Полный текст (156 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
٨٤ - سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ الْجِيزِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ شُعَيْبًا يَقُولُ: كَانَ سُفْيَانُ وَسُلَيْمَانُ الْخَوَّاصُ بِمِنًى، فَقَدِمَ سُفْيَانُ سُلَيْمَانَ، وَوَقَفَ هُوَ قَائِمًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ، فَقَالَ: قَدْ كَلَّمْتُهُ وَوَعَظْتُهُ، وَفَرَضٌ كَانَ فِي أَعْنَاقِنَا أَدَّيْنَاهُ مَعَ أَنَّهُ لا يَقْبَلُ، ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَبْتُهُ.
فَقَالَ سُفْيَانُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، فَدَخَلَ سُفْيَانُ فَأَمَرَهُ وَوَعَظَهُ، فَقَالَ: هَاهُنَا، فَقَالَ: لا أَطَأُ مَا لا تَمْلِكُهُ، فَقَالَ: يَا غُلامُ، ادْرُجِ ادْرُجْ، فَدَرَجَ الْبِسَاطَ، ثُمَّ دَنَا فَكَلَّمَهُ وَوَعَظَهُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: مَا تَقُولُ فِيمَا أَنْفَقْتَ مِنْ أَمْوَالِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِلا إِذْنِهِمْ فِي سَفَرِكَ هَذَا؟ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْفَقَ سِتَّةَ عَشَرَ دِينَارًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَالَ: مَا أَرَانَا إِلا قَدْ أَجْحَفْنَا بِبَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ، أَوْ غَيْرُهُ: تُكَلِّمُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا! فَقَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ فُلانًا فُلانٌ، فِرْعَوْنَ هَامَانُ، أَوْ هَامَانُ فِرْعَوْنَ، وَأَهْلَكَ فُلانًا فُلانٌ، قَالَ: فَلَمَّا مَضَى، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يُكَلِّمُكَ بِهَذَا! فَقَالَ: اسْكُتْ، فَوَاللَّهِ مَا بَقِيَ مَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ غَيْرُهُ.
стр. 37
٨٥ - سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْفَارِسِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: أُخِذْتُ فَأُدْخِلْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ بِمَكَّةَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ، فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حَجَّ فَأَنْفَقَ فِي بَدَاتِهِ وَرَجْعَتِهِ سِتَّةَ عَشَرَ دِينَارًا، وَأَنْتَ لَمْ تَبْلُغْ ذَلِكَ، أَيْ أَنْتَ لَمْ تَبْلُغِ الْخِلافَةَ وَقَدْ أَنْفَقْتَ بُيُوتَ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَؤُلاءِ، يَعْنِي عَسْكَرَهُ، وَإِنَّمَا تُحَطِّمُ دِينَكَ حَطْمًا.
فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا اسْتَتْبَعْتُ مِنْهُمْ وَاحِدًا، وَإِنَّمَا اتَّبَعْتُمْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا لِي مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ، قَالَ: قُلْتُ: لَئِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَيْكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ فَالْزَمْ بَيْتَكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: مَا تُرِيدُ يَا سُفْيَانُ إِلا أَنْ نَكُونَ فِي مِثْلِ عَبَاءَتِكَ؟ قَالَ: وَعَلَى سُفْيَانَ عَبَاءٌ غَلِيظٌ، فَقُلْتُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِثْلِ عَبَائِي فَدُونَ مَا أَنْتَ فِيهِ، وَفَوْقَ مَا أَنَا فِيهِ.
قَالَ: وَعَارَضَنِي الرَّجُلُ الَّذِي عِنْدَهُ، لا أَعْرِفُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَدْرَأُ عَنِّي غَضَبَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي كَذَا وَكَذَا مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ، فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ، مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَذَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لِي أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ:
стр. 38
يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَمَّا إِنَّهُ قَدْ جَاءَنِي مِنْكُ كِتَابٌ فَأَنْفَذْتُهُ، قُلْتُ: أَنَا مَا كَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابًا قَطُّ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: سَمِعْتُ غَيْرَ الْفِرْيَابِيِّ يَذْكُرُ أَنَّهُ اعْتَلَّ بِالْبَوْلِ لِيَخْرُجَ، فَقَالَ ابْنُ أَخِي أَبِي جَعْفَرٍ: وَتعَوَّد وَتَرَكَ قَمِيصًا وَتَرَكَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْفَتَلَ فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمْ يَرْجِعْ، فَاسْتَبْطَأَهُ، فَقَالَ: مَا أَرَاهُ رَجَعَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: بَلَى قَدْ رَجَعَ، إِنَّمَا تَرَكَ نَعْلَيْهِ عَمْدًا.
٨٦ - سَمِعْتُ نُوحَ بْنَ حَبِيبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: حُبِسَ الثَّوْرِيُّ فِي بَيْعَةٍ، فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ.
٨٧ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: دَخَلَ سُفْيَانُ عَلَيْهِ، يَعْنِي الْمَهْدِيَّ، فَاعْتَلَّ بِالْبَوْلِ، فَخَرَجَ.
٨٨ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْفِرْيَابِيَّ، يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ لِلْمَهْدِيِّ: كَمْ أَنْفَقْتَ فِي حَجَّتِكَ؟ قَالَ: لا أَدْرِي، قَالَ: لَكِنْ عُمَرُ أَنْفَقَ سِتَّةَ عَشَرَ دِينَارًا، وَكَانَ يَسْتَظِلُّ بِفَيَافِي الشَّجَرِ، وَأَرَاهُ قَالَ: قَدْ أَتْعَبْتَ النَّاسَ، أَرَاهُ قَالَ: مَا هَذِهِ السُّرَادِقَاتُ؟ وَهَذِهِ الْمَضَارِبُ؟
стр. 39
فَقَالَ: أَنْتَ يَا سُفْيَانُ تُرِيدُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ فِي مِثْلِ كِسَائِكَ، أَوْ عَبَائِكَ، فَقَالَ سُفْيَانُ: كُنْ فَوْقَ مَا أَنَا فِيهِ، وَدُونَ مَا أَنْتَ فِيهِ.
٨٩ - سَمِعْتُ بَعْضَ الْمَشْيَخَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ فَلَمْ أُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: إِنَّ كُتُبَكَ تَأْتِينَا فَنُنْفِذُهَا، فَقُلْتُ: مَا كَتَبْتُ إِلَيْكَ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ، فَأَيُّ شَيْءٍ دَخَلَ عَلَيْكَ.
٩٠ - سَمِعْتُ عَبَّاسًا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا شِهَابٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُصْعَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ لا أَعْلَمُ كَانَ أَقَلَّ لِحُزْنِي.
٩١ - وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَعْمَرٍ، يَقُولُ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: فَكَلَّمْتُهُ بِكَلامٍ غَلِيظٍ، فَقَالَ لِي: وَيْلَكَ وَيْلَكَ وَيْلَكَ.
٩٢ - وَسَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى
стр. 40
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُ الْخَشَبِ وُقُوفٌ، فَأُجْلِسْتُ عَلَى كُرْسِيٍّ، فَقَالَ لِي: مَا تَقُولُ فِي دِمَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ؟ قَالَ: فَأَخَذْتُ أُحَدِّثُ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، فَقَالَ لِي، ارْجِعْ، وَيْلَكَ، مَا تَقُولُ فِي دِمَائِهِمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا تَحِلُّ لَكَ، قَالَ: وَلِمَ وَيْلَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ.
فَقَالَ لِي: وَيْلَكَ، أَوَلَيْسَتِ الْخِلافَةُ لَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاتَلَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ بِصِفِّينَ؟ قَالَ: قُلُتْ: لَوْ كَانَتِ الْخِلافَةُ لَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذًا مَا رَضِيَ عَلِيٌّ ﵇ بِالْحَكَمَيْنِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: اخْرُجْ وَيْلَكَ.
فَمَا ظَنَنْتُ أَنِّي أُحْمَلُ إِلا مَيِّتًا.
٩٣ - سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: قَالَ الْفُضَيْلُ: مَنْ أَعَزَّ أَمْرَ اللَّهِ أَعَزَّهُ اللَّهُ بِلا عَشِيرَةٍ.
٩٤ - وَسَمِعْتُ جَعْفَرًا الْخَزَّازَ يَقُولُ: قُلْتُ لِبَعْضِ الْهَاشِمِيِّينَ، وَهُوَ سُلْطَانِيٌّ: شَرَفُكَ يَحْتَاجُ إِلَى تَقْوَى، وَصَاحِبُ التَّقْوَى لا يَحْتَاجُ إِلَى شَرَفٍ، فَقَالَ لِي: صَدَقْتَ.
