← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 935

توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم عند المفسرين - دراسة في تفسيري الرازي والألوسي

ريم عبد الفتاح البحيري

Полный текст (238 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فالإمامان اتفقا معًا في توجيه المتشابه، وقد نسب الإمام الألوسي التوجيه للزمخشري، بينما لم يشر الإمام الرازي إلى ذلك. ٢ - اتفق الإمامان في توجيه تكرار حرف الجر (على) في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (١)، حيث قال الإمام الرازي: «الفائدة في تكرير الجار في قوله: وعلى سمعهم أنها لما أعيدت للأسماع كان أدل على شدة الختم في الموضعين» (٢). وقال الإمام الألوسي: «وأعاد جل شأنه الجار لتكون أدلة على شدة الختم في الموضعين فإن ما يوضع في خزانة إذا ختمت خزانته وختمت داره كان أقوى المنع عنه وأظهر في الاستقلال لأن إعادة الجار تقتضي ملاحظة معنى الفعل المعدى به حتى كأنه ذكر مرتين، ولذا قالوا في مررت بزيد وعمرو: مرور واحد، وفي مررت بزيد وبعمرو: مروان، والعطف وإن كان في قوة الإعادة لكنه ليس ظاهراً مثلها في الإفادة لما فيه من الاحتمال» (٣). بعرض رأي الإمامين يتضح أنهما اتفقا معًا في توجيه المتشابه، وأن تكرار حرف الجر (على) أدل على شدة الختم. ٣ - عند تفسير الإمامين لآية الأمر بدخول القرية في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). اتقفا معًا في توجيه إبدال حرف الواو في (وكلوا) بحرف الفاء (فكلوا) في سورة البقرة. حيث قال الإمام الرازي: «وأما الثاني: فهو أنه تعالى قال في البقرة: ادخلوا هذه القرية فكلوا بالفاء. وقال هاهنا: اسكنوا هذه القرية وكلوا بالواو والفرق أن الدخول حالة مخصوصة، كما يوجد بعضها ينعدم، فإنه إنما يكون داخلا في أول دخوله، وأما ما بعد ذلك فيكون سكونا لا دخولا، إذا ثبت هذا فنقول: الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار فلا جرم يحسن ذكر فاء التعقيب

стр. 177

بعده، فلهذا قال ادخلوا هذه القرية وأما السكون فحالة مستمرة باقية، فيكون الأكل حاصلًا معه لا عقيبه فظهر الفرق» (١). وقال الإمام الألوسي: «وجيء بالواو هنا وبالفاء في البقرة لأنه قيل هناك ادخلوا ذكر التعقيب معه وهنا اسكنوا والسكنى أمر ممتد والأكل معه لا بعده، وقيل: إن إذا تفرع المسبب عن السبب اجتمعا في الوجود فيصح الاتيان بالواو والفاء، وفيه أن هذا إنما يدل على صحة العبارتين وليس السؤال عن ذلك» (٢). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي ذكر رأيين، الرأي الأول بصيغة (قيل) وهو متفق مع رأي الإمام الرازي. تنبيه: توجيه هذه المسألة في الموضع الثاني للمتشابه (سورة الأعراف)، أما الموضع الأول (سورة البقرة) فقد اختلف الإمام الألوسي مع الإمام الرازي في التوجيه حيث أن كل إمام ذكر توجيهين مختلفين للمتشابه، التوجيه الأول في الموضع الأول للمتشابه (سورة البقرة) مختلف عن التوجيه الثاني في الموضع الثاني للمتشابه (سورة الأعراف)، وقد قام الإمام الألوسي بتعقب آراء الإمام الرازي في الموضع الأول للمتشابه (سورة البقرة)، ولم يتفق معه ورجح آراء الزمخشري، لكن في الموضع الثاني للمتشابه (سورة الأعراف) اتفق معه في خمس مسائل من مسائل المتشابه اللفظي بين الآيتين، بل ونقل رأيه في بعضها. ٤ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين ذكر حرف الواو في قوله تعالى: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (٣)، وحذفه في قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (٤). حيث قال الإمام الرازي: «ذُكر في سورة البقرة: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ (٥)، وفي سورة الأعراف: ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ (٦)، وهاهنا ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ مع الواو فما الفرق؟

стр. 178

والجواب: قال تعالى في سورة البقرة: يذبحون بغير واو لأنه تفسير لقوله: سوء العذاب وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو تقول: أتاني القوم زيد وعمرو. لأنك أردت أن تفسر القوم بهما ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ (١)، فالآثام لما صار مفسرا بمضاعفة العذاب لا جرم حذف عنه الواو، أما في هذه السورة فقد أدخل الواو فيه، لأن المعنى أنهم يعذبونهم بغير التذبيح وبالتذبيح أيضا فقوله: ويذبحون نوع آخر من العذاب لا أنه تفسير لما قبله» (٢). وقال الإمام الألوسي: «وفي «أنوار التنزيل» أن المراد بالعذاب ههنا غير المراد به في سورة البقرة والأعراف لأنه مفسر بالتذبيح والتقتيل ثم ومعطوف عليه التذبيح المفاد بقوله تعالى: ﴿وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ﴾ ههنا، وفيه إشارة إلى وجه العطف وتركه مع أن القصة واحدة، وحاصل ذلك أنه حيث طرح الواو قصد تفسير العذاب وبيانه فلم يعطف لما بينهما من كمال الاتصال وحيث عطف لم يقصد ذلك، والعذاب إن كان المراد به الجنس فالتذبيح لكونه أشد أنواعه عطف عليه عطف جبريل على الملائكة ﵈ تنبيهاً على أنه لشدته كأنه ليس من ذلك الجنس، وإن كان المراد به غيره كالاستعباد فهما متغايران والمحل محل العطف، وقد جوز أهل المعاني أن يكونا بمعنى في الجميع وذكر الثاني للتفسير، وترك العطف في السورتين ظاهر والعطف هنا لعد التفسير لكونه أوفى بالمراد وأظهر منزلة المغاير وهو وجه حسن أيضًا» (٣). بعرض رأي الإمامين يتضح أنهما اتفقا معًا في توجيه المتشابه. ٥ - اتفق الإمامان على إبدال حرف الفاء في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا﴾ (٤)، بحرف الواو في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا﴾ (٥).

стр. 179

حيث قال الإمام الرازي: «فإن قيل قال في موضع ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا﴾ (١)، وقال هاهنا ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا﴾ (٢)، بالفاء فما الفرق؟ نقول: هاهنا سَبَقَ مِنْهُمْ إِنْكَارُ الرَّجْعِ فَقَالَ بِحَرْفِ التَّعْقِيبِ بِمُخَالِفِه» (٣). وقال الإمام الألوسي: «وقيل ههنا ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ بالفاء وفي موضع آخر ﴿أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا﴾ بالواو لسبق إنكار الرجع فناسب التعقيب بما يشعر بالاستدلال عليه» (٤). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي قد نقل رأي الإمام الرازي.

стр. 180

المطلب الثاني مسائل المتشابه اللفظي التي اتفق الإمامان في توجيهها في اللفظ والتركيب ١ - اتفق الإمامان على توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، بقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (٢). حيث قال الإمام الرازي: «ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، كفاه؛ لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (٤)، ثم قال هاهنا في القرآن: إنه هدى للمتقين، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس، فمن لا يكون متقيا كأنه ليس بإنسان» (٥). وقال الإمام الألوسي: «وبعض صحح أن القرآن في نفسه هدى في كل شيء حتى معرفة الله تعالى لمن تأمل في أدلته العقلية وحججه اليقينية كما يشعر به ظاهر قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ﴾ (٦)، ويكون الاقتصار على المتقين هنا بناء على تفسيرنا الهداية مدحاً لهم ليبين سبحانه أنهم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يخشاها﴾ (٧)، مع عموم إنذاره ﷺ وأما غيرهم فلا ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً﴾ (٨)، و ﴿لا يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا﴾ (٩)، وأما القول بأن التقدير هدى للمتقين والكافرين فحذف لدلالة المتقين على حد ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (١٠)، فمما لا يلتفت إليه» (١١).

стр. 181

بعرض رأي الإمامين يتضح أنهما اتفقا معًا في التوجيه، وأن المنتفع بالهدى حقًا هم المتقون. ٢ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين قوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَة﴾ (١) بالإفراد، و ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ (٢) بالجمع. حيث قال الإمام الرازي: «ذكر هاهنا: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَة﴾ (٣) وفي آل عمران: ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ (٤) ولقائل أن يقول: لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو (أيامًا)؟ والجواب: أن الاسم إن كان مذكرا فالأصل في صفة جمعه التاء. يقال: كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثا كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء، يقال: جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات. إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادرا نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى: في أيام معدودات وفي أيام معلومات فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله: أياما معدودة وفي آل عمران بما هو الفرع» (٥). وقال الإمام الألوسي: «وجاء هنا ﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾ بصيغة الجمع دون ما في البقرة (٨٠) فإنه ﴿مَّعْدُودَةً﴾ بصيغة المفرد تفننًا في التعبير، وذلك لأن جمع التكسير لغير العاقل يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة تارة ومعاملة جمع الإناث أخرى فيقال: هذه جبال راسية، وإن شئت قلت راسيات، وجمال ماشية وإن شئت ماشيات، وخص الجمع هنا لما فيه من الدلالة على القلة كموصوفه وذلك أليق بمقام التعجيب والتشنيع» (٦).

