Полный текст (3 876 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
ابن إبراهيم عن أبيه عن رجل عن زيد بن ثابت قال: لما نزلت هذه الآية: لا يستوي القاعدون من المؤمنين، دعا رسول الله، ﷺ ، بالكتف ودعاني وقال: اكتب. وجاء ابن أم مكتوم فذكر ما به من الضرر، فنزلت: غير أولي الضرر.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزياد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت قال: كنت إلى جنب رسول الله، ﷺ ، فغشيته السكينة فوقعت فخذه على فخذي فما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول الله، ﷺ ، ثم سري عنه فقال له: اكتب يا زيد، فكتبت في كتف: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله. فقام عمرو بن أم مكتوم، وكان أعمى، لما سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ فما انقضى كلامه حتى غشيت رسول الله، ﷺ ، السكينة فوقعت فخذه على فخذي فوجدت من ثقلها ما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه فقال: اقرأ يا زيد، فقرأت: لا يستوي القاعدون من المؤمنين، فقال: اكتب غير أولي الضرر. قال زيد: أنزلها الله وحدها فكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع الكتف.
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب: حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه قال: رأيت مروان بن الحكم جالسا في المسجد فأقبلت حتى جلست إلى جنبه فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله، ﷺ ، أملى عليه: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله، قال فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى، قال فأنزل الله تعالى على رسوله، صلى الله
стр. 1717
عليه وسلم، وفخذه على فخذي فثقلت حتى هممت ترض، فخذي ثم سري عنه فأنزل الله تعالى عليه: غير أولي الضرر.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سهل بن سعد عن مروان ابن الحكم عن زيد بن ثابت عن النبي، ﷺ ، مثله.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن عبد الله بن أم مكتوم يوم القادسية كانت معه راية سوداء وعليه درع له.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا أبو هلال الراسبي عن قتادة عن أنس بن مالك أن بن أم مكتوم خرج يوم القادسية عليه درع سابغة.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو هلال عن قتادة عن أنس أن عبد الله بن زائدة، وهو ابن أم مكتوم، كان يقاتل يوم القادسية وعليه درع له حصينة سابغة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا معمر بن قتادة عن أنس أن ابن أم مكتوم شهد القادسية ومعه الراية.
قال محمد بن عمر: ثم رجع إلى المدينة فمات بها ولم يسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب.
стр. 1718
ومن بني فهر بن مالك
سهل بن بيضاء
وهى أمه، وأبوه وهب بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك. وأمه البيضاء وهي دعد بنت جحدم بن عمرو بن عائش بن ظرب بن الحارث بن فهر. أسلم بمكة وكتم إسلامه فأخرجته قريش معها في نفير بدر فشهد بدرا مع المشركين فأسر يومئذ، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة فخلي عنه. والذي روى هذه القصة في سهيل بن البيضاء قد أخطأ. سهيل بن بيضاء أسلم قبل عبد الله ابن مسعود ولم يستخف بإسلامه، وهاجر إلى المدينة وشهد بدرا مع رسول الله، ﷺ ، مسلما لا شك فيه، فغلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه لأن سهيلا أشهر من أخيه سهل. والقصة في سهل. وأقام سهل بالمدينة بعد ذلك وشهد مع النبي، ﷺ ، بعض المشاهد وبقي بعد النبي، ﷺ .
عمرو بن الحارث بن زهير
ابن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبه بن الحارث بن فهر بن مالك. وأمه هند بنت المضرب بن عمرو بن وهب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي. وكان قديم الإسلام بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية في رواية محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر، ولم يذكره موسى بن عقبة وأبو معشر فيمن هاجر إلى أرض الحبشة.
стр. 1719
عثمان بن عبد غنم بن زهير
ابن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك. وكان هشام بن محمد يقول في كتاب النسب: هو عامر بن عبد غنم ويكنى أبا نافع، وأمه بنت عبد عوف بن عبد بن الحارث ابن زهرة عمة عبد الرحمن بن عوف. وكان له من الولد نافع وسعيد وأمهما برزة بنت مالك بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة. وكان قديم الإسلام بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية في رواية موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأبي معشر ومحمد بن عمر، ومات بعد ذلك ولا عقب له.
سعيد بن عبد قيس
ابن لقيط بن عامر بن أمية بن الحارث بن فهر بن مالك. وكان قديم الإسلام بمكة وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية في رواية موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأبي معشر ومحمد بن عمر.
ومن سائر العرب
عمرو بن عبسة
ابن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خلف بن مازن بن مالك بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منظور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر ويكنى أبا نجيح.
стр. 1720
قال: أخبرنا يزيد بن مروان قال: أخبرنا جرير بن عثمان قال: حدثنا سليم بن عامر عن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله، ﷺ ، وهو بعكاظ فقلت: من تبعك في هذا الأمر؟ قال: حر وعبد. وليس معه إلا أبو بكر وبلال. فقال: انطلق حتى يمكن الله لرسوله.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أبي يحيى سليم بن عامر وضمرة وأبي طلحة أنهم سمعوا أبا أمامة الباهلي يحدث عن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله، ﷺ ، وهو نازل بعكاظ، قال قلت: يا رسول الله من معك في هذا الأمر؟ قال: معي رجلان أبو بكر وبلال. قال فأسلمت عند ذلك، قال فلقد رأيتني ربع الإسلام. قال فقلت: يا رسول الله أمكث معك أم ألحق بقومي؟ قال: الحق بقومك قال: فيوشك الله تعالى أن يفي بمن ترى ويحيي الإسلام. قال ثم أتيته قبل فتح مكة فسلمت عليه، قال وقلت: يا رسول الله أنا عمرو بن عبسة السلمي أحب أن أسألك عما تعلم وأجهل وينفعني ولا يضرك.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن سلمة عن يعلي بن عطاء عن يزيد بن طلق عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عمرو ابن عبسة قال: أتيت النبي، ﷺ ، فقلت: يا رسول الله من أسلم؟ قال: حر وعبد، أو قال: عبد وحر، يعني أبا بكر وبلال. قال: فأنا رابع الإسلام.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الرحمن بن عثمان الأشجعي عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن عمرو بن عبسة أنه كان ثالثا أو رابعا في الإسلام.
قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا
стр. 1721
عكرمة بن عمار قال: حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار، وكان قد أدرك نفرا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، قال: قال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة، لصاحب العقل رجل من بني سليم، بأي شيء تدعي أنك ربع الإسلام؟ قال: أني كنت في الجاهلية أرى الناس على ضلالة ولا أرى الأوثان بشيء، ثم سمعت عن رجل يخبر أخبارا بمكة ويحدث بأحاديث، فركبت راحلتي حتى قدمت مكة فإذا أنا برسول الله، ﷺ ، مستخفيا، وإذا قومه عليه جزءان، فتلطفت حتى دخلت عليه فقلت: ما أنت؟ قال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: رسول الله، قلت: الله أرسلك؟ قال: نعم، قلت: فبأي شيء؟ قال: بأن يوحد الله ولا يشرك به شيء وكسر الأوثان وصلة الأرحام. فقلت له: من معك على هذا؟ قال: حر وعبد. وإذا معه أبو بكر وبلال. فقلت له: إني متبعك، قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت لي قد ظهرت فالحق بي. قال فرجعت إلى أهلي وخرج النبي، ﷺ ، مهاجرا إلى المدينة وقد أسلمت. قال فجعلت أتخبر الأخبار حتى جاء ركبه من يثرب فقلت: ما فعل هذا الرجل المكي الذي أتاكم؟ فقالوا: أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذاك وحيل بينهم وبينه، وتركت الناس إليه سراعا فركبت راحلتي حتى قدمت عليه المدينة فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله تعرفني؟ قال: نعم، الست الذي أتيتني بمكة؟ فقلت: بلى، فقلت يا رسول الله علمني مما علمك الله وأجهل، فقال: إذا صليت الصبح فأقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس فإذا طلعت فلا تصل حتى ترتفع فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، فإذا ارتفعت قيد رمح أو رمحين فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقبل الرمح بالظل، ثم أقصر عن الصلاة فإنها حينئذ تسجد جهنم، فإذا فاء الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة
стр. 1722
حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. قال قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء، فقال: ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويمج ثم يستنشق وينثر إلا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا جرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا جرت خطايا يديه من أطراف أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه رأسه كما أمره الله إلا جرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا جرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم ويحمد الله ويثني عليه الذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلا انصرف من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه، فقال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ماذا تقول، أأنت سمعت هذا من رسول الله، ﷺ ، ويعطى الرجل هذا كله في مقامه؟ فقال عمرو ابن عبسة: يا أبا أمامة لقد كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وما بي من حاجة أكذب على الله وعلى رسوله، ﷺ ، لو لم أسمعه من رسول الله إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا، لقد سمعته سبعا أو ثمانيا أو أكثر من ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الحجاج بن صفوان عن ابن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة السلمي قال: رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية وذلك أنها باطل، فلقيت رجلا من الكتاب من أهل تيماء فقلت: أني امرؤ ممن يعبد الحجارة فينزل الحي ليس معهم إله فخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار فينصب ثلاثة لقدره ويجعل أحسنها إلها يعبده، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره إذا نزل منزلا سواه، فرأيت أنه إله باطل لا ينفع ولا يضر فدلني على خير من هذا، فقال: يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، فإذا رأيت ذلك فاتبعه فإنه يأتي بأفضل الدين. فلم تكن لي
стр. 1723
همة من ذلك إلا مكة فآتي فأسأل: هل حدث فيها حدث؟ فيقال: لا. ثم قدمت مرة فسألت فقالوا، حدث فيها رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها. فرجعت إلى أهلي فشددت راحلتي برحلها ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزل بمكة، فسالت عنه فوجدته مستخفيا ووجدت قريشا عليه أشداء، فتلطفت حتى دخلت عليه فسألته فقلت: أي شيء أنت؟ قال: نبي، قلت: ومن أرسلك؟ قال: الله، قلت: وبم أرسلك؟ قال بعبادة الله وحده لا شريك له ويحقن الدماء وبكسر الأوثان، وصلة الرحم، وأمان السبيل. فقلت: نعم ما أرسلت به قد آمنت بك وصدقتك، أتأمرني أمكث معك أو أنصرف؟ فقال: ألا ترى كراهة الناس ما جئت به؟ فلا تستطيع أن تمكث، كن في أهلك فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجا فاتبعني. فمكثت في أهلي حتى إذا خرج إلى المدينة سرت إليه فقدمت المدينة فقلت: يا نبي الله أتعرفني؟ قال: نعم، أنت السلمي الذي أتيتني بمكة فسألتني عن كذا وكذا، فقلت لك كذا وكذا، فاغتنمت ذلك المجلس وعلمت أن لا يكون الدهر أفرغ قلبا لي منه في ذلك المجلس، فقلت: يا نبي الله أي الساعات أسمع؟ قال: الثلث الأخر فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تطلع الشمس، فإذا رأتيها طلعت حمراء كأنها الحجفة فأقصر عنها فإنها تطلع بين قرني شيطان فيصلي لها الكفار، فإذا ارتفعت قيد رمح أو رمحين فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى يساوي الرجل ظله، فأقصر عنها فإنها حينئذ تسجد جهنم، فإذا فاء الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تغرب الشمس، فإذا رأيتها غربت حمراء كأنها الحجفة فأقصر. ثم ذكر الوضوء فقال: إذا توضأت فغسلت يديك ووجهك ورجليك فإن جلست كان ذلك لك طهورا وإن قمت فصلت وذكرت ربك بما هو أهله انصرفت من صلاتك كهيئتك يوم ولدتك أمك من الخطايا.
стр. 1724
قال محمد بن عمر: لما أسلم عمرو بن عبسة بمكة رجع إلى بلاد قومه بني سليم، وكان ينزل بصفة وحاذة وهى من أرض بني سليم، فلم يزل مقيما هناك حتى مضت بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر، ثم قدم على رسول الله، ﷺ ، بعد ذلك المدينة.
أبو ذر واسمه جُنْدُب
بن جنادة بن كعيب بن صعير بن الوقعة بن حرام بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.
قال: أخبرنا محمد بن بن عمر قال: سمعت موسى بن عبيدة يخبر عن نعيم بن عبد الله المجمر عن أبيه قال: اسم أبي ذر جندب بن جنادة. وكذلك قال محمد بن عمر وهشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيرهما من أهل العلم.
قال محمد بن عمر: وسمعت أبا معشر نجيحا يقول: واسم أبي ذر برير بن جنادة.
قال أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني أبو النضر قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت الغفاري عن أبي ذر قال: خرجنا من قومنا غفار وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، قال فحسدنا قومه فقالوا له، إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس. قال: فجاء خالنا فنثا علينا ما قيل له فقلت: أما ما مضى من معروف فقد كدرت ولا جماع لك فيما بعد. قال: فقربنا صرمتنا فاحتملنا
стр. 1725
عليها وتغطى خالنا بثوبه وجعل يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخبر أنيسا بما هو عليه، قال فأتانا بصرمتنا ومثلها معها وقد صليت بابن أخي قبل أن ألقى رسول الله، ﷺ ، ثلاث سنين، فقلت: لمن؟ قال: لله. فقلت: أين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني الله، أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر السحر ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني حتى آتيك: فانطلق أنيس فراث علي، يعني أبطأ، ثم جاء فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قال: فما يقول الناس له؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء، فقال أنيس: والله لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلا يلتئم على لسان أحد بعيد أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون! فقلت اكفني حتى أذهب فأنظر، قال: نعم، وكن من أهل مكة على حذر فإنهم قد شنعوا له وتجهموا له. فانطلقت فقدمت مكة فاستضعفت رجلا منهم فقلت: أين هذا الذي تدعون الصابئ؟ قال: فأشار إلي فقال: هذا الصابئ. فمال على أهل الوادي بكل مدرة وعظم فخررت مغشيا علي فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر، فأتيت زمزم فشربت من مائها وغسلت عني الدماء فلبثت بها يا بن أخي ثلاثين من بين ليلة ويوم ما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب الله على أصمختهم فما يطوف بالبيت أحد منهم غير امرأتين، فأتتا علي وهما تدعوان إسافا ونائلة. قال فقلت أنكحا أحدهما الآخر، فما ثناهما ذاك عن قولها، قال فاتتا علي فقلت: هنا مثل الخشبة غير أني لم أكن، فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا. قال فاستقبلهما
стр. 1726
رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها، قال: فما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم، فجاء رسول الله، ﷺ ، وصاحبه فاستلما الحجر وطافا بالبيت ثم صلى فأتيته حين قضى صلاته فكنت أول من حياه بتحية السلام، فقال: وعليك رحمة الله، ممن أنت؟ قال قلت: من غفار، فأهوى بيده على جبهته هكذا، قال قلت في نفسي: كره أني انتميت إلي غفار، فذهبت آخذ بيده فقد عنى صاحبه وكان أعلم به مني فقال: متى كنت هاهنا؟ قلت: كنت هاهنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم، قال: فمن كان يطعمك؟ قال قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني فما وجدت على كبدي سخفة جوع، فقال رسول الله، ﷺ : إنها مباركة، إنها طعام طعم. قال أبو بكر: يا رسول الله ائذن لي في طعامه الليلة، قال ففعل، فانطلق النبي ﷺ ، وأبو بكر وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. فقال أبو ذر: فذاك أول طعام أكلته بها. قال فغبرت ما غبرت فلقيت رسول الله، ﷺ ، فقال: إنه قد وجهت إلى أرض ذات نخل ولا أحسبها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟ فانطلقت حتى لقيت أخي أنيسا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال أنيس: ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت. قال فأتينا أمنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت، وصدقت قال فاحتملنا فأتينا قومنا فأسلم نصفهم قبل أن يقدم رسول الله، ﷺ ، المدينة. وكان يؤمهم إيماء بن رخصة، وكان سيدهم، وقال بقيتهم: إذا قدم رسول الله، ﷺ ، المدينة أسلمنا. فقدم رسول الله، ﷺ ، فأسلم بقيتهم وجاءت
стр. 1727
أسلم فقالوا: يا رسول الله نسلم على الذي أسلم إخوتنا. فأسلموا فقال رسول الله، ﷺ : غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله.
