ويلزم العموم في الزمان … والحال للأفراد والمكان
وأما الوصف الخاص فينظر فيه إلى الوقت على التفاصيل المتقدمة.
لأن معناه الإخبار عن فلان ـ مثلا ـ أنه متصف به، فإذا لم يكن متصفا به في الوقت الذي حكم له بالاتصاف به فيه، لم يكن حقيقة.
فإذا قلت: زيد صحيح، فإن لم يكن صحيحا في الوقت الذي حكمت له بالصحة فيه، وإنما حكمت له بذلك اعتبارا بالوقت السابق على ذلك، أو توقعا لذلك، بأن يكون قد قارب البرء ـ مثلا ـ فهو مجاز، وإن لم يتصف بذلك قبل، ولم يكن يتوقع اتصافه به بعد، أو كان قد اتصف به قبل، أو يتوقع اتصافه به، ووصفته بالصفة لا باعتبار ذلك، كان الكلام المذكور كذبا.
وهذا هو الذي يظهر أنه مراد القرافي ﵀ لكن لم يبين وجهه.
نعم الظاهر أن النظر في الوقت، إلى الوقت الذي حكمت بالاتصاف فيه، وقد يكون ذلك وقت الكلام، كما لو قلت: زيد صحيح، أو صحيح الآن، وقد يكون غير وقت الكلام، كما لو قلت ـ مثلا ـ: زيد صحيح أمس، أو كنت تخبر عن أزمان سالفة، فالنظر في مثل ذلك إلى حاله أمس، أو في الزمن السالف، لا إلى حاله الآن، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
فصل في الترادف
الترادف هو: توالي ألفاظ مفردة، على مسمى واحد، باعتبار معنى واحد، كالبر، والحنطة، والقمح، في الأسماء، وككاد، وأوشك، في الأفعال، ونعم، وأجل، في الحروف. فخرجت دلالة اللفظين ـ مثلا ـ على مسمى واحد، لا باعتبار واحد، بل باعتبار صفتين، كالصارم والمهند، أو باعتبار الصفة، وصفة الصفة، كالناطق والفصيح.
وذو الترادف له حصول … وقيل لا ثالثها التفصيل
стр. 107
معناه أن الترادف واقع في ما ذهب إليه الجمهور، ومن فوائده توسيع دائرة التعبير، وأن أحد اللفظين ـ مثلا ـ قد يكون موافقا للقافية، أو الوزن، أو السجعة دون الآخر، وكذلك في الجناس ونحوه من أنواع البديع.
وقد يكون النطق بأحدهما أسهل على شخص، من النطق بالآخر، لعقدة في لسانه. ونفى ثعلب وابن فارس والزجاج وقوعه، وقالوا: ما يظن مترادفا، كالإنسان والبشر، غير مترادف، بل متباين بالصفة، فالأول باعتبار النسيان، أو الأنس، والثاني باعتبار بدو البشرة، ورده ابن قاسم العبادي ﵀ بأنا نقطع أن العرب تطلق الإنسان حيث لا يخطر ببالها معنى بدو البشرة، وذلك يقتضي عدم اعتبار ذلك المعنى، وإلا لم يتصور إطلاقهم له واستعماله في معناه من غير ملاحظة ذلك المعنى، مع أنه جزء المعنى على هذا التقدير، ولا يمكن استعمال اللفظ في معناه من غير ملاحظة جزئه، نقله الشيخ ﵀ في النشر.
وفصل قوم فأجازوه في اللغة، ومنعوه في الأسماء الشرعية خاصة، معللين بأن علة جوازه الحاجة إليه، في النظم والسجع ونحو ذلك، وذلك منتف في كلام الشارع، وهذا توجيه لين جدا والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
وهل يفيد التالي للتأييد .............................
المراد بالتالي: التابع، وهو اللفظ المهمل الذي تذكره العرب بعد لفظ بزنته، تقوية له، كقولهم حسن بسن، وعطشان نطشان، والمراد بالتأييد: التأكيد.
والمعنى أنه اختلف في اللفظ التابع، هل يفيد توكيد متبوعه، وهو المعول، وهو الذي يدل له الاستعمال، أو لا يفيده، نظرا لكونه مهملا.
كالنفي للمجاز بالتوكيد
أشار به إلى الاختلاف في التوكيد هل يرتفع به احتمال قصد المجاز؟ فإذا قلت: جاء زيد نفسه، امتنع أن يكون القصد مجيءَ رسوله، أو كتابه مثلا، كما عند أهل البيان، أو لا يرتفع به ذلك، ولا يزال قصد المجاز محتملا، ونسبه في النشر للقرافي ـ رحمهما الله .
стр. 108
والمتجه أن منه ما هو نص في قصد الحقيقة، نحو جاء زيد نفسه، ومنه ما هو ظاهر في ذلك، ككل، ولذلك أكدت بأجمع، كقوله : (فسجد الملئكة كلهم أجمعون) والله أعلم.
وللرديفين تعاور بدا … إن لم يكن بواحد تُعبدا
وبعضهم نفي الوقوع أبدا … وبعضهم بلغتين قيدا
التعاور: التعاقب، والمراد بهذه المسألة، أنه إذا صح التعبير بأحد المترادفين في موضع، فهل يلزم أن يصح التعبير بمرادفه بدله، لأنهما مترادفان، فإذا صح التعبير في تركيب بكلمة، لزم أن يصح التعبير في موضعها بمرادفها.
فإذا صح مثلا أن تقول: إذا تكلم زيد بكذا، لزم أن يصح أن تقول: إذا نطق زيد بكذا، لأنهما مترادفان، لا زيادة لأحدهما على الآخر.
