ اللغة العربية كليات، فيها كليات المعاني، أما الذي يوجد في الخارج فيه الذوات نعم نقول جدار جبل يد أشياء هذه تتصورها؛ لكن من جهة المعاني، المعاني تتصور هذا المعنى بالإضافة إلى من اتصف به. ولهذا شيخ الإسلام انتبه لقوة هذا المعنى في الرد في المبتدعة الصفاتية والجهمية وغيرهم، فقرَّرَهُ في كتابه التدمرية كما تعلمون. إذاً فتفويض المعنى، المعنى أصلاً متفاوت فإذا فوضنا المعنى معناه أننا لا نعلم أي قدر من المعنى، وهذا لاشك أنه نفي وجهالة بجميع دلالات النصوص على الأمور الغيبية، وهذا باطل؛ لأنَّ القرآن حجة، وجعله الله دالاً على ما يجب له وما يتّصف به ربنا من نعوت الجلال والجمال والكمال. التفويض يحتاج إلى مزيد بسط؛ لكن يمكن أن ترجعوا إليه في مظانه، وكثير من العلماء فهم وظنْ أنَّ مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية والسلف هو التفويض، حتى إنهم ينقلون كلام شيخ الإسلام ويحملونه على الفويض مثل السَفَّارِيني ومثل مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات، وجماعة من المتأخرين ينقلون كلام شيخ الإسلام وفهموا أنَّ مذهب الإمام أحمد ومذهب شيخ الإسلام ومذهب السلف الذي هو أسلم أنه التفويض، وهذا ليس بصحيح، إذا كان المقصود تفويض المعنى بحيث إنه لا نعلم معنى استوى، لا نعلم معنى ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، إيش معنى العلي؟ نقول لا نعلم معناها؟؟ لا نعرف العلو، ما نعرف هنا العلي، قد يكون بمعنى الرحيم، قد يكون بمعنى القدير، فهذا تجهيل وجهالة؛ بل ربما آل إلى الطعن في القرآن.. س٣/ ما الفرق بين الهداية والتوفيق عند أهل السنة وهل بينهما عموم وخصوص بيّنوا لنا ذلك؟ ج/ الهداية لفظ يشمل الدلالة على ما فيه أو ما الحاجة إليه، أنت محتاج إلى طريق تحتاج إلى من يهديك الطريق، تحتاج في مسألة إلى إيضاح، تحتاج من يهديك في هذه المسألة، فأصل الهداية الدلالة، فيها دلالة وإيضاح. في القرآن العظيم جاءت الهداية في مواضع كثيرة، وقسَّمَهَا أهل العلم إلى أربعة أقسام، يعني على ما جاء في القرآن: (١) : [[الشريط الثاني والعشرون]] : ١ - النوع الأول: الهداية الغريزية (٢) وهي هداية المخلوق إلى ما فيه بقاء حياته وحُسْنِ معاشه، والدليل على هذه المرتبة قوله ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] ، يعني هَدَاهُ إلى ما فيه مصلحته في دنياه، إلى آخر ذلك. فالله هَدَى الرضيع كيف يلتقم الثدي ويحتاج إليه، وهَدَى الطائر لمصلحته، وهدى الحيوان لمصلحته، إلى آخر ذلك. ٢ - النوع الثاني: الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد؛ دلالة وإرشاد من آخر لما فيه مصلحة العبد في دنياه أو في آخرته أو فيهما معاً، وهذه هي الأكثر في القرآن، الهداية بهذا المعنى، وهي هداية الدّلالة والإرشاد، وهي التي جاءت في مثل قوله ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] ، يعني دالْ يدلّهم على الطريق. ٣ - النوع الثالث: هداية التوفيق وهي أخصُّ من التي قبلها، وهذه خاصة بالله ، وهو الذي يُوَفِّقْ ويُلْهِم، فالرسل هُدَاة بمعنى أنهم يَدُلُّونَ ويُرْشِدُون؛ لكن هداية التوفيق هذه من الله ﷻ ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨] ، هذا حصر التوفيق من الله دون ما سواه، لهذا نفاها ربنا عن نبيه ﷺ بقوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ، فنَفَى عنه الهداية في هذه الآية وجعلها لله مع إثباتها لنبيه ﷺ في قوله ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢-٥٣] . فالنبي ﷺ يَهْدِي ولا يَهْدِي. يَهْدِي بمعنى أنه يَدُلُّ ويُرْشِدْ ويُعَلِّمْ إلى آخر هذه المعاني، ولا يَهْدِي بمعنى هداية التوفيق لا يُوَفِّقْ بل الذي يُوَفِّقْ ويُعِين العبد ويَصْرِفْ عنه السوء، ويُعِينُهُ على الطاعة ويصرف عنه الشياطين حتى يهتدي -بمعنى حتى يستقيم على أمر الله-، هذا رب العالمين ﷻ وتقدست أسماؤه. ٤- النوع الرابع: الهداية التي جاءت في سورة محمد وهي هداية أهل النار للنار وهداية أهل الجنة للجنة، فهداية أهل الجنة للجنة في قوله ﷻ ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٤-٥] ، هذه الهداية وقَعَتْ بعد القتل، وما بعد القتل الهداية إلى أيّ شيء؟ هداية إلى الجنة، لهذا قال بعدها ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٥-٦] ، قال العلماء: يهديهم يعني إلى صراط وإلى طريق الجنة، وهداية أهل النار إلى النار كقوله في سورة الصافات ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٣-٢٤] . إذاً تَبَيَّنَ من هذا أنَّ التوفيق مرتبة من مراتب الهداية، والذّي يتصل بالإيمان بالقضاء والقدر وفعل العبد من هذه المراتب المرتبتان الثانية والثالثة -هداية الدلالة والإرشاد وهداية التوفيق والإلهام-، ولذلك شاع عند العلماء أن الهداية قسمان: - هداية دلالة وإرشاد. - وهداية توفيق وإلهام. لأنَّ هذين النوعين هما اللذان نحتاج إليها في أعظم المسائل المتعلقة بالهداية وهي مسألة القضاء والقدر والهداية والضلال، أما الهداية العامة، وهداية أهل الجنة للجنة وهداية أهل النار للنار هذه مُتَفَقْ عليها معلومة عند الجميع.

стр. 290

[المسألة السادسة] : هي أنَّ نفاة العلو لربنا يُعْنَى بهم من ينفي علو الذات لربنا . أما علو القَهْرْ والقَدْرْ فهذا يُثْبِتُهُ الجميع، فإذا قيل نفاة العلو فيُعْنَى بهم من ينفي علو الذات لله . والذين نَفَوا علو الذات لربنا خالفوا الأدلة التي ذكرناها لكم من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وأيضاً احتجوا هم بأدلةٍ عقلية لنفي علو الله ، تعالى الله عن قولهم. والدليل العقلي الذي من أجله نفوا صفة العلو لله قالوا: إنَّ عُلُوَّ الذات يعني أنَّ الله عالٍ على خلقه بذاته هذا يقتضي أن يكون في جهة؛ لأنَّ العلو أحد الجهات الست، والجهات الست هي أمام خلف يمين شمال تحت وفوق، فإثبات الفوقية وإثبات العلو يقتضي أن يكون الرحمن في جهة من الجهات، وإثبات الجهة -على أصلهم- يقتضي أنه جسم. طيب إذا كان جسماً عندكم، بحسب تأويلكم، هل هذه النهاية؟ قالوا: لا، إذا كان جسماً، إذا وصلنا إلى هذا فمعناه أننا نبطل الدليل الذي أثبتنا به وجود الرب ﷻ . ما معنى هذا الكلام؟ معناه أنَّ الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم أثبتوا وجود الرب ﷻ عن طريق حلول الأعراض في الأجسام، وقالوا: إنَّ جعل الجسم مُحْدَثَاً له مُحْدِثْ إنَّمَا تَبَيَّنَاه بأنْ أثبتنا أنَّهُ جسم، وكيف أثبتنا أنّه جسم؟ قالوا بحلول الأعراض فيه. حلول الأعراض فيه إيش معناها؟ معناها أنَّ هذا الجسم يتصف بصفات لا تُرَى، يحل فيه أشياء تُغَيِّرُهُ وتُسَمَّى الأعراض، تَعرِضُ له وتزول عنه، فمثلاً البرودة هذا عَرَضْ على حد كلامهم، والحرارة عَرَضْ، أيضاً الانتقال عَرَضْ، التقدم والتأخر عَرَضْ، الانخفاض عَرَضْ، العلو عَرَضْ. فهذه الصفات يجعلونها أعراض. وهذه الأعراض إنما تقوم بالأجسام. فلمَّا كان الجسم لا يقوم بنفسه، يحتاج إلى أعراض حتى تُمَيِّزَهْ وحتى يكون فاعلاً، استدللنا على أنّه يُفْعَلُ به لأنه هُوَ لم يجلب الأعراض بنفسه في الجسم، وإنّما جُلِبَتْ إليه فمعناه أنه محتاج فقير يُفعَلُ به. فإذاً ثَمَّ فاعل وثَمَّ مُحْدِثْ إلى آخره. فاستقام لهم بهذا أنَّ جميع الأجسام الموجودة ثَبَتَتْ جِسْمِيَّتُهَا بحلول الأعراض فيها، وما دام أنّه حلّت الأعراض فيها فثَمَّ من أَحَلَّ الأعراض فيها وأوجد الأعراض فيها والتي منها العلو والنزول والتقدم والتأخّر والمشي والهرولة والأخذ والرّد إلى آخره. فلهذا جعلوا هذا قاعدة -تنتبه لها- فيما نفوا من الصفات. يقولون الدليل العقلي يُبطل الإتصاف بهذه الصفة، أي دليل عقلي؟ هو الدليل العقلي الذي هو حلول الأعراض في الأجسام الذي به أثبتوا أنّ الله موجود. فإذاً قالوا: لو أثبتنا العلو، لو أثبتنا أنَّ الله عالٍ بذاته ، لعَادَ هذا الإثبات على دليلنا بالإبطال؛ لأننا أثبتنا حدوث الأجسام بالأعراض. طيب هذا عَرَضْ وهذه صفة تدل على أنه في جهة، وإذا صار في جهة معناه أنَّهُ متحيّز، وإذا صار متحيز معناه أنَّهُ جسم، إذا صار علو أيضاً عَرَضْ حلَّ في جسم، إذا صار جسماً معناه أنَّ ثمة شيء فَعَلَ به، فهذا إبطال للربوبية وتوحُّد الله في الخلق. ولهذا نفوا كل صفة من الصفات تكون من الأعراض أو تكون من الحوادث. ولهذا يتَّسِمْ الصفاتية عموماً؛ بل وجَهْم قبلهم وهو الذي أنشأ هذا البرهان الباطل يَتَّسِمونْ بهذه السمة وهي أنهم يقولون الدليل العقلي يمنع الاتصاف بهذه الصفة، ويعنون به الدليل العقلي على إثبات وجود الله . وهذه الجملة اليسيرة فصَّلتها لكم أظن في أحد الشروح أظن في شرح الواسطية بتفصيل، وهي سبب ونشأة القول بنفي الصفات، كيف ظهر القول بنفي الصفات؟ لماذا اختلفت الأمة؟ وما هو منشأ الضلال فيها؟ وكيف تَفَرَّعَتْ؟ ذكرناها لكم أظن في دروس الواسطية أو في غيرها (١) . إذاً فالشّبهة التي من أجلها نفوا العلو، هي أنَّ العلو جهة، وكون الرحمن في جهة معناها أنَّهُ مُتَحَيِّز، فإذا كان مُتَحَيِّزاً فمعناه أنه جسم إلى آخره. وهذه كلها ناشئة من اعتقادهم صحة الدليل الأول. والدليل الأول الذي هو إثبات وجود الرب عن طريق حلول الأعراض في الأجسام لا نُسَلِّمُهُ، نقول هذا دليل أصلاً باطل ودليل غير صحيح ولا يستقيم لإثبات وجود الرب . بل أعظم إثبات لوجود الرب هو الدليل القرآني وهو قول الرب في كتابه ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥-٣٦] ، ليس ثَمَّ إلا احتمالين: - إما أن تكون خالقا أو مخلوقا. والسموات والأرض: - إما أن تكون خالقة أو مخلوقة. تكون خالقة هذا ممتنع لأدلة كثيرة، فلابد أن تكون مخلوقة.