قال أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن يحيى بن شبل عن خفاف بن إيماء بن رحضة قال: كان أبو ذر رجلا يصيب الطريق وكان شجاعا يتفرد وحده يقطع الطريق ويغير على الصرم في عماية الصبح على ظهر فرسه أو على قدميه كأنه السبع، فيطرق الحي ويأخذ ما أخذ، ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام وسمع بالنبي، ﷺ ، وهو يومئذ بمكة يدعو مختفيا، فأقبل يسأل عنه حتى أتاه في منزله، وقبل ذلك قد طلب من يوصله إلى رسول الله، ﷺ ، فلم يجد أحدا فانتهى إلى الباب فاستأذن فدخل، وعنده أبو بكر وقد أسلم قبل ذلك بيوم أو يومين، وهو يقول: يا رسول الله والله لا نستسر بالإسلام ولنظهرنه. فلا يرد عليه رسول الله، ﷺ ، شيئا فقلت: يا محمد إلى م تدعو؟ قال: إلى الله وحده لا شريك له وخلع الأوثان وتشهد أني رسول الله. فقلت: اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. ثم قال أبو ذر: يا رسول الله إني منصرف إلى أهلي وناظر متى يؤمر بالقتال فألحق بك فإني أرى قومك عليك جميعا. فقال رسول الله، ﷺ : أصبت فانصرف. فكان يكون بأسفل ثنية غزال فكان يعترض لعيرات قريش فيقتطعها فيقول: لا أرد إليكم منها شيئا حتى تشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن فعلوا رد عليهم ما أخذ منهم وإن أبوا لم يرد عليهم شيئا. فكان على ذلك حتى هاجر رسول الله، ﷺ ، ومضى بدر وأحد، ثم قدم فأقام بالمدينة مع النبي ﷺ .
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني نجيح أبو معشر قال: كان أبو ذر يتأله في الجاهلية ويقول: لا إله إلا الله ولا يعبد الأصنام.
стр. 1728
فمر عليه رجل من أهل مكة بعدما أوحي إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا أبا ذر إن رجلا بمكة يقول مثل ما تقول لا إله إلا الله، ويزعم أنه نبي. قال: ممن هو؟ قال: من قريش، قال فأخذ شيئا من بهش وهو المقل فتزوده حتى قدم مكة فرأى أبا بكر يضيف الناس ويطعمهم الزبيب، فجلس معهم فأكل ثم سأل من الغد: هل أنكرتم على أحد من أهل مكة شيئا؟ فقال رجل من بني هاشم: نعم، بن عم لي يقول لا اله إلا الله ويزعم أنه نبي. قال: فدلني عليه، قال فدله، والنبي، ﷺ ، راقد على دكان قد سدل ثوبه على وجهه، فنبهه أبو ذر فانتبه فقال: انعم صباحا، فقال له النبي: عليك السلام، قال له أبو ذر: أنشدني ما تقول، فقال: ما أقول الشعر ولكنه القران، وما أنا قلته ولكن الله قاله، قال: اقرأ علي. فقرأ عليه سورة من القران فقال أبو ذر: أشهد إلا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسوله. فسأله النبي، ﷺ : ممن أنت؟ فقال: من بني غفار، قال فعجب النبي، ﷺ ، أنهم يقطعون الطريق فجعل النبي ﷺ يرفع بصره فيه ويصوبه تعجبا من ذلك لما كان يعلم منهم ثم قال: إن الله يهدي من يشاء. فجاء أبو بكر وهو عند رسول الله، ﷺ ، فأخبره بإسلامه فقال له أبو بكر: أليس ضيفي أمس؟ فقال: بلى، قال: فانطلق معي. فذهب مع أبي بكر إلى بيته فكساه ثوبين ممشقين فأقام أياما ثم رأى امرأة تطوف بالبيت وتدعو بأحسن دعاء في الأرض تقول: أعطني كذا وكذا وافعل بي كذا وكذا، ثم قالت في آخر ذلك: يا إساف ويا نائلة، قال أبو ذر أنكحي أحدهما صاحبه. فتعلقت به وقالت: أنت صابئ. فجاء فتية من قريش فضربوه، وجاء ناس من بني بكر فنصروه وقالوا: ما لصاحبنا يضرب وتتركون صباتكم؟ فتحاجزوا فيما بينهم فجاء إلى النبي، ﷺ ، فقال يا رسول الله أما
стр. 1729
قريش فلا أدعهم حتى أثأر منهم، ضربوني. فخرج حتى أقام بعسفان وكلما أقبلت عير لقريش يحملون الطعام ينفر بهم على ثنية غزال فتلقى أحمالها فجمعوا الحنط، قال يقول أبو ذر لقومه: لا يمس أحد حبة حتى تقولوا لا اله إلا الله، فيقولون لا اله إلا الله ويأخذون الغرائر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي ذر قال: كنت في الإسلام خامسا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني نجيح أبو معشر عن محمد ابن قيس عن حكام بن أبي وضاح البصري قال: كان إسلام أبي ذر رابعا أو خامسا.
قال: أخبرنا عمرو بن حكام البصري قال: حدثنا المثنى بن سعيد القسام القصير قال: أخبرنا أبو جمرة الضبعي أن ابن عباس أخبرهم ببدء إسلام أبي ذر قال: لما بلغه أن رجلا خرج بمكة يزعم أنه نبي، أرسل أخاه فقال: اذهب فأتني بخبر هذا الرجل وبما تسمع منه. فانطلق الرجل حتى أتى مكة فسمع من رسول الله، ﷺ ، فرجع إلى أبي ذر فأخبره أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بمكارم الأخلاق. فقال أبو ذر: ما شفيتني. فخرج أبو ذر ومعه شنة فيها ماؤه وزاده حتى أتى مكة ففرق أن يسأل أحدا عن شيء ولما يلق رسول الله، ﷺ ، فأدركه الليل فبات في ناحية المسجد. فلما أعتم مر به فقال: ممن الرجل؟ قال: رجل من غفار، قال: قم إلى منزلك. قال فانطلق به إلى منزله ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. وغدا أبو ذر يطلب فلم يلقه، وكره أن يسأل أحدا عنه، فعاد فنام حتى أمسى فمر بي علي فقال: أما ان للرجل أن يعرف منزله؟ فانطلق به فبات حتى أصبح لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، فأصبح اليوم الثالث
стр. 1730
فأخذ على علي لئن أفشي إليه الذي يريد ليكتمن عليه وليسترنه، ففعل فأخبره أنه بلغه خروج هذا الرجل يزعم أنه نبي، فأرسلت خي ليأتيني بخبره وبما سمع منه فلم يأتني بما يشفيني من حديثه، فجئت بنفسي لالقاه. فقال له علي: إني غاد فاتبع أثري فإني إن رأيت ما أخاف عليك اعتللت بالقيام كأني أهريق الماء فآتيك، وإن لم أر أحدا فاتبع أثري حتى تدخل حيث أدخل. ففعل حتى دخل على أثر علي على النبي، ﷺ ، فأخبره الخبر، وسمع قول رسول الله، ﷺ ، فأسلم من ساعته، ثم قال: يا نبي الله ما تأمرني؟ قال: ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري، قال فقال له: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالإسلام في المسجد. قال فدخل المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ﷺ ، قال فقال المشركون: صبأ الرجل صبأ الرجل. فضربوه حتى صرع، فأتاه العباس فأكب عليه وقال: قتلتم الرجل يا معشر قريش، أنتم تجار طريقكم على غفار، فتريدون أن يقطع الطريق؟ فأمسكوا عنه، ثم عاد اليوم الثاني فصنع مثل ذلك ثم ضربوه حتى صرع، فأكب عليه العباس وقال لهم مثل ما قال في أول مرة، فأمسكوا عنه وكان ذلك بدء إسلام أبي ذر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا من سمع إسماعيل بن أبي حكيم يخبر عن سليمان بن يسار قال: قال أبو ذر حدثنان إسلامه لابن عمه: يا ابن الأمة. فقال النبي، ﷺ : ما ذهبت عنك أعرابيتك بعد.
