← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 935

توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم عند المفسرين - دراسة في تفسيري الرازي والألوسي

ريم عبد الفتاح البحيري

Полный текст (238 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المطلب الرابع مآخذ على منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم لا يخلو توجيه الإمام الرازي للمتشابه اللفظي في القرآن الكريم من بعض المآخذ على أهميته في مجاله كأي عمل بشري لابد أن يعتريه بعض النقص. ومن هذه المآخذ: أولًا: يؤخذ على الإمام الرازي أنه ترك الكثير من مسائل المتشابه اللفظي دون توجيه، وحين يتحدث الإمام الرازي في توجيه آيات المتشابه اللفظي فالقارئ يتوقع منه أن يذكر توجيه جميع المسائل لأنه عالم بحر يوسع ويستفيض، ولعلنا نجد له عذرًا أن تفسيره لا يُعتبر كتابًا خاصًا بالمتشابه اللفظي، كما أنه لم يسبقه كتابًا خاصًا بالمتشابه اللفظي، باستثناء درة التنزيل للإمام الإسكافي والبرهان للإمام الكرماني، ولم يأت حتى الآن من استوعب توجيه جميع مسائل المتشابه اللفظي في كتاب واحد. ثانيًا: أيضًا يؤخذ على الإمام الرازي أنه أورد بعض المسائل دون توجيه فجعل القارئ في حاجة إلى معرفة سبب اختلاف الألفاظ ثم لم يذكر أي توجيه، وقد ذكرت أمثلة على ذلك، كما أنه قام باختصار بعض المواضع التي كانت تحتاج إلى بسط. ثالثًا: أيضًا يؤخذ عليه أنه لم يشر إلى كتاب درة التنزيل للإمام الإسكافي رغم إطلاعه عليه.

стр. 107

المبحث الرابع أنواع المتشابه اللفظي في تفسير الإمام الرازي مع ذكر نماذج الإمام الرازي في تفسيره تعرض لأنواع المتشابه اللفظي المختلفة وتناولها بالتوجيه وبيان الفرق بين المواضع، بشكل يؤكد ويبرز بلاغة المتشابه اللفظي في تفسيره. وقد سبق الحديث على أنواع المتشابه اللفظي في الفصل الأول وبتطبيق هذه الأنواع على تفسير الرازي نجد أن الإمام الرازي قد استوعب كل الأنواع بالإضافة إلى إكثاره من توجيه المكرر. *أمثلة من تفسير الإمام الرازي على أنواع المتشابه اللفظي: النوع الأول: المتشابه بالتقديم والتأخير: أكثر الإمام الرازي من توجيه المتشابه من نوع التقديم والتأخير ومثال ذلك: قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١): «السؤال السادس: لم ذكر في البقرة: وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة وفي الأعراف قدم المؤخر؟ الجواب: الواو للجمع المطلق وأيضا فالمخاطبون بقوله: ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة، يحتمل أن يقال: إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين، فالمذنب لا بد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدما على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولا «حطة» ثم يدخلوا الباب سجدا، وأما الذي لا يكون مذنبا فالأولى به أن يشتغل أولا بالعبادة ثم يذكر التوبة، ثانيا: على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجدا أولا ثم يقولوا حطة ثانيا، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى» (٢). ومثال آخر: قوله في تفسير قول الله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى

стр. 108

الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١): «لقائل أن يقول: إنه تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (٢)، فقدم ذكر النفس على ذكر المال، وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله (والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم) قدم ذكر المال على النفس، فما السبب فيه؟ وجوابه: أن النفس أشرف من المال، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهًا على أن الرغبة فيها أشد، والبائع أخر ذكرها تنبيهًا على أن المضايقة فيها أشد، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب» (٣). النوع الثاني: المتشابه بالإبدال: ومن ذلك ما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). لقائل أن يقول: إنه تعالى قال ههنا (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا) وقال في الأعراف (فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا) فعطف " كلا " على قوله " اسكن" في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء فما الحكمة؟ الجواب: كل فعل عطف عليه شئ، وكان الفعل بمنزلة الشرط، وذلك الشئ بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ (٥) فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء لما كان وجود الأكل متعلقًا بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصول إلى الأكل، والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة الأعراف ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ (٦)، فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء؛ لأن اسكنوا من السكنى وهي المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن لأن من دخل بستانًا قد يأكل

стр. 109

منه وإن كان مجتازًا فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء إذا ثبت هذا فنقول: إن "اسكن" يقال لمن دخل مكانًا فيراد منه الزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل عنه، ويقال أيضًا لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله واسكن فيه ففي سورة البقرة هذا الأمر إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث والاستقرار، وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو، وفي سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول الجنة، وقد بينا أن الأكل يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الفاء والله أعلم» (١). مثال آخر: قال الإمام الرازي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢): «قال ههنا (٣) ﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا﴾ وقال في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً﴾ (٤) قلنا: هما وإن كانا في المعنى واحدًا على ما تقدم بيانه لكن لفظ الترك يدل على الجعل والفراغ بالأيام فكأنها هنا مذكورة بالتفصيل حيث أن الأمطار من السماء وتفجير الأرض وذكر السفينة بقوله ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ (٥)، وذكر جريها فقال: ﴿تَّرَكْنَاهَا﴾ إشارة إلى تمام الفعل المقدور، وقال هناك (وَجَعَلْنَاهَا) إشارة إلى بعض ذلك» (٦). النوع الثالث: المتشابه بالإثبات والحذف ومن ذلك قول الإمام الرازي عند تفسيره قوله تعالى: «السؤال الخامس: لم ذكر قوله: رغدا في البقرة وحذفه في الأعراف؟

стр. 110

الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغدا، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه» (١). النوع الرابع: المتشابه بالجمع والإفراد: ومن ذلك قوله قال الرازي: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾: «ذكر ههنا: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ وفي آل عمران: ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَات﴾ ولقائل أن يقول لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو "أيامًا"؟ والجواب: أن الاسم كان مذكرًا فالأصل في صفة الجمع التاء يقال كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان الأصل في صفة الجمع الألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادرًا نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى (في أيام معدودات) و (في أيام معلومات) فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل (أيامًا معدودة)، وفي آل عمران بما هو الفرع» (٢). النوع الخامس: المتشابه بالتذكير والتأنيث: ومن ذلك قوله في تفسير قول الله : ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (٣): «قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ الضمير عائد إلى الإنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها، وذكر النحويون فيها وجوهًا: الأول: أن لفظ الأنعام لفظ مفرد وضع لافادة جمع، كالرهط والقوم والبقر والنعم، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الجمع، وهو التأنيث، فلهذا السبب قال ههنا في بطونه، وقال في سورة المؤمنين (في بطونها) الثاني قوله (في بطونه) أي في بطون ما ذكرناه وهذا جواب الكسائي، قال المبرد: هذا شائع في القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا﴾ يعني هذا الشئ

стр. 111

الطالع ربي وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ (١)، أي: ذكر هذا الشئ، واعلم أن هذا يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي، أما الذي تأنيثه حقيقًا، فلا يجوز، فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ذهب، ولا غلامك ذهبت على تقدير أن نحمله على النسمة، الثالث: أن فيه إضمارًا والتقدير: نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن» (٢). مثال آخر: قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ (٣): «أنه تعالى ذكر ههنا (فَتَنْفُخُ فِيهَا) وذكر في آل عمران (فَأَنْفُخُ فِيهِ). والجواب: أن قوله (كهيئة الطير) أي هيئة مثل هيئة الطير فقوله (فتنفخ فيها) الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضافة إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخة في شئ. إذا عرفت هذا فنقول: الكاف تؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي مثل هيئة الطير وتذكر بحسب الظاهر. وإذا كان كذلك جاز أن يقع الضمير عنها تارة على وجه التذكير وأخرى على وجه التأنيث» (٤). النوع السادس: المتشابه بالتعريف والتنكير: ومن ذلك قوله عند تفسيرقوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٥): «فإن قيل: قال ههنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ذكر الحق بالألف واللام معرفة، وقال في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٦) نكرة وكذلك في هذه السورة: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٧) فما الفرق؟ الجواب: الحق معلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل،

стр. 112

قال ﵇: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق» (١)، فالحق المذكور بحرف التعريف إشارة إلى هذا، وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره البتة (٢). النوع السابع: المتشابه بالإظهار والإضمار: ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٣): «فإن قيل: لم قالوا في هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وقالوا في تلك الآية ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾. قلت: الفرق والله أعلم أن هذه الآية في مقام الهيبة، يعني أن الإلهية تقتضي الحشر والنشر لينتصف المظلومين من الظالمين، فكان ذكره باسمه الأعظم أولى في هذا المقام، أما قوله في آخر السورة ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ فذاك المقام مقام طلب العبد من ربه أن ينعم عليه بفضله، وأن يتجاوز عن سيئاته فلم يكن المقام مقام هيبة، فلا جرم قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾» (٤). النوع الثامن: المتشابه باختلاف الصيغة الصرفية: ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: «قال: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)، وأما هود ﵇ فقال: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (٦) فنوح ﵇ قال (أَنْصَحُ لَكُمْ) وهو صيغة الفعل وهود ﵇ قال: (وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ) وهو صيغة اسم الفاعل ونوح ﵇ قال ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهود ﵇ لم يقل ذلك، ولكنه زاد فيه كونه أمينًا، والفرق بين الصورتين أن الشيخ عبد القاهر النحوي ذكر في كتابه دلائل الإعجاز أن صيغة الفعل تدل على التجدد ساعة فساعة، وأما صيغة اسم الفاعل فإنها دالة على الثبات والاستمرار على ذلك الفعل.

стр. 113

وإذا ثبت هذا فنقول: أن القوم كانوا يبالغون في السفاهة على نوح ﵇، ثم أنه في اليوم الثاني كان يعود إليهم ويدعوهم إلى الله، وقد ذكر تعالى عنه ذلك فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ (١) فلما كانت عادة نوح ﵇ العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة لا جرم ذكره بصيغة الفعل، فقال (وَأَنْصَحُ لَكُمْ) وأما هود ﵇ فقال (وأنا لكم ناصح) يدل على كونه مثبتًا في تلك النصيحة مستقرًا فيها» (٢). النوع التاسع: المتشابه بالإجمال والتفصيل: ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٣): «فإن قيل: وما الحكمة ههنا من ذكر الثلاثين ثم إتمامها بعشر؟ وأيضًا فقوله (فتم ميقات ربه أربعين ليلة) كلام عار عن الفائدة، لأن كل أحد يعلم أن الثلاثين مع العشر يكون أربعين. قلنا أما الجواب عن السؤال الأول من وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى أمر موسى عليه وسلم يصوم ثلاثين يومًا وهو شهر ذي القعدة فلم أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأوحى الله تعالى إليه أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب. الوجه الثاني: في فائدة هذا التفضيل أن الله أمره أن يصوم ثلاثين يومًا وأن يعمل فيها ما يقربه إلى الله تعالى ثم أنزلت التوارة عليه في العشر البواقي، وكلمه أيضًا فيه. فهذا هو الفائدة في تفصيل الأربعين إلى الثلاثين وإلى العشرة. الوجه الثالث: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني في سورة طه ما دل على أن موسى بادر إلى ميقات ربه قبل موته، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى

стр. 114

أَثَرِي﴾ (١) فجائز أن يكون موسى أتى الطور عند تمام الثلاثين، فلما أعلمه الله خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه قبل تمام ما وعده الله تعالى، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى، فتم أربعين ليلة. الوجه الرابع: قال بعضهم لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى ﵇ وحده، والوعد الثاني حضره المختارون معه ليسمعوا كلام الله تعالى، فصار الوعد مختلفًا لاختلاف حال الحاضرين. والله أعلم. والجواب عن السؤال الثاني: أنه تعالى إنما قال (أربعين ليلة) إزالة لتوهم أن ذلك العشر من الثلاثين، كأنه كان عشرين ثم أتمه بعشر، فصار ثلاثين، فأزال هذا الإيهام» (٢). النوع العاشر: المتشابه بالإضافة وعدمها ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ (٣): «وعلى ذلك ففيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (٤)، وقال ههنا (بَطْشَتَنَا) ولم يقل (بطشنا) وذلك لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ بيان لجنس بطشه، فإذا كان جنسه شديد فكيف الكبرى منه؟، وأما لوط ﵇ فذكر لهم البطشة الكبرى لئلا يكون مقصرًا في التبليغ» (٥). وبهذا فإن الإمام الرازي استوعب في تفسيره جميع أنواع المتشابه اللفظي بالإضافة إلى إكثاره من توجيه المكرر من الآيات والقصص، وقد ذكرت أمثلة كثيرة من قبل.

стр. 115

الفصل الثالث الإمام الألوسي ومنهجه في توجيه المتشابه اللفظي للقرآن الكريم ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالإمام الألوسي ونشأته وحياته وأهم كتبه. المبحث الثاني: التعريف بتفسير الإمام الألوسي (روح المعاني). المبحث الثالث: منهج الإمام الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الأول: أهم الملامح والسمات التي تميز بها منهج الإمام الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الثاني: مصادر الإمام الآلوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم أولًا: العلماء الذين نقل عنهم الإمام الألوسي وذكرهم في تفسيره. ثانيًا: موقف الإمام الألوسي من علماء المتشابه اللفظي. ثالثًا: أثره في المعاصرين المطلب الثالث: ما انفرد به الإمام الألوسي عن جميع علماء المتشابه اللفظي. المطلب الرابع: مآخذ على منهج الإمام الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المبحث الرابع: أنواع المتشابه اللفظي في تفسير الإمام الألوسي مع ذكر بعض النماذج.

стр. 116

المبحث الأول التعريف بالإمام الألوسي ونشأته وحياته وأهم كتبه أولًا: نسبه ولقبه: هو الشيخ شهاب الدين محمود بن السيد عبد الله أفندي الآلوسي البغدادي ينتهي نسبه الشريف من جهة الأب إلى الحسين بن علي ﵄، ومن جهة الأم إلى الحسن بن علي ﵄ (١). والآلوسي نسبة إلى قرية آلوس، جاء في معجم البلدان: «ألوس: اسم رجل سميت به بلدة على الفرات» (٢). ثانيًا: مولده: وُلد يوم الجمعة منتصف شعبان في العام السابع عشر بعد الألف والمائتين. (٣) ثالثًا: مكانته: قال د/ حسين الذهبي (٤): «كان ﵀ شيخ العلماء في العراق، وآية من آيات الله العظام، ونادرة من نوادر الأيام، جمع كثيرًا من العلوم، حتى أصبح علامة في المنقول والمعقول، فهامة في الفروع والأصول، محدثًا لا يجاري، ومفسرًا لكتاب الله لا يباري … وكان كثيرًا ما ينشد: سهري لتنقيح العلوم ألذ لي … من وصل غانية وطيب عناق» (٥).

стр. 117

رابعًا: مذهبه العقدي: أما بالنسبة لعقيدته: «من الصعب جدًا أن نصدر حكمًا قولًا واحدًا على عقيدة الآلوسي وذلك لتعدد مشاربه، فعيقدته تتجاذبها أربعة مذاهب: مذهب السلف، ومذهب التفويض، ومذهب الأشاعرة، ومذهب التصوف والغالب عليه مذهب السلف، وبما أن الحكم للغالب والآلوسي عُرف عنه الصدق في القصد وسعة العلم والذكاء وتحريه للحق والتمسك بالدليل، ولم يكن له مذهب باطل يتعصب له في معتقده ويدافع عنه، فإنه يمكن أن نقول "أنه سلفي في الجملة» (١). قال د/ حسين الذهبي: «وكان ﵀ عالما باختلاف المذاهب، مطلعًا على الملل والنحل، سلفي الاعتقاد، ونراه في كتابه روح المعاني يفصح عن مذهبه، فقد ذهب إلى ما ذهب إليه جمهور السلف في الصفات إذ قال: " ثم اعلم أن كثيرًا من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء واليد والقدم والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها من المتشابه، ومذهب السلف والأشعري ﵀ من أعيانهم كما أبانت عن حاله الإبانة أنها صفات ثابتة وراء العقل ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التجسيم والتشبيه لئلا يضاد النقل العقل» (٢). ومما يؤكد ذلك ما جاء في وصيته لأبنائه قبل وفاته حيث كتب لهم: " يابَني عليكم في باب العقائد بعقيدة السلف فإنها أسلم بل أنصف، وهي أعلم وأحكم، فهي أبعد عن القول عن الله بما لا يُعلم (٣).

стр. 118

خامسًا: مذهبه الفقهي: قال الذهبي عن مذهبه الفقهي: «كان ﵀ يُقلد الإمام الأعظم أبا حنيفة النعمان - رضى الله عنه - في كثير من المسائل، وكان في آخر أمره يميل إلى الاجتهاد» (١). وقال أيضًا حفيده أبو المعالي محمود شكري الألوسي (٢): «وكان في صباه شافعي المذهب، لا يميل لسواه ولا يذهب إلى غيره، وقلد مدة إفتائه الإمام أبا حنيفة في معاملاته وبقي على ما كان عليه في عباداته وكان بعد عزله يقول: أنا شافعي ما لم يظهر لي الدليل، وإلا فليس عن العمل به محيل، حيث أن العالم إذا علم الدليل لا يعذر بالتقليد، وليس عن العمل باجتهاده من محيد» (٣). مؤلفاته: له مؤلفات كثيرة تدل على غزارة علمه ومن أهم مؤلفاته العلمية: ١) «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني»، تفسيره ويعد موسوعة علمية قيمة في علم التنزيل. ٢) «الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية»؛ تصدى فيها لأسئلة الروافض. ٣) «النفحات القدسية في الرد على الإمامية». ٤) «نشوة الشمول في السفر إلى إسلامبول وهو عن رحلته إلى الأستانة». ٥) «غرائب الاغتراب». ٦) «دقائق التفسير».

стр. 119

٧) «حاشية قطر الندى». ٨) «المقامات الآلوسية». ٩) «رسالة في الجهاد». وغيرها كثير من الرسائل والمؤلفات المطبوعة والمخطوطة. وفاته: تُوفي رحمه الله تعالى في حادي وعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ألف ومائتين وسبعين، وبلغ عمره نحو ثلاث وخمسين سنة (١).

стр. 120

المبحث الثاني التعريف بتفسير الألوسي (روح المعاني) أولًا: سبب كتابة الألوسي لتفسيره: يقول الإمام الألوسي في مقدمة تفسيره عن السبب الحامل له على تأليف تفسيره: «رأيت في بعض ليالي الجمعة من رجب الأصم سنة الألف والمائتين والاثنتين والخمسين بعد هجرة النبي ﷺ رؤية لا أعدها أضغاث أحلام، ولا أحسبها خيالات أوهام، أن الله جل شأنه وعظم سلطانه أمرني بطي السماوات والأرض، ورتق فتقهما على الطول والعرض، فرفعت يدا إلى السماء، وخفضت الأخرى إلى مستقر الماء، ثم انتبهت من نومتي وأنا مستعظم رؤيتي، فجعلت أفتش لها عن تعبير، فرأيت في بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير، فرددت حينئذ على النفس تعللها القديم، وشرعت مستعينا بالله تعالى العظيم» (١). أما بالنسبة لسبب تسمية تفسيره بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني»: يقول الدكتور حسين الذهبي ﵀: «ولما انتهى منه جعل يفكر ما اسمه؟ وبماذا يدعوه؟ فلم يظهر له اسم تهتش له الضمائر؟ وتبتش من سماعه الخواطر، فعرض الأمر على وزير الوزراء على رضا باشا، فسماه على الفور: (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» (٢). مكانة هذا التفسير من التفاسير التي تقدمته: «هذا التفسير - والحق يقال - قد أفرغ فيه مؤلِّفه وسعه، وبذل جهده، حتى أخرجه للناس تفسيراً جامعاً لآراء السلف رواية ودراية، ومشتملاً على أقوال الخلف بكل أمانة وعناية، فهو جامع لخلاصة ما سبقه من التفاسير، فتراه ينقل لك عن تفسير ابن عطية، وتفسير أبي حيان، وتفسير الكشاف، وتفسير أبي السعود، وتفسير البيضاوي، وتفسير الفخر الرازي وغيرها من كتب التفاسير المعتبرة. وهو إذا نقل عن تفسير أبي السعود يقول غالباً: قال شيخ الإسلام وإذا نقل عن تفسير البيضاوي يقول: قال القاضي وإذا نقل عن تفسير الفخر الرازي يقول - غالبًا -: قال الإمام وهو إذ ينقل

стр. 121

عن هذه التفاسير ينصب نفسه حكماً عدلاً بينها، ويجعل من نفسه نقاداً مدققاً، ثم يبدي رأيه حرًا فيما ينقل، فتراه كثيراً يعترض على ما ينقله عن أبي السعود، أو عن البيضاوي، أو عن أبي الحيان أو عن غيرهم. كما تراه يتعقب الفخر الرازي في كثير من المسائل، ويرد عليه على الخصوص في بعض المسائل الفقهية، انتصارًا منه لمذهب أبي حنيفة، ثم إنه إذا استصوب أمرًا لبعض من ينقل عنهم، انتصر لهم ورجحه على ما عداه» (١). قال الدكتور محمد المغراوي حفظه الله: «وعلى كل حال فكتاب الآلوسي يُعتبر موسوعة كبيرة في كثير من أنواع العلوم، وعنده صبر على تطويل البحوث» (٢). «وجملة القول فروح المعاني للعلامة الآلوسي ليس الا موسوعة تفسيرية قيمة، جمعت جل ما قاله علماء التفسير الذين تقدموا عليه، مع النقد الحر، والترجيح الذي يعتمد على قوه الذهن وصفاء القريحة، وهو وإن كان يستطرد إلى نواح علمية مختلفة، مع توسع يكاد يخرج عن مهمته كمفسر إلا أنه متزن في كل ما يتكلم فيه، مما يشهد له بغزارة العلم على اختلاف في نواحيه، وشمول الإحاطة بكل ما يتكلم فيه، فجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء، إنه سميع مجيب» (٣). أما بالنسبة لمنهج الإمام الألوسي في تفسيره: يمكن اعتبار منهج الإمام الآلوسي ﵀ في تفسيره منهج شامل تقريبا لكل مناحى التفسير، من بيان، ولغة، وتعرض لأسباب النزول والقراءات، والمسائل النحوية، والمسائل الفقهية، والعلوم الكونية، واستعراض للآراء المختلفة في التفسير، والتعقيب عليها بالتفنيد، أو القبول، أو الترجيح والموازنة، وغير ذلك، مما جعل تفسيره موسوعة شاملة لشتى العلوم والفنون.

стр. 122

ويمكن إجمال منهجه في التفسير فيما يلي: يستهل تفسيره ﵀ بذكرٍ مكان نزول السورة وهل هي مكية أم مدنية ثم يذكر أسماء السورة وفضائلها، ثم يذكر مناسبات السور والآيات ومقاصد السور كذالك (١).

стр. 123

المبحث الثالث منهج الإمام الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم الإمام الألوسي قام بتوجيه عدد لا بأس به من مسائل المتشابه اللفظي حوالي مائة وخمسين مسألة، أطال التوجيه أحيانًا، واختصر التوجيه في أغلبها. ومن خلال هذا المبحث سأبين بعون الله وتوفيقه أهم الملامح والسمات التي تميز بها منهج الإمام الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الأول أهم الملامح والسمات التي تميز منهج الإمام الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم القسم الأول: المسلك العام للإمام الألوسي في توجيه المتشابه: • أولًا: طريقة الإمام الألوسي في عرض المتشابه: اختلف الإمام الألوسي عن الإمام الرازي في طريقة عرض المتشابه فقد ترك أسلوب الخطاب والمناقشة الذي اعتمده الإمام الإسكافي في الدرة، ومن سار على دربه ممَّن صنف في هذا العلم، وعمد مباشرةً إلى ذكر المتشابه اللفظي وبيان الفرق بين الموضعين كالإمام الكرماني (١). مثال ذلك: قال الإمام الألوسي عند تفسيره قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢): «وبعض صحح أن القرآن في نفسه هدى في كل شيء حتى معرفة الله تعالى لمن تأمل في أدلته العقلية وحججه اليقينية كما يشعر به ظاهر قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (٣) ويكون الاقتصار على المتقين هنا بناء على تفسيرنا الهداية مدحاً لهم ليبين سبحانه أنهم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ

стр. 124

يخشاها﴾ (١) مع عموم إنذاره ﷺ وأما غيرهم فلا ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالاخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ (٢)، و ﴿لا يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا﴾ (٣). مثال آخر: قال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُنظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤): «وذكر أن التحقيق أنه سبحانه قال هنا: ﴿ثُمَّ يُنظروا﴾ وفي غير ما موضع ﴿فيُنظروا﴾ (٥)؛ لأن المقام هنا يقتضي ثم دونه في هاتيك المواضع وذلك لتقدم قوله تعالى فيما نحن فيه: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مكناهم فِى الارض﴾ (٦) مع قوله : ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (٧)، والأول يدل على أن الهالكين طوائف كثيرة. والثاني يدل على أن المنشأ بعدهم أيضاً كثيرون فيكون أمرهم بالسير دعاء لهم إلى العلم بذلك فيكون المراد به استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد على كثرتها ليروا الآثار في ديار بعد ديار وهذا مما يحتاج إلى زمان ومدة طويلة تمنع من التعقيب الذي تقتضيه الفاء ولا كذلك في المواضع الاخر اه، ولا يخلو عن دغدغة. واختار غير واحد أن السير متحد هناك وهنا ولكنه أمر ممتد يعطف النظر عليه بالفاء تارةُ نظرًا إلى آخره وتارةً أخرى نظراً إلى أوله وكذا شأن كل ممتد «(٨). فالإمام الألوسي عرض المتشابه مباشرة ثم ذكر التوجيه دون أن يطرح سؤال وجواب. ثانيا: أسلوب الإمام الألوسي في التوجيه: أ. أسلوب الإمام الألوسي في التوجيه يشبه كثيرًا أسلوب الإمام الرازي فيمتاز في أغلب المواضع بالإيجاز، والسهولة، والاختصار التي لا يُشعر القارئ بالملل، لكنه قام باختصار بعض المسائل في حين أنها تحتاج إلى بسط، وهذا مما يؤخذ عليه.

стр. 125

ومن الأمثلة على الايجاز والاختصار في التوجيه: قال الإمام الألوسي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (١): «وغير سبحانه الأسلوب حيث قال أولاً: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ (٢) وهنا ﴿وَإِذَا قُلْنَا﴾ بضمير العظمة لأن في الأول خلق آدم واستخلافه، فناسب ذكر الربوبية مضافاً إلى أحب خلفائه إليه وهنا المقام مقام إبراد أمر يناسب العظمة وأيضاً في السجود تعظيم، فلما أمر بفعله لغيره أشار إلى كبريائه الغنية عن التعظيم» (٣). وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤) قال: «وفصلت الآية السابقة بـ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥)؛ لأنها كانت لبيان الأحكام والمصالح والمنافع والرغبة فيها التي هي محل تصرف العقل والتبيين للمؤمنين فناسب التفكر، وهذه الآية بـ ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ لأنها تذييل للإخبار بالدعوة إلى الجنة والنار التي لا سبيل إلى معرفتها إلا النقل والتبيين لجميع الناس فناسب التذكر» (٦). أيضًا عند تفسيره لقول الله : ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ (٧) قال: «لا تعارض بين ماهنا وقوله سبحانه: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ (٨) بناء على أن الجان هي الحية الصغيرة لما قالوا: إن القصة غير واحدة، أو أن المقصود من ذلك تشبيهاً في خفة الحركة بالجان لا بيان جثتها، أو لما قيل: إنها انقلبت جاناً وصارت ثعباناً فحكيت الحالتان في آيتين» (٩). من خلال الأمثلة السابقة يتضح سهولة أسلوب الإمام الألوسي في التوجيه وإيجازه، وهذا هو الغالب على أكثر توجيهاته.

стр. 126

*ومن الأمثلة على أنه قام باختصار بعض المسائل في حين أنها تحتاج إلى بسط: عندما تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (١) قال: «والمراد بها العموم لقرينة المقام وعدم المرجح أي أيّ مكان من الجنة شئتما وأباح لهما الأكل كذلك إزاحة للعذر في التناول مما حظر، ولم تجعل متعلقة بـ ﴿اسكن﴾، لأن عموم الأمكنة مستفاد من جعل الجنة مفعولا به له، مع أن التكريم في الأكل من كل ما يريد منها لا في عدم تعيين السكنى ولأن قوله تعالى في آية أخرى: ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (٢) يستدعي ما ذكرنا» (٣). وفي الموضع الثاني (سورة الأعراف) عند تفسيره لقول الله : ﴿وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤): «﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ لتعميم التشريف والإيذان بتساويهما في مباشرة المأمور به فإن حواء أسوة له ﵇ في حق الأكل بخلاف السكنى فإنها تابعة له فيها ولتعليق النهي الآتي بهما صريحاً، والمعنى فكلا منها حيث شئتما كما في البقرة، ولم يذكر ﴿رَغَدًا﴾ هنا ثقة بما ذكر هناك» (٥). فالإمام الألوسي لم يبين الفرق بين موضعي المتشابه: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾، ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ عند تفسيره لموضعي المتشابه في سورتي البقرة والأعراف، مع أن المقام يحتاج إلى بسط. ب. إطالة التوجيه أحيانًا، بل وذكر عدة أوجه لاختلاف الألفاظ من موضع لأخر: مثال ذلك: قال عند تفسيره قول الله : ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦): «﴿قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ كرر للتأكيد،

стр. 127

فالفصل لكمال الاتصال والفاء في ﴿فَتَلَقَّى﴾ (١) للاعتراض، إذ لا يجوز تقدم المعطوف على التأكيد، وفائدته الإشارة إلى مزيد الاهتمام بشأن التوبة وأنه يجب المبادرة إليها، ولا يمهل فإنه ذنب آخر مع ما في ذلك من إظهار الرغبة بصلاح حاله ﵇ وفراغ باله، وإزالة ما عسى يتشبث به الملائكة ﵈، وقد فضل عليهم وأمروا بالسجود له، أو كرر ليتعلق عليه معنى آخر غير الأول، إذ ذكر إهباطهم أولاً: للتعادي وعدم الخلود، والأمر فيه تكويني. وثانياً: ليهتدي من يهتدي، ويضل من يضل، والأمر فيه تكليفي، ويسمى هذا الأسلوب في البديع الترديد فالفصل حينئذ للانقطاع لتباين الغرضين، وقيل: إن إنزال القصص للاعتبار بأحوال السابقين، ففي تكرير الأمر تنبيه على أن الخوف الحاصل من تصور إهباط آدم ﵇ المقترن بأحد هذين الأمرين من التعادي والتكليف كاف لمن له حزم، وخلا عن عذر أن تعوقه عن مخالفة حكمه تعالى، فكيف المخالفة الحاصلة من تصور الإهباط المقترن بهما؟ فلو لم يعد الأمر لعطف ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ على الأول: فلا يفهم إلا إهباط مترتب عليه جميع هذه الأمور، ويحتمل على بعد أن تكون فائدة التكرار التنبيه على أنه تعالى هو الذي أراد ذلك، ولولا إرادته لما كان ما كان؛ ولذلك أسند الإهباط إلى نفسه مجرداً عن التعليق بالسبب بعد إسناد إخراجهما إلى الشيطان، فهو قريب من قوله عز شأنه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ (٢) وقال الجبائي: إن الأول: من الجنة إلى السماء. والثاني: منها إلى الأرض، ويضعفه ذكر ﴿وَلَكُمْ فِى الارض مُسْتَقَرٌّ﴾ (٣) عقيب الأول و ﴿جَمِيعاً﴾ حال من فاعل ﴿اهبطوا﴾ أي مجتمعين، سواء كان في زمان واحد أو لا، وقد يفهم الاتحاد في الزمان من سياق الكلام، كما قيل به في ﴿فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٤) وأبعد ابن عطية فجعله تأكيداً لمصدر محذوف أي هبوطاً جميعاً» (٥). مثال آخر: أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (٦) قال: «﴿وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب والحكمة﴾

стр. 128

صفة إثر صفة وأخرت لأن تعليم الكتاب وتفهيم ما انطوى عليه من الحكمة الإلهية والأسرار الربانية إنما يكون بعد التخلي عن دنس الشرك ونجس الشك بالاتباع، وأما قبل ذلك فالكفر حجاب، وقدم التزكية على التعليم في هذه الآية وأخرها عنه في دعوة إبراهيم لاختلاف المراد بها في الموضعين، ولكل مقام مقال، وقيل: التزكية عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة إلا أنها وسطت بين التلاوة والتعليم المترتب عليها للإيذان بأن كلاً من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر ولو روعي ترتيب الوجود كما في دعوة إبراهيم ﵊ لتبادر إلى الفهم كون الكل نعمة واحدة، وقيل: قدمت التزكية تارة وأخرت أخرى لأنها علة غائية لتعليم الكتاب والحكمة، وهي مقدمة في القصد والتصور مؤخرة في الوجود والعمل فقدمت وأخرت رعاية لكل منهما، واعترض بأن غاية التعليم صيرورتهم أزكياء عن الجهل لا تزكية الرسول ﵊ إياها المفسرة بالحمل على ما يصيرون به أزكياء لأن ذلك إما بتعليمه إياهم أو بأمرهم بالعمل به فهي إما نفس التعليم أو أمر لا تعلق له به، وغاية ما يمكن أن يقال: إن التعليم باعتبار أنه يترتب عليه زوال الشك وسائر الرذائل تزكيته إياهم فهو باعتبار غاية وباعتبار مغيا كالرمي. والقتل في قولهم: رماه فقتله فافهم» (١). *أيضًا قام بتوجيه آيات المتشابه اللفظي الخاصة بالحروف المقطعة وأطال التوجيه ونقل الكثير من الآراء (٢). ج. طول النفس في توجيه جميع مسائل المتشابه اللفظي بين الآيات في بعض المواضع. ومن ذلك تناول الإمام الألوسي للفروق بين آيتي الأمر بدخول القرية في سورتي البقرة والأعراف حيث قال: «وقد ذكر مولانا الإمام الرازي رحمه الله تعالى أن هذه الآية ذكرت في الأعراف مع مخالفة من وجوه لنكات. الأول: قال هنا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ (٣) لما قدم ذكر النعم؛ فلا بد من ذكر

стр. 129

المنعم، وهناك ﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ (١) إذ لا إبهام بعد تقديم التصريح به. الثاني: قال هنا: ﴿أَدْخِلُواْ﴾ وهناك ﴿اسكنوا﴾ لأن الدخول مقدم، ولذا قدم وضعاً المقدم طبعاً. الثالث: قال هنا: ﴿خطاياكم﴾ بجمع الكثرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه، واللائق بجوده غفران الذنوب الكثيرة، وهناك ﴿خطيئاتكم﴾ بجمع القلة إذ لم يصرح بالفاعل. الرابع: قال هنا: ﴿رَغَدًا﴾ دون هناك لإسناد الفعل إلى نفسه هنا، فناسب ذكر الإنعام الأعظم وعدم الإسناد هناك. الخامس: قال هنا: ﴿ادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وهناك بالعكس، لأن الواو لمطلق الجمع، وأيضاً المخاطبون يحتمل أن يكون بعضهم مذنبين، والبعض الآخر ما كانوا كذلك، فالمذنب لا بد وأن يكون اشتغاله بحط الذنب مقدماً على اشتغاله بالعبادة، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا: (حطة) ثم يدخلوا وأما الذي لا يكون مذنباً، فالأولى به أن يشتغل أولاً: بالعبادة ثم يذكر التوبة. ثانياً: للهضم وإزالة العجب فهؤلاء يجب أن يدخلوا ثم يقولوا فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى ذين القسمين، لا جرم ذكر حكم كل واحد منهما في سورة أخرى. السادس: قال هنا: ﴿وَسَنَزِيدُ﴾ بالواو وهناك بدونه، إذ جعل هنا المغفرة مع الزيادة جزاءاً واحداً لمجموع الفعلين، وأما هناك فالمغفرة جزاء قول (حطة) والزيادة جزاء الدخول فترك (الواو) يفيد توزع كل من الجزاءين على كل من الشرطين. السابع: قال هناك: ﴿الذين ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢) وهنا لم يذكر (منهم) لأن أول القصة هناك مبني على التخصيص بـ ﴿مِنْ﴾ حيث قال: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق﴾ (٣) فخص في آخر الكلام ليطابق أوله؛ ولما لم يذكر في الآيات التي قبل ﴿فَبَدَّلَ﴾ هنا تمييزاً وتخصيصاً لم يذكر في آخر القصة ذلك. الثامن: قال هنا: ﴿فَأَنزَلْنَا﴾ وهناك ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾؛ لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر، والإرسال يفيد تسليطه عليهم واستئصاله لهم، وذلك يكون بالآخرة. التاسع: قال هنا: ﴿فَكُلُوا﴾ (٤) بالفاء وهناك بالواو لما مر في ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ (٥) وهو أن كل فعل عطف عليه

стр. 130

شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط، وذلك الشيء بمنزلة الجزاء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو فلما تعلق الأكل بالدخول قيل في سورة البقرة: ﴿فَكُلُوا﴾ ولما لم يتعلق الأكل بالسكون في الأعراف قيل: ﴿وَكُلُوا﴾. العاشر: قال هنا: ﴿يَفْسُقُونَ﴾ وهناك ﴿يَظْلِمُونَ﴾ (١)؛ لأنه لما بين هنا كون الفسق ظلماً اكتفى بلفظ الظلم هناك انتهى. ولا يخفى ما في هذه الأجوبة من النظر، أما في الأول والثاني والثامن والعاشر فلأنها إنما تصح إذا كانت سورة البقرة متقدمة على سورة الأعراف نزولاً كما أنها متقدمة عليها ترتيباً وليس كذلك، فإن سورة البقرة كلها مدنية، وسورة الأعراف كلها مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿اسكنوا هذه القرية﴾ (٣) داخل في الآيات المكية، فحينئذ لا تصح الأجوبة المذكورة. وأما ما ذكر في التاسع فيرد عليه منع عدم تعلق الأكل بالسكون لأنهم إذا سكنوا القرية، تتسبب سكناهم للأكل منها كما ذكر الزمخشري، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، فحينئذ لا فرق بين ﴿كُلُوا﴾ و ﴿فَكُلُوا﴾ فلا يتم الجواب، وأما الثالث فلأنه تعالى وإن قال في الأعراف ﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ (٤) لكنه قال في السورتين: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٥) وأضاف الغفران إلى نفسه، فبحكم تلك اللياقة ينبغي أن يذكر في السورتين جمع الكثرة بل لا شك أن رعاية ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ﴾ أولى من رعاية ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ لتعلق الغفران بالخطايا كما لا يخفى على العارف بالمزايا. وأما الرابع فلأنه تعالى وإن لم يسند الفعل إلى نفسه تعالى لكنه مسند إليه في نفس الأمر، فينبغي أن يذكر الإنعام الأعظم في السورتين. وأما الخامس فلأن القصة واحدة، وكون بعضهم مذنبين وبعضهم غير مذنبين محقق فعلى مقتضى ما ذكر ينبغي أن يذكر ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ مقدماً في السورتين. وأما السادس فلأن القصة واحدة، وأن الواو لمطلق الجمع، وقوله تعالى: ﴿نَّغْفِرْ﴾ في مقابلة ﴿قُولُواْ﴾ سواء قدم أو أخر، وقوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ﴾ في مقابلة ﴿وادخلوا﴾ سواء ذكر الواو أو ترك، وأما السابع فلأنه تعالى

стр. 131

قد ذكر هنا قبل ﴿فَبَدَّلَ﴾ ما يدل على التخصيص والتمييز، حيث قال سبحانه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى كُلُوا مِنْ طيبات مَا رزقناكم﴾ (١) الخ بكافات الخطاب وصيغته فاللائق حينئذ أن يذكر لفظ (منهم) أيضاً، والجواب الصحيح عن جميع هذه السؤالات وما حكاها ما ذكره الزمخشري من أنه لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض، ولا تناقض بين قوله تعالى: ﴿اسكنوا هذه القرية﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَكُلُوا﴾؛ لأنهم إذا سكنوا القرية فتسبب سكناهم للأكل منها، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، وسواء قدموا (الحطة) على دخول الباب أو أخروها، فهم جامعون في الإيجاد بينهما، وترك ذكر الرغد لا يناقض إثباته، وقوله تعالى: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم سَنَزِيدُ المحسنين﴾ (٣) موعد بشيئين بالغفران والزيادة، وطرح الواو لا يخل لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل: ماذا بعد الغفران؟ فقيل له: ﴿سَنَزِيدُ المحسنين﴾ وكذلك زيادة ﴿مِنْهُمْ﴾ زيادة بيان، و ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾، و ﴿أَنزَلْنَا﴾، و ﴿يَظْلِمُونَ﴾، و ﴿يَفْسُقُونَ﴾ من دار واحد، انتهى. وبالجملة التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء، وفيه من الدلالة على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى، والقرآن الكريم مملوء من ذلك، ومن رام بيان سر لكل ما وقع فيه منه فقد رام ما لا سبيل إليه إلا بالكشف الصحيح والعلم اللدني، والله يؤتي فضله من يشاء، وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو» (٤). من خلال المثال يتضح طول نفس الإمام الألوسي فقد قام بتوجيه جميع مسائل المتشابه اللفظي بين الآيات، وعرض رأى الإمام الرازي، وتعقبه، ورد عليه، وذكر توجيهات آخرى لمواضع المتشابه اللفظي بين الآيتين. ثالثًا: ذكر توجيه المتشابه في الموضع الأول: أ. الإمام الألوسي غالبًا يذكر توجيه المتشابه اللفظي في الآية الأولى (الموضع الأول):

стр. 132

مثال ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، قال: «وبعض صحح أن القرآن في نفسه هدى في كل شيء حتى معرفة الله تعالى لمن تأمل في أدلته العقلية وحججه اليقينية كما يشعر به ظاهر قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس﴾ (٢) ويكون الاقتصار على المتقين هنا بناء على تفسيرنا الهداية مدحاً لهم ليبين سبحانه أنهم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يخشاها﴾ (٣) مع عموم إنذاره ﷺ وأما غيرهم فلا ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالاخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ (٤) و ﴿لا يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا﴾ (٥) وأما القول بأن التقدير هدى للمتقين والكافرين فحذف لدلالة المتقين على حد ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ (٦) فمما لا يلتفت إليه هذا» (٧). ب. لكنه أحيانًا لا يأتي بتوجيه المتشابه في الآية المتقدمة ويأتي به في الآية المتأخرة. مثال ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٨) قال: «وقد تفنن في التعبير فجاءت الشفاعة أولاً: بلفظ القبول متقدمة على العدل وهنا: النفع متأخرة عنه، ولعله كما قيل إشارة إلى انتفاء أصل الشيء وانتفاء ما يترتب عليه، وأعطي المقدم وجوداً تقدمه ذكراً، والمتأخر وجوداً تأخره ذكراً، وقيل: إن ما سبق كان للأمر بالقيام بحقوق النعم السابقة، وما هنا لتذكير نعمة بها فضلهم على العالمين وهي نعمة الإيمان ببني زمانهم، وانقيادهم لأحكامه ليغتنموها ويؤمنوا ويكونوا من الفاضلين لا المفضولين وليتقوا بمتابعته عن أهوال القيامة وخوفها كما اتقوا بمتابعة موسى ﵇» (٩).

стр. 133

ج. إلا أنه أحيانًا بعض التوجيه في الآية الأولى (الموضع الأول) ولكنه يفصله أكثر في الآية الثانية (الموضع الثاني). مثال ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) قال: «بقي هاهنا: بيان النكتة في تغيير الأسلوب حيث قدم في الظاهر هاهنا وفي ﴿حم﴾ السجدة خلق الأرض وما فيها على خلق السموات وعكس في النازعات ولعل ذلك لأن المقام في الأولين مقام الامتنان فمقتضاه تقديم ما هو نعمة نظراً إلى المخاطبين فكأنه قال : هو الذي دبر أمركم قبل خلق السماء قم خلق السماء، والمقام في الثالثة مقام بيان كمال القدرة فمقتضاه تقديم ما هو أدل على كمالها، هذا والذي يفهم من بعض عبارات القوم قدس الله تعالى أسرارهم أن المحدد ويقال له سماء أيضاً مخلوق قبل الأرض وما فيها، وأن الأرض نفسها خلقت بعد، ثم بعد خلقها خلقت السموات السبع، ثم بعد السبع خلق ما في الأرض من معادن ونبات، ثم ظهر عالم الحيوان، ثم عالم الإنسان، فمعنى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الارض﴾ حينئذ قدره أو أراد إيجاده أو أوجد مواذه، ومعنى ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ﴾ الخ في الآية الأخرى على نحو هذا، وخلق الأرض فيها على ظاهره ولا يأباه قوله سبحانه: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا﴾ الخ لجواز حمله على معنى ائتيا بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وإبراز ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة، أو إتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة أو ليأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما، وبعد هذا كله لا يخلو البحث من صعوبة، ولا زال الناس يستصعبونه من عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى الآن، ولنا فيه إن شاء الله تعالى عودة بعد عودة، ونسأل الله تعالى التوفيق» (٢). فالإمام الألوسي عند تفسيره لسورة البقرة (الموضع الأول للمتشابه) ذكر التوجيه مختصرًا، وعند تفسيره لسورة فصلت أعاد التوجيه مرة أخرى وأطال جدًا وذكر الكثير من الآراء (٣).

стр. 134

د. وأحيانًا يذكر توجيه المتشابه في الموضع الذي يذكره ولا يبين توجيه الموضع الآخر، وهذا مما يؤخذ عليه. مثال ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) قال: «وإنما قدم هنا ذكر الأموال على الأنفس وعكس في قوله عز شأنه: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم﴾ (٢)؛ لأن النفس أشرف من المال فقدم المشتري النفس تنبيهاً على أن الرغبة فيها أشد وأخر البائع تنبيهاً على أن المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها إلا في فائدة» (٣). هـ. وأحيانًا يذكر التوجيه مرة أخرى ولكن مختصرًا في الموضع الثاني: مثال ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٤) قال: «بقي أمر تقديم التعليم على التزكية في آية البقرة ولعله كان إيذاناً بشرافة التحلية كما أشرنا إليه هناك فتأمل» (٥). فقد قام الإمام الألوسي بتوجيه المتشابه في الموضع الأول (سورة البقرة) (٦)، وحين أتي للموضع الثاني أختصر التوجيه، وأشار إلى ذكره سابقًا. *و. وأحيانًا يأتي بتوجيه مختلف للمتشابه في الموضع الثاني عنه في الموضع الأول:

стр. 135

مثال: عند تفسير الإمام الألوسي لآيتي دخول القرية في سورتي البقرة والأعراف في الموضع الأول (سورة البقرة) تعقب آراء الإمام الرازي، ورجح آراء الزمخشري، ولكنه عند تفسير سورة الأعراف (الموضع الثاني) ذكر توجيهات آخرى للمتشابه، ونقل بعضها من الإمام الرازي (١) (الإمام الرازي أيضًا ذكر توجيهات للمتشابه بين الآيتين في سورة الأعراف مختلفة عنها في سورة البقرة وقد وضحت ذلك عند الحديث عن منهج الإمام الرازي، وسأقوم بالحديث عن ذلك بالتفصيل عند المقارنة بين الإمامين). رابعًا: في بعض الأحيان يأتي بالمتشابه ولا يوجهه، ويرد العلم إلى الله. مثال ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٢) قال: «وفي حكاية التوبيخ ههنا بهذه العبارة وفي سورة الحجر بقوله تعالى: ﴿قَالَ يإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ (٣) وفي سورة ص بقوله سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ (٤) إشارة إلى أن اللعين أدمج في معصية واحدة غير واحدة وقد وبخ على كل من ذلك لكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اكتفاء بما ذكر في موطن آخر وإشعاراً بأن كل واحدة من هاتيك المعاصي كافية في التوبيخ و (إظهار) بطلان ما ارتكبه، وقد تركت حكاية التوبيخ رأساً في سورة البقرة وسورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه والله تعالى أعلم بحكمة كل» (٥).

стр. 136

القسم الثاني: ملامح الاشتغال التطبيقي عند الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي: * أولًا: ما اعتمد عليه الإمام الألوسي في التوجيه: اعتمد على المعنى والتوجيه النحوي، وعلم القراءات، والسياق، وظهرت بلاغة المتشابه اللفظي من تقديم وتأخير، وذكر وحذف، وتعريف وتنكير، وغيرهم واضحة في توجيهه للمتشابه اللفظي وحمل توجيه المتشابه على التفنن في التعبير في بعض المسائل، وكذلك مراعاة الفواصل. أ. اللغة والمعاني: من الأمثلة على اعتماد الإمام الألوسي على المعاني في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١): «من الكفر والمعاصي فلم يخطروا ببالهم أن ما اعتراهم من البأساء والضراء ما اعتراهم إلا لأجله. والتزيين له معان، أحدهما إيجاد الشيء حسنا مزينا في نفس الأمر كقوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ (٢)، والثاني جعله مزينا من غير إيجاد كتزيين الماشطة العروس، والثالث جعله محبوبا للنفس مشتهى للطبع وإن لم يكن في نفسه كذلك وهذا إما بمعنى خلق الميل في النفس والطبع وإما بمعنى تزويقه وترويجه بالقول وما يشبهه كالوسوسة والإغراء، وعلى هذا يبنى أمر إسناده فإنه جاء في النظم الكريم تارة مسندا إلى الشيطان كما في هذه الآية وتارة إليه سبحانه كما في قوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ (٣)، وتارة إلى البشر كقوله : ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (٤) فإن كان بالمعنى الأول فإسناده إلى الله تعالى حقيقة، وكذلك إذا كان بالمعنى الثالث بناء على المراد منه أولًا، وإن كان بالمعنى الثاني أو الثالث بناء على المراد منه ثانيًا فإسناده إلى الشيطان أو البشر حقيقة، ولا يمكن إسناد ما يكون بالإغواء والوسوسة إليه سبحانه كذلك. وجاء أيضا غير مذكور الفاعل كقوله سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ (٥) وحينئذ يقدرفي كل مكان ما يليق به» (٦).

стр. 137

ب. علم النحو: من الأمثلة على استشهاده بعلم النحو في التوجيه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١): «وقوله سبحانه في الظلمات أي في ظلمات الكفر وأنواعه أو في ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة التقليد في الباطل إما خبر بعد خبر للموصول على أنه واقع موقع عمى كما في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ (٢) ووجه ترك العطف فيه دون ما تقدمه الإيماء إلى أنه وحده كاف في الذم والإعراض عن الحق، واختير العطف فيما تقدم للتلازم، وقد يترك رعاية لنكتة أخرى وإما متعلق بمحذوف وقع حالا من المستكن في الخبر كأنه قيل: ضالون خابطين أو كائنين في الظلمات. ورجحت الحالية بأنها أبلغ إذ يفهم حينئذ أن صممهم وبكمهم مقيد بحال كونهم في ظلمات الكفر أو الجهل وأخويه حتى لو أخرجوا منها لسمعوا ونطقوا، وعليها لا يحتاج إلى بيان وجه ترك العطف. وجوز أبو البقاء أن يكون خبر مبتدإ محذوف أي هم في الظلمات وأن يكون صفة لـ (بكم) أو ظرفا له أو لـ (صم) أو لما ينوب عنهما من الفعل» (٣). ج. علم القراءات: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤): «﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾، أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿دَائِرَةُ السُّوء﴾ بالضم (٥)، والفرق بينه وبين ﴿السوء﴾ بالفتح على ما في الصحاح أن المفتوح مصدر والمضموم اسم مصدر بمعنى المساءة.

стр. 138

وقال غير واحد: هما لغتان بمعنى كالكره والكره عند الكسائي وكلاهما في الأصل مصدر غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه والمضموم جري مجري الشر، ولما كانت الدائرة هنا محمودة وأضيفت إلى المفتوح في قراءة الأكثر تعين على هذا أن يقال: إن ذاك على تأويل انها مذمومة بالنسبة إلى من دارت عليه من المنافقين والمشركين واستعمالها في المكروه أكثر وهي مصدر بزنة اسم الفاعل أو اسم فاعل، وإضافتها على ما قال الطيبي من إضافة الموصوف إلى الصفة للبيان على المبالغة، وفي الكشف الإضافة بمعنى من على نحو دائرة ذهب فتدبر» (١). د. السياق: ومن الأمثلة على اعتماده على السياق: قال في الفرق بين التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِر﴾ (٣). قال الإمام الألوسي: «وجاء في سورة النحل: ﴿وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ بتقديم ﴿مَوَاخِرَ﴾ وتأخير ﴿فِيهِ﴾ وعكس ههنا فقيل في وجه؛ لأنه علق ﴿فِيهِ﴾ هنا بترى وثمت بمواخر، ولا يحسم مادة السؤال. والذي يظهر لي في ذلك أن آية النحل سيقت لتعداد النعم كما يؤذن بذاك سوابقها ولواحقها وتعقيب الآيات بقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا﴾ (٤) فكان الأهم هناك تقديم ما هو نعمة وهو مخر الفلك للماء بخلاف ما هنا فإنه إنما سيق استطراداً أو تتمة للتمثيل كما علمت آنفاً فقدم فيه ﴿فِيهِ﴾ إيذاناً بأنه ليس المقصود بالذات ذلك (٥). هـ. بلاغة المتشابه اللفظي في تفسير الألوسي: ظهرت بلاغة المتشابه اللفظي من تقديم وتأخير، وذكر وحذف، وتعريف وتنكير، وغيرهم واضحة في توجيهه للمتشابه اللفظي، وسأذكر العديد من الأمثلة على ذلك عند الحديث عن أنواع المتشابه اللفظي في تفسير الألوسي.

стр. 139

* و. أيضا الإمام الألوسي حمل بعض توجيهاته للمتشابه اللفظي في القرآن الكريم على (التفنن في التعبير). تعريف التفنن في التعبير: يقول د/ ياسر بابطين: «والتفنن في اللغة أصله: فنن، جاء في العين: الرجل يُفَنِّنُ الكلام أي: يشتقُّ في فَنٍ بعد فَنٍ (١)، وفي «الصحاح»: والأفانين: الأساليب، وهي أجناس الكلام وطرقه، ورجل متفنن أي: ذو فنونٍ، وافْتَنَّ الرجل في حديثه وفي خطبته إذا جاء بالأفانين (٢). فالتفنن في اللغة: التنويع بين ضروب الشئ، وكلُّ ضرب منها فنُّ. أمَّا في الاصطلاح فلعل من أوائل الإشارات إلى مفهوم التفنن قول الشهاب الخفاجي (٣): «والتفنن والافتنان: الإتيان بفنونٍ وأنواعٍ من الكلام، وهو أعم من الالتفات لشموله اختلاف وجوه الإعراب في النعوت المقطوعة، وعبارة الشهاب ليست جامعة مانعة، فقد ساقها شرحًا لعبارة البيضاوي، خلافًا لابن عاشور الذي اتجهت عنايته إلى تعريف (التفنن) حيث يقول عن القرآن: "ومن أساليبه ما أسميه بـ (التفنن) وهو: بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذليل، والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنبًا لثقل تكرير الكلم، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنن عند بلغاء العربية، فهو في القرآن كثير، من هنا يمكن القول إن التفنن هو: تنويع الألفاظ أو الأساليب في المعنى الواحد عدولًا عن التكرار،

стр. 140

وتنويع الألفاظ يندرج فيه: تغاير المفردات أو صيغها، وتنويع الأساليب يندرج فيه: تغاير التراكيب والصور» (١). ويقول أيضًا د/ صالح الشثري: «وهنا إشارة لابد من ذكرها قبل ذكر بعض توجيهات الخطيب الإسكافي وهي أن كثيرًا من المفسرين، وبعض علماء المتشابه يردون مسألة المطابقة اللفظية، أو المناسبة اللفظية إن صح التعبير إلى مسألة التفنن في الكلام، والحق أن البلاغة كما يقال: لكل كلمة مع صاحبها مقام، فالنظر في سياق النص، سواء المتقدم أو المتأخر، له أثره في بلاغة الكلام، وأنها تبحث في مطابقة الكلمة للمقام» (٢). بعض العلماء وجه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم وحمله على التفنن: يقول د/ ياسر بابطين: ﴿﴿﴿قال الغرناطي في المغايرة بين الذكر والحذف في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَا﴾ (٣)، وقوله تعالى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٤): " وجرى ذلك على مسلك العرب وتفتننها في كلامها وتصرفها إذا أطالت لداعٍ موجب وفصّلت، أو أوجزت لمقتضى من المعنى وأجملت "، وقد نص البيضاوي على التفنن في مواضع، وعبارته وإن لم تحمل جديدًا في ذاتها، إلا أنها مظنة نقاشات مهمة في حواشيه» (٥). وحمل أبو حيان على التفنن سياقات وقع فيها التغاير في اختلاف اللفظ المعبر به نحو: (يعملون) و (يصنعون)، وكذلك في الذكر والحذف، والتقديم والتأخير، والاسمية والفعلية … وغالبًا ما يقرنه بالتوسع في اللغة، ويربطه بنكهات أخرى معنوية (٦).

стр. 141

ورغم أن البقاعي ذو عناية بالدقائق والسياقات، إلا أن ذلك لم يمنعه من الحمل على التفنن، حيث قال: ولما أُعيدت القصة في سورة يونس ﵇، كان الأليق بكلام البلغاء والأشبه بطرائق الفصحاء التفنن في العبارة (١). وكذلك أبو السعود، وقد نقل عن أبي علي أنه إذا ذكرت صفات للمدح وخولف في بعض الإعراب فقد خولف للافتنان، أي: للتفنن الموجب لإيقاظ السامع وتحريكه إلى الجِدّ في الإصغاء، فإن تغير الكلام المسوق لمعنى من المعاني وصَرْفَه من سننه المسلوك ينبئ عن إهتمامٍ جديدٍ بشأنه من المتكلم، ويستجلبُ مزيدَ رغبةٍ فيه من المخاطب (٢). وممن اعتنى بالتفنن وتوسع في مفهومه، واستكثر من الحمل عليه: ابن عاشور، وقد تقدم تعريفه له، أما تتبع مواضعه عنده مما لا يتسع له المقام، إلا أننا نقف على لمحات تجلى لنا شيئًا من ملامح مذهبه فيه، فمن ذلك أنه ضعّف به القول بأن البسملة آيةُ من كل سورة، لأنه ينشأ من هذا القول أن تكون فواتح سور القرآن متماثلة، وذلك مما لا يحمد في كلام البلغاء، إذ الشأن أن يقع التفنن في الفواتح، بل قد عدَّ علماء البلاغة أهم مواضع التأنق فاتحة الكلام وخاتمته، وكذلك توالي تشبيهي المنافقين في سورة البقرة (الآيات ١٧ - ١٩) مما جاء على طريقة بلغاء العرب في التفنن في التشبيه قال: «وهذه تفننات جميلة في الكلام البليغ، فما ظنك بها إذا وقعت في التشبيه التمثيلي، فإنه لعزته مفردًا تعز استطاعة تكريره»﴾﴾﴾ (٣)، من خلال هذا العرض الموجز نجد أن جمهور المفسرين البلاغيين يقول بالتفنن، ولا يقرون بتلازم القول بالتفنن وإسقاط النكتة المعنوية.

стр. 142

لذا لا ينبغي الاعتماد على التفنن في التعبير وحده في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. يقول د/ محمد الصامل عند توجيهه للتقديم والتأخير بين آيتي المتشابه اللفظي في سورة البقرة (تقديم العدل على الشفاعة والعكس): «وقد عزا بعضهم هذا الاختلاف إلى التنويع في الأسلوب، أو ما يُسمى: التفنن في الكلام، وهذا سبب أراه لا يستقل بنفسه، لأن التنويع في الأسلوب أو التفنن فيه، إنما يُلجأ إليه لإذهاب السأم والملل عن القارئ، وحاشا أن يصف أحد القرآن بذلك، فلابد من سبب يكون أصلًا، ويمكن أن يأتي التنويع سببًا آخر متفرعًا» (١). ويقول د/ محمد نصيف: «فالمعتني بالمتشابه اللفظي الموجه لآياته لا ينكر التنوع والتفنن في الخطاب لكنه مع ذلك يلتمس وجوهًا أخرى لسر التغاير بين الآيات، ولعل الذي دفع الإمام الألوسي لتبني هذا الرأي - وهو القول بالتفنن - وكأنه في مقابل توجيه الآيات التي سار عليه الرازي أنه خشي من التكلف الذي يقع أحيانًا عند محاولة التعليل، ولعل القول الوسط في المسألة أن يقال: تنوعت وتغايرت الآيات القرآنية المتحدثة عن أمر واحد تفننًا في التعبير، مع وجود أسرار أخرى للتغاير قد تظهر لنا فنقول بها، وقد تخفي علينا فلا تكلف في القول فيها بغير علم» (٢). وقد ذكر الإمام الألوسي التفنن في التعبير في توجيه حوالي خمسة وعشرين مسألة من مسائل المتشابه اللفظي التي تناولها، ذكر التفنن في أخر التوجيه بعد ذكر أسباب أخرى أحيانًا، وجعل التفنن في التعبير عمدة في التوجيه في بعضها. مثال ذلك: بعد تناول الإمام الألوسي للفروق بين آيتي الأمر بدخول القرية في سورتي البقرة والأعراف، وتعقب آراء الإمام الرازي، وترجيح آراء الزمخشري، قال في آخر التوجيه: «وبالجملة التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء، وفيه من الدلالة على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى، والقرآن الكريم مملوء من ذلك، ومن رام بيان سر لكل ما وقع فيه منه فقد رام ما لا سبيل إليه إلا

стр. 143

بالكشف الصحيح والعلم اللدني، والله يؤتي فضله من يشاء، وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو» (١). ففي هذا المثال يتضح أن الإمام الألوسي ذكر التفنن في التعبير في أخر التوجيه بعد ذكر توجيهات أخرى ولم يجعله عمدة في التوجيه إلا أنه جعل التفنن في التعبير عمدة في التوجيه في بعض المواضع ومثال ذلك: عند تفسيره لقول الله : ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢). فقال: «والمغايرة بين ما هنا وما في سورة البقرة أعني ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تَجْرِى فِى البحر بِمَا يَنْفَعُ الناس﴾ (٣) الآية للتفنن والكلام المعجز مملوء منه، وذكر الإمام في ذلك ما لا يهش له السامع فتأمل» (٤). وقد قام د/ ياسر محمد بابطين بتتبع الأساليب التي حملها الإمام الألوسي على التفنن فميكنك الرجوع إليها للمزيد (٥). ي. حمل الإمام الألوسي أيضًا توجيه المتشابه على مراعاة الفواصل في ثلاث مسائل من مسائل المتشابه اللفظي التي وجهها. تعريف الفاصلة القرآنية: والفاصلة القرآنية قد تكون كلمة من بنية آية قصيرة، وقد تكون كلمة من بنية جملة نأتي في نهاية الآية معقبة أو مقررة أو مؤكدة … إلخ، وهي في كل الحالات تنتهي بصوت قد يتكرر محدثًا إيقاعًا في صورة السجع وقد لا يتكرر، ولكنها دائما تحتفظ بإحدى صور التوافق الصوتي

стр. 144

مع الفواصل السابقة واللاحقة لإحداث الإيقاع، كأن تكون الكلمتين على زنة واحدة أو من فصيلة صرفية واحدة أو غير ذلك مما سنفصله (١). يقول العلامة ابن عثيمين (٢): ومراعاة الفواصل أمر ورد به القران - حتى إنه من أجل المراعاة يقدم المفضول على الفاضل - كما في قوله تعالى في سوره طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ (٣)؛ لأن سورة طه كلها على فاصله ألف إلا بعض الآيات القليلة؛ فمراعاة الفواصل إذًا من بلاغة القران (٤). *لكن الفاصلة لا يُؤتى بها على حساب المعني: يقول د/ فاضل السامرائي: «لقد تبين مما مر أن القرآن الكريم لا يعني بالفاصلة على حساب المعنى ولا على حساب مقتضى الحال والسياق، بل هو يحسب لكل ذلك حسابه، فهو يختار الفاصلة مراعىً فيها المعنى والسياق والجرس، ومراعىً فيها خواتم الآي وجو السورة ومراعىً فيها كل الأمور التعبيرية والفنية الأخرى، بل مراعىً فيها إلى جانب ذلك كله عموم التعبير القرآني وفواصله، بحيث تدرك أنه اختار هذه الفاصلة في هذه السورة لسبب ما، واختار غيرها أو شبيهًا بها في سورة أخرى لسبب دعا إليه، و جمع بين كل ذلك ونسَّقه بطريقة فنية في غاية الروعة والجمال حتى كأنك تحس أنها جاءت بصورة طبيعية غير مقصودة، مع أنها في أعلى درجات الفن والصياغة والجمال، فما أجله من كلام و ما أعظمه من تعبير» (٥).

стр. 145

تقول بنت الشاطئ: «وأما تعليل الحذف برعاية الفاصلة فليس من المقبول عندنا أن يقوم البيان القرآني على اعتبار لفظي محض، وإنما الحذف لمقتضى معنوي بلاغي، يقويه الأداء اللفظي، دون أن يكون الملحظ الشكلي هو الأصل. ولو كان البيان القرآني يتعلق بمثل هذا لما عدل عن رعاية الفاصلة في آخر سوره الضحى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١) وليس في السورة كلها ثاء فاصلة، بل ليس فيها حرف الثاء على الإطلاق، ولم يقل تعالى: فخبر، لتتفق الفواصل على مذهب أصحاب الصنعة ومن يتعلقون به» (٢). أما بالنسبة للثلاثة مسائل اللاتي حملهن الإمام الألوسي على مراعاة الفواصل فهن: المسألة الأولى: عند تفسيره لقول الله : ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٣) قال: «ولذا قدم هارون في محل آخر لأنه أدخل في دفع التوهم أو لأجل الفاصلة أو لأنه أكبر سناً منه، وقدم موسى هنا لشرفه أو للفاصلة، وأما كون الفواصل في كلام الله تعالى لا في كلامهم فقد قيل: إنه لا يضر» (٤). المسألة الثانية: عند تفسيره لقول الله : ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٥)، قال: «ووقع في آية أخرى ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾ (٦) وذلك لاقتضاء المقام على ما لا يخفى على الناظر فيه أو لأنه وقع في الفواصل هنا اعتماد الألف كالكافرين والغافلين فعبر به لرعاية ذلك وهو أمر سهل» (٧).
следующие страницы →