← Сира

Сира · id 938

شرح مختصر الشمائل المحمدية

هانى فقيه

Полный текст (241 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (كساء): هو الرداء الذي يستر أعلى البدن ضد الإزار. (ملبداً): مرقعاً. (غليظاً): خشناً. * الوجه الرابع: قال العلامة الباجوري: «كانت عائشة ﵂ حفظت هذا الكساء والإزار اللذين قبض فيهما رسول الله ﷺ لأجل التبرك بهما، وقد كان عندها أيضاً جبة طيالسية كان ﷺ يلبسهما، فلما ماتت عائشة أخذتها أختها أسماء، فكانت عندها تستشفى بها المرضى، كما أخبرت بذلك أسماء في حديثها في مسلم» (١)، انتهى كلامه. قلت: وفي هذا تبرك الصحابة ﵃ بآثار النبي ﷺ الثابتة عنه، كالتبرك بريقه ﷺ وشعره وعرقه، وهو من خصائصه ﷺ التي لا يقاس عليه فيها غيره، بمعنى أنه لا يجوز التبرك بآثار غيره من الأولياء والصالحين على القول الصحيح كما قرره الإمام الشاطبي (٢) وغيره. * الوجه الخامس: دل الحديث على تواضع رسول الله ﷺ في لباسه بالرغم من إقبال الدنيا عليه بحذافيرها في آخر عمره، وربما لبس ﷺ هذا الكساء موافقة لا عن قصد، فقد كان ﵊ يلبس ما وجد. وأما تعمد ترقيع الثياب الجديدة كما يفعل بعض المتصوفة فهذا من الجهل بالسنة ومن تلبيس الشيطان عليهم، قال العلامة ابن الجوزي رحمه

стр. 72

الله: «فأما صوفية زماننا فإنهم يعمدون إِلى ثوبين أو ثَلاثَة كل واحد منها على لون فيجعلوها خِرَقاً ويلفقونها، فيجمع ذلك الثوب وصفين: الشهرة والشهوة، فإن لبس مثل هذه المرقعات أشهى عند خلق كثير من الديباج، وبها يشتهر صاحبها أنه من الزهاد! افتراهم يصيرون بصورة الرقاع كالسلف؟ كذا قد ظنوا، وإن إبليس قد لبَّس عليهم وقال أنتم صوفية، لأن الصوفية كانوا يلبسون المرقعات وأنتم كذلك، أتراهم ما علموا أن التصوف معنى لا صورة، وهؤلاء قد فاتهم التشبه في الصورة والمعنى، أما الصورة فإن القدماء كانوا يرقعون ضرورة ولا يقصدون التحسن بالمرقع، ولا يأخذون أثواباً جدداً مختلفة الألوان فيقطعون من كل ثوب قطعة ويلفقونها على أحسن الترقيع ويخيطونها ويسمونها مرقعة!!» (١). * الوجه السادس: يؤخذ من الحديث أيضاً أنه ينبغي للإنسان أن يجعل آخر عمره محلاً لترك الزينة والترفه كما أفاده العلامة الباجوري ﵀ (٢). * * * ٢١ - عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّتِي تُحَدِّثُ، عن عمّها قال: بَيْنَا أَنَا أَمشِي بِالمَدِينَةِ إِذَا إِنْسَانٌ خَلْفِي يَقُولُ: «ارْفَعْ إزارك فإنه أتقى»، فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، قَالَ: «أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ». فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِزَارُهُ إلى نصف ساقيه.

стр. 73

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: راوي الحديث هو: عبيد أو عبدة بن خالد، ويقال ابن خلف المحاربي، صاحب رسول الله ﷺ ، معدود في الكوفيين. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أحمد في المسند (١) بنحوه، وضعف إسناده الشيخ شعيب الأرناؤوط وأعله بجهالة عمة أشعث بن سليم بن أبي الشعثاء، فإنها لا تعرف، لكن صححه الألباني بشواهده كما في مختصر الشمائل. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (بردة ملحاء): بفتح الميم، والملحة بالضم بياض يخالطه سواد، وكأن الصحابي أراد أن مثل هذه البردة ليست من الثياب الفاخرة ولا خيلاء فيها. (ارفع إزارك) أي عن الأرض. (فإنه أتقى) أي أقرب للتقوى وأبعد عن الخيلاء، وفي بعض النسخ: (أتقى وأبقى)، أي أكثر دواماً للإزار، وفي بعضها: (أنقى وأبقى) أي أنظف، لأن الإزار إذا جُرّ على الأرض ربما تعلقت به نجاسة فتلوثه. * الوجه الرابع: دل الحديث على استحباب أن يكون الإزار إلى أنصاف الساقين للرجال، وألحق بعضهم به القميص والسراويل وكل ملبوس، بدليل حديث عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: «الإسبال في الإزار والقميص