стр. 291

كذلك الشجر، كذلك النبات، كذلك المياه، كذلك أجزاء بدنك، كذلك كل تنظيم تراه ثَمَّ احتمالين: - إما أن يكون خالق. - وإما أن يكون مخلوقاً. والأدلة على إثبات وجود الله وأنه سبحانه المتفرّد بتصريف الملك أكثر من أن تُحْصَرْ وفطرة الإنسان تأبى أن يقول بغير ذلك. المقصود هذه شُبْهَةْ من نَفَى العلو، ولهذا نقول لهم أَنَّهُم بنوا بنيانهم هذا على شفا جُرُفٍ هار، بَنَوهُ على قاعدة باطلة وعلى مقدمة باطلة، فيُرَدُّ عليهم بإبطال مقدمتهم. يعني هذا من جملة أدلتهم العقلية، ثَمَّ أدلة متنوعة من يريد المزيد يرجع لها في المطولات.

стр. 292

[المسألة السابعة] : ثَمَّ كلمة عند المتكلمين وطائفة من نُفَاة العلو وهي أنهم يقولون: إنَّ السّماء قبلة الدعاء. إذا قال لهم قائل: فطرة الإنسان أنَّهُ إذا أراد أن يدعو اتَّجَهَ إلى السماء. قالوا: هذا لأنَّ السماء قبلة الدعاء. وهذه الكلمة ربما ردَّدَها بعض المنتسبين إلى السنة قالوا: إنَّ السماء قبلة الدعاء. وهذا باطل، الكلمة هذه باطلة، فالسماء ليست قبلة الدعاء، فأعظم الدعاء الصلاة، والصلاة سُمِّيَتْ صلاةً لما فيها من دعاء العبادة ودعاء المسألة، ومع ذلك جُعِلَت قبلة الصلاة إلى بيت الله الحرام، فقبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، وهي قبلة الميّت التي يُوَجَّهُ إليها عند احتضاره ويُوَجَّهُ إليها عند دفنه، وهي مكة أو الكعبة التي شرّفها الله . فإذاً لا يصح قول من يقول: إنَّ السماء قبلة الدعاء، بل المشروع للدَّاعِي أنَّهُ إذا أراد أن يدعو أن يتوجه إلى القبلة، هذا أكمل حالات الدعاء، إذا دعا يتوجه إلى القبلة، ثُمَّ إذا رفع يديه فإنه يرفعها ويتجه ببصره وقلبه إلى القبلة، يتجه بوجهه وببصره إلى القبلة، قد يرفع وجهه إلى السماء، مثل ما حصل فالنّبي ﷺ في بدر رفع يديه شديداً حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فقال له أبو بكر (يا رسول الله مهلاً بعض مناشدتك ربك فإنه منجزٌ لك ما وعدك) (١) . ورَفْعُ وَجْهِهِ هذا لأجل الإلحاح في طلب الفرج من الله ، وليس لأجل أنَّ السّماء قبلة لأنَّ أكثر دعاء النبي ﷺ لا يرفع فيه وجهه إلى السماء؛ بل في الصلاة وهي دعاء نهى فيها نبينا ﷺ عن رفع البصر إلى السماء.

стр. 293

[المسألة الثامنة] : في قول الطحاوي ﵀ (وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ) الإحاطة المقصود بها: إحاطة الخلق بالله . فالخلق لا يحيطون بالله لا بذاته ولا بصفاته. والإحاطة لا تعني عدم العلم بالشيء وإنما تعني العلم الكُلِّي به أو الإحاطة به من جميع جهاته سواء كان من الصفات أم من غيرها فالله أعظم وأجلّ أن يحيط به أحد من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته؛ بل هو الذي يحيط بكل شيء سبحانه ولا يحيط به شيء، بل (أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ) يعني في قوله سبحانه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، ونحو ذلك من الأدلة. الإحاطة ذكرنا لكم معناها -أظن في أول الكلام. وحاصل المعنى أنَّ الإحاطة -يعني في اللغة- هي إدراك الشيء من جميع جهاته. وقد يكون هذا الشيء معنىً وقد يكون ذاتاً. فالله ذكر أنّ عباده لا يحيطون به علماً وهذا لكمال صفاته وعجز البشر عن أن يدركوا تمام صفاته. ومن جهة اللغة إحاطة الذات كما في قوله ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩] ، يعني صار من جميع الجهات. فإدراك الشيء من جميع جهاته المعنوية أو الذاتية يقال له في اللغة العربية إحاطة. ولهذا سَمَّى بعض علماء الإختصاص البحار العظيمة محيطات لأجل المعنى اللغوي في أنها تحيط ببقع كبيرة من الأرض من جميع جهاتها. الإعجاز: كونه (أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ) هذا في الدنيا وفي الآخرة. فالخلق لا يحيطون بالله علماً في الدنيا، وكذلك المؤمنون إذا رأوه يوم القيامة فإنها رؤية بصر، رؤية عين، وليست رؤية إحاطة ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ .

стр. 294

قال بعدها ﵀ (وَنقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا.)

стр. 295

[المسألة الأولى] : الله اتخذ إبراهيم خليلا، بمعنى أنه اتَّصَفَ بأنه أَحَبَّ إبراهيم ﵇، وأَحَبَّهُ حتى جعله خليلاً له وهو الحِبْ الخاص. والمحبة هي القَدْرْ المشترك بين معانٍ كثيرة، وقد ذكر ابن القيم وجماعة أنَّ المحبة لها عشر مراتب وفصَّلُوها؛ لكن هذا لا يعنينا في هذا المقام، وإنما الذي يعني أنَّ الخلة أخص من المحبة. فصفة محبة الرب لعباده المؤمنين هذه ثابتة بالكتاب والسنة في أحاديث كثيرة وفي آيات كثيرة، كقول الله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ، فهذه محبة الرب لهؤلاء، وكذلك في صفات من يُحِبُّهُم الله قال ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] ، ونحو ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] . فالمحبة صفة جاءت في أدلة كثيرة، كذلك في السنة كما في حديث سهل بن سعد المعروف أنَّ النبي ﷺ لمَّا ذَكَرَ في فتح خيبر قال «لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه» (١) فكان علي بن أبي طالب ﵁. فصفة المحبة ثابتة، أما الخُلَّة فهي محبة خاصة، ولذلك كل من نَفَى المحبة فإنه ينفي الخُلَّة؛ لأنَّ الخُلَّة أخص، وليس كل من نَفَى الخُلَّة فإنه ينفي المحبة؛ لأنهم قالوا: إنَّ الخلة تتخلل النفس وفيها نوع من المعنى الذي لا يليق بالرب ﷻ . ولهذا نقول: إنَّهُ في صفات الرب لما ثَبَتَتْ صفة المحبة بالكتاب والسنة فإنَّ صفة الخُلَّة واتخاذ إبراهيم ﵇ خليلاً واتخاذ محمداً ﷺ خليلاً كما في حديث «ولكن صاحبكم خليل الرحمن» (٢) هذا في المعنى واحد لأنَّ أصل الصفة وهي المحبة ثابت باضطراد. فالخلة محبة خاصة نثبتها كما جاء في الكتاب والسنة.

стр. 296

[المسألة الثانية] : أنَّ صفة المحبة والخُلَّة ثُبْتَتْ في النصوص، أما غَيْرُهَا من معاني المحبة إذا لم يجئ في الدليل فإنه لا يُثْبَتُ لله ، وكذلك ينبغي أن لا يستعمله العبد في حُبِّهِ لله تعبيراٍ عن ذلك. ويُمثِّلْ العلماء على ذلك بلفظ العشق، حيث أنه معلوم أنَّ العشق محبة عظيمة واستعمله الصوفية بأنَّ فلاناً يعشق الله أو هذا عاشق الرحمن أو مات من العشق ونحو ذلك من الكلمات التي يتداولونها. والعشق لا شك أنه محبة خاصة وزائدة؛ لكن هل يُطلق على أنَّ العبد يعشق الله؟ أو أنّ الله يعشق عبده؟ هذا اللفظ لم يأتِ به الدليل لا في الكتاب ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة ولا في أقوال كبار التابعين إلى أن جاءت الصوفية. وسبب المنع من إطلاق هذا اللفظ في صفات الله ، أو أن يقول العبد هذا عاشق أو هذا شهيد العشق الإلهي ونحو ذلك من الألفاظ الباطلة، أنّ العشق حتى في عُرْفِ أهل اللغة وعند العرب لا يخلو من تَعَدِّي، فالذي تصل به المحبة إلى حد العشق فإنه إذا عَشِقَ فلا بد أن يكون ثَمَّ تعدٍ معه، إما تَعَدٍ على نفسه بالإيغال في هذه المحبة حتى العشق، وإما أن يوصله العشق إلى التعدي على غيره، ومحبة الله لعباده مبنية على كمال العدل وكمال الجمال والرحمة بعباده المؤمنين، ومحبة العبد لربه مبنية على تعظيم الله وعلى توقيره ، فلفظ العشق لمَّا كان غير وارد في الدليل والنص واشتمل على هذا المعنى الباطل وهو أنه يُشْعِرُ بالتعدي إما على النفس أو على الغير فإنه يمتنع إطلاقه على الرب ﷻ أو من العبد على ربه .

