← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 935

توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم عند المفسرين - دراسة في تفسيري الرازي والألوسي

ريم عبد الفتاح البحيري

Полный текст (238 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ورغم أن البقاعي ذو عناية بالدقائق والسياقات، إلا أن ذلك لم يمنعه من الحمل على التفنن، حيث قال: ولما أُعيدت القصة في سورة يونس ﵇، كان الأليق بكلام البلغاء والأشبه بطرائق الفصحاء التفنن في العبارة (١). وكذلك أبو السعود، وقد نقل عن أبي علي أنه إذا ذكرت صفات للمدح وخولف في بعض الإعراب فقد خولف للافتنان، أي: للتفنن الموجب لإيقاظ السامع وتحريكه إلى الجِدّ في الإصغاء، فإن تغير الكلام المسوق لمعنى من المعاني وصَرْفَه من سننه المسلوك ينبئ عن إهتمامٍ جديدٍ بشأنه من المتكلم، ويستجلبُ مزيدَ رغبةٍ فيه من المخاطب (٢). وممن اعتنى بالتفنن وتوسع في مفهومه، واستكثر من الحمل عليه: ابن عاشور، وقد تقدم تعريفه له، أما تتبع مواضعه عنده مما لا يتسع له المقام، إلا أننا نقف على لمحات تجلى لنا شيئًا من ملامح مذهبه فيه، فمن ذلك أنه ضعّف به القول بأن البسملة آيةُ من كل سورة، لأنه ينشأ من هذا القول أن تكون فواتح سور القرآن متماثلة، وذلك مما لا يحمد في كلام البلغاء، إذ الشأن أن يقع التفنن في الفواتح، بل قد عدَّ علماء البلاغة أهم مواضع التأنق فاتحة الكلام وخاتمته، وكذلك توالي تشبيهي المنافقين في سورة البقرة (الآيات ١٧ - ١٩) مما جاء على طريقة بلغاء العرب في التفنن في التشبيه قال: «وهذه تفننات جميلة في الكلام البليغ، فما ظنك بها إذا وقعت في التشبيه التمثيلي، فإنه لعزته مفردًا تعز استطاعة تكريره»﴾﴾﴾ (٣)، من خلال هذا العرض الموجز نجد أن جمهور المفسرين البلاغيين يقول بالتفنن، ولا يقرون بتلازم القول بالتفنن وإسقاط النكتة المعنوية.

стр. 142

لذا لا ينبغي الاعتماد على التفنن في التعبير وحده في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. يقول د/ محمد الصامل عند توجيهه للتقديم والتأخير بين آيتي المتشابه اللفظي في سورة البقرة (تقديم العدل على الشفاعة والعكس): «وقد عزا بعضهم هذا الاختلاف إلى التنويع في الأسلوب، أو ما يُسمى: التفنن في الكلام، وهذا سبب أراه لا يستقل بنفسه، لأن التنويع في الأسلوب أو التفنن فيه، إنما يُلجأ إليه لإذهاب السأم والملل عن القارئ، وحاشا أن يصف أحد القرآن بذلك، فلابد من سبب يكون أصلًا، ويمكن أن يأتي التنويع سببًا آخر متفرعًا» (١). ويقول د/ محمد نصيف: «فالمعتني بالمتشابه اللفظي الموجه لآياته لا ينكر التنوع والتفنن في الخطاب لكنه مع ذلك يلتمس وجوهًا أخرى لسر التغاير بين الآيات، ولعل الذي دفع الإمام الألوسي لتبني هذا الرأي - وهو القول بالتفنن - وكأنه في مقابل توجيه الآيات التي سار عليه الرازي أنه خشي من التكلف الذي يقع أحيانًا عند محاولة التعليل، ولعل القول الوسط في المسألة أن يقال: تنوعت وتغايرت الآيات القرآنية المتحدثة عن أمر واحد تفننًا في التعبير، مع وجود أسرار أخرى للتغاير قد تظهر لنا فنقول بها، وقد تخفي علينا فلا تكلف في القول فيها بغير علم» (٢). وقد ذكر الإمام الألوسي التفنن في التعبير في توجيه حوالي خمسة وعشرين مسألة من مسائل المتشابه اللفظي التي تناولها، ذكر التفنن في أخر التوجيه بعد ذكر أسباب أخرى أحيانًا، وجعل التفنن في التعبير عمدة في التوجيه في بعضها. مثال ذلك: بعد تناول الإمام الألوسي للفروق بين آيتي الأمر بدخول القرية في سورتي البقرة والأعراف، وتعقب آراء الإمام الرازي، وترجيح آراء الزمخشري، قال في آخر التوجيه: «وبالجملة التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء، وفيه من الدلالة على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى، والقرآن الكريم مملوء من ذلك، ومن رام بيان سر لكل ما وقع فيه منه فقد رام ما لا سبيل إليه إلا

стр. 143

بالكشف الصحيح والعلم اللدني، والله يؤتي فضله من يشاء، وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو» (١). ففي هذا المثال يتضح أن الإمام الألوسي ذكر التفنن في التعبير في أخر التوجيه بعد ذكر توجيهات أخرى ولم يجعله عمدة في التوجيه إلا أنه جعل التفنن في التعبير عمدة في التوجيه في بعض المواضع ومثال ذلك: عند تفسيره لقول الله : ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢). فقال: «والمغايرة بين ما هنا وما في سورة البقرة أعني ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التى تَجْرِى فِى البحر بِمَا يَنْفَعُ الناس﴾ (٣) الآية للتفنن والكلام المعجز مملوء منه، وذكر الإمام في ذلك ما لا يهش له السامع فتأمل» (٤). وقد قام د/ ياسر محمد بابطين بتتبع الأساليب التي حملها الإمام الألوسي على التفنن فميكنك الرجوع إليها للمزيد (٥). ي. حمل الإمام الألوسي أيضًا توجيه المتشابه على مراعاة الفواصل في ثلاث مسائل من مسائل المتشابه اللفظي التي وجهها. تعريف الفاصلة القرآنية: والفاصلة القرآنية قد تكون كلمة من بنية آية قصيرة، وقد تكون كلمة من بنية جملة نأتي في نهاية الآية معقبة أو مقررة أو مؤكدة … إلخ، وهي في كل الحالات تنتهي بصوت قد يتكرر محدثًا إيقاعًا في صورة السجع وقد لا يتكرر، ولكنها دائما تحتفظ بإحدى صور التوافق الصوتي

стр. 144

مع الفواصل السابقة واللاحقة لإحداث الإيقاع، كأن تكون الكلمتين على زنة واحدة أو من فصيلة صرفية واحدة أو غير ذلك مما سنفصله (١). يقول العلامة ابن عثيمين (٢): ومراعاة الفواصل أمر ورد به القران - حتى إنه من أجل المراعاة يقدم المفضول على الفاضل - كما في قوله تعالى في سوره طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ (٣)؛ لأن سورة طه كلها على فاصله ألف إلا بعض الآيات القليلة؛ فمراعاة الفواصل إذًا من بلاغة القران (٤). *لكن الفاصلة لا يُؤتى بها على حساب المعني: يقول د/ فاضل السامرائي: «لقد تبين مما مر أن القرآن الكريم لا يعني بالفاصلة على حساب المعنى ولا على حساب مقتضى الحال والسياق، بل هو يحسب لكل ذلك حسابه، فهو يختار الفاصلة مراعىً فيها المعنى والسياق والجرس، ومراعىً فيها خواتم الآي وجو السورة ومراعىً فيها كل الأمور التعبيرية والفنية الأخرى، بل مراعىً فيها إلى جانب ذلك كله عموم التعبير القرآني وفواصله، بحيث تدرك أنه اختار هذه الفاصلة في هذه السورة لسبب ما، واختار غيرها أو شبيهًا بها في سورة أخرى لسبب دعا إليه، و جمع بين كل ذلك ونسَّقه بطريقة فنية في غاية الروعة والجمال حتى كأنك تحس أنها جاءت بصورة طبيعية غير مقصودة، مع أنها في أعلى درجات الفن والصياغة والجمال، فما أجله من كلام و ما أعظمه من تعبير» (٥).