ولا فرق في هذا من جهة المعنى بين كونهما من لغة واحدة، أو من لغتين.
وقيل: لا يلزم من صحة التعبير بأحدهما في موضع، صحة التعبير بالآخر فيه.
وأما استثناء التعبد، فلا معنى له، لأن المراد لزوم صحة الإبدال، من جهة اتحاد المعنى الوضعي لا الإبدال بالفعل.
وفرق بعض، فأوجب ذلك في اللغة الواحدة، ومنعه في لغتين، كالعربية والفارسية. وما ذكرنا في تفسير المسألة من أن الاختلاف في اللزوم هو الظاهر في المعنى، وهو الذي عبر به طائفة كالفخر الرازي ﵀ وغيره، ونص الرازي في المحصول: المسألة الثالثة في أنه هل تجب صحة إقامة كل واحد من المترادفين مقام الآخر أم لا؟
الأظهر في أول النظر ذلك، لأن المترادفين لا بد وأن يفيد كل واحد منهما عين فائدة الآخر، فالمعنى لمَّا صح أن ينضم إلى معنى حين ما يكون مدلولا لأحد اللفظين، لا بد وأن يبقى بتلك الصفة، حال كونه مدلولا للفظ الثاني، لأن صحة الضم من عوارض المعاني، لا من عوارض الألفاظ.
والحق أن ذلك غير واجب، لأن صحة الضم قد تكون من عوارض الألفاظ، لأن المعنى الذي يعبر عنه في العربية بلفظ " من " يعبر عنه في الفارسية بلفظ آخر، فإذا قلت
стр. 109
خرجت من الدار استقام الكلام، ولو أبدلت صيغة " من " وحدها بمرادفها من الفارسية لم يجز، فهذا الامتناع ما جاء من قبل المعاني، بل من قبل الألفاظ.
وإذا عقل ذلك في لغتين، فلم لا يجوز مثله في لغة واحدة اهـ
وقد عبر طائفة بالجواز لكن الظاهر أن مرادهم ما ذكر من تعين الجواز، لا مطلق الجواز، ولذلك شرح في الإبهاج كلام صاحب المنهاج عليه.
ولفظ المنهاج: الثالثة: اللفظ يقوم بدل مرادفه من لغته، إذ التركيب يتعلق بالمعنى دون اللفظ.
ونص الإبهاج: هل يجب صحة إقامة كل واحد من المترادفين مكان الآخر، فيه ثلاث مذاهب:
أحدها: أنه غير واجب، قال الإمام ﵀ : وهو الحق.
والثاني: أنه واجب، بمعنى أنه يصح مطلقا، وهو اختيار ابن الحاجب ﵀ وقال الإمام: إنه الأظهر في أول النظر.
والثالث ـ وهو اختيار المصنف وصفي الدين الهندي رحمهما الله إن كانا من لغة واحدة صح، وإلا فلا.
أما صحته إذا كانا من لغة واحدة، فلأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى، دون اللفظ، فإذا صح المعنى مع أحد اللفظين، وجب أن يصح مع الآخر، لاتحاد معناهما.
وأما عدم صحته إذا كانا من لغتين، فلأن اختلاط اللغتين يستلزم ضم مهمل إلى مستعمل، فإن إحدى اللغتين بالنسبة إلى اللغة الأخرى بمثابة المهمل اهـ
وقد أوقع تعبير بعض أئمة الفن بعبارة غير صريحة ـ اتكالا على وضوح المعنى بالتعين ـ في تصور المسألة على غير وجهها، حيث توهم أن المراد: أنه إذا عبر عن معنى بلفظ، امتنع أن يعبر عنه بمرادفه، وتطرقوا للرواية بالمعنى.
وهذا معنى لا يستقيم، فالرواية بالمعنى في كلام الناس ضرورية الجواز، والخلاف في الحديث الشريف لمعنى يختص به، وتكلم المرء بغير لسانه أيضا معلوم الجواز، لا فرق في ذلك بين الألسن المتفرعة عن لسان واحد، والألسن المختلفة والله أعلم.
стр. 110
دخول من عجز في الإحرام … بما به الدخول في الإسلام
أو نية، أو باللسان يقتدي ..........................
معناه أنه ينبني على الاختلاف المذكور: الاختلاف في العجمي العاجز عن النطق بالتكبير، كيف يدخل الصلاة؟
فقيل: يدخلها بما دخل به الإسلام، لتضمنه التكبير، وقيل: يدخلها بالنية فقط، وقيل يدخلها بما يرادف التكبير من لسانه.
وكثير من هذه الخلافات التي يبنون على هذه الأصول، يكتفون في بنائها عليها بمجرد القابلية، وهذا أمر قريب إن كان لبيان القاعدة وتوضيحها، وإلا فلا يخلو من إشكال.
ولا يخفى تعذر انبناء القول بدخوله بما دخل به في الإسلام، على مسألة المترادفين، وأيضا قد سبق استثناء الألفاظ التعبدية، وتكبيرة الإحرام منها، ولو كانت غير تعبدية لصح إبدالها بمرادفها من العربية، وقد قال سيدي خليل ﵀ : وإنما يجزئ ألله أكبر.
ونقل بعض الشروح عن الرجراجي، أنه بنى هذا الخلاف على خلاف آخر، وهو الاختلاف في اشتمال القرآن الكريم على ألفاظ أعجمية، فمن منع ذلك، منع الإحرام بالأعجمي، بل مقتضى ما ذكره منع تسمية الله بالعجمية مطلقا، وأغلظ في ذلك كثيرا، بما لا خفاء في غرابته.