стр. 41
٩٥ - قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ عَبَّادًا قَالَ لِسُفْيَانَ: ذَكَرْتُكَ لأَبِي جَعْفَرٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ: لِمَ أَرَدْتَ أَنْ تَذْكُرَنِي لَهُ؟ ! قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَدْ أَحْسَنَ، وَلِمَ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَهُ لَهُ؟ !
٩٦ - وَسَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ حَاتِمٍ يَقُولُ: عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْفَارِسِيِّ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ يُحَدِّثُ سُفْيَانَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: تُوَلِّي عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَفُلانٍ؟ ! لَوْ قُلْتَ لَنَا لأَتَيْنَاكَ بِسُفْيَانَ وَكَتَبْنَا إِلَى الأَوْزَاعِيِّ حَتَّى يَجِيئَكَ، لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا، قَالَ: فَقَالَ: إِذَا قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ فَقُلْ لِي.
قَالَ: فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: تَذْكُرُنِي بَيْنَ يَدَيْ مِثْلِ أَبِي جَعْفَرٍ! قَالَ: فَقَالَ: مَا أَرَدْتُ إِلا الْخَيْرَ، فَرَأَيْتُ دُمُوعَ عَبَّادٍ عَلَى خَدَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَرَدْتَ إِلا الْخَيْرَ.
٩٧ - سَمِعْتُ عَبَّاسًا الْعَنْبَرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّزَّاقِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ وَلَمْ أُسَلِّمْ عَلَيْهِ بِالإِمْرَةِ، قَالَ: قُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، قُلْتُ: فَتَبَسَّمَ، وَقَالَ: ارْفَعْ حَاجَتَكَ، قَالَ: قُلْتُ: مَلأْتَ الأَرْضَ ظُلْمًا وَجَوْرًا، فَاتَّقِ اللَّهَ، وَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ عِبَرٌ.
стр. 42
قَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَقْعُدُ فِي بَيْتِكَ وَتُوَلِّيهَا غَيْرُكَ، قَالَ: لا أَسْتَطِيعُ، وَقَالَ: ارْفَعْ حَاجَتَكَ، قَالَ: قُلْتُ أَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ عَلَى بَابِكَ، قَدْ حُبِسُوا لِمَظَالِمِهِمْ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَانْظُرْ فِي أُمُورِهِمْ، قَالَ: ثُمَّ قَعَدْتُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ لا يَكْرَهُ أَنْ أَقُومَ، قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ، فَاتَّبَعَنِي أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: ارْفَعْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَاجَتَكَ، قُلْتُ: مَا لِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ، قَدْ أَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي.
٩٨ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَوْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ - يَعْنِي الْخَلِيفَةَ - مَا ابْتَدَأْتُهُ إِلا بِأَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ.
٩٩ - سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَتَبَ إِلَيَّ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ لَنَا سُفْيَانُ: نَحْنُ الْيَوْمَ عَلَى الطَّرِيقِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونَا قَدْ أَخَذْنَا يَمِينًا وَشِمَالا فَلا تَقْتَدُوا بِنَا.
١٠٠ - قِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ: إِذَا رَأَيْتُمُونَا قَدْ أَخَذْنَا يَمِينًا وَشِمَالا فَلا تَقْتَدُوا بِنَا، أَيُّ شَيْءٍ مَعْنَى هَذَا؟ قَالَ: إِنَّمَا يُرِيدُ أَمْرَ السُّلْطَانِ.
١٠١ - قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي
стр. 43
لأَحْسَبُ أَنَّ سُفْيَانَ حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: لَمْ تُدْرِكُوا نَبِيَّكُمْ، أَلَيْسَ قَدْ أَدْرَكْتُمْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ! .
١٠٢ - سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَدَقَةَ الْمِصِّيصِيُّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ وَاسِطَ، قَالَ: رَأَيْتُ يُوسُفَ ﵇ فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا فَعَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ؟ قَالَ: ذَاكَ مَعَنَا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ.
١٠٣ - وَسَمِعْتُ ابْنَ مُغَلِّسٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ، يَقُولُ: رَأَيْتُ الثَّوْرِيَّ فِي النَّوْمِ، وَهُوَ فِي بُسْتَانٍ، وَهُوَ يَقُولُ: أَوْ يَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] .
١٠٤ - سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ وَكِيعٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: قَدِمَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَدِينَةَ وَمَعَهُ
стр. 44
الزُّهْرِيُّ، قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَبَعَثَ إِلَيَّ، قَالَ: فَقَالَ سُلَيْمَانُ: يَا أَبَا حَازِمٍ، كَيْفَ النَّجَاةُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؟ قَالَ: يَسِيرٌ هَيِّنٌ، تَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ، وَتَضَعُهُ فِي حَقِّهِ، قَالَ: فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّهُ لَجَارِي مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، مَا عَلِمْتُ أَنَّ عِنْدَهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا! فَقَالَ لَهُ أَبُو حَازِمٍ: لَوْ كُنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ لَعَرَفْتَنِي.
فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: تَكَلَّمْ يَا أَبَا حَازِمٍ، إِنَّمَا أَنَا هِيَ، تَرَكْتَ النَّاسَ بِبَابِكَ، فَإِنْ أَدْنَيْتَ أَهْلَ الْخَيْرِ ذَهَبَ أَهْلُ الشَّرِّ، وَإِنْ أَدْنَيْتَ أَهْلَ الشَّرِّ ذَهَبَ أَهْلُ الْخَيْرِ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ إِلَيْنَا حَوَائِجَكَ، قَالَ: قَدْ رَفَعْتُهَا إِلَى مَنْ لا تُخْتَزَلُ الْحَوَائِجُ دُونَهُ، مِمَّا أَعْطَانِي مِنْهَا قَبِلْتُ، وَمَا زَوَى عَنِّي مِنْهَا رَضِيتُ.
١٠٥ - سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ هَانِئٍ الطَّائِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ الْقَنَّادُ، قَالَ: مَرَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى الْمَدِينَةِ يُرِيدُ مَكَّةَ، فَقَالَ: هَلْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ قَدْ أَدْرَكَ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقِيلَ لَهُ: أَبُو حَازِمٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَدَعَاهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَازِمٍ، مَا هَذَا الْجَفَاءُ؟ ! قَالَ لَهُ أَبُو حَازِمٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَيُّ جَفَاءٍ رَأَيْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَتَانِي وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ تَأْتِنِي.
قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَقُولَ مَا لَمْ يَكُنْ، وَاللَّهِ
стр. 45
مَا عَرَفْتَنِي قَبْلُ، وَلا أَنَا رَأَيْتُكَ، فَالْتَفَتَ سُلَيْمَانُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: أَصَابَ الشَّيْخُ وَأَخْطَأْتُ أَنَا.
فَقَالَ سُلَيْمَانُ: يَا أَبَا حَازِمٍ، مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: لأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمْ آخِرَتَكُمْ، وَعَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا، فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ.
١٠٦ - سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْفَارِسِيُّ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ يُحَدِّثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ وَعِنْدَهُ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ أَمِيرُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ - قَالَ الْفِرْيَابِيُّ -: وَكَانَ أَخًا لابْنِ أَبِي ذِئْبٍ -، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: يَا أَبَا الْحَارِثِ، مَا تَقُولُ فِي الْحَسَنِ؟ قُلْتُ: يُصِيبُ وَيُخْطِئُ، قَالَ: دَعْ هَذَا عَنْكَ، فَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ تُصِيبُ وَتُخْطِئُ، هَلْ يَتَعَمَّدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ الْفِرْيَابِيُّ: فَوَقَعَ الْحَسَنُ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَلَكِنَّهَا أَغْفَارُ
стр. 46
قُرَيْشٍ، قَالَ: فَاشلاهما، ثُمَّ اسْتَرَاحَ نَحْوَ هَذَا، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَبَا الْحَارِثِ عَفَاهُ اللَّه، لَوْ سَأَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ نَفْسِهِ لَقَالَ لَهُ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: مَا تَقُولُ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ يَعْفِينِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: قُلْ، قَالَ: يَعْفِينِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَإِنِّي لا أَعْفِيكَ، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ قَدْ رَأَيْنَا جَوْرًا، قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَعْرَابِيُّ، وَقَالَ عَلَى سَاقَيْهِ يَقُولُونَ: اشْتَرَيْتَ جَارِيَةً بِكَذَا، وَاشْتَرَيْتَ غُلامًا بِكَذَا، وَتَنْسَوْنَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ مِنْ حَسَنَاتِنَا: الثُّغُورَ، وَالسَّبِيلَ، وَالْمَسَاجِدَ، أَوْ كَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ قَدْ فَعَلْتُ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خَطَرِي فِي نَفْسِي أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
قَالَ: وَأُقِيمَتْ صَلاةُ الْعَصْرِ فَصَلَّى، فَلَمَّا سَلَّمَ تَنَاوَلْتُ نَعْلَيَّ، فَقَالَ لِي الرَّبِيعُ: كَمَا أَنْتَ، قَالَ: فَقُلْتُ: قَدْ أَسْمَعْتُ أَمِيرَ الْمؤمنين، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتْفُلَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كُفَّ عَنْهُ يَا ابْنَ الْفَاعِلَةِ، أَلا إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ، سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا أَرَدْتَ أَنْ تَبْلُغَ بِهِ هَذَا.