стр. 145

تقول بنت الشاطئ: «وأما تعليل الحذف برعاية الفاصلة فليس من المقبول عندنا أن يقوم البيان القرآني على اعتبار لفظي محض، وإنما الحذف لمقتضى معنوي بلاغي، يقويه الأداء اللفظي، دون أن يكون الملحظ الشكلي هو الأصل. ولو كان البيان القرآني يتعلق بمثل هذا لما عدل عن رعاية الفاصلة في آخر سوره الضحى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١) وليس في السورة كلها ثاء فاصلة، بل ليس فيها حرف الثاء على الإطلاق، ولم يقل تعالى: فخبر، لتتفق الفواصل على مذهب أصحاب الصنعة ومن يتعلقون به» (٢). أما بالنسبة للثلاثة مسائل اللاتي حملهن الإمام الألوسي على مراعاة الفواصل فهن: المسألة الأولى: عند تفسيره لقول الله : ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٣) قال: «ولذا قدم هارون في محل آخر لأنه أدخل في دفع التوهم أو لأجل الفاصلة أو لأنه أكبر سناً منه، وقدم موسى هنا لشرفه أو للفاصلة، وأما كون الفواصل في كلام الله تعالى لا في كلامهم فقد قيل: إنه لا يضر» (٤). المسألة الثانية: عند تفسيره لقول الله : ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٥)، قال: «ووقع في آية أخرى ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾ (٦) وذلك لاقتضاء المقام على ما لا يخفى على الناظر فيه أو لأنه وقع في الفواصل هنا اعتماد الألف كالكافرين والغافلين فعبر به لرعاية ذلك وهو أمر سهل» (٧).

стр. 146

المسألة الثالثة: عند تفسيره لقول الله : ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ (١) قال: «وقدم مفعول ﴿تَقْتُلُونَ﴾ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين وكان الاعتناء بحالهم أهم ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل الاعتناء هناك بالأسر أشد، ولو قيل: وفريقاً تأسرون لربما ظن قبل سماع تأسرون أنه يقال بعد تهزمون: أو نحو ذلك، وقيل: قدم المفعول في الجملة الأولى لأن مساق الكلام لتفصيله وأخر في الثانية لمراعاة الفواصل، وقيل التقديم لذلك وأما التأخير فلئلا يفصل بين القتل وأخيه وهو الأسر فاصل، وقيل: غوير بين الجملتين في النظم لتغاير حال الفريقين في الواقع فقد قدم أحدهما فقتل وأخر الآخر فأسر» (٢). في هذه المسألة نقل الإمام الألوسي عدة آراء في تقديم مفعول وتأخير مفعول (تأسرون)، وذكر منها مراعاة الفواصل. (تقتلون). ثانيا: الإمام الألوسي أحيانا يحاول الجمع بين موضعي المتشابه اللفظي. مثال ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٣) قال: «ولا تنافي بين هذا وقوله سبحانه: ﴿وَفَجَّرْنَا الارض عُيُوناً﴾ (٤) إذ يمكن أن يكون التفجير غير الفوران فحصل الفوران للتنور والتفجير للأرض، أو يراد بالأرض أماكن التنانير، ووزنه تفعول من النور، وأصله تنوور فقلبت الواو الأولى همزة لانضمامها، ثم حذفت تخفيفاً، ثم شددت النون عوضاً عما حذف، ونقل هذا عن ثعلب» (٥). فقد قال الإمام الألوسي: (لا تنافي)، وحاول الجمع بين موضعي المتشابه.

стр. 147

مثال آخر: عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١)، قال: «﴿الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: فزعت استعظاماً لشأنه الجليل وتهيباً منه جل وعلا والاطمئنان المذكور في قوله : ﴿أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] لا ينافي الوجل والخوف لأنه عبارة عن ثلج الفؤاد وشرح الصدر بنور المعرفة والتوحيد وهو يجامع الخوف، وإلى هذا ذهب ابن الخازن، ووفق بعضهم بين الآيتين بأن الذكر في إحداهما ذكر رحمة وفي الأخرى ذكر عقوبة فلا منافاة بينهما» (٢). المطلب الثاني مصادر الإمام الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم أولًا: العلماء الذين نقل عنهم الإمام الإلوسي وذكرهم في تفسيره: *الإمام الألوسي نقل رأي الإمام الرازي في العديد من المسائل (ذكره باسمه في بعض المسائل "مولانا الرازي"، وأحيانا بـ"الإمام" وأحيانًا بـ"القطب"، وأحيانا ينقل رأيه دون أن يشير، وأحيانًا لا ينقل منه، ولكنه يتفق معه في التوجيه، وسيأتي الحديث عن هذه المسائل بالتفصيل في بحث المقارنة (٣). *أيضًا نقل رأي الزمخشري (٤)، الجبائي (٥)، أبو مسلم الأصفهاني (٦)، الراغب (٧)، الطيبي (٨)، البيضاوي (٩)، الكرخي (١٠)، الجلال السيوطي (١١)، النيسابوري (١٢)، أبو حيان (١٣) في بعض المسائل.

стр. 148

*كما أكثر من نقل الكثير من الآراء بصيغة التمريض (قيل - قالوا) دون أن يشير إلى القائل (١). *أيضا نقل بعض الآراء بصيغة (قال: الإمام (٢)، المولى شيخ الإسلام (٣)، القطب (٤)، بعض المحققين (٥)، بعض الفضلاء (٦) دون أن يشير، وقد وجدت في بعض المسائل التي اشترك في توجيهها مع الإمام الرازي أنه يقصد بـ (الإمام): الإمام الرازي لأنه نقل رأي الإمام الرازي بنصه، وكذلك القطب (وسأبين بالتفصيل عند عرض هذه المسائل في فصل المقارنة بين الإمامين). بروز شخصية الإمام الألوسي في النقل: أ. فهو أحيانًا يأتي برأى غيره وينتقده: مثال ذلك: عند تفسير قوله الله : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٧) قال: «﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ كيلا يدانى الباطل والنهي عن القرب من تلك الحدود التي هي الأحكام كناية عن النهي عن قرب الباطل لكون الأول لازماً للثاني وهو أبلغ من (لا تعتدوها) لأنه نهي عن قرب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من الصريح، وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق الصريح، وعلى هذا لا يشكل لا تقربوها في تلك الأحكام مع اشتمالها على ما سمعت، ولا وقوع ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وفي آية أخرى إذ قد حصل الجمع وصح لا تقربوها في الكل، وقيل: يجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمه ومناهيه إما لأن الأوامر السابقة تستلزم النواهي لكونها مغياة بالغاية، وإما لأن المشار إليه قوله سبحانه: ﴿وَلَا تباشروهن﴾ وأمثاله، وقال أبو مسلم: معنى ﴿لا تَقْرَبُوهَا﴾ لا تتعرضوا لها

стр. 149

بالتغيير كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم﴾ [الأنعام: ١٥٢] فيشمل جميع الأحكام ولا يخفى ما في الوجهين من التكليف والقول بأن تلك إشارة إلى الأحكام والحد إما بمعنى المنع أو بمعنى الحاجز بين الشيئين، فعلى الأول: يكون المعنى تلك الأحكام ممنوعات الله تعالى عن الغير ليس لغيره أن يحكم بشيء ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي لا تحكموا على أنفسكم أو على عباده من عند أنفسكم بشيء فإن الحكم لله تعالى عز شأنه وعلى الثاني: يريد أن تلك الأحكام حدود حاجزة بين الألوهية والعبودية، فالإله يحكم والعباد تنقاد، فلا تقربوا الأحكام لئلا تكونوا مشركين بالله تعالى لا يكاد يعرض على ذي لب فيرتضيه، وهو بعيد بمراحل عن المقصود كما لا يخفى» (١). فقد نقل رأي أبي مسلم واعترض عليه أن فيه تكلف. ب. وأحيانًا يستدل برأي غيره فقط دون أن ينتقده ودون أن يذكر أي رأي أخر. مثال ذلك: عند تفسير قوله الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٢) قال: «ويشير إلى ذلك كلام العلامة البيضاوي في تفسيره الآية لمن أمعن النظر إلا أن ما ذكره عليه الرحمة في أول سبأ من الفرق بين ﴿الحمد للَّهِ الذى لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض﴾ (٣) وبين ﴿وَلَهُ الحمد فِى الاخرة﴾ (٤) مما محصله أن جملة ﴿لَهُ الحمد﴾ جيء بها بتقديم الصلة ليفيد القصر لكون الإنعام بنعم الآخرة مختصاً به تعالى بخلاف جملة ﴿الحمد للَّهِ الذى لَهُ﴾ الخ فإنها لم يجاء بها بتقديم الصلة حتى لا يفيد القصد لعدم كون الإنعام مختصاً به تعالى مطلقاً بحيث لا مدخل فيه للغير إذ يكون بتوسط الغير فيستحق ذلك لغير الحمد بنوع استحقاق بسبب وساطته آب عنه، إذ حاصل ما ذكره في تلك السورة هو أنه لا قصر في جملة ﴿الحمد للَّهِ الذى لَهُ﴾ الخ بخلاف جملة ﴿لَهُ الحمد﴾، وحاصل ما أشار إليه في هذه وكذا في الفاتحة هو أن جملة ﴿الحمد للَّهِ﴾ إذا رتب على الأوصاف المختصة كالخلق والجعل المذكورين مفيد للقصر أيضاً غاية ما في البال أن طريق

стр. 150

إفادة القصر في البابين متغاير، ففي إحداهن تقديم الصلة وفي الآخرى مفهوم العلة فتدبر ذاك والله تعالى يتولى هداك» (١). فقد ذكر رأي الإمام البيضاوي في التقديم والتأخير بين ﴿الحمد للَّهِ الذى لَهُ﴾ و ﴿وَلَهُ الحمد فِى الاخرة﴾، واستدل به دون أن يضيف رأي أخر. ج. وأحيانا يأتي برأي عالم وينتقده ثم يرجح رأي عالم آخر. ومثال على ذلك: عند تفسير الإمام الألوسي لآيتي دخول القرية في سورتي البقرة والأعراف في الموضع الأول (سورة البقرة) تعقب آراء الإمام الرازي، ورجح آراء الزمخشري (٢). د. وأحيانا يأتي برأيه ثم يذكر رأي غيره دون أن ينتقده (كما فعل عند توضيح الفرق بين الإتيان والمجئ)، فقد ذكر رأيه ثم ذكر رأي الجلال السيوطي (٣). هـ. وأحيانًا يأتي بقولين من أقوال العلماء، ولا يتفق معهما ويرد عليهما (كما فعل عند ذكر الفرق بين ذكر (رغدا) في سورة البقرة وحذفها في سورة الأعراف فقد ذكر عند تفسيره لسورة الأعراف قولين: الأول (نسبه لصاحب اللباب والآخر ذكره بصيغة التمريض (قيل) ورد عليهما) (٤). و. وأحيانًا ينقل قولين ولا يرجح بينهما كما فعل عند ذكر الفرق بين قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٦). ي. وأحيانًا يأتي برأيه ثم يذكر رأي عالم أخر يقوي به رأيه:

стр. 151

(كما فعل عند ذكر الفرق في تقديم وتأخير النفع والضر فقد ذكر رأيه ثم ذكر رأي العلامة النيسابوري وقال في نهاية التوجيه (وبه تقوي نكتة التقديم التي اعتبرها هذا الفاضل فيما نحن فيه كما لا يخفى) (١). * ثانيًا: موقف الإمام الألوسي من علماء المتشابه اللفظي: الإمام الألوسي متأخر عن جميع علماء المتشابه اللفظي، ولم يشر في تفسيره إلى اسم أي عالم منهم، وأشار إلى كتاب درة التنزيل للإمام الإسكافي ثلاثٍ مراتٍ في تفسيره، واتفق مع علماء المتشابه في توجيه بعض المسائل. إشارة الإمام الألوسي إلى كتاب درة التنزيل في تفسيره: أشار الإمام الألوسي إلى كتاب درة التنزيل ثلاث مرات في تفسيره: الأولى: عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢) قال: «واللهو واللعب على ما في «درة التنزيل» يشتركان في أنهما الاشتغال بما لا يعني العاقل ويهمه من هوى وطرب سواء كان حراماً أو لا؛ وفرق بينهما بأن اللعب ما قصد به تعجيل المسرة والاسترواح به واللهو كل ما شغل من هوى وطرب وإن لم يقصد به ذلك، وإذا أطلق اللهو فهو على ما قيل اجتلاب المسرة بالنساء كما في قوله: ألا زعمت بسياسة اليوم أنني كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي. وقال قتادة: اللهو في لغة اليمن المرأة، وقيل: اللعب طلب المسرة والفرح بما لا يحسن أن يطلب به واللهو صرف الهم بما لا يصلح أن يصرف به، وقيل: إن كل شغل أقبل عليه لزم الإعراض عن كل ما سواه لأن من لا يشغله شأن عن شأن هو الله تعالى فإذا أقبل على الباطل لزم الإعراض عن الحق فالإقبال على الباطل لعب والإعراض عن الحق لهو، وقيل: العاقل المشتغل بشاء لا بد له من ترجيحه وتقديمه على غيره فإن قدمه من غير ترك للآخر فلعب وإن تركه ونسيه به فهو لهو، وقد بين صاحب «الدرة» بعد أن سرد هذه الأقوال سر تقديم اللعب على اللهو حيث جمعا كما هنا وتأخيره عنه كما في العنكبوت بأنه لما كان هذا الكلام مسوقاً للرد

стр. 152

على الكفرة فيما يزعمونه من إنكار الآخرة والحصر السابق وليس في اعتقادهم لجهلهم إلا ما عجل من المسرة بزخرف الدنيا الفانية قدم اللعب الدال على ذلك وتمم باللهو أو لما طلبوا الفرح بها وكان مطمح نظرهم وصرف الهم لازم وتابع له قدم ما قدم أو لما أقبلوا على الباطل في أكثر أقوالهم وأفعالهم قدم ما يدل على ذلك أو لما كان التقديم مقدماً على الترك والنسيان قدم اللعب على اللهو رعاية للترتيب الخارجي، وأما في العنكبوت فالمقام لذكر قصر مدة الحياة الدنيا بالقياس إلى الآخرة وتحقيرها بالنسبة إليها» (١). فقد صرح الإمام الألوسي بكتاب «درة التنزيل» وقام باختصار رأي الإمام الإسكافي (٢). الثانية: عند تفسير قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٣). قال: «قيل في الأول أفلا تسمعون أي سماع فهم وفي الثاني أفلا تبصرون أي ما أنتم عليه من الخطأ ليطابق كل من التذييلين الكلام السابق من التشديد والتوبيخ، وذكر في حاصل المعنى ما ذكرناه أولاً ثم قال: وفيه أن دلالة النص أولى وأقدم من العقل، وصاحب الكشف قرر العبارة بما سمعت وذكر أن ذلك لا ينافي ما في المعالم بل يؤكده ويبين فائدة التوبيخين، ونقل الطيبي عن الراغب في غرة التنزيل أنه قال: إن نسخ الليل بالنير الأعظم أبلغ في المنافع وأضمن للمصالح من نسخ النهار بالليل، ألا ترى أن الجنة نهارها دائم لا ليل معه لاستغناء أهلها عن الاستراحة فتقديم ذكر الليل لانكشافه عن النهار الذي هو أجدى من تفاريق العصا ومنافع ضوء شمسه أكثر من أن تحصى أحق وأولى» (٤). فقد أشار الإمام الألوسي إلى كتاب درة التنزيل وغرة التأويل بقوله: (ونقل الطيبي عن الراغب في غرة التنزيل)، وقد نسب غرة التنزيل إلى الراغب، وقد وقع خلاف في نسبة كتاب درة التنزيل وغرة التأويل للعلامة الإسكافي، فقيل إن كتاب درة التنزيل وغرة التأويل منسوب للعلامة الإسكافي، وقيل إنه منسوب للراغب الأصفهاني، وقيل إنه منسوب إلى الإمام فخر الدين الرازي،

стр. 153

وقد تناول د/ مصطفى آيدين محقق درة التنزيل هذه المسألة بالتفصيل ونقل جميع الآراء وأثبت بالأدلة نسبة كتاب درة التنزيل للعلامة الإسكافي (١). وما قاله الإمام الألوسي (عن الطيبي عن الراغب في غرة التنزيل) هو نص ما ذكره العلامة الإسكافي في درة التنزيل. قال الإمام الإسكافي: «والجواب عن ذلك أن يقال: إن نسخ الليل بالنير الأعظم أبلغ في المنافع وأضمن للمصالح من نسخ النهار بالليل ألا ترى أن الجنة نهارها دائم لا ليل معه» (٢). الثالثة: عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٣). قال: «ونقل عن الراغب ما يدل على أن المقام في هذه الآية مقام الضمير حيث ذكر عنه أنه قال في «درة التنزيل»: إنه تعالى قال ههنا ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ﴾ وقال سبحانه في آية أخرى: ﴿عَذَابَ النار التى كُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ﴾ (٤) فذكر جل وعلا ههنا وأنث سبحانه هناك والسر في ذلك أن النار ههنا وقعت موقع الضمير والضمير لا يوصف فأجرى الوصف على العذاب المضاف إليها وهو مذكر وفي تلك الآية لم يجر ذكر النار في سياقها فلم تقع النار موقع الضمير فأجرى الوصف عليها وهي مؤنثة دون العذاب فتأمل» (٥). فقد صرح الإمام الألوسي بكتاب «درة التنزيل»، وقام باختصار رأي الإمام الإسكافي (٦). وقد اتفق الإمام الألوسي مع باقي علماء المتشابه اللفظي في توجيه بعض مسائل المتشابه اللفظي في القرآن الكريم.

стр. 154

فمثلًا اتفق مع الأئمة (الكرماني، ابن جماعة، الأنصاري) في توجيه الفرق بين إبدال حرف ثم في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُنظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١) بحرف الفاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيُنظروا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (٢). حيث قال الإمام الألوسي تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُنظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣): «وذكر أن التحقيق أنه سبحانه قال هنا: ﴿ثُمَّ يُنظروا﴾ وفي غير ما موضع ﴿فيُنظروا﴾ [آل عمران: ١٣٧، النمل: ٣٦، العنكبوت: ٢٠، الروم: ٤٢] لأن المقام هنا يقتضي ثم دونه في هاتيك المواضع وذلك لتقدم قوله تعالى فيما نحن فيه ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مكناهم فِى الارض﴾ (٤) مع قوله : ﴿وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين﴾ [الأنعام: ٦] والأول يدل على أن الهالكين طوائف كثيرة. والثاني يدل على أن المنشأ بعدهم أيضاً كثيرون فيكون أمرهم بالسير دعاء لهم إلى العلم بذلك فيكون المراد به استقراء البلاد ومنازل أهل الفساد على كثرتها ليروا الآثار في ديار بعد ديار وهذا مما يحتاج إلى زمان ومدة طويلة تمنع من التعقيب الذي تقتضيه الفاء ولا كذلك في المواضع الاخر اه، ولا يخلو عن دغدغة. واختار غير واحد أن السير متحد هناك وهنا ولكنه أمر ممتد يعطف النظر عليه بالفاء تارةُ نظرًا إلى آخره وتارةً أخرى نظراً إلى أوله وكذا شأن كل ممتد» (٥). قال الإمام الكرماني: «قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُنظروا﴾ في هذه السورة فحسب، وفي غيرها: ﴿فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ (٦)؛ لأن ثم للتراخي، والفاء للتعقيب، وفي هذه السورة تقدم ذكر القرون في قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِنْ قَرْنٍ﴾ (٧)، ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا

стр. 155

آخَرِينَ﴾ (١) فأمروا باستقراء الديار، وتأمل الآثار، وفيها كثرة، فيقع ذلك سيرًا بعد سير، وزمانًا بعد زمان، فخصت ب (ثم) الدالة على التراخي بين الفعلين؛ ليعلم أن السير مأمور به على حدة، ولم يتقدم في سائر السور مثله؛ فخصت بالفاء الدالة على التعقيب» (٢). وقال الإمام ابن جماعة: «قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُنظروا﴾، وفى موضع آخر: بالفاء وقال هنا: ﴿عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ وفى النمل ﴿عَاقِبَةُ الْمُجرمين﴾ جوابه: أن آية الأنعام ظاهرة في الأمر بالسير في بلاد المهلكين فناسب ثم المرتبة على السير المأمور به. وفى المواضع الأخر: الأمر بالنظر بعد السير المتقدم كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، فناسب أن يأتي بالفاء كأنه قيل: قد ساروا فلينظروا، أو قد ساروا فنظروا عند سيرهم. ولما تقدم هنا قوله تعالى ﴿: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ ناسب قوله: ﴿عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ولم يتقدم مثله في النمل» (٣). وقال الإمام الأنصاري: «قوله تعالى: ﴿قُلْ سيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ يُنظروا﴾ .. الآية. قاله هنا بـ"ثمَّ "الدَّالة على التراخي، وفي غير هذه السورة بالفاء، الدَّالة على التعقيب، مع اشتراكهما في الأمر بالسير، لأن ما في هذه السورة، وقع بعد ذكر القرون، في قوله: ﴿كَمْ أهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾، وقوله: ﴿وَأنْشَاْنَا مِنْ بَعْدِهمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾، فتعدَّدت القرونُ في أزمنةٍ متطاولة، فخُصَّت الآيةُ هنا بـ"ثُمَّ "، بخلاف ما في غير هذه السورة، إذْ لم يتقدَّمه شيءٌ من ذلك، فخُصَّت بالفاء» (٤). بعرض آراء الأئمة (الكرماني، ابن جماعة، الأنصاري) يتضح اتفاق الإمام الألوسي معهم في التوجيه.

стр. 156

أيضًا اتفق مع الإمام ابن الزبير في توجيه الفرق بين التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ (١)، ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٢). فقد قال الإمام الألوسي: عند تفسيره لقول الله : ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٣) قال: «ولذا قدم هارون في محل آخر لأنه أدخل في دفع التوهم أو لأجل الفاصلة أو لأنه أكبر سناً منه، وقدم موسى هنا لشرفه أو للفاصلة، وأما كون الفواصل في كلام الله تعالى لا في كلامهم فقد قيل: إنه لا يضر» (٤). وقال الإمام ابن الزبير: «والجواب عن السؤال الثانى: أن كل واحدة من الآيتين جرت على وفق فواصل تلك السورة ورؤس آياتها فالعكس لا يناسب بوجه فوجب اختصاص كل سورة بما ورد فيها. الآية الموفية عشرين قوله تعالى: «قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ» وكذا فى الشعراء، وورد فى طه: «قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى» هنا كالمتقدمتين الجواب كالجواب من غير فرق (٥). يقصد الإمام ابن الزبير بقوله (المتقدمتين) قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (٧)، وقد حمل المسألتين على مراعاة الجميع. فقد اتفق الإمامان (الألوسي، ابن الزبير) في هذه المسألة على حمل المتشابه اللفظي على مراعاة الفواصل. أيضًا عند تفسير الإمام الألوسي لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٨)، قال: وبعض صحح أن القرآن في نفسه هدى في كل شيء حتى معرفة الله تعالى لمن تأمل في

стр. 157

أدلته العقلية وحججه اليقينية كما يشعر به ظاهر قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس﴾ (١)، ويكون الاقتصار على المتقين هنا بناء على تفسيرنا الهداية مدحاً لهم ليبين سبحانه أنهم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يخشاها﴾ (٢)، مع عموم إنذاره ﷺ وأما غيرهم فلا ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالاخرة حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ (٣)، و ﴿لا يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا﴾ (٤)، وأما القول بأن التقدير هدى للمتقين والكافرين فحذف لدلالة المتقين على حد ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ (٥)، فمما لا يلتفت إليه هذا» (٦). فقول الإمام الألوسي في التوجيه: «وأما القول بأن التقدير هدى للمتقين والكافرين فحذف لدلالة المتقين على حد ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ (٧) فمما لا يلتفت إليه هذا» هو أحد الرأيين اللذين ذكرهما الإمام الأنصاري. فقد قال الإمام الأنصاري: «فإِن قلتَ: كيف قال: (هُدَىً لِلمُتَّقِينَ (وفيه تحصيلُ الحاصل، لأن المتقين مهتدون؟ قلتُ: إنما صاروا متَّقينَ باستفادتهم الهُدَى من الكتاب، أو المراد بالهدى الثباتُ والدوام عليه. أو أراد الفريقين واقتصر على المتقين، لأنهم الفائزون بمنافع الكتاب، وللِإيجاز كما في قوله تعالى: ﴿سرابيلَ تقيكم الحرَّ .. ﴾ (٨)» (٩).

стр. 158

أيضًا ذكر الإمام الألوسي رأي الإمام الأنصاري في الفرق بين (فكلوا - وكلوا) بين سورتي البقرة والأعراف (١)، وتقديم (نوح) وتأخيره بين آيتي سورتي الأحزاب والشورى (٢). اتفق مع الإمام ابن جماعة في توجيه الفرق بين (أنزلنا - أرسلنا)، (يظلمون - يفسقون) بين سورتي البقرة والأعراف (٣). اتفق مع الأئمة (الكرماني، ابن الزبير، الأنصاري) في توجيه الفرق بين (أمنتم به - أمنتم له) بين سورتي الأعراف والشعراء (٤). ثالثًا: أثره في المعاصرين: تأثر بعض المعاصرين بالإمام الألوسي في توجيه بعض مسائل المتشابه اللفظي في القرآن الكريم كالسامرائي. مثال: يقول د/ فاضل السامرائي في قوله تعالى (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)) (٥): (جاء في "روح المعاني": " ولما تضمنت الجملة السابقة المبالغة في أنه تعالى شأنه أحكم خلق الإنسان وأتقنه، بالغ سبحانه في تأكيد الجملة الدالة على موته، مع أنه غير منكر لما أن ذلك سبب لاستبعاد العقل إياه، أشد استبعاد حتى يوشك أن ينكر وقوعه من لم يشاهده، وسمع أن الله ﷻ أحكم خلق الإنسان وأتقنه غاية الإتقان، وهذا وجه دقيق لزيادة التأكيد في الجملة الدالة على الموت، وعدم زيادته في الجملة الدالة على البعث. وقيل إنما بولغ في القرينة الأولى لتمادي المخاطبين في الغفلة، فكأنهم نزلوا منزلة المنكرين لذلك وأخليت الثانية لوضوح أدلتها وسطوع براهينها. وربما يقال: إن شدة كراهة الموت طبعا التي لا يكاد

стр. 159

يسلم منها أحد، نزلت منزلة شدة الإنكار، فبولغ في تأكيد الجملة الدالة عليه. وأما البعث فمن حيث إنه حياة بعد الموت لا تكرهه النفوس، ومن حيث إنه مظنة للشدائد تكرهه، فلما لم يكن حاله كحال الموت، ولا كحال الحياة، بل بين بين، أكدت الجملة الدالة عليه تأكيدًا واحدًا). (١) المطلب الثالث ما انفرد به الإمام الألوسي عن جميع علماء المتشابه اللفظي انفرد الإمام الألوسي عن جميع علماء المتشابه اللفظي بتوجيه الكثير من مسائل المتشابه اللفظي، ما يزيد عن أربعين مسألة. فعلى سبيل المثال: الإمام الألوسي انفرد عند تفسيره لسورة البقرة بتوجيه عشر مسائل من مسائل المتشابه اللفظي (هذه المسائل ذكرها الإمام الألوسي في الموضع الأول للمتشابه سورة البقرة وهناك مواضع أخرى للمتشابه بين سورة البقرة والسور الأخرى ذكرها في الموضع الثاني السور الأخرى) (٢). مسائل المتشابه اللفظي التي انفرد الإمام الألوسي بتوجيهها عن علماء المتشابه اللفظي عند تفسيره لسورة البقرة: المسألة الأولى: التقديم والتأخير بين قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٣)، ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ (٤)، متشابه بتقديم حرف الجر (في) في سورة الصافات، وتأخيره في سورة البقرة (٥).

стр. 160

المسألة الثانية: التقديم والتأخير بين قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ (٢)، تقديم (القلوب) في سورة البقرة وتأخيرها في سورة الجاثية (٣). المسألة الثالثة: إعادة حرف الجر (على) في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (٤). المسألة الرابعة: إفراد (السمع) في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، وجمع (القلوب)، متشابه بالجمع والإفراد (٥). المسألة الخامسة: إبدال الفعل (خلق) بالفعل (جعل) في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦)، فقد ذكر في الآية الأولى (خلقكم) والآية الثانية (جعل لكم) (٧). المسألة السادسة: الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ (٩)، متشابه بإبدال جملة بجملة (١٠). المسألة السابعة: الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (١١)، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (١٢)، متشابه بإبدال جملة بجملة (١٣).

стр. 161

المسألة الثامنة: الفرق بين قوله تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿اضْرِبُوهُ﴾ (٢)، متشابه بتذكير الضمير وتأنيثه (٣). المسألة التاسعة: الفرق بين قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥)، متشابه بإبدال جملة بجملة (٦). المسألة العاشرة: تكرار قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٧)، بعد قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٨)» (٩).

стр. 162

المطلب الرابع مآخذ على منهج الإمام الألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم أولًا: يؤخذ على الإمام الألوسي أنه ترك الكثير من مسائل المتشابه اللفظي دون توجيه، ولم يستوعب عددًا كبيرًا من مسائل المتشابه اللفظي في القرآن الكريم حوالي مائة وخمسين مسألة، ولعلنا نجد له عذرًا أن تفسيره لا يُعتبر كتابًا خاصًا بالمتشابه اللفظي، ولم يأت حتى الآن من استوعب توجيه جميع مسائل المتشابه اللفظي في كتاب واحد. ثانيًا: أيضًا يؤخذ عليه أنه أورد بعض المسائل دون توجيه فجعل القارئ في حاجة إلى معرفة سبب اختلاف الألفاظ ثم لم يذكر أي توجيه، وقد ذكرت أمثلة على ذلك، كما أنه قام باختصار بعض المواضع التي كانت بحاجة إلى بسط. ثالثًا: أكثر من توجيه بعض المسائل بصيغة التمريض (قيل)، كما قال في توجيه بعض المسائل قال الإمام، شيخ الإسلام، مولانا، بعض المحققين، القطب، دون الإشارة إلى القائل.

стр. 163

المبحث الرابع أنواع المتشابه اللفظي في تفسير الإمام الألوسي مع ذكر نماذج الإمام الألوسي في تفسيره تعرض لأنواع المتشابه اللفظي المختلفة وتناولها بالتوجيه وبيان الفرق بين المواضع، بشكل يؤكد ويبرز بلاغة المتشابه اللفظي في تفسيره. أمثلة من تفسير الإمام الألوسي على أنواع المتشابه اللفظي: النوع الأول: المتشابه بالتقديم والتأخير: أكثر الإمام الألوسي من توجيه المتشابه من نوع التقديم والتأخير. مثال ذلك: عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (١) قال: «وقدم التزكية على التعليم في هذه الآية وأخرها عنه في دعوة إبراهيم لاختلاف المراد بها في الموضعين، ولكل مقام مقال، وقيل: التزكية عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة إلا أنها وسطت بين التلاوة والتعليم المترتب عليها للإيذان بأن كلاً من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر ولو روعي ترتيب الوجود كما في دعوة إبراهيم ﵊ لتبادر إلى الفهم كون الكل نعمة واحدة، وقيل: قدمت التزكية تارة وأخرت أخرى لأنها علة غائية لتعليم الكتاب والحكمة، وهي مقدمة في القصد والتصور مؤخرة في الوجود والعمل فقدمت وأخرت رعاية لكل منهما، واعترض بأن غاية التعليم صيرورتهم أزكياء عن الجهل لا تزكية الرسول ﵊ إياها المفسرة بالحمل على ما يصيرون به أزكياء لأن ذلك إما بتعليمه إياهم أو بأمرهم بالعمل به فهي إما نفس التعليم أو أمر لا تعلق له به، وغاية ما يمكن أن يقال: إن التعليم باعتبار أنه يترتب عليه زوال الشك وسائر الرذائل تزكيته إياهم فهو باعتبار غاية وباعتبار مغيا كالرمي. والقتل في قولهم: رماه فقتله فافهم» (٢).

стр. 164

مثال آخر: عند تفسيره لقول الله : ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١). قال: «وقد ذكر الخير على ذكر السوء لمناسبة ما قبل حيث قدم فيه ذكر النفع على ذكر الضر وسلك في ذكرهما هناك كذلك مسلك الترقي على ما قيل: فإن دفع المضار أهم من جلب المنافع، وذكر النيسابوري أن أكثر ما جاء في القرآن إذ يؤتى بالضر والنفع معًا تقديم لفظ الضرعلى النفع وهو الأصل؛ لأن العابد إنما يعبد معبوده خوفًا من عقابه أولًا ثم يعبده طمعا في ثوابه ثانيا كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وحيث تقدم النفع على الضر كان ذلك لسبق لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة حيث تقدم آنفاً لفظ الهداية على الضلال في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ (٢) الخ وفي الرعد تقدم ذكر الطوع في قوله سبحانه: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (٣) وهو نفع، وفي الفرقان تقدم العذب في قوله جل وعلا: ﴿هذا عَذَابٌ فُرَاتٌ﴾ (٤) وهو نفع، وفي سبأ تقدم البسط في قوله تبارك اسمه: ﴿رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِرُ﴾ (٥)، وليقس على هذا غيره، وابن جريح يفسر النفع هنا بالهدى والضر بالضلال، وبه تقوى نكتة التقديم التي اعتبرها هذا الفاضل فيما نحن فيه كما لا يخفى» (٦). النوع الثاني: المتشابه بالإبدال: ومن ذلك قوله عند تفسيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٧): «إلا أنه استشكل ذلك بأنه حينئذٍ يلزم التعارض بين ما هنا وقوله تعالى في سورة يس: ﴿اليوم نَخْتِمُ على أفواههم﴾ (٨) الآية لأن الختم على الأفواه ينافي شهادة الألسن.

стр. 165

وأجيب بأن المراد من الختم على الأفواه منعهم عن التكلم بالألسنة التي فيها وذلك لا ينافي نطق الألسنة نفسها الذي هو المراد من الشهادة كما أشرنا إليه فإن الألسنة في الأول آلة للفعل وفي الثاني فاعلة له فيجتمع سبحانه الذراع المسموم ناطقاً متكلماً حتى أخبر النبي ﷺ بأنه مسموم. وللمعتزلة في ذلك كلام، وقيل في التوفيق يجوز أن يكون كل من الختم والشهادة في موطن وحال، وأن يكون الشهادة في حق الرامين والختم في حق الكفرة، وكأنه لما كانت هذه الآية في حق القاذف بلسانه وهو مطالب معه بأربعة شهداء ذكر فيها خمسة أيضاً وصرح باللسان الذي به عمله ليفضحه جزاءً له من جنس عمله قاله الخفاجي وقال: إنها نكتة سرية والله تعالى أعلم بأسرار كتابه فتدبر» (١). متشابه بإبدال جملة ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ بجملة ﴿اليوم نَخْتِمُ على أفواههم﴾. النوع الثالث: المتشابه بالإثبات والحذف: ومن ذلك قول الإمام الألوسي عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٢). وفي «أنوار التنزيل» أن المراد بالعذاب ههنا غير المراد به في سورة البقرة والأعراف لأنه مفسر بالتذبيح والتقتيل ثم ومعطوف عليه التذبيح المفاد بقوله تعالى: ﴿وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ ههنا، وفيه إشارة إلى وجه العطف وتركه مع أن القصة واحدة، وحاصل ذلك أنه حيث طرح الواو قصد تفسير العذاب وبيانه فلم يعطف لما بينهما من كمال الاتصال وحيث عطف لم يقصد ذلك، والعذاب إن كان المراد به الجنس فالتذبيح لكونه أشد أنواعه عطف عليه عطف جبريل على الملائكة ﵈ تنبيهاً على أنه لشدته كأنه ليس من ذلك الجنس، وإن كان المراد به غيره كالاستعباد فهما متغايران والمحل محل العطف، وقد جوز أهل المعاني أن يكونا بمعنى في

стр. 166

الجميع وذكر الثاني للتفسير، وترك العطف في السورتين ظاهر والعطف هنا لعد التفسير لكونه أوفى بالمراد وأظهر منزلة المغاير وهو وجه حسن أيضًا (١). النوع الرابع: المتشابه بالجمع والإفراد: ومن ذلك قول الإمام الألوسي عند تفسيره قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢). وأما ما قيل من إفراد الدرجة أولا لأن المراد هناك تفضيل كل مجاهد، والجمع ثانياً لأن المراد فيه تفضيل الجمع ففي الدرجات مقابلة الجمع بالجمع، فلكل مجاهد درجة ومآل العبارتين واحد والاختلاف تفنن، فمن الكلام الملفوظ لا من اللوح المحفوظ، وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات، وفي هذا رغب الراغب، واستطيبه الطيبي على أن المراد بالتفضيل الأول ما خولهم الله تعالى عاجلاً في الدنيا من الغنيمة والظفر والذكر الجميل الحقيقي بكونه درجة واحدة، وبالتفضيل الثاني ما ادخره سبحانه لهم من الدرجات العالية والمنازل الرفيعة المتعالية عن الحصر كما ينباء عنه تقديم الأول وتأخير الثاني وتوسيط الوعد بالجنة بينهما، كأنه قيل: فضلهم عليهم في الدنيا درجة واحدة، وفي الأخرى درجات لا تحصى، وقد وسط بينهما في الذكر ما هو متوسط بينهما في الوجود أعني الوعد بالجنة توضيحاً لحالهما ومسارعة إلى تسلية المفضول كذا قرره الفاضل مولانا شيخ الإسلام، وقيل: المراد من التفضيل الأول رضوان الله تعالى ونعيمه الروحاني، ومن التفضيل الثاني نعيم الجنة المحسوس، وفيه أن عطف المغفرة والرحمة يبعد هذا التخصيص، وقيل: المراد من المجاهدين الأولين من جاهد الكفار، ومن المجاهدين الآخرين من جاهد نفسه، وزيد لهم في الأجر لمزيد فضلهم كما يدل عليه قوله ﵊: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» (٣) وفيه أن السياق وسبب النزول يأبيان ذلك، والحديث الذي ذكره لا أصل له كما قال المحدثون (٤).

стр. 167

النوع الخامس: المتشابه بالتذكير والتأنيث: ومن ذلك قول الإمام الألوسي عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (١): ونقل عن الراغب ما يدل على أن المقام في هذه الآية مقام الضمير حيث ذكر عنه أنه قال في «درة التنزيل»: إنه تعالى قال ههنا ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ﴾، وقال سبحانه في آية أخرى: ﴿عَذَابَ النار التى كُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ﴾ (٢)، فذكر جل وعلا ههنا وأنث سبحانه هناك، والسر في ذلك أن النار ههنا وقعت موقع الضمير والضمير لا يوصف، فأجرى الوصف على العذاب المضاف إليها وهو مذكر وفي تلك الآية لم يجر ذكر النار في سياقها، فلم تقع النار موقع الضمير فأجرى الوصف عليها وهي مؤنثة دون العذاب فتأمل (٣). النوع السادس: المتشابه بالتعريف والتنكير: ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (٤): «ولما كان في التعريف نوع من الفخامة وفي التنكير نوع آخر وكان الغرض الجمع عرف الكتاب ونكر القرآن ههنا وعكس في النمل (٥) وقدم المعرف في الموضعين لزيادة التنويه» (٦). النوع السابع: المتشابه بالإظهار والإضمار: ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ (٧): «قال ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا ياموسى موسى﴾ لم يضف الرب إلى نفسه ولو بطريق حكاية ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبّكَ﴾ [طه: ٤٧] وقوله سبحانه: ﴿قَدْ جئناك بِئَايَةٍ مّن رَّبّكَ﴾ [طه: ٤٧] لغاية عتوه ونهاية طغيانه بل أضافه إليهما لما أن المرسل لا بد أن يكون رباً للرسول، وقيل: لأنهما قد صرحا

стр. 168

بربوبيته تعالى للكل بأن قالا: ﴿إنا رسول رب العالمين﴾ (١) كما وقع في سورة الشعراء والاقتصار ههنا على ذكر ربوبيته تعالى لفرعون لكفايته فيما هو مقصود» (٢). وأيضًا قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْك﴾ (٣): «وأفرد ضمير ﴿مِنْ﴾ في ﴿يَسْتَمِعِ﴾ وجمعه في قوله سبحانه ﴿وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾؛ نظراً إلى لفظه ومعناه وعن الكرخي إنما قيل: هنا ﴿يَسْتَمِعِ﴾ وفي يونس ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ لأن ما هنا في قوم قليلين فنزلوا منزلة الواحد وما هناك في جميع الكفار فناسب الجمع، وإنما لم يجمع ثم في قوله سبحانه: ﴿وَمِنهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] لأن المراد النظر المستتبع لمعاينة أدلة الصدق وأعلام النبوة والناظرون كذلك أقل من المستمعين للقرآن» (٤). النوع الثامن: المتشابه باختلاف الصيغة الصرفية: ومن ذلك قوله عند تفسير قول الله : ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٥): «ووقع في آية أخرى ﴿الاخسرون﴾ (٦) وذلك لاقتضاء المقام على ما لا يخفى على الناظر فيه أو لأنه وقع في الفواصل هنا اعتماد الألف كالكافرين والغافلين فعبر به لرعاية ذلك وهو أمر سهل» (٧). النوع التاسع: المتشابه بالإجمال والتفصيل: ومن ذلك قوله عند تفسير قول الله : ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨).

стр. 169

«واعلم أن هذه القصة قد ذكرت في عدة سور وقد ترك في بعضها بعض ما ذكر في البعض الآخر للإيجاز ثقة ما ذكر في ذلك وقد يكون فيها في موضعين مثلاً لفظان متحدان مآلا مختلفان لفظاً رعاية للتفنن، وقد يحمل الاختلاف على تعدد الصدور فيقال مثلاً: إن اللعين أقسم مرة بالعزة فحكى ذلك في سورة ﴿ص﴾ بقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾ وأخرى بإغواء الله تعالى الذي هو أثر من آثار قدرته وعزته وحكم من أحكام سلطانه فحكى ذلك في سورة الأعراف: بقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى﴾ (١)، وقد يحمل الاختلاف على اختلاف المقامات كترك الفاء من قوله: ﴿يُنظرنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢)، ومن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ المنظرين﴾ (٣)، في الأعراف مع ذكرها فيهما في ﴿ص﴾ والذي يجب اعتباره في نقل الكلام إنما هو أصل معناه ونفس مدلوله الذي يفيده وأما كيفية إفادته له فليس مما يجب مراعاته عند النقل البتة بل قد تراعي وقد لا تراعي حسب اقتضاء المقام، ولا يقدح في أصل الكلام تجريده عنها بل قد تراعي عند نقله كيفيات وخصوصيات لم يراعها المتكلم أصلاً حيث أن مقام الحكاية اقتضتها وهي ملاك الأمر ولا يخل ذلك بكون المنقول أصل المعنى كما قد حققه صدر المفتين أبو السعود وأطال الكلام فيه فليراجع» (٤). النوع العاشر: المتشابه بالإضافة وعدمها: ومن ذلك قوله عند تفسير قول الله : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٥): «وإنما قال سبحانه هنا ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ وفيما يأتي ﴿وَلَوْ شَاء الله مَا فَعَلُوهُ﴾ (٦) فغاير بين الاسمين في المحلين لما ذكر بعضهم وهو أن ما قبل هذه الآية من عداوتهم له ﵊ كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي لو شاء منعهم عنها فلا يصلون إلى المضرة أصلاً يقتضي ذكره جل شأنه بهذا العنوان إشارة إلى أنه مربيه صلى الله

стр. 170

عليه وسلم في كنف حمايته وإنما لم يفعل سبحانه ذلك لأمر اقتضته حكمته، وأما الآية الأخرى فذكر قبلها إشراكهم فناسب ذكره عز اسمه بعنوان الألوهية التي تقتضي عدم الاشتراك فكأنه قيل ههنا: إذا كان ما فعلوه من أحكام عداوتك من فنون المفاسد بمشيئة ربك جل شأنه الذي لم تزل في كنف حمايته وظل تربيته فاتركهم وافتراءهم أو وما يفترونه من أنواع المكايد ولا تبال به فإن لهم في ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة لابتناء مشيئته سبحانه على الحكم البالغة ألبتة» (١). بالإضافة إلى ذلك فقد أكثر الإمام الألوسي من توجيه المكرر وأبطل مزاعم التكرار، وأثبت بلاغة التعبير القرآني. ومن الأمثلة على ذلك: قال عند تفسيره قول الله : ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢): «﴿قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ كرر للتأكيد، فالفصل لكمال الاتصال والفاء في ﴿فَتَلَقَّى﴾ للاعتراض، إذ لا يجوز تقدم المعطوف على التأكيد، وفائدته الإشارة إلى مزيد الاهتمام بشأن التوبة وأنه يجب المبادرة إليها، ولا يمهل فإنه ذنب آخر مع ما في ذلك من إظهار الرغبة بصلاح حاله ﵇ وفراغ باله، وإزالة ما عسى يتشبث به الملائكة ﵈، وقد فضل عليهم وأمروا بالسجود له، أو كرر ليتعلق عليه معنى آخر غير الأول، إذ ذكر إهباطهم أولاً: للتعادي وعدم الخلود، والأمر فيه تكويني. وثانياً: ليهتدي من يهتدي، ويضل من يضل، والأمر فيه تكليفي، ويسمى هذا الأسلوب في البديع الترديد فالفصل حينئذ للانقطاع لتباين الغرضين، وقيل: إن إنزال القصص للاعتبار بأحوال السابقين، ففي تكرير الأمر تنبيه على أن الخوف الحاصل من تصور إهباط آدم ﵇ المقترن بأحد هذين الأمرين من التعادي والتكليف كاف لمن له حزم، وخلا عن عذر أن تعوقه عن مخالفة حكمه تعالى، فكيف المخالفة الحاصلة من تصور الإهباط المقترن بهما؟ فلو لم يعد الأمر لعطف ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ على الأول: فلا يفهم إلا إهباط مترتب عليه جميع هذه الأمور، ويحتمل على بعد

стр. 171

أن تكون فائدة التكرار التنبيه على أنه تعالى هو الذي أراد ذلك، ولولا إرادته لما كان ما كان؛ ولذلك أسند الإهباط إلى نفسه مجرداً عن التعليق بالسبب بعد إسناد إخراجهما إلى الشيطان، فهو قريب من قوله عز شأنه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ (١) وقال الجبائي: إن الأول: من الجنة إلى السماء. والثاني: منها إلى الأرض، ويضعفه ذكر ﴿وَلَكُمْ فِى الارض مُسْتَقَرٌّ﴾ (٢) عقيب الأول و ﴿جَمِيعاً﴾ حال من فاعل ﴿اهبطوا﴾ أي مجتمعين، سواء كان في زمان واحد أو لا، وقد يفهم الاتحاد في الزمان من سياق الكلام، كما قيل به في ﴿فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٣) وأبعد ابن عطية فجعله تأكيداً لمصدر محذوف أي هبوطاً جميعاً» (٤).

стр. 172

الفصل الرابع المقارنة بين الإمامين الرازي والألوسي ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: مقارنة عامة بين منهج الإمامين في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المبحث الثاني: أوجه التشابه بين الإمامين الرازي والألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الأول: مسائل المتشابه اللفظي التي اتفق الإمامان في توجيهها في الحروف. المطلب الثاني: مسائل المتشابه اللفظي التي اتفق الإمامان في توجيهها في اللفظ والتركيب. المبحث الثالث: أوجه الاختلاف بين الإمامين الرازي والألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. المطلب الأول: مسائل المتشابه اللفظي التي اختلف الإمامان في توجيهها في الحروف. المطلب الثاني: مسائل المتشابه اللفظي التي اختلف الإمامان في توجيهها في اللفظ والتركيب. المبحث الرابع: ما انفرد به كل إمام عن الآخر. المطلب الأول: ما انفرد به الإمام الرازي عن الإمام الألوسي. المطلب الثاني: ما انفرد به الإمام الألوسي عن الإمام الرازي.

стр. 173

المبحث الأول مقارنة عامة بين منهج الإمامين في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. أولا: من حيث عدد المسائل التي تناولها كل إمام: الإمام الرازي تناول مسائل أكثر من الإمام الألوسي؛ فقد قام بتوجيه حوالي ثلاثمائة مسألة من مسائل المتشابه في القرآن الكريم، أما الإمام الألوسي فقد تناول حوالي مائة وخمسين مسألة من مسائل المتشابه اللفظي في القرآن الكريم. ثانيًا: من حيث طريقة كل إمام في عرض المتشابه: اختلف الإمامان في طريقة عرض المتشابه فقد اتبع الإمام الرازي طريقة الإمام الإسكافي ومن سار على دربه من استخدام أسلوب المناقشة في عرض المتشابه على شكل سؤال وجواب، أما الإمام الألوسي فقد ترك أسلوب المناقشة وعمد مباشرةً إلى ذكر المتشابه اللفظي مباشرةً كالإمام الكرماني (١). ثالثًا: من حيث الأسلوب: اتفق الإمامان في أسلوب توجيه المتشابه فقد امتاز عند الإمامين بالسهولة والوضوح، والإيجاز في التوجيه في أغلب المسائل، والبسط وإطالة التوجيه في بعض المسائل، وطول النفس في عرض جميع المتشابهات بين الآيتين في بعض المسائل، وذكر التوجيه في الموضع الأول غالبًا، أو الموضع الثاني أحيانًا. رابعًا: من حيث ما اعتمد عليه الإمامان في التوجيه: اتفق الإمامان في الاعتماد على علم القراءات في توجيه بعض المسائل، وعلم النحو، والسياق، وظهرت بلاغة المتشابه اللفظي بوضوح في تفسيرهما.

стр. 174

الإمام الرازي اعتمد أيضًا على علم الفقه والحديث (حتى أنه قام أحيانًا بالمقارنة بين آية وحديث) (١). أما الإمام الألوسي فقد حمل المتشابه على التفنن في التعبير في بعض المسائل، فيما لم يقل به الإمام الرازي في أي مسألة. يقول د/ ياسر بابطين: «يتيح لنا تتبع مواضع الحمل على التفنن عند الآلوسي، وتصنيفها، ومناقشة كلامه فيها، تأطيرًا منهجيًا لمذهبه في التفنن، وقد توسط الآلوسي بين من تجنب الحمل على التفنن كالرازي، ومن توسع فيه جدًا كابن عاشور» (٢). أيضًا الإمام الألوسي قال بمراعاة الفواصل في بعض المسائل، فيما لم يقل الإمام الرازي بها في أي مسألة. خامسًا: بالنسبة لعلماء المتشابه اللفظي الذين تأثر بهما الإمامان وتأثروا بهم: الإمام الرازي نقل من الإمام الإسكافي دون أن يشير، واتفق مع الإمام الكرماني في عدد من المسائل، وتأثر به كلا من الإئمة ابن الزبير، ابن جماعة، والأنصاري في عدد من المسائل. أما الإمام الألوسي فهو متأخر عن جميع علماء المتشابه اللفظي ولم يشر في تفسيره إلى اسم أي عالم منهم، وأشار إلى كتاب درة التنزيل ثلاثٍ مرات في تفسيره، واتفق مع علماء المتشابه في توجيه بعض المسائل. والإمام الرازي انفرد عن جميع علماء المتشابه اللفظي بتوجيه الكثير من مسائل المتشابه اللفظي، ما يزيد عن مائة مسألة، بينما انفرد الإمام الألوسي عنهم بما يزيد عن أربعين مسألة.

стр. 175

المبحث الثاني أوجه التشابه بين الإمامين الرازي والألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم المطلب الأول مسائل المتشابه اللفظي التي اتفق الإمامان على توجيهها في الحروف اتفق الإمامان معًا في توجيه بعض مسائل المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، خاصة أن الإمام الألوسي قد نقل توجيه بعض مسائل المتشابه اللفظي في القرآن الكريم من الإمام الرازي. ١ - في توجيه الفرق بين تقديم الحرف (في) في قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ (١) في سورة الصافات وتأخيره في سورة البقرة: ﴿لَا رَيْبَ فِيه﴾ (٢). حيث قال الإمام الرازي: «لم قال هاهنا: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وفي موضع آخر ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ (٣)؟ الجواب: لأنهم يقدمون الأهم فالأهم، وهاهنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب، ولو قلت: لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتاباً آخر حصل الريب فيه لا هاهنا، كما قصد في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا، فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا» (٤). وقال الإمام الألوسي: «وإنما لم يقل سبحانه لا فيه ريب على حد ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾؛ لأن التقديم يشعر بما يبعد عن المراد وهو أن كتاباً غيره فيه الريب كما قصد فيه الآية تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها فليس فيها ما في غيرها من العيب قاله الزمخشري» (٥).

стр. 176

فالإمامان اتفقا معًا في توجيه المتشابه، وقد نسب الإمام الألوسي التوجيه للزمخشري، بينما لم يشر الإمام الرازي إلى ذلك. ٢ - اتفق الإمامان في توجيه تكرار حرف الجر (على) في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (١)، حيث قال الإمام الرازي: «الفائدة في تكرير الجار في قوله: وعلى سمعهم أنها لما أعيدت للأسماع كان أدل على شدة الختم في الموضعين» (٢). وقال الإمام الألوسي: «وأعاد جل شأنه الجار لتكون أدلة على شدة الختم في الموضعين فإن ما يوضع في خزانة إذا ختمت خزانته وختمت داره كان أقوى المنع عنه وأظهر في الاستقلال لأن إعادة الجار تقتضي ملاحظة معنى الفعل المعدى به حتى كأنه ذكر مرتين، ولذا قالوا في مررت بزيد وعمرو: مرور واحد، وفي مررت بزيد وبعمرو: مروان، والعطف وإن كان في قوة الإعادة لكنه ليس ظاهراً مثلها في الإفادة لما فيه من الاحتمال» (٣). بعرض رأي الإمامين يتضح أنهما اتفقا معًا في توجيه المتشابه، وأن تكرار حرف الجر (على) أدل على شدة الختم. ٣ - عند تفسير الإمامين لآية الأمر بدخول القرية في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). اتقفا معًا في توجيه إبدال حرف الواو في (وكلوا) بحرف الفاء (فكلوا) في سورة البقرة. حيث قال الإمام الرازي: «وأما الثاني: فهو أنه تعالى قال في البقرة: ادخلوا هذه القرية فكلوا بالفاء. وقال هاهنا: اسكنوا هذه القرية وكلوا بالواو والفرق أن الدخول حالة مخصوصة، كما يوجد بعضها ينعدم، فإنه إنما يكون داخلا في أول دخوله، وأما ما بعد ذلك فيكون سكونا لا دخولا، إذا ثبت هذا فنقول: الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار فلا جرم يحسن ذكر فاء التعقيب

стр. 177

بعده، فلهذا قال ادخلوا هذه القرية وأما السكون فحالة مستمرة باقية، فيكون الأكل حاصلًا معه لا عقيبه فظهر الفرق» (١). وقال الإمام الألوسي: «وجيء بالواو هنا وبالفاء في البقرة لأنه قيل هناك ادخلوا ذكر التعقيب معه وهنا اسكنوا والسكنى أمر ممتد والأكل معه لا بعده، وقيل: إن إذا تفرع المسبب عن السبب اجتمعا في الوجود فيصح الاتيان بالواو والفاء، وفيه أن هذا إنما يدل على صحة العبارتين وليس السؤال عن ذلك» (٢). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي ذكر رأيين، الرأي الأول بصيغة (قيل) وهو متفق مع رأي الإمام الرازي. تنبيه: توجيه هذه المسألة في الموضع الثاني للمتشابه (سورة الأعراف)، أما الموضع الأول (سورة البقرة) فقد اختلف الإمام الألوسي مع الإمام الرازي في التوجيه حيث أن كل إمام ذكر توجيهين مختلفين للمتشابه، التوجيه الأول في الموضع الأول للمتشابه (سورة البقرة) مختلف عن التوجيه الثاني في الموضع الثاني للمتشابه (سورة الأعراف)، وقد قام الإمام الألوسي بتعقب آراء الإمام الرازي في الموضع الأول للمتشابه (سورة البقرة)، ولم يتفق معه ورجح آراء الزمخشري، لكن في الموضع الثاني للمتشابه (سورة الأعراف) اتفق معه في خمس مسائل من مسائل المتشابه اللفظي بين الآيتين، بل ونقل رأيه في بعضها. ٤ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين ذكر حرف الواو في قوله تعالى: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (٣)، وحذفه في قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (٤). حيث قال الإمام الرازي: «ذُكر في سورة البقرة: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ (٥)، وفي سورة الأعراف: ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ (٦)، وهاهنا ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ مع الواو فما الفرق؟

стр. 178

والجواب: قال تعالى في سورة البقرة: يذبحون بغير واو لأنه تفسير لقوله: سوء العذاب وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو تقول: أتاني القوم زيد وعمرو. لأنك أردت أن تفسر القوم بهما ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ (١)، فالآثام لما صار مفسرا بمضاعفة العذاب لا جرم حذف عنه الواو، أما في هذه السورة فقد أدخل الواو فيه، لأن المعنى أنهم يعذبونهم بغير التذبيح وبالتذبيح أيضا فقوله: ويذبحون نوع آخر من العذاب لا أنه تفسير لما قبله» (٢). وقال الإمام الألوسي: «وفي «أنوار التنزيل» أن المراد بالعذاب ههنا غير المراد به في سورة البقرة والأعراف لأنه مفسر بالتذبيح والتقتيل ثم ومعطوف عليه التذبيح المفاد بقوله تعالى: ﴿وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ ههنا، وفيه إشارة إلى وجه العطف وتركه مع أن القصة واحدة، وحاصل ذلك أنه حيث طرح الواو قصد تفسير العذاب وبيانه فلم يعطف لما بينهما من كمال الاتصال وحيث عطف لم يقصد ذلك، والعذاب إن كان المراد به الجنس فالتذبيح لكونه أشد أنواعه عطف عليه عطف جبريل على الملائكة ﵈ تنبيهاً على أنه لشدته كأنه ليس من ذلك الجنس، وإن كان المراد به غيره كالاستعباد فهما متغايران والمحل محل العطف، وقد جوز أهل المعاني أن يكونا بمعنى في الجميع وذكر الثاني للتفسير، وترك العطف في السورتين ظاهر والعطف هنا لعد التفسير لكونه أوفى بالمراد وأظهر منزلة المغاير وهو وجه حسن أيضًا» (٣). بعرض رأي الإمامين يتضح أنهما اتفقا معًا في توجيه المتشابه. ٥ - اتفق الإمامان على إبدال حرف الفاء في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا﴾ (٤)، بحرف الواو في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا﴾ (٥).

стр. 179

حيث قال الإمام الرازي: «فإن قيل قال في موضع ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا﴾ (١)، وقال هاهنا ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا﴾ (٢)، بالفاء فما الفرق؟ نقول: هاهنا سَبَقَ مِنْهُمْ إِنْكَارُ الرَّجْعِ فَقَالَ بِحَرْفِ التَّعْقِيبِ بِمُخَالِفِه» (٣). وقال الإمام الألوسي: «وقيل ههنا ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ بالفاء وفي موضع آخر ﴿أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا﴾ بالواو لسبق إنكار الرجع فناسب التعقيب بما يشعر بالاستدلال عليه» (٤). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي قد نقل رأي الإمام الرازي.

стр. 180

المطلب الثاني مسائل المتشابه اللفظي التي اتفق الإمامان في توجيهها في اللفظ والتركيب ١ - اتفق الإمامان على توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، بقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (٢). حيث قال الإمام الرازي: «ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، كفاه؛ لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (٤)، ثم قال هاهنا في القرآن: إنه هدى للمتقين، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس، فمن لا يكون متقيا كأنه ليس بإنسان» (٥). وقال الإمام الألوسي: «وبعض صحح أن القرآن في نفسه هدى في كل شيء حتى معرفة الله تعالى لمن تأمل في أدلته العقلية وحججه اليقينية كما يشعر به ظاهر قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ (٦)، ويكون الاقتصار على المتقين هنا بناء على تفسيرنا الهداية مدحاً لهم ليبين سبحانه أنهم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يخشاها﴾ (٧)، مع عموم إنذاره ﷺ وأما غيرهم فلا ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً﴾ (٨)، و ﴿لا يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا﴾ (٩)، وأما القول بأن التقدير هدى للمتقين والكافرين فحذف لدلالة المتقين على حد ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (١٠)، فمما لا يلتفت إليه» (١١).
следующие страницы →