стр. 74

والعمامة، من جرّ شيئاً خيلاء لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة» (١). والذي يظهر لي؛ أن جعل اللباس إلى نصف الساق إنما هو خاص بالإزار دون غيره، لورود الأحاديث بتقييده بذلك، كحديث «إزرة المؤمن إلى نصف الساقين» (٢)، وأما حديث عبد الله بن عمر المتقدم فهو في الإسبال، وهو يشمل الإزار والقميص وكل ملبوس، وقد ذكر بعض العلماء: أن اللباس إلى نصف الساق، إذا كان يخالف عرف البلد فإنه يصبح شهرة، وموضع استغراب منهم. * الوجه الخامس: فرّق النووي في حكم إسبال الثياب تحت الكعبين بين المسبل خيلاء والمسبل لغير خيلاء، فقال: «لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه، وظواهر الأحاديث في تقييدها بالجرّ خيلاء، تدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعي على الفرق كما ذكرنا» (٣). وهذا التفريق الذي ذكره النووي هو الذي عليه أكثر العلماء، وهو الذي رجحه ابن عبد البر والشوكاني (٤) وغيرهما. وقال بعض العلماء يحرم إسبال الثياب تحت الكعبين مطلقاً، سواء كان من أجل الخيلاء أو لغير خيلاء، والله تعالى أعلم.

стр. 75

* الوجه السادس: حكى القاضي عياض والشوكاني (١) إجماع العلماء على أن النهي عن الإسبال إنما هو خاص بالرجال دون النساء. ويؤيده حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سَلَمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً، فقالت أم سَلَمة: إذاً تنكشف أقدامهن، قال: فيرخين ذراعاً، لا يزدن عليه» (٢).

стр. 76

١٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة مشيته ﷺ ، والمشية بكسر الميم: الهيئة التي يعتادها الإنسان في المشي. ٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «ما رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْ رسول الله ﷺ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وجهه، ولا رَأَيْتُ أَحَداً أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لغير مكترث». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أبو هريرة هو: الصحابي الجليل عبد الرحمن - على المشهور - بن صخر الدوسي، مشهور بكنيته، وهو أكثر الصحابة حفظاً للحديث ورواية له، أسلم بعد غزوة خيبر، ولزم النبي ﷺ حتى وفاته ملازمة تامة، وكان من فضلاء الصحابة وعلمائهم، توفي بالمدينة سنة: ٥٩ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي في سننه (١)، من طريق ابن لهيعة، عن أبي يونس، عن أبي

стр. 77

هريرة به، وقال: هذا حديث غريب. قلت: إسناد الحديث ضعيف، فيه عبد الله بن لهيعة وهو سيء الحفظ، لكن تابعه عمرو بن الحارث عند ابن حبان (١)، فالحديث حسن إن شاء الله بمجموع الطريقين، وقد حسنه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط. * الوجه الثالث: دل الحديث على ما كان عليه ﷺ من جمال الوجه، وبهاء الطلعة، وحسن الصورة، وإشراق المحيا، حيث شبه أبو هريرة ﵁ جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن ونوره في وجهه الكريم ﷺ . ومن بلاغة أبي هريرة ﵁ ودقته أنه لم يقل ما رأيت إنساناً أحسن من رسول الله ﷺ ، وإنما قال ما رأيت شيئاً، حتى يشمل بكلامه كل ما رآه من إنسان وشمس وقمر وغير ذلك، من الأشياء الحسنة الجميلة. وقد عقد العلامة القسطلاني في كتابه: المواهب اللدنيّة فصلاً حافلاً في جمال صورته وكمال خلقته ﷺ ، أطال في ذكر الأحاديث الدالة على ذلك، وما تشتمل عليه من دلالات (٢). * الوجه الرابع: دل الحديث على صفة مشية النبي ﷺ ، وأن طبيعتها كانت سريعة من غير تكلف، لكن ليس المقصود سرعة شديدة تخرج الإنسان عن حد الوقار والاعتدال، وإنما المقصود أنه لم يكن يمشي مشية

стр. 78

الكسلان المتماوت، كما لم يكن يثب وثب العجلان، وكان بين هذا وهذا، كما أدبه الله تعالى بقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]. ويصف علي بن أبي طالب ﵁ مشيته ﷺ فيقول: كان رسول الله ﷺ «ذا مشى تكفأ تكفؤاً، كأنما ينحط من صبب» (١). أي كأنه ينزل من موضع عال أو منحدر من الأرض. وعن على بن أبي طالب قال: «كان رسول الله ﷺ إذا مشى تقلَّع» (٢)، أي: رفع رجليه رفعًا ثابتاً قوياً، مشية أهل القوة والجلادة وعلو الهمة. وعن ابن عباس قال: «كان - رسول الله ﷺ يمشي مشياً يعرف فيه أنه ليس بعاجز ولا كسلان» (٣).

стр. 79

١٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي جِلْسَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة جلسة رسول الله ﷺ ، والجلسة بكسر الجيم هي: هيئة الجلوس، والحالة التي عليها الجالس. ٢٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: «كان رسُول الله ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي المسْجِدِ احْتَبَى بِيَدَيْهِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أبو سعيد الخدري تقدم التعريف به في الحديث رقم ١٠. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١) دون ذكر المسجد، وسنده واهٍ بمرة، كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه على سنن أبي داود. لكن الحديث معناه صحيح، فقد ثبت احتباء النبي ﷺ في غير ما حديث، منها: حديث ابن عمر في البخاري (٢) قال: «رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبياً بيده هكذا».