قال: محمد بن إسحاق آخى رسول الله، ﷺ ، بين أبي ذر الغفاري والمنذر بن عمرو أحد بني ساعدة وهو المعنق ليموت، وأنكر محمد بن عمر هذه المؤاخاة بين أبي ذر والمنذر بن عمرو وقال: لم تكن المؤاخاة إلا قبل بدر فلما نزلت اية المواريث انقطعت المؤاخاة
стр. 1731
وأبو ذر حين أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق ثم قدم على رسول الله، ﷺ ، المدينة بعد ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن الفضيل عن مطرف عن أبي الجهم عن خالد ابن وهبان وكان ابن خالة أبي ذر، عن أبي ذر قال: قال النبي، ﷺ : يا أبا ذر كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يستأثرون بالفئ؟ قال قلت: إذا والذي بعثك بالحق أضرب بسيفي حتى ألحق به. فقال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ اصبر حتى تلقاني.
قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا حصين عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر، قال فقلت ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشأم فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، وقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، قال فقلت: نزلت فينا وفيهم. قال فكان بيني وبينه في ذلك كلام فكتب يشكوني إلى عثمان، قال فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمت المدينة وكثر الناس علي كأنهم لم يروني قبل ذلك. قال فذكر ذلك لعثمان فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبا. فذاك أنزلني هذا المنزل ولو أمر علي حبشي لسمعت ولأطعت.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين أن رسول الله، ﷺ ، قال لأبي ذر: إذا بلغ النبأ سلعا فاخرج منها، ونحا بيده نحو الشأم، ولا أرى أمراءك يدعونك. قال: يا رسول الله أفلا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك؟ قال: لا، قال: فما تامرني؟ قال: اسمع واطع ولو لعبد حبشي.
قال: فلما كان ذلك خرج إلى الشأم معاوية إلى عثمان: إن أبا ذر قد أفسد الناس بالشأم، فبعث إليه عثمان فقدم عليه، ثم بعثوا أهله من بعده فوجدوا عنده كيسا أو شيئا فظنوا أنه دراهم، فقالوا: ما شاء الله!
стр. 1732
فإذا هي فلوس. فلما قدم المدينة قال له عثمان: كن عندي تغدو عليك وتروح اللقاح، قال: لا حاجة لي في دنياكم، ثم قال: أئذن لي حتى أخرج إلى الربذة، فأذن له فخرج إلى الربذة وقد أقيمت الصلاة وعليها عبد لعثمان حبشي فتأخر، فقال أبو ذر: تقدم فصل فقد أمرت أن أسمع وأطيع ولو لعبد حبشي فأنت عبد حبشي.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوام بن حوشب قال: حدثني رجل من أصحاب الأجر عن شيخين من بني ثعلبة رجل وامرأته قالا: نزلنا الربذة فمر بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله، ﷺ . فاستأذناه أن نغسل رأسه فأذن لنا واستأنس بنا، فبينا نحن كذلك إذ أتاه نفر من أهل العراق، حسبته قال من أهل الكوفة، فقالوا: يا أبا ذر فعل ربك هذا الرجل وفعل فهل أنت ناصب لنا راية؟ فلنكمل برجال ما شئت. فقال: يا أهل الإسلام لا تعرضوا علي ذاكم ولا تذلوا السلطان فإنه من أذل السلطان فلا توبة له، والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة أو أطول جبل لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورئيت أن ذاك خير لي، ولو سيرني ما بين الأفق إلى الأفق، أو قال ما بين المشرق والمغرب، لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورئيت أن ذاك خير لي، ولو ردني إلى منزلي لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورئيت أن ذاك خير لي.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن عبد الله بن سيدان السلمي قال: تناجى أبو ذر وعثمان حتى ارتفعت أصواتهما، ثم انصرف أبو ذر متبسما فقال له الناس: ما لك ولأمير المؤمنين؟ قال: سامع مطيع ولو أمرني أن آتي صنعاء أو عدن ثم استطعت أن أفعل لفعلت. وأمره عثمان أن يخرج إلى الربذة.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سفيان بن حسين عن الحكم
стр. 1733
ابن عيينة عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: كنت ردف رسول الله، ﷺ ، وهو على حمار وعليه بردعة أو قطيفة.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا الأعمش عن عثمان بن عمير عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو أمية بن يعلى عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا سلام بن مسكين قال: حدثنا مالك بن دينار أن النبي، ﷺ ، قال: أيكم يلقاني على الحال التي أفارقه عليها؟ فقال أبو ذر: أنا، فقال له النبي، ﷺ : صدقت. ثم قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب والحسن بن موسى قالا: حدثنا حماد ابن سلمة عن علي بن زيد عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله، ﷺ : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال: حدثنا أبو حرة عن محمد بن سيرين قال: قال رسول الله، ﷺ ، ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمرو قال:
стр. 1734
سمعت عراك بن مالك يقول: قال أبو ذر: إني لأقربكم مجلسا من رسول الله، ﷺ ، يوم القيامة وذلك أني سمعته، ﷺ ، يقول أقربكم مني مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبث منها بشيء غيري.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا أبو كعب صاحب الحرير قال: حدثنا أبو الأصفر عن الأحنف بن قيس قال: أتيت المدينة ثم أتيت الشأم فجمعت فإذا أنا برجل لا ينتهي إلى سارية إلا خر أهلها، يصلي ويخف صلاته، قال فجلست إليه فقلت له: يا عبد الله من أنت؟ قال: أنا أبو ذر، فقال لي: فأنت من أنت؟ قال قلت: أنا الأحنف بن قيس. قال: قم عني لا أعدك بشر، فقلت له: كيف تعدني بشر قال: إن هذا، يعني معاوية، نادى مناديه ألا يجالسني أحد.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا سلام أبو المنذر عن محمد بن واسع عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن من كنز تحت العرش.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا همام قال: أخبرنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن عبد الله بن الصامت أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية له، قال: فجعلت تقضي حوائجه، قال ففضل معها سلع، قال فامرها أن تشتري به فلوسا، قال قلت: لو ادخرته للحاجة تبوء بك أو للضيف ينزل بك، قال: إن خليلي عهد إلي أن أي مال ذهب أو فضة أوكي عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله.
стр. 1735
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا أبو هلال قال: حدثنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن أن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف فكان إذا أخذ عطاءه دعا خادمه فسأله عما يكفيه لسنة فاشتراه له، ثم اشترى فلوسا بما بقي وقال: إنه ليس من وعى ذهبا أو فضة يوكي عليه إلا وهو يتلظى على صاحبه.
قال: أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي نعامة السعدي عن الأحنف بن قيس قال: قال لي أبو ذر خذ العطاء ما كان متعة فإذا كان دينا فارفضه.
قال: أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر المنقري قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن الحسين المعلم عن أبي بريدة قال: لما قدم أبو موسى الأشعري لقي أبا ذر فجعل أبو موسى يلزمه، وكان الأشعري رجلا خفيف اللحم قصيرا، وكان أبو ذر رجلا أسود كث الشعر. فجعل الأشعري يلزمه ويقول أبو ذر: إليك عني، ويقول الأشعري: مرحبا بأخي، ويدفعه أبو ذر ويقول: لست بأخيك إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل. قال ثم لقي أبا هريرة فالتزمه وقال: مرحبا بأخي، فقال أبو ذر: إليك عني، هل كنت عملت لهؤلاء؟ قال: نعم، قال: هل تطاولت في البناء أو اتخذت زرعا أو ماشية؟ قال: لا، قال: أنت أخي أنت أخي.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا صالح بن رستم أبو عامر عن حميد بن هلال عن الأحنف بن قيس قال: رأيت أبا ذر رجلا طويلا آدم أبيض الرأس واللحية.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر عن كليب بن شهاب الجرمي قال: سمعت أبا ذر يقول: ما يوئسني رقة عظمي ولا بياض شعري أن ألقى عيسى بن مريم.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: حدثنا موسى بن عبيدة عن
стр. 1736
عبد الله بن خراش قال: رأيت أبا ذر في مظلة وتحته امرأة سحماء.