стр. 182

بعرض رأي الإمامين يتضح أنهما اتفقا معًا في التوجيه، وأن جمع التكسير لغير العاقل يعامل أحيانًا معاملة الواحدة المؤنثة وأحيانًا معاملة جمع الإناث. ٣ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين تقديم الأموال على الأنفس في قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (١)، وتأخيرها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ (٢). حيث قال الإمام الرازي: «لقائل أن يقول: إنه تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ فقدم ذكر النفس على المال، وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله: ﴿الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ قدم ذكر المال على النفس، فما السبب فيه؟ وجوابه: أن النفس أشرف من المال، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيها على أن الرغبة فيها أشد والبائع أخر ذكرها تنبيها على أن المضايقة فيها أشد، فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب» (٣). وقال الإمام الألوسي: «وإنما قدم هنا ذكر الأموال على الأنفس وعكس في قوله عز شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾؛ لأن النفس أشرف من المال فقدم المشتري النفس تنبيهاً على أن الرغبة فيها أشد وأخر البائع تنبيهاً على أن المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها إلا في فائدة» (٤). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي قد نقل رأي الإمام الرازي دون أن يشير. ٤ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٥)، بقوله تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٦)، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٧) في سورة الأنعام.

стр. 183

قال الإمام الرازي: «فإن قيل: فما السبب في أن جعل خاتمة الآية الأولى بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وخاتمة هذه الآية بقوله: لعلكم تذكرون قلنا: لأن التكاليف الخمسة المذكورة في الأولى أمور ظاهرة جلية فوجب تعقلها وتفهمها وأما التكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية فأمور خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والفكر حتى يقف على موضع الاعتدال فلهذا السبب قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾» (١). وقال الإمام الألوسي: «وختمت الآية الأولى بقوله سبحانه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وهذه بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾؛ لأن القوم كانوا مستمرين على الشرك وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس المحرمة بغير حق غير مستنكفين ولا عاقلين قبحها فنهاهم سبحانه لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها. وأما حفظ أموال اليتامى عليهم وإيفاء الكيل والعدل في القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان؛ قاله القطب الرازي، ثم قال فإن قلت إحسان الوالدين من قبيل الثاني أيضاً فكيف ذكر من الأول؟ قلت: أعظم النعم على الإنسان نعمة الله تعالى ويتلوها نعمة الوالدين لأنهما المؤثران في الظاهر ومنهما نعمة التربية والحفظ عن الهلاك في وقت الصغر فلما نهى عن الكفر بالله تعالى نهى بعده عن الكفران في نعمة الأبوين تنبيهاً على أن القوم لما لم يرتكبوا الكفران فبطريق الأولى أن لا يرتكبوا الكفر. وقال الإمام: السبب في ختم كل آية بما ختمت «أن التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الأولى (أمور) ظاهرة جلية فوجب تعقلها وتفهمها والتكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية أمور خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والفكر الكثير حتى يقف على موضع الاعتدال وهو التذكر. انتهى» (٢). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي قد نقل رأي الإمام الرازي بقوله (قال الإمام)، ونقل رأيًا آخر نسبه (للقطب الرازي).

стр. 184

٥ - اتفق الإمامان على توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ (١)، بقوله تعالى ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ (٢). حيث قال الإمام الرازي: «فإن قيل كيف قال هاهنا: ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ وفي آية أخرى: ﴿فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾ (٣) وفي آية ثالثة: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ والجان مائل إلى الصغر والثعبان مائل إلى الكبر؟ جوابه: أما الحية فهي اسم الجنس ثم إنها لكبرها صارت ثعبانا، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها فصح الكلامان، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان لقوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (٤)، ويحتمل أنها كانت أولا صغيرة كالجان ثم عظمت فصارت ثعبانا» (٥). وقال الإمام الألوسي: «لا تعارض بين ماهنا وقوله سبحانه: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ بناء على أن الجان هي الحية الصغيرة لما قالوا: إن القصة غير واحدة، أو أن المقصود من ذلك تشبيهاً في خفة الحركة بالجان لا بيان جثتها، أو لما قيل: إنها انقلبت جاناً وصارت ثعباناً فحكيت الحالتان في آيتين» (٦). بعرض رأي الإمامين يتضح اتفاقهما معًا في توجيه المتشابه. ٦ - اتفق الإمامان على توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ (٧) بقوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ (٨). حيث قال الإمام الرازي: في الموضع الأول للمتشابه (سورة البقرة): «السؤال الثاني: أنه تعالى ذكر هاهنا: ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾، وفي الأعراف: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة

стр. 185

والانبجاس خروجه قليلا. الجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: الفجر الشق في الأصل، والانفجار الانشقاق، ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل، فهما مختلفان اختلاف العام والخاص، فلا يتناقضان، وثانيها: لعله انبجس أولا، ثم انفجر ثانيا، وكذا العيون: يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه. وثالثها: لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر، أي يخرج الماء كثيرا ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلا» (١). وقال في الموضع الثاني للمتشابه (سورة الأعراف): «وقوله: فانبجست قال الواحدي: فانبجس الماء وانبجاسه انفجاره. يقال: بجس الماء يبجس وانبجس وتبجس إذا تفجر، هذا قول أهل اللغة، ثم قال: والانبجاس والانفجار سواء، وعلى هذا التقدير فلا تناقض بين الانبجاس المذكور هاهنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة، وقال آخرون: الانبجاس خروج الماء بقلة، والانفجار خروجه بكثرة، وطريق الجمع: أن الماء ابتدأ بالخروج قليلا، ثم صار كثيرا، وهذا الفرق مروي عن أبي عمرو بن العلاء» (٢). وقال الإمام الألوسي: «﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ أي: انفجرت كما قال ابن عباس وزعم الطبرسي أن الانبجاس خروج الماء بقلة والانفجار خروجه بكثرة، والتعبير بهذا تارة وبالأخرى أخرى باعتبار أول الخروج وما انتهى إليه» (٣). بعرض رأي الإمامين يتضح اتفاقهما معًا في توجيه المتشابه. *عند تفسير الإمامين لآية الأمر بدخول القرية في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). اتقفا معًا في توجيه عدة مسائل:

стр. 186

٧ - اتفقا معًا في توجيه الفرق بين تقديم ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً﴾ على قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ في سورة البقرة وتأخيره في سورة الأعراف. حيث قال الإمام الرازي: «وهو قوله في سورة البقرة: ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وفي سورة الأعراف على العكس منه، فالمراد التنبيه على أنه يحسن تقديم كل واحد من هذين الذكرين على الآخر، إلا أنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى، وإظهار الخضوع والخشوع لم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير» (١). وقال الإمام الألوسي: «﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّدًا﴾ مر الكلام فيه في البقرة غير أن ما فيها عكس ما هنا في التقديم والتأخير ولا ضير في ذلك لأن المأمور به هو الجمع بين الأمرين من غير اعتبار الترتيب بينهما، وقال القطب: فائدة الاختلاف التنبيه على حسن تقديم كل من المذكورين على الآخر لأنه لما كان المقصود منهما تعظيم الله تعالى وإظهار الخشوع والخشوع لم يتفاوت الحال في التقديم والتأخير» (٢). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي ذكر رأيين، الرأي الثاني منهما هو رأي الإمام الرازي وذكره (بالقطب). تنبيه: الإمامان اختلفا معًا في توجيه المتشابه في الموضع الأول (سورة البقرة). ٨ - اتفقا معًا في توجيه الفرق بين إبدال جمع الكثرة ﴿خَطاياكُمْ﴾ بجمع القلة ﴿خَطِيئاتِكُمْ﴾ حيث قال الإمام الرازي: «وأما الخامس: وهو أنه قال في سورة البقرة: ﴿خَطاياكُمْ﴾ وقال هاهنا: ﴿خَطِيئاتِكُمْ﴾ فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة، فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرع» (٣). وقال الإمام الألوسي: «وبين القطب فائدة الاختلاف بين ما هناك وبين ما هنا على القراءة المشهورة بأنها الإشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة فهي مغفور بعد الاتيان بالمأمور به» (٤).