ومقتضى ما ساق من علة المانع، جواز الإحرام بالمرادف من العربية، مع أنه بنى الخلاف على ذلك أيضا، وكل ذلك مشكل.
والخلف في التركيب لا في المفرد
تقدم في بيان المسألة، أن المراد، أن الترادف، اختلف هل يستلزم صحة إطلاق كل من الرديفين مكان الآخر، فمتى صح التعبير بأحدهما في موضع، صح التعبير بالآخر، فالترادف تطابق اللفظين على وجه تام، بحيث لا يمكن استعمال أحدهما في تركيب، إلا صح استعمال الآخر فيه، أو الترادف لا يستلزم ذلك، فقد يصح التعبير بأحدهما في موضع، لا يصح فيه التعبير بالآخر، بأن يكون في أحدهما إشعار في تركيب معين، بمعنى لا يشعر به
стр. 111
الآخر فيه.
وأما التعبير في حكاية كلام ـ مثلا ـ عن كلمة بمرافها فلا يختلف في جوازه بحسب الأصل، لا لغة ولا شرعا.
وإذا علمت ذلك، فلا داعي لذكر تقييد الخلاف بالتركيب، إذ لا تصور للمسألة إلا في التركيب.
إبدال قرأن بالاعجمي … جوازه ليس بمذهبي
معناه أن إبدال القرآن بالأعجمي، بأن يقرأ مكانه بتفسيره من الفارسية ـ مثلا ـ لا يجوز، خلافا للأحناف عند العجز، على تفصيل عنهم في ذلك.
بل لا يجوز عندنا إبداله أصلا لا بالعجمي ولا بالعربي، ونقل بعض الشروح عن الأحناف هنا أصلا غريبا، شديد النكارة.
فصل في المشترك
المشترك هو: اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعا أولا، من حيث هما كذلك.
فخرج بكونه موضوعا لحقيقتين: ما يدل على الشيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز. وخرج بقيد الحيثية: المتواطئ، فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث هي كذلك، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد.
ومذهب الأكثرين أنه جائز، وواقع مطلقا، في الوحي وغيره.
وذهب قوم إلى منعه مطلقا، لما يترتب عليه من اللبس في المعنى.
وأجيب بمنع اللبس غالبا، إذ لا يكاد يتجرد عن قرينة، دالة على إرادة أحد معانيه على وجه الخصوص، وإن لم تصحبه قرينة حمل على الجميع.
وذهب قوم إلى الفرق بين الوحي وغيره، فمنعوه في الوحي، وأجازوه في غيره.
وعللوا بأنه لو وقع في الوحي، فإما أن يكون مع بيان، فيؤدي إلى التطويل بلا فائدة، أو دونه، فيكون خطابا بما لا يعرف المراد منه.
وأجيب بأن البيان لا يستلزم التطويل، فقولك: زكاة العين، إضافة الزكاة فيه إلى العين،
стр. 112
قرينة صريحة في أن المراد بالعين: النقد من غير تطويل، وهكذا.
مع عدم تسليم خلو التطويل من فائدة، فالبيان بعد الإجمال مقصد بلاغي معروف، فهو أبلغ في ثبوت المعنى، وأقوى في البيان، فإذا اقتضاه المقام كان راجحا على الاختصار.
وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله:
في رأي الاكثر وقوع المشترك … وثالث للمنع في الوحي سلك
وأشار بقوله:
إطلاقه في معنييه مثلا … مجازا أو ضدا أجاز النبلا
إلى أن استعمال اللفظ المشترك في جميع معنييه، أو معانيه، في وقت واحد، من متكلم واحد، جائز عند الإمام الشافعي، والقاضي أبي بكر ـ رحمهما الله والجمهور.
كأن تقول: اشتريت كذا بالنقد، تعني أنك اشتريته بالعين على الحلول.
واحتجوا بقوله جل من قائل: (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض) إلى قوله جل من قائل : (وكثير من الناس) وذهب أبو هاشم، وأبو الحسن البصري، والكرخي، إلى امتناعه.
وقيل: يجوز بمجرد القصد، لا من حيث اللغة، ونسب للغزالي والرازي ـ رحمهما الله .
وقيل: يجوز في النفي، ولا يجوز في الإثبات، فتقول ـ مثلا ـ: ما رأيت عينا، تريد العين الباصرة، والعين الجارية، وعين النقد، ولا يجوز أن تقول: رأيت عينا، وأنت تريد أكثر من معنى.
وقيل: يجوز في الجمع نحو عندي عيون، ولا يجوز في الإفراد.
واختلف فيه على رأي الأولين، هل هو حقيقة، وهو منسوب للإمام الشافعي، والقاضي أبي بكر ـ رحمهما الله لأنه موضوع لكل منهما.
وأورد عليه أنه إنما وضع لكل واحد على حدته، والشيء مع غيره غيره، لا مع غيره. وقيل: مجاز، لأنه استعمال له في غير ما وضع له، واختاره ابن الحاجب، والسبكي ـ رحمهما
стр. 113
الله واستشكل من جهة العلاقة.
إن يخل عن قرينة فمجمل … وبعضهم على الجميع يحمل
معناه أن المشترك إذا تجرد عن القرينة المبينة للمقصود منه، كان مجملا، فيتوقف عنه إلى البيان.
وقال الشافعي ﵀ يحمل على الجميع، لظهوره في الجميع، لوضعه لكل، وعدم قرينة إرادة بعض.