قال: محمد بن سعد وقال: غير عبيد الله في هذا الحديث مظلة شعر.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا محمد بن دينار قال: حدثنا يونس عن محمد قال: سألت ابن أخت لأبي ذر: ما ترك أبو ذر فقال: ترك أتانين وعفوا وأعنزا وركائب. قال: العفو الحمار الذكر.
قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقرئ قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عبد الله بن أبي جعفر القرشي عن سالم بن أبي سالم الجيشاني عن أبيه عن أبي ذر أنه قال: قال لي رسول الله، ﷺ ، يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد البجلي قال: حدثني سليمان بن بلال قال: حدثني يحيى بن سعيد قال: أخبرني الحارث بن يزيد الحضرمي أن أبا ذر سأل رسول الله، ﷺ ، الإمارة فقال: إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدثنا جعفر بن برقان قال: حدثنا غالب بن عبد الرحمن قال لقيت رجلا قال: كنت أصلي مع أبي ذر في بيت المقدس فكان إذا دخل خلع خفيه فإذا بزق أو تنخع تنخع عليهما، أو قال ولو جمع ما في بيته لكان رداء هذا الرجل أفضل من جميع ما في بيته. قال جعفر: فذكرت هذا الحديث لمهران بن ميمون فقال: ما أراه كان ما في بيته يسوى درهمين.
قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي قال: حدثنا مسعود بن سعد الجعفي عن الحسن بن عبيد الله عن رياح بن الحارث عن ثعلبة بن الحكم عن علي أنه قال: لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة
стр. 1737
لائم غير أبي ذر ولا نفسي، ثم ضرب بيده على صدره.
قال: أخبرنا حجاج بن محمد عن بن جريج قال: أخبرني أبو حرب بن أبي الأسود، قال ابن جريج ورجل عن زاذان قالا: سئل علي عن أبي ذر فقال: وعى علما عجز فيه وكان شحيحا حريصا شحيحا على دينه حريصا، على العلم وكان يكثر السؤال فيعطى ويمنع، أما أن قد ملئ له في وعائه حتى امتلأ. فلم يدروا ما يريد بقوله وعى علما عجز فيه، أعجز عن كشف ما عنده من العلم أم عن طلب ما طلب من العلم إلى النبي، ﷺ .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: حدثنا عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في رهط من غفار على عثمان بن عفان من الباب الذي لا يدخل عليه منه، قال: وتخوفنا عثمان عليه، قال: فانتهى إليه فسلم عليه، قال: ثم ما بدأه بشيء إلا أن قال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم، لو أمرتني أن آخذ بعرقوتي قتب لأخذت بهما حتى أمرت. قال ثم استأذنه إلى الربذة، قال فقال: نعم نأذن لك ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة فتصيب من رسلها. فقال فنادى أبو ذر: دونكم معاشر قريش دنياكم فاعذموها لا حاجة لنا فيها. قال فما نراه بشيء. قال فانطلق وانطلقت معه حتى قدمنا الربذة، قال: فصادفنا مولى لعثمان حبشيا يؤمهم فنودي بالصلاة فتقدم فلما رأى أبا ذر نكص، فأومأ إليه أبو ذر: تقدم فصل. فصلى خلفه أبو ذر.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا وهيب بن خالد قال حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم عن مجاهد عن إبراهيم، يعني ابن الأشتر، أن أبا ذر حضره الموت وهو بالربذة فبكت امرأته فقال: وما يبكيك؟
стр. 1738
فقالت: أبكي أنه لا يد لي بتغيبك وليس عندي ثوب يسعك كفنا، فقال: لا تبكي فإني سمعت رسول الله، ﷺ ، ذات يوم وأنا عنده في نفر يقول: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، قال: فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية فلم يبق منهم غيري وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول لك فإني والله ما كذبت ولا كذبت. قالت: وأني ذلك وقد انقطع الحاج؟ قال: راقبي الطريق. فبينا هي كذلك إذا هى بالقوم تجد بهم رواحلهم كأنهم الرخم، قال عفان: هكذا قال: تجد بهم، والصواب تخد بهم رواحلهم، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها قالوا: ما لك؟ قالت: امرؤ من المسلمين تكفنونه وتؤجرون فيه، قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا سياطهم في نحورهم يبتدرونه فقال: أبشروا أنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله، ﷺ ، ما قال، أبشروا سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: ما من امرأين من المسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسباه وصبرا فيريان النار أبدا، ثم قال: قد أصبحت اليوم حيث ترون ولو أن ثوبا من ثيابي يسعني لم أكفن إلا فيه، أنشدكم الله إلا يكفني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا، فكل القوم كان نال من ذلك شيئا إلا فتى من الأنصار كان مع القوم قال: أنا صاحبك، ثوبان في عيبتي من غزل أمي وأحد ثوبي هذين اللذين علي، قال: أنت صاحبي فكفني.
قال: أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه أنه لما حضر أبا ذر الموت امرأته فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: أبكي لأنه لا يدان لي بتغييبك وليس لي ثوب يسعك، قال: فلا تبكي فإني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن منكم
стр. 1739
رجل بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر رجل إلا قد مات في قرية وجماعة من المسلمين وأنا الذي أموت بفلاة والله ما كذبت ولا كذبت فأبصري الطريق. فقالت: أني وقد انقطع الحاج وتقطعت الطرق؟ فكانت تشد إلى كثيب تقوم عليه تنظر ثم ترجع إليه فتمرضه ثم ترجع إلى الكثيب، فبينا هى كذلك إذا هى بنفر تخد بهم رواحلهم كأنهم الرخم على رحالهم، فألاحت بثوبها فاقبلوا حتى وقفوا عليها قالوا: ما لك؟ قالت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه، قالوا: ومن هو قالت: أبو ذر. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا السياط في نحورها يستبقون إليه حتى جاؤوه فقال: أبشروا. فحدثهم الحديث الذي قال رسول الله، ﷺ ، ثم قال: إني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيحتسبان ويصبران فيريان النار، أنتم تسمعون، لو كان لي ثوب يسعني كفنا لم أكفن إلا في ثوب هو لي، أو لامرأتي ثوب يسعني لم أكفن إلا في ثوبها، فأنشدكم الله والإسلام ألا يكفني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو نقيبا أو بريدا، فكل القوم قد كان قد قارف بعض ذلك إلا فتى من الأنصار قال: أنا أكفنك، فإني لم أصب مما ذكرت شيئا، أكفنك في ردائي هذا الذي علي وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي حاكتهما لي. قال: أنت فكفني. قال فكفنه الأنصاري في النفر الذين شهدوه، منهم حجر بن الأدبر ومالك الأشتر في نفر كلهم يمان.
قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: حدثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة وأصابه بها قدره ولم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني وضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا هذا أبو
стр. 1740
ذر صاحب رسول الله، ﷺ ، فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا ذلك به، ثم وضعاه على قارعة الطريق، وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق عمارا فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل تطأها، فقام إليه الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله، ﷺ ، فأعينونا على دفنه. فاستهل عبد الله يبكي ويقول: صدق رسول الله تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك. ثم نزل هو وأصحابه فواروه، ثم حدثهم عبد الله بن مسعود وما قال له رسول الله، ﷺ ، في مسيره إلى تبوك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا سعيد بن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي ذر أنه رآه في نمرة مؤتزرا بها قائما يصلي فقلت: يا أبا ذر أما لك ثوب غير هذه النمرة؟ قال: لو كان لي لرأيته علي، قلت: فإني رأيت عليك منذ أيام ثوبين، فقال: يا ابن أخي أعطيتهما من هو أحوج إليهما مني، قلت: والله إنك لمحتاج إليهما. قال: اللهم غفرا، إنك لمعظم الدنيا، أليس ترى علي هذه البردة ولي أخرى للمسجد ولي أعنز نحلبها ولي أحمرة نحتمل عليها ميرتنا وعندنا من يخدمنا ويكفينا مهنة طعامنا فأي نعمة أفضل مما نحن فيه؟
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا سفيان الثوري عن عمار الدهني عن أبي شعبة قال: جاء رجل من قومنا أبا ذر يعرض عليه فأبى أبو ذر أن يأخذ وقال: لنا أحمرة نحتمل عليها وأعنز نحلبها ومحررة تخدمنا وفضل عباءة عن كسوتنا وإني لأخاف أن أحاسب بالفضل.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا يزيد بن علي الأسلمي قال: حدثني عيسى بن عميلة الفزاري قال: أخبرني من رأى أبا ذر يحلب غنيمة له فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه، ولقد رأيته ليلة حلب حتى ما بقي في ضروع غنمه شيء إلا مصره، وقرب إليهم تمرا وهو يسير، ثم تعذر
стр. 1741
إليهم وقال: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجئنا به. قال وما رأيته ذاق تلك الليلة شيئا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا خالد بن حيان قال: كان أبو ذر وأبو درداء في مظلتين من شعر بدمشق.