١٠٧ - سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ
стр. 47
صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ يُحَدِّثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي جَعْفَرٍ: أَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنَ ابْنِكَ الْمَهْدِيِّ، فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَبِمَا حَلَّ لَكَ أَنْ تَقُولَ: الْمَهْدِيُّ؟ فَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كُلُّنَا مَهْدِيٌّ هَدَاهُ اللَّهُ.
١٠٨ - سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، قَالَ: دَخَلَ يَعْنِي مَيْمُونًا، مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَنَفرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَشَكَى إِلَى الْقَوْمِ مَا كَانَ فِيهِ، فَقَالُوا: لَقَدْ وَصَلْتَ الرَّحِمَ، وَبَنَيْتَ الْمَنَارَاتِ وَاتَّخَذْتَ الْمَصَانِعَ، وَحَفَرْتَ الآبَارَ وَحَمَلْتَ ابْنَ السَّبِيلِ، وَذَيْتَ وَذَيْتَ، وَعَيْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِذَا طَابَتِ الْمَكْسَبَةُ، زَكَتِ النَّفَقَةُ، وَسَتُرَدُّ فَتَرَى
قَالَ جَعْفَرٌ: وَحَدَّثَنِي مَيْمُونٌ قَالَ: لَمَّا صِرْنَا بِالْبَابِ، أَوْ خَرَجْنَا، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاللَّهِ، لَئِنْ كَانَ لَيْسَ لَكُمْ تَبِعَةٌ فِيمَا أَخَذْتُمْ، وَأُجِرْتُمْ فِيمَا أَنْفَقْتُمْ، لَقَدْ سَبَقْتُمُ النَّاسَ سَبْقًا بَعِيدًا
стр. 48
١٠٩ - وَأُخْبِرْتُ عَنْ يَعْمُرَ بْنِ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَنْعُمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَسْقَلَةَ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى طَاوُسٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَانْصَرَفَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَسُلَيْمَانُ يَوْمَئِذٍ وَلِيُّ عَهْدٍ، فَقَالَ رَجَاءٌ لِسُلَيْمَانَ: رَأَيْتُ طَاوُسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ رَجَاءٌ لِسُلَيْمَانَ: لا تَسَلْهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَبْتَدِئُ.
فَلَمَّا قَعَدَ طَاوُسٌ مَكَثَ طَوِيلا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ ؟ فَقُلْنَا: لا نَدْرِي، قَالَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، قَالَ: تَعْلَمُونَ آخِرُ مَنْ يَمُوتُ؟ قُلْنَا: لا، قَالَ: آخِرُ مَنْ يَمُوتُ الْمَوْتُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَبْغَضُ خَلْقِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: لا، قَالَ: إِنَّ أَبْغَضَ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْدٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ سُلْطَانًا، فَعَمِلَ لِمَعْصِيَتِهِ.
ثُمَّ قَامَ فَارْتَفَعَ.
قَالَ: فَرَأَيْتُ سُلَيْمَانُ يَحُكُّ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، حَتَّى خَشِيتُ أَنْ تَجْرَحَ أَظْفَارُهُ رَأْسَهُ.
١١٠ - وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ عِيسَى الْمَرْوَزِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُصْعَبٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَلَى
стр. 49
الْخَلِيفَةِ أَبِي جَعْفَرٍ فَسَأَلَهُ أَنْ يُحَدِّثَهُ، فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثَيْنِ، أَحَدُهُمَا مِنْ حَدِيثِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالآخَرُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَحْرِ.
قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ الْخَلِيفَةُ لأَصْحَابِهِ: أَتَدْرُونَ لِمَ حَدَّثَنَا بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ؟ قَالَ: فَقَالُوا: لا نَدْرِي، قَالَ: فَقَالَ: إِنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ، وَحَدِّثُوا عَنِ الْبَحْرِ وَلا حَرَجَ، فَأَحَبَّ أَنْ يُحَدِّثَنَا بِحَدِيَثْيِن لا يَحْرَجُ فِيهِمَا.
١١١ - سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَمَالِكٌ يَحْضُرَانِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَيَسْكُتُ مَالِكٌ وَيَتَكَلَّمُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَلَقَدْ دَخَلَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ فَصَدَقَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَفَرَضَ لِوَلَدِهِ، هَكَذَا يَقُولُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ.
١١٢ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمَّادًا الْخَيَّاطَ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ يُشَبَّهُ بِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الصَّرَامَةِ، قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ضَرَبُوهُ، قَالَ: نَعَمْ، وَلَقَدْ أُعْطِيَ مَرَّةً عَطَاءً فَقَالَ: لا أَقْبَلُ حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُمْ جَبُّوهُ فِي حَقِّهِ، وَأَنْفَذُوهُ فِي حَقِّهِ، فَسَاعَدَهُ عَلَى تَرْكِ الْعَطَاءِ: سَالِمٌ، وَالْقَاسِمُ.
وَقَالَ: لَمْ تَبْقَ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ حَلْقَةٌ فِي الْمَسْجِدِ إِلا حَلْقَةُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
стр. 50
١١٣ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ، وَذَكَرَ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: كَانُوا مُتَعَبِّدِينَ لا يَأْتُونَ السُّلْطَانَ، وَذَكَرَ طَاوُسًا فَقَالَ: كَانَ شَدِيدًا عَلَيْهِمْ، لَقَدِ افْتَعَلَ ابْنُهُ كِتَابًا عَلَى لِسَانِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَعْطَاهُ ثَلاثَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَبَلَغَ طَاوُسًا، فَبَاعَ ضَيْعَتَهُ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى عُمَرَ، فَأُرِيدَ طَاوُسٌ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى ابْنِهِ فَأَبَى، أَوْ قَالَ: مَا دَخَلَ إِلا فِي وَقْتِ الْمَوْتِ.
١١٤ - وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَتَبْتُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ، عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّ ابْنَهُ افْتَعَلَ عَلَى لِسَانِهِ كِتَابًا إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ.
١١٥ - سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، فَدَخَلَ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَابْنَتُهُ عَلَى عُنُقِهِ
١١٦ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: دَخَلَ الإِفْرِيقِيُّ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ فَوَعَظَهُ وَكَلَّمَهُ، وَقَالَ حَجَّ مِنْ مِصْرَ بِأَهْلِ مِصْرَ مَعَهُ النِّسَاءُ وَغَيْرُهُمْ.
١١٧ - وَسَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ مُسْلِمٍ الطُّوسِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدِّمٍ قَالَ: كُنْتُ بِبَغْدَادَ مَعَ أَخِي، قَالَ: فَكَانَ ثَمَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الإِفْرِيقِيُّ، قَالَ:
стр. 51
فَدَخَلَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ: يَابْنَ أَنْعُمٍ، أَمَا تَحْمَدُ رَبًّا أَرَاحَكَ مِنْ بَابِ هِشَامٍ، وَذَوِي هِشَامٍ، وَمَا كُنْتَ تَرَى بِأَبْوَابِهِمْ؟ قَالَ: فَقَالَ، قَلَّ شَيْءٌ كُنْتُ أَرَاهُ بِبَابِ هِشَامٍ إِلا وَأَنَا أَرَى مِنْهُ الْيَوْمَ طَرَفًا، قَالَ: فَغَضِبَ أَبُو جَعْفَرٍ فَسَكَتُّ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا منَعَكَ أَنْ تَرْفَعَ ذَاكَ إِلَيْنَا، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَكَ عِنْدَنَا مَقْبُولٌ؟ ! قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ السُّلْطَانَ سُوقًا، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ إِلَى كُلِّ سُوقٍ مَا يَجُوزُ فِيهَا.