стр. 80

وحديث ابن عباس عند مسلم (١) في قصة مبيته عند خالته ميمونة، وفيه: «فصلى إحدى عشرة ركعة. ثم احتبى، حتى إني لأسمع نفسه راقداً … إلخ». * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (احتبى)، الاحتباء: أن يجلس على مقعدته، وينصب ساقيه، ويضمها إلى بطنه وفخذيه بثوب أو بيديه، وهي جلسة تريح البدن، وتغنيه عن الاتكاء والاستناد إلى جدار أو نحوه، وكانوا قديماً يقولون: الاحتباء حيطان العرب، أي كالحيطان لهم في الاستناد، فإذا أراد أحدهم الاستناد احتبى، لأنّه لا حيطان في البراري، فيكون الاحتباء بمنزلة الحيطان لهم. * الوجه الرابع: الاحتباء هو إحدى هيئات جلسته ﷺ ، وقد كان النبي ﷺ يجلس على هيئات مختلفة (٢)، فتارة كان يجلس محتبياً كما في الأحاديث المتقدمة. وتارة يجلس متربعاً، كما في حديث جابر بن سمرة، قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه، حتى تطلع الشمس حسناء». (٣) وتارة يجلس متكئاً، كما في حديث أبي بكرة: وكان رسول الله ﷺ متكئاً فجلس، فقال: «ألا وقول الزور … الحديث» (٤).

стр. 81

وتارة يقعي (١)، كما في حديث أنس بن مالك، قال: «رأيت النبي ﷺ مقعياً يأكل تمراً» (٢). وتارة يستلقي، كما في حديث عباد بن تميم، عن عمه، أنه «رأى رسول الله ﷺ مستلقياً في المسجد، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى» (٣). لكن حمل العلماء هذه الهيئة على أنه فعلها لبيان الجواز، أو لضرورة تعب، أو لم يكن وقتها يوجد من يحتشمه من الغرباء. وتارة يجثو على ركبتيه، كما في حديث عبد الله بن بسر، قال: أهديت للنبي ﷺ شاة، فجثا رسول الله ﷺ على ركبتيه، يأكل، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ فقال: «إن الله جعلني عبداً كريماً، ولم يجعلني جباراً عنيداً» (٤). وكل هذا واسع، وهو محمول على اختلاف الأحوال. * الوجه الخامس: استثنى العلماء جلسة الاحتباء حال الخطبة يوم الجمعة فكرهوها، لحديث معاذ بن أنس أن رسول الله ﷺ «نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب» (٥). وقد عللوا النهي بأن جلسة الحبوة تجلب النوم فتفوت سماع الخطبة، وربما أفضت إلى انتقاض الوضوء. * الوجه السادس: كان من تواضع النبي ﷺ أنه لم يكن يتميز عن

стр. 82

أصحابه في مجلس ولا في لباس، لذلك كان يأتي الغريب فلا يدري أي الناس هو ﷺ حتى يسأل عنه. ففي سنن أبي داود عن أبي ذر وأبي هريرة، قالا: «كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظهري أصحابه، فيجيء الغريب، فلا يدري أيهم هو حتى يسأل. فطلبنا إلى رسول الله ﷺ أن نجعل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، قال: فبنينا له دكاناً من طين، فجلس عليه، وكنا نجلس بجنبتيه» (١).

стр. 83

١٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي تُكَأَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في تكأة رسول الله ﷺ ، والتُكأة على وزن لُمزة: ما يتكأ عليه من وسادة وغيرها مما هيّء وأُعِدَّ لذلك. ٢٤ - عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئاً عَلَى وِسَادَةٍ عَلَى يساره «. • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: جابر بن سمرة هو: ابن جنادة العامري ثم السُّوائي، صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد الذين رووا عنه أحاديث كثيرة، سكن الكوفة، وتوفي سنة: ٧٦ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه (١)، وصححه أبو عوانه (٢)، وابن حبان (٣)، والألباني. * الوجه الثالث: في الحديث جواز الاتكاء أثناء الجلوس، سواء على يمينه

стр. 84

أو يساره لا فرق، وقد تقدم في الباب السابق أن النبي ﷺ كان يجلس على هيئات مختلفة بحسب اختلاف الأحوال، وذكرنا بعضها هناك مع شواهدها. * الوجه الرابع: استثنى العلماء الاتكاء أثناء الأكل فكرهوه إذا كان قادراً على الجلوس، لما صح من حديث أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا آكل متكئاً» (١). وحمل الجمهور النهي على الكراهة كما في عمدة القاري (٢). واختلف في تفسير الاتكاء المنهي عنه، فقال بعضهم: هو أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي وجه كان ومنه التربع، وجزم بعض العلماء بأنه الميل على أحد الشقين. واختلفوا في حكمة النهي، فعلى التفسير الأول حتى لا يستكثر الآكل من الطعام فيسمن وتعظم بطنه، وعلى التفسير الثاني وهو الميل على أحد الشقين، فقيل: لأنه فعل المتكبرين والمكثرين من الأكل نهمة، وقيل: إن الآكل متكئاً لا ينحدر الطعام في مجراه سهلاً، ولا يسيغه هنيئاً وربما تأذى به، فكأنه لسبب صحي (٣). وأما الأكل مضطجعاً فهو أشد كراهة كما قال بعض أهل العلم.

стр. 85

٢٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي عَيْشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة عيشه ﷺ ، وما كان فيها من الضيق وترك الترفه والتوسع في المطعم والمشرب إلا ما يقيم الأود. ٢٥ - عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئِتُمْ؟ «لقد رأيت نبيكم ﷺ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: النعمان بن بشير هو: ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، صاحب رسول الله ﷺ ، كنيته أبو عبد الله، ولد سنة اثنتين من الهجرة، وعد من صبيان الصحابة، وكانت وفاته سنة: ٦٤ هـ ﵁. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (١)، وفي إحدى روايات مسلم: عن سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان يخطب قال: ذكر عمر ما أصاب

стр. 86

الناس من الدنيا، فقال: «لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوى، ما يجد دقلاً يملأ به بطنه». * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (الدَقَل): بفتح الدال والقاف، ردئ التمر ويابسه. * الوجه الرابع: أراد النعمان بن بشير بهذا الحديث تذكير من حوله من الناس بمنّة الله ونعمته عليهم، حيث يُسر لهم مختلف أنواع الأطعمة والأشربة في حين كان رسول الله ﷺ في ضيق من العيش، ولا يجد من رديء الطعام ما يسد به جوعه، مع أنه أكرم الخلق على الله تعالى. * الوجه الخامس: دل الحديث على ما كان عليه النبي ﷺ من الزهد، وضيق العيش، والإعراض عن الدنيا، وقلة الطعام إلا ما يسد به الرَّمَق. وقد صح في السُّنة والسيرة أحاديث كثيرة في هذا المعنى، كحديث عروة ابن الزبير، عن خالته عائشة ﵂ قالت: «إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار، فقلت يا خالة: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ما شبع آل محمد ﷺ من طعام ثلاثة أيام حتى قبض». (٢) وعن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاوياً

стр. 87

وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير» (١). والأحاديث في الباب كثيرة. * الوجه السادس: قال العلماء بأن فقر النبي ﷺ كان اختيارياً ولم يكن اضطرارياً، وقد جاءته الأموال الكثيرة في آخر حياته من كل مكان، لكنه بقي على ما هو عليه من الزهد والتقلل من الدنيا، حتى إنه مات ﵊ ودرعه مرهونة عند يهودي، من أجل ثلاثين صاعاً من شعير، اشتراها منه إلى أجل (٢)، وكان ينفق تلك الأموال على الفقراء والمحتاجين والمعوزين والضيفان والمؤلفة قلوبهم وغيرهم.

стр. 88

٢١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَكْلِ رَسُولِ الله ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة أكله ﷺ . ٢٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النبي ﷺ إِذَا أَكَلَ طَعَاماً لَعِقَ أصابعه الثلاث». * * * ٢٧ - وعن كَعب بن مَالِكٍ قَالَ: «كان رسُول الله ﷺ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ وَيَلْعَقُهُنَّ». • الكلام عليهما من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. وكعب بن مالك هو: ابن عمرو بن القين الخزرجي الأنصاري، أحد أصحاب النبي ﷺ وشعرائه الفحول، أسلم قديماً، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، ثم تاب الله عليهم، توفي سنة: ٥٠ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجهما: حديث أنس أخرجه مسلم في صحيحه (١)، وحديث كعب بن مالك

стр. 89

أخرجه أيضاً مسلم في صحيحه بنحوه (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (لعق): اللعق: اللحس، ولعق الأصابع: لحسها. * الوجه الرابع: دل الحديثان على استحباب لعق أصابع اليد بعد الفراغ من الطعام، وقبل غسلها، تأسياً بالنبي ﷺ ومن باب المحافظة على بركة الطعام، فقد جاء في الحديث الصحيح: «فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة» (٢). وكأن مقصود الأحاديث ترك الإسراف في الطعام، وعدم التهاون بقليله، لأنه من جملة نعم الله التي ينبغي عدم إهدارها. * الوجه الخامس: زعم بعض الجهلة أن لعق الأصابع بعد الأكل أمر لا يناسب الذوق العام! وهذا جهل من صاحبه، لأن هذا الطعام المتبقي على الأصابع هو جزء من طعامه الذي كان يأكله قبل قليل، فلا ضير من أكله. ولأن أكل ما تبقى من الطعام على الأصابع بأطراف شفته ليس فيه ما ينافي الذوق، وهو خير من غسل ذلك الطعام وإلقاءه في مياه التصريف مع القاذورات بعد أن شبع، وكان قبل قليل من جوعه يبحث عنه، ويحرص عليه ويدفع فيه أغلى الأثمان!! قال الإمام الخطابي ﵀: «عاب قوم أفسد عقلهم الترفه فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع أو الصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذراً لم يكن

стр. 90

الجزء اليسير منه مستقذراً، وليس في ذلك أكبر من مصه أصابعه بباطن شفتيه، ولا يشك عاقل في أن لا بأس بذلك» (١). * الوجه السادس: ذكر بعض الشرّاح: أن السنة لعق الأصابع ثلاث مرات وهذا خطأ، والصواب لعقها مرة واحدة بعد الفراغ من الطعام وقبل غسل اليد، ولا يلعق أثناء الأكل، لأنه سيضطر إلى إعادة إدخال الأصابع إلى الطعام مرة أخرى فيقذره (٢). * الوجه السابع: زعم بعض الناس أن الأكل بالملاعق بدعة مخالفة للسنة وأنه من التشبه بالكفار!! وهذا خطأ في القول وخطأ في الاجتهاد، أولاً: لأن الأكل بالملاعق ليس من عادات الكفار الخاصة بهم حتى نعده من التشبه بهم، وثانياً: لأن الملاعق مجرد وسيلة لإيصال الطعام إلى الفم، وهذه الوسيلة قد تختلف باختلاف عادات الناس وثقافاتهم، فمن الناس من يأكل بيده، ومنهم وهم أكثر الناس اليوم من يأكل بالملاعق، وكلا الأمرين داخل في باب المباحات، ولا دخل له في السنة أو البدعة أو التشبه، وهذا يشبه ركوب الناس قديماً للخيل والحمير والبغال، واليوم أصبحوا يركبون السيارات والقطارات، ولا أحد يقول بأن ركوب الحمار سنة، ولا ركوب السيارة بدعة!! * الوجه الثامن: يسن أكل ما سقط من المائدة أو القصعة أو اليد من الطعام بعد مسح الأذى عنه، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر

стр. 91

مرفوعاً: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان» (١). * الوجه التاسع: دل حديث كعب بن مالك على أن السنة الأكل بثلاث أصابع، ولو احتاج إلى الأكل بأكثر منها جاز. قال القاضي عياض: «الأكل بأكثر منها إنما هو من الجشع، وسوء الأدب فيه، وتكثير اللقم، وذلك من غير آدابه ومستحسناته، إلا أن يضطر إلى غير ذلك» (٢). * الوجه العاشر: يستحب غسل اليد وتنظيفها قبل البدء بالطعام، خاصة إذا كانت متسخة، وقد ورد في ذلك حديث متكلم فيه لكن يمكن الاستئناس به، عن سلمان الفارسي مرفوعاً: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» (٣). والمقصود بالوضوء هنا المعنى اللغوي، وهو غسل اليدين والفم. كما يستحب غسل اليد والفم وتنظيفهما بعد الفراغ من الطعام، فقد أخرج أبو داود بسند صحيح على شرط مسلم -كما قال ابن حجر (٤) - عن أبي هريرة رفعه: «من نام وفي يده غَمَر - دسم - ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومنَّ إلا نفسه «. لأن الهوام ربما تقصده في المنام لرائحة الطعام في يده فتؤذيه.

стр. 92

* الوجه الحادي عشر: هناك آداب نبوية أخرى ينبغي مراعاتها عند الأكل، ومنها: الأكل باليد اليمنى، والتسمية قبل الأكل، وحمد الله بعد الفراغ منه، وغير ذلك مما بينته السنة النبوية ولا مجال للتفصيل فيه الآن.

стр. 93

٢٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ خُبْزِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة خبز رسول الله ﷺ ، وما فيه من التواضع وترك الترفه. ٢٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كان رسُول الله ﷺ يَبِيتُ اللَّيَالِيَ المُتَتَابِعَةَ طَاوِياً هُوَ وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونُ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ». * * * ٢٩ - وعَنِ أبي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: «أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّقِيَّ يَعْنِي الحُوَّارَى؟ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّقِيَّ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ . فَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ مَنَاخِلُ عَلَى عَهْدِ رسول الله ﷺ ؟ قَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا مَنَاخِلُ. قِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِالشَّعِيرِ؟ قَالَ: كُنَّا نَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مِنْهُ مَا طار ثم نثرّيه ثم نعجنه». • الكلام على الحديثين من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براوييهما: ابن عباس تقدم التعريف به في الحديث رقم ٤.

стр. 94

وسهل بن سعد هو: ابن مالك بن خالد الخزرجي الساعدي الأنصاري، أبو العباس، صاحب رسول الله ﷺ ، روى حديثاً كثيراً عن النبي ﷺ ، وتوفي سنة: ٩١ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجهما: حديث ابن عباس أخرجه الترمذي (١)، وابن ماجه (٢)، وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني، وشعيب الأرناؤوط، وقال عبد القادر الأرناؤوط: إسناده حسن. وحديث سهل بن سعد أخرجه البخاري في صحيحه بنحوه، ولفظه: عن أبي حازم، قال: سألت سهل بن سعد، فقلت: هل أكل رسول الله ﷺ النقي؟ فقال سهل: «ما رأى رسول الله ﷺ النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله». قال: فقلت: هل كانت لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟ قال: «ما رأى رسول الله ﷺ منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله». قال: قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه، فيطير ما طار، وما بقي ثريناه فأكلناه. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: (طاوياً): جائعاً خالي البطن. (أهله): أهل الرجل: امرأته وولده والذين في عياله ونفقته. (النقي): الخبز النقي الخالص من النخالة.

стр. 95

(الحُوَّارى): بضم الحاء وتشديد الواو وراء مفتوحة: الدقيق الأبيض الذي نخل مرة بعد أخرى، وهو لب الدقيق. (المنخل): أداة النخل، وهو الغربال الذي يغربل ويصفّى به القمح والشعير ونحوه من الشوائب. (نثريه): نبله بالماء ونعجنه. * الوجه الرابع: دل حديث ابن عباس على تقلل النبي ﷺ وأزواجه من الدنيا وصبرهم على الجوع وتجنب السؤال. وقد تقدم بيان أن فقره ﷺ إنما كان اختيارياً ولم يكن اضطرارياً، خاصة وقد جاءته الأموال الكثيرة في آخر حياته من كل مكان، لكنه ﷺ كان ينفقها على الفقراء والمحتاجين والضيفان والمؤلفة قلوبهم وغيرهم. وقد جاء في الترمذي من حديث أبي أمامة مرفوعاً: «عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، قلت: لا يا ربّ. ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» (١). * الوجه الخامس: دل حديث ابن عباس على أن أكثر خبز النبي ﷺ وأهل بيته كان من الشعير، وهو من أقل أنواع الخبز جودة، وكانوا يأكلونه من غير نخل، بل كانوا لا يشبعون منه يومين متتاليين، كما جاء في حديث عائشة: «ما شبع آل محمد ﷺ من خبز الشعير يومين متتاليين حتى قبض رسول الله ﷺ » (٢).

стр. 96

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير» (١). * الوجه السادس: دل حديث سهل بن سعد وحديث ابن عباس على ضيق عيش النبي ﷺ وقلة اهتمامه بشأن الطعام، فإنه لا يعتني بشأن الطعام ويحرص عليه حرصاً زائداً إلا أهل الشره والبطالة.

стр. 97

٢٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي إِدامِ رَسُولِ الله ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة إدام رسول الله ﷺ وما فيه من التواضع وترك الترفه. والإدام بكسر الهمزة: كل ما يؤكل مع الخبز، مائعاً أو جامداً. ٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «نِعْمَ الإِدَامُ الخَلُّ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (١)، وأخرج المصنف في الباب ومسلم في صحيحه (٢) نحوه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خلٌ، فدعا به، فجعل يأكل به، ويقول: «نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل»، هذا لفظ مسلم. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (الخل): ما حمض من عصير العنب وغيره.

стр. 98

* الوجه الرابع: دل الحديث على فضل أكل الخل والائتدام به، ومعلوم أن الخل ليس أجود الأدم، ففي الأدم ما هو أجود منه كاللحم والعسل، لكن النبي ﷺ قال ذلك - كما ذكر شراح الشمائل - باعتبار الحال الحاضرة حينها، ومن باب جبر وتطييب خاطر أهل بيته الذين قدموا له ذلك الخل، يوضح هذا ما أخرجه مسلم في صحيحه، عن حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي ذات يوم إلى منزله، فأخرج إليه فلقاً - كسراً - من خبز، فقال: «ما من أدم؟»، فقالوا: لا إلا شيء من خل، قال: «فإن الخل نعم الأدم» (١). * الوجه الخامس: دل الحديث على الحث على الاقتصاد في الطعام، وترك التأنق والتوسع فيه، فيأتدم ولو بالخل وما تيسر. * الوجه السادس: ذكر شرّاح الشمائل: أن النبي ﷺ لم يكن من عادته الكريمة حبس نفسه على نوع واحد من الأغذية، فإن ذلك يضر غالباً بالصحة، وإن كان أفضل الأطعمة، لذلك كان يأكل ما اعتيد من لحم وفاكهة وتمر وغيره (٢). قلت: لا شك أن التنويع في الأطعمة من الأمور المطلوبة لحفظ صحة البدن، كما يؤكده الأطباء المختصون بعلوم التغذية. * * *

стр. 99

٣١ - عَنْ زَهْدَمٍ الجَرْمِيِّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَأُتِيَ بِلَحْمِ دَجَاجٍ فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُهَا تَأْكُلُ شَيْئاً فَحَلَفْتُ أَنْ لَا آكُلَهَا! قَالَ: «ادْنُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رسُولَ الله ﷺ يأكل لحم دجاج». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أبو موسى الأشعري تقدم التعريف به في الحديث رقم ٢٠. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١) بلفظ أطول. * الوجه الثالث: دل الحديث على حل أكل الدجاج إنسيه ووحشيه وهو إجماع (٢). * الوجه الرابع: ذكر العلماء أن الدجاجة إذا كانت تتغذى غالباً على القاذورات والنجاسات حتى أثَّر ذلك في لحمها، فهذه تسمى جلَّالة، والحكم فيها: ألا تؤكل حتى تحبس ثلاثة أيام، وتطعم طعاماً جيداً حتى يطيب لحمها وتذهب عنها الخباثة، ثم يحل أكلها بعد ذلك.

стр. 100

وقد ورد في هذا أحاديث عدة، منها حديث عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها» (١). وصح عن ابن عمر ﵄ أنه: كان إذا أراد أكل الدجاجة الجلالة حبسها ثلاثاً (٢). * * * ٣٢ - عَنْ أَبِي أَسِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أبو أَسيد بفتح الهمزة هو: ابن ثابت الأنصاري الزرقي المدني، معدود في الصحابة. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي في سننه (٣) وقال: غريب، وصححه الحاكم وأقره الذهبي (٤)، وحسنه الألباني بمجموع طرقه وشواهده، وكذا حسنه عبدالقادر الأرناؤوط.

стр. 101

* الوجه الثالث: المقصود بالزيت هنا زيت الزيتون، بدليل قوله في الحديث: «فإنه من شجرة مبارك». * الوجه الرابع: الحديث فيه فضل أكل زيت الزيتون والادهان به، وقد وصفه في الحديث بأنه من شجرة مباركة، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥]. وقد ذكر الإمام ابن القيم في زاد المعاد كثيراً من فوائد زيت الزيتون ومنافعه، فيمكن مراجعته هناك (١). لكن نبّه العلامة المناوي؛ بأن الأمر بأكل الزيت والادهان به لا ينبغي أن يفهم منه الإكثار منه (٢). قلت: هذا كلام صحيح، فإن استحسان الشرع لشيء أو الأمر به لا يعني الاستكثار منه، وهذا مثل شرب العسل فإنه مستحسن، لكن الإكثار الزائد منه فيه مضرة. * * *

стр. 102

٣٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ الدُّبَّاءُ، فَأُتِيَ بِطَعَامٍ أَوْ دُعِيَ لَهُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ فَأَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١) مختصراً ومطولاً، وفي أحد ألفاظه عند البخاري: عن أنس ﵁، قال: دخلت مع النبي ﷺ على غلام له خيَّاط، فقدم إليه قصعة فيها ثريد، قال: وأقبل على عَمَلِه، قال: «فجعل النبي ﷺ يتتبع الدباء»، قال: فجعلت أتتبعه فأضعه بين يديه، قال: فما زلت بعد أحبّ الدباء. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (الدباء): بالضم والتشديد والمد أو القصر: القرع، مفرده دباءة أو دباة، وهي ثمرة نبتة ليس لها ساق، وتسمى أيضاً باليقطين. وقال بعضهم: اليقطين يشمل كل شجرة ليس لها ساق نحو الدباء والبطيخ والحنظل. * الوجه الرابع: في الحديث حل أكل الدباء، وهو من الثمار المفيدة الغنية بالفيتامينات والألياف. وقد نقل ابن كثير عن بعض العلماء من فوائد

стр. 103

الدباء: سرعة نباته، وتظليل ورقه لكبره، ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة أغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئاً ومطبوخاً بلبه وقشره أيضاً (١). والدباء في قول كثير من المفسرين هي الشجرة التي أنبتها الله لنبي الله يونس ﵇ عندما أخرجه من بطن الحوت، فكانت له ظلاً وغذاء ودواء، كما قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾ [الصافات ١٤٥ - ١٤٦]. * الوجه الخامس: استحب بعض العلماء أكل الدباء وأكل كل ما كان رسول الله ﷺ يحبه (٢). لكن فرق بعض العلماء بين محبة النبي ﷺ وكرهه الشرعي، وبين محبته وكرهه الإنساني، فالقدوة إنما هي في المحبة والكره الشرعيين، كمحبته ﷺ لأصحابه ﵃، ومحبته ﷺ للتيمن في تنعه وترجله وطهوره. أما المحبة أو الكره الطبيعي فلا قدوة فيه، كمحبته ﷺ لأكل الحلواء والعسل ومحبته للدباء والثريد، وكرهه أكل الضبّ، وقوله: «أجدني أعافه»، فإن الصحابة لم يقتدوا به في ذلك، بل أكله خالد بن الوليد على مائدته ﷺ . * الوجه السادس: استشكل بعضهم تتبع النبي ﷺ للدباء حوالي القصعة، مع أنه ثبت عنه الأمر بالأكل مما يليه، كما في حديث عمر بن أبي سلمة ﵄ قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في

стр. 104

الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : «يا غلام، سمّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك» (١). وأجاب بعض العلماء بأن الأمر يقصد به ما إذا كان الطعام لوناً واحداً فلا يتعدى ما يليه، أما إذا كان أكثر من لون فيجوز، وحمل فعله ﷺ في هذا الحديث على ذلك، فقال: كان الطعام مشتملاً على مرق ودباء وقديد، فكان يأكل مما يعجبه وهو الدباء، ويترك ما لا يعجبه وهو القديد. وقال بعضهم: إنما فعل النبي ﷺ ذلك لأن الطعام كان له وحده ومعه خادمه، وأما إن كان معه غيره فالمستحب أن يأكل مما يليه. وهناك احتمال أن يكون معنى تتبع النبي ﷺ للدباء إنما كان من ناحيته وجهته، وليس من جميع جهات القصعة، وكل هذه التوجيهات محتملة، والله تعالى أعلم.