وروي عن القاضي أبي بكر ﵀ أنه يحمل على الجميع احتياطا، وأورد أن الاحتياط قد لا يقع بالحمل على الجميع.
وقيل لم يجزه نهج العُرْب … وقيل بالمنع لضد السلب
أشار بهذا إلى قولين من الأقوال التي ذكرنا سابقا، في استعمال المشترك في معنييه، أو معانيه، وهما:
القول بمنع ذلك لغة، لأن العرب إنما استعملته في كل واحد من معانيه على حدته. والقول بمنعه في سياق الإثبات، ويلزم القائل به القول بالجواز في الاقتران بأدوات العموم كلها.
وفي المجازين أو المجاز … وضده الإطلاق ذو جواز
معناه أن استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معا، أو مجازيه معا، أو مجازاته معا، جائز، كقولك: لا أشتري، تريد عدم شرائك، وعدم سومك، وعدم شراء وكيلك أو غلامك. وذلك حيث قامت القرينة على إرادة ذلك كله، أو تساوى الاستعمال في الجميع، ولم يكن ثم مرجح لبعضها، ولم تتناف، كالأمر في التهديد والتخيير.
قال في النشر: ومحل الخلاف حيث ساوى المجاز الحقيقة في الشهرة، وإلا امتنع الإطلاق عليه معها قطعا.
ونقل في الحلي عن العطار اشتراط ذلك في الحمل، ولعل غيره وهم.
واختلف في اللفظ المستعمل في حقيقته ومجازه، هل هو مجاز؟ أو حقيقة ومجاز باعتبارين؟
стр. 114
فصل في الحقيقة
قال في النشر: الحقيقة من حق الشيء يحق بالكسر والضم، بمعنى: ثبت، ووجب، فهي فعيل بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، من حققته: أثبته، نقل إلى الكلمة الثابتة - أو المثبتة - في مكانها الأصلي، والتاء في الحقيقة عند صاحب المفتاح للتأنيث، وعند الجمهور للنقل من الوصفية إلى الاسمية، فهي علامة للفرعية، كما أن المؤنث فرع المذكر اهـ
والحقيقة هي: اللفظ المستعمل في ما وضع له، في اصطلاح التخاطب.
فخرج باللفظ: غيره من الدوال.
وخرج بقولنا: المستعمل في ما وضع له: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، كاستعمال الحمار في البليد، فهو مجاز.
وخرج بقولنا: في اصطلاح التخاطب: اللفظ المستعمل في ما وضع له في غير اصطلاح التخاطب، كإطلاق الصلاة في الدعاء، إذا كان التخاطب باصطلاح الشرع. وتنقسم الحقيقة إلى لغوية، وعرفية، وشرعية، ولا خلاف في ثبوت اللغوية والعرفية.
واختلف في ثبوت الشرعية، والمراد بها: اللفظ المستعمل في ما وضع له بوضع الشارع، لا بوضع أهل الشرع، والمعول ثبوتها، وذلك كالصلاة الموضوعة شرعا للأذكار والأفعال المخصوصة على النظام المخصوص، والصوم الموضوع شرعا لإمساك مخصوص، في وقت مخصوص، عن أشياء مخصوصة.
وقال المانعون: إن هذه الألفاظ مستعملة في معانيها اللغوية، لكن اشترط الشرع فيها شروطا.
ورد بالإجماع على ركنية الركوع، والسجود ـ مثلا ـ في الصلاة.
وبأن ما ذكر يستلزم جعل الأكثر شروطا، والأقل مشروطا، وهو خلاف المعهود. وتنقسم الحقيقة الشرعية إلى منقولة ومرتجلة.
فالمنقولة هي: التي سبق لها استعمال، كالصلاة، والزكاة، والحج.
والمرتجلة هي: التي لم يسبق لها استعمال.
стр. 115
ومثل لها بعض شروح المراقي بالحروف المقطعة في أوائل السور، عند من جعلها أسماء للسور، أو أسماء للقرآن.
والأوجه أنها على القول بذلك، حقيقة شرعية منقولة، لا مرتجلة، فهي كالصلاة، سواء.
فهذه الألفاظ معروفة قبل التسمية، لبعض ما جعلت اسما له.
والتسمية بها شبيهة بالتسمية بالبقرة، وآل عمران.
ومنهم من نفى المرتجلة خاصة، وهو أمر موقوف على الاستقراء.
نعم حكي عن بعضهم أنه قال بابتداء الحقائق الشرعية كلها، وأن التسمية بها لم تقع للمناسبة بين معانيها المعروفة عند العرب، وبين مسمياتها الشرعية، وعليه فالحقائق الشرعية ليس فيها ما هو منقول أصلا، وليس ببين، والله أعلم.
والخلف في الجواز والوقوع … لها من المأثور والمسموع
أشار بهذا إلى ما أسلفنا من الاختلاف في جواز الحقيقة الشرعية، وإلى اختلاف القائلين بجوازها في وقوعها.
والمعول أنها جائزة، وواقعة، كما تقدم تمثيله.
وحجته تبادر المعنى الشرعي عند الإطلاق في الشرع، كحديث " الصوم جنة " (١) " والصلاة نور " (٢) والتبادر هو برهان الحقيقة.
واحتج المانع بأن بين المعاني والألفاظ مناسبة مانعة من النقل.
ويلزم القائل به نفي الحقيقة العرفية أيضا.
وهذا القول منسوب للمعتزلة، والقول بالجواز مع عدم الوقوع منسوب للقاضي أبي بكر، وابن القشيري ـ رحمهما الله وآخرين.