قال: أخبرنا محمد بن عمر عن موسى بن عبيدة قال: حدثني عبد الله بن خراش الكعبي قال: وجدت أبا ذر في مظلة شعر بالربذة تحته امرأة سحماء فقلت: يا أبا ذر تزوج سحماء! قال: أتزوج من تضعني أحب إلي ممن ترفعني، ما زال لي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقا.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا همام بن يحيى قال: حدثنا قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مشنفة ليس عليها أثر المجاسد ولا الخلوق، قال فقال: ألا تنظرون ما تأمرني به هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم، ألا وإن خليلي عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة، وأنا أن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال: رأيت أبا ذر يميد على راحلته وهو مستقبل مطلع الشمس فظننته نائما فدنوت منه فقلت: أنائم أنت يا أبا ذر؟ فقال: لا بل كنت أصلي.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا أبو عقيل قال: حدثنا يزيد بن عبد الله أن أبا ذر تبعته جويرية سوداء فقيل له: يا أبا ذر هذه ابنتك؟ قال: تزعم أمها ذاك.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا قرة بن خالد قال: حدثنا
стр. 1742
عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: كسي أبو ذر بردين فأتزر بأحدهما وارتدي بشملة وكسا أحدهما غلامه، ثم خرج على القوم فقالوا له: لو كنت لبستها جميعا كان أجمل، قال: أجل ولكني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تكسون.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا قرة بن خالد قال: حدثنا بديل بن ميسرة عن مطرف عن رجل من أهل البادية قال: صحبت أبا ذر فأعجبتني أخلاقه كلها إلا خلق واحد. قلت: وما ذاك الخلق؟ قال: كان رجلا فطنا فكان إذا خرج من الخلاء انتضح.
الطفيل بن عمرو
تبن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون الدوسي وكان له حلف في قريش قال: كان الطفيل بن عمرو الدوسي رجلا شريفا شاعرا كثير الضيافة فقدم مكة ورسول الله، ﷺ ، بها فمشى إليه رجال من قريش فقالوا: يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا وفرق جماعتنا وشتت أمرنا وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته، إنما نخشى عليك وعلى قومك مثل ما دخل علينا فلا تكلمه ولا تسمع منه. قال الطفيل: فوالله ما زالوا
стр. 1743
بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، فغدوت إلى المسجد وقد حشوت أذني كرسفا، يعني قطنا، فرقا من أن يبلغني شيء من قوله حتى كان يقال لي ذو القطنتين. قال فغدوت يوما إلى المسجد فإذا رسول الله، ﷺ ، قائم يصلي عند الكعبة فقمت قريبا منه فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله فسمعت كلاما حسنا فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى على الحسن من القبيح فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته. فمكثت حتى انصرف إلى بيته ثم اتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت معه فقلت: يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا للذي قالوا لي، فوالله ما تركوني يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لأن لا أسمع قولك، ثم إن الله أبى إلا أن يسمعنيه فسمعت قولا حسنا فاعرض علي أمرك. فعرض عليه رسول الله، ﷺ ، الإسلام وتلا عليه القران فقال: لا والله ما سمعت قولا قط أحسن من هذا ولا أمرا أعدل منه. فأسلمت وشهدت شهادة الحق فقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم إلى الإسلام فادع الله أن يكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: اللهم اجعل له اية. قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح فقلت: اللهم في غير وجهي فإني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم. فتحول النور فوقع في رأس سوطي فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق. فدخل بيته قال: فأتاني أبي فقلت له: إليك عني يا أبتاه فلست مني ولست منك، قال: ولم يا بني؟ قلت: إني أسلمت واتبعت دين محمد، قال: يا بني ديني دينك. قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك. ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك
стр. 1744
عني فلست منك ولست مني، قالت: ولما بأبي أنت؟ قلت: فرق بيني وبينك الإسلام، إني أسلمت وتابعت دين محمد. قالت: فديني دينك، قلت: فاذهبي إلي حسي ذي الشرى فتطهري منه. وكان ذو الشرى صنم دوس، والحسي حمى له يحمونه، وبه وشل من ماء يهبط من الجبل. فقالت: بأبي أنت أتخاف على الصبية من ذي الشرى شيئا؟ قلت: لا أنا ضامن لما أصابك. قال فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطأوا علي، ثم جئت رسول الله، ﷺ ، بمكة فقلت: يا رسول الله قد غلبتني دوس فادع الله عليهم، فقال: اللهم اهد دوسا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر عن الزهري عن أبي سلمة قال: قال أبو هريرة قيل يا رسول الله ادع على دوس فقال: اللهم اهد دوسا وأت بها. رجع الحديث إلى حديث طفيل قال: فقال لي رسول الله، ﷺ ، اخرج إلى قومك فادعهم وارفق بهم، فخرجت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوها حتى هاجر رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله، ﷺ ، بمن أسلم من قومي، ورسول الله، ﷺ ، بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقنا رسول الله، ﷺ ، بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين وقلنا: يا رسول الله اجعلنا ميمنتك واجعل شعارنا مبرورا ففعل، فشعار الأزد كلها إلى اليوم مبرور. قال الطفيل: ثم لم أزل مع رسول الله، ﷺ ، حتى فتح الله مكة فقلت: يا رسول الله ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه. فبعثه إليه فأحرقه. وجعل الطفيل يقول وهو يوقد النار عليه وكان من خشب:
стр. 1745
يا ذا الكفين لست من عبادك … ميلادنا أقدم من ميلادك أنا حششت النار في فؤادك … قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن إسحاق أن الطفيل بن عمرو كان له صنم يقال له ذو الكفين فكسره وحرقه بالنار وقال:
يا ذا الكفين لست من عبادك … ميلادنا أقدم من ميلادك أنا حشوت النار في فؤادك … رجع الحديث إلى حديث الطفيل الأول، قال فلما أحرقت ذا الكفين بان لمن بقي ممن تمسك به أنه ليس على شيء فأسلموا جميعا. ورجع الطفيل بن عمرو إلى رسول الله، ﷺ ، فكان معه بالمدينة حتى قبض. فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين فجاهد حتى فرغوا من طليحة وأرض نجد كلها، ثم سار مع المسلمين إلي اليمامة ومعه ابنه عمرو ابن الطفيل، فقتل بن الطفيل بن عمرو باليمامة شهيدا وجرح ابنه عمرو ابن الطفيل وقطعت يده، ثم استبل وصحت يده، فبينا هو عند عمر ابن الخطاب إذ أتي بطعام فتنحي عنه فقال عمر: ما لك لعلك تنحيت لمكان يدك؟ قال: أجل، قال: والله لا أذوقه حتى تسوطه بيدك، فوالله ما في القوم أحد بعضه في الجنة غيرك. ثم خرج عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب فقتل شهيدا.