стр. 105

٢٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - عند الطعام أي بيان الأحاديث الواردة في صفة وضوء رسول الله ﷺ عند الطعام، والمراد بالوضوء هنا - على الأرجح - معناه اللغوي، وهو غسل اليدين، ويدل عليه قوله: «عند الطعام»، أي قبله وبعده، وأما الوضوء الشرعي فهو غير واجب ولا مستحب عند الطعام. ٣٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رسول الله ﷺ خَرَجَ مِنَ الخَلَاءِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ فَقَالُوا: أَلَا نَأتِيكَ بِوَضُوءٍ؟ قَالَ: «إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ»، وفي رواية أخرى في الشمائل: فقال ﷺ : «أأصلي فأتوضأ؟». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: ابن عباس تقدم التعريف به في الحديث رقم ٤. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (١) بنحوه، ولفظه عن ابن عباس: «أن

стр. 106

النبي ﷺ خرج من الخلاء، فأتي بطعام»، فذكروا له الوضوء فقال: «أريد أن أصلي فأتوضأ؟». * الوجه الثالث: دل الحديث على أن تناول الطعام ليس له وضوء شرعي، لا وجوباً ولا ندباً، وإنما يجب للصلاة، فكأن النبي ﷺ قال لهم: الوضوء الشرعي إنما يكون لمن أراد الصلاة وأنا لا أريد أن أصلي الآن. * الوجه الرابع: ذكر كثير من الشرّاح: أنه يستحب غسل اليدين وتنظيفها قبل البدء بالطعام، خاصة إذا كانت متسخة، وقد ورد في ذلك حديث متكلم في صحته، لكن يمكن الاستئناس به عن سلمان الفارسي مرفوعاً: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» (١). والمقصود بالوضوء هنا غسل اليدين والفم. كما يستحب غسل اليد والفم وتنظيفهما بعد الفراغ من الطعام، وقد ورد فيه حديث عند أبي داود بسند صحيح على شرط مسلم، كما قال الحافظ ابن حجر (٢)، عن أبي هريرة رفعه: «من نام وفي يده غَمَر - دسم - ولم يغسله، فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه «(٣). لأن الهوام ربما تقصده في المنام لرائحة الطعام فتؤذيه. * الوجه الخامس: أجمع العلماء على أن المحدث (غير المتوضئ) له

стр. 107

أن يأكل ويشرب، ويذكر الله ويقرأ القرآن، ويجامع ولا كراهة في شيء من ذلك، وقد تظاهرت على هذا كله دلائل السُّنة الصحيحة المشهورة، مع إجماع الأمة كما أفاده الإمام النووي ﵀ (١).

стр. 108

٢٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَمَا يَفْرُغُ مِنْهُ أي بيان الأذكار الواردة عن رسول الله ﷺ قبل أكل الطعام وبعدما يفرغ منه، ويلحق به الشرب أيضاً. ٣٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵄ أَنَّهُ: دَخَلَ عَلَى رسول الله ﷺ وَعِنْدَهُ طَعَامٌ فَقَالَ: «ادْنُ يَا بُنَيَّ فَسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عمر بن أبي سلمة: هو: ابن عبد الأسد بن هلال المخزومي القرشي، أبو حفص، صاحب رسول الله ﷺ وربيبه، ولد قبل الهجرة بسنتين أو أكثر، وتوفي في خلافة عبد الملك بن مروان، سنة: ٨٣ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) في الصحيحين، ولفظه عند

стр. 109

البخاري: عن عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، فما زالت تلك طعمتي بعد. ورواية مسلم نحوها. * الوجه الثالث: اشتمل هذا الحديث على ثلاثة آداب من آداب الأكل، وهي التسمية، والأكل باليمين، والأكل مما يليه، وسنذكر تفصيل القول فيها في الوجوه التالية. * الوجه الرابع: دل الحديث على الأمر بالتسمية في ابتداء الطعام ويلحق به الشراب، وهي من أسباب حصول البركة، ومنع الشيطان من مشاركة الإنسان في طعامه وشرابه. واختلف هل الأمر للوجوب أم للندب، والجمهور على الندب، كما ذكره العيني وغيره (١). * الوجه الخامس: المقصود بالتسمية الواردة في الحديث، أن يقول: باسم الله في ابتداء الأكل، يوضحه حديث عائشة مرفوعاً: «إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره» (٢). وأما قول بعض العلماء: الأفضل أن يقول: باسم الله الرحمن الرحيم، فقد ردّه الحافظ ابن حجر بأنه لا دليل عليه. كذلك رد الحافظ ابن حجر على

стр. 110

من استحب التسمية مع كل لقمة، وقال إنه لا دليل عليه (١). * الوجه السادس: ذكر العلماء أن من نسي التسمية في أول الأكل أو الشرب: ثم تذكرها أثناء ذلك أو بعد الفراغ منهما، فإنه يستحب له الإتيان بها تداركاً لما فات، لحديث عائشة المرفوع المتقدم في الوجه الخامس، وفيه: «فليقل بسم الله في أوله وآخره». * الوجه السابع: دل الحديث كذلك على الأمر بالأكل باليمين، ويلحق به الشرب. واختلف هل الأمر للوجوب أم للندب، فذهب الجمهور إلى الندب (٢)، والأقوى أنه للوجوب، كما هو قول بعض العلماء (٣) لما ثبت عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (٤)، فهذا الحديث يدل على أن المسلم يجب عليه اجتناب أفعال الشيطان. أيضاً ثبت من حديث سلمة بن الأكوع: أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: «كل بيمينك»، قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت»، ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه (٥). ولا يدعو ﷺ إلا على من ترك واجباً. وأما كون الدعاء لتكبره فهو محتمل، ولا ينافي أن الدعاء عليه للأمرين معاً.
следующие страницы →