← Сира

Сира · id 938

شرح مختصر الشمائل المحمدية

هانى فقيه

Полный текст (241 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المواطن، وليس بمسقط للمروءة إذا لم يجاوز به الحد المعتاد. قال الحافظ ابن حجر: «الذي يظهر من مجموع الأحاديث؛ أنه ﷺ كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم، وربما زاد على ذلك فضحك. والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه، أو الافراط فيه، لأنه يذهب الوقار» (١). * الوجه السادس: روى البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» (٢). قلت: لا ريب أن كثرة الضحك - حتى يغلب على صاحبه - مذموم منهي عنه، وهو يميت القلب كما أخبر المصطفى ﷺ ، ومعنى موته: أنه يصير مغموراً في الظلمات، بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه. كما أن كثرة الضحك ربما أورثت الضغينة في بعض الأحوال، كما أنها تسقط المهابة والوقار، نسأل الله السلامة.

стр. 142

٣٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مِزَاحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة مزاحه ﷺ . والمزاح بضم الميم وكسرها هو الانبساط مع الغير من غير إيذاء له، وقد كان رسول الله ﷺ يمزح أحياناً مع أصحابه من باب التأليف لهم وحسن العشرة. وقد ذكر العلماء بأن المزاح وإن كان مطلوباً وهو من حسن العشرة لكن لا ينبغي المداومة عليه والإكثار منه، لأنه قد يفضي إلى الإيذاء ويسبب العداوة ويسقط المهابة، ولذلك كان يفعله النبي ﷺ عن ندرة وفي أوقات متفرقة (١). ٤٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ»، «يَعْنِي يُمَازِحُهُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.

стр. 143

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢) وصححه، وحسنه ابن القطان (٣)، وشعيب الأرناؤوط، وصححه الألباني. * الوجه الثالث: هذا القول قاله النبي ﷺ لأنس، من باب المزاح والانبساط والمداعبة، وإلا فإن كل إنسان صاحب أذنين. وقيل أراد ﷺ حض أنس وتنبيهه على اليقظة، وحسن الاستماع لما يقال له، لأن السمع إنما يكون بحاسة الأذن. والمعنى الأول أظهر، وهو الذي فهمه الإمام الترمذي حيث أورد الحديث في باب مزاحه ﷺ ، وكذا هو فهم راوي الحديث (أبو أسامة)، عندما قال: (يعني يمازحه). * الوجه الرابع: في الحديث مداعبة النبي ﷺ لأصحابه وخدمه ومزاحه معهم، وهذا من تواضعه وحسن أخلاقه ولطفه. وكان مزاحه ﷺ مزاحاً خفيفاً لطيفاً، ليس فيه كذب ولا تزيد، ولذلك صح أن الصحابة قالوا: «يا رسول الله إنك لتداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقاً» (٤). * الوجه الخامس: دل الحديث أيضاً على جواز دعاء الإنسان بغير اسمه، لا سيما إذا كان ليس من الألقاب المكروهة لديه.

стр. 144

٤٩ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١)، ولفظه عند مسلم: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه، قال: كان فطيماً (مفطوماً)، قال: فكان إذا جاء رسول الله ﷺ فرآه، قال: «أبا عمير ما فعل النُّغير» قال: فكان يلعب به. * الوجه الثالث: في غريبه: (النغير): تصغير النغر، هو طائر صغير يعيش في الغابات والمزارع، جمعه نغران. * الوجه الرابع: دل الحديث على جواز المزاح مع الأطفال والصغار وملاطفتهم بما ليس فيه إثم، وهو من حسن الخلق وكرم الشمائل وحسن التربية. * الوجه الخامس: حديث أنس هذا اشتمل على كثير من الفوائد والأحكام، ومن جملتها فيما ذكره العلماء: جواز تكنية من لم يولد له،

стр. 145

وتكنية الطفل وأنه ليس كذباً، وجواز المزاح فيما ليس أثماً، وجواز لعب الصبي بالعصفور، وتمكين الولي إياه من ذلك، وجواز السجع بالكلام الحسن بلا كلفة، وملاطفة الصبيان وتأنيسهم، وبيان ما كان النبي ﷺ عليه من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع، وزيارة الأهل .. إلى آخره (١). * * * ٥٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَجُلًا اسْتَحْمَلَ (٢) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ ﷺ : «وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَا النُّوقُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (٣)، والترمذي (٤) وصححه، وصحح إسناده الألباني وشعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط. * الوجه الثالث: توهم هذا الرجل أن الولد لا يطلق إلا على الصغير،

стр. 146

وهو غير قابل للركوب، لذلك قال: وما أصنع بولد ناقة؟!. فبين النبي ﷺ أنه لو تدبر لعلم أن الصغير والكبير كلهم أولاد ناقة، فلا وجه لاعتراضه إذن!! * الوجه الرابع: في الحديث مباسطة النبي ﷺ للناس وملاطفته لهم، وهكذا ينبغي لأهل العلم والدعاة أن يكونوا سهلين محببين للناس قريبين منهم، فإن هذا أدعى لقبول كلامهم والتأثر به، وألا يعيشوا في أبراج عاجية ليصدروا منها الأوامر والتوجيهات. كما أن في الحديث إرشاداً إلى أنه ينبغي لمن سمع قولاً أن يتأمله، ولا يبادر إلى رده إلا بعد أن يدرك غوره.

стр. 147

٣٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشِّعْرِ أي بيان الأحاديث الواردة في صفة كلامه ﷺ في الشعر. ومعلوم أن النبي ﷺ لم يكن شاعراً، ولا يحسن قول الشعر، بل إن الله ﵎ حرمه عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، لكن النبي ﷺ كان يستشهد بشعر غيره أحياناً، ويعجبه سماع الشعر، وقد افترى الكفار عليه واتهموه بأنه شاعر، فردّ القرآن الكريم دعواهم هذه، وبيّن لهم أن الله لم يعلمه الشعر، ولا ينبغي لمقامه أن يكون شاعراً، لأن الله شرفه بمقام أعلى وأسمى، وهو مقام النبوة والرسالة. ٥١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قِيلَ لَهَا: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَمَثَّلُ (١) بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَيَتَمَثَّلُ بِقَوْلِهِ: «وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.

стр. 148

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي (١) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني بشواهده. * الوجه الثالث: ابن رواحة هو الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي، أحد فضلاء الصحابة وشعرائهم المحسنين، استشهد في غزوة مؤتة، وكان ثالث ثلاثة أمرائها، سنة: ثمان من الهجرة. * الوجه الرابع: قوله «ويأتيك بالأخبار من لم تزود»، هذا جزء من بيت لطرفة بن العبد في معلقته الشهيرة، وتمام البيت: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً … ويأتيك بالأخبار من لم تزود أي يأتيك بالأخبار التي تريدها من لم تكلّفه بها ولم تعطه عليها زاداً، فلا ينبغي الاستعجال عليها. وكان النبي ﷺ يتمثل بهذا البيت عندما يستبطئ عليه الخبر، كما دلت عليه رواية أحمد في المسند ولفظها: «كان رسول الله ﷺ إذا استراث الخبر، تمثل فيه ببيت طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود» (٢). * الوجه الخامس: دل الحديث على جواز قول الشعر وإنشاده والاستشهاد به، وكان النبي ﷺ يستمع إلى الشعر أحياناً، ويستنشده ويعجبه الحسن منه. ولا ريب أن للشعر الحسن تأثيراً حسناً على الناس، وهو يحمل في

стр. 149

طياته كثيراً من التوجيهات الطيبة، والقيم النبيلة والحكم النافعة، ومن ثم أطلق عليه العرب بأنه (ديوان العرب)، لأنه مشتمل على خلاصة تجاربهم ومعارفهم وقيمهم. وقد روى عمرو بن الشريد عن أبيه الشريد بن سويد الثقفي، قال: ردفت رسول الله ﷺ يوماً، فقال: «هل معك من شعر أُمية بن أبي الصلت شيء؟» قلت: نعم، قال: «هيه»، فأنشدته بيتاً، فقال: «هيه»، فأنشدته بيتاً، فقال: «هيه»، حتى أنشدته مائة بيت (١). وكان شعر أمية بن أبي الصلت مشتملاً على كثير من الحكم، والدعوة إلى توحيد الله ، ونبذ الشرك والأصنام، لكنه أدرك الإسلام ولم يسلم!! وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم» (٢). وورد عند ابن عساكر بإسناد ضعيف عن النبي ﷺ أنه قال «آمن شعره وكفر قلبه». * الوجه السادس: من اهتمام النبي ﷺ بأمر الشعر ومعرفة تأثيره؛ أنه كان يأمر بالمنبر فينصب في المسجد لحسان بن ثابت ﵁ ليقوم عليه ينافح عن رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما ينافح عن رسول الله ﷺ » (٣).

стр. 150

* الوجه السابع: قال العلماء: الشعر كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وقد جاء في هذا المعنى حديث مرفوع إلى النبي ﷺ أنه قال: «الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام» (١). وثبت عنه ﷺ أنه قال: «إن من الشعر حكمة» (٢). وأما حديث: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً» (٣)، فهذا محمول على الشعر الباطل، أو يكون المراد به أن يستولي عليه الشعر حتى يشغله عن القرآن وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى والعبادة وهذا مذموم.

стр. 151

٣٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي نَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة نومه ﷺ ، وما كان يقوله من الأذكار عند النوم وعند الاستيقاظ. والنوم من أعظم النعم التي امتن الله بها على خلقه، فبه تحصل الراحة وسكون الحركة وذهاب التعب، كما قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾ [الروم: ٢٣]. ٥٢ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ وَضَعَ كَفَّهُ اليُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وَقَالَ: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: البراء بن عازب هو: ابن الحارث الأنصاري الحارثي المدني، أحد أعيان الصحابة، نزل الكوفة، وروى أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ ، وتوفي سنة: ٧٢ هـ.

стр. 152

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي وحسنه (١)، وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٢)، وله شواهد عدة. * الوجه الثالث: اشتمل الحديث على ثلاثة آداب، يستحب فعلها عندما يأوي المسلم إلى فراشه للنوم: الأدب الأول: الاضطجاع على شقه الأيمن. الأدب الثاني: وضع الكفّ اليمنى تحت الخدّ الأيمن. الأدب الثالث: أن يقول قبل النوم: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك» (٣). * الوجه الرابع: ورد في السُّنة المطهرة أدعية كثيرة مأثورة، كان النبي ﷺ يقولها عند نومه، ومنها هذا الدعاء الوارد في الباب. ومنها قوله ﷺ : «اللهم باسمك أموت وأحيا» (٤). ومنها قوله ﷺ : «اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت». وقال رسول الله ﷺ : «من قالهن ثم مات تحت ليلته (٥) مات على الفطرة» (٦).

стр. 153

ومنها قوله ﷺ : «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي» (١). وثبت عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ «كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات» (٢). * الوجه الخامس: من الأمور المستحبة عند النوم أيضاً: أن يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، فينام على طهارة كاملة، فقد ثبت في الصحيح من حديث البراء بن عازب ﵁، أن النبي ﷺ قال له: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن .. وذكر بقية الحديث» (٣). كذلك تستحب قراءة آية الكرسي عند النوم، لكونها من أسباب حفظ المسلم من الشيطان حتى يصبح، ففي قصة أبي هريرة مع الشيطان الذي كان يأتي ويسرق من تمر الصدقة، وفيها أن الشيطان قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي ﷺ : «أما إنه قد صدقك وهو كذوب» (٤).

стр. 154

٣٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي عِبَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - ظاهر عنوان الترجمة العموم في كل العبادات، لكن الأحاديث التي أوردها الترمذي في الباب خاصة بقيام الليل، فكأنه قال: باب ما جاء في عبادة رسول الله ﷺ في قيام الليل. ٥٣ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ. فَقِيلَ لَهُ: أَتَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: مغيرة بن شعبة هو: ابن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أحد الصحابة الكرام، وأحد دهاة العرب وقادتهم وولاتهم، أسلم في العام الخامس من الهجرة، وتوفي بالكوفة سنة: ٥٠ هـ، وكان والياً عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين بنحوه (١).

стр. 155

* الوجه الثالث: كانت قدما رسول الله ﷺ تنتفخان وتتورمان بسبب طول قيامه وتهجده في قيام الليل، فقد ثبت أنه كان يقرأ أحياناً سورة البقرة وآل عمران والنساء في ركعة واحدة، كما في حديث حذيفة بن اليمان ﵁ في صحيح مسلم (١). * الوجه الرابع: دل الحديث على أن شكر الله تعالى قد يكون بالعمل كما يكون باللسان، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، فأمرهم الله أن يعملوا له شكراً، وهذا على خلاف ما يتوهم العامة أن الشكر يكون باللسان فقط!! * الوجه الخامس: دل الحديث على ما كان عليه نبينا ﷺ من الاجتهاد في الطاعة، وطول التهجد والقيام، وتحمل المشاق البدنية في سبيل ذلك، ولهذا الحديث نظائر كثيرة، كقول أبي هريرة ﵁: «كان رسول الله ﷺ يصلي حتى ترم قدماه» (٢). وقول ابن مسعود ﵁: «صليت مع رسول الله ﷺ فأطال، حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه» (٣). * الوجه السادس: أخذ بعض العلماء من هذا الحديث؛ أن للإنسان أخذ نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضرّ ذلك ببدنه، لكن قال الحافظ ابن

стр. 156

حجر: «محل ذلك ما إذا لم يفض إلى الملال، لأن حال النبي ﷺ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضرّ ذلك ببدنه. بل صح أنه قال: وجعلت قرة عيني في الصلاة، فأما غيره ﷺ فإذا خشي الملل لا ينبغي له أن يكره نفسه، وعليه يحمل قوله ﷺ «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» (١). * الوجه السابع: يؤخذ من هذا الحديث وبقية أحاديث الباب أن قيام الليل سنة مسنونة، ينبغي للمسلم المحافظة عليها تأسياً بالنبي ﷺ ، وقد ورد في سنن الترمذي من حديث بلال ﵁ مرفوعاً: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم» (٢). ٥٤ - عَنِ الأَسْوَدِ بنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: «كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ يَقُومُ، فَإِذَا كَانَ مِنَ السَّحَرِ أَوْتَرَ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ، فَإِذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ أَلَمَّ بِأَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الأَذَانَ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ جُنُباً أَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ المَاءِ، وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.

стр. 157

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في الصحيح بنحوه (١). * الوجه الثالث: قولها: «كان ينام أول الليل»، مقصودها أي من بعد صلاة العشاء، لأن النبي ﷺ كان يكره النوم قبل صلاة العشاء (٢). * الوجه الرابع: قولها: «ثم يقوم»، أي عند تمام منتصف الليل، كما ذكر جماعة الشرّاح، يدل عليه حديث عائشة ﵂ أنها سئلت: في أي حين كان يقوم رسول الله ﷺ ؟ فقالت: «كان يقوم إذا سمع الصارخ» (٣). والمراد بالصارخ: الديك، قال في الفتح: «وقد جرت العادة أن الديك يصيح عند نصف الليل غالباً» (٤). وفي حديث ابن عباس قال: «نام رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ ﷺ ، فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده» (٥). وروى عبد الله بن عمرو مرفوعاً: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه» (٦). قال العلامة الصنعاني: «وذلك من أنفع النوم، لأنه يهب من نومه وقد

стр. 158

أخذت الأعضاء حقها من الراحة والسكون، فيقوم نشطاً إلى الطاعة، ويقوم للعبادة في أفضل أوقات الليل» (١). * الوجه الخامس: قولها: «ثم أتى فراشه» أي يرجع للنوم، وهذا يدل على أن النبي ﷺ لم يكن يواصل قيام الليل حتى أذان الفجر، وإنما يرجع فينام في السدس الأخير من الليل، وهذا أنفع للإنسان حتى يتقوى به على صلاة الفجر، وما بعدها من الوظائف والطاعات، ويدفع عنه تعب السهر. * الوجه السادس: قولها: «فإذا سمع الأذان وثب» أي قام بسرعة وخفة، وهذا يدل على الاهتمام بالعبادة والقيام إليها بنشاط. * * * ٥٥ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَزِيدَ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعاً لَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً لَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثاً، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي».

стр. 159

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١). * الوجه الثالث: هذا الحديث يفيد عدم زيادة النبي ﷺ في قيام الليل على إحدى عشرة ركعة، لكن عارضه حديث ابن عباس وغيره أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. ولفظ حديث ابن عباس: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة» (٢). وجمع العلماء بين الأحاديث بأن النبي ﷺ كان يصلي أحياناً ثلاث عشرة ركعة وأحياناً إحدى عشرة، أو أن عائشة ﵂ لم تحسب الركعتين الخفيفتين اللتين كان النبي ﷺ يفتتح بها صلاة الليل، وقيل غير ذلك. * الوجه الرابع: قولها: «كان يصلي أربعاً، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً»، هذا محمول على بعض الأوقات، لأن النبي ﷺ ثبت عنه أنه كان يصلي الليل والوتر على أنواع وكيفيات كثيرة، فأحياناً كان يصلي كما ورد في حديث عائشة هذا، وأحياناً كان يفصل فيصلي ركعتين ركعتين، ثم يوتر بواحدة أو بثلاث أو

стр. 160

بخمس .. إلى غير ذلك من الصور والأنواع، والكل جائز والحمد الله (١). * الوجه الخامس: قوله: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي»، معناه: أن قلبه ﷺ مستيقظ على الدوام يحس بما حوله، وهذا ليس خاصاً بالنبي ﷺ ، بل هو عام في الأنبياء كلهم ﵈، ففي الصحيح من حديث أنس بن مالك ﵁: «الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم» (٢). وإنما امتنع النوم على قلبهم حتى يعوا الوحي الذي يأتيهم حال النوم.

стр. 161

٣٧ - بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى أي بيان الأحاديث الواردة في صلاة الضحى وما يتعلق بها من أحكام، وسيأتي بيان أن صلاة الضحى مستحبة ومندوبة، وقد وردت النصوص بالترغيب فيها. ٥٦ - عن مُعَاذَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: «نَعَمْ، أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. ومعاذة هي: بنت عبد الله العدوية، من التابعيات، وثقها الأئمة كابن معين وغيره، وكانت من العابدات (١). * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (٢) ولفظه عنده: عن معاذة أنها سألت عائشة ﵂ كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: «أربع ركعات ويزيد ما شاء».

стр. 162

* الوجه الثالث: في الحديث دليل على مشروعية صلاة الضحى وأنها من جملة صلوات التطوع المندوبة الثابتة في السنة النبوية. وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، كقوله ﷺ : «يصبح على كل سلامى (١) من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» (٢). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» (٣). * الوجه الرابع: دل الحديث على أن عدد ركعات صلاة الضحى أربع ركعات فما فوق، لكن جاءت أحاديث أخرى تدل على أنها يمكن أن تصلَّى ركعتين أو أربعاً أو ستاً أو ثماني وهو أكثرها. ففي حديثي أبي ذر وأبي هريرة المتقدمين ما يدل على صلاتها ركعتين. وفي شمائل الترمذي من حديث أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ كان يصلّي الضحى ست ركعات» (٤). وفي صحيح مسلم من حديث أم هانئ بنت أبي طالب قالت: «قام رسول

стр. 163

الله ﷺ إلى غسله، فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ثوبه فالتحف به، ثم صلَّى ثماني ركعات سبحة الضحى» (١)، وكان ذلك عام الفتح. فهذا يدل على أن لصلاة الضحى أعداداً مختلفة، فأقلها ركعتان، وأكملها ثمان، وأوسطها أربع ركعات أو ست. * الوجه الخامس: ذكر العلماء بأن وقت صلاة الضحى يبتدئ من ارتفاع الشمس ويستمر إلى قبيل الزوال أي قبل أذان الظهر بعشر دقائق. وأفضل أوقاتها حين تبدأ حرارة الشمس بالاشتداد، لقوله ﷺ : «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» (٢)، أي حين تبدأ أخفاف الفصال وهي الصغار من أولاد الإبل بالاحتراق من شدة حرّ الرمل، فهذا أفضل أوقاتها. * الوجه السادس: اختلفت الروايات عن السيدة عائشة في صلاة الضحى، ففي حديث الباب إثباتها صلاة النبي ﷺ لها، وأنه كان يصلّيها أربعاً ويزيد ما شاء. وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «ما سبح رسول الله ﷺ سبحة الضحى قط وإني لأسبحها» (٣). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لعائشة: هل كان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: «لا، إلا أن يجيء من مغيبه (أي من سفره)» (٤).

стр. 164

فهذه ثلاث روايات صحيحة متعارضة عن السيدة عائشة في صلاة النبي ﷺ للضحى. فالرواية الأولى تثبتها مطلقاً، والرواية الثانية تنفيها مطلقاً، والرواية الثالثة تقيدها بالقدوم من سفر. وأجيب عن هذا بأن رواية الإثبات المطلق مبنية على ما علمته عائشة من غيرها، أي ما روته لا ما رأته. ورواية النفي المطلق محمولة على حسب رؤيتها، أي أنها لم تر النبي ﷺ يصليها بعينها. وراية التقييد بالغيبة محمولة على حسب ما بلغها. وقد أثبت غيرها من الصحابة صلاته ﷺ لها، وحثه عليها وترغيبه فيها، ومن علم حجةٌ على من لم يعلم، فهذا أحسن ما يمكن قوله في الجمع بين الروايات (١). * الوجه السابع: اختلف العلماء هل الأفضل المداومة على صلاة الضحى أو لا على قولين؟ فقيل: لا يداوم عليها، لقول عائشة ﵂ المتقدم: ما كان يصليها إلا أن يجيء من مغيبه. لكن سبق الجواب عن هذا الحديث، وقلنا: إن عائشة ﵂ قالته بحسب ما بلغها، بينما أثبت غيرها من كبار الصحابة الترغيب في صلاتها مطلقاً والوصية بها، كحديثي أبي ذر وأبي هريرة المتقدمين، لذلك كان الأرجح استحباب المداومة والمواظبة عليها: لمن تيسر له ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 165

٣٨ - بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي البَيْتِ أي بيان الأحاديث الواردة في استحباب أداء صلاة التطوع في البيت. وصلاة التطوع هي ما شرعه الله من الصلوات زيادة على الفرائض، ومنها السنن الرواتب والنوافل المطلقة، وهي من أعظم أسباب رضا الله ومحبته، كما ورد في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به .. الحديث» (١). وفي السنن من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب : انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك» (٢). ٥٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي بَيْتِي وَالصَّلَاةِ فِي المَسْجِدِ؟ قَالَ: «قَدْ تَرَى مَا أَقْرَبَ بَيْتِي

стр. 166

مِنَ المَسْجِدِ، فَلَأَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي المَسْجِدِ، إِلَا أَنْ تَكُونَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عبد الله بن سعد هو: ابن خيثمة بن مالك الأنصاري الأوسي، صاحب رسول الله ﷺ ، بايع بيعة الرضوان، وذكر بعضهم أنه استشهد في معركة اليمامة. * الوجه الثاني: في تخرجه: الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه (١)، وصححه ابن خزيمة (٢)، والألباني، وشعيب الأرناؤوط. * الوجه الثالث: دل الحديث على أن صلاة النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد، حتى لو كان المسجد قريباً من البيت. أما الصلاة المكتوبة وهي الصلوات الخمس المفروضة فإن أداءها للرجال في المسجد أفضل، كما هو مذهب أكثر العلماء، وبعض العلماء أوجبها في المسجد. * الوجه الرابع: ورد في معنى حديث الباب أحاديث كثيرة صحيحة، تؤكد فضل أداء صلاة النوافل والسنن في البيت، منها حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (٣). ومنها حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «اجعلوا من صلاتكم في

стр. 167

بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً» (١). أي لا تجعلوا بيوتكم كالقبور مهجورة من الصلاة، لأنها ليست محلاً للعبادة. ومنها حديث جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً» (٢). وقال النووي ﵀: «وإنما حثَّ على النافلة في البيت لكونها أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك البيت بذلك وتنزل فيه الرحمة والملائكة وينفر منه الشيطان» (٣). * الوجه الخامس: استثنى العلماء من النوافل والسنن في البيت: الصلوات التي يشرع فيها الاجتماع كصلاة الكسوف والخسوف، والصلوات التي تختص بالمسجد كركعتي تحية المسجد والتطوع قبل صلاة الجمعة، فهذه الصلوات إنما تصلى في المسجد لثبوت السنة بذلك، وما عدا ذلك من النوافل، والسنن الرواتب، وقيام الليل والضحى، كل ذلك يصلى في البيت، هذا هو الأفضل.

стр. 168

٣٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة صيامه ﷺ ، والصيام وإن كان يشمل الفريضة والنافلة إلا أن مقصود الترمذي هنا صيام النافلة، حسبما أورد من الأحاديث. والصوم يعد من أعظم العبادات التي يتقرب بها إلى الله ، وقد ثبت في الحديث القدسي؛ أن الله ﵎ قال: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، هو لي وأنا أجزي به» (١). وذكر العلماء أوجهاً عديدة في سبب اختصاص الصيام بهذه الفضيلة دون سائر الطاعات، منها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره من الطاعات، قال الإمام القرطبي: «لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله، فأضافه الله إلى نفسه» (٢). وقال ابن الجوزي: «جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلَّ أن يسلم ما يظهر من شوب بخلاف الصوم» (٣). * * *

стр. 169

٥٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: «كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ». قَالَتْ: «وَمَا صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْراً كَامِلاً مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ إِلَّا رَمَضَانَ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في الصحيح (١) بنحوه. وله شواهد في الصحيحين من حديث أنس بن مالك وحديث عبد الله بن عباس بمعناه (٢). * الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم يكن يرتبط في الصيام بأيام معينة بصورة دائمة وراتبة، وإنما كان يكثر الصوم ويواليه، حتى يُظن أنه لن يفطر شيئاً من الشهر، ثم يكثر الفطر ويواليه، حتى يُظن أنه لن يصوم شيئاً من الشهر، وكان يصوم تارة من أول الشهر، وتارة من وسطه، وتارة من آخره، وفي هذا دليل على أن نافلة الصوم غير مختصة بوقت معين، بل كل السنة محل لها إلا الأيام المنهي عنها.

стр. 170

لكن قد يقال: إن النبي ﷺ رغّب في صيام الاثنين والخميس كما سيأتي بعد قليل؟ والجواب أن يقال: نعم، ولكن صومه ﷺ كان على حسب نشاطه، فربما وافق الأيام التي رغب فيها، وربما لم يوافقها. * الوجه الرابع: دل الحديث على أن النبي ﷺ كان يكثر من الصيام وكان يكثر من الإفطار أيضاً، فلم يكن ﷺ يفطر دوماً ولا كان يصوم دوماً، بل قد صح عنه النهي عن صيام الدهر، وقال: «لا صام ولا أفطر، أو ما صام وما أفطر» (١). * الوجه الخامس: دل الحديث على عدم استحباب التطوع بصيام شهر بأكمله، لأنه لم يكن من هديه ﷺ كما أخبرت عائشة في الحديث. كما يستحب ألا يخلي شهراً من صيام بعض أيامه، فقد جاء في إحدى روايات حديث عائشة المتقدم قولها: «ما علمته ﷺ صام شهراً كله إلا رمضان، ولا أفطره كله حتى يصوم منه» (٢). * * * ٥٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ لِلَّهِ فِي شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ».

стр. 171

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه بنحوه (١) ولفظه عنده: «لم أره صائماً من شهر قط، أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً». * الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن صوم النبي ﷺ تطوعاً في شعبان كان أكثر من صيامه فيما سواه من الشهور. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب صوم معظم شهر شعبان، لمن تيسر له ذلك. وقولها في الرواية: «كان يصومه كله»، قال بعض الشراح: معناه معظمه وأكثره، بدليل قولها «كان يصومه إلا قليلاً»، فهذه الرواية تفسر الرواية الأولى. ويؤيد هذا الجمع حديث عائشة السابق في بداية الباب وفيه قولها: «وما صام رسول الله ﷺ شهراً كاملاً منذ قدم المدينة إلا رمضان». وجمع بعضهم بين الروايتين بأنه ﷺ كان يصوم شعبان كله في وقت، ويصوم معظمه في سنة أخرى (٢). * الوجه الخامس: اختلف في الحكمة من إكثار النبي ﷺ الصوم في شهر

стр. 172

شعبان؟ وأقوى ما قيل: إنه شهر ترفع فيه أعمال العباد، ففي حديث أسامة بن زيد، قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحبّ أن يرفع عملي وأنا صائم» (١). * * * ٦٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَحَرَّى صَوْمَ الِاثنَيْنِ وَالخَمِيسِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي وحسنه (٢)، وابن ماجه (٣)، والنسائي (٤)، وصححه ابن حبان (٥)، وابن حجر (٦) وغيرهم.

стр. 173

* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (يتحرَّى): يتعمد ويتقصد ويتوخى، وقيل: التحري: المبالغة في طلب الشيء. * الوجه الرابع: دل الحديث على استحباب تحري صوم الاثنين والخميس، وهو قول جمهور العلماء خلافاً لمن كره ذلك. * الوجه الخامس: الحكمة التي من أجلها كان النبي ﷺ يتحرى صوم يومي الاثنين والخميس؛ أنهما يومان تعرض فيهما أعمال العباد على الله تعالى، فقد ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» (١). وفي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين؟ قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل عليّ فيه» (٢). ولا منافاة بين الحديثين، ويمكن أن يعلل الحكم بأكثر من علة. وما تقدم في شرح الحديث السابق من أن الأعمال ترفع في شهر شعبان فذاك هو الرفع السنوي، وأما رفع الأعمال يوم الاثنين والخميس فذاك الرفع الأسبوعي. * * *

стр. 174

٦١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ عَاشُورَاءُ يَوْماً تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ هُوَ الفَرِيضَةُ وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين بنحوه (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (عاشوراء): هو اليوم العاشر من محرم في قول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين، وقيل اليوم التاسع وهو ضعيف (٢). * الوجه الرابع: دل الحديث على فضل يوم عاشوراء، وأنه من الأيام التي يسن ويستحب صيامها لمن تيسر له ذلك، وهذا باتفاق العلماء. * الوجه الخامس: دلت الأحاديث الصحيحة على أن يوم عاشوراء كان يصومه أهل الجاهلية من كفار قريش واليهود وغيرهم، وجاء الإسلام بفرض صيامه، ثم نسخ الفرض بعد أن فرض رمضان وأصبح صوم عاشوراء سنة فقط،

стр. 175

وهذا هو مقصود قول عائشة ﵂ «فلما افترض رمضان ترك عاشوراء». وقال بعض أهل العلم إن صوم عاشوراء كان سنة من بداية الأمر ولم يكن فرضاً. * الوجه السادس: ذكر العلماء بأنه يستحب صوم اليوم التاسع مع العاشر من محرم، لأن النبي ﷺ كان قد صام العاشر، ونوى صوم التاسع معه في العام المقبل، كما في حديث ابن عباس قال: حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ (١). وقوله: (صمنا اليوم التاسع)، أي إضافة إلى العاشر، حتى يخالف أهل الكتاب، ومعلوم أن النبي ﷺ كان يستحب مخالفة أهل الكتاب في آخر حياته. * الوجه السابع: صحت السنة بأن صيام يوم عاشوراء يكفر السنة الفائتة، ففي الصحيح من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: «صيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» (٢). قال العلماء: والمراد بها الصغائر من الذنوب دون الكبائر، فإن لم توجد صغائر فإنه يرجى التخفيف من الكبائر (٣).

стр. 176

٤٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة قراءة رسول الله ﷺ للقرآن؛ من الترتيل والمد والوقف والإسرار بالقراءة والجهر وغير ذلك. ٦٢ - عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: «مَدّاً». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك ﵂ تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري في الصحيح (١) ولفظه: «كَانَ يَمُدُّ مَدّاً». * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (مداً): أي يمد الحروف التي تستحق المد، ويمكّن لها بالقدر المعروف عند علماء القراءة، وقال بعضهم: المراد أنه يجود ويرتل ويشدد ويمكن ويتم الحركات (٢).

стр. 177

* الوجه الرابع: في الحديث استحباب مد الصوت بالقراءة، والحكمة فيه هو الاستعانة على تدبر معاني القرآن، والتفكر فيها، وتذكير من يتذكر. * * * ٦٣ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] ثُمَّ يَقِفُ، وَكَانَ يَقْرَأُ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أم سلمة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٩. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي واستغربه (١)، وأبو داود (٢)، وصححه الدارقطني (٣)، والحاكم (٤)، والبيهقي (٥)، والألباني بجموع طرقه. * الوجه الثالث: دل الحديث على استحباب الوقوف على رؤوس الآي، حتى وإن تعلقت بما بعدها، اتباعاً لهدي النبي ﷺ وسنته، وهذا هو المشهور عند جمهور العلماء والقراء.

стр. 178

* الوجه الرابع: قولها في الحديث: و «كَانَ يَقْرَأُ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)»، (ملك) بغير ألف، كما في بعض نسخ الشمائل، وفي بعضها (مالك)، بإثبات الألف، قال الإمام ابن كثير: «قرأ بعض القراء: ﴿ملك يوم الدين﴾، وقرأ آخرون: ﴿مالك﴾، وكلاهما صحيح متواتر في السبع» (١). * * * ٦٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَكَانَ يُسِرُّ بِالقِرَاءةِ أَمْ يَجْهَرُ؟ قَالَتْ: «كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، قَدْ كَانَ رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ». فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً. • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣) وحسنه، ولفظ الترمذي: «كيف كانت قراءته بالليل». بزيادة لفظة الليل. وقد صححه الألباني وشعيب الأرناؤوط. والحديث له شواهد عديدة، منها حديث أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 179

«كانت قراءة النبي ﷺ بالليل يرفع طوراً ويخفض طوراً» (١). * الوجه الثالث: الحديث فيه دليل على جواز الجهر والإسرار في صلاة الليل، لثبوت الأمرين عن رسول الله ﷺ . واختلفوا أي الأمرين أفضل، فقال النووي: «الإخفاء أفضل، حيث خاف الرياء، أو تأذى مصلون، أو نيام بجهره، والجهر أفضل في غير ذلك، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همّه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط» (٢). ويحتمل أن يقال: يفعل هذا تارة وهذا تارة تأسياً به ﷺ . وأما النوافل النهارية فيستحب فيها الإسرار بالقراءة عند جميع العلماء، قال النووي ﵀: «نوافل النهار يسنّ فيها الإسرار بلا خلاف» (٣). * الوجه الرابع: الجهر بالقراءة المقصود به الجهر اليسير الذي يسمع فيه المرء من بجواره، وليس برفع الصوت عالياً فيؤذي الناس، ويشهد لذلك ما أخرجه أبو داود عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر فقال: «ألا إن كلكم مناجٍ ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة»، أو قال: «في الصلاة» (٤).

стр. 180

وفي سنن أبي داود عن أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر يصلي يخفض من صوته، قال: ومرّ بعمر بن الخطاب وهو يصلي رافعاً صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي ﷺ قال النبي ﷺ : «يا أبا بكر، مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك»، قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله، قال: وقال لعمر: «مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك»، قال: فقال: يا رسول الله، أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان، فقال النبي ﷺ : «يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئاً، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئاً» (١).
следующие страницы →