← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 935

توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم عند المفسرين - دراسة في تفسيري الرازي والألوسي

ريم عبد الفتاح البحيري

Полный текст (238 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

*في حين أجد أن الإسكافي فرق بين الموضعين، حيث قال: «قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١)، وقال في سورة الصف: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). للسائل أن يسأل فيقول: قال تعالى في الآية الأولى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، وقال في الثانية ﴿لِيُطْفِئُوا﴾ فما الذي أوجب اختصاص الأولى بما اختصت به؟، والثانية باللام دون أن تكون مثل الأولى بـ أن وهي الأصل في تعدي الإرادة إليه؟ والجواب أن يقال: إن الإرادة في الآية الأولى تعلقت بإطفاء نور الله بأفواههم، وإطفاء نور الله إنما يكون بما حاولوا من دفع الحق بالباطل فالحق يسمى نورا، لأن حججه وبراهينه تضيء لطالبه بها إليه، والباطل هو قوله بأفواههم، وهو ما أخبر الله تعالى به قبل عن اليهود والنصارى فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٣) أي: هو قول لا حقيقة له، ولا محصول له، وبمثله لا يدفع الحق وبالأفواه لا يطفأ هذا النور كما يطفأ السراج؛ لأن هذا النور وإن أشبهه في أنه يهدي ويبين الحق من الباطل، فهو بخلافه في الامتناع من الإطفاء كما يتهيأ ذلك في السراج. والنور يجوز أن يكون الآية المنيرة والحجة الساطعة ويجوز أن يكون المراد به القرآن، ويجوز أن يكون المراد به النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (٤). فالسراج المنير يسمى نورا، وكل واحد من الثلاثة إذا دفعوه جاز أن يقال: حاولوا إطفاءه والخبر عن اليهود والنصارى الذين قال فيهم : ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (٥) أي: يشاكلون بإثباتهم لله بنا وشريكا قول من أثبت مع الله آلهة: ﴿وَمَا

стр. 72

أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). وهذا واضح الإرادة إلى هذا المراد ظاهر، وهو وجه الكلام والأصل. وأما الآية في سورة الصف، وتعليق الإرادة فيها بالإطفاء مع زيادة اللام، فإن للنحوين في ذلك مذهبين: أحدهما: أن اللام توضع موضع أن لكثرة ما يقال: زرتك لتكرمني، فاللام لما شهرت بنيابتها عن أن وقيامها مقامها في الموقع، كان تعدى الفعل إليها مع ما بعدها من الفعل كتعديه إلى أن وما تنصبه من المسقبل فيقال قصدت أن تفرح وقصدت لتفرح، وهذا لا يكون إلا على سبيل التوسع دون الحقيقة. فأما المذهب الآخر فللمحققين وهو أن الفعل معدى إلى المفعول محذوف، واللام الداخلة على الفعل المنصوب تكون منبئة على العلة التي لها أنشئ الفعل. والمراد في الآية على هذا التحقيق: يريدون أن يكذبوا ليطفئوا نور الله بأفواههم لأن قبلها: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، فقوله: ﴿يُرِيدُونَ﴾ لم يذكر فيه مفعول ما يريدون اعتمادا على ما نبه عليه بقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (٣) فكأنه قيل: يريدون افتراء الكذب ليطفئوا نور الله، وهو على نحو قوله: أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود، وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه سراويل عادي نمته ثمود أي: أردت أن انزع سراويلي ليعلم الناس إذا رأوا طولها على أنها عادي القامة، ثمودي الخلقة. فلهذا خصت الآية الثانية بدخول اللام على يطفئوا، ولما كان المراد في الآية الأولى الإطفاء بالأفواه لما دل عليه مفتتح العشر وهو: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (٤)، كانت الإرادة معداة إلى إطفاء نور الله تعالى بأفواههم، وهو ما

стр. 73

حكى الله تعالى عنهم أنه قولهم بأفواههم، أي: يريدون أن يدفعوا الحق بالباطل من أفواههم، وهذا واضح» (١). مثال آخر: قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٢): «فأوجب بعد رعاية حقوق الأبوين رعاية حقوق الأولاد وقوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ أي من خوف الفقر أي من ذكر الخوف وقد صرح بذكر الخوف في قوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٣) والمراد منه النهي عن الوأد، إذ كانوا يدفنون البنات أحياء، بعضهم للغيرة، وبعضهم خوف الفقر، وهو السبب الغالب» (٤). *فالإمام الرازي جعل موضعي المتشابه (من إملاق - خشية إملاق) بمعنى واحد وهو خوف الفقر دون أن يفصل ويبين الفرق بين الموضعين. *في حين نرى أن الإمام الإسكافي في درة التنزيل بيّن الفرق بين الموضعين حيث قال: «فأما قوله في سورة الأنعام: (نحن نرزقكم وإياهم) فلأن قبله (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) أي: من أجل إملاق وانقطاع مال وزاد، وهذا نهي عن قتلهم مع فقرهم وخوفهم على أنفسهم إذا لزمتهم مؤونة غيرهم، فكأنه قال: الذي يدعوكم إليه من حالكم في أنفسكم ثم في غيركم يجب أن تشفقوا منه فإني أرزقكم وإياهم. وأما الآية التانية فإنه قال فيها: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ والإملاق غير واقع، فكأنه قال: خوف الفقر على الأولاد، وكان عقب هذا إزالة الخوف عنهم، ثم عن القائلين، أي لا تقتلوهم لما تخشون عليهم من الفقر، فالله يرزقهم وإياكم، فقدم في كل موضع من الموضعين ما اقتضى تقديمه، وأخر ما اقتضى الموضع تأخيره. والله أعلم» (٥).

стр. 74

وقد ذهب أيضًا ابن الزبير إلى رأى الإسكافي، قال: «قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (١)، وفى سورة بنى إسرائيل (الإسراء): ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢)، ففى الأولى "من إملاق" و"نرزقكم" بتقديم ضمير المخاطبين فللسائل أن يسأل عن وجه هذا الاختلاف فى الآيتين مع اتحاد المقصد فيهما؟ والجواب عن ذلك: والله أعلم أن المخاطبين بآية الأنعام إنما كان فعلهم ذلك من أجل الفقر الحاصل حين فعلهم ذلك، فقيل من إملاق أى من أجل الاملاق الحاصل، ثم قيل لهم "نحن نرزقكم وإياهم" فقدم رزقه تعالى لهم لحصول فقرهم فى الحال ليكون أمنع لهم، وكأن السياق يشعر بتشفيع الأولاد فى رفع فقر الآباء القاتلين فكأن قد قيل لهم: إنما ترزقون بهم فلا تقتلوهم، فتأكد تقديم ضمير الآباء لهذا الغرض. *وأما الآية الآخرى فقصد بها كفار العرب، وكأن وأدهم البنات خشية الفقر المتوقع والعجز عن مؤنتهن فيما يتوقعونه مستقبلا فقيل "خشية إملاق" فجعلت الخشية هى العلة فى فعلهم، فانتصبت على ذلك، والمعلول الذي هو الإملاق لم يقع بعد وضمن تعالى لهم رزقهم ورزق أولادهم ودفع ذلك المتوقع ليرفع ذلك خشيتهم، فلهذا قدم هنا ضمير الأولاد ثم عطف عليه ضمير الآباء. وكان الأهم هنا فقدم، وجاء كل فى الموضعين على ما يجب ويناسب، والله أعلم» (٣).

стр. 75

المطلب الثاني مصادر الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم أولًا: العلماء الذين نقل عنهم الإمام الرازي وذكرهم في تفسيره: تأثر بالعالم النحوي عبد القاهر النحوي (١) حين ذكر الفرق بين قوله تعالى (ناصح أمين) و (أنصح لكم) (٢). كما نقل رأى الإمام الواحدي (٣) في الفائدة في تكرار قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] (٤)، ورحج رأى الإمام قطرب في الحروف المقطعة (٥)، كما نقل رأي الزمخشري في عدة مسائل (٦)، ونقل رأي الإمام الكلبي في مسألة وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لقومٍ يؤمنون ووصفه بأنه هدى للناس (٧)، ونقل رأي الإمام القفال في تكرار الرؤية في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (٨)، ونقل رأي غيره بصيغة (العلماء) أحيانا (٩)، ونقل رأي غيره بصيغة (قالوا) دون أن يصرح أحيانًا (١٠).

стр. 76

بروز شخصية الإمام الرازي في النقل: أ. فهو أحيانًا يأتي برأى غيره وينتقده: ومثال ذلك: حين نقل رأى الجبائي في فائدة تكرير الأمر بالهبوط في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). قال: «ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين (الأول) قال الجبائي: الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، وهذا ضغيف من وجهين (أحدهما) أنه قال في الهبوط الأول (ولكم في الأرض مستقر) فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله (اهبطوا منها) والضمير في (منها) عائد إلى الجنة، وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة، (الوجه الثاني) أن التكرير لأجل التأكيد، وعندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط، فتابا بعد الأمر بالهبوط، ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب ألا يبقى الأمر بالهبوط، فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها، بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة؛ لأن الأمر به كان تحقيقًا للوعد المتقدم في قوله ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٢) فإن قيل ما جواب الشرط الأول؟ قلنا: الشرط الثاني مع جوابه، كقولك إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك (٣). ب. وأحيانًا يستدل برأي غيره فقط دون أن ينتقده ودون أن يذكر أي رأي أخر مثال ذلك: قال الإمام الرازي: «قوله ههنا: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٤) يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين، وقوله في الأعراف ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (٥) يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما؟ أجاب

стр. 77

الحسن البصري فقال: ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعًا، وهو كقوله: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١). فقد استدل الرازي بقول الحسن البصري دون أن يضيف عليه، كما نقل رأى أبي عمرو بن العلاء (٢)، في الفرق بين (فانفجرت - فانبجست) (٣)، ج. وأحيانا يذكر رأى غيره، ويستدل به ويضيف عليه (٤). * ثانيًا: موقف الإمام الرازي من علماء المتشابه اللفظي: وبالنسبة لعلماء المتشابه اللفظي فقد تأثر الإمام الرازي بالإمام الإسكافي (ت: ٤٢٠ هـ) دون أن يشير إلى ذلك، واتفق مع الإمام الكرماني (٥٠٥ هـ) في عدة مسائل، وتأثر به الإمام ابن الزبير الثقفي (ت: ٧٠٨ هـ) في توجيه بعض مسائل المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، وتأثر به أيضًا الإمام ابن جماعة (ت: ٧٣٣ هـ)، والإمام الأنصاري (٩٢٥ هـ). ثأثر الإمام الرازي بالإمام الإسكافي (ت: ٤٢٠) في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم: الناظر في تفسير الإمام الرازي يجد أنه لم يشر إلى العلامة الإسكافي، ولا إلى كتاب درة التنزيل لكننا نجد أنه تأثر به في توجيه بعض مسائل المتشابه اللفظي دون أن يشير، وهذه المسائل تؤكد إطلاع الإمام الرازي على كتابه. يقول د/ صالح الشثري: «(أما أثر الكتاب (يقصد درة التنزيل) في كتب التفسير التي تعني بالإعجاز القرآني، ولها اهتمام بتوجيه الآيات المتشابهة تشابهًا لفظيًا مثل الكشاف للزمخشري (ت ٥٣٨)، والتفسير الكبير للفخر الرازي (ت ٦٠٤)، والبحر المحيط لأبي حيان (ت ٧٥٤)، وروح

стр. 78

المعاني للألوسي (ت ١٢٧٠)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (ت ١٣٩٣)، وغيرها من التفاسير، فأمر واضح أيضًا ويعرف ذلك من خلال توجيه الآيات المتشابهة، إذ أن الخطيب الإسكافي متقدم عليهم جميعًا، حيث توفى ﵀ عام ٤٢٠ هـ، ففي ضوء ما بحثته في الباب الثاني، والثالث، أجد في الغالب معنى كلام الإسكافي في توجيههم للآيات المتشابهة، وأحيانًا نص كلامه، ومع هذا لا أجد تصريحًا باسمه أو ذكرًا لكتابه في توجيهاتهم، حتى عند المفسرين المتأخرين» (١). ومن خلال بحثي اتفق (الباحثة) مع ما ذهب إليه د/ صالح الشثري فالإمام الرازي مثلًا نقل بعض المسائل من العلامة الإسكافي دون أن يشير، لكنه ذكر تفسير روح المعاني ولا اتفق معه؛ لأن الإمام الألوسي ذكر كتاب درة التنزيل ثلاث مرات في تفسيره. وسأعرض الآن المسائل التي تأثر فيها الإمام الرازي بالعلامة الإسكافي وفي كل مسألة أذكر ما قاله الإمام الرازي في تفسيره ثم أنقل ما قاله العلامة الإسكافي في درة التنزيل. المسائل التي تأثر فيها الإمام الرازي بالعلامة الإسكافي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم دون أن يشير: المسألة الأولى: قال الإمام الرازي: «لقائل إن يقول: إنه تعالى قال ههنا (وكلا منها رغدًا)، وقال في الأعراف (فكلا من حيث شئتما) فعطف (كلا) على قوله "اسكن" في سورة البقرة بالواو، وفي سورة الأعراف بالفاء فما الحكمة؟ والجواب: كل فعل عُطف عليه شئ، وكان الفعل بمنزلة الشرط، وذلك الشئ بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ (٢)، فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقًا بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصول إلى الأكل، والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ

стр. 79

اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ (١)، فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء لأن اسكنوا من السكنى وهي المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن من دخل بستانًا قد يأكل منه وإن كان مجتازًا فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء، إذا ثبت هذا فنقول: إن "اسكن" يقال لمن دخل مكانًا فيراد منه الزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل منه، ويقال أيضًا لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله واسكن فيه ففي سورة البقرة إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث والاستقرار وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو، وفي سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول الجنة، وقد بينا أن الأكل يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الفاء والله أعلم» (٢). وقال الإمام الإسكافي في درة التنزيل: «فأول آية ابتدأت بها قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (٣)، وقال في سورة الأعراف: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (٤). فعطف (كلا) على (اسكن) بالفاء في هذه السورة وعطفها عليه في سورة البقرة بالواو والأصل في ذلك أن كل فعل عطف عليه ما يتعلق به تعلق الجواب بالإبتداء، وكان الأول مع الثاني بمعنى الشرط والجزاء، فالأصل فيه عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ (٥)، فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقا بدخولها، فكأنه قال: إن دخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصل إلى الأكل، والأكل متعلق وجوده بوجوده. يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه من سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٦)، فعطف (كلوا) على قوله (اسكنوا) بالواو دون الفاء، لأن اسكنوا من السكنى، وهي المقام مع طول لبث. والأكل

стр. 80

لا يختص وجوده بوجوده، لأن من يدخل بستانا قد يأكل منه وإن كان مجتازا، فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجواب بالابتداء وجب العطف بالواو دون الفاء، وعلى هذا قوله تعالى في الآية التي بدأت بذكرها ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (١)، وبقي أن أبين المراد بالفاء في قوله تعالى ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (٢) مع عطفه على قوله ﴿اسْكُنْ﴾ وهو أن اسكن يقال لمن دخل مكانا، فيراد به: الزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل منه، ويقال أيضا لمن لم يدخله اسكن هذا المكان، يعني ادخله واسكنه، كما تقول لمن تعرض عليه دارا ينزلها سكنى فتقول: اسكن هذه الدار فاصنع فيها ما شئت من الصناعات، معناه: ادخلها ساكنا لها فافعل فيها كذا وكذا، فعلى هذا الوجه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا .. ﴾ بالفاء فالحمل على هذا المعنى في هذه الآية أولى، عز من قائل وجل قال لإبليس: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ (٣) فكأنه قال لآدم: اسكن أنت وزوجك الجنة، أي: ادخل، فيقال: اسكن، يعني ادخل ساكنا، ليوافق الدخول الخروج، ويكون أحد الخطابين لهما قبل الدخول، والآخر بعده، مبالغة في الإعذار، وتأكيد للإنذار وتحققا لمعنى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). من خلال عرض رأى الإمامين الجليلين يتضح أن الإمام الرازي قد نقل من الإمام الإسكافي دون أن يشير إلى ذلك. لكن الإمام الرازي قد ذكر توجيهًا آخر عند تفسيره لسورة الأعراف (الموضع الثاني للمتشابه) حيث يقول: «وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا) بالواو، وقال ههنا (فَكُلَا) بالفاء فما السبب فيه؟، وجوابه من وجهين: الأول: أن الواو تفيد الجمع المطلق، والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب، فالمفهوم من الفاء نوع داخل المفهوم من الواو، ولا منافاة بين النوع والجنس، ففي سورة البقرة ذكر الجنس، وفي سورة الأعراف ذكر النوع» (٥).

стр. 81

المسألة الثانية: قال الإمام الرازي: «ذكر في هذه السورة ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بلا واو وفي سورة إبراهيم ذكره مع الواو، والوجه فيه أنه جعل قوله ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (١) مفسرًا بقوله ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ لم يحتج إلى الواو، وأما إذا جعل قوله (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) مفسرًا بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح وجعل الذبح شيئًا آخر سوى سوء العذاب احتيج فيه إلى الواو، وفي الموضعين يحتمل الوجهين إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف العطف في سورة إبراهيم أن يقال: إنه تعالى قال قبل تلك الآية ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (٢)، والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا بتعداد نعم الله تعالى فوجب أن يكون المراد من قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ نوعًا من العذاب والمراد من قوله ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ نوعًا آخر ليكون التخلص منهما نوعين من النعمة. فلهذا وجب ذكر العطف هناك، وأما في هذه الآية لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة وهي قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (٣) فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلًا فظهر الفرق» (٤). وقال الإمام الإسكافي في درة التنزيل: «قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (٥). وقوله عز من قائل في سورة ابراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (٦). فأدخل الواو في قوله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ في سورة إبراهيم، وحذفها منه في سورة البقرة، وجعل ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بدلا من قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾.

стр. 82

والقول في ذلك: أنه إذا جعل ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بدلا من قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ لم يحتج إلى الواو، وإذا جعل قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ عبارة عن ضروب من المكروه هي غير ذبح الأبناء لم يكن الثاني إلا بالواو، وفي الموضعين يحتمل الوجهان إلا أن الفائدة التي تجوز أن تكون خصصت لها الآية في سورة إبراهيم بالعطف بالواو، هي أنها وقعت هنا في خبر قد ضمن خبرا متعلقا به، لأنه قال قبله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (١)، ثم قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فضمن إخباره عن إرساله موسى بآياته إخباره عنه بتنبيه قومه على نعمة الله ودعائهم إلى شكرها، فكان قوله ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ في هذه السورة في قصة مضمنة قصة تتعلق بها، هي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾. والقصة المعطوفة على مثلها يقوى معنى العطف فيها فيختار فيما كان يجوز في العطف على سبيل الإيثار، لا على سبيل الجواز، وليس كذلك موقع ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ في الآية التي في سورة البقرة؛ لأنه تعالى أخبر عن نفسه بإنجازه بني إسرائيل، وهناك أخبر عن موسى ﵇ أنه قال لقومه كذا، بعد أن أخبر عنه أنه أرسله إليهم بآياته. فافترق الموضعان من هذه الجهة» (٢). من خلال عرض رأى الإمامين الجليلين يتضح أن الإمام الرازي قد نقل من الإمام الإسكافي دون أن يشير إلى ذلك. المسألة الثالثة: قال الإمام الرازي: «لم قال في البقرة ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ (٣) وفي الأعراف: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ (٤)؟ الجواب: الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع للسلامة فهو للقلة، وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ لا جرم قرن به ما يليق جوده وكرمه وهو غفران الذنوب الكثيرة فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة، وفي الأعراف لما لم

стр. 83

يضف ذلك إلى نفسه بل قال ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ (١) لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة، فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثير (هـ) وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة» (٢). وقال الإمام الإسكافي في درة التنزيل: «فأما الكلام في (الخطايا) واختيارها في سورة البقرة فلأنها بناء موضوع للجمع الأكثر، والخطيئات جمع السلامة وهي للأقل الدليل على ذلك أنك إذا صغرت الدراهم قلت: دريهمات، فتردها إلى الواحد، وتصغره ثم تجمعه على لفظ القليل الملائم للتصغير، وكذلك الخطايا، لو صغرت لقلت: خطيئات فرددتها إلى خطيئة ثم صغرتها على خطيئة ثم جمعتها جمع السلامة الذي هو على حد التثنية المنبئ عن العدد الأقل من الجمع، فإذا ظهر الفرق بين الخطايا والخطيئات، وكان هذا الجمع المكسر موضوعا للكثير، والمسلم موضوعا للقليل استعمل لفظ الكثير في الموضع الذي جعل الإخبار فيه نفسه بقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا … ﴾ وشرط لمن قام بهذه الطاعة ما يشرطه الكريم إذا وعد من مغفرته الخطايا كلها، وقرن إلى الأخبار عن نفسه جل ذكره ما يليق بجوده وكرمه فأتى باللفظ الموضوع للشمول فيصير كالتوكيد بالعموم لو قال: نغفر لكم خطاياكم كلها أجمع. ولما لم يسند الفعل في سورة الأعراف إلى نفسه عز اسمه وإنما قال: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣) فلم يسم الفاعل، أتى بلفظ (الخطيئات)، وإن كان المراد بها الكثرة كالمراد بالخطايا إلا أنه أتى في الأول لما ذكر الفاعل بما هو لائق بضمانه من اللفظ، ولما لم يسم الفاعل في الثاني في سورة الأعراف وضع اللفظ غير موضعه للفرقان بين ما يؤتى به على الأصل وبين ما يعدل عنه إلى الفرع (٤). من خلال عرض رأى الإمامين الجليلين يتضح أن الإمام الرازي قد نقل من الإمام الإسكافي دون أن يشير إلى ذلك.

стр. 84

المسألة الرابعة: قال الإمام الرازي: «لم ذكر قوله ﴿رَغَدًا﴾ في البقرة وحذفه في الأعراف؟ الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغدًا، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه» (١). وقال الإمام الإسكافي في درة التنزيل: «والمسألة الثالثة في الإتيان بقوله (رغدا) في هذه السورة وحذفها في سورة الأعراف فالجواب عنها كالجواب في الخطايا والخطيئات، لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه تعالى كان اللفظ بالأشرف الأكرم، فذكر معه الإنعام الأجسم، وهو أن يأكلوا رغدا، ولما لم يسند الفعل في سورة الأعراف إلى نفسه لم يكن مثل الفعل الذي في سورة البقرة، فلم يذكر معه ما ذكر فيها من الإكرام الأوفر، وإذا تقدم اسم المنعم الكريم افتضى ذكر نعمته الكريمة» (٢). من خلال عرض رأى الإمامين الجليلين يتضح أن الإمام الرازي قد نقل من الإمام الإسكافي دون أن يشير إلى ذلك. المسألة الخامسة: قال الإمام الرازي: «قال الله تعالى في سورة البقرة ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا﴾ [البقرة: ٥٩] وفي الأعراف ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا﴾ [الأعراف: ١٦٢] فما الفائدة في زيادة كلمة "منهم" في الأعراف؟ الجواب: سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة ههنا مبني على التخصيص بلفظ "من"؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٣) فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم، فلما انتهت القصة قال الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا﴾ فذكر لفظة "منهم" في آخر القصة ليكون آخر الكلام مطابقًا لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بازاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة، وههنا ذكر أمة جابرة، وكلتاهما من قوم موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف،

стр. 85

وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تمييزًا وتخصيصًا حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق» (١). وقال الإمام الإسكافي في درة التنزيل: «وللسائل أن يسأل فيقول: هل في زيادة (منهم) في هذه الآية في سورة الأعراف حكمة وفائدة تقتضيانها ليستا في سورة البقرة؟ والجواب أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا .. ﴾ وإن لم يذكر فيه منهم معلوم أن المراد بالظالمين: الذين ظلموا من المخاطبين بقوله: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾، ﴿فَكُلُوا﴾، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، فالذين ظلموا من هؤلاء هم الموصوفون بالتبديل، والمغيرون لما قدم إليهم من القول إلا أن في سورة الأعراف معنى يقتضي زيادة منهم هناك ولا يقتضيها هنا، وهو أن أول القصة في سورة الأعراف مبني على التخصيص والتمييز بدليل لفظ من لأنه قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٢)، فذكر أن منهم من يفعل ذلك، ثم عد صنوفا إنعامه عليهم، وأوامره لهم، فلما انتهت قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ .. ﴾ فأتى في آخر ما حكى عنهم من مقابلة نعم الله عليهم بتبديلهم ما قدم به القول إليه فأتى بلفظ من التي هي للتخصيص والتمييز بناء على أول القصة التي هي: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى .. ﴾ ليكون آخر (٥/ ب) الكلام لأوله مساوقا، وعجزه لصدره مطابقا، فيكون الظالمون من قول موسى بإزاء الهادين منهم، وهناك ذكر أمة هادية عادلة، وهنا ذكر أمة مبدلة عادية مائلة، وكلتاهما من قوم موسى، فاقتضت التسوية في المقابلة ذكر (مِنْهُمْ) في سورة الأعراف» (٣). من خلال عرض رأى الإمامين الجليلين يتضح أن الإمام الرازي قد نقل من الإمام الإسكافي دون أن يشير إلى ذلك.

стр. 86

المسألة السادسة: قال الإمام الرازي: «ذكر ههنا ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (١)، وفي آل عمران ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٢)، ولقائل أن يقول لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو "أيامًا"؟ والجواب أن الاسم كان مذكرًا فالأصل في صفة الجمع التاء يقال كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان الأصل في صفة الجمع الألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادرًا نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾، و ﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ وفي آل عمران بما هو الفرع» (٣). وقال الإمام الإسكافي في درة التنزيل: «قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (٤)، وفي سورة آل عمران: ﴿قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٥)، فإن قيل: فما الفرق بين اللفظتين؟ ولم كانت الأولى (معدودة) والثانية (معدودات) والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو قوله: (أياما)؟ والجواب عنه أن يقال: إن الجمع بالألف والتاء أصله للمؤنث نحو مسلمة ومسلمات، وصفحة وصفحات، ومكسورة ومكسورات، ولا يجيء الجمع الذي واحده مذكر هذا المجيء إلا ألفاظ معدودة، نحو حمام وحمامات، وجمل سبطر وجمال سبطرات، وأسد سبطرات، أي: تسبطر عند الوثوب وأما قولهم: كوز مكسور، وجرة مكسورة، فإن ما فيه هاء التأنيث يجمع على" مكسورات" فيقال: جرار مكسورات، وكيزان مكسورة، وليس قولك: كيزان مكسورات بأصل، بل المستعمل المستمر في ذلك أن يقال: "كيزان مكسورة" و"ثياب مقطوعة" و"سرر مرفوعة" و"أكواب موضوعة"، و"نمارق مصفوفة"، فالصفة الجارية على جمع المذكر الواحد يستمر فيه التأنيث على الحد الذي بينته.

стр. 87

وعلامة الجمع المؤنث الواحد: الألف والتاء في الأصل، فلما كان "معدودة" من الطرد المستمر، استعمل لفظها في الأول، ولما كان الجمع بالألف والتاء قد يكون فيما واحد مذكر وإن قل، فكان على سبيل من سبل المجاز، يستعمل ذلك فيه كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (١)، وقال ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٢). والأيام جمع يوم، وهو مذكر، فيكون هذا على أحد الوجهين، إما أن يكون المراد: اذكروا الله في ساعات أيام معلومات ومعدودات، لأن المراد أن يكبر الله تعالى في اليوم الواحد في أدبار الصلوات الخمس المكتوبة، فحذفت الساعات، وأقيم المضاف إليها مقامها، وإما أن يكون ألحق بما في واحد علامة التأنيث لاستوائهما في الجمع ودخولهما في الفرعية التي يكتسبان بها لفظ المؤنث. فلما قيل: جرار مكسورة، والجرة مؤنثة جاز أيضا "كيزان مكسورات" حملا على الجمع الذي ليس بحقيقي، وإذا كان ذلك ف (معدودة) المذكورة في الآية التي في سورة البقرة مستمرة في بابها وباب غيرها، والجمع بالألف والتاء ليس بمستمر، وإنما هو على ضرب من التشبيه بما أصله الألف والتاء، فكان استعمالها أولا أولى، ولجواز الألف والتاء على غير طريق الاستمرار استعمل في الثاني ليشمل الأصل والجائز بالاستعمال فأما المعنى في القلة فسواء في قوله (معدودة) و (معدودات)، وقد قال أيضا (أيام معلومات) على أن تكون الأيام المعلومة في الأصل تسعة فثلاثة منها أيام معلومة، وثلاثة أخرى منها مثلها، وثلاثة ثالثة معلومة، فتجمع هذه الثلاثات على الأيام المعلومات، لأن واحدتها أيام معلومة، والمعلومة تجمع على المعلومات» (٣). من خلال عرض رأى الإمامين الجليلين يتضح أن الإمام الرازي قد نقل من الإمام الإسكافي دون أن يشير إلى ذلك.

стр. 88

المسألة السابعة: قال الإمام الرازي: «إنما قال في هذه السورة: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ (١)، على التنكير وقال في سورة إبراهيم: ﴿هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (٢)، على التعريف لوجهين: (الأول): أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدًا، كأنه قال: اجعل هذا الوادي بلدًا أمنًا لأنه تعالى حكى عنه أنه قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ (٣) فقال: ههنا اجعل هذا الوادي بلدًا أمنًا. والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدًا، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي الذي صيرته بلدًا ذا أمن وسلامة، كقولك: جعلت هذا الرجل آمنًا. (الثاني): أن تكون الدعوتان وقعتا بعدما صار المكان بلدًا، فقوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ تقديره: اجعل هذا البلد بلدًا آمنا، كقولك: كان اليوم يومًا حارًا، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة، لأن التنكير يدل على المبالغة، فقوله: ﴿رب اجعل هذا بلدًا أمنًا﴾ معناه: اجعله من البلدان الكاملة في الأمن، وإما قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة» (٤). وقال الإمام الإسكافي في درة التنزيل: «قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (٥)، وقال في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (٦). لسائل أن يسأل فيقول: لم كان في سورة البقرة بلدا نكرة، وفي سورة ابراهيم معرفة؟ والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن الدعوة الأولى وقعت، ولم يكن المكان قد جعل بلدا، فكأنه قال: رب اجعل هذا الوادي بلدا آمنا، لأن الله تعالى حكى عنه أنه قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] بعد قوله: اجعل هذا الوادي بلدا آمنا، ووجه الكلام فيه: تنكير بلد الذي هو مفعول ثان، وهذا مفعول أول. والدعوة الثانية وقعت وقد جعل الوادي

стр. 89

بلدا، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته كما أردت ومصرته كما سألت ذا أمن على من أوى إليه ولاذ به فيكون البلد على هذا عطف بيان على مذهب سيبويه، وصفة على مذهب أبي العباس المبرد وآمنا مفعولا ثانيا، فعرف حيث عرف بالبلدية، ونكر حيث كان مكانا من الأمكنة غير مشهور بالتميز عنها بخصوصية من عمارة وسكنى الناس. والجواب الثاني: أن تكون الدعوتان واقعتين بعد ما صار المكان بلدا، وإنما طلب من الله تعالى أن يجعله آمنا، وللقائل أن يقول: اجعل ولدك هذا ولدا أديبا، وهو ليس يأمره بأن يجعله ولدا، لأن ذلك ليس إليه، وإنما أمره بتأديبه، فكأنه قال: اجعله على هذه الصفة، وهذا كما يقول: كن رجلا موصوفا بالسخاء، وليس يأمره بأن يكون رجلا، وإنما يأمره بما يجعله وصفا له من السخاء، فذكر الموصوف وأتبعه الصفة، وهذا كما تقول: كان اليوم حارا، فتجعل يوما خبر كان، وحارا صفة له، ولم تقصد أن تخبر عن اليوم بأنه كان يوما، لأنه يصير خبرا غير مفيد، وإنما القصد أن تخبر عن حر اليوم، فكان الأصل أن تقولك كان اليوم حارا، وأعدت لفظ يوم لتجمع بين الصفة والموصوف، فكأنك قلت: كان هذا اليوم من الأيام الحارة، وكذلك تقول: كانت الليلة ليلة باردة، فتنصب ليلة على أنها خبر كان وحكم الخبر أن يتم به الكلام، ولم قلت: كانت الليلة ليلة لم يكن الكلام تاما، لأن القصد إلى الصفة دون الموصوف فكذلك قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (١)، يجوز أن يكون المراد: اجعل هذا البلد بلدا آمنا، فيدعو له بالأمن بعد ما قد صار بلدا على ما مثلت، ويكون مثل قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (٢). وتكون الدعوة واحدة قد أخبر الله تعالى عنها في الموضعين. فأما قول من يقول: إنه جعل الأول نكرة، فلما أعيد ذكرها أعيد بلفظ المعرفة، كما تقول: رأيت رجلا، فأكرمت الرجل، فليس بشيء، وليس ما ذكره مثلا لهذا، ولا هذا المكان مكانه» (٣). من خلال عرض رأى الإمامين الجليلين يتضح أن الإمام الرازي قد نقل من الإمام الإسكافي دون أن يشير إلى ذلك.

стр. 90

موقف الإمام الرازي من الإمام الكرماني (٥٠٥ هـ): أرى أن الإمام الرازي لم يشر إلى الإمام الكرماني المتقدم عليه ولا إلى كتابه: «البرهان في متشابه القرآن»، ولم ينقل منه نقلًا كما فعل مع الإمام الإسكافي، لكنه اتفق معه في توجيه عدة مسائل. من هذه المسائل: تكرار قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ (١). قال الإمام الرازي: قال: «ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين (الأول) قال الجبائي: الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، وهذا ضغيف من وجهين: (أحدهما) أنه قال في الهبوط الأول (ولكم في الأرض مستقر) فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله (اهبطوا منها) والضمير في (منها) عائد إلى الجنة، وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة. (الوجه الثاني): أن التكرير لأجل التأكيد، وعندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط، فتابا بعد الأمر بالهبوط، ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب ألا يبقى الأمر بالهبوط، فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها، بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة؛ لأن الأمر به كان تحقيقًا للوعد المتقدم في قوله ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٢) فإن قيل ما جواب الشرط الأول؟ قلنا: الشرط الثاني مع جوابه، كقولك إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك» (٣). قال الإمام الكرماني: «﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ كرر الأمر بالهبوط؛ لأن الأول من الجنة والثاني من السماء» (٤).

стр. 91

فالإمام الرازي نقل رأي الجبائي وانتقده وذكر توجيه آخر، أمَّا الإمام الكرماني فقد اتفق معه. أيضًا الفائدة في تكرار قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ (١). قال الإمام الرازي: «﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ فإن قيل: فما الفائدة في التكرار؟ قلنا: قال الواحدي رحمه الله تعالى: إنما كرره تأكيدًا للكلام وتكذيبًا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى» (٢). وقال الإمام الكرماني: «﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ كرر هنا تأكيدًا، وقيل ليس بتكرار؛ لأن الأول للجماعة والثاني للمؤمنين. وقيل: كرر تكذيبا لمن زعم أن ذلك لم يكن بمشيئة الله تعالى» (٣). فالإمام الرازي نقل رأي الإمام الواحدي، والإمام الكرماني اتفق معه لكنه لم يصرح برأي الإمام الواحدي ونقله بصيغة التمريض "قيل". نقل الإمامان الرازي والكرماني رأي الإمام الإسكافي في الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (٤). ﴿قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٥). نقل الإمامان الرازي والكرماني رأي الإمام الإسكافي في الفرق بين قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ﴾ (٧).

стр. 92

أيضًا اتفق الإمامان الرازي والكرماني في توجيه بعض المسائل منها: الفرق بين (خطاياكم - خطيئاتكم) بين سورتي البقرة والأعراف (١)، الفرق بين (درجة - درجات) في سورة النساء (٢). *تأثر الإمام ابن الزبير الثقفي بالإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم: المتأمل في كتاب ملاك التأويل يجد أن الإمام ابن الزبير الثقفي الأندلسي قد تأثر بالإمام الرازي في توجيه بعض مسائل المتشابه اللفظي في القرآن الكريم، ونقل منه. يقول أستاذي د/ ياسر الصعيدي حين تحدث عن مصادر ابن الزبير: (مفاتيح الغيب للفخر الرازي: لمحمد بن عمر بن الحسن المعروف بالفخر الرازي (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ). أشار ابن الزبير إلى أن هذا التفسير منسوب إليه بقوله: «وقد أطنب أبو الفضل بن الخطيب- ﵀ في التفسير المنسوب إليه فيما أورده في تفسير الفاتحة، وما تعرض لهذا بشئ (٣). وعلى الرغم من ذلك فقد نقل منه كثيرًا، ونقد كلامه في مواطن كثيرة» (٤). يقول د/ محمد السامرائي: «وقد نقل عنه (يقصد الرازي) صاحب الملاك في مواضع كثيرة من كتابه، منها أنه عندما ذكر قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٥)، وقوله ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٦)، ذكر رأيه في سبب تخصيص الآية الأولى بقوله: (لَا يَشْعُرُونَ) والثانية بقوله: (لَا يَعْلَمُونَ) فقال: " إنما في آخر هذه الآية (لَا يَعْلَمُونَ) وفيما قبلها (لَا يَشْعُرُونَ) لوجهين: أحدهما: أن الوقف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما أن النفاق وما فيه من البغي يفضي إلى الفساد في الأرض فضروري جارٍ مجرى المحسوس.

стр. 93

الثاني: أنه لما ذكر السفه وهو جهل كان ذكر العلم أحسن طباقًا له " (١) ونكتفي بهذا القدر ولا داعي لاستقصاء جميع آرائه التي ذكرت في الملاك» (٢). وقال د/ صالح الشثري: «من مصادر ابن الزبير في كتابه ما نقله من أقوال علماء التفسير، فاعتمد على من سبقه من العلماء في إيضاح الاختلاف بين الآيات المتشابهة، أما أبرزهم: جار الله الزمخشري في كتاب الكشاف، والفخر الرازي في التفسير الكبير (٣)، وابن عطية في المحرر الموجز، والقرطبي في الجامع، والطبري في تفسيره (٤). ومن المسائل التي اتفق فيها الإمام ابن الزبير مع الإمام الرازي في توجيها: توجيه الفرق بين قوله تعالى: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ (٦). حيث قال الإمام ابن الزبير في توجيه هذه المسألة: «بعد تمهيد الجواز في قوله: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ في الآية الأولى وتأنيثه في الآية الثانية في قوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ ما اتحاد ما يعود عليه. فأقول وأسأل الله توفيقه، قال الزمخشري في الأولى: الضمير للكاف أي في ذلك الشئ المماثل لهيئة الطير فيكون طائرًا أي فيصير طائرًا كبقية الطيور، وقال في قوله: (فَتَنْفُخُ فِيهَا) الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شئ، قال: وكذلك الضمير في تكون انتهى نص كلامه وهو بين» (٧).

стр. 94

وقال الإمام الرازي في هذه المسألة: «والجواب: أن قوله كهيئة الطير أي هيئة مثل هيئة الطير فقوله فتنفخ فيها الضمير للكاف، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء. إذا عرفت هذا فنقول: الكاف تؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي مثل هيئة الطير وتذكر بحسب الظاهر. وإذا كان كذلك جاز أن يقع الضمير عنها تارة على وجه التذكير وأخرى على وجه التأنيث» (١). فالإمام ابن الزبير قد نقل رأي الزمخشري في هذه المسألة، واتفق معه الإمام الرازي. *تأثر الإمام ابن جماعة (ت: ٧٣٣ هـ) بالإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم المتأمل في كتاب كشف المعاني في المتشابه من المثاني يجد أن الإمام ابن جماعة قد تأثر بالإمام الرازي في توجيه بعض مسائل المتشابه اللفظي، ونقل منه. يقول د/ سالم السكري: «الإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفي سنه ٦٠٦ هـ في تفسيره المسمى: مفاتيح الغيب وقد ثأثر به ابن جماعة في عدة مسائل منها: مسالة ١١٠ حيث قال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ (٢) وقال تعالى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٤)، والأنبياء أولى بذلك منا، فكيف الجمع بين الموضعين؟ جوابه: أن المنفي على ما أظهروه مع ما أبطنوه، معناه لا نعلم حقيقة جوابهم باطنًا وظاهرًا، بل أنت المتفرد بعلم ذلك إلا ما علمتنا، ولذلك قالوا: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (٥) وإنما نعلم ظاهر جوابهم، أما باطنه فأنت أعلم به.

стр. 95

جواب آخر: أن معنى جوابهم لما كان في حياتنا ولا علم لنا بما كان منهم بعد موتنا لأن الأمور محالة على خواتيمها. وهذا مما أخذه ابن جماعة عن الفخر الرازي، ذلك أن الفخر قال عند تفسيرآية المائدة: ظاهر قوله ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (١) يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، والجمع بين هذا وبين قوله فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا مشكل ورد قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٢) مشكل، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣) فإذا كانت أمتنا تشهد لسائر الناس، فالأنبياء أولي بأن يشهدوا لأممهم بذلك؟ والجواب عنه من وجوه، وذكر ﵀ منها في الوجه الثالث - وقال: وهو الأصح وهو الذي اختاره ابن عباس - أنهم إنما قالوا لا علم لنا لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا، ونحن لا نعلم إلا ما أظهروه، فعلمك فيهم أنفذ من علمنا؛ فلهذا المعنى نفوا العلم عن أنفسهم لأن علمهم عند الله كلا علم. الجواب الرابع: أنهم قالوا: لا علم لنا إلا أن علمنا جوابهم لنا وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا والجزاء والثواب إنما يحصلان على الخاتمة، وذلك غير معلوم لنا فلهذا المعنى قالوا: لا علم لنا وقوله (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) يشهد بصحة هذين الجوابين. فهذان الوجهان اللذان ذكرهما الفخر الرازي هما نفس ما أجاب به ابن جماعة على هذه المسألة، الأمر الذي يدل على أنه قد تأثر بالفخر الرازي وأنه كان يقتصر في الجواب على ما صح من الأوجه» (٤).

стр. 96

*أيضًا من المسائل التي تأثر فيها الإمام ابن جماعة بالإمام الرازي: الفرق بين قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٢). قال الإمام ابن جماعة: «قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣)، وقال في الرعد: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٤)؟ جوابه: أن المراد "بالذكر" ذكر عظمة الله وجلاله، وشدة انتقامه ممن عصى أمره لأن الآية عند اختلاف الصحابة في غنائم بدر، فناسب ذكر التخويف. وآية الرعد: نزلت فيمن هداه الله وأناب إليه، والمراد بذلك الذكر: ذكر رحمته وعفوه ولطفه لمن أطاعه وأناب إليه. وجُمع بينهما في آية الزمر فقال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ (٥) أي: عند ذكر عظمته وجلاله وعقابه، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمته وعفوه وكرمه» (٦). وقال الإمام الرازي: «فإن قيل: إنه تعالى قال هاهنا: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٧)، وقال في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فكيف الجمع بينهما؟ وأيضا قال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قلنا: الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة، ولا منافاة بين هاتين الحالتين، بل نقول: هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله والمعنى: تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله» (٨).

стр. 97

أيضًا الفرق بين التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). فقد قال الإمام ابن جماعة: «قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾، ثم قال: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ قدم (الزَّانِيَةُ) أولًا و (الزَّانِي) ثانيًا؟ جوابه: أن المرأة هي الأصل في الزنا غالبًا لتزينها وتطميع الرجل بها، وقيل: لأن شهوة النساء أشد من الرجال، فلذلك قدمها أولًا، وقدم الرجل ثانيًا، لأن الرجل هو الأصل في عقد النكاح لأنه الخاطب، فناسب ما ذكرناه تقديم النساء أولًا والرجال ثانيًا» (٣). وقال الإمام الرازي: «لم قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وهاهنا بالعكس الجواب: سبقت تلك الآية لعقوبتها على جنايتها، والمرأة هي المادة في الزنا، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه هو الراغب والطال» (٤). مما سبق يتضح أن الإمام ابن جماعة قد تأثر في توجيهه لهذه المسألة بالإمام الرازي.

стр. 98

*تأثر الإمام زكريا الأنصاري (ت: ٩٢٦ هـ) بالإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم: المتأمل في كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس من القرآن يجد أن الإمام ابن جماعة قد تأثر بالإمام الرازي في توجيه بعض مسائل المتشابه اللفظي، ونقل منه. خاصةً في بعض المسائل التي لم يواجهها أحد من علماء المتشابه اللفظي وانفرد بها الإمام الأنصاري عن علماء المتشابه اللفظي مما يقوي القول إن الإمام الأنصاري قد تأثر في توجيهها بالإمام الرازي. ومن هذه المسائل: انفرد الإمام الأنصاري عن علماء المتشابه اللفظي بتوجيه الفرق بين قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (١)، وقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢). قال الإمام الأنصاري: «قوله تعالى: (فَاتَّقُوا النَّارَ) إن قلت: كيف عرف النار ههنا، ونكرها في التحريم؟ قلت: لأن الخطاب في هذه مع المنافقين، وهم في أسفل النار المحيطة بهم، فَعُرِّفت بلام الاستغراق، أو العهد الذهني، وفي تلك مع المؤمنين، والذي يُعذَّب من عصاتهم بالنَّار، يكون في جزءٍ من أعلاها، فناسب تنكيرها لتقليلها. وقيل: لأن تلك الآية نزلت قبل هذه بمكة، فلم تكن النار التي وقودها الناس والحجارة معروفة فنكرها ثمَّ، وهذه نزلت بالمدينة فعُرِّفَتْ، إشارة إلى ما عرفوه أولًا. ورُدَّ هذا بأن (آية التحريم) نزلت بالمدينة بعد الآية هنا» (٣).

стр. 99

قال الإمام الرازي في هذه المسألة: «فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم وهاهنا معرفة؟ الجواب: تلك الآية نزلت بمكة فعرفوا منها نارا موصوفة بهذه الصفة ثم نزلت هذه بالمدينة مستندة إلى ما عرفوه أولا» (١). فالإمام الأنصاري ذكر رأيين، الرأي الثاني بصيغة "قيل" وهو رأي الإمام الرازي؛ ولكن الإمام الأنصاري لم يتفق معه. ومن ذلك أيضًا: انفرد الإمام الأنصاري عن علماء المتشابه اللفظي بتوجيه المتشابه في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (٢). قال الإمام الأنصاري: «قوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قلت: ما فائدته مع علمه ممَّا قبله؟ قلت: فائدته التوكيد، والعلم بأن العشر ليال، لا ساعات، ورفع توهم أن العشر داخلةٌ في الثلاثين، بمعنى أنها كانت عشرين وأُتَّمت بعشر» (٣). قال الإمام الرازي في هذه المسألة: «أنه تعالى إنما قال: (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) إزالة لتوهم أن ذلك العشر من الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين، كأنه كان عشرين، ثم أتممه بعشر، فصار ثلاثين، فأزال هذا الايهام» (٤). فقد تأثر الإمام الأنصاري في توجيهه لهذه المسألة بالإمام الرازي. وأيضًا في قول الله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٥). قال الإمام الأنصاري: «قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ فإن قلت: ما الحكمة في تقديم الشفاعة هنا، وعكسه فيما يأتي؟

стр. 100

قلت: للإشارة هنا إلى مَنْ ميلُه إلى حبِّ نفسه أشدُّ منه إلى حبِّ المال، وَثَمَّ إلى مَنْ هو بعكس ذلك» (١). قال الإمام الرازي في هذه المسألة: «أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه؟ الجواب: أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب، الإشارة إلى هذين الصنفين» (٢). فالإمام الأنصاري قد تأثر في توجيهه لهذه المسألة بالإمام الرازي. ثالثًا: أثره في المعاصرين: تأثر بعض المعاصرين بالإمام الرازي في توجيه بعض مسائل المتشابه اللفظي في القرآن الكريم كالصامل والسامرائي مثال: في قوله تعالى " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ " (٣) نقل د/ فاضل السامرائي رأي الإمام الرازي حيث قال: قال ههنا " إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ " وقال في خلق الإنسان أولًا: " ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ " (٤) فنقول: هناك يكون خلق وتقدير وتدريج وتراخ حتى يصير التراب قابلًا للحياة فينفخ فيه روحه فإذا هو بشر، وأما في الإعادة لا يكون تدريج وتراخ فلم يقل ههنا: ثم " (٥) يقول د/ محمد الجبالي: (لوبحثنا في كتب السامرائي عن آثار علماء المتشابه اللفظي في القرآن لوجدناها قليلة، وأكثر هذه الآثار نجدها للغرناطي وكتابه (ملاك التأويل)، ثم برهان الكرماني، ثم كتاب الدرة للخطيب الإسكافي، كما يرجع أحيانًا إلى برهان الزركشي، لكنا نجد

стр. 101

السامرائي يعود أكثر إلى علماء التفسير ويكثر الرجوع إليهم خاصة الكشاف، والرازي، وفتح القدير، والبحر المحيط، والطلال، وروح المعاني، وابن القيم، أما كتب اللغة فعلى رأسها اللسان، ثم كتاب سيبويه) (١) * * * المطلب الثالث ما انفرد به الإمام الرازي عن جميع علماء المتشابه اللفظي (٢) انفرد الإمام الرازي عن جميع علماء المتشابه اللفظي بتوجيه الكثير من مسائل المتشابه اللفظي، ما يزيد عن مائة مسألة. فعلى سبيل المثال نجد أن الإمام الرازي انفرد عند تفسيره لسورة البقرة بتوجيه سبع عشرة مسألة من مسائل المتشابه اللفظي، هذه المسائل ذكرها الإمام الرازي في الموضع الأول للمتشابه (سورة البقرة) وهناك مواضع أخرى للمتشابه بين سورة البقرة والسور الأخرى ذكرها في الموضع الثاني (السور الأخرى) (٣). مسائل المتشابه اللفظي التي انفرد الإمام الرازي بتوجيهها عن علماء المتشابه اللفظي عند تفسيره لسورة البقرة: المسألة الأولى: التقديم والتأخير بين قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٤)، ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ (٥)، متشابه بتقديم حرف الجر (في) في سورة الصافات، وتأخيره في سورة البقرة (٦). المسألة الثانية: تكرار (أُولَئِكَ) في قوله تعالى: ﴿أولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٧).

стр. 102

المسألة الثالثة: الزيادة والنقصان بين قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (١)، زيادة حرف (الواو) في آية سورة البقرة (وأُولَئِكَ)، ونقصانه في آية سورة الأعراف (أُولَئِكَ). (٢) المسألة الرابعة: الفرق بين الختم، والغشاوة، والران، والطبع والكنان، ذكر ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] "، متشابه بإبدال كلمة بكلمة (٣). المسألة الخامسة: تكرار حرف الجر (على) في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (٤). المسألة السادسة: الفرق بين قوله تعالى ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ (٥)، وبين قوله تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٦)، ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (٧)، وحديث: «الناس كأبل مائة لا تجد فيها راحلة» (٨)، وحديث «الناس أخبر قلة» (٩)، متشابه بإبدال جملة بجملة (١٠). المسألة السابعة: الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (١١)، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (١٢)، متشابه بإبدال جملة بجملة (١٣).

стр. 103

المسألة الثامنة: الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢)، متشابه بالإجمال والتفصيل (٣). تنبيه: ذكر الإمام الأنصاري سبب تكرار ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، وهو معلوم من قوله:﴾ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾، ولكنه لم يوجه هذه المسألة الإجمال في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ والتفصيل: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ في سورة الأعراف. المسألة التاسعة: تكرار (الَّذِينَ ظَلَمُوا) في قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٤). المسألة العاشرة: تكرار قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾ (٥). المسألة الحادية عشر: تكرار قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ (٦). المسألة الثانية عشر: الفرق بين قراءة: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٧)، وقراءة (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ متتابعات)، متشابه بإبدال كلمة (آخر) بكلمة (متتابعات) (٨).

стр. 104

المسألة الثالثة عشر: الفرق بين قوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٢)، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٣)، متشابه بإبدال كلمة شهر بكلمة ليلة (٤). المسألة الرابعة عشر: الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (٦)، متشابه بإبدال كلمة معدودات بكلمة معدودات (٧). المسألة الخامسة عشر: الحكمة من تكرار قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٨)، وهو مفهوم من قوله تعالى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٩). المسألة السادسة عشر: الفائدة من تكرار قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (١٠)، وهو مفهوم من قوله تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (١١). المسألة السابعة عشر: تكرار قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١٢)، بعد قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٣). *كما انفرد عن جميع علماء المتشابه اللفظي بالمقارنة بين آيتي سورتي البقرة وآل عمران

стр. 105

قوله تعالي: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، فقد أطال النفس في ذكر الفروق بين الآيتين (٣). *كما انفرد عن جميع علماء المتشابه اللفظي بتوجيه جميع مسائل المتشابه اللفظي الستة بين قصتي نوح وهود في سورة الأعراف (٤). ملاحظة: علماء المتشابه اللفظي وجهوا مسألتين فقط من الستة، وقاموا بالمقارنة بين سورة الأعراف وسور أخرى، وانفرد الرازي بتوجيه جميع المسائل بين القصتين في سورة الأعراف. * عند تفسيره لسورة العنكبوت انفرد عن علماء المتشابه اللفظي بتوجيه ثلاثٍ وعشرين مسألة من مسائل المتشابه اللفظي (٥). * توجيه جميع مسائل المتشابه اللفظي الستة بين قصتي نوح وهود في سورة الأعراف حيث انفرد عن علماء المتشابه اللفظي بتوجيه أربع مسائل﴾ (٦). *اعتنى الإمام الرازي عناية فائقة بتوجيه المكرر من الألفاظ والآيات تفوق عناية علماء المتشابه اللفظي به باستثناء الكرماني، لكنه تميز أيضًا عن الإمام الكرماني بإطالة التوجيه أحيانًا وذكر عدة أوجه، فيما جاءت توجيهات الإمام الكرماني للمكرر كلها موجزة، وقد ذكرت عدة أمثلة عند الحديث عن عناية الإمام الرازي بتوجيه المكرر من الألفاظ والآيات.

стр. 106

المطلب الرابع مآخذ على منهج الإمام الرازي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم لا يخلو توجيه الإمام الرازي للمتشابه اللفظي في القرآن الكريم من بعض المآخذ على أهميته في مجاله كأي عمل بشري لابد أن يعتريه بعض النقص. ومن هذه المآخذ: أولًا: يؤخذ على الإمام الرازي أنه ترك الكثير من مسائل المتشابه اللفظي دون توجيه، وحين يتحدث الإمام الرازي في توجيه آيات المتشابه اللفظي فالقارئ يتوقع منه أن يذكر توجيه جميع المسائل لأنه عالم بحر يوسع ويستفيض، ولعلنا نجد له عذرًا أن تفسيره لا يُعتبر كتابًا خاصًا بالمتشابه اللفظي، كما أنه لم يسبقه كتابًا خاصًا بالمتشابه اللفظي، باستثناء درة التنزيل للإمام الإسكافي والبرهان للإمام الكرماني، ولم يأت حتى الآن من استوعب توجيه جميع مسائل المتشابه اللفظي في كتاب واحد. ثانيًا: أيضًا يؤخذ على الإمام الرازي أنه أورد بعض المسائل دون توجيه فجعل القارئ في حاجة إلى معرفة سبب اختلاف الألفاظ ثم لم يذكر أي توجيه، وقد ذكرت أمثلة على ذلك، كما أنه قام باختصار بعض المواضع التي كانت تحتاج إلى بسط. ثالثًا: أيضًا يؤخذ عليه أنه لم يشر إلى كتاب درة التنزيل للإمام الإسكافي رغم إطلاعه عليه.

стр. 107

المبحث الرابع أنواع المتشابه اللفظي في تفسير الإمام الرازي مع ذكر نماذج الإمام الرازي في تفسيره تعرض لأنواع المتشابه اللفظي المختلفة وتناولها بالتوجيه وبيان الفرق بين المواضع، بشكل يؤكد ويبرز بلاغة المتشابه اللفظي في تفسيره. وقد سبق الحديث على أنواع المتشابه اللفظي في الفصل الأول وبتطبيق هذه الأنواع على تفسير الرازي نجد أن الإمام الرازي قد استوعب كل الأنواع بالإضافة إلى إكثاره من توجيه المكرر. *أمثلة من تفسير الإمام الرازي على أنواع المتشابه اللفظي: النوع الأول: المتشابه بالتقديم والتأخير: أكثر الإمام الرازي من توجيه المتشابه من نوع التقديم والتأخير ومثال ذلك: قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١): «السؤال السادس: لم ذكر في البقرة: وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة وفي الأعراف قدم المؤخر؟ الجواب: الواو للجمع المطلق وأيضا فالمخاطبون بقوله: ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة، يحتمل أن يقال: إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين، فالمذنب لا بد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدما على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولا «حطة» ثم يدخلوا الباب سجدا، وأما الذي لا يكون مذنبا فالأولى به أن يشتغل أولا بالعبادة ثم يذكر التوبة، ثانيا: على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجدا أولا ثم يقولوا حطة ثانيا، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى» (٢). ومثال آخر: قوله في تفسير قول الله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى

стр. 108

الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١): «لقائل أن يقول: إنه تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (٢)، فقدم ذكر النفس على ذكر المال، وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله (والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم) قدم ذكر المال على النفس، فما السبب فيه؟ وجوابه: أن النفس أشرف من المال، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهًا على أن الرغبة فيها أشد، والبائع أخر ذكرها تنبيهًا على أن المضايقة فيها أشد، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب» (٣). النوع الثاني: المتشابه بالإبدال: ومن ذلك ما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). لقائل أن يقول: إنه تعالى قال ههنا (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا) وقال في الأعراف (فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا) فعطف " كلا " على قوله " اسكن" في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء فما الحكمة؟ الجواب: كل فعل عطف عليه شئ، وكان الفعل بمنزلة الشرط، وذلك الشئ بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ (٥) فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء لما كان وجود الأكل متعلقًا بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصول إلى الأكل، والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة الأعراف ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ (٦)، فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء؛ لأن اسكنوا من السكنى وهي المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن لأن من دخل بستانًا قد يأكل

стр. 109

منه وإن كان مجتازًا فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء إذا ثبت هذا فنقول: إن "اسكن" يقال لمن دخل مكانًا فيراد منه الزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل عنه، ويقال أيضًا لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله واسكن فيه ففي سورة البقرة هذا الأمر إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث والاستقرار، وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو، وفي سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول الجنة، وقد بينا أن الأكل يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الفاء والله أعلم» (١). مثال آخر: قال الإمام الرازي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢): «قال ههنا (٣) ﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا﴾ وقال في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً﴾ (٤) قلنا: هما وإن كانا في المعنى واحدًا على ما تقدم بيانه لكن لفظ الترك يدل على الجعل والفراغ بالأيام فكأنها هنا مذكورة بالتفصيل حيث أن الأمطار من السماء وتفجير الأرض وذكر السفينة بقوله ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ (٥)، وذكر جريها فقال: ﴿تَّرَكْنَاهَا﴾ إشارة إلى تمام الفعل المقدور، وقال هناك (وَجَعَلْنَاهَا) إشارة إلى بعض ذلك» (٦). النوع الثالث: المتشابه بالإثبات والحذف ومن ذلك قول الإمام الرازي عند تفسيره قوله تعالى: «السؤال الخامس: لم ذكر قوله: رغدا في البقرة وحذفه في الأعراف؟

стр. 110

الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغدا، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه» (١). النوع الرابع: المتشابه بالجمع والإفراد: ومن ذلك قوله قال الرازي: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾: «ذكر ههنا: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ وفي آل عمران: ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَات﴾ ولقائل أن يقول لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو "أيامًا"؟ والجواب: أن الاسم كان مذكرًا فالأصل في صفة الجمع التاء يقال كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان الأصل في صفة الجمع الألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادرًا نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى (في أيام معدودات) و (في أيام معلومات) فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل (أيامًا معدودة)، وفي آل عمران بما هو الفرع» (٢). النوع الخامس: المتشابه بالتذكير والتأنيث: ومن ذلك قوله في تفسير قول الله : ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ (٣): «قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ الضمير عائد إلى الإنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها، وذكر النحويون فيها وجوهًا: الأول: أن لفظ الأنعام لفظ مفرد وضع لافادة جمع، كالرهط والقوم والبقر والنعم، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الجمع، وهو التأنيث، فلهذا السبب قال ههنا في بطونه، وقال في سورة المؤمنين (في بطونها) الثاني قوله (في بطونه) أي في بطون ما ذكرناه وهذا جواب الكسائي، قال المبرد: هذا شائع في القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا﴾ يعني هذا الشئ
следующие страницы →