قَالَ: فَغَضِبَ أَبُو جَعْفَرٍ أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَأَنَّكَ قَدْ كَرِهْتَ صُحْبَتَنَا؟ قَالَ: وَاللَّهِ، مَا يُصَابُ الْمَالُ وَالشَّرَفُ إِلا مِنْ صُحْبَتِكَ وَصُحْبَةِ مَنْ هُوَ مِثْلُكَ، وَلَقَدْ تَرَكْتُ عَجُوزًا لِي كَبِيرَةً وَإِنِّي أُحِبُّ الرُّجُوعَ إِلَيْهَا، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدْ أَذِنَّا لَكَ، فَقَامَ فَخَرَجَ.
١١٨ - وَسَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ شُجَاعٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَهْدِيِّ فَقُلْتُ: احْمِلْ للَّهِ مَا أُكَلِّمُكَ بِهِ، فَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِكَلامِهِ أَحْمَلُهُمْ لِغِلْظَةِ النَّصِيحَةِ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَجَدِيرٌ مَنْ لَهُ قَرَابَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرِثَ أَخْلاقَهُ، وَيَأْتَمَّ بِهَدْيِهِ، وَقَدْ وَرَّثَكَ اللَّهُ مِنْ فَهْمِ الْعِلْمِ، وَإِنَارَةِ الْحُجَّةِ مِيرَاثًا قَطَعَ بِهِ عُذْرَكَ، فَمَهْمَا أَوْعَيْتَ مِنْ حُجَّةٍ، أَوْ رَكِبْتَ مِنْ شُبْهَةٍ لَمْ
стр. 52
يَصِحَّ لَكَ بِهِمَا بُرْهَانٌ مِنَ اللَّهِ، حَلَّ بِهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ بِقَدْرِ مَا تَجَاهَلْتَ مِنَ الْحَقِّ، أَوْ أَقْدَمْتَ فِيهِ مِنْ شُبْهَةِ الْبَاطِلِ، وَبِقَدْرِ مَا تَقَلَّدْتَ مِمَّا عَمِدْتَ السَّلامَةَ مِنْ تَقَلُّدِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَصْمُ مَنْ خَالَفَهُ فِي أُمَّتِهِ يَبْتَزُّ أَحْكَامَهَا، وَمَنْ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ خَصْمَهُ كَانَ اللَّهُ لَهُ خَصْمًا، فَاعْدُدْ لِمُخَاصَمَةِ اللَّهِ، وَمُخَاصَمَةِ رَسُولِهِ حُجُجًا تَضْمَنُ لَكَ النَّجَاةَ، أَوِ اسْتَسْلِمْ لِلْهَلَكَةِ.
وَإِيَّاكَ وَخُدَعَ الشَّهَوَاتِ، فَإِنَّ أَبْطَأَ الصَّرْعَى نَهْضَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرِيعُ هَوًى يَدَّعِيهِ إِلَى اللَّهِ قُرْبَةً.
وَإِنَّ أَثْبَتَ النَّاسِ قَدَمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِذُهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ بِالْيَقِينِ، فَمَثَلُكَ لا يُكَابَرُ بِتَجْرِيدِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَكِنْ تُمَثَّلُ لَهُ الإِسَاءَةُ إِحْسَانًا، وَيَشْهَدُ لَهُ عَلَيْهَا خَوَنَةُ الْعُلَمَاءُ، وَبِهَذِهِ الْحِبَالَةُ تَصَيَّدَتِ الدُّنْيَا نُظَرَاءَكَ، فَأَحْسِنْ حَمْلَ النَّصِيحَةِ، فَإِنِّي قَدْ أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ الأَدَاءَ، وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، قَالَ: فَبَكَى وَبَكَى مَنْ حَوْلَهُ.
١١٩ - سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ حَرَمِيَّ بْنَ يُونُسَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكُوفِيُّ أَبُو يَعْقُوبَ قَالَ: دَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَلَى الْمَهْدِيِّ قَالَ: وَأَنَا شَاهِدٌ يَرْفَعُ فِي مَظْلَمَةٍ لَهُ فَأَقَامُوهُ فِي الدَّارِ، قَالَ: وَكَانَتِ السَّمَاءُ
стр. 53
تَجِيءُ بِمَطَرٍ خَفِيفٍ، قَالَ: وَكَانَ مَحْلُولَ الإِزَارِ، وَكِسَاؤُهُ كَذَا مَائِلٌ عَلَى شِقِّهِ، قَالَ: فَنَادَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ لِلْمَهْدِيِّ: أَوَ فِي الْحَقِّ هَذَا أَنْ تَكُونَ فِي الْكِنِّ وَنَحْنُ فِي الْمَطَرِ؟ قَالَ: فَضَحِكَ الْمَهْدِيُّ.
قَالَ: فَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَعْرِفُ مَنْ هَذَا؟ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: ادْخُلْ يَا عَمُّ، ادْخُلْ، قَالَ: فَدَخَلَ، فَلَمَّا جَاوَزَ الْبَابَ وَصَارَ فِي الْبَيْتِ جَلَسَ مَكَانَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الْمَهْدِيُّ يَقُولُ: ارْتَفِعْ إِلَيْنَا هَاهُنَا يَا عَمُّ، إِنَّا لَمْ نُثْبِتُكَ، قَالَ: فَقَالَ: مَكَانِي صَالِحٌ، لَسْتُ أُرِيدُ الْكَرَامَةَ بِالْمَعْرِفَةِ، قَالَ: وَكَانَ قَدْ أُخِذَ لَهُ طَعَامٌ، فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: إِنَّ طَعَامَكَ أُخِذَ وَالطَّعَامُ رَخِيصٌ، وَالطَّعَامُ الْيَوْمَ قَدِ ارْتَفَعَ، قَالَ: مَا أَنْتَ مِنْ غَلائِهِ وَمِنْ رُخْصِهِ، أَعْطِنِي طَعَامًا مِثْلَ طَعَامِي، قَالَ: وَجَعَلَ الْمَهْدِيُّ يَضْحَكُ، إِذْ جَاءَ مِنْهُ مِثْلُ هَذَا.
فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: أَلا تُعِينُنَا عَلَى أَخِيكَ؟ قَالَ: أَيُّ إِخْوَانِي؟ قَالَ: سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ فَيَصْنَعُ مَاذَا؟ قَالَ: نَبْعَثُ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ قَرِيبًا مِنَّا نَسْتَشِيرُهُ فِي الأَمْرِ، وَنَقْبَلُ مَا يُشِيرُ عَلَيْنَا، قَالَ: إِذًا تَكُونُ لَهُ الْحُجَّةُ عَلَيَّ.
قَالَ الْمَهْدِيُّ: كَيْفَ تَكُونُ لَهُ الْحُجَّةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ: إِنْ عَمِلُوا بِمَا عَلِمُوا فَجَاءَهُمْ مَا لا يَعْلَمُونَ فَاحْتَاجُوا إِلَيَّ فِيهِ، مَاذَا كُنْتَ قَائِلا لَهُ؟ !
стр. 54
قَالَ: فَقَالَ: فَأَشِرْ عَلَيَّ أَنْتَ، قَالَ: فَجَعَل يُشِيرُ عَلَيْهِ: افْعَلْ كَذَا، وَتَفْعَلْ كَذَا، قَالَ: فَعَرَفْتُ مِنْهُ فَضْلا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَوَ غَيْرُ هَذَا؟ قَالَ: تُنَادِي فِي النَّاسِ الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا أَخَذْتُ بِيَدِكَ، فَصَعِدْنَا الْمِنْبَرَ، فَسَأَلْتَ النَّاسَ أَنْ يُسَوِّغُوكَ مَا أَغْلَقْتَ عَلَيْهِ بَابَكَ، ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ الْغَدَ وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَكَتَ الآخَرُ عَنْهُ، فَمَا زَادَهُ فِي الْكَلامِ، وَكَانَ آخِرَ مَا كَلَّمَهُ بَعْدُ.
قَالَ إِسْحَاقُ: فَخَرَجَ وَيَدُهُ فِي يَدِي، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَيُّ شَيْءٍ قُلْتَ لَهُ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ فَعَلَ، أَيَّ شَيْءٍ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ؟ قَالَ: تَقُولُ لِي: أَيَّ شَيْءٍ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ؟ ! يَبِيعُ قَمْشَةً، وَيُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ.
١٢٠ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الصَّبَّاحِ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أُتِيَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِسُيُوفٍ ثَلاثَةٍ مِنَ الْيَمَنِ، أَحَدُهَا مُحَلًّى، فَسَأَلَهُ السَّيْفَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ:
стр. 55
فَبَسَطَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ إِلَيْهِ لِيُعْطِيَهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: بَلْ إِيَّايَ فَاعْطِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ قَالَ: فَانْصَرَفَ بِهِ عُمَرُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَنَزَعَ حِلْيَتَهُ، فَجَعَلَهَا فِي ظَبْيَةٍ، وَرَاحَ بِهِ وَبِالظَّبْيَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ: اسْتَعِنْ بِهَا عَلَى بَعْضِ مَا يَعْرُوكَ، فَدَفَعَ النَّصْلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا دَعَانِي إِلَى مَا فَعَلْتُ النَّفَاسَةُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنِ النَّظَرُ لَكَ، قَالَ: فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ
١٢١ - قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَعْرِفُ فِي الرَّجُلِ يُنَبِّهُ الرَّجُلَ عَلَى الشَّيْءِ؟ وَذَكَرْتُ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ.
فَقَالَ: قَدْ كَتَبْتُهُ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْوَلِيدِ.
١٢٢ - سَمِعْتُ فَتْحَ بْنَ أَبِي الْفَتْحِ الْعَابِدَ يَقُولُ: كُنَّا عَلَى بَابِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، فَسَمِعْتُ ابْنَ أَبِي خدوَيْهِ، يَعْنِي سَهْلا، يَقُولُ: عَرَفْتُ النَّقْصَ فِي الْقُرَّاءِ، أَنِّي دَخَلْتُ لِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ فِي شَيْءٍ فَلَمْ يَنْفَضَّ عَنِّي أَحَدٌ.
стр. 56
١٢٣ - سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ شُجَاعٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ بَعَثَ بِشْرَ بْنَ عَاصِمٍ عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: يَا عُمَرُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ: «مَنْ وَلِيَ لِلْمُسْلِمِينَ سُلْطَانًا أُوقِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ يَتَزَلْزَلُ بِهِ الْجِسْرُ، فَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَجَا ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا خُرِقَ بِهِ الْجِسْرُ، فَيَهْوِي فِي قَعْرِهَا» ؛ فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ كَئِيبًا حَزِينًا، فَلَقِيَهُ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، مَا لِي أَرَاكَ كَئِيبًا حَزِينًا؟ قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي، وَقَدْ سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ بِكَذَا وَكَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟
٥٠٠٠٠ - قَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَوَمَا سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: لا، قَالَ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ وَالٍ وَلِيَ لِلْمُسْلِمِينَ سُلْطَانًا إِلا أُوقِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ، فَيَتَزَلْزَلُ بِهِ الْجِسْرُ، حَتَّى يَزُولَ كُلُّ مَفْصِلٍ عَنْ حَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَجَا، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا انْخَرَقَ بِهِ الْجِسْرُ فَيَهْوِي فِي قَعْرِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، لَيْسَ لَهَا نُورٌ» ، فَأَيُّ الْحَدِيثَيْنِ أَوْجَعُ لِقَلْبِكَ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: كُلٌّ قَدْ حَزَّنَنِي، فَمَنْ يَأْخُذُهَا بِمَا فِيهَا
стр. 57
١٢٤ - سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ أَيُّوبَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ حُمْرَةَ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵇ رَجُلا عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَرَآهُ بَعْدَ أَيَّامٍ مُقِيمًا لَمْ يَخْرُجْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْخُرُوجِ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لَكَ مِثْلَ أَجْرِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ الرَّجُلُ: لا، قَالَ لَهُ عُمَرُ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أُقِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى جِسْرٍ فِي النَّارِ، يَنْتَفِضُ بِهِ ذَلِكَ الْجِسْرُ حَتَّى يَزُولَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ عَنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يُعَادُ فَيُحَاسَبُ، فَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَجَا بِإِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا انْخَرَقَ بِهِ ذَلِكَ الْجِسْرُ فَأَهْوَى فِي النَّارِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» .
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: أَبُو ذَرٍّ، وَسَلْمَانُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَسَأَلَهُمَا، فَقَالا: نَعَمْ، قَدْ سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: فَمَنْ يَتَوَلاهَا بِمَا فِيهَا
١٢٥ - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ مِسْكِينٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَتَّابٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: دَخَلَ زِيَادٌ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ
стр. 58
مَرِيضٌ، فَحَدَّثَهُ، وَسَأَلَهُ، وَلاطَفَهُ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ قَالَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ وَالٍ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَلَمْ يُحِطْ مِنْ وَرَائِهِمْ بِالنَّصِيحَةِ إِلا أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَهَنَّمَ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ»
١٢٦ - وَسَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ بَقِيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: أَتَى بِلالٌ عُمَرَ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ، وَعِنْدَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، قَالَ: هَا أَنَا عُمَرُ، قَالَ: إِنَّكَ بَيْنَ هَؤُلاءِ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَلَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ أَحَدٌ، انْظُرْ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ، انْظُرْ بَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ، إِنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَوْلَكَ مَا يَأْكُلُونَ إِلا لُحُومَ الطَّيْرِ، فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ، لا أَقُومُ حَتَّى تُكَلِّفُوا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُدَّيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَحَظَّهُمَا مِنَ الْخَلِّ وَالزَّيْتِ، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ وَسَّعَ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ وَأَكْثَرَ مِنَ الْخَيْرِ، هُوَ الْمُنَى
١٢٧ - سَمِعْتُ هَارُونَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ
стр. 59
عَامِرِ بْنِ حُذَيْمٍ الْجُمَحِيَّ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵇: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي مُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ فَعِهِنَّ وَاقْبَلْهُنَّ وَاعْمَلْ بِهِنَّ، قَالَ: مَا هُنَّ يَا سَعِيدُ؟ قَالَ: اخْشَ اللَّهَ فِي النَّاسِ، وَلا تَخْشَ النَّاسَ فِي اللَّهِ، وَأَحِبَّ لأَهْلِ الإِسْلامِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ، وَأَقِمْ وَجْهَكَ وَقَضَاءَكَ أَمْرِ مَا اسْتَرْعَاكَ اللَّهُ مِنْ قَرِيبِ الْمُسْلِمِينَ وَبَعِيدِهِمْ، وَالْزَمِ الأَمْرَ ذَا الْمَحَجَّةِ يُعِنْكَ اللَّهُ عَلَى مَا أَمَرَكَ، وَيَكْفِكَ مَا هَمَّكَ، وَلا تَقْضِيَنَّ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ بِقَضَاءَيْنِ فَيَخْتَلِفْ عَلَيْكَ أَمْرُكَ، وَتَنْزِعْ عَنِ الْحَقِّ، وَلا يَخْتَلِفْ قَوْلُكَ وَفِعْلُكَ، فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا صَدَّقَهُ الْفِعْلُ، وَخُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ حَيْثُ عَلِمْتَهُ، وَلا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ.
قَالَ عُمَرُ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ هَذَا يَا سَعِيدُ؟ قَالَ: يَسْتَطِيعُهُ مَنْ قَضَى اللَّهُ فِي عُنُقِهِ مَا قَضَى اللَّهُ فِي عُنُقِكَ، وَإِنَّمَا مِنْكَ أَنْ تَأْمُرَ فَتُطَاعَ
١٢٨ - سَمِعْتُ عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْعَظِيمِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي الأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، قَالَ: دَخَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلانِيِّ يَعُودُهُ، فَلَمْ
стр. 60
يَعْرِفْهُ فَقَالَ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَمَا تَعْرِفُنِي؟ أَتَجْهَلُنِي؟ سَلْ يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّكَ لَوْ وُلِّيتَ أَمْرَ الأُمَّةِ فَعَدَلْتَ، إِلا عَلَى قَبِيلَةٍ هِيَ أَذَلُّهَا وَأَحْقَرُهَا، مَالَ حَيْفُكَ بِعَدْلِكَ، فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ.
١٢٩ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ بَشَّارٍ بُنْدَارًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْحَقِّ إِذَا رَآهُ» ، فَذَاكَ الَّذِي حَمَلَنِي أَنْ دَخَلْتُ إِلَى فُلانٍ فَمَلأْتُ أُذُنَهُ
١٣٠ - سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الطَّائِفِيُّ، صَدِيقُ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: لَمَّا خَالَطَ مَيْمُونٌ السُّلْطَانَ، أَوْ قَالَ: دَاخَلَهُمْ، كَتَبَ إِلَيْهِ صَدِيقٌ لَهُ:
стр. 61
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الَّذِي أَوْجَبَ حَقَّكَ مَا أَصْبَحْتَ لَهُ تَارِكًا، وَعَنْهُ رَاعِيًا، وَكُنْتَ لِذَلِكَ مِنَّا كَذَلِكَ، فَلَمَّا قَرَعْتَ صِفَاتَكَ، وَبَلَيْتَ حَفِيظَتَكَ لَمْ تَجِدْ لِذَلِكَ عَزْمًا، وَاسْتَبْدَلْتُ بِهِ عِوَضًا غَيْرَ مَا تَرَكْتَ، فَلَمْ نَرَ أَنْ يَضِيعَ حَقُّكَ، وَلا تُقْطَعَ حُرْمَتُكَ دُونَ الإِعْذَارِ إِلَيْكَ، وَالاحْتِجَاجِ عَلَيْكَ، بِتَبْصِيرِكَ غَيْبَ مَا جَهِلْتَ، وَتَعْرِيفِكَ قُبْحَ مَا أَوْقَعْتَ فِيهِ نَفْسَكَ، رَجَاءَ اسْتِنْقَاذَكَ، وَحِفْظًا لِمَا مَضَى مِنْ حَالِكَ، فَإِنْ تَقْبَلْ وَتُبْصِرْ فَتَوْبَةٌ مَقْبُولَةٌ، وَذَنْبٌ مَغْفُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنْ تُقِمْ فَيَصْرِفْنَا اللَّهُ عَنْكَ، وَلا غِنَى بِكَ عَنْهُ.
فَقَدْ رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ قَدْ زَيَّنَ لَكَ سُوءَ عَمَلِكَ، وَمَنَّاكَ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَنْبِكَ، حَتَّى كَانَ عُذْرُكَ فِي نَفْسِكَ أَنْ قُلْتَ: أَعِفُّ فَلا أَرْزَأُ شَيْئًا، فَفِي ذَلِكَ سَلامَةٌ، وَسَأَصِفُ لَكَ مَنْ أَدَّى الأَمَانَةَ إِلَى الْخَوَنَةِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ ذَنْبَهُمْ لَيْسَ بِأَكْثَرَ ذَنْبًا، وَلا أَعْظَمَ جُرْمًا مِمَّنْ أَدَّى الأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّكَ تَبْدَأُ فَتَجِيءُ، فَتَعَدَّى عَلَى أَهْلِ عَهْدِ اللَّهِ بِتَحْمِيلِكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ، وَأَخْذِكَ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ عَلَيْهِمْ، فَتَكُونُ مُظَاهِرًا عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ، نَاقِضًا لِعَهْدِ اللَّهِ، خَافِرًا لِذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَإِنْ قُلْتَ: لا أَجْبِي فَأَخْزُنُ، فَمِنْ أَيْنَ رَأَيْتَ أَنَّكَ سَلِيمٌ بِالأَمَانَةِ عَلَى حِفْظِ مَا جُمِعَ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَاسْتُوثِرَ بِهِ لِلإِنْفَاقِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ؟ فَإِنْ قُلْتَ: لا أَجْبِي وَلا أَخْزُنُ، فَعَلَى مَا تُضَاهِي مَنْ بِزِينَةِ تَشَيُّنِكَ؟ وَتَسَتُّرِهِ بِهَتْكِ سِتْرِكَ؟ ! وَتُصْلِحُ دُنْيَاهُ بِفَسَادِ دِينِكَ، فَلَسْتَ فِي ذَلِكَ أَبْيَنَ خَسَارًا فِي الْعَاجِلِ، وَأَعْظَمَ جُرْمًا فِي الآجِلِ، فَاتَّقِ اللَّهَ مِنْ أَنْ تُوقِعَ نَفْسَكَ
стр. 62
فِيمَا لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخَلِّصَهَا مِنْهُ، وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ
١٣١ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي الزّردِ الأَيْلِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: كَانَ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَصَاحِبٌ لَهُ يَطْلُبَانِ الْعِلْمَ، فَلَحِقَ صَاحِبُهُ بِبَعْضِ الثُّغُورِ، وَوَلِيَ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَضَاءَ، فَكَتَبَ سَوَّارٌ إِلَى صَاحِبِهِ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ، وَذَكَرَ شِدَّةَ الزَّمَانِ وَكَثْرَةَ الْعِيَالِ، وَجَفْوَةَ السُّلْطَانِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ: يَا سَوَّارُ، فَعَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ التَّقْوَى عِوَضٌ مِنْ كُلِّ فَائِدَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا عِوَضٌ عَنِ التَّقْوَى، فَإِنَّ التَّقْوَى عُقْدَةُ كُلِّ عَاقِلٍ مُبْصِرٍ، بِهِ يَسْتَنِيرُ، وَإِلَيْهِ يَسْتَرِيحُ، وَلَمْ يَظْفَرْ أَحَدٌ مِثْلَ مَا ظَفِرَ بِهِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ شَرِبُوا بِكَأْسِ حُبِّهِ، فَكَانَتْ قُرَّةَ أَعْيُنِهِمْ، وَمُدَّةَ أَمَلِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَعْمَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَسِيمِ الأَدَبِ، وَرَاضُوهَا رِيَاضَةَ الأَصِحَّاءِ الصَّادِقِينَ، وَطَلَقُوهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، فَأَلْزَمُوهَا الْقُوتَ الْمُعَلَّقَ، وَجَعَلُوا الْجُوعَ وَالْعَطَشَ شِعَارًا لَهَا بُرْهَةً مِنَ الزَّمَانِ، حَتَّى انْقَادَتْ وَأَذْعَنَتْ لَهُمْ عَنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، فَلَمَّا طَعَنَ فُضُولُ الدُّنْيَا عَنْ قُلُوبِهِمْ، وَزَايَلَتْهَا أَهْوَاؤُهُمْ، وَصَارَتِ الآخِرَةُ قُرَّةَ أَعْيُنِهِمْ، وَمُدَّةَ أَمَلِهِمْ، أَثْبَتَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ، وَقُلِّدَتْ يَنَابِيعُ الْعِصَمِ، وَسَطَعَتْ بِهِمْ نُورُ الْمَعَالِمِ، الَّذِينَ يَشْعَبُونَ الصَّدْعَ، وَيَلُمُّونَ فِيهِ الشَّعْثَ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَتَاهُمْ مِنَ اللَّهِ مَوْعُودٌ صَادِقٌ اخْتَصَّ بِهِ الْعَالِمِينَ بِهِ، وَالْعَامِلِينَ لَهُ دُونَ مَنْ
стр. 63
سِوَاهُمْ، فَإِنْ سَرَّكَ يَا سَوَّارُ أَنْ تَسْتَمِعَ صِفَةَ الأَصِحَّاءِ الصَّادِقِينَ فَصِفَةُ هَؤُلاءِ، فَاسْتَمِعْ وَسَائِلَهُمُ الطَّيِّبَةَ فَاتَّبِعْ، وَإِيَّاكَ وَبَيِّنَاتِ الطَّرِيقِ: شِدَّةَ الزَّمَانِ، وَكَثْرَةَ الْعِيَالِ، وَجَفْوَةَ السُّلْطَانِ، وَالسَّلامُ.
١٣٢ - سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، ذَكَرَ حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ، فَقَالَ: كَانَ مِنَ الْعُقَلاءِ مَعَ مَا بُلِيَ بِهِ مِنَ الْقَضَاءِ، وَذَكَرَ أَنَّ حَفْصًا كَانَ صَدِيقًا لِوَكِيعٍ، وَكَانَ يُرْشِدُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ جَانَبَهُ وَلَمْ يُرْشِدْ إِلَيْهِ.
١٣٣ - سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: قَالَ عَثَّامٌ: لَقَدْ خِفْتُ اللَّهَ فِي حُبِّي لِحَفْصٍ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ لَمْ أَدْعُ لَهُ دَعْوَةً.
١٣٤ - سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ يَحْيَى: رَفَعَهُ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " مَا مِنْ حَاكِمٍ حَكَمَ إِلا جِيءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَلَكٌ آخِذٌ بِقَفَاهُ، حَتَّى يُوقِفَهُ عَلَى جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى اللَّهِ ، فَإِنْ قَالَ اللَّهُ لَهُ: أَلْقِهِ، أَلْقَاهُ فِي مَهْوًى أَرْبَعِينَ خَرِيفًا "
стр. 64
١٣٥ - سَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ غَيْلانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْعَلاءِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ سَرْجٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرْنَا عِنْدَهَا أَمْرَ الْقُضَاةِ، فَقَالَت عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ كَانَ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيَّا، وَأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ، أَوْ تَمْرَتَيْنِ» .
شَكَّ أَبُو أَحْمَدَ
١٣٦ - سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ ابْنَ بِنْتِ السُّدِّيِّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ النَّصْرِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِهِمْ يَوْمَ يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا وَدَّ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالنَّجْمِ مُتَذَبْذِبٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَأَمَّرْ عَلَى اثْنَيْنِ أَبَدًا»
стр. 65
١٣٧ - سَمِعْتُ دَاوُدَ بْنَ رُشَيْدٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ ذَوَائِبَهُمْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيَّا، يَتَذَبْذَبُونَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَلُوا عَمَلا»
١٣٨ - سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَن صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْقَاضِي لَيَزِلُّ فِي مَزْلَقَةٍ أَبْعَدَ مِنْ عَدَنٍ أَبْيَنَ فِي جَهَنَّمَ»
١٣٩ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي جَمِيلَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لابْنِ عُمَرَ: اذْهَبْ فَاقْضِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ: أَوَ يُعَافِينِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ، قَالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ، هَلْ سَمِعْتَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ عَاذَ بِاللَّهِ عَاذَ
стр. 66
مُعَاذًا» ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ قَاضِيًا، قَالَ: فَمَا تَكَرْهُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يَقْضِي؟
قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِجَوْرٍ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِالْجَهْلِ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ كَانَ قَاضِيًا عَالِمًا فَقَضَى بِالْعَدْلِ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كَفَافًا» ، فَمَا أَرْجُو مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
١٤٠ - سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ: لا تَغْبِطُوا الْقُضَاةَ، وَارْحَمُوا الرُّعَاةَ، وَمَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِلا سِكِّينٍ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إِذَا بُلِيَ بِالْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ يَوْمًا فِي الْقَضَاءِ، وَيَوْمًا فِي الْبُكَاءِ، فَإِنَّ لَهُ مَوْقِفًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ غَدًا.
١٤١ - وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، قَالَ: لا يَتَقَدَّمُ رَجُلٌ عَلَى الْقَضَاءِ حَتَّى يَجْتَزِئَ عَلَى السَّيْفِ.
стр. 67
١٤٢ - وَسَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ شُجَاعٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ إِذْ جَاءَهُ خَصْمَانِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: قُلْ فِيهِمَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَائِلٍ فِيهِمَا، قَالَ: فَقَضَى بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ، وَلَكِنِّي لَمْ آلُ ثُمَّ، قَالَ: ثُمَّ لُعِنَ أَرْغَبُ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ، قَالَ: حَسِبْتُ لَعَلَّ مَا يُخْبِرُهُ.
١٤٣ - سَمِعْتُ أَبَا حَامِدٍ الْخُرَاسَانِيَّ يَقُولُ: نَزَلَ شَقِيقٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْمُدُنِ الَّتِي فِي طَرِيقِ خُرَاسَانَ، فَإِذَا قَاضِيهَا قَدْ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاقْرَأْ تَبَارَكَ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: ٢] ، فَتَلَبَّبَ بِهِ شَقِيقٌ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ مَرْكَبًا، أَوْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ ثَوْبًا، أَوْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ وَجْهًا، أَوْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ دَارًا؟ ، قَالَ: فَقَالَ الْقَاضِي لِشَقِيقٍ: إِنِّي أُعَاهِدُ اللَّهُ، أَوْ قَالَ: أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا، إِنْ دَخَلْتُ فِي عَمَلٍ، حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ .
стр. 68
١٤٤ - سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: طَلَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلادَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْيَمَنِ، فَذَهَبَ عَقْلَهُ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَكَانَ مِنَ الأَبْنَاءِ.
١٤٥ - سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي عَوْنٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ يَسَارٍ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: قَدِمَ أَبُو عَوْنٍ مِصْرَ، وَقَتَلَ بِهَا مَنْ قَتَلَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَلَدِ، أَرْسَلَ إِلَى حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ: ائْتِنِي، قَالَ: فَجَاءَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ: إِنَّا مَعْشَرَ الْمُلُوكِ لا نُعْصَى، فَمَنْ عَصَانَا قَتَلْنَاهُ، قَدْ وَلَّيْتُكَ الْقَضَاءَ، قَالَ: أَوَ آمُرُ أَهْلِي؟ ، قَالَ: اذْهَبْ.
قَالَ: فَجَاءَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ إِلَى أَهْلِهِ، فَغَسَلَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَنَالَ شَيْئًا مِنْ طِيبٍ، وَلَبِسَ أَنْظَفَ مَا قَدِرَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ، قَالَ: ثُمَّ
стр. 69
جَاءَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ: مَنْ جَعَلَ السَّحَرَةَ أَوْلَى بِمَا قَالُوا مِنَّا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] فَلَسْتُ أَتَوَلَّى لَكَ شَيْئًا، قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ فَرَجَعَ.
١٤٦ - سَمِعْتُ الْوَلِيدَ بْنَ شُجَاعٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَذَكَرَ رَجُلا دَخَلَ فِي الْقَضَاءِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: حَسْبُهُ يُكْشَفُ عَنْ أَمْرِهِ.
١٤٧ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الصَّبَّاحِ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: كَتَبَ الْحَكَمُ بْنُ أَيُّوبَ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لِلْقَضَاءِ كُنْتُ أَنَا أَحَدَهُمْ، فَلَوْ بُلِيتُ بِشَيْءٍ مِنْهُ لارْتَحَلْتُ رَاحِلَتِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ فِي الأَرْضِ.
١٤٨ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الصَّبَّاحِ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧] ، قَالَ: الْهَرَبُ.
стр. 70
١٤٩ - وَسَمِعْتُ عَبَّاسًا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: قَالَ لِي بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ: قَدْ فَعَلَ سُفْيَانُ أَمْرًا صَارَ فِيهِ قُدْوَةً، هَرَبَهُ مِنَ السُّلْطَانِ.
١٥٠ - سَمِعْتُ عَبَّاسًا الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ، قَالَ: قِيلَ لابْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سُفْيَانُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهُمْ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أَيُّ أَمْرٍ أَشَدُّ مِنَ الْفِرَارِ.
١٥١ - سَمِعْتُ بَعْضَ الْمَشْيَخَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْمُنْذِرِ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ صَاحِبُ شُعْبَةَ، قَدِمْنَا عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ شَرِيكٌ الْقَضَاءَ، فَسَمِعْنَا سُفْيَانَ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْصُورًا، قَدْ رَأَيْتُ مَنْصُورًا، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ السِّجْنَ، ثُمَّ يَسْكُتُ، ثُمَّ يَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُ مَنْصُورًا، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ السِّجْنُ، وَإِنَّمَا عَرَّضَ بِشَرِيكٍ، يَقُولُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يُحْبَسَ.
١٥٢ - سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَبَسَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى - وَهُوَ وَالِي خُرَاسَانَ - خَالِدَ بْنَ صُبَيْحٍ، حِينَ أَرَادَهُ عَلَى قَضَاءِ خُرَاسَانَ، فَامْتَنَعَ، وَكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ خُرَاسَانَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَأَحْفَظَهُمْ لَهُ، فَحَبَسَهُ الْفَضْلُ فِي السِّجْنِ.
стр. 71
قَالَ الْحَسَنُ: فَكُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ الْمُبَارَكِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا أَبُو يَحْيَى أَكْثَمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ يَا أَبَا يَحْيَى؟ قَالَ: مِنَ السِّجْنِ، دَخَلْتُ عَلَى خَالِدِ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلا لَوْ قُرِضَ بِالْمَقَارِيضِ مَا قَبِلَ الْقَضَاءَ، وَذَلِكَ أَنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: هَبْنِي أُعْلِمِ النَّاسَ بِهَذَا الْكَلامِ، كَيْفَ لِي بِاخْتِلافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَمَا يُدْرِينِي مَا لَحِقَ مِنْهُ، حَتَّى آخُذَ مَالَ هَذَا، وَأَدْفَعَهُ إِلَى هَذَا، وَلا أَدْرِي أَحَقٌّ أَمْ لا، فَتَهَلَّلَ وَجْهُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَسَرَّهُ مَا سَمِعَ، وَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ أَبَا الْهَيْثَمِ خَيْرًا.
١٥٣ - سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ قَالَ: قِيلَ لابْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُ قَدْ سُمِّيَ لِلْوَالِي قَوْمٌ يَسْتَشِيرُهُمْ فِي قَاضٍ يُنَصِّبُهُ بِمَرْوَ، وَذَكَرُوا النَّضْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَخَالِدَ بْنَ صُبَيْحٍ، وَابْنَ الْمُبَارَكِ، وَنَاسًا مِنْ مَشَايِخِ أَهْلِ مَرْوَ، فَغَضِبَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَقَالَ: تُرَاهُمْ طَمِعُوا فِي أَنْ أُشِيرَ عَلَيْهِمْ بِأَحَدٍ، لَوْ ذَكَرُوا لِي الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ مَا أَشَرْتُ بِهِ.
١٥٤ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ الرِّفَاعِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقِيتُ سُفْيَانَ، فَقُلْتُ لَهُ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: حَمَّادَ بْنَ مُوسَى، قُلْتُ: أَنَا آتِيكَ بِهِ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَمَضَيْتُ
стр. 72
إِلَى حَمَّادٍ، فَقُلْتُ: سُفْيَانُ يَدْعُوكَ، فَجَاءَ مَعِي، فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ: تَحْضُرُ، وَنَغِيبُ، وَنُذْكَرُ؟ ! فَإِنْ ذُكِرْتَ فَقُلْ: مُصَابٌ، يَعْنِي مُصَابٌ بِمُصِيبَةٍ
١٥٥ - سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: لَمَّا جِيءَ بِوَكِيعٍ، قَالَ: سَمِّعُوهُ، وَهُوَ يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَى هَارُونَ: تُرَاهُمْ يَكْرَهُونَنَا، تُرَاهُمْ يَضْرِبُونَنَا، إِنْ ضَرَبُونَا صَبَرْنَا.
١٥٦ - قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: لَمَّا عَزَلُوهُ - يَعْنِي ابْنَ شُبْرُمَةَ - شِيعَتُهُ، فَلَمَّا أَفْرَدَنِي وَإِيَّاهُ الْمَسِيرُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَنَا أَحَدٌ، نَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا أَبَا عُرْوَةَ، أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ، أَمَّا إِنِّي لَمْ أَسْتَبْدِلْ بِقَمِيصِي هَذَا قَمِيصًا مُنْذُ دَخَلْتَهَا، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، فَقَالَ: يَا أَبَا عُرْوَةَ، إِنَّمَا أَقُولُ حَلالا، فَأَمَّا الْحَرَامُ فَلا يُسْعَى إِلَيْهِ
١٥٧ - وَسَمِعْتُ نُوحَ بْنَ حَبِيبٍ الْقُومِسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: لَمَّا مَاتَ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي بَعَثَ إِلَيْنَا هَارُونُ، قَالَ: فَجِئْتُ أَنَا وَابْنُ إِدْرِيسَ وَحَفْصٌ، فَقَعَدْنَا فِي سَفِينَةٍ إِلَى بَغْدَادَ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَى هَارُونَ كَانَ بِابْنِ إِدْرِيسَ ارْتِعَاشٌ، قَالَ: فَازْدَادَ ابْنُ إِدْرِيسَ عَلَى بَابِهِ، فَجَعَلَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ، قَالَ: وَإِذَا هَارُونُ قَاعِدٌ عَلَى سَرِيرٍ وَمَعَهُ تُرْكِيٌّ عَرِيضُ الْوَجْهِ، عَظِيمُ الْبَطْنِ، أَوْ قَالَ: كَبِيرُ الْبَطْنِ.
стр. 73
قَالَ: قُلْتُ: لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَقْعُدُ مَعَهُ إِلا هَذَا التُّرْكِيَّ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ هَارُونُ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِابْنِ إِدْرِيسَ، قَالَ: لَيْسَ فِي ابْنِ إِدْرِيسَ حِيلَةٌ، أَوْ لَيْسَ يُنْتَفَعُ بِهِ.
قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى حَفْصٍ فَأَرَادَ أَنْ يُصَيِّرَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ، فَأَبَى عَلَيْهِ حَفْصٌ، وَجَعَلَ يُرَادُّهُ وَيُكَلِّمُهُ، وَحَفْصٌ يَأْبَى، قَالَ: فَأَرَادُونَا فَأَبَيْنَا عَلَيْهِ، وَجَهِدُوا فَأَبَيْنَا، فَتَكَلَّمَ التُّرْكِيُّ وَإِذَا هُوَ مِنْ أَفْصَحِ قُرَيْشٍ لِسَانًا، ثُمَّ قَالَ: لَوْ وَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكُمْ مِثْلَ أَبِي السَّرَايَا، وَأَبِي الرَّعْدِ، وَحَمَّادٍ الْبَرْبَرِيِّ، وَذَكَرَ غَيْرَ وَاحِدٍ، لَقُلْتُمْ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ظَالِمٌ، وَلَّى عَلَيْنَا مَنْ لا يَنْبَغِي، وَإِذَا دَعَاكُمْ إِلَى أَنْ يُصَيِّرَكُمْ أَبَيْتُمْ عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ بِحَفْصٍ حَتَّى قَالَ لَهُ: إِنْ كَانَ وَلا بُدَّ فَكُنْ عَلَى الْكُوفَةِ وَاقْعُدْ فِي بَيْتِكَ.
قَالَ وَكِيعٌ: سَأَلْتُ عَنِ التُّرْكِيِّ، فَقَالُوا: ذَاكَ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ.
١٥٨ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أُقْدِمَ وَكِيعٌ إِلَى هَاهُنَا فَأُرِيدَ عَلَى الْقَضَاءِ فَاسْتَعْفَى فَأُعْفِيَ.
стр. 74
١٥٩ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَمَّا قُدِمَ بِابْنِ إِدْرِيسَ إِلَى هَاهُنَا كَانَ بِهِ ارْتِعَاشٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى هَارُونَ جَعَلَ يَزْدَادُ ارْتِعَاشُهُ، فَأُعْفِيَ، يَعْنِي عَنِ الْقَضَاءِ.
١٦٠ - سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: بَعَثَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: مَا يُرِيدُ الأَمِيرُ مِنِّي؟ قَالَ: يُوَلِّيكَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ، قَالَ: مَكَانَكَ، قَالَ: فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَدَعَا بِجَارِيَةٍ لَهُ، فَقَالَ: خُذِي شَعْرِي جُزِّيهِ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ لَبِسَ خَلَقَانَ ثِيَابِهِ، فَخَرَجَ فَمَشَى مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الأَمِيرِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، وَقَدْ شَوَّهَ خَلْقَهُ، قَالَ: فَعَلَ اللَّهُ بِمَنْ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهَذَا وَفَعَلَ، اذْهَبْ، فَأَخْرَجَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى آخَرَ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَذَكَرَ لِي غَيْرُ ابْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، فَدَعَاهُ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: مَا يُرِيدُ مِنِّي الأَمِيرُ؟ قَالَ: يُوَلِّيكَ الْقَضَاءَ، قَالَ: مَكَانَكَ، فَدَخَلَ فَلَبِسَ أَحْسَنَ كِسْوَتِهِ، وَتَعَمَّمَ بِعِمَامَةٍ حَسَنَةٍ، وَتَزَيَّنَ، ثُمَّ،
стр. 75
خَرَجَ مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الأَمِيرِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، قَالَ: فُلانُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِثْلُ هَذَا فَلْيُشَرْ بِهِ، قَدْ وَلَّيْنَاكَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ قَاضِيًا.
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: اخْتَارَ ذَاكَ لِدِينِهِ، وَاخْتَارَ هَذَا لِدُنْيَاهُ
١٦١ - وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ فُتْيَا ابْنِ أَبِي لَيْلَى، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهُ لِئَلا يَجِيءَ بِهِ، وَذَاكَ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى كَانَ عَلَى الْقَضَاءِ.
١٦٢ - وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْخَلِيلِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ شُرَيْحًا اسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، كَبِرَتْ سِنُّكَ، وَرَقَّ جِلْدُكَ، وَارْتَشَى أَهْلُكَ، قَالَ: أَوَ كَذَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لا تَسْتَقْبِلْنِي أَنْتَ وَلا غَيْرُكَ بِهَذَا الْكَلامِ أَبَدًا.
قَالَ: فَمَضَى حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَاسْتَعْفَاهُ، وَشَكَى إِلَيْهِ ضَعْفَهُ، وَكِبَرَ سِنِّهِ، فَقَالَ: لَسْتُ أُعْفِيكَ حَتَّى تُشِيرَ عَلَيَّ بِرَجُلٍ أُصَيِّرُهُ مَكَانَكَ، قَالَ: أَفْعَلُ، قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، فَاسْتَقْضَاهُ، وَأَعْفَى شُرَيْحًا، فَلَقِيَهُ الشَّعْبِيُّ بَعْدُ، فَقَالَ: أَلا أَشَرْتَ بِي، قَالَ: خَيْرٌ لَكَ إِذْ لَمْ أَفْعَلْ.
١٦٣ - سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شَدَّادٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ حَسَنَ بْنَ زِيَادٍ بِطَرَسُوسَ يَقُولُ: لَمَّا مَاتَ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: فِيكُمُ السَّاعَةَ أَحَدٌ يُغْبِطُهُ؟
следующие страницы →