стр. 187

بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي نقل رأي الإمام الرازي. تنبيه: الإمامان اختلفا معًا في توجيه المتشابه في الموضع الأول (سورة البقرة). ٩ - اتفقا معًا في إبدال قوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنا﴾ بقوله: ﴿أَرْسَلْنا﴾. حيث قال الإمام الرازي: "وهو الفرق بين قوله: أنزلنا وبين قوله: فأرسلنا فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة، والإرسال يشعر بها، فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل، ثم جعله كثيرا، وهو نظير ما ذكرناه في الفرق بين قوله: فانبجست وبين قوله: فانفجرت» (١). وقال الإمام الألوسي: «وقال القطب في وجه المغايرة: إن الإرسال مشعر بالكثرة بخلاف الإنزال فكأنه أنزل العذاب القليل ثم جعل كثيراً وإن الفائدة في ذكر الظلم والفسق في الموضعين الدلالة على حصولهما فيهم معاً» (٢). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي نقل رأي الإمام الرازي. تنبيه: الإمامان اختلفا معًا في توجيه المتشابه في الموضع الأول (سورة البقرة). ١٠ - اتفقا معًا في إبدال قوله تعالى: ﴿يَظْلِمُونَ﴾ بقوله: ﴿يَفْسُقُونَ﴾. حيث قال الإمام الرازي: «وهو الفرق بين قوله: يظلمون وبين قوله: يفسقون فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين، لأجل أنهم ظلموا أنفسهم، وبكونهم فاسقين، لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله تعالى، فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين» (٣). وقال الإمام الألوسي: «﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾، أي: بسبب ظلمهم المستمر السابق واللاحق، وهذا بمعنى ما في البقرة لأن ضمير عليهم للذين ظلموا والإرسال من فوق إنزال، والتصريح بهذا التعليل لما أن الحكم هنا مرتب على المضمر دون الموصول بالظلم كما في البقرة، وأما التعليل

стр. 188

بالفسق بعد الإشعار بعلية الظلم هناك فللإيذان بأن ذلك فسق وخروج عن الطاعة وغلو في الظلم وأن تعذيبهم بجميع ما ارتكبوا من القبائح كما قيل» (١). بعرض رأي الإمامين يتضح اتفاقهما معًا في توجيه المتشابه. تنبيه: الإمامان اختلفا معًا في توجيه المتشابه في الموضع الأول (سورة البقرة). ١١ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٢) بقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ (٣). حيث قال الإمام الرازي في الموضع الأول للمتشابه (سورة الأنفال): «فإن قيل: إنه تعالى قال هاهنا: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٤)، وقال في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥)، [الرعد: ٢٨] فكيف الجمع بينهما؟ وأيضا قال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٦)، قلنا: الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة، ولا منافاة بين هاتين الحالتين، بل نقول: هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٧)، والمعنى: تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله» (٨). وقال في الموضع الثاني للمتشابه (سورة الرعد): «فإن قيل: أليس أنه تعالى قال في سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٩) والوجل ضد الاطمئنان، فكيف وصفهم هاهنا بالاطمئنان؟ والجواب من وجوه: الأول: أنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا من أن

стр. 189

يقدموا على المعاصي فهناك وصفهم بالوجل، وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة، سكنت قلوبهم إلى ذلك، وأحد الأمرين لا ينافي الآخر، لأن الوجل هو بذكر العقاب والطمأنينة بذكر الثواب، ويوجد الوجل في حال فكرهم في المعاصي، وتوجد الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات. الثاني: أن المراد أن علمهم بكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم في كون محمد ﷺ نبيا حقا من عند الله. أما شكهم في أنهم أتوا بالطاعات على سبيل التمام والكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم. الثالث: أنه حصلت في قلوبهم الطمأنينة في أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده، وأن محمدا ﷺ صادق في كل ما أخبر عنه، إلا أنه حصل الوجل والخوف في قلوبهم أنهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب أم لا، وهل احترزوا عن المعصية الموجبة للعقاب أم لا» (١). وقال الإمام الألوسي: «أي إنما المؤمنون الكاملون في الايمان المخلصون فيه ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٢) أي فزعت استعظاماً لشأنه الجليل وتهيباً منه جل وعلا والاطمئنان المذكور في قوله : ﴿أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ (٣) لا ينافي الوجل والخوف لأنه عبارة عن ثلج الفؤاد وشرح الصدر بنور المعرفة والتوحيد وهو يجامع الخوف، وإلى هذا ذهب ابن الخازن، ووفق بعضهم بين الآيتين بأن الذكر في إحداهما ذكر رحمة وفي الأخرى ذكر عقوبة فلا منافاة بينهما» (٤). بعرض رأي الإمامين يتضح أنهما اتفقا معًا في توجيه المتشابه وأنه لا منافاة بين الآيتين، وقد نقل الإمام الألوسي نص كلام الإمام الرازي: «والاطمئنان المذكور في قوله : ﴿أَلَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ (٥) لا ينافي الوجل والخوف لأنه عبارة عن ثلج الفؤاد وشرح الصدر بنور المعرفة والتوحيد»، ونسبه إلى (ابن الخازن).

стр. 190

١٢ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿ومَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢). ١٣ - تكرار (أنزلنا) في قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٣)، وقد نقل الإمام الألوسي رأي الإمام الرازي بقوله (قال الإمام)، وذكر رأيًا آخر أيضًا (٤). ١٤ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿سبحوه بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٦)، وقد نقل الإمام الألوسي رأي الإمام الرازي بقوله: (قال الإمام) (٧). ١٥ - عند توجيه الإمام الألوسي للفرق بين التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٩) أطال التوجيه جدًا، وذكر العديد من الآراء من بينها رأي الإمام الرازي (١٠).

стр. 191

١٦ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَنظُرُوا﴾ (١) بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢)، إبدال النظر بالرؤية، وقد نقل الإمام الألوسي رأي الإمام الرازي بقوله: (قاله الإمام) (٣). ١٧ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (٤)، بقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ (٥)، وقد نقل الإمام الألوسي رأي الإمام الرازي بقوله (قال الإمام) (٦). ١٨ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ (٧)، بقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ (٨). ١٩ - اتفقا معًا في توجيه الفرق بين (درجة - ودرجات) بالجمع والإفراد في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٩)، نقل الإمام الألوسي عدة آراء، اتفق في بعضها مع الإمام الرازي (١٠). ٢٠ - اتفق الإمامان في توجيه الفرق بين التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (١١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ (١٢)، وقد نقل

стр. 192

الإمام الألوسي عدة توجيهات للمتشابه من كتاب درة التنزيل للإمام الإسكافي، اتفق في أحدها مع توجيه الإمام الرازي (١). المبحث الثالث أوجه الاختلاف بين الإمامين الرازي والألوسي في توجيه المتشابه اللفظي في القرآن الكريم المطلب الأول مسائل المتشابه اللفظي التي اختلف الإمامان في توجيهها في الحروف ١ - اختلف الإمامان في توجيه الفرق بين إبدال حرف (لن) في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ (٢) بحرف (لا) في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ (٣). حيث قال الإمام الرازي: «فإن قيل: إنه تعالى قال هاهنا: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ وقال في سورة الجمعة: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ فلم ذكر هاهنا (لن) وفي سورة الجمعة «لا» قلنا: إنهم في هذه السورة، ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس والله تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمنوا الموت والدعوى الأولى أعظم من الثانية إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة فلما كانت الدعوة الأولى أعظم لا جرم بين تعالى فساد قولهم بلفظ: «لن» لأنه أقوى الألفاظ النافية ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفى في إبطالها بلفظ «لا» لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي والله أعلم» (٤). وقال الإمام الألوسي: «وجاء نفي هذا التمني في آية أخرى بلن وهو من باب التفنن على القول المشهور في أن كلا من لا ولن لنفي المستقبل من غير تأكيد، ومن قال: بإفادة لن التأكيد

стр. 193

فوجه اختصاص التوكيد عنده بذلك الموضع أنهم ادعوا الاختصاص دون الناس في الموضعين، وزادوا هنالك أنه أمر مكشوف لا شبه فيه محققة عند الله فناسب أن يؤكد ما ينفيه» (١). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الرازي قال أن (لن) أقوى الألفاظ النافية، وأن لفظ (لا) ليس في نهاية القوة في إفادة النفي، بينما ذهب الإمام الألوسي إلى أن التغاير بين (لن) و (لا) للتفنن وأن كلًا من (لا) و (لن) لنفي المستقبل من غير تأكيد، كما نقل الإمام الألوسي الرأي الآخر أن (لن) تفيد التأكيد وعلق عليه. وقد ذهب كلًا من الأئمة (الإسكافي - وابن الزبير - والزمخشري - والقاسمي) إلى ما ذهب إليه الإمام الرزاي أن لفظ (لن) (أقوى في الدلالة على النفي)، واتفقوا معه في التوجيه (٢). وللعلامة السبكي (٣) توجيه قوي حيث قال: «قوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ وفي البقرة ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ ما نصه: تكلم فيه السهيلي بناء على أن كلمة ﴿لا﴾ أبلغ. وصاحب درة التنزيل بناء على أن ﴿لن﴾ أبلغ. وأنا أقول إن ﴿لن﴾ أبلغ في حقيقة النفي والمبالغة فيه أول زمان النفي، و ﴿لا﴾ أبلغ في الطرف الآخر وهو المستقبل مع اشتراكهما فيه. وورد التأبيد فيهما، وإذا عرف ذلك في سورة البقرة قال: ﴿قُلْ إنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ وهذا الشرط وصلة واحدة وهي نهاية مراد المؤمن، وجزاؤها الأمر بتمني الموت لذلك، لأنه إذا كانت نهاية المراد قد حصلت فلا مانع من تمني الموت الموصل إلى الدار الآخرة الخالصة التي ثبت حصولها لهم على هذا التقدير، فحسن بعده ﴿لن﴾ لأنها

стр. 194

قاطعة بالنفي الآن المضاد للشرط الذي قدر حصوله الآن، فالمقصود تحقيق النفي الآن وتأكيده، وإن امتد في المستقبل، ولذلك قرن بالتأبيد، فحصل تأكيدان أحدهما في الطرف الأول بلن والثاني في الطرف الآخر بالتأبيد. وفي سورة الجمعة قال: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾، فجعل الشرط أمرا مستقبلا قد يقع الزعم منهم غدا أو بعد غد. ورتب عليه الأمر بتمني الموت، لأنه يلزم من كونهم أولياء حصول الدار الآخرة لهم، وإن لم يدل عليها مطابقة كالآية الأولى فجاء الانتفاء للتمني المستقبل التي متى وقع الزعم علم انتفاء التمني، فكان التأكيد فيه في الطرف الآخر فقط، وكذلك صرح بالتأبيد، ولم يؤت بصيغة ﴿لن﴾ فإن قلت فمن أين لك هذا الفرق بين ﴿لن﴾ و ﴿لا﴾ ولم يذكره النحاة وغاية ما ذكره بعضهم الاختلاف في أن ﴿لن﴾ أوسع أو ﴿لا﴾ أوسع وفي أن ﴿لا﴾ تختص بالمستقبل أو تحتمل الحال والاستقبال، وهذا الذي قلته أنت من أن كلا منهما أبلغ من وجه لم يذكره أحد. قلت: وإن لم يذكروه فإنهم لم ينفوه ويؤخذ من استقراء مواردها. قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْك الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، ﴿إنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾، ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾، ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أَبَدًا﴾، ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلَّا أَذًى﴾، ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾، ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّك حَتَّى تُنَزِّلَ﴾، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أَبَدًا﴾، ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾، ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾، وغير ذلك من الآيات. فيُنظر موارد هذه الآيات وقوة تحقيق النفي في الحال فيها، وفي بعضها التأبيد لإرادة تقوية الطرفين وفي قوله: ﴿إذا أبدا﴾ المقصود تحقيق النفي من ذلك الوقت إلى الأبد إن تأخر عن وقت الخطاب فالتأبيد من ابتداء زمانه إلى الأبد ولذلك احترزت في أول كلامي فلم أقل من الآن وأما ﴿لا﴾ فقال تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾؛ لأن القصد نفي علمهم في المستقبل. فلا يحسن هنا.

стр. 195

وكذلك ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ ليس المقصود المبالغة في تأكيد النفي لأنه معلوم وقول موسى ﵇ ﴿لا أبرح حتى أبلغ﴾ أي لا أبرح مسافرا ولعله قال قبل السفر فليس كقول أخي يوسف ﴿فلن أبرح الأرض﴾ ﴿وإذا لا يلبسون خلافك إلا قليلا﴾ لما كان المستثنى الزمان الأول جاز ﴿لا﴾ والمستثنى في ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ الفعل فكان ﴿لن﴾ مع تحقيق النفي في أول الأزمنة ويُنظر كيف وقع التعادل بين ﴿لن﴾ و ﴿لا﴾ اشتركا في نفي المستقبل واختصت ﴿لا﴾ بنفي الحال والماضي واختصت لن بقوة النفي من ابتداء المستقبل وكذلك جاءت في قوله: ﴿لن تراني﴾ لأن المقصود قوة نفي رؤيته ذلك الوقت في الدنيا، ولم يجئ فيها التأبيد فلا صريح في دلالتهما على النفي في الآخرة ودلالة ﴿لن﴾ على النفي في أول أزمنة الاستقبال أقوى من دلالة ﴿لا﴾ ودلالة ﴿لا﴾ على استغراق الأزمنة المستقبلة أقوى من دلالة ﴿لن﴾ لما في ﴿لا﴾ من المد المناسب للمستقبل، فلذلك نقول: ﴿لا﴾ أوسع و ﴿لن﴾ أقوى وسعة لا في الظرف من المستقبل ويمده ما قبله إلى أول أزمنة الاستقبال، وقد تستعمل في الحال، وفي الماضي فصارت لجميع الأزمنة؛ و ﴿لن﴾ لا تصلح إلا للمستقبل وهي باقية في أوله، فظاهر لن باقية والمعادلة بين الحرفين من حكمة لسان العرب. والله أعلم. انتهى» (١). ٢ - اختلف الإمامان في توجيه الفرق بين إبدال حرف إلى (إلى الحق) بحرف اللام (للحق) في قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٢). حيث قال الإمام الرازي: «المسألة الثانية: قال الزجاج: يقال هديت إلى الحق، وهديت للحق بمعنى واحد، والله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله: ﴿قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَنْ يَهْدِى إِلَى الحق ﴿» (٣). وقال الإمام الألوسي: «وقد جمع هنا بين صلتيه إلى واللام تفننا وإشارة بإلى إلى معنى الانتهاء وباللام للدلالة على أن المنتهى غاية للهداية وأنها لم تتوجه إليه على سبيل الاتفاق بل

стр. 196

على قصد من الفعل وجعله ثمرة له ولذلك عدى بها ما أسند إليه سبحانه كما ترى، وأما قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِى إِلَى الحق﴾ فالمقصود به التعميم وإن كان الفاعل في الواقع هو الله جل شأنه. وقيل: اللام هنا للاختصاص والجمهور على الأول» (١). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الرازي اكتفى بنقل رأي الإمام الزجاج أن هناك لغتان (هديت إلى الحق)، و (هديت للحق) بمعنى واحد، ولم يفرق بينهما، بينما ذكر الإمام الألوسي اللغتين وفرق بينهما. وقد اتفق الشيخ الشعراوي مع الإمام الألوسي حيث قال: «وسبب وجود اللام في قوله: ﴿يهدي إِلَى الحق﴾ هو النظرة إلى الغاية، وسبب وجود: ﴿إِلَى الحق﴾ هو لفت الانتباه إلى أن الوصول إلى الغاية يقتضي طريقًا، فأراد الحق سبحانه في آية واحدة أن يجمع التعبيرين معًا» (٢). ٣ - اختلف الإمامان في توجيه الفرق بين ذكر حرف الواو في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ﴾ (٣) وحذفه في قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ (٤). حيث قال الإمام الرازي: «فإن قيل ذكر الله مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف وسورة هود بغير واو ﴿قَالَ الملا الذين كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ (٥)، قالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا﴾ (٦) وهاهنا مع الواو فأي فرق بينهما؟ قلنا الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال فما قال قومه؟ فقيل له كيت وكيت، وأما الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله ومعناه أنه اجتمع في هذه الواقعة هذا الكلام الحق وهذا الكلام الباطل» (٧).

стр. 197

وقال الإمام الألوسي: «وجاء بالواو العاطفة في ﴿الفاتحين وَقَالَ الملا﴾ هنا ولم يجأ بها بل جاء بالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً في موضع آخر لأن ما نحن فيه حكاية لتفاوت ما بين المقالتين أعني مقالة المرسل ومقالة المرسل إليهم لا حكاية المقاولة لأن المرسل إليهم قالوا ما قالوا بعضهم لبعض وظاهر إباء ذلك الاستئناف وأما هنالك فيحق الاستئناف لأنه في حكاية المقاولة بين المرسل والمرسل إليهم واستدعاء مقام المخاطبة ذلك بين كذا في «الكشف»، ولا يحسم مادة السؤال إذ يقال معه: لم حكى هنالك المقاولة وهنا التفاوت بين المقالتين ولم يعكس؟ ومثل هذا يرد على من علل الذكر هنا والترك هناك بالتفنن بأن يقال: إنه لو عكس بأن ترك هنا وذكر هناك لحصل التفنن أيضاً، وأنا لم يظهر لي السر في ذلك» (١). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الرازي اختلف مع الإمام الألوسي في التوجيه، وقد ذكر الإمام الألوسي توجيهًا نسبه لصاحب (الكشف) وقال إنه لم يحسم مادة السؤال لذا حمل المتشابه على التفنن، وقال أنه لم يظهر له السر. وقد قام العلامة ابن عاشور بذكر توجيه قوي لهذه المسألة، زعم فيه أنه قد أجاب جوابًا شافيًا على السؤال الذي أورده صاحب الكشاف ولم يكون في جوابه شافيًا وتحيّر شراحه فكانوا على خلاف، حيث قال: «﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢). عُطفت حكاية قول قومه على حكاية قوله ولم يؤت بها مفصولة كما هو شأن حكاية المحاورات كما بيناه غير مرة في حكاية المحاورات بـ قال ونحوها دون عطف. وقد خولف ذلك في الآية السابقة للوجه الذي بيناه، وخولف أيضًا في سورة الأعراف وفي سورة هود إذ حكي جواب هؤلاء القوم رسولَهم بدون عطف. ووجه ذلك أن كلام الملأ المحكيَّ هنا غير كلامهم المحكي في السورتين؛ لأن ما هنا كلامهم الموجَّه إلى خطاب قومهم إذ قالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ﴾ إلى آخره خشيةً منهم أن تؤثر دعوة رسولهم في عامتهم، فرأوا الاعتناء بأن يحولوا دون تأثر نفوس

стр. 198

قومهم بدعوة رسولهم أولى من أن يجاوبوا رسولهم كما تقدم بيانه آنفًا في قصة نوح. وبهذا يظهر وَجه الإعجاز في المواضع المختلفة التي أورد فيها صاحب الكشاف سؤالًا ولم يكن في جوابه شافيًا وتحيّر شراحه فكانوا على خلاف» (١). ٤ - عند تفسير الإمامين لآيتي الأمر بدخول القرية في سورتي البقرة والأعراف اختلفا في توجيه الفرق بين زيادة حرف الواو في قوله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢)، ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، وقد اختلف الإمامان في توجيه المتشابه في الموضعين (٤). ٥ - عند تفسير الإمامين لآيتي الأمر بدخول القرية في سورتي البقرة والأعراف في الموضع الأول (سورة البقرة) اختلفا في إبدال حرف الفاء في قوله تعالى: ﴿فكلوا﴾ (٥) بحرف الواو في قوله تعالى: ﴿وكلوا﴾ (٦).

стр. 199

المطلب الثاني مسائل المتشابه اللفظي التي اختلف الإمامان في توجيهها في اللفظ والتركيب ١ - عند تفسير الإمام الألوسي لآية الأمر بدخول القرية في سورة البقرة تعقب آراء الإمام الرازي في العشر مسائل بين الآيتين (في سورتي البقرة والأعراف)، ولم يتفق معه، ورجح آراء الزمخشري (١). وقد قام د/ محمد نصيف بمناقشة آراء الإمامين في العشر مسائل بين الآيتين، وذكر آراء علماء آخرين، ورجح بينهما في بحث نفيس، فميكنك الرجوع إليه للمزيد (٢). ٢ - اختلف الإمامان في توجيه الفرق بين (أنزل- نزّل): حيث قال الإمام الرازي: «قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا﴾ (٣) أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التوراة والإنجيل﴾ إذا ثبت هذا فنقول: لما كان المراد هاهنا من قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل، وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال» (٤). وقال الإمام الألوسي عند تفسير قول الله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٥): «والتعبير بأنزل فيهما للإشارة إلى أنه لم يكن لهما إلا نزول واحد وهذا بخلاف القرآن فإن له نزولين، نزول من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة واحدة، ونزول من ذلك إليه ﷺ منجماً في ثلاث وعشرين سنة على

стр. 200

المشهور، ولهذا يقال فيه: نزل وأنزل وهذا أولى مما قيل: إن نزل يقتضي التدريج وأنزل يقتضي الإنزال الدفعي إذ يشكل عليه ﴿لَوْلَا نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة﴾ (١) [الفرقان: ٣٢] حيث قرن نزل بكونه جملة، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الكتاب﴾ (٢) وذكر بعض المحققين لهذا المقام أن التدريج ليس هو التكثير بل الفعل شيئاً فشيئاً كما في تسلسل، والألفاظ لا بد فيها من ذلك فصيغة نزل تدل عليه، والإنزال مطلق لكنه إذا قامت القرينة يراد بالتدريج التنجيم، وبالإنزال الذي قد قوبل به خلافه، أو المطلق بحسب ما يقتضيه المقام» (٣). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي قد ذكر رأي الإمام الرازي واعترض عليه، ورجح توجيهًا آخر. وقد أطال د/ فاضل السامرائي في ذكر الفرق بين (أنزل - نزَّل) ونقل رأي الإمام ابن الزبير وخلاصة ما ذكره: «"نَزَّل" يمكن أن يُستعمل لأكثر من معنى، فإن هذا الفعل قد يكون للتدرج والتكثير كما ذكرت، وقد يكون للمبالغة والاهتمام، فما استعمل فيه " نزَّل " يكون أهم وآكد مما استعمل فيه (أنزل)» (٤) ثم ذكر أمثلة كثيرة. ٣ - اختلف الإمامان في توجيه تكرار قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٥). حيث قال الإمام الرازي: «يروى أن هذه الآية إنما نزلت، لأن الله تعالى لما أنزل قوله تعالى: ﴿وَمَتّعُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿حَقّاً عَلَى المحسنين﴾ (٦) قال رجل من المسلمين: إن أردت فعلت، وإن لم أرد لم أفعل، فقال تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ يعني على كل من كان متقياً عن الكفر، واعلم أن المراد من المتاع هاهنا فيه قولان أحدهما: أنه هو المتعة، فظاهر

стр. 201

هذه الآية يقتضي وجوب هذه المتعة لكل المطلقات، فمن الناس من تمسك بظاهر هذه الآية وأوجب المتعة لجميع المطلقات، وهو قول سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري قال الشافعي رحمه الله تعالى: لكل مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها مهر ولم يوجد في حقها المسيس، وهذه المسألة قد ذكرناها في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَتّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ﴾ (١). فإن قيل: لم أعيد هاهنا ذكر المتعة مع أن ذكرها قد تقدم في قوله: ﴿وَمَتّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ﴾. قلنا: هناك ذكر حكماً خاصاً، وهاهنا ذكر حكماً عاماً. والقول الثاني: أن المراد بهذه المتعة النفقة، والنفقة قد تسمى متاعاً وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى، وهاهنا آخر الآيات الدالة على الأحكام، والله أعلم» (٢). وقال الإمام الألوسي: «﴿وللمطلقات﴾ سواء كن مدخولاً بهن أولا ﴿متاع﴾ أي مطلق المتعة الشاملة للواجبة والمستحبة وأوجبها سعيد بن جبير وأبو العالية والزهري للكل، وقيل: المراد بالمتاع نفقة العدة، ويجوز أن يكون اللام للعهد أي المطلقات المذكورات في الآية السابقة وهن غير الممسوسات وغير المفروض لهن، والتكرير للتأكيد والتصريح بما هو أظهر في الوجوب وهذا هو الأوفق بمذهبنا، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿متاعا بالمعروف حَقّا عَلَى المحسنين﴾ (٣) قال رجل: إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل فأنزل الله تعالى هذه الآية فلا حاجة حينئذ إلى القول بأن تلك الآية مخصصة بمفهومها منطوق هذه الآية المعممة على مذهب من يرى ذلك ولا إلى القول بنسخ هذه كما ذهب إليه ابن المسيب وهو أحد قولي الإمامية» (٤). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الرازي عرض قولين الأول: وهو وجوب المتعة لجميع المطلقات، والثاني: أن المقصود بالمتعة النفقة، ورجح الثاني وقال إن تكرار الآية يندفع به، بينما حمل الإمام الألوسي تكرار الآية على القول الأول وهو وجوب المتعة، وقد انفرد الإمامان بتوجيه هذه المسألة عن علماء المتشابه اللفظي.

стр. 202

٤ - اختلف الإمامان في توجيه الفرق بين الكفل والنصيب في قوله تعالى: " ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ (١). حيث قال الإمام الرازي: «فان قيل: لم قال في الشفاعة الحسنة: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مّنْهَا﴾ وقال في الشفاعة السيئة: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مَّنْهَا﴾ وهل لاختلاف هذين اللفظين فائدة؟ قلنا: الكفل اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس، وإنما يقال كفل البعير لأنك حميت ظهر البعير بذلك الكساء عن الآفة، وحمي الراكب بدنه بذلك الكساء عن ارتماس ظهر البعير فيتأذى به، ويقال للضامن: كفيل. وقال ﵊: «أنا وكافل اليتيم كهاتين» (٢). فثبت أن الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، إذا ثبت هذا فنقول: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مَّنْهَا﴾ (٣) أي يحصل له منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له في معاشه ومعاده، والمقصود حصول ضد ذلك ﴿فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤) والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله تعالى» (٥). وقال الإمام الألوسي: «فالتعبير بالنصيب في الشفاعة الحسنة، وبالكفل في الشفاعة السيئة للتفنن، وفرق بينهما بعض المحققين بأن النصيب يشمل الزيادة، والكفل هو المثل المساوي، فاختيار النصيب أولاً لأن جزاء الحسنة يضاعف؛ والكفل ثانياً لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها، ففي الآية إشارة إلى لطف الله تعالى بعباده، وقال بعضهم: إن الكفل وإن كان بمعنى

стр. 203

النصيب إلا أنه غلب في الشر وندر في غيره كقوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾ (١) فلذا خص بالسيئة تطرية وهرباً من التكرار» (٢). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الرازي ذكر أن الكفل هو اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس وبنى توجيهه على ذلك، بينما حمل الإمام الألوسي توجيه المتشابه على التفنن، وذكر آراء أخرى تعتمد على معنى الكفل غير المعنى الذي ذكره الإمام الرازي، وقد انفرد الإمامان بتوجيه هذه المسألة عن علماء المتشابه اللفظي. قال الإمام البقاعي: «وعظم الشفاعة السيئة؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصلح، فقال- معبرا بما يفهم النصيب ويفهم أكثر منه تغليظا في الزجر: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ (٣) وهذا بيان لأن الشفاعة فيهم سيئة إن تحقق إجرامهم، حسنة إن علمت توبتهم وإسلامهم. ولما كان كل من تحريض المؤمنين على الجهاد والشفاعة الحسنة من وادي «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٤) حسن اقترانهما جدا، والنصيب قدر متميز من الشيء يخص من هو له، وكذا الكفل إلا أن الاستعمال يدل على أنه أعظم من النصيب، ويؤيده ما قالوا من أنه قد يراد به الضعف، فكأنه نصيب متكفل بما هو له من إسعاد وإبعاد؛ قال أهل اللغة: النصيب: الحظ، والكفر- بالكسر: الضعف والنصيب والحظ، ومادة «نصب» يدور على العلم المنصوب، ويلزمه الرفع والوضع والتمييز والأصل والمرجع والتعب، فيلزمه الوجع، ومن لوازمه أيضا الحد والغاية والجد الوقوف؛ ومادة «كفل» تدور على الكفل- بالتحريك وهو العجز أو ردفه، ويلزمه الصحابة واللين والرفق والتأخر؛ وقال الإمام: الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، والمقصود هنا حصول ضد ذلك كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥) والغرض منه التنبيه على أن

стр. 204

الشفاعة المؤدية إلى سيقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله انتهى. وما غلظ هذا الزجر إلا للعلم بأن أكثر النفوس ميالة بأصحابها للشفاعة بالباطل. ولما كان الأليق بالرغبة أن لا يقطع في موجبها وإن عظم بالحقية، ليكون ذلك زاجرًا عن مقارفة شيء منها وإن صغر؛ عبر في الحسنة بالنصيب، وفي السيئة بالكفل؛ ويؤيد إرادة هذا أنه تعالى لما ذكر ما يوجب الجنة من الإيمان والتقوى، وكان في سياق الوعظ لأهل الكتاب الذين هم على شرع أصله حق بتشريع رسول من عند الله، فتركهم لذلك بعيد يحتاج إلى زيادة ترغيب؛ عبر بالكفل فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (١) إلى آخرها» (٢). فالإمام البقاعي ذكر معاني آخرى للكفل، ونقل رأي الإمام الرازي. يقول ابن القيم: «فلفظ الكفل يُشعر بالحمل الثقيل، ولفظ النصيب يُشعر بالحظ ينصب طالبه في تحصيله» (٣). وقد قام الباحث/ عدنان عبد القادربذكر المعاني اللغوية المختلفة لمعنى الكفل والنصيب وتوجيه المتشابه على أساسها، فلترجع إليها للمزيد (٤). ٥ - اختلف الإمامان في توجيه الفرق في التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٥)، وقوله

стр. 205

تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (١). حيث قال الإمام الرازي: «السؤال الثاني: أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه؟ الجواب: أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب، الإشارة إلى هذين الصنفين» (٢). وقال الإمام الألوسي: «وقد تفنن في التعبير فجاءت الشفاعة أولاً: بلفظ القبول متقدمة على العدل وهنا: النفع متأخرة عنه، ولعله كما قيل إشارة إلى انتفاء أصل الشيء وانتفاء ما يترتب عليه، وأعطي المقدم وجوداً تقدمه ذكراً، والمتأخر وجوداً تأخره ذكراً، وقيل: إن ما سبق كان للأمر بالقيام بحقوق النعم السابقة، وما هنا لتذكير نعمة بها فضلهم على العالمين وهي نعمة الإيمان ببني زمانهم، وانقيادهم لأحكامه ليغتنموها ويؤمنوا ويكونوا من الفاضلين لا المفضولين وليتقوا بمتابعته عن أهوال القيامة وخوفها كما اتقوا بمتابعة موسى ﵇» (٣). بعرض رأي الإمامين يتضح أنهما اختلفا في توجيه المتشابه، وقد اتفق العلامة الأنصاري مع الإمام الرازي وذكر باقي علماء المتشابه اللفظي توجيهات أخرى (٤). يقول د/ فهد الشتوي بعد أن عرض رأي الإمام الرازي ورأي الإمام ابن جماعة: «والمُلاحظ أنه على كلا التوجيهين لم يتبين السر في اختصاص كل موضع بما اختص به، وعليه فإن

стр. 206

التوجيه بهذا الاعتبار يكون ناقصًا، كما أن النفس لا تطمئن إليه حتى يتبين سر الاختصاص في كل موضع، وذلك بكشف مناسبته للسياق. والذي يظهر - والله أعلم - هو أن الآية الأولى في النفس الأولى، والثانية في النفس الثانية، لما سنبينه - بإذن الله - من دلالة السياق، وللوجهين التاليين من نفس نص الآيتين: الوجه الأول: أنه قدم في الآية الأولى ذكر الشفاعة، وبلفظ القبول، وذلك أن " المتبادر في نفي قبول الشفاعة أنها (أي النفس الأولى الشافعة) لو شفعت لم تقبل شفاعتها "، وليس المتبادر أن النفس الثانية لو أتت بشفيع لم يقبل منها. الوجه الثاني: الظاهر من نص الآية الأولى هو أنها تتحدث عن النفس الأولى، فهي المحدث عنها في أول الآية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾، وإنما قلنا إن الآية الثانية في النفس الثانية وإن كانت تشترك معها في مطلعها، ولما جاء في آخرها مما هو كالصريح في أنها للنفس الثانية، وهي قوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾، فالنفع للنفس المجزية لا للنفس الجازية. وأما السياق فإنه كذلك يدل على أن الآية الأولى في النفس الأولى، والآية الثانية في النفس الثانية، كما أنه يفسر لنا سر التغاير بين الآيتين. وذلك أن الآية الأولى جاءت في أول قصة بني إسرائيل، وقد افتتح الله خطابه لهؤلاء اليهود المعاصرين للنبي ﷺ قبل هذه الآية بثماني آيات، والذي يظهر أن الخطاب كان معنيًا به أحبار اليهود وعلماؤهم، وأما العامة فكانوا تبعًا لهم، وقد افتتح هذا الخطاب بتذكيرهم بنعمة الله عليهم استجلابًا لهم للإيمان، ثم أمرهم بالوفاء بعهد الله. وبعد كل هذا تأتي الآية محل البحث، فتجتث آخر ما قد يبقى عند هؤلاء الأحبار من العوائق، فإنه بعد أن بين الله علمه بخبايا أمورهم، وحذرهم اتباع ذلك العائق الكبير حب الرياسة الذي أبعدهم عن الحق، فإنه لابد أن تكون نفوسهم قد علمت ذنبها وإن لم تقر به، ولكن يبقى بعد ذلك عائق لا يقل عن الذي قبله وهو ما كان يتعلقون به من انتسابهم للأنبياء ورجائهم شفاعتهم، وهذا يجعلهم لا يستعظمون ذنوبهم وعصيانهم للنبي ﷺ ، ولهذا فلقد

стр. 207

بادرت الآيات من أول القصة إلى نزع هذا العائق فكان المناسب أن يكون الحديث عن النفس الشافعة، وبيان حالها لهؤلاء القوم حتى لا يبقى في نفوسهم أي تعلق بها، فقدم ذكر الشفاعة نافيًا قبولها من الشافع، ثم ثنى بذكر العدل ونفى فائدته بلفظ الأخذ، وهو لفظ أعم من نفي القبول حتى يشمل العدل الذي قد تقدمه النفس الشافعة من مالها أو من مال المشفوع له بين يدي شفاعتها فيما لو ردت شفاعتها. وأما الآية الثانية فجاءت آخر آية في القصة، وقد سبقها آيات كثيرة تبين فضائح اليهود، وشدة عصيانهم، وقد يكون بين أول القصة وآخرها زمن طويل لم يستجب فيه اليهود فكان أن تغير الخطاب لهم، وذلك أننا نجد في آخر القصة أن الخطاب قد توجه للنبي ﷺ بعدم الاكتراث بهم، وبأن هؤلاء اليهود لن يرضوا عن هذا النبي ﷺ حتى يتبع ملتهم، وحذره من اتباعهم، وفي هذا إظهار العزة وعدم الاكتراث بهم ما فيه، ثم بين أن من أوتي التوراة حقًا هو من يتبعها، ومن اتبعها لابد أن يتبع النبي ﷺ لما فيها من الأمر باتباعه، وهؤلاء هم المؤمنون بالتوراة، ومن لم يؤمن بالنبي ﷺ لم يؤمن بالتوراة وأولئك هم الخاسرون، وبهذا فإن الآيات في آخر القصة تنزع من هؤلاء اليهود شرفهم الذي يحاولون الانتساب إليه وهو التوراة، مبينةً أن من لم يؤمن بالنبي ﷺ فلا حظ له بهذا الكتاب، ولهذا أعقب ذلك سبحانه بإعادة تذكيرهم بما من الله به عليهم من النعم ومن التفضيل الذي لا تحصل حقيقته إلا بالإيمان الذي قد تبين لهم شأنه. وبعد ذلك تأتي الآية محل البحث، وهي تأتي وقد انكشف للقوم حقيقة أنفسهم، ولهذا كان الحديث عنهم هم عن النفس الثانية المجرمة المجزي عنها، وبأنها لن يقبل منها يوم القيامة الفداء؛ لأنهم لم يبق لهم بعد تعلق بالآباء، بل كأن هذه النفس قد عرفت جرمها فهي تريد الفداء بمالها، ولو كان شاقًا على هذه النفس اليهودية الجشعة، وفي هذا من التيئيس لهم وإقامة الحجة ما فيه، فكان البدء بنفي العدل هو المناسب وبلفظ القبول؛ لأنها تقدمه عن نفسها من مالها، ثم عقب بنفي نفع الشفاعة ولم يعبر بالقبول، والسر في ذلك والله أعلم هو شدة التيئيس لهم أيضًا حتى يعلموا أن لا سبيل للخلاص إلا بهذا الدين، وذلك أن في نفي نفع الشفاعة ثبوت أصل

стр. 208

الشفاعة في ذلك اليوم والمعنى أن الشفاعة نافعة في ذلك اليوم لكن ليس لكم، لما أنتم عليه من الكفر. وبهذا يتبين سر اختصاص كل موضع بما اختص به، وسر تغاير الألفاظ، والله أعلم بالصواب» (١). ٦ - اختلف الإمامان في توجيه تكرار قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ (٢). حيث قال الإمام الرازي: «ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين (الأول) قال الجبائي: الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، وهذا ضغيف من وجهين (أحدهما) أنه قال في الهبوط الأول ﴿ولكم في الأرض مستقر﴾ فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله ﴿اهبطوا منها﴾ والضمير في (منها) عائد إلى الجنة، وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة، (الوجه الثاني) أن التكرير لأجل التأكيد، وعندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط، فتابا بعد الأمر بالهبوط، ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب ألا يبقى الأمر بالهبوط، فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها، بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة؛ لأن الأمر به كان تحقيقًا للوعد المتقدم في قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٣) فإن قيل ما جواب الشرط الأول؟ قلنا: الشرط الثاني مع جوابه، كقولك إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك» (٤). وقال الإمام الألوسي: «﴿قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ كرر للتأكيد، فالفصل لكمال الاتصال والفاء في ﴿فَتَلَقَّى﴾ للاعتراض، إذ لا يجوز تقدم المعطوف على التأكيد، وفائدته الإشارة إلى مزيد الاهتمام بشأن التوبة وأنه يجب المبادرة إليها، ولا يمهل فإنه ذنب آخر مع ما في ذلك من

стр. 209

إظهار الرغبة بصلاح حاله ﵇ وفراغ باله، وإزالة ما عسى يتشبث به الملائكة ﵈، وقد فضل عليهم وأمروا بالسجود له، أو كرر ليتعلق عليه معنى آخر غير الأول، إذ ذكر إهباطهم أولاً: للتعادي وعدم الخلود، والأمر فيه تكويني. وثانياً: ليهتدي من يهتدي، ويضل من يضل، والأمر فيه تكليفي، ويسمى هذا الأسلوب في البديع الترديد (١) فالفصل حينئذ للانقطاع لتباين الغرضين، وقيل: إن إنزال القصص للاعتبار بأحوال السابقين، ففي تكرير الأمر تنبيه على أن الخوف الحاصل من تصور إهباط آدم ﵇ المقترن بأحد هذين الأمرين من التعادي والتكليف كاف لمن له حزم، وخلا عن عذر أن تعوقه عن مخالفة حكمه تعالى، فكيف المخالفة الحاصلة من تصور الإهباط المقترن بهما؟ فلو لم يعد الأمر لعطف ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ على الأول: فلا يفهم إلا إهباط مترتب عليه جميع هذه الأمور، ويحتمل على بعد أن تكون فائدة التكرار التنبيه على أنه تعالى هو الذي أراد ذلك، ولولا إرادته لما كان ما كان؛ ولذلك أسند الإهباط إلى نفسه مجرداً عن التعليق بالسبب بعد إسناد إخراجهما إلى الشيطان، فهو قريب من قوله عز شأنه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى﴾ (٢) وقال الجبائي: إن الأول: من الجنة إلى السماء. والثاني: منها إلى الأرض، ويضعفه ذكر ﴿وَلَكُمْ فِى الارض مُسْتَقَرٌّ﴾ (٣) عقيب الأول و ﴿جَمِيعاً﴾ حال من فاعل ﴿اهبطوا﴾ أي مجتمعين، سواء كان في زمان واحد أو لا، وقد يفهم الاتحاد في الزمان من سياق الكلام، كما قيل به في ﴿فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٤) وأبعد ابن عطية فجعله تأكيداً لمصدر محذوف أي هبوطاً جميعاً» (٥). بعرض رأي الإمامين يتضح أنهما اختلفا في توجيه المتشابه، فقد نقل الإمام الرازي قولين: الأول: قول الإمام الجبائي ولم يتفق معه، والقول الثاني: للتأكيد ولكنه ضعفه وقال إنه عنده وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين، أما الإمام الألوسي فقد حمل التكرار على التأكيد وتوجيهات آخرى، ونقل رأي الجبائي وضعفه.

стр. 210

وقد اتفق الإمام الكرماني مع الجبائي (أن الهبوط الأول من الجنة، والثاني من السماء) (١)، أما الإمام الأنصاري فقد ذكر عدة توجيهات من بينها رأي الإمام الألوسي أن التكرار للتأكيد، ومنها أيضًا رأي الجبائي (٢). ٧ - اختلف الإمامان في توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٣)، بقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (٤). حيث قال الإمام الرازي: «وأما قوله: ﴿وإياى فاتقون﴾ فيقرب معناه مما تقدم من قوله: ﴿وإياى فارهبون﴾ والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف، وأما الاتقاء فإنما يحتاج إليه عند الجزم بحصول ما يتقى منه فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى لأن تعين العقاب قائم» (٥). وقال الإمام الألوسي: «وإنما ذكر في الآية الأولى ﴿فارهبون﴾ وهنا ﴿فاتقون﴾ لأن الرهبة دون التقوى فحيثما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم وحثهم على ذكر النعمة التي يشتركون فيها أمرهم بالرهبة التي تورث التقوى ويقع فيها الاشتراك، ولذا قيل الخشية ملاك الأمر كله، وحيثما أراد بالخطاب فيما بعد العلماء منهم، وحثهم على الإيمان ومراعاة الآيات أمرهم بالتقوى التي أولها ترك المحظورات وآخرها التبري مما سوى غاية الغايات» (٦). بعرض رأي الإمامين يتضح أنهما اختلفا في توجيه المتشابه، وقد انفردا بتوجيه هذه المسألة عن علماء المتشابه اللفظي. ٨ - اختلف الإمامان عند توجيه الفرق بين التعريف في قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (٧)، والتنكير في قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٨).

стр. 211

حيث قال الإمام الرازي: «فإن قيل: قال ههنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (١) ذكر الحق بالألف واللام معرفة، وقال في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (٢) نكرة وكذلك في هذه السورة: ﴿وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ (٣) فما الفرق؟ الجواب: الحق معلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل، قال ﵇: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق» (٤)، فالحق المذكور بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره البتة» (٥). وقال الإمام الألوسي: «وقيد القتل بغير الحق مع أن قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك للإيذان بأن ذلك بغير الحق عندهم إذ لم يكن أحد معتقداً حقية قتل أحد منهم ﵈، وإنما حملهم عليه حب الدنيا، واتباع الهوى والغلو في العصيان، فاللام في الحق على هذا للعهد، وقيل: الأظهر أنها للجنس، والمراد بغير حق أصلاً إذ لام الجنس المبهم كالنكرة، ويؤيده ما في آل عمران: ﴿بِغَيْرِ حَقّ﴾ فيفيد أنه لم يكن حقاً باعتقادهم أيضاً، ويمكن أن يكون فائدة التقييد إظهار معايب صنيعهم فإنه قتل النبي ثم جماعة منهم ثم كونه بغير الحق، وهذا أوفق بما هو الظاهر من كون المنهي القتل بغير الحق في نفس الأمر سواء كان حقاً عند القاتل أو لا إلا أن الاقتصار على القتل بغير الحق عندهم أنسب للتعريض بما هم فيه على ما قيل، والقول: بأنه يمكن أن يقال لو لم يقيد بغير الحق لأفاد أن من خواص النبوة أنه لو قتل أحداً بغير حق لا يقتص، ففائدة التقييد أن يكون النظم مفيداً لما هو الحكم الشرعي بعيد كما لا يخفى، قال بعض

стр. 212

المتأخرين: هذا كله إذا كان الغير بمعنى النفي أي بلا حق، أما إذا كان بمعناه أي بسبب أمر مغاير للحق أي الباطل فالتقييد مفيد لأن قتلهم النبيين بسبب الباطل وحمايته» (١). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي ذكر عدة توجيهات القول الأول فيه أن اللام للعهد متفق مع الإمام الرازي، لكنه ذكر القول الآخر أنها للجنس فلا فرق بين التعريف والتنكير لأن لام الجنس المبهم كالنكرة واستدل بقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ثم ذكر رأيًا ثالثُا قال: إنه هو أوفق بما هو الظاهر، وذكر رأيًا رابع ولكنه اعترض عليه بأنه بعيد. وقد ذكر علماء المتشابه اللفظي عدة توجيهات لهذه المسألة منها أن اللام للعهد، وأن التنكير للعموم (٢). ٩ - اختلف الإمامان في توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (٣) بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٤). حيث قال الإمام الرازي: «أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ (٥) ففيه إشكالان الأول: أن قوله تعالى: تلك حدود الله إشارة إلى كل ما تقدم، والأمور المتقدمة بعضها إباحة وبعضها حظر فكيف قال في الكل فلا تقربوها والثاني: أنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ (٦) وقال في آية المواريث: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ (٧) وقال هاهنا: فلا تقربوها فكيف الجمع بينهما؟ والجواب عن السؤالين من وجوه: الأول: وهو الأحسن والأقوى أن من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق، فنهي أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الضلال، ثم بولغ في ذلك فنهي أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيز

стр. 213

الحق والباطل، لئلا يداني الباطل وأن يكون بعيدا عن الطرف فضلا أن يتخطاه كما قال ﵊: «إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» (١). الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ (٢). الثالث: أن الأحكام المذكورة فيما قبل وإن كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية إنما هو قوله: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ﴾ وقبل هذه الآية قوله: ثم ﴿أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وذلك يوجب حرمة الأكل والشرب في النهار، وقبل هذه الآية قوله: (وابتغوا ما كتب الله لكم) وهو يقتضي تحريم مواقعة غير الزوجة والمملوكة وتحريم مواقعتهما في غير المأتى وتحريم مواقعتهما في الحيض والنفاس والعدة والردة، وليس فيه إلا إباحة الشرب والأكل والوقاع في الليل، فلما كانت الأحكام المتقدمة أكثرها تحريمات، لا جرم غلب جانب التحريم فقال: تلك حدود الله فلا تقربوها أي تلك الأشياء التي منعتم عنها إنما منعتم عنها بمنع الله ونهيه عنها فلا تقربوها» (٣). وقال الإمام الألوسي: «﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ كيلا يدانى الباطل والنهي عن القرب من تلك الحدود التي هي الأحكام كناية عن النهي عن قرب الباطل لكون الأول لازماً للثاني وهو أبلغ من (لا تعتدوها) لأنه نهي عن قرب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من الصريح، وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق الصريح، وعلى هذا لا يشكل لا تقربوها في تلك الأحكام مع اشتمالها على ما سمعت، ولا وقوع ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ وفي آية أخرى إذ قد حصل الجمع وصح لا تقربوها في الكل، وقيل: يجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمه ومناهيه إما لأن الأوامر السابقة تستلزم النواهي لكونها مغياة بالغاية، وإما لأن المشار إليه قوله سبحانه: ﴿وَلَا تباشروهن﴾ وأمثاله، وقال

стр. 214

أبو مسلم: معنى ﴿لا تَقْرَبُوهَا﴾ لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم﴾ فيشمل جميع الأحكام ولا يخفى ما في الوجهين من التكليف والقول بأن تلك إشارة إلى الأحكام والحد إما بمعنى المنع أو بمعنى الحاجز بين الشيئين، فعلى الأول: يكون المعنى تلك الأحكام ممنوعات الله تعالى عن الغير ليس لغيره أن يحكم بشيء ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي لا تحكموا على أنفسكم أو على عباده من عند أنفسكم بشيء فإن الحكم لله تعالى عز شأنه وعلى الثاني: يريد أن تلك الأحكام حدود حاجزة بين الألوهية والعبودية، فالإله يحكم والعباد تنقاد، فلا تقربوا الأحكام لئلا تكونوا مشركين بالله تعالى لا يكاد يعرض على ذي لب فيرتضيه، وهو بعيد بمراحل عن المقصود كما لا يخفى» (١) بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الرازي ذكر ثلاث توجيهات للمتشابه منها رأي الإمام أبو مسلم الأصفاني، وقد اتفق معه الإمام الألوسي في التوجيه الأول الذي قال عنه الإمام الرازي أنه الأحسن والأقوى، لكن الإمام الألوسي قال عن التوجيهين الآخريين (قول أبي مسلم الأصفهاني والقول الآخر) أن فيهما تكلف، وبعيد عن المقصود كما لا يخفى. وقد اتفق علماء المتشابه اللفظي مع توجيهات الإمامين، باستثناء ما ذكره الإمام أبو مسلم الأصفهاني (٢). ١٠ - اختلف الإمامان في توجيه الفرق بين إبدال قوله تعالى: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾، بقوله تعالى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، حيث قال الإمام الرازي: وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ أي من خوف الفقر أي من ذكر الخوف وقد صرح بذكر الخوف في قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (٣) والمراد منه النهي عن الوأد، إذ كانوا يدفنون البنات أحياء، بعضهم للغيرة، وبعضهم خوف الفقر، وهو السبب الغالب» (٤).

стр. 215

وقال الإمام الألوسي: «فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ﴾ بالوأد ﴿خشية إملاق﴾ [الإسراء: ٣١] من أجل فقر أو من خشيته كما في قوله سبحانه: ﴿خَشْيَةَ إملاق﴾ وقيل: الخطاب في كل آية لصنف وليس خطاباً واحداً فالمخاطب بقوله سبحانه: ﴿مّنْ إملاق﴾ من ابتلي بالفقر وبقوله تعالى: ﴿خَشْيَةَ إملاق﴾ من لا فقر له ولكن يخشى وقوعه في المستقبل، ولهذا قدم رزقهم ههنا في قوله ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ وقدم رزق أولادهم في مقام الخشية فقيل: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ وهو كلام حسن» (١). بعرض رأي الإمامين يتضح أن الإمام الألوسي ذكر رأي الإمام الرازي، ثم ذكر قول آخر بصيغة (قيل) وقال: وهو كلام حسن، وقد اتفق جميع علماء المتشابه اللفظي مع القول الذي استحسنه الإمام الألوسي (٢). ١١ - اختلف الإمامان في توجيه الفرق بين إبدال تذييل قوله تعالى: ﴿وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٣) بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). حيث قال الإمام الرازي: «اعلم أنه تعالى قال في سورة إبراهيم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ وقال هاهنا: ﴿إن الله لغفور رحيم﴾ والمعنى: أنه لما بين أن الإنسان لا يمكنه القيام بأداء الشكر على سبيل التفصيل: قال: ﴿إن الله لغفور رحيم﴾ أي غفور للتقصير الصادر عنكم في القيام بشكر نعمه، رحيم بكم حيث لم يقطع نعمه عليكم بسبب تقصيركم» (٥). وقال الإمام الألوسي: «وفي النحل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفرق أبو حيان بين الختمين بأنه هنا لما تقدم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْرًا﴾
следующие страницы →