стр. 1746
ضماد الأزدي
من أزد شنوءة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني خارجة بن عبد الله وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: قدم رجل من أزد شنوءة يقال له ضماد مكة معتمرا، فسمع كفار قريش يقولون: محمد مجنون، فقال: لو أتيت هذا الرجل فداويته. فجاءه فقال له: يا محمد إني أداوي من الريح فإن شئت داويتك لعل الله ينفعك. فتشهد رسول الله، ﷺ ، وحمد الله وتكلم بكلمات فأعجب ذلك ضمادا فقال: أعدها علي، فأعادها عليه فقال: لم أسمع مثل هذا الكلام قط، لقد سمعت كلام الكهنة والسحرة والشعراء فما سمعت مثل هذا قط، لقد بلغ قاموس البحر، يعني قعره، فاسلم وشهد شهادة الحق وبايعه على نفسه وعلى قومه. فخرج علي بن أبي طالب بعد ذلك في سرية إلى اليمن فأصابوا إداوة فقال: ردوها فإنها إداوة قوم ضماد. ويقال بل أصابوا عشرين بعيرا بموضع فاستوفوها فبلغ عليا أنها لقوم ضماد فقال: ردوها إليهم، فردت إليهم.
بريدة بن الحصيب
ابن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى، وأسلم فيمن انخزع من بطون خزاعة هو وأخوه مالك وملكان ابنا أفصى بن حارثة ابن عمرو بن عامر وهو ماء السماء. وكان بريدة يكنى أبا عبد الله. وأسلم
стр. 1747
حين مر به رسول الله، ﷺ ، للهجرة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني هاشم بن عاصم الأسلمي عن أبيه قال: لما هاجر رسول الله، ﷺ ، من مكة إلى المدينة فانتهى إلى الغمم أتاه بريدة بن الحصيب فدعاه رسول الله، ﷺ ، إلى الإسلام فأسلم هو ومن معه، وكانوا زهاء ثمانين بيتا. فصلى رسول الله، ﷺ ، العشاء فصلوا خلفه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني هاشم بن عاصم الأسلمي قال: حدثني المنذر بن جهم قال: كان رسول الله، ﷺ ، قد علم بريدة بن الحصيب ليلتئذ صدرا من سورة مريم. وقدم بريدة بن الحصيب بعد أن مضت بدر وأحد على رسول الله، ﷺ ، المدينة فتعلم بقيتها، وأقام مع رسول الله، ﷺ ، فكان من ساكني المدينة. وغزا مغازيه بعد ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال: أمر رسول الله بأسارى المريسيع فكتفوا وجعلوا ناحية، واستعمل بريدة بن الحصيب عليهم.
قال: محمد بن عمر: وعقد رسول الله، ﷺ ، في غزوة فتح مكة لواءين فحمل أحدهما بريدة بن الحصيب وحمل الأخر ناجية بن الأعجم. وبعث رسول الله، ﷺ ، بريدة بن الحصيب على أسلم وغفار يصدقهم، وبعثه رسول الله، ﷺ ، حين أراد غزوة تبوك إلى أسلم يستفزهم إلى عدوهم. ولم يزل بعد وفاة رسول الله، ﷺ ، مقيما بالمدينة حتى فتحت البصرة ومصرت فتحول إليها واختط بها ثم خرج منها غازيا إلى خراسان فمات بمرو في خلافة يزيد بن معاوية، وبقي ولده بها، وقدم منهم قوم فنزلوا بغداد فماتوا بها.
стр. 1748
قال: أخبرنا هاشم بن القاسم أبو النضر الكناني قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا محمد بن أبي يعقوب الضبي قال: حدثني من سمع بريدة الأسلمي من وراء نهر بلخ وهو يقول: لا عيش إلا طراد الخيل الخيل.
قال: أخبرنا فهد بن حيان أبو بكر القيسي قال: حدثنا قرة بن خالد السدوسي عن أبي علاء بن الشخير عن رجل من بكر بن وائل لم يسمه لنا قال: كنت مع بريدة الأسلمي بسجستان، قال فجعلت أعرض بعلي وعثمان وطلحة والزبير لأستخرج رأيه، قال فاستقبل القبلة فرفع يديه فقال: اللهم اغفر لعثمان واغفر لعلي بن أبي طالب واغفر لطلحة بن عبيد الله واغفر للزبير بن العوام. قال ثم أقبل علي فقال لي: لا أبا لك أتراك قاتلي؟ قال فقلت: والله ما أردت قتلك ولكن هذا أردت منك، قال: قوم سبقت لهم من الله سوابق فإن يشأ يغفر لهم بما سبق لهم فعل، وإن يشأ يعذبهم بما أحدثوا فعل حسابهم على الله.
مالك ونعمان ابنا خلف
ابن عوف بن دارم بن عنز بن وائلة بن سهم بن مازن بن الحارث ابن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي بأسمائهما ونسبهما هكذا، وقال: كانا طليعتين للنبي، ﷺ ، يوم أحد فقتلا يومئذ شهدين فدفنا في قبر واحد.
стр. 1749
أبو رهم الغفاري
واسمه كلثوم بن الحصين بن خلف بن عبيد بن معشر بن زيد بن أحيمس بن غفار بن مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. أسلم بعد قدوم رسول الله، ﷺ ، المدينة وشهد معه أحدا ورمي يومئذ بسهم فوقع في نحره فجاء إلى رسول الله، ﷺ ، فبسق عليه فبرأ، فكان أبو رهم يسمى المنحور.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الرحمن بن الحارث عن عبيد بن أبي عبيد عن أبي رهم الغفاري قال: كنت ممن أسوق الهدي وأركب على البدن في عمرة القضية.
قال: محمد بن عمر: وبينا رسول الله، ﷺ ، يسير من الطائف إلى الجعرانة وأبو رهم الغفاري إلى جنب رسول الله، ﷺ ، على ناقة له وفي رجليه نعلان له غليظتان، إذ زحمت ناقته ناقة رسول الله، ﷺ ، قال أبو رهم: فوقع حرف نعلي على ساقه فأوجعه فقال رسول الله، ﷺ : أوجعتني أخر رجلك. وقرع رجلي بالسوط. قال فأخذني ما تقدم من أمري وما تأخر وخشيت أن ينزل في قران لعظيم ما صنعت. فلما أصبحنا بالجعرانة خرجت أرعى الظهر وما يومي فرقا أن يأتي للنبي، ﵇، رسول يطلبني، فلما روحت الركاب سألت فقالوا: طلبك النبي، ﷺ ، فقلت: إحداهن والله، فجئته وأنا أترقب فقال: إنك أوجعتني برجلك فقرعتك بالسوط وأوجعتك فخذ هذه الغنم عوضا من ضربتي. قال أبو رهم: فرضاه عني كان أحب إلي من الدنيا وما فيها. قال وبعث رسول الله، ﷺ ، أبا رهم حين أراد الخروج إلى تبوك إلى قومه يستفزهم إلى عدوهم وأمره أن يطلبهم ببلادهم، فأتاهم إلى مجالهم
стр. 1750
فشهد تبوك جماعة كثيرة، ولم يزل أبو رهم مع النبي، ﷺ ، بالمدينة يغزو معه إذا غزا، وكان له منزل ببني غفار، وكان أكثر ذلك ينزل الصفراء وغيقة وما والاها، وهى أرض كنانة.
عبد الله وعبد الرحمن ابنا الهبيب
من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وأمهما أم نوفل بنت نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي. أسلما قديما وشهدا مع رسول الله، ﷺ ، أحدا، وقتلا يومئذ شهيدين في شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة.
جعال بن سراقة الضمري
ويقال الثعلبي، ويقال إنه عديد لبني سواد من بني سلمة من الأنصار. وكان من فقراء المهاجرين، وكان رجلا صالحا دميما قبيحا وأسلم قديما وشهد مع رسول الله، ﷺ ، أحدا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا أسامة بن زيد عن أبيه قال: قال جعال بن سراقة وهو يتوجه إلى أحد: يا رسول الله إنه قيل لي إنك تقتل غدا، وهو يتنفس مكروبا، فضرب النبي، ﷺ ، بيده على صدره وقال: أليس الدهر كله غدا؟
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يحيى بن عبد العزيز عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان جعيل بن سراقة رجلا صالحا، وكان دميما قبيحا، وكان يعمل مع المسلمين في الخندق فكان رسول الله، صلى
стр. 1751
الله عليه وسلم، قد غير اسمه يومئذ فسماه عمرا، فجعل المسلمون يرتجزون ويقولون:
سماه من بعد جعيل عمر … شطر ثانيوكان للبائس يوما ظهر فجعل رسول الله، ﷺ ، لا يقول من ذلك شيئا إلا أن يقول عمر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني يزيد بن فراس الليثي عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال: وجعل جعيل يقول مع المسلمين: سماه من بعد جعيل عمر، وهو يضحك مع المسلمين فعرفوا أنه لا يبالي.
قال محمد بن عمر: هو جعال بن سراقة فصغر فقيل جعيل، وسماه رسول الله، ﷺ ، عمرا ولكن هكذا جاء الشعر عمر. وشهد أيضا جعال المريسيع والمشاهد كلها مع رسول الله، ﷺ ، وأعطى رسول الله، ﷺ ، المؤلفة قلوبهم بالجعرانة من غنائم خيبر فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله أعطيت عيينة ابن حصن والأقرع بن حابس وأشباههما مائة مائة من الإبل وتركت جعيل بن سراقة الضمري. فقال رسول الله، ﷺ : أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن عن عمارة بن غزية قال: بعث رسول الله، ﷺ ، جعال بن سراقة بشيرا إلى المدينة بسلامة رسول الله، ﷺ ، والمسلمين في غزوة ذات الرقاع.
стр. 1752
وهب بن قابوس المزني
أقبل ومعه ابن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس بغنم لهما من جبل مزينة فوجدا المدينة خلوفا فسألا: أين الناس؟ فقالوا: بأحد، خرج رسول الله، ﷺ ، يقاتل المشركين من قريش فقالا: لا نسأل أثرا بعد عين. فأسلما ثم خرجا حتى أتيا النبي، ﷺ ، بأحد فيجدان القوم يقتتلون والدولة لرسول الله وأصحابه، فأغاروا مع المسلمين في النهب، وجاءت الخيل من ورائهم خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل فاختلطوا فقاتلا أشد القتال، فانفرقت فرقة من المشركين فقال رسول الله، ﷺ : من لهذه الفرقة؟ فقال وهب بن قابوس: أنا يا رسول الله. فقام فرماهم بالنبل حتى انصرفوا ثم رجع، فانفرقت فرقة أخرى فقال رسول الله، ﷺ : من لهذه الكتيبة؟ فقال المزني: أنا يا رسول الله. فقام فذبها بالسيف حتى ولوا ثم رجع المزني، ثم طلعت كتيبة أخرى فقال: من يقوم لهؤلاء؟ فقال المزني: أنا يا رسول الله، فقال: قم وأبشر بالجنة، فقام المزني مسرورا يقول: والله لا أقيل ولا استقيل. فقام فجعل يدخل فيهم فيضرب بالسيف حتى يخرج من أقصاهم ورسول الله، ﷺ ، والمسلمون ينظرون إليه، ورسول الله يقول: اللهم ارحمه. ما زال كذلك وهم محدقون به حتى اشتملت عليهم أسيافهم ورماحهم فقتلوه فوجد به يومئذ عشرون طعنة برمح كلها قد خلصت إلى مقتل، ومثل به يومئذ أقبح المثل. ثم قام ابن أخيه الحارث بن عقبة فقاتل كنحو من قتاله حتى قتل، فوقف عليهما رسول الله وهما مقتولان فقال: رضي الله عنك فإني عنك راض، يعني وهبا، ثم قام على قدميه وقد ناله، ﵇، من الجراح ما ناله وإن القيام ليشق عليه فلم يزل قائما حتى وضع المزني في لحده عليه بردة
стр. 1753
لها أعلام حمر، فمد رسول الله، ﷺ ، البردة على رأسه فخمره وأدرجه فيها طولا وبلغت نصف ساقيه، وامرنا فجمعنا الحرمل فجعلناه على رجليه وهو في اللحد، ثم انصرف رسول الله، ﷺ . فكان عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص يقولان: فما حال نموت عليها أحب إلينا من أن نلقى الله على حال المزني.
عمرو بن أمية
ابن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبد بن ناشرة بن كعب بن جدي ابن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وكانت عنده سخيلة بنت عبيدة ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي فولدت له نفرا. وشهد عمرو بن أمية بدرا وأحدا مع المشركين ثم أسلم حين انصرف المشركون عن أحد، وكان رجلا شجاعا له إقدام ويكنى أبا أمية، وهو الذي يروي عنه أبو قلابة الجرمي عن أبي أمية.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة في حديث رواه عن النبي، ﷺ ، أنه قال لعمرو بن أمية الضمري يا أبا أمية.
قال محمد بن عمر: فكان أول مشهد شهده عمرو بن أمية مسلما بئر معونة في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة فأسرته بنو عامر يومئذ فقال له عامر بن الطفيل: إنه قد كان علي أمي نسمة فأنت حر عنها. وجز ناصيته وقدم المدينة فأخبر رسول الله بقتل من قتل من أصحابه ببئر معونة، فقال رسول الله، ﷺ : أنت من بينهم، يعني أفلت ولم تقتل كما قتلوا. ولما دنا عمرو من المدينة منصرفا من
стр. 1754
بئر معونة لقي رجلين من بني كلاب فقاتلهما ثم قتلهما، وقد كان لهما من رسول الله، ﷺ ، أمان فوداهما رسول الله، ﷺ ، وهما القتيلان اللذان خرج رسول الله، ﷺ ، بسببهما إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما.
قال: وبعث رسول الله، ﷺ ، عمرو بن أمية ومعه سلمة بن أسلم بن حريش الأنصاري سرية إلى مكة إلى أبي سفيان بن حرب فعلم بمكانهما فطلبا فتواريا، وظفر عمرو بن أمية في تواريه ذلك في الغار بناحية مكة بعبيد الله بن مالك بن عبيد الله التيمي فقتله، وعمد إلى خبيب بن عدي وهو مصلوب فأنزله عن خشبته، وقتل رجلا من المشركين من بني الديل، أعور طويلا، ثم قدم المدينة فسر رسول الله، ﷺ ، بقدومه ودعا له بخير. وبعثه رسول الله، ﷺ ، إلى النجاشي بكتابين كتب بهما إليه في أحدهما أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب. وفي الآخر يسأله أن يمل إليه من بقي عنده من أصحابه. فزوجه النجاشي أم حبيبة وحمل إليه أصحابه في سفينتين. وكانت لعمرو بن أمية دار بالمدينة عند الحداكين، يعني الخراطين، ومات بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان.
دحية بن خليفة
ابن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج، وهو زيد مناة بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة ابن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة. وأسلم دحية بن خليفة قديما ولم يشهد
стр. 1755
بدرا وكان يشبه بجبرائيل.
قال: أخبرنا يعلى بن عبيد وعبيد الله بن موسى والفضل بن دكين قالوا: حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي قال: شبه رسول الله، ﷺ ، ثلاثة نفر من أمية فقال: دحية الكلبي يشبه جبرائيل، وعروة بن مسعود الثقفي يشبه عيسى بن مريم، وعبد العزى يشبه الدجال.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن يزيد بن الوليد عن أبي وائل قال: كان دحية الكلبي يشبه بجبرائيل، وكان عروة بن مسعود مثله كمثل صاحب يس، وكان عبد العزى ابن قطن يشبه بالدجال.
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن ابن شهاب قال: قال رسول الله، ﷺ ، اشبه من رأيت بجبرائيل دحية الكلبي.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن إسحاق بن سويد عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن النبي قال: كان جبرائيل يأتي النبي في صورة دحية الكلبي.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: وثب رسول الله وثبة شديدة فنظرت فإذا معه رجل واقف على برذون وعليه عمامة بيضاء قد سدل طرفها بين كتفيه، ورسول الله، ﷺ ، واضع يده على معرفة برذونه فقلت: يا رسول الله لقد راعتني وثبتك، من هذا؟ قال: ورأيته؟ قلت: نعم، قال: ومن رأيت؟ قلت: رأيت دحية الكلبي، قال: ذاك جبرائيل، ﵇.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان بن عيينة عن بن أبي نجيح
следующие страницы →