وما أفاد لاسمه النبي … لا الوضع مطلقا هو الشرعي
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
стр. 116
أراد بهذا ما أسلفنا من أن الحقيقة الشرعية، هي اللفظ الذي استفيد من الشرع وضعه للمعنى، وإن كان ظاهر اللفظ أن المراد المسمى، وذلك كالصلاة، فاسميتها للعمل المخصوص، المركب من التكبير، والقراءة، والركوع، والسجود وغيرها، لم تعلم إلا من الشرع، وهكذا.
والحقيقة العرفية هي: اللفظ الذي نقله العرف إلى بعض ما وضع له لغة.
وينقسم إلى عام، وهو ما لا ينسب لمعين، كالعرف في بعض البلاد باختصاص الدابة بالحمار.
وخاص، وهو ما ينسب لمعين، كعرف النحاة في الفاعل والمفعول.
وربما أطلق في المأذون … كالشرب والعشاء والعيدين
أشار بهذا إلى أن لفظ الشرعي، يطلق في غير المنهي عنه، وهو المباح، ومثل له بالشرب، كشرب الحائض في رمضان، والمندوب، ومثل له بالعيدين، فيقال: صلاة العيدين مشروعة، والواجب، ومثل له بصلاة العشاء، فيقال: صلاة العشاء مشروعة.
فصل في المجاز
المجاز: مفعل للمكان من جاز جوازا، إذا مر، وهو في الاصطلاح: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، في اصطلاح التخاطب لعلاقة بين المعنيين، مع قرينة صارفة عن إرادة معناه الحقيقي، وهو أنواع:
نوع مجمع على جوازه.
ونوع مجمع على منعه.
ونوع مختلف فيه.
أما المجمع على جوازه، فهو ما كان المحمل فيه متحدا، بحيث لا يمكن قصد غير المراد، وكانت العلاقة فيه بين المعنى الأصلي، والمعنى المراد ظاهرة، وذلك كقولك: رأيت أسدا يرمي.
فالمقصود بالأسد هنا: الرجل الشجاع، ولا يحتمل غيره، والعلاقة بين المعنى الموضوع له
стр. 117
الذي هو السبع، والمعنى المقصود الذي هو الرجل الشجاع ـ وهي الشجاعة ـ ظاهرة ..
وما حكي من الخلاف في هذا النوع، ضعيف بين الضعف، فليس بحيث يعتد به.
وما عول عليه في نثر الورود من منعه في القرآن الكريم، بحجة جواز نفيه، ليس بشيء، فنفيه إنما يكون باعتبار معنى غير المعنى المراد، وليس فيه محذور، وقد تنفى الحقيقة ليدل على أبلغية المعنى المجازي في المعنى الذي وضع له لفظها، كما في آية (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) وكما في حديث " ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " (١) وحديث " أتدرون من المفلس؟ (٢) وغيرهما كثير. … وأما المجمع على منعه، فهو ما لا يفيد المقصود، لكونه معقدا، بأن يقصد المتكلم باللفظ لازما من لوازم المعنى الأصلي لا يقصد به عادة، فيتعذر الانتقال من المعنى الأصلي إليه، لعدم عهد اتخاذه واسطة في الإطلاق، فيترتب على ذلك خفاء المقصود، لخفاء العلاقة، وذلك كأن تقول: زيد حمار، تريد أنه رمادي اللون ـ مثلا ـ فالحمار - وإن كان رمادي اللون – إلا أنه إنما تعهد استعارته للرجل بعلاقة البلادة، واستعارته له بعلاقة رمادية اللون غير معهودة.
وأما النوع المختلف فيه، فهو ما تقدم من حمل اللفظ على حقيقته ومجازه، وحمل المشترك على أكثر من معنى.
وإلى هذا أشار الناظم ﵀ بقوله:
ومنه جائز، وما قد منعوا … وكل واحد عليه أجمعوا
ما ذا اتحاد فيه جاء المحمل … وللعلاقة ظهور أول
ثانيهما ما ليس بالمفيد … لمنع الانتقال بالتعقيد
ثم قال الناظم ﵀ :
وحيث ما استحال الاصل ينتقل … إلى المجاز أو لأقرب حصل
معناه أنه إذا امتنع حمل اللفظ على حقيقته عقلا، أو عادة، أو شرعا، حمل على
стр. 118
مجازه إن كان له مجاز واحد، وإن تعددت مجازاته، حمل على أقربها إلى حقيقته، فالأقرب مع الأبعد كالأقرب مع الحقيقة.
أولها: كما تقدم من قولك: رأيت أسدا يرمي.
والثاني: كقولك: أكل زيد النخلة، فالنخلة حقيقة: الجذع ونحوه مما يعلم أنه لا يؤكل، فيعلم أنه غير مراد، فينتقل إلى المجاز، والمجاز متعدد، إذ يحتمل قصد الثمرة، ويحتمل قصد الثمن، فيصار إلى الأقرب الذي هو أكل الثمرة.
ونقلت عن الشافعية المخالفة في هذا الأصل، ونوزع في ذلك أيضا، والله أعلم.
فإذا استوى استعماله في مجازاته فهي مسألة:
وفي المجازين أو المجاز … وضده الإطلاق ذو جواز
والله أعلم.
وليس بالغالب في اللغات … والخلف فيه لابن جني آت
معناه أن المجاز ليس غالبا في اللغة على الحقيقة، خلافا لابن جني ﵀ حيث قال إن استعمال كل لفظ مجازا مقرونا بالقرينة، أكثر من استعماله في حقيقته بالاستقراء، وله وجه.
وظاهر الشيخ ﵀ أن مراده باللغات - بالجمع - الألفاظ، لا اللغات بالمعنى المتبادر، والله أعلم.