стр. 297

[المسألة الثالثة] : كلمات المحبة التي يستعملها بعض المتصوفة ويستعملها بعض أهل السلوك والتربية حتى من المعاصرين، هذه تنقسم إلى قسمين: - القسم الأول: نقول يجوز إطلاقه؛ يعني من العبد لربه ، وذلك إذا كان في معنى المحبة ولم يترتب عليه مخالفة للغة من جهة ما يليق بالله من الصفات والكمال والجلال. - والقسم الثاني: يُمنع وهو ما لم يَرِدْ به الدليل، وكان مشتملاً على معاني باطلة، من ذلك؛ من الألفاظ التي تمتنع: العشق والغرام والتتيم ونحو ذلك. ومن الألفاظ التي لا تمتنع: لفظ المودة والشوق وأشباه ذلك من المعاني، يعني الضابط فيها: المحبة ثابتة في أصلها فهل يُخْبَرُ عن الله ، أو العبد يُخْبِرُ عن محبته لربه بلفظ لم يرد؟ نقول هذه الألفاظ التي يُخْبِرُ بها العبد إما أن تشتمل على معنى صحيح وليس فيها تعدٍ فتجوز، وإما أن تشتمل على معنى باطل فلا تجوز. وترجعون في ذلك في تفصيله إلى قاعدة في المحبة للشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀. ذَكَرَ بعد ذلك صفة الكلام فقال (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وصفة الكلام لربنا نجعلها المسألة الرابعة.

стр. 298

[المسألة الرابعة] : صفة الكلام لله نؤمن بها لأنَّ الله أثبتها لنفسه في النصوص. والكلام الذي هو صفة الله عند أهل السنة والجماعة كلام قديم وحادث، قديم النوع حادث الآحاد. ويعنون بقديم النوع حادث الآحاد: أنَّ الله لم يزل مُتَكَلِّمَاً، يتكلم متى شاء، فهو سبحانه لم يزل مُتَكَلِّمَاً وكلامه من صفاته. وكلامه لم ينقطع؛ بل أفراده وآحاده يعني لا تزال متجددة. وهذه -يعني الآحاد- تنقسم إلى قسمين: - الأول: الكلام الشرعي: وهو القرآن التوراة ونحو ذلك من كتب الله . - الثاني: الكلام الكوني: وهو الذي يأمر الله به في ملكوته كما قال سبحانه ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩] ، وكذلك قوله في لقمان ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] ، يُعْنَى بها الكلمات الكونية. ولهذا سَمَّى الله كلامه مُحْدَثَاً يعني حَدِيثَاً في قوله في أول سورة الأنبياء ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الإسراء:٢] مُحْدَثْ يعني حَدِيْثْ جَدِيْدْ، كذلك آية الشعراء ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء:٥] . فالمُحْدَثْ ليس بمعناه المخلوق تعالى الله عن ذلك، ولكن بمعنى الحَدِيْثْ الجَدِيْدْ، ولهذا قال ﷺ في وصف ابن مسعود «من سره أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» (١) . صفة الكلام وما يتصل بها مَرَّ معنا أشياء تتعلق بذلك، لعله أن يأتيَ لها مزيد تفصيل. لكن المقصود هنا ليس إثبات الصفة من جملة الصفات؛ ولكن المقصود المخالفة في إثبات الخُلَّةْ والكلام لموسى ﵇ إيماناً وتصديقاً وتسليماً. سبق لنا الكلام عن صفة الكلام عند قوله (وَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ) في تفصيل الكلام على صفة الكلام، نكتفي بهذا القدر. (٢) نلتقي بكم إن شاء الله في الأسبوع القادم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 299

أحمد ربي وأصلي وأسلم على عبده ورسوله وخليله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: الأسئلة: س١/ هل صحيح أنَّ النبي ﷺ بنى مسجده فوق مِقْبَرَة؟ إن كان نعم فكيف يُجمع مع لعنه ﷺ الذين اتخذوا القبور مساجد؟ ج/ النبي ﷺ لمَّا بَرَكَتْ النّاقة في موضع مسجده الآن كان فيها مواضع قبور للمشركين، فأَمَرَ النبي ﷺ -يعني في جزءٍ منه- أمر بالقبور فنُبِشَتْ واتُّخِذَ هذا المكان مسجداً. والمقبرة إذا كانت موجودة وبُنِيَ على القبر مسجداً فهذا هو الذي جاء فيه النهي. نبش القبور للمصلحة الشرعية جائز، ولهذا النبي ﷺ امتثل الأمر فبنى في ذلك المكان مسجداً. وإن كان يعني أنه بُنِيَ المَسْجِدُ على قبر النبي ﷺ لأإنَّ آخر السؤال يدل عليه، وإن كان لا فما حكم المدرس، ايش القائل بذلك....إلخ. إذا كان المقصود أنَّ مسجد النبي ﷺ بُنِيَ على قبره فهذا غلط كبير، فالنبي ﷺ بُنِيَ مسجده في حياته، وهُوَ لما تُوُفِّيَ ﷺ دُفِنَ في حجرة عائشة وكانت ملاصقة للمسجد وليست من المسجد. ولما احتاج المسلمون إلى توسعة المسجد لضيقه بالناس وُسِّعَ من الجهة الجنوبية ومن الجهة الشمالية ومن الجهة الغربية، وأما الجهة الشرقية التي فيها حجرات أزواجه ﷺ وبيت عائشة بالخصوص وبعض الحُجَرْ، فما كان يُؤْخَذْ منها إلا لمَّا احتيج، وبقيت حجرة عائشة التي فيها القبور على ما هي عليه، فكانت حجرة عائشة ليست من المسجد وإنما المسجد من جهاتها الثلاث وليست حجرة عائشة في الوسط. وبقي المسلمون على ذلك زماناً طويلاً حتى أُدخِلْ في عصور متأخرة -أظن في الدولة العثمانية أو قبلها- أُدخل الممر الشرقي وذلك بعد شيوع الطواف بالقبور، أُدْخِلْ الممر الشرقي يعني وُسِّعَ المسجد أو جُعِلَ الحائط يدور على جهة الغرفة الشرقية. صار فيه هذا الممر الذي يمشي معه من يريد الطواف. وهذا الممر وإن كان السور سور المسجد من تلك الجهة خلفه لكن ليس له حكم المسجد ولا يقال القبر في المسجد إلى الآن، ولا يقال الحجرة الآن في المسجد وإن كان ظاهرها من حيث العين أنها في المسجد؛ لكنها حُكْماً شرعاً ليست في المسجد؛ لأنَّ الجهة الشرقية هذه الممر لا يصحّ أن يكون مسجداً شرعاً، فلذلك إدخاله في المسجد باطل، ولذلك الصلاة في الجزء ذاك لا تصح، ولهذا يُعْمَلْ في كثير من الأحيان أنَّهُ تُسَدّْ وقت الصلاة، تسد الجهات من ذلك الممر حتى ما يصلي المصلون من جميع الجهات. ولذلك لما جاءت التوسعة الأخيرة توسعة الملك فهد لم يُبْتَدَأْ بالتوسعة من أول المسجد الأصلي وإنما ابْتُدِئْ بعد نهاية القبر؛ صار يعني نهاية الحجرة بكثير وبعد الباب وصار الامتداد هناك، فيكون: ١- أولاً: الواقع الآن، يعني من حيث التاريخ ليس المسجد مَبْنِيَّاً على القبر. ٢- ثانياً: أنَّ القبر لم يُدْخَلْ في المسجد وإنما اكتنفه المسجد من الجهات الثلاثة جميعاً. ٣- ثالثاً: الجهة الرابعة الشرقية من الحُجَرْ هذه أُدْخِلَتْ في عصور متأخرة لمَّا شاع الطواف بالقبور، ولمَّا قامت الدعوة ووصلت الدولة السعودية إلى ذاك المكان، واسْتُفْتِيَ أئمة الدعوة في ذلك فلم يَرَوا تغيير السور وتقطيع المسجد حتى ما تُثَارْ أشياء وإنما قالوا الوقف أو الجزء هذا الصلاة فيه باطلة فيُمْنَعْ الناس من أن يُصَلُّوا فيه، الذي هو الممر الشرقي للقبر. فإذاً من كل جهة لا ينطبق عليه أنَّ القبر هذا في المسجد، ولا أنَّ المسجد بُنِيَ على القبر، وإنما النبي ﷺ دُفِنَ في حجرة عائشة لا في المسجد، وحجرة عائشة ﵂ منفصلة عن المسجد وليست في داخل المسجد. بقي أيضاً أنه لما وُسِّع المسجد من الجهة الشمالية واشتُرِيَتْ بعض حجرات أزواج النبي ﷺ ؛ يعني التي هي من جهة الآن دَكَّةْ الآغوات وما هو شمال منها، كانت حجرة عائشة، جُعل عليها جداران: الجدار الأول الذي هو يفصل حجرة عائشة عن بقية الحُجَرْ، وهذا الجدار له صفته، ممكن انكم تشوفونها في الخرائط موجودة. وجُعِلَ جدار آخر أيْضَاً مثلث من الجهة الشمالية، أصْبَحَ زاوية، يعني اتجاه السهم كأنه يتجه إلى الجهة الشمالية، وقد فَعَلَ ذلك من فَعَلَهُ من العلماء من التابعين وغيرهم بفتاويهم في ذاك الزمان حتى لا يَظُنْ أحد أنه يمكن أن يُسْتَقْبَلْ القبر، أي لا يُتصَوَّرْ أنَّ القبر أمامه وأنه الآن هو سيستَقْبِلُهُ، بيصير فيه الآن جدران مُحَرَّفَةْ ليبعد النظر عن أنَّهُ يَسْتَقْبِلْ القبر. ثم بعد ذلك عُمِل جدار ثالث، وهو طويل يعني طوله في السماء يعني ارتفاعه نحو ستة أمتار ونحو ذلك، فهو غير مسقوف أيضاً.

стр. 300

فهذه الجدران الثلاثة فَعَلَها المسلمون مع كون الحجرة ليست في المسجد حتى لا يَظُنْ الظان أنه إن صلى في الجهة الشمالية فإنه يستقبل القبر؛ لأنه إنْ صَحَّ ذلك، إن قال القائل أنا أستقبل القبر مع وجود هذه الثلاث جدران بينه وبين القبر فمعناه أنَّ كل إنسان بينه وبين المقبرة جدران فإنه يستقبل القبور، وهذا لا قائل به من أهل العلم، فلهذا جعلوا هذه الجدران الثلاثة حتى لا يُتّخذ قبره مسجدا يُصَلَى فيه ولا يُصَلَّى إليه، وحتى لا تتعلق القلوب به، ولا يُوصل إلى قبره، ولا يمكن لأحد أن يخلص إلى قبره، ليس هناك أبواب وليس هناك طريق أبدا أن يخلص واحد إلى قبر المصطفى ﷺ . ثم بعد أزمان جُعِلْ هذا السياج الحديدي الموجود الآن، فهو الرابع الآن، هذا السياج الحديد الرابع بينه وبين الجدار الثالث الممر، والجدار الثالث هذا هو الذي ترون عليه السترة الخضراء أظنها أو شيء، وبعده جدار ثاني وبعد الجدار الثاني الجدار الأول. وهذه الثلاثة جدران هي التي ذكرها ابن القيم في النونية بقوله: فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه به ثلاثة الجدران يعني في دعاء النبي ﷺ «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد» (١) . المقصود من هذه، المسألة من مهمات المسائل أن تكون واضحة لطالب العلم تماما؛ لأنَّ الشبهة بها كبيرة، والذين يرددون مثل هذا الكلام كثير. فلهذا نقول: إنَّ القبر ليس في المسجد، ولا أحد يمكن أن يستقبل القبر، وإنّما قد يَتَّخِذُ بعض الجهلة أو بعض المشركين في قلبه صورة القبر ويستقبل شيئاً في قلبه ويعبد شيئاً في قلبه، أما القبر فإنّه ليس وثناً ولا يمكن أن يُتّخَذَ وثناً وأنه محاط بإحاطات تامة إلى آخر ذلك. والقبة الموجودة فوق سطح مسجد النبي ﷺ هذه ليست على القبر بالمُسَامَتَة إنما هي على جزء كبير يعني تشمل الجدران الأربعة كلها، ولذلك قطرها كبير جداً والقبر في الداخل، وهذه القبة كانت في زمن مضى من الخشب بلون الخشب، وأول من صنعها أظن المماليك، ثُمَّ بعد ذلك جُعِلَتْ باللون الأبيض، ثم جُعِلَتْ باللون الأزرق، وهي التي كانت في وقت الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونحوه كان لونها أزرق، ثم في آخر عهد الدولة العثمانية جُعِلْ لونها أخضر واستمر هذا اللون. فلما قيل للشيخ محمد بن عبد الوهاب: إنَّكَ تقول لو أني أقدر على القبة التي على قبر النبي ﷺ ؟ قال: سبحانك هذا بهتان عظيم فما قلت هذا ولا أقوله. لأنه ما يترتب من المفاسد على إزالة هذا المنكر أكثر من المصالح، فالواجب التنبيه وتعليم الناس ودعوتهم إلى التوحيد وعدم تمكين الشرك. والنّهي عن بناء القباب على المساجد نُهِيَ عنه سدا للذريعة، وللعلماء في ذلك كلام يعني في مسألة بقاء القبة. فالمقصود أنّ هذا الذي سار عليه أئمة الدعوة ﵏ في هذا الشأن فَرَأَوا أنَّ إبقاء القبة هذا أمرٌ لازم، وذلك لِمَا أشاعه الأعداء من بُغض أئمة الدعوة وبُغض أتباع دعوة الشيخ ﵀ للنبي ﷺ ؛ بل هم عظَّمُوا النبي ﷺ وسدُّوا كل طريق يمكن أن يؤصل ما قالوه في هذا الباب؛ يعني ما قاله الأعداء. [ ... ] ؟ إذا كان القبر في مقبرة مستقلة عن المسجد فإنَّ الصلاة في المسجد جائزة إذا كان في القبلة، يعني بمعنى أنه يكون للقبر سور مستقل عن سور المسجد، فإذا قال القائل لا القبر في المسجد أو هذا السور محيط، أو أنَّ القبر واضح أنه في جهة من المسجد فهذا يدلّ على أنَّ المسجد بُني على القبر فلذلك لا تجوز الصّلاة فيه، والصلاة فيه باطلة. وأما إذا كان المسجد وُجِدَ أَوَّلَاً ثُمَّ القبر أدخل فيه، فهذا يُفَرَّقْ فيه ما بين إذا كان القبر في قبلة المسجد أو في مؤخرة المسجد: فإذا كان في مؤخرة المسجد فطائفة من العلماء والمشايخ يقولون: إنَّ الصلاة فيه جائزة. وأما إذا كان في القبلة فإنّه لا تجوز الصلاة إليه؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور. فإذاً هنا يُفَرَّق في هذه الحال ما بين إذا كان المسجد جُعل على القبر؛ يعني إذا كان المسجد متأخراً والقبر أولاً فيكون هذا حكم المقبرة يعني المسجد وضع على قبر فهذا الصلاة فيه لا تجوز؛ لأنَّ هذا منهي عنه والنهي يقتضي الفساد ولعن النبي ﷺ من فعل ذلك. وأما إذا كان المسجد موجوداً ثم جُعل في طائفة منه القبر: فهنا نقول إذا كان القبر في الأول في مقدمة المسجد فإنَّ الصلاة محرمة ولا تجوز باطلة لأنَّ النبي ﷺ قال «لا تصلوا إلى القبور» (٢) الصلاة إلى القبر إذا جُعِلَ القبر قبلة باطلة. وإذا كان القبر في مؤخرة المسجد والمسجد مبني أولاً فطائفة من العلماء يقولون بصحة الصلاة فيه، يعني من علمائنا.

стр. 301

وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ.

стр. 302

[المسألة الأولى] : أنَّ الإيمان بهذه الأمور -الملائكة والنبيين والكتب المُنَزَّلَة على المرسلين- معناه التصديق الجازم بأنَّ ما أخبر الله به عن هذه الأشياء فهو حق وأنَّ الملائكة كما سيأتي حق إجمالاً وتفصيلاً، وأنَّ النبيين حق إجمالاً وتفصيلاً، وأنَّ الكتب من عند الله منزلة حق إجمالاً وتفصيلاً. هذا معنى الإيمان بهذه الأشياء؛ يعني يؤمن بالملائكة، بوجود الملائكة إجمالا وتفصيلاً، يؤمن بالنبيين كما سيأتي إجمالا وتفصيلا ويؤمن بالكتب أيضا إجمالا وتفصيلا. وهذا الإيمان مرتبتان: ١- منه قَدْرٌ واجب لا يصح الإيمان إلا به فمن لم يأتِ بالقَدْرِ الذي سيأتي بيانه فإنه لم يؤمن بالملائكة ولم يؤمن بالنبيين ولم يؤمن بالكتب. ٢- ومنه قَدْرٌ مستحب وهو الذي يتنافس فيه أهل العلم في إدراكه والعلم به والعمل بما تحته عمل من ذلك.

стр. 303

[قال (وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ) ]

стр. 304

[المسألة الثانية] : الملائكة درجات وطبقات، فأعْظَمُ الملائكة قَدْراً الثلاثة الذين خَصَّهُم الني ﷺ في دعائه في الليل -يعني في صلاته في الليل- حيث كان يدعو ﷺ بقوله «اللهم ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اللهم اهدني فيما اختلف فيه من الحق بإذنك فإنك تهدي إلى صراط مستقيم» (١) فنصَّ على هؤلاء الثّلاثة لفضلهم ولرفعتهم عند الله . وهؤلاء الثلاثة أفضلهم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل. أما جبريل ﵇ وميكائيل وإسرافيل فهم مُوَكَّلُونَ بأنواع الحياة. أما فجبريل مُوَكَّلٌ بحياة القلوب لأنَّهُ ينزل بالوحي من الله كما قال سبحانه ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٣] . وأما ميكائيل مُوَكَّلٌ بأمر حياة الإنسان، يعني وسائل حياة الإنسان والحيوان من المطر والنبات والرياح، وما أشبه ذلك مما فيه حياته واستقامة أمره. وأما إسرافيل فهو المُوَكَّلٌ بالنفخ في الصور، إذْ به إعادة الناس إلى حياة جديدة بعدها لا موت. فإذاً الجميع يشتركون في أنّهم يُحيُون أو أنَّ معهم أسباب الحياة، ولذلك صاروا سادة الملائكة وأكابر الملائكة ﵈. هم طبقات يختلفون -يعني في فضلهم- ويختلفون في قُرْبِهِم من الله ، وأيضاً يختلفون في وظائفهم وما وُكِّلُوا به. ولفظ التوكيل -أنَّ المَلَكْ مُوَكَّلْ- يعني أنَّ الله أوْكَلَ إليه أن يعمل هذا العمل، وذلك لقول الله ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١] . فالله جَعَلَ ملك الموت مُوَكَّلاً بالإنسان، وكل سَيِّدْ من الملائكة معه كثير من الملائكة يأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه ويفعلون ما يأمرهم أميرهم أو قائدهم أو المطاع فيهم. لهذا صار ملك الموت معه رُسُل كما قال ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦] في سورة الأنعام، الرسل: يعني الذين هم أعوان ملك الموت، كذلك قوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] ، يعني ملائكة الموت. كذلك الله سمَّى الملائكة الذين سَخَّرَهُمْ بالريح ووَكَّلهم وهم جنود مكائيل ﵇ سمَّاهم بِصِفَاتِهِم، فقال ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] ، وقال ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات:٣-٤] ، ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١] ، ونحو ذلك وهؤلاء جنود مُوَكَّلُون. ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ ، ﴿النَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ ، ﴿الْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ قال طائفة من العلماء في التفسير إنها الرّياح، وقال طائفة هي الملائكة، من الصّحابة ومن التابعين. والقولان متقاربان لأنَّ الرياح لا تفعل هذه الأشياء من ذات أنفسها؛ بل هي مَسُوقة، مثل ما ترون اليوم يقولون ما تُمْلِيهُ الأرصاد فيما يرون ويَسْتَنْتِجُونَ وُجِدْ منخفض جوي في المكان الفلاني ومُرْتَفَعْ، منخفض في الهند ومُرْتَفَعْ ما أدري إيش، وسَبَّبْ وجود الرياح مشيها كذا والسحاب مشى كذا. وهذه كلها في ما يعتقده المؤمن أنَّ الله هو الذي فعل هذه الأشياء، وأنه أَمَرَ الملائكة المُوَكَّلِين بهذه الأمور أن تفعل هذه الأشياء، ثُمَّ الناس ينظرون إلى الأسباب، ينظرون إلى المُسَبَّبَاتْ ولا ينظرون إلى الفعل الحقيقي، فيرون النّتيجة، يقولون اتجه بسبب المُنْخَفَضْ. لكن لماذا حصل المنخفض، كيف حصل؟ ونحو ذلك، لا يعرفون لأنهم عن ربهم معزولون. إذاً الملائكة وكَّلَهُم الله بأمور ملكوته ولم [.....] حاجَةً منه لهم تعالى الله عن ذلك بل هو الغني. والملائكة يَشْرُفُونَ بِعَمَلِ ما يَأْمُرُهُم به ؛ لكن لِيَظْهَرَ فَضْلُهُم ولينشغلوا بعبادة الله وبامتثال أمره وبخوفه والانتهاء عن نهيه ونحو ذلك من المعاني.

стр. 305

[المسألة الثالثة] : الملائكة خُلِقُوا من نور ومَلَؤُوا السّماء، وهم كما قال عن قولهم ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤] ، يعني في السماء ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٥-١٦] ، فهم ملؤوا السماء، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «أطت السماء وحُقَّ لها أن تئط ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع» (١) . والملائكة لمَّا كانوا مخلوقين من نور فإنهم إذا مَلَؤُوا السماء ليس مَلْأَ أجسامِ تَحُولُ دون العُبُورِ في السماء؛ بل هذه أجسام نور، الله أعلم كيف تكوينها وكيف صفاتها على وجه الكمال. ثَمَّ كتب كثيرة أُلفت في ذكر الملائكة ولا أدري هل يناسب أن نطيل الحديث حولها أو أحيلكم على بعض الكتب التي فيها ذكر تفصيلٍ للملائكة منها: شرح الطحاوية الذي عندكم فيه بيان لا بأس به. وكذلك نَقَلَ عنه صاحب معارج القبول وزاد بعض الأدلة. ومن الكتب المعاصرة كتاب الدكتور الأشقر عالم الملائكة وهو كتاب جيد في بابه يمكن أن ترجع إليه.

стр. 306

[المسألة الرابعة] : أنَّ الإيمان بالملائكة رُكْنٌ من أركان الإيمان، ومعنى كونه رُكْنَاً أَنَّ الإيمان لا يوجد إذا فُقِدَ رُكْنُهُ؛ لأنَّ الركن هو ما يقوم عليه الشيء، فإذا فُقِد فإنه لا قيام للشيء بدونه. وهذا الكلام في تعريف الركن يَصْدُق على الإيمان -أركان الإيمان-، وأما أركان الإسلام ففيها بحث في هل الركن فيها ما هو بهذا المعنى أم ثَمَّ معنى آخر؟ ربما يأتينا في موضع آخر إن شاء الله. لكن بإجماع أهل العلم أنَّ من لم يؤمن بالملائكة فلم يؤمن بالله وهو كافر؛ لأنَّ الله ذَكَرَهُمْ في كتابه فهو كافر بالله، كذلك من لم يؤمن بالنبيين، كذلك من لم يؤمن بكتب الله المنزلة. هذا الإيمان الذي هو فرض وركن وواجب له حالان: - الحالة الأولى الإيمان الإجمالي. - الحالة الثانية الإيمان التفصيلي. @ فمعنى الإيمان الإجمالي أن كل أحد عليه فرض: ١- أن يؤمن بوجود الملائكة. ٢- أن يؤمن أَنَّ الملائكة عباد وليسوا ببنات لله ولا يُعْبَدُونْ. هذا القَدْرْ واجب على كل أحد أن يؤمن به إجمالاً @ ومعنى الإيمان التفصيلي أن كل أحد يجب عليه: أن يؤمن بكل ما أخبر الله به في كتابه أو أخبر به نبيه ﷺ في سنته الثابتة من ذِكْرِ الملائكة. ففي القرآن لو قال لنا قائل: أنا أؤمن بالملائكة لكن جبريل ما أدري إيش جبريل؟ لأنه ما قرأ القرآن، فإنه إذا قرأ القرآن وسمع باسم جبريل وأنه ملك هنا وجب عليه الإيمان تفصيلا بجبريل. فمن كَفَرَ بجبريل فقد كَفَرَ ببقية الملائكة وكذلك وبالإيمان الإجمالي أصلاً. وكذلك من كَفَرَ بميكال، وكذلك من كفر بإسرافيل، وكذلك من كفر بملك الموت إلى آخره. فإذاً الإيمان الإجمالي هذا هو ركن الإيمان الواجب على كل أحد، ثُمَّ كُلُّ من سمع نَصَّاً ودليلاً فيه ذِكْرُ الإيمان بالملائكة من القرآن فإنه يجب عليه أن يؤمن بهذا على وجه بالتفصيل. فلا يجب على كل أحد -يعني من المسلمين- أن يعلم أنَّ ميكال مثلا هو المُوَكَلْ بالقَطْرْ، أو أنَّ إسرافيل مُوَكَّلْ بالنفخ في الصور. فلو قال لك قائل من العامة أو من جملة الناس مثلاً: أنا لا أدري، لا أعرف هذا، المهم أنا أومن بالملائكة. فهذا يكفي في الإيمان، ثُمَّ مَنْ عَلِمْ كل حالة أو كل اسم ملك أو دليل في ذلك وَجَبَ عليه الإيمان به.

стр. 307

[المسألة الخامسة] : الإيمان بالملائكة تَبَعٌ للعلم، وكلما زَادَ العِلْمُ بالعقيدة وبالنصوص زَادَ الإيمان بالملائكة لمن وفَّقَهُ الله . ولهذا نقول: الناس متفاوتون في إيمانهم بملائكة الله وليسوا جميعاً سواء في ذلك، والتفاوت سَبَبُهُ تفاوت العلم، فكلما كان العلم أكثر كان الإيمان أكثر؛ لأنَّ الإيمان هنا معناه التصديق، فإذا عَلِمَ فَصَدَّقَ وآمَنَ جزمَاً فإنَّ إيمانه يزيد على غيره. وهذا من أَوْجُهِ معنى زيادة الإيمان ونقصانه في مجموع خصال الإيمان. لهذا نقول: الإيمان بالملائكة المستحب درجات كثيرة؛ السعي في البحث عن ذلك هذا من الإيمان المستحب، ثُمَّ إذا علم وَجَبَ عليه أن يؤمن. وطلب العلم في هذا ومعرفته ومعرفة أحوال الملائكة وكيف يعبدون الله ويخافونه وخوفهم من الله وامتثالهم لأوامره ونحو ذلك، طلب ذلك والسعي فيه هذا من العلم المستحب، فإذا عَلِمَ شيئاً من ذلك وجب عليه الإيمان به؛ لأنَّ الحجة قامت عليه. مِنَ المسائل أيضاً المتصلة بزيادة الإيمان بالملائكة وتفاوت الناس فيه أنَّ الإيمان بالملائكة له أَثَرٌ على العبد المؤمن. وهذا الأثر تارَةً يرجع إلى التّوحيد والعلم، وتارَةً يرجِع إلى السلوك والعمل، وتارة يرجع إلى خصال الإيمان أو أركان الإيمان الأخرى. الجهة الأولى التوحيد والعلم: فإنَّهُ يعلم أنَّ الملائكة كما وصفهم الله بأنهم عباد ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦] ، وأنهم مع كونهم ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ؛ لكنهم يخافون الله ويعبدونه عبادة دائمة، وخوفهم من الجليل مع قربهم منه ، وهذه فيها إبطال لدعوى من عَبَدْ الملائكة أو قال إنهم بنات الله كما وصف الله قولهم بقوله ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨] ، و ﴿الْجِنَّةِ﴾ هنا هم الملائكة في أحد الأقوال وأصح الأقوال، والنَّسَبْ يعني أَنَّ الملائكة بنات الله، وهذه جاء مُصَرَّحَاً بها في آيات كثيرة كما في قوله ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩] ، وكذلك قوله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨] ، إلى آخر الآيات في هذا. المقصود أنَّ في الإيمان بالملائكة إبطال لدعوى كل من عَبَدَ غير الله ؛ لأنهم يعبدون غير الله إما في ظَنِّهِمْ أنهم عبدوا الملائكة وهم يعبدون الجن أو عبدوا الأشجار والأوثان وهم يعبدون في الحقيقة أهواءهم والجن سيطرت عليهم، فكلُّ عبادة تَوَجَّهَت إلى غير الله فإنّ الإيمان بالملائكة ومعرفة ما عليه الملائكة يدل على بطلان تلك العبادة. ولهذا ذكر الله في آخر سورة سبأ إشارَةً إلى هذا الأصل الذي يحتاج بيانه إلى تفصيل لقوله ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ:٤٠-٤١] ، وهذا يعم جميع أنواع عبادة غير الله . كذلك في توحيد الله في خصال العبادة من الخوف والمحبة وإتباع الأمر والنهي هذه كلها الإيمان بالملائكة ومعرفة أحوال الملائكة تزيد العبد معرفةً بخصال التوحيد؛ لأنَّ أهل السماء الذي هم ملائكة الله كاملو توحيد الله واتِّباعِهِمْ لأمره ونهيه . الجهة الثانية وهي جهة السلوك والعمل: فللإيمان بالملائكة أثر، وذلك أنَّ الملائكة لمن آمن بهم على وجه التفصيل فإنَّهُ يعلم أنَّ ثَمَّ ملائكة يكتبون ما يصدر من الإنسان كما قال سبحانه ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١١-١٢] فكونهم يكتبون، وكذلك ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ، هذا يجعل إحسانه للعمل ومراقبته لربه في لفظه وفي عمله أعظم لأنه يعلم أنه معه قرين يلازمه لا ينفكّ عن كتابة شيء. ولذلك يُحْسِنُ قوله ويُحْسِنُ عمله ما استطاع، وإذا أذْنَبَ فإنه يستغفر وطوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً؛ لأنّ الملائكة تكتب هذا وهذا و ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] . الجهة الثالثة وهي أَنَّ الإيمان بالملائكة له أثر في أركان الإيمان الأخرى: فإنَّ الملائكة لمن آمن بهم عَلِمْ أَنَّ منهم المُوَكَلْ بالوحي، وجبريل ﵇ هو المُوَكَلْ بالوحي. وهذا الوحي ما هو؟

стр. 308

هو كُتُبُ الله ووحيه على أنبيائه، فصار ثَمَّ صلة بين الإيمان بالملائكة والأنبياء، الإيمان بالملائكة والكتب. ولهذا المعنى جَمَعَ الطحاوي-فيما يظهر لي- بين هذه الثلاثة في هذا الموضع لأنَّ كل واحدة منها تدل على الأخريتين البقيتين، الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة، وكل واحدة تدل على البقية. ومن ثمرات الإيمان بالملائكة الإيمان بالكتب، ومن ثمرات الإيمان بالكتب الإيمان بالأنبياء وإلى آخره، فهذه كلها متصلة جميعاً. من الملائكة من هو مُوَكَلْ -وهو إسرافيل- مُوَكَلْ بالبعث يعني بالنفخ في الصور، منهم الموكل بالموت إلى آخره، هذا يرجع إلى الإيمان باليوم الآخر. ميكائيل مُوَكَلْ بالقطر وهذا يرجع إلى الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى. منهم الموكل بالأجنة ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء﴾ [آلأ عمران:٦] يأتي ملك فيقول: يا ربي أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد أمريض أم سليم؟ فيقضي الله ما يشاء ويكتب الملك، فإذاً لها صلة بالقَدَرْ. فلهذا نقول: إنَّ الإيمان بالملائكة صار من أركان الإيمان: - لكثرة الأدلة الدالة على ذلك. - ولأن الإيمان بالملائكة يدل على الإيمان بجميع الأركان الأخرى. لهذا صار الإيمان بالملائكة بعد الإيمان بالله مُبَاشَرَةً. الإيمان بالله هذا يدل على الجميع، والإيمان بالملائكة يدل على الجميع. وكذلك الإيمان بالكتب يدل على الجميع، والإيمان بالرسل يدل على البقية، والإيمان باليوم الآخر يدل على الإيمان بالقدر. هذه كلمات مختصرة حول الإيمان بالملائكة؛ لكن الموضوع طويل ومهم ولابد أن تطَّلِعُوا عليه بتوسع في بعض الكتب التي ذكرت لكم، خاصة كتاب الدكتور الأشقر فإنه مفيد جداً في هذا الباب. هناك مسألة تَطَرَّقْ إليها الشارح وهي مسألة المفاضلة بين الملائكة والأنبياء. والشارح قال: كان الأَوْلَى أن لا أدخل فيها. شيخ الإسلام قال: كنتُ أظُنُّ أَنَّ البحث فيها، أنَّ المسألة من المسائل المبتدعة -يعني التفضيل- حتى رأيت البحث فيها سُنِّياً أثرياً ومع ذلك فإني لا أحب الخوض في هذه المسألة؛ لأنه لا يندرج تحتها عمل. ومن أراد الإطلاع ينظر في الفتاوى في بحث في نحو أربعين صفحة أو أكثر في هذه المسألة. لكنّ الذي يهمّ طالب العلم في العقيدة السلفية أن لا يُقِرْ من قال بتفضيل الملائكة مُطْلَقَاً، فهذا القَدْرْ مهم أن لا يُقِرِّ بِهِ، إما أن يُسْكَتْ عنها، وإما أن يقال فيها بقول جمهور أهل السنة وهو بتفضيل الأنبياء وصالح المؤمنين على الملائكة، وأما الخوض في الزيادة والأدلة والتفصيل والردود هذا من العلم الذي يُترك لعدم الحاجة إليه الآن. نكتفي بهذا القدر، ونلتقي إن شاء الله الأسبوع القادم بارك الله فيكم، وفقني وإياكم إلى ما فيه رضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 309

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً، أما بعد: نأخذ بعض الأسئلة . الأسئلة: س١/ ما هو تعريف الشّرك الأصغر؟ وما هي الضوابط التي منها يمكن الحكم على القول أو الفعل أنه شرك أصغر؟ ج/ الشرك بجميع أنواعه سواءٌ الشّرك الأكبر أم الأصغر أم الخفي يشترك في كونه تنديداً مع الله ، وهذا التنديد يعني أن يُجعَلَ لله نداً فيما هو له ، يختلف من جهة الدليل، فمنه ما هو شرك أكبر، ومنه ما جاء في الدّليل أنه شرك؛ لكن لم يُجعل شركاً أكبر، وجاء في بعض الأحاديث تسمية بعض أنواعه الشرك الخفي، وسَمّاه العلماء الشرك الأصغر تمييزاً بينه وبين الأكبر. اختلفوا في ضابطه مع اتفاقهم على أنّ الشرك الأكبر هو دعوة غير الله معه، هو عبادة غير الله ﷻ ، أو أنْ يُجْعَلَ لله نِدًّا فيما هو من خصائصه ، وأعظمها العبادة؛ يعني استحقاق العبادة. اختلفوا في الشرك الأصغر في تعريفه على أقوال عند أهل العلم وفي ضبطه: القول الأول: إنَّ الشرك الأصغر هو كل شرك أو عمل يكون وسيلة للشرك الأكبر، فما كان وسيلة وطريقاً إلى الشّرك الأكبر فيكون شركاً أصغر، وقد نحا إلى ذلك عدد من أهل العلم منهم الشيخ عبد الرحمن السعدي في حاشيته على كتاب التوحيد. (١) والقول الثاني: وهو قول عامة أئمة الدعوة، وكذلك يُفْهَمْ من صنيع ابن القيم وابن تيمية ﵏ أنه يذهبون إليه، هو أنَّ الشرك الأصغر كل ذنب سمَّاهُ الشارع شركاً ولم يبلغ درجة عبادة غير الله ؛ يعني لم يبلغ درجة الشرك الأكبر. والفرق بين الأول والثاني -يعني بين التعريف الأول والثاني- أنَّ هناك أعمال تكون وسيلةً للشرك الأكبر ولم يطلق عليه الشارع أنها شرك ولم يتفق العلماء على أنها شرك، فوسائل الشرك الأكبر كثيرة. مثلا بناء القباب على القبور هذا وسيلة إلى الشرك ووسيلة إلى تعظيم الأموات وإلى أن يُعتَقَدَ فيهم وأن يُتَقَرَبَ إليهم أو أن يُتَعَبَدَ عند قبورهم ونحو ذلك؛ يعني أن يُعبدوا عند قبورهم ونحو ذلك، فبناء القباب على القبور من هذه الجهة هو وسيلة إلى الشرك الأكبر لكن لم يسمّه أحد من أهل العلم المتقدمين لم يعدُّوهُ شركاً أصغر مع كونه وسيلة. فالأضبط هو ما ذكرته لك من أنَّ الشرك الأصغر هو كل ذنب أو معصية سمّاها الشارع شركاً في الدليل ولم تبلغ درجة الشرك الأكبر؛ يعني درجة عبادة غير الله معه . مثال آخر الذنوب: الذنب يُطْلِقُ عليه بعض العلماء أنه لا يصدر ذنب -يعني كبيرة من الكبائر أو ذنب من الذنوب- إلا وثَمَّ نوع تشريك؛ لأنه جعل طاعة الهوى مع طاعة الله فحصلت المعصية، وطاعة الهوى وسيلة للشرك الأكبر، والذنوب عدد كبير منها وسيلة إلى الشرك الأكبر، ومع ذلك لم تُسَمَّ شركَاً أصغر وإن دخلت في مسمى مطلق التشريك، لا التشريك المطلق، مطلق التشريك، لا الشرك، فلهذا لا يَصْدُقُ عليه هنا أنها شرك أصغر مع كونها وسيلة في عدد من الذنوب والآثام إلى الشرك الأكبر. إذاً لا يستقيم التعريف الأول في عدد من الصّور، والأقرب والأولى هو الثاني وهو أنْ يقال الشرك الأصغر هو كل ذنب أو معصية سماها الشارع شركا ولم تبلغ درجة عبادة غير الله معه. نكتفي بهذا.

стр. 310

وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ.

стр. 311

[المسألة الأولى] : في تعريف النبي. النَّبِيُّ في القرآن جاء فيه قراءتان ﴿النّبي﴾ والقراءة الأخرى ﴿النبيء﴾ بالهمز ﴿يا أيها النبيّ﴾ ، والقراءة الثانية ﴿يا أيها النبيء﴾ كما هي قراءة نافع وغيره. وفرق ما بين النبي والنبيء. فالنبيء: هو مَنْ نُبِّئَ. والنبي: من صار في نَبْوَةٍ؛ يعني في ارتفاع عن غيره. فإذاً نقول: (النبي) و (النبيء) هو من اختصه الله بالإنباء والوحي، فصار مرتفعاً عن غيره في المقام لأجل ما أوحى الله إليه. هذا ليس تعريف -يعني حد- ليس حداً ولكن هذا تقريب. أما الرُّسُلْ، الرسول، فظاهرٌ من اللفظ أنَّهُ أُرْسِلْ. فلفظ نبيء ونبي من جهة اللغة واللفظ الذي جاء في القرآن هذا فيه الإنباء وفيه الرفعة، والرسول فيه الإرسال. ولهذا اختلف العلماء هل النبي والرسول واحد أو بينهما فرق؟ على أقوال كثيرة مر معنا تفصيل الكلام عليها في عدد من الشروح وأقربها شرح الواسطية وغيره؛ لكن نذكر لك ملخص الكلام: ١- القول الأول: من أهل العلم من قال النبي والرسول بمعنىً واحد، فكل رسول نبي وكل نبي رسول، وذهب إلى هذا جمع من أهل العلم من المفسّرين ومن الفقهاء وغيرهم. ٢- القول الثاني: هو أنَّ النبي غير الرسول، ودلّ على الفرق بينهما: أ - قول الله في سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:٥٢] ، قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ فدَلَّ ظاهر الآية قوله ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ أنَّ النبي غير الرسول، وظاهر الدلالة على أنَّهُ ثَمَّ فرق بينهما، ولو كان النبي هو الرسول لما صح أن يُقَال ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ لأنَّ النبي هو الرسول كيف يقول ﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾ ، قد يكون بالعطف بالواو من رسول ونبي فتكون هنا مُغَايَرَةْ، في الصفات، لكن لمَّا أُدْخِلَتْ ﴿لاَ﴾ دل على أنَّ هذا غير هذا ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ . ب - أنَّ النبي ﷺ ذَكَرَ الرسل والأنبياء الذين يأتون يوم القيامة فقال «يأتي النبي ومعه الرهط، ويأتي النبي ومعه كذا، ويأتي النبي وليس معه أحد» (١) ، ووجه الدِّلالة من الحديث أنّ قوله «ويأتي النّبي وليس معه أحد» يحتمل: - أن يكون لم يُرْسَلْ إلى أحد. - ويحتمل أن يكون لم يستجب له. ويتجه الاحتمال أنه لم يرسل إلى أحد؛ بل هو نبيّ لقوله ﷺ «ما بعث الله من نبيٍ إلا وأعطاه من الآيات ما على مثله آمن البشر وكان الذي أوتيته وحيا يُتلى» (٢) الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح حديث عياض بن حمار المجاشعي، فدلّ على أنّ كل نبي أعطي آية وآمن من آمن بتلك الآية. لهذا نقول: قوله ﷺ «ويأتي النبي وليس معه أحد» هذا لأجل قَصْرْ الرسالة على هذا النبي وحده؛ يعني أنَّهُ ليس مُرْسلاً إلى غيره. ج - حديث أبي ذر المشهور الذي رواه ابن حبان في الصحيح ورواه غيره من أنَّ النبي ﷺ ذَكَرَ عِدَةَ الأنبياء، هو حديث طويل منه جمل ثابتة صحيحة بشواهدها، ومنه جمل مُخْتَلَفْ فيها، فمنها أنَّهُ ذَكَرَ عِدَّةَ الأنبياء وذَكَرَ عِدَةَ المرسلين، فقال في عدد الأنبياء إنهم مائة وأربعة وعشرين ألف، وقال في عدة المرسلين إنهم كعدة أهل بدر يعني نحو أربعة عشر وثلاثمائة رسول (٣) ، فدلّ الحديث على الفرق بينهما، وكون هذا هو العدد أو أقل ليس هو هذا محل الشاهد، وإنما قَوّى صحة التّفريق ما بين النبي والرسول أنه في الحديث الإختلاف في العدد، ودِلالة الآية والحديث الذي قبله يقوي الاستدلال بحديث أبي ذر هذا. المقصود دَلَّت هذه على ترجيح قول من قال إنَّ الرسول والنبي مختلفان وهذا ظاهر في الاستدلال كما ترى. ما الفرق بينهما في التعريف؟ اختلف العلماء في تعريف النبي والرّسول فقال مِمَّنْ قَالَ بالفرق بينهما: & فقالت طائفة كثيرة من أهل العلم: إنّ النبي: هو من أُوحِيَ إليه بشرع ولم يُؤْمَر بتبليغه. والرسول: من أُوحِيَ إليه بشرع وأُمِرَ بالتبليغ. فجعلوا الفرق ما بين النّبي والرّسول هو الأمر بالتبليغ. & وقالت طائفة أخرى، وهو قولٌ أيضا مشهور عند عدد من المحققين وهو الذي اختاره ابن تيمية ﵀ في أول كتاب النبوات أنَّ الرسول والنبي يشتركان في وقوع الإرسال عليهما. الرسول مُرْسَلْ والنبي مُرْسَلْ لظاهر قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ ، فالرسول مُرْسَلْ والنبي أيضا مُرْسَلْ لكن جهة الإرسال مختلفة، قال: الرسول: يُرْسَلْ إلى قوم يخالفونه في أصل الدين فيأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك.

стр. 312

وأما النبي: فإنه يُرْسَلْ إلى قوم موافقين يُجَدِّدُ بإرساله شِرْعَةَ الرسول الذي أُمروا باتباعه. مثل أنبياء بني إسرائيل كلما مات نبي خلفه نبي وكُلُّهُم تَبَعْ لموسى ﵇. وهذا التعريف أو هذا التقريب لتعريف الرسول والنبي هذا أقرب للدليل وأوضح في فهم الأدلة الشرعية. ولذلك نقول هو المختار في أنَّ: النبي مُوحَاً إليه بشرع وأُمِرَ بتبليغه إلى قوم موافقين أو لم يُؤْمَرْ بالتبليغ. قد يكون مُقْتَصِرْ على نفسه وقد يُؤْمَرْ بالتبليغ إلى من يوافقه. يوافقه في أي شيء؟ في اتِّبَاعِ الرسول الذي يَتَّبِعُهُ النبي ويَتَّبِعُهُ الناس. وأما الرسول فمن أوحي إليه بشرع أو بكتاب وأُمِرَ بإبلاغه أو بتبليغه إلى قوم مخالفين له يعني في أصل الدين.

стр. 313

[المسألة الثانية] : الأنبياءُ والرُّسُلُ درجات في الفضل والمنزلة عند الله ، وهذا التفضيل جاء في قوله تعالى في سورة البقرة ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] ، فنُؤْمِنُ بأنَّ الرسل والأنبياء بعضهم أفْضَلُ من بعض، وليسوا على مرتبة واحدة. أوّل الأنبياء آدم ﵇، وآخر الأنبياء محمد ﷺ . وأوّل الرسل نوح ﵇، وآخر المرسلين محمد ﷺ . فآدم نبي كما جاء في الحديث الصحيح «آدم نبي مكلّم» وينطبق عليه حد النبي لأنَّ الله أوْحَى إليه وكَلَّمَهُ . من الأنبياء والمرسلين أولو العزم من الرسل وهم الذين جاء فيهم قول الله ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] . واختلف العلماء في أولي العزم من الرسل من هم؟ على أقوال كثيرة: القول الأول: أنَّ كل رسول هو من أولي العزم، ومعنى أُولِيْ العَزْمْ يعني أولي الصبر والمصابرة والجَلَدْ والتجلد في دين الله ، فهم أهل عزم قوي في مواجهة أعداء الله وأهل صبر ومصابرة. فهذا القول أنَّ كل رسول هو من أولي العزم. ما معنى قوله إذاً ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ؟ قالوا ﴿مِن﴾ هنا ليست تبعيضية بل بيانية، مثل ما تقول الرجل من القوم. يعني فاصبر كما صبر أولو العزم من الناس؟ لا؛ من الرسل. والرسل كلهم على هذا، فتكون ﴿مِنَ﴾ هنا على هذا التفسير بيانية لا تبعيضية. ٢ - القول الثاني: أنَّ أولي العزم من الرسل هم ثمانية عشرة رسولاً وهم المذكورون في سورة الأنعام. ٣- القول الثالث: أنَّ أولي العزم من الرسل خمسة وهم المذكورون في سورة الأحزاب وسورة الشورى، قال ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣] ، فَجَمَعَ خمسة الرسل وهم المذكورون أيضاً في سورة الأحزاب. وهذا القول بأنهم الخمسة هؤلاء، هو الأظهر والأرجح ويَدُلُّ له ويُقَوِّيه أنَّ هؤلاء الخمسة هم الذين يستغيث الناس بهم يوم القيامة من شدة الحساب أو من شدة هول الموقف وطول المُقَامْ في طلب تعجيل المحاسبة والقضاء بين الخلق، أعاننا الله جل علا على شدائد ذلك اليوم، في حديث الشفاعة الطويل المعروف، يأتون آدم ثم قال يأتون نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمد ﷺ . آدم خَرَجَ لأنه ليس برسول بقي الخمسة لأنهم مرسلون.

стр. 314

[المسألة الثالثة] : الأنبياء يُعْطِيهُم الله آيات، فنُؤْمِنْ بالأنبياء ونؤمن بآيات الأنبياء. وهذه الآيات كما جاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال «ما بعث الله من نبي إلا وأعطاه من الآيات ما على مثله آمن البشر» (١) . فما يؤتيه الله المرسلين أو الأنبياء للدِّلالة على صدقهم في دعوى الرسالة أو دعوى النبوة، هذه تسمّى آيات وتسمّى براهين في الكتاب والسنة. وأما تَسْمِيَتُهَا معجزات فهذا لفظٌ حادثٌ بعد ظهور علم الكلام وخاصَّةً من جهة المعتزلة. ولا نمتنع من إطلاقه؛ لكن يُقَيَّدُ بتقييده الشرعي الصحيح؛ لأنها هي معجزات لكنها آيات وبراهين والفرق بينهما: - أولاً: أنَّ الآية والبرهان جاء الدليل بها، والمعجز لم يأت الدليل به. - ثانياً: أنَّ اللفظ (معجزة) فيها إجمال؛ ووجه الإجمال يقال معجزة لمن؟ هل هي معجزة للإنسان؟ معجزة للقوم الذين بُعِثَ فيهم النبي، أو معجزة للناس أجمعين؟ أو معجزة للجني والإنس؟ أو معجزة للجن والإنس والملائكة؟ فهذه فيها إجمال ولذلك ما جاء بها الدليل. ومن أطلقها اختلفوا فيها، هذا الإعجاز، هل هو إعجاز للناس أو إعجاز لأهل زمانهم دون غيرهم؟ والصحيح عند أهل السنة والجماعة أو الصحيح في قول أكثر أهل السنة والجماعة أنّ المعجزة هي ما صار الإعجاز به للجن والإنس جميعاً لا لطائفة منهم، فهي معجزة للجن والإنس جميعاً لا يستطيعون أن يأتوا بمثل ذلك. ودلّ على هذا قول الله ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] . وتسميتها آية وبرهان، هي آية يعني دليل واضح يُلزِمْ بنتيجته وهو قبول دعوى من كانت معه هذه الآية، وبُرهان وهو الدليل الواضح الجلي الذي هو كضوء الشمس في وضوحه ونصاعته وجلائه مما لا يُجَادَلُ فيه. وهذا هو الذي جاء في القرآن بتسميتها آيات وبراهين ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل:١٢] ، وقال أيضا ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:١٢] ، وقال ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٢-٢٣] ونحو ذلك. فهي إذاً في القرآن والسنة مُسَمَاة آيات وبراهين، وهذه التسمية شرعية، ولا يَرِدُ عليها ما يَرِدُ على لفظ المُعْجِزْ مما ذكرناه لك. الآيات والبراهين تختلف، فهي معجزات وهي تختلف، وثَمَّ بحث طويل فيها ربما يأتي في موضع آخر.

стр. 315

[المسألة الرابعة] : معنى الإيمان بالأنبياء والمرسلين أننا نؤمن بأنَّ الله بَعَثَ وأَرْسَلَ مُرْسَلين وأيَّدَهُم وكانوا أصلح أهل زمانهم وأيدهم بالآيات والبراهين الدّالة على صدقهم، وأنهم أتقى الخلق، أتقى الناس لربهم، وأعرف وأعلم الناس بربهم . فنؤمن بكل نبي عَلِمْنَاه أو لم نعلمه؛ لأنَّ الأنبياء منهم من قُصَّ علينا والمرسلين ومنهم من لم يُقَصَّ علينا، قال ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] . فإذاً الإيمان بالأنبياء والمرسلين على درجتين: ١- إيمان إجمالي: وهو الإيمان بكل رسول أرسله الله وكل نبي، علمنا أو لم نعلم. ٢- إيمان تفصيلي: بأنَّ كلَّ من عَلِمْنَا رِسَالَتَهُ ونُبُوَّتَهُ بالدليل والقرآن فهذا يجب علينا أن نؤمن به وأن نتولاه وأن نحبه؛ لأنَّ (الأنبياء إخوة لِعَلَّاتْ دينهم واحد) ، فكلُّهم أكمل الخلق توحيداً وإيماناً بالله وطاعة له وخوفا منه . ثُمَّ ثَمَّ إيمان خاص بهذه الأمّة، أُمَّةْ الإجابة أُمَّةْ الدعوة، أنه يجب على الجميع الإيمان بمحمد بن عبد الله الهاشمي القرشي الذي أرسله الله للنّاس أجمعين؛ بل للجن والإنس أجمعين، فيجب الإيمان به ﷺ ؛ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وأنَّهُ بُعِثَ بالإسلام، وأنَّ الإسلام نَسَخَ ما عداه من الأديان، وأنَّ كلّ دعوى للدين غير ما جاء به محمد ﷺ فهي باطلة وردّ، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ، فبه خُتِمَتْ النبوة وأعطاه الله الإسلام وأنزل عليه القرآن حجة له ولأمته إلى قيام الساعة. ومن الإيمان بالنبي ﷺ تحقيق شهادة أنَّ محمداً رسول الله وهي: طاعَتُهُ فيما أمر وتصديقه فيما أخبر والانتهاء عما نهى عنه وزجر وأن لا يُعبد الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ .

стр. 316

[المسألة الخامسة] : من كَذَّبَ برسول بعد العلم به فإنه مُكَذِّبٌ بجميع الأنبياء والمرسلين ، فمن قال أُكَذِّبُ بفلان من الرسل وأومن بمحمد ﷺ فهو كافر؛ لأنه من كَذَّبَ برسول فقد كذّب بجميع المرسلين إذا بلغه العلم وقامت عليه الحجة، قال ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء١٠٥-١٠٦] ، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ فنحن اتَّفَقْنَا على أنَّ نوح ﵇ كان أوّل رسول، قال ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ لأنهم لمَّا كَذَّبُوا نُوحاً فإنهم كَذَّبُوا بِتَكْذِيبِهم نوحاً جميع المرسلين؛ لماذا؟ لأنّ دينهم واحد وهو توحيد الله والبراءة والكفر بالطاغوت، كذلك قوله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] ، وكذلك قوله ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٥٠] إلى آخره. (١)

стр. 317

: [[الشريط الرابع والعشرون:]] ننتقل إلى التي بعدها، قال (وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ)

стр. 318

[المسألة الأولى] : الكتاب الذي أنزله الله هو وَحْيُهُ لرسوله الذي أعطاه الله ذلك الكتاب، ووحيه: - قد يكون بواسطة الرسول الملكي إلى الرسول البشري. - وقد يكون أنّ الله أَوْحَى إليه مباشرة. فوَحْيُ الله بِكُتُبِهِ ينقسم كما قال الله في آخر سورة الشورى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] ، فَجَعَلَها ثلاثة أقسام: @ فمنها ما كتبه الله بيده كما هي صحف موسى ﵇ والتوراة خَطَّهَا الله بيده الكريمة العظيمة ﷻ (١) . @ ومنها ما نزل به جبريل ﵇ إلى الرسول ﷺ . كُتُبُ الله من جهة أنها كلامه مُتَّفِقَة -يعني كلها كلام الله -، فالله تَكَلَّمَ بما تَكَلَّمَ به وسَمِعَهُ جبريل منه فأنزله على رسوله. تَكَلَّمَ بالقرآن فنزل به جبريل على محمد ﷺ . وتَكَلَّمَ بالإنجيل فنزل به على عيسى. وتكلم بالتوراة فنزل بها على موسى ﵇.

стр. 319

[المسألة الثانية] : كُتُبُ الله هي من آياته التي أعطاها الرسول، يعني لأنَّهَا من الوحي. وموضوعات الكتب مختلفة: - فمنها ما هو مواعظ ورقائق. - ومنها ما هو شريعة. - ومنها ما هو خَبَرْ وأَمْرْ ونَهِيْ -يعني أخبار وإنشاءات وأوامر ونواهي، فهي مختلفة في موضوعاتها. الأنبياء دينهم واحد وشرائعهم شتى: فمن جهة التوحيد الكتب متفقة، والأنبياء دينهم واحد في توحيد الله . واتفاق الكتب والأنبياء في التوحيد يُعْنَى به شيئان: الأول: أنّ أَصْلَ التوحيد وهو عبادة الله وحْدَهُ، ورَدُّ عِبَادَةِ غيره، والكفر بالطاغوت، والبراءة من الشّرك وأهله، هذا قَدْرٌ مشترك في رسالة جميع الأنبياء، قال ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ، يعني من المرسلين ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ، فهذا قدْرٌ مشترك بين جميع الأنبياء والمرسلين، والكتب دَلَّتْ على هذا وحضَّت عليه وأمرت به. ٢ - الثاني: هو أصول الإيمان الستة، أركان الإيمان الستة وهي الإيمان بالله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، وهذا مُتَّفَقٌ عليه أيضاً بين الأنبياء لا خلاف فيه. وذلك أنَّ جهة الإيمان بهذه الأشياء الخَبَرْ، والخبر لا يُنْسَخْ ولا يُكْذَبُ فيه والله إذا أخبر نبياً بشيء من أمر الغيب فهو على ذلك. فالأنبياء في كتبهم وما أُرْسِلُوا به متفقون على هذين الأصلين العظيمين: - توحيد الله على نحو ما ذكرت لك. - وأمور الغيب الستة هذه، أمور الإيمان الستة. ولذلك معنى قوله «الدين واحد» يعني هذين الأصلين. والكتب تختلف في الشرائع: تختلف في القَصَصْ، ما يُقَصُّ به في كتابٍ يكون مُفَصَّلَاً وكتاب يكون مختصراً. تختلف في الشرائع والأمْرْ والنَّهْيْ، تكون التوراة شريعتها شديدة وفيها قُوَّةْ في الطَّهَارة وفي الصلاة وفي الجهاد وفي أشياء كثيرة، فهي شريعة فيها الشِدَّة ولا يَصْبِرْ عليها إلا صادق ولذلك ما صَبَرَ عليها بنو إسرائيل. والإنجيل فيه الرقة والوعد والتسامح وإلى آخره وتحليل بعض ما حَرَّمَ الله على بني إسرائيل. يعني أنَّ موضوعات كتب الله مختلفة، والله يُوحِي بما يشاء وفق حكمته وَوِفْقَ ما يريد من عباده . فشرائع الأنبياء شتى، والكتب مختلفة باختلاف الشرائع، وأيضاً مختلفة فيما قَصَّ الله في تلك الكتب لأنَّ القَصَصْ للعبرة والناس يختلفون في الأمم بما يُصلحهم من أمور القصص وما يُحْدِثُ عندهم العبرة.

стр. 320

[المسألة الثالثة] : الإيمان بالكتب على نحو ما ذكرنا سالفاً في الإيمان بالملائكة والنبيين ينقسم إلى: - إيمان إجمالي. - وإيمان تفصيلي. @ الإيمان الإجمالي: يجب على كل أحد أن يؤمن بِكُلِّ كتابٍ أنزله الله كما قال سبحانه ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى:١٥] ، وقال ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] ، فكل كتاب يجب على العباد أن يؤمنوا به عَلِمُوهُ أو لم يعلموه، فنؤمن بالتوراة ونؤمن بالإنجيل ونؤمن بالزبور ونؤمن بالقرآن ونؤمن بكل كتاب أعطاه الله أنبياءه -يعني رسله-. @ الإيمان التفصيلي: وهو أنَّ كل كتاب عَلِمْناهُ في الدليل، كل كتاب سَمِعَ المسلم بِذِكْرِهِ في كتاب الله أو في سنة النبي ﷺ فيجب أن يؤمن به على وجه التفصيل، التوراة ذُكِرَت، صحف موسى ذُكرت، صحف إبراهيم ﵇ ذُكرت، الزبور ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (١) الزبور ذُكِرْ، الإنجيل ذُكِرْ، وهكذا، فهذه نؤمن بها على وجه التفصيل. فَكُلُّ كتاب ذَكَرَهُ الله في كتابه وجب علينا الإيمان به تفصيلاً. ثُمَّ الإيمان بالكتب ثَمَّ مرتبة واجبة وأكيدة وهي آكدها وأعظمها وهي الإيمان بهذا القرآن، الإيمان بكتاب الله الخاتَمْ الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ . والإيمان بالقرآن يشمل أشياء: ١- أولاً: الإيمان بأنَّ القرآن كلام الله وليس بقول البشر؛ كلام الله أوحَاهُ إلى عبده محمد ﷺ . ٢- ثانياً: أنَّ القرآن ناسخٌ لما قبله من الكتب فليس لأحَدٍ أن يَتَّبِعَ غير القرآن؛ بل الواجب أن يُصَدَّقْ بكل خبرٍ في القرآن ويُعْتَقَدْ، وأن يُعْمَلْ بكل أمرٍ ونهيٍ جاء في القرآن، وذلك بامتثال الأمر وانتهاء النهي. ٣- ثالثاً: أن يُعْلَمْ أنَّ القرآن جعله الله مهيمناً على الكُتُبِ وشاهداً عليها، كما وصفه بذلك في سورة المائدة، وهذا يدلّ على أنَّ الناس واجب عليهم ألا يلتفتوا عن هذا القرآن إلى غيره متى ما سمعوا هذا القرآن. لذلك الآن الكتاب من جهة السماع بالقرآن تكاد الحجة قامت من جهة السماع لهذا الوحي وأنه كلام الله على أكثر الخلق.
следующие страницы →