← Сира

Сира · id 938

شرح مختصر الشمائل المحمدية

هانى فقيه

Полный текст (241 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

النبي ﷺ خرج من الخلاء، فأتي بطعام»، فذكروا له الوضوء فقال: «أريد أن أصلي فأتوضأ؟». * الوجه الثالث: دل الحديث على أن تناول الطعام ليس له وضوء شرعي، لا وجوباً ولا ندباً، وإنما يجب للصلاة، فكأن النبي ﷺ قال لهم: الوضوء الشرعي إنما يكون لمن أراد الصلاة وأنا لا أريد أن أصلي الآن. * الوجه الرابع: ذكر كثير من الشرّاح: أنه يستحب غسل اليدين وتنظيفها قبل البدء بالطعام، خاصة إذا كانت متسخة، وقد ورد في ذلك حديث متكلم في صحته، لكن يمكن الاستئناس به عن سلمان الفارسي مرفوعاً: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» (١). والمقصود بالوضوء هنا غسل اليدين والفم. كما يستحب غسل اليد والفم وتنظيفهما بعد الفراغ من الطعام، وقد ورد فيه حديث عند أبي داود بسند صحيح على شرط مسلم، كما قال الحافظ ابن حجر (٢)، عن أبي هريرة رفعه: «من نام وفي يده غَمَر - دسم - ولم يغسله، فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه «(٣). لأن الهوام ربما تقصده في المنام لرائحة الطعام فتؤذيه. * الوجه الخامس: أجمع العلماء على أن المحدث (غير المتوضئ) له

стр. 107

أن يأكل ويشرب، ويذكر الله ويقرأ القرآن، ويجامع ولا كراهة في شيء من ذلك، وقد تظاهرت على هذا كله دلائل السُّنة الصحيحة المشهورة، مع إجماع الأمة كما أفاده الإمام النووي ﵀ (١).

стр. 108

٢٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَمَا يَفْرُغُ مِنْهُ أي بيان الأذكار الواردة عن رسول الله ﷺ قبل أكل الطعام وبعدما يفرغ منه، ويلحق به الشرب أيضاً. ٣٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵄ أَنَّهُ: دَخَلَ عَلَى رسول الله ﷺ وَعِنْدَهُ طَعَامٌ فَقَالَ: «ادْنُ يَا بُنَيَّ فَسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عمر بن أبي سلمة: هو: ابن عبد الأسد بن هلال المخزومي القرشي، أبو حفص، صاحب رسول الله ﷺ وربيبه، ولد قبل الهجرة بسنتين أو أكثر، وتوفي في خلافة عبد الملك بن مروان، سنة: ٨٣ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) في الصحيحين، ولفظه عند

стр. 109

البخاري: عن عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، فما زالت تلك طعمتي بعد. ورواية مسلم نحوها. * الوجه الثالث: اشتمل هذا الحديث على ثلاثة آداب من آداب الأكل، وهي التسمية، والأكل باليمين، والأكل مما يليه، وسنذكر تفصيل القول فيها في الوجوه التالية. * الوجه الرابع: دل الحديث على الأمر بالتسمية في ابتداء الطعام ويلحق به الشراب، وهي من أسباب حصول البركة، ومنع الشيطان من مشاركة الإنسان في طعامه وشرابه. واختلف هل الأمر للوجوب أم للندب، والجمهور على الندب، كما ذكره العيني وغيره (١). * الوجه الخامس: المقصود بالتسمية الواردة في الحديث، أن يقول: باسم الله في ابتداء الأكل، يوضحه حديث عائشة مرفوعاً: «إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره» (٢). وأما قول بعض العلماء: الأفضل أن يقول: باسم الله الرحمن الرحيم، فقد ردّه الحافظ ابن حجر بأنه لا دليل عليه. كذلك رد الحافظ ابن حجر على

стр. 110

من استحب التسمية مع كل لقمة، وقال إنه لا دليل عليه (١). * الوجه السادس: ذكر العلماء أن من نسي التسمية في أول الأكل أو الشرب: ثم تذكرها أثناء ذلك أو بعد الفراغ منهما، فإنه يستحب له الإتيان بها تداركاً لما فات، لحديث عائشة المرفوع المتقدم في الوجه الخامس، وفيه: «فليقل بسم الله في أوله وآخره». * الوجه السابع: دل الحديث كذلك على الأمر بالأكل باليمين، ويلحق به الشرب. واختلف هل الأمر للوجوب أم للندب، فذهب الجمهور إلى الندب (٢)، والأقوى أنه للوجوب، كما هو قول بعض العلماء (٣) لما ثبت عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (٤)، فهذا الحديث يدل على أن المسلم يجب عليه اجتناب أفعال الشيطان. أيضاً ثبت من حديث سلمة بن الأكوع: أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: «كل بيمينك»، قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت»، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه (٥). ولا يدعو ﷺ إلا على من ترك واجباً. وأما كون الدعاء لتكبره فهو محتمل، ولا ينافي أن الدعاء عليه للأمرين معاً.

стр. 111

واستثنى العلماء المعذور والمريض في الأكل والشرب بالشمال، لعموم الأدلة القاضية برفع الحرج عنهما. * الوجه الثامن: دل الحديث على الأمر بأكل الإنسان مما يليه. واختلف هل الأمر فيه للوجوب أم للندب؟ والأكثر على الندب، وقوَّى بعض العلماء القول بالوجوب لظاهر الأمر، ولما في الأكل مما يلي الآخرين من سوء الأدب والشَرَه وتقزز نفوس الناس ممن يمد يده إلى ما يليهم. وقد حمل العلماء هذا الأمر على الطعام الذي يكون من جنس واحد، أما إذا كان الطعام من أجناس مختلفة كالتمر والفاكهة، فللمرء أن يأكل من أي موضع من الطبق وينتقي ما تشتهيه نفسه. * * * ٣٦ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رُفِعَتِ المَائِدَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يَقُولُ: «الحمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ، غَيْرَ مُودَعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أُبو أمامة هو: صُدي بن عجلان بن وهب الباهلي، صاحب رسول الله ﷺ ، مشهور بكنيته، روى عنه حديثاً كثيراً، وسكن حمص، وتوفي بها، سنة: ٨٦ هـ على المشهور.

стр. 112

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (١) ولفظه: أن النبي ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: «الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه، غير مكفي ولا مودعَّ ولا مستغنى عنه، ربنا»، بزيادة «غير مكفي». وفي أحد ألفاظ البخاري: «الحمد لله الذي كفانا وأروانا، غير مكفي ولا مكفور» (٢). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (غير مودَّع): بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة، أي: أن ذلك الحمد غير متروك، بل يجب الاشتغال به على الدوام، حتى لا تنقطع النعم. (ولا مستغنى عنه): أي لا يستغني عن الحمد أحد. (غير مكفي): أي أن هذا الحمد لا يُكتفى به، بل يجب المزيد منه، وقيل غير ذلك. (ولا مكفور): أي لا يجحد فضله ولا تنكر نعمته. * الوجه الرابع: دل الحديث على فضل هذا الذكر، وأن من السنة الإتيان به بعد الفراغ من الطعام تأسياً بالنبي ﷺ . والطعام من أجلّ النعم التي بها قوام الحياة. فإذا اقترن بذكر الله في أوّله، وشكره في آخره، أدى إلى دوام النعم واستمرارها، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وفي الصحيح من رواية أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله

стр. 113

ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (١). * الوجه الخامس: وردت في السُّنة المطهرة أدعية عدة، يستحب قولها بعد الفراغ من الطعام، منها حديث الباب الذي شرحناه، ومنها حديث أبي سعيد الخدري؛ أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» (٢). ومنها حديث أبي أيوب الأنصاري، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أكل أو شرب قال: «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجاً» (٣). ومنها حديث عبد الرحمن بن جبير، عمن خدم النبي ﷺ ثمان سنين، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا قُرّبَ إليه طعاماً قال: «بسم الله»، فإذا فرغ من طعامه قال: «اللهم أطعمت، وأسقيت، وأغنيت، وأقنيت، وهديت، واجتبيت، فلك الحمد على ما أعطيت» (٤). وكان ﷺ إذا فرغ من الطعام عند قوم يقول: «اللهم، بارك لهم في ما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم» (٥).

стр. 114

وأحياناً كان يقول: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة» (١). * الوجه السادس: ذكر بعض العلماء بأن أصل السنة يحصل بأي لفظ اشتق من مادة «ح م د»، كأن يقول الحمد الله، أو حمداً لله، أو أحمدك يا الله، بل يحصل بكل ما يدل على الثناء على الله تعالى، وما مَرَّ ذكره من الأدعية إنما هو لبيان الأكمل والأفضل (٢).

стр. 115

٢٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَدَحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة قدح رسول الله ﷺ . والقدح بفتح القاف والدال: الإناء الذي يشرب به الماء والنبيذ ونحوهما، وهو عادة متوسط الحجم، لا بالصغير ولا بالكبير، وقد ذكر شرّاح الشمائل: أن النبي ﷺ كان له أكثر من قدح. ٣٧ - عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: «أَخَرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَدَحَ خَشَبٍ غَلِيظاً مُضَبَّباً بِحَدِيدٍ، فَقَالَ: يَا ثَابِتُ هَذَا قَدَحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». * * * ٣٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «لَقَدْ سقيتُ رسُولَ الله ﷺ بِهَذَا القَدَحِ الشَّرَابَ كُلَّهُ: المَاءَ وَالنَّبِيذَ وَالعَسَلَ وَاللَّبَنَ». • الكلام على الحديثين من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويهما: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجهما: حديث أنس الأول أخرجه البخاري (١) في صحيحه من طريق عاصم

стр. 116

الأحول قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيد عريض من نُضَار (١)، قال: قال أنس: «لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا». وحديث أنس الثاني أخرجه مسلم في صحيحه (٢). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: (مضبباً): تضبيب الإناء إصلاحه بلحام من حديد أو غيره، والضبّة: حديدة عريضة تجمع الخشب وتلمّ بعضه إلى بعض حتى يتماسك. (النبيذ): ماء يطرح فيه تمرات أو زبيب وغيره من الحلويات ليحلو. وكان ينبذ للنبي ﷺ أول الليل، ويشرب منه إذا أصبح، ولم يكن يشربه بعد ثلاثة أيام خوفاً من تغيره إلى الإسكار (٣). * الوجه الرابع: الحديث فيه بيان صفة قدح النبي ﷺ الذي كان يشرب فيه، وأنه كان عريضاً مصنوعاً من الخشب الخالص الغليظ. * الوجه الخامس: أفاد حديث أنس بأن إناء النبي ﷺ كان قد أصابه تصدع وتشقق فاتخذ مكان الصدع ضبّة، واختلفت الروايات في نوع هذه الضبّة، فرواية الترمذي في الباب تقول بأنها كانت من حديد، ورواية البخاري تقول بأنها كانت من فضة، فبعض العلماء قدم رواية البخاري وقال: إنها أصح، وهناك احتمال أن تكون ضبّة الحديد كانت في القدح أولاً، ثم لما

стр. 117

صُدع سلسله بفضة، فصار فيه الضبّتان (١). * الوجه السادس: دلت رواية البخاري لحديث أنس على جواز تضبيب الإناء بالفضة، عند الحاجة إلى ذلك، أما إذا كان لمجرد الزينة فلا، على خلاف بين العلماء في هذه المسألة. * الوجه السابع: كان السلف رضوان الله عليهم يحرصون على رؤية هذا القدح، والشرب منه من باب التبرك بمتعلقات رسول الله ﷺ ، وقد ذكر الإمام القرطبي أنه رأى في بعض النسخ القديمة من البخاري: قال أبو عبد الله البخاري: رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت فيه (٢). وفي صحيح البخاري: أن عمر بن عبد العزيز ﵀، كان قد استوهب من سهل بن سعد ﵁ قدحاً كان قد سقى النبي ﷺ منه (٣).

стр. 118

٢٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَاكِهَةِ رَسُولِ الله ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة فاكهته ﷺ . والفاكهة هي ما يتفكه به الإنسان، أي يتنعم ويتلذذ بأكله، كالرطب والزبيب والتين والرمان ونحوه. ٣٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جعفر ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ القِثَّاءَ بِالرُّطَبِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عبد الله بن جعفر هو: بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، معدود في صغار الصحابة، كفله النبي ﷺ بعد استشهاد أبيه، فنشأ في حجره، وقد توفي بالمدينة، سنة: ٨٠ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١)، ولفظه عندهما: «رأيت رسول الله ﷺ يأكل القثاء بالرطب». * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (القثاء): ثمرة تشبه الخيار في الشكل والطعم، لكنها أكبر منه.

стр. 119

* الوجه الرابع: ذكر الشراح ﵏ أن النبي ﷺ كان يجمع بين القثاء والرطب، لأن القثاء فيها برودة على المعدة، والرطب فيه حرارة، فكان يجمع بينهما ليدفع ضرر كل منهما بالآخر ويحصل اعتدال بأكلهما معاً. ويوضح هذا حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأكل الطبيخ (١) بالرطب، فيقول: «نكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا» (٢). * الوجه الخامس: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يجمع في أكله أيضاً بين البطيخ والرطب كما تقدم، وبين الخربز والرطب (٣) للعلة نفسها. * الوجه السادس: يؤخذ من حديث الباب جواز أكل الشيئين من الفاكهة وغيرها معاً، وبَوَّبَ عليه البخاري بقوله: «باب جمع اللونين أو الطعامين بمرة»، وجواز التوسع في المطاعم، ولا خلاف في ذلك، لكن العلماء كرهوا الإكثار حتى لا يعتاد الرفاهية (٤). * * * ٤٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا،

стр. 120

اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ»، قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ. • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول في التعريف براويه: أبو هريرة تقدم التعريف به في الحديث رقم ٢٢. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (صاعنا)، الصاع: مكيال تكال به الحبوب ونحوها، وقدّره جمهور العلماء بأربعة أمداد، وهو ما يعادل تقريباً: (٢١٧٢) غراماً. (مُدنا)، المد بضم الميم: مكيال تكال به الحبوب ونحوها، وقدَّره جمهور العلماء تقريباً: (٥٤٣) غراماً تقريباً. * الوجه الرابع: مقصود الحديث: أن الناس كانوا إذا طلع أول الثمر من التمر، أهدوا منه للنبي ﷺ رغبة منهم في دعائه ومباركته، وإعلاماً له ﷺ بابتداء صلاحه لما يتعلق به من الزكاة وغيرها، وتوجيه الخارصين، كما أفاده الإمام النووي ﵀ (٢).

стр. 121

وقال العلامة الزرقاني ﵀: إنهم كانوا يفعلون ذلك؛ «إما هدية وجلالة ومحبة وتعظيماً، وإما تبركاً بدعائه لهم بالبركة، وهو الذي يغلب على ظني» (١). وقال الباجي ﵀: «قوله ﵁: كان الناس إذا رأوا أول الثمر يريد: أول ثمر النخل؛ لأنه هو مقصود ثمارهم» (٢). * الوجه الخامس: قوله في الحديث: «اللهم بارك لنا في ثمارنا، وبارك لنا في مدينتنا» المراد به: الدعاء بحصول البركة الدينية والدنيوية، وقد استجاب الله ﵎ لنبيه هذا الدعاء، فأصبحت المدينة وثمرها أعظم بركة من غيرها، كما هو مشاهد، وأصبح المد والصاع فيها يكفي ما لا يكفي في غيرها. * الوجه السادس: في الحديث دليل على ما كان عليه ﷺ من مكارم الأخلاق، وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة الصغار، وقد خصهم بإعطاء ذلك الثمر لكونهم أرغب فيه، وأكثر تطلعاً إليه وحرصاً عليه من غيرهم (٣). * الوجه السابع: دل الحديث أيضاً على فضل المدينة حيث دعا لها النبي ﷺ بالبركة وأن يجعل فيها ضعف ما بمكة من البركة، وقد استجاب الله ﵎ له هذا الدعاء. والأحاديث الواردة في فضائل المدينة كثيرة شهيرة.

стр. 122

٢٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ شَرَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة شراب رسول الله ﷺ . والشراب: ما يشرب من السوائل، كالماء والنبيذ وغيرهما. ٤١ - عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلى رسول الله ﷺ الحلو البارد». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي (١) في السنن وأعله بالإرسال، فقال: «والصحيح ما روي عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلاً». لكن صحح الحديث الحاكم في المستدرك (٢) وأقره الذهبي، وصححه الألباني (٣) وشعيب الأرناؤوط (٤) بشواهده. * الوجه الثالث: في الحديث بيان للشراب الذي كان يحبه ﷺ ، وهو ما

стр. 123

جمع صفتين: الحلاوة والبرودة. وهذا يشمل: الماء العذب، والماء الممزوج بالعسل، أو الذي نُقِعَ فيه تمر أو زبيب ليحلو. والمراد بالبارد: أي برودة معتدلة، وكذلك الحلاوة المعتدلة. وقد ذكر ابن القيم ﵀: أن الشراب إذا جمع وصفي الحلاوة والبرودة فإنه يكون من أنفع الأشياء للبدن، ومن أكبر أسباب حفظ الصحة، وتحصل به التغذية، وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء (١). * الوجه الرابع: ومن محبة النبي ﷺ للماء العذب؛ ما روته السيدة عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يُستعذَب له الماء من بيوت السقيا». وهي عين بينها وبين المدينة يومان (٢). ومعنى «يُستعذَب له الماء» أي يطلب له الماء العذب ويحضر له من تلك العين لكون كثير من مياه المدينة كان مالحاً. * الوجه الخامس: قال العلماء ﵏: تبريد الماء وتحليته لا ينافي كمال الزهد، لأن فيه مزيد الشهود لنعم الله تعالى وإخلاص الشكر له، وليس في شرب الماء المالح فضيلة (٣). وقد رَدّ الإمام ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) على بعض جهلة المتصوفة الذين يتقربون إلى الله بترك شرب الماء البارد، والماء الصافي، وبيّن خطأهم ومخالفتهم للهدي النبوي، وقال: إن شرب الماء الكدر يولّد الحصا في

стр. 124

الكلى والسدد في الكبد، وأن النفس لها حق على صاحبها، وليس للمرء أن يؤذي نفسه (١). * * * ٤٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَلَى مَيْمُونَةَ، فَجَاءَتْنَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عَلَى يَمِينِهِ وَخَالِدٌ عن شِمَالِهِ، فَقَالَ لِي: «الشَّرْبَةُ لَكَ. فَإِنْ شِئِتَ آثَرْتَ بِهَا خَالِداً». فَقُلْتُ: مَا كنت لأوثر على سُؤْرِكَ أَحداً، ثُمَّ قَالَ رسولُ الله ﷺ : «مَنْ أَطْعَمَهُ اللَّهُ طَعَاماً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ، وَمَنْ سَقَاهُ الله لَبَناً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ»، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مَكَانَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: ابن عباس تقدم التعريف به في الحديث رقم ٤. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي (٢) في السنن بتمامه وحسنه، وأخرجه أبو

стр. 125

داود (١) وابن ماجه (٢) مختصراً، وحسنه ابن القيم (٣)، والحافظ ابن حجر (٤). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (اللبن): المراد به: الحليب الطبيعي الذي يحلب من ضروع المواشي، وأما اللبن المعروف اليوم بالرائب؛ فهذا يُصَنَّع من الحليب بطريقة خاصة. * الوجه الرابع: ميمونة الواردة في الحديث هي: أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بنت حزن الهلالية ﵂، زوج النبي ﷺ وكانت خالة لابن عباس وخالد بن الوليد، وهذا يوضح سبب دخولهما عليها في الحديث. * الوجه الخامس: دل الحديث على أن السنة تقديم من على اليمين على من على الشمال في الشرب ولو كان أقلّ سناً أو أقل فضلاً، حيث قدَّم النبي ﷺ ابن عباس على خالد بن الوليد وهو أكبر سناً وقدراً من ابن عباس. ومن نظائر هذا أن النبي ﷺ أتي مرة بلبن فشرب منه، وكان عن يساره أبو بكر الصديق وعن يمينه أعرابي، فأعطى الأعرابي، وقال: «الأيمن فالأيمن» (٥). لكن قال العلماء إن الأيمن له أن يؤثر الأيسر في الشراب على نفسه، لقول النبي ﷺ في الحديث: «إن شئت آثرتَ بها خالداً». * الوجه السادس: دل الحديث على فضل اللبن، وأنه أفضل الأغذية

стр. 126

على الإطلاق، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥]. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ لما أسري به إلى بيت المقدس، أتاه جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من عسل وإناء من لبن، فاختار اللبن، فقال له جبريل: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك (١). وقد قيل: إن سبب تسمية اللبن فطرة أنه أول شيء يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه. * الوجه السابع: اختلف أيهما أفضل اللبن أم العسل الذي أخبر الله بأن فيه شفاء؟ ففضل بعضهم اللبن، وعكس البعض، وجمع ابن رسلان بأن الأفضل من جهة التغذي والري اللبن، والعسل أفضل من جهة التداوي من كل داء وباعتبار الحلاوة، ففي كل منهما خصوصية يترجح بها (٢).

стр. 127

٢٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ شُرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة شربه ﷺ ، وما يتعلق بذلك من أحكام وآداب شرعية. ٤٣ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يشربُ قائماً وقاعداً». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: راوي الحديث هو الصحابي الجليل: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السَّهمي، أبو محمد، أحد فضلاء الصحابة وعلمائهم ونساكهم، ومن أكثرهم رواية للحديث، توفي سنة: ٦٥ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي (١) في السنن وحسنه، وحسنه الألباني وقال: إن له شواهد كثيرة (٢).

стр. 128

* الوجه الثالث: دل حديث الباب على جواز الشرب حال القعود وهو إجماع، وكذا على جواز الشرب حال القيام. وقد وردت أحاديث أخرى تشهد لذلك، منها: حديث النَّزَّال بن سَبْرَة، قال: أتى عليٌّ ﵁ على باب الرَّحبة فشرب قائماً، فقال: إن ناساً يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني «رأيت النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت» (١). ومنها حديث ابن عباس ﵄، قال: «شرب النبي ﷺ قائماً من زمزم» (٢). ومنها: حديث سعد بن أبي وقاص: «أن النبي ﷺ كان يشرب قائماً» (٣). ومنها حديث ابن عمر ﵄ قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام» (٤). وقد عارض هذه الأحاديثَ أحاديثُ أخرى وردت في النهي عن الشرب قائماً، منها: حديث أنس بن مالك ﵁ «أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائماً» (٥). ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يشربن أحد منكم قائماً، فمن نسي فليستقي» (٦).

стр. 129

وقد اختلف في الجمع بين هذه النصوص، والذي عليه الأئمة الجامعون بين الفقه والحديث، كالإمام الخطابي والبغوي والمازري والقاضي عياض والنووي؛ أن النهي محمول على التنزيه والإرشاد والتأديب، لا على التحريم، وأما شربه ﷺ قائماً فلبيان الجواز (١). قال الحافظ ابن حجر: «وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض» (٢). * الوجه الرابع: قال ابن القيم: «وللشرب قائماً آفات عديدة، منها: أنه لا يحصل به الري التام، ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء، وينزل بسرعة وحدة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرد حرارتها، ويشوشها، ويسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج، وكل هذا يضر بالشارب، وأما إذا فعله نادراً أو لحاجة لم يضره» (٣) انتهى كلامه ﵀. * الوجه الخامس: ورد في صحيح مسلم من طريق عمر بن حمزة، عن أبي غطفان، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يشربن أحد منكم قائماً، فمن نسي فليستقي» (٤). وهذا الحديث الذي فيه الأمر بالاستقاء لمن شرب قائماً؛ تكلم فيه بعض أهل العلم، بالرغم من إخراج مسلم له، فقال القاضي عياض: «لا خلاف بين أهل العلم أن من يشرب قائماً ناسياً فليس عليه أن يستقي،

стр. 130

وعمر بن حمزة لا يتحمل مثل هذا الحديث لمخالفة غيره له، والصحيح أنه موقوف على أبى هريرة.» (١). وأعلَّ هذه اللفظة الألباني بالنكارة، وقال: «وعمر هذا وإن احتج به مسلم فقد ضعفه الإمام أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم، ولذلك أورده الذهبي في «الميزان» وذكره في «الضعفاء»، وقال: «ضعفه ابن معين لنكارة حديثه». وقال الحافظ في «التقريب»: «ضعيف». انتهى كلام الألباني (٢). نعم صحح الألباني حديثاً آخر في الأمر بالاستقاء وهو حديث أبي زياد الطحان، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: عن النبي ﷺ : أنه رأى رجلاً يشرب قائماً، فقال له: «قِهْ» قال: لَِمهْ؟ قال: «أيسرك أن يشرب معك الهر؟» قال: لا. قال: «فإنه قد شرب معك من هو شر منه: الشيطان» (٣). لكن خالفه الشيخ شعيب الأرناؤوط ﵀، وأعل الحديث، فقال: «غريب تفرد بروايته أبو زياد الطحان عن أبي هريرة، والغرابة بينة في متنه» (٤). قلت: أبو زياد الطحان قال عنه الذهبي: «لا يُعرف»، لكن نقل ابن أبي حاتم عن ابن معين توثيقه، وقال أبو حاتم: شيخ صالح الحديث، فمثل هذا لا يحتمل التفرد برواية هذا الحديث، والله أعلم. * * *

стр. 131

٤٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِنَاءِ ثَلَاثاً إِذَا شَرِبَ، وَيَقُولُ: «هُوَ أَمْرَأُ وَأَرْوَى». • الكلام على الحديث من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: … الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، ولفظه: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ» (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (أمرأ): أي أسوغ وأكثر انسياباً وهضماً. (أروى): أي أكثر رياً وأقمع للعطش. (أبرأ): أي أكثر برأ وصحة وأسلم من الأذى الذي يحصل بسبب الشرب دفعة واحدة. * الوجه الرابع: معنى قوله: «كان يتنفس في الإناء ثلاثاً إذا شرب» أي: كان من عادته ﷺ ألا يشرب دفعة واحدة، وإنما يشرب على ثلاث دفعات، فيشرب، ثم يزيل الإناء عن فمه فيتنفس، ثم يعود فيشرب، ثم يزيل الإناء عن فمه فيتنفس، ثم يعود يشرب الثالثة. وكان يقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ»، أي أن هذه الطريقة في الشرب أكثر رياً للشارب، وأكثر انسياباً للشراب في جوفه، وأكثر حفظاً لصحته.

стр. 132

* الوجه الخامس: ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ مرفوعاً: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء» (١). ولا تعارض بين هذا الحديث وبين حديث الباب، لأن مقصوده: النهي عن التنفس داخل الإناء أي أثناء الشرب، فإن هذا يعكر الشراب ويقذره، وربما أورث ريحاً كريهة في الإناء فيعافه من يشرب بعده فلذلك نهى عنه، وهذا يتفق مع حديث الباب، فإن النبي ﷺ كان يتنفس خارج الإناء. قال الحافظ ابن حجر: «وهذا النهي للتأدب لإرادة المبالغة في النظافة، إذ قد يخرج مع النَفَس بصاق أو مخاط أو بخار رديء، فيكسبه رائحة كريهة، فيتقذر بها هو أو غيره عن شربه» (٢). وإذن فالمستحب هو التنفس خارج الإناء، كما أفاده حديث أنس ﵁، والمكروه هو التنفس داخل الإناء، كما أفاده حديث أبي قتادة ﵁، والله تعالى أعلم.

стр. 133

٣٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعَطُّرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في تعطر رسول الله ﷺ . والتعطر هو: استعمال العطر وهو الطيب، وقد كان رسول الله ﷺ يحب الطيب، بالرغم من طيب رائحة بدنه ﷺ ، ولو لم يمس طيباً، كما جاء في حديث أنس ﵁ قال: «ما شممت عنبراً قط، ولا مسكاً، ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله ﷺ » (١). ٤٥ - عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُكَّةٌ يَتَطَيَّبُ مِنْهَا». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (٢)، وقال الحافظ ابن الملقن: «إسناده صحيح ورجاله كلهم ثقات، مخرج لهم في الصحيح»، ثم نقل عن الإمام ابن المنذر أنه جوَّد إسناده (٣)، وقال الحافظ المناوي: سنده حسن (٤).

стр. 134

* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (السكة): بضم السين وتشديد الكاف، يحتمل أن تكون نوعاً من الطيب، ويحتمل أن تكون ظرفاً أو وعاء يوضع فيه الطيب. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب وضع الطيب، وأنه لا ينافي الزهد. * الوجه الخامس: كانت رائحة بدن النبي ﷺ طيّبة، ولو لم يمس طيباً، كما تقدم قبل قليل، وكان مع ذلك يحب الطيب، وكان يقول: «حُبّبَ إليّ من الدنيا: النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة» (١). * الوجه السادس: من محبته ﷺ للطيب؛ أنه كان لا يردّه إذا قُدّم إليه، فقد ثبت من حديث أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ كان لا يردّ الطيب» (٢). وثبت عنه ﷺ أنه قال: «من عرض عليه طيّبُ فلا يرده، فإنه طيب الريح، خفيف المحمل» (٣). وثبت عنه ﷺ أنه قال: «ثلاث لا تردّ: الوسائد والدهن واللبن» (٤).

стр. 135

والمراد بالدهن: الطيب كما بَيّنَ الترمذي بعد إخراج الحديث. قال العلماء: إذا أكرم أحدٌ ضيفاً بشيء من هذه الثلاث فلا ينبغي له ردّها، لخفتها وقلة المنّة فيها. وألحقوا بها كل ما لا منّة عرفاً في قبوله. * الوجه السابع: قال ابن القيم ﵀: «وفي الطيب من الخاصية، أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر عنه، وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة، فالأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة، والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة، وكل روح تميل إلى ما يناسبها، فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، وهذا وإن كان في النساء والرجال، فإنه يتناول الأعمال والأقوال، والمطاعم والمشارب، والملابس والروائح، إما بعموم لفظه، أو بعموم معناه» (١). * الوجه الثامن: ذكر بعض العلماء: أن وضع الطيب يتأكد للرجال في نحو يوم الجمعة، والعيدين، وعند الأحرام، وحضور المحافل، وقراءة القرآن، والعلم، والذكر. ويتأكد للرجل والمرأة عند المباشرة، فإنه من حسن المعاشرة (٢).

стр. 136

٣١ - بَابُ كَيْفَ كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة كلامه ﷺ . وقد ذكر العلماء: بأن النبي ﷺ كان أفصح الخلق لساناً وأعذبهم بياناً وأحلاهم منطقاً، صلوات الله وسلامه عليه. ٤٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْرُدُ سرْدَكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ، يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في السنن، وقال: حسن صحيح (١). وأخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (٢) بلفظ: «لم يكن يسرد الحديث كسردكم»، دون بقية الحديث. وفي رواية عندهما: «كان يحدث حديثاً لو عدَّه العاد لأحصاه» (٣).

стр. 137

* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (يسرد سردكم هذا): أي يتابع الحديث استعجالاً بعضه تلو بعض، فيلتبس على السامع. (بكلام فصل): أي مفصول عن غيره بحيث يفهمه السامع جيداً. * الوجه الرابع: جاء في الصحيحين بيان سبب ورود هذا الحديث، وهو أن أبا هريرة ﵁ كان قد جلس مرة إلى جنب حجرة عائشة، يحدث عن النبي ﷺ ، ثم قام وانصرف، وعائشة تسمعه وهي تصلي، فلما فرغت من صلاتها أنكرت سرعة أبي هريرة في التحديث، وقالت لم يكن النبي ﷺ يسرد كسردكم هذا (١). * الوجه الخامس: دل الحديث على كيفية كلام رسول الله ﷺ ، وأنه كان يتكلم بأناة ومهل، وبكلام واضح مفصَّل مبيَّنٍ، يفهمه ويحفظه كل سامع. بخلاف بعض الناس فإنه يكثر الحديث، ويسرع فيه حتى تختفي مع السرعة بعض الحروف، وربما اختفت بعض الكلمات أيضاً!! * الوجه السادس: اعتذر بعض العلماء عن إسراع أبي هريرة ﵁ بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من التمهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم القوافي عليّ. * الوجه السابع: دل الحديث على استحباب المهل والأناة في الكلام، وعدم الاستعجال فيه، خاصة في مجالس التحديث بالعلم وتلاوة القرآن،

стр. 138

تأسياً بالنبي ﷺ ، وحتى يفهم السامع جيداً ولا يلتبس عليه القول. * الوجه الثامن: ومن أساليب النبي ﷺ في الكلام، ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، حتى تُفهم عنه» (١)، وفي رواية الترمذي: «لتُعقل عنه» (٢). وأوضح العلماء بأن هذا لم يكن هديه ﷺ في كل كلامه، وإنما كان يفعله أحياناً إذا عرض للسامعين نحو لغط فاختلط عليهم، فيعيده لهم ليفهموه، أو إذا كثر المخاطبون فيلتفت مرة يميناً، وأخرى شمالاً، وأخرى أماماً، ليسمع الكل (٣).

стр. 139

٣٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي ضَحِكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث والأخبار الواردة في ضحك رسول الله ﷺ وصفته. وقد ذكر أهل العلم بأن الضحك من خصائص الإنسان، والغالب أنه ينشأ عن سرور يعرض للقلب، وقد يضحك غيرُ المسرور. ٤٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: «مَا كَانَ ضَحِكُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا تَبَسُّماً». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عبدالله بن الحارث هو: ابن جَزْء الزُّبيدي، أحد الصحابة الكرام وعلمائهم، شهد فتح مصر وسكنها، وتوفي بها سنة: ٨٦ هـ. (١) * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي في السنن (٢) وقال: حديث صحيح، وصححه الألباني وعبد القادر الأرناؤوط. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (التبسم): التبسم من مبادي الضحك، والضحك انبساط الوجه حتى

стр. 140

تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعد فهو القهقهة، وإلا فهو الضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، نقله المباركفوري عن أهل اللغة (١). * الوجه الرابع: دل الحديث على أن ضحك النبي ﷺ ما كان يجاوز في غالبه التبسم من غير صوت، وهذا من كمال وقاره وحشمته ﷺ . ونظير هذا ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعاً ضاحكاً، حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم» (٢). * الوجه الخامس: لكنه ﷺ أحياناً ربما ضحك بصوت خفيف منخفض دون قهقهة حتى تظهر نواجذه، كما ثبت ذلك في غير ما حديث، منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجلٌ النبي ﷺ فقال: هلكت، وقعت على أهلي في رمضان، قال: «أعتق رقبة»، قال: ليس لي، قال: «فصم شهرين متتابعين»، قال: لا أستطيع، قال: «فأطعم ستين مسكيناً»، قال: لا أجد، فأتي بعَرَق (زنبيل) فيه تمر، فقال: «أين السائل، تصدق بها»، قال: على أفقر مني، والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منّا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه (أنيابه)، قال: «فأنتم إذا» (٣). وهذا الحديث وأمثاله يدل على أن الضحك ليس بمكروه في بعض

стр. 141

المواطن، وليس بمسقط للمروءة إذا لم يجاوز به الحد المعتاد. قال الحافظ ابن حجر: «الذي يظهر من مجموع الأحاديث؛ أنه ﷺ كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك. والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه، أو الافراط فيه، لأنه يذهب الوقار» (١). * الوجه السادس: روى البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» (٢). قلت: لا ريب أن كثرة الضحك - حتى يغلب على صاحبه - مذموم منهي عنه، وهو يميت القلب كما أخبر المصطفى ﷺ ، ومعنى موته: أنه يصير مغموراً في الظلمات، بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه. كما أن كثرة الضحك ربما أورثت الضغينة في بعض الأحوال، كما أنها تسقط المهابة والوقار، نسأل الله السلامة.

стр. 142

٣٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مِزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة مزاحه ﷺ . والمزاح بضم الميم وكسرها هو الانبساط مع الغير من غير إيذاء له، وقد كان رسول الله ﷺ يمزح أحياناً مع أصحابه من باب التأليف لهم وحسن العشرة. وقد ذكر العلماء بأن المزاح وإن كان مطلوباً وهو من حسن العشرة لكن لا ينبغي المداومة عليه والإكثار منه، لأنه قد يفضي إلى الإيذاء ويسبب العداوة ويسقط المهابة، ولذلك كان يفعله النبي ﷺ عن ندرة وفي أوقات متفرقة (١). ٤٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ»، «يَعْنِي يُمَازِحُهُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.

стр. 143

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢) وصححه، وحسنه ابن القطان (٣)، وشعيب الأرناؤوط، وصححه الألباني. * الوجه الثالث: هذا القول قاله النبي ﷺ لأنس، من باب المزاح والانبساط والمداعبة، وإلا فإن كل إنسان صاحب أذنين. وقيل أراد ﷺ حض أنس وتنبيهه على اليقظة، وحسن الاستماع لما يقال له، لأن السمع إنما يكون بحاسة الأذن. والمعنى الأول أظهر، وهو الذي فهمه الإمام الترمذي حيث أورد الحديث في باب مزاحه ﷺ ، وكذا هو فهم راوي الحديث (أبو أسامة)، عندما قال: (يعني يمازحه). * الوجه الرابع: في الحديث مداعبة النبي ﷺ لأصحابه وخدمه ومزاحه معهم، وهذا من تواضعه وحسن أخلاقه ولطفه. وكان مزاحه ﷺ مزاحاً خفيفاً لطيفاً، ليس فيه كذب ولا تزيد، ولذلك صح أن الصحابة قالوا: «يا رسول الله إنك لتداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقاً» (٤). * الوجه الخامس: دل الحديث أيضاً على جواز دعاء الإنسان بغير اسمه، لا سيما إذا كان ليس من الألقاب المكروهة لديه.

стр. 144

٤٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١)، ولفظه عند مسلم: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه، قال: كان فطيماً (مفطوماً)، قال: فكان إذا جاء رسول الله ﷺ فرآه، قال: «أبا عمير ما فعل النُّغير» قال: فكان يلعب به. * الوجه الثالث: في غريبه: (النغير): تصغير النغر، هو طائر صغير يعيش في الغابات والمزارع، جمعه نغران. * الوجه الرابع: دل الحديث على جواز المزاح مع الأطفال والصغار وملاطفتهم بما ليس فيه إثم، وهو من حسن الخلق وكرم الشمائل وحسن التربية. * الوجه الخامس: حديث أنس هذا اشتمل على كثير من الفوائد والأحكام، ومن جملتها فيما ذكره العلماء: جواز تكنية من لم يولد له،

стр. 145

وتكنية الطفل وأنه ليس كذباً، وجواز المزاح فيما ليس أثماً، وجواز لعب الصبي بالعصفور، وتمكين الولي إياه من ذلك، وجواز السجع بالكلام الحسن بلا كلفة، وملاطفة الصبيان وتأنيسهم، وبيان ما كان النبي ﷺ عليه من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع، وزيارة الأهل .. إلى آخره (١). * * * ٥٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا اسْتَحْمَلَ (٢) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ ﷺ : «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَا النُّوقُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (٣)، والترمذي (٤) وصححه، وصحح إسناده الألباني وشعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط. * الوجه الثالث: توهم هذا الرجل أن الولد لا يطلق إلا على الصغير،
следующие страницы →