وبعد تخصيص مجاز فيلي … الاضمار، فالنقل على المعول
فالاشتراك، بعده النسخ جرى … لكونه يحتاط فيه أكثرا
قوله: وبعد تخصيص مجاز، أشار به إلى أن التخصيص مقدم على المجاز عند احتمال اللفظ لهما، وذلك لوجهين:
أحدهما: أن اللفظ يبقى في حمله على التخصيص في بعض الحقيقة.
قال في شرح التنقيح: كلفظ المشركين إذا بقي في الحربيين، وخرج غيرهم، والحربيون هم بعض المشركين، فهو مجاز أقرب للحقيقة.
стр. 119
الثاني: أن البعض إذا خرج بالتخصيص، بقي اللفظ مستصحبا في الباقي من غير احتياج إلى قرينة، وهذان الوجهان لا يوجدان في غير التخصيص، قاله القرافي ﵀ في شرح التنقيح.
ومثل لاحتمال اللفظ لهما بقوله : (وأتموا الحج والعمرة لله) قال: يقول الشافعي: الأمر للوجوب، فتجب العمرة.
يقول المالكي: تخصيص النص بالحج والعمرة المشروع فيهما، لأن استعمال الإتمام في الابتداء مجاز اهـ.
وانظر هذا، فحمل الإتمام على المشروع فيه، ليس تخصيصا بالمعنى الاصطلاحي. ومثل له في النشر بقوله : (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) فقال ﵀ : خص عند الإمام مالك والإمام أبي حنيفة ـ رحمهما الله الناسي للتسمية، فتؤكل ذبيحته، وحمله بعضهم على المجاز، أي: مما لم يذبح اهـ
ويقدم المجاز على الإضمار، لأنه أكثر منه في الكلام، والكثرة تدل على الرجحان، ولأن الإضمار يحتاج إلى ثلاث قرائن:
قرينة تدل على أصل الإضمار.
وقرينة تدل على موضع الإضمار.
وقرينة تدل على نفس المضمر.
بخلاف المجاز، فإنه إنما يحتاج لقرينة واحدة.
وقال الإمام فخر الدين ﵀ في المحصول: هما سواء، لأن كل واحد محتاج للقرينة، نقله في شرح التنقيح.
ومثال احتمال اللفظ لهما قوله : (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية الكريمة.
قال في شرح التنقيح: يقول المالكي والشافعي: تقديره إذا قمتم محدثين، ولولا هذا الإضمار، لكان الأمر بالطهارة بعد الصلاة.
يقول السائل: هذا المحذور يزول بجعل القيام مجازا عبر به عن إرادة القيام.
стр. 120
وإذا قدم المجاز على الإضمار، قدم عليه التخصيص، لما سبق من أرجحيته على المجاز.
ويقدم الإضمار على النقل، لما فيه من تغيير الوضع، بخلاف الإضمار.
ومثال تعارضهما: قوله جل من قائل: (وحرم الربا)
يقول الحنفي: في الكلام إضمار، والأصل: وحرم أخذ الربا، وهو الزيادة، كما في درهم بدرهمين، فإذا أسقطت الزيادة صح البيع، وارتفع الإثم.
ويقول غيره: الربا وإن كان في الأصل الزيادة، إلا أنه نقل إلى العقد، فهو فاسد، وإن أسقطت الزيادة.
وإذا قدم الإضمار على النقل، قدم عليه ما تقدم أنه مقدم على الإضمار من التخصيص والمجاز.
ويقدم النقل على الاشتراك، لأن اللفظ في النقل لحقيقة واحدة مفردة في جميع الأوقات، والمشترك مشترك في الأوقات كلها.
وقيل: يقدم المشترك، إذ لا نسخ فيه لوضع سابق، ولأنه أكثر في الكلام من المنقول، بل قيل: إن الاشتراك يقدم على الإضمار، لاحتياج الإضمار إلى ثلاث قرائن.
ومثال احتمال الاشتراك والنقل: قوله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " طهر إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات " (١) يقول الشافعي: الطهارة في عرف الشرع: منقولة إلى إزالة الحدث أو الخبث، ولا حدث، فيتعين الخبث.
يقول المالكي: الطهارة لفظها مشترك في اللغة بين إزالة الأقذار، والغسل على وجه التقرب إلى الله لأنه مستعمل فيهما حقيقة إجماعا، والأصل عدم التغيير.
ويقدم الاشتراك على النسخ، لأن النسخ إبطال للحكم بعد إرادته، فلا يصار إليه ما أمكن البقاء.
стр. 121
ومثاله: ما لو قيل في حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، (١) مع آية الأنعام: إن النهي مشترك بين الحرمة والكراهة، فيكون الجمع بينه وبين الآية الكريمة ممكنا، وإعمال الدليلين أولى من إهمالنا.
بخلاف ما لو قلنا: إن النهي حقيقة في الحرمة خاصة، فيكون ناسخا، وهذا فرض مثال فقط.
ومثل له بعضهم بما لو قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: صلوا وقت كذا، ثم أمر بالطواف في ذلك الوقت، فعلى أن الطواف مشترك بين معناه المعروف، وبين الصلاة، فلا تعارض، وعلى أنه مفرد، يكون الأمر الثاني ناسخا.
أما ما قاله في نثر الورود هنا من أن ذلك لا يتصور إلا في الاشتراك بين معنيين متضادين، فمراده به ـ على ما يظهر ـ: أن الاشتراك إذا كان بين معنيين متخالفين، لا يقع التقابل بينه وبين النسخ، لعدم التضاد، فنسبة كل من معنييه لمعنى النص المقابل سواء، فالتقابل إنما يقع بينهما إذا كان الاشتراك المحتمل بين معنيين متضادين، لأن معنى اللفظ على تقدير الإفراد، إذا لم يكن ضد معناه الاخر على تقدير الاشتراك، لم يرتفع بالحمل عليه التعارض المقتضي للمصير إلى النسخ.
وهذا غير بين، فإن التعارض المقتضي للقول بالنسخ، يرتفع بالحمل على معنى مخالف، وبيان ذلك بالمثال: أنا لو افترضنا نصا بعدم الاعتداد بالقروء، أمكن الجمع بينه وبين النص الوارد بالاعتداد بالقروء، بحمل القرء على الاشتراك بين معنيين متخالفين، بأن يقال: القرء مشترك بين الشهور مثلا والحيض، والمراد في الإثبات مثلا الحيض، وفي النفي الشهور، وهكذا أيضا إذا حملناه على الاشتراك بين معنيين متضادين، وقلنا المراد في الإثبات أحدهما، وفي النفي غيره، فلا تعارض، فلا نسخ.
وهذا وهم سرى له من تضاد الناسخ والمنسوخ كما ذكره، والتضاد في النسخ لا يستلزم التضاد بين متعلق المنسوخ وبدله.
وأما حمل كلامه على عدم تعدد النص، وأن اللفظ إن حمل على الاشتراك كان ناسخا
стр. 122
لنفسه، فهذا أمر لا يمكن أن يقصده عامي فدم، فكيف بمثل هذا الشيخ الجليل، والله أعلم.
وأما ما استشكله من تقديم المجاز على الإضمار، وتقديم الإضمار على النقل، فغير بين، فالمراد بالمجاز ما لا يعم النقل بدليل المقابلة، ووجه الترتيب بينهما، ما تقدم، ووجه تأخير الإضمار ما تقدم أيضا من توقفه على قرائن متعددة، مع أنه أقل في الكلام بكثير من المجاز والنقل.
وأما ما ذكره من أن المجاز نسخ للمعنى الأصلي فليس ببين، بل هو استعمال عارض للفظ في غير حقيقته، والله أعلم.
وحيث ما قصد المجاز قد غلب … تعيينه لدى القرافي منتخب
ومذهب النعمان عكس ما مضى … والقول بالإجمال فيه مرتضى
معناه أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة المرجوحة، والمجاز الراجح، لغلبة استعمال اللفظ فيه على استعماله في حقيقته، تعين عند أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ـ رحمهما الله حمله على المجاز، لرجحانه بغلبة الاستعمال فيه، واختاره القرافي ﵀ .
وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه يحمل على حقيقته لأصالتها، ولا يحمل على المجاز إلا بقرينة خاصة أو نية.
وذهب الإمام الرازي والتاج السبكي ـ رحمهما الله إلى أنه يكون مجملا، لترجح كل من وجه.
وانظر نقل القرافي ﵀ لهذه المسألة مع قوله في التنقيح: كل مجاز راجح منقول، فمقتضى ذلك أن الدوران بين المجاز الراجح والحقيقة، هو عين الدوران بين الحقائق المختلفة (١).
стр. 123
وما ذكره من أن كل مجاز راجح منقول، أبين، فأعظم أمارات الحقيقة التبادر، والمعروف في المنقول أيضا بقاء استعماله في المنقول عنه، عكس ما يدعي القائل بالفرق بين المجاز الراجح، والحقيقة العرفية، وذلك كقوله جل من قائل: (تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم) (١)
أجمع إن حقيقة تمات … على التقدم له الأثبات
معناه أن حقيقة اللفظ إذا أميتت، بحيث صار لا يستعمل فيها جملة، حمل على مجازه باتفاق، ومثلوا لذلك بالحلف عن الأكل من النخلة، فيحنث بالأكل من ثمرها، فالنخلة لا تستعمل في مثل هذا السياق في حقيقتها التي هي الجذع.
وعلى هذا فالمراد بإماتتها: انتصاب القرينة القاطعة على عدم إرادتها، خلاف ما يتبادر من اللفظ، والله أعلم.
والحاصل أن أحوال اللفظ من حيث الحمل على الحقيقة أو المجاز أربعة، لأن الحقيقة إما أن تكون أكثر في الاستعمال، كما هو الأصل أو تكون مساوية، فتقدم على المجاز في الوجهين، حيث لا قرينة على إرادته، أو تكون مرجوحة، وهي مسألة أبي يوسف وأبي حنيفة ـ رحمهما الله أو تكون مماتة فيقدم المجاز قولا واحدا.
وهو حقيقة أو المجاز … وباعتبارين يجي المجاز
معناه أن اللفظ المستعمل في معنى، يكون حقيقة، كالأسد في السبع.
ومجازا، كالأسد في الرجل الشجاع.
وحقيقة ومجازا باعتبارين، كالصلاة فهي حقيقة شرعا في الأفعال المعروفة، مجاز في الدعاء، وهي لغة على عكس ذلك، فهي حقيقة في الدعاء، مجاز في العبادة المخصوصة، ولا يمكن أن يكون حقيقة ومجازا باعتبار واحد، لأنهما وصفان متناقضان.
وحصر اللفظ في ما ذكر بناء على أن الكناية حقيقة، أو مجاز، وأما على القول بكونها واسطة، فلا ينحصر في الثلاثة كما نبه عليه في نثر الورود.
стр. 124
واللفظ محمول على الشرعي … إن لم يكن فمطلق العرفي
فاللغوي على الجلي .......... ...........................
اللفظ يحمل على حقيقته في عرف المتكلم به، فإذا قامت القرينة على عدم إرادته، حمل على أقرب حقائقه في غير عرفه، فهو أقرب مجازاته في استعماله.
فإذا كان اللفظ شرعيا، حمل على المعنى الشرعي، فإذا قامت القرينة على عدم إرادته حمل حقيقته العرفية، لأنه أقرب مجازاته، والمراد بالعرف العرف وقت الخطاب، كما سيأتي إن شاء الله في مبحث المخصص المنفصل.
وإذا قامت القرينة على عدم إرادته، حمل حقيقته اللغوية.
وقوله: فمطلق العرفي، أشار به إلى أن لا فرق في العرف بين العرف العام، والعرف الخاص، ولا بين العرف القولي والعرف الفعلي، كذا قالوا، ولا معنى لذكر العرف الخاص، فهو عين الشرعي، وسيأتي الكلام ـ إن شاء الله على الحمل على العرف في مبحث المخصص المنفصل.
وقوله: على الجلي، أشار به إلى قول من قال بتقديم الحقيقة اللغوية، على الحقيقة العرفية، وقول من قال بتأخير الحقيقة الشرعية، قال: كما فعل سيدي خليل ﵀ في مختصره، إلا أن موضوع كلام سيدي خليل ﵀ لفظ المكلف لا اللفظ الشرعي، وقد تكلم على ذلك سيدي كنون ﵀ .
نعم قول من قال بتقديم الحقيقة الشرعية، في موضوع سيدي خليل ﵀ على الحقيقة اللغوية، عند التجرد عن القرائن، أبين، فهي أجرى في كلام عوام المسلمين، أو ـ على ما أعلم ـ في بلادنا من الحقيقة اللغوية، والله أعلم.
ولم يجب … بحث عن المجاز في الذي انتخب
كذاك ما قابل ذا اعتلال … من التأصل والاستقلال
ومن تأسس عموم وبقا … الافراد والإطلاق مما ينتقى
كذاك ترتيب لإيجاب العمل … بما له الرجحان مما يحتمل
стр. 125
قوله: ولم يجب بحث عن المجاز فى الذي انتخب، معناه أن المختار جواز حمل اللفظ على معناه الحقيقي، قبل البحث هل هو مستعمل في مجازه أوحقيقته؟
لأن الأصل عدم المجاز بلا قرينة، وقد نسبه في النشر للفهري ـ رحمهما الله قال: وذكر القرافي ـ رحمهما الله أنه لا يصح التمسك بالحقيقة إلا بعد الفحص عن المجاز، كالعام مع المخصص، وكذا كل دليل مع معارضه اهـ.
وقد نقل الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب ﵏ الإجماع على منع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، واختلفوا في قدر البحث، والأكثرون إلى أن يغلب على الظن عدمه، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني ﵀ حتى يقطع بذلك، وهو ضعيف، قاله في إرشاد الفحول.
قوله: كذاك ما قابل ذا اعتلال، التشبيه على ما تقدم، من تقديم الشرعي في ألفاظ الشارع، ثم العرفي، ثم اللغوي.
فكما يقدم الشرعي إذا احتمل اللفظ أكثر من معنى، فكذلك يقدم التأصل على الزيادة، إذا كان اللفظ محتملا لهما، عملا بالأصل، وهكذا في بقية المذكورات.
ومثلوا لدوران اللفظ بين احتمال التأكيد، واحتمال الزيادة، بقوله جل من قائل: (لا أقسم) فلا، يحتمل أن تكون زائدة، ويحتمل أن تكون نافية، كقول الشاعر:
فلا وأبيك ابنت العامر … يِّ لا يدعي القوم أني أفر
وكذلك يقدم الاستقلال، على الإضمار، ومثلوا لذلك بقوله جل من قائل في حد الحرابة: (أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبوا) فمن أهل العلم كالشافعية من قال فيه إضمار، والتقدير أن يقتلوا إن قتلوا، أو تقطع أيديهم إن سرقوا.
وقال المالكية: الأصل عدم الإضمار، فيخير السلطان بين هذه الخلال، بحسب اجتهاده، وذلك بحسب حال المحارب، وما تقتضيه المصلحة فيه.
ويقدم التأسيس على التأكيد، ومثلوا لذلك بقوله جل من قائل: (ويل يومئذ للمكذبين) المتكرر في سورة المرسلات، فهل يحمل ما بعد أولها على التأكيد له، أو يحمل كل لفظ منها على تكذيب آخر، غير ما قبله.
стр. 126
ويقدم العموم على الخصوص، ومثلوا له بقوله جل من قائل: (وأن تجمعوا بين الأختين) فإنه يحتمل أن يكون عاما في الجمع بالملك والنكاح، وأن يكون خاصا في الجمع بالنكاح.
وما في النشر من التقييد بكون ذلك قبل البحث عن المخصص، يظهر أنه محرف، أو سبق قلم، وأن الأصل، أو المقصود ' بعد البحث عن المخصص ' وذلك لما سبق من حكاية الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب ﵏ الإجماع على منع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، فحمله على عمومه إنما هو بعد البحث، وعدم ثبوت التخصيص، سواء كان هناك نص آخر يحتمل أن يكون مخصصا، أو احتمل أن يكون المراد به الخصوص، لوروده على سبب معين، أو نحو ذلك، مما يكون معه خصوص العام محتملا.
وما في نثر الورود من استشكال المقابلة، منشؤه توهم اطراد مرجوحية احتمال التخصيص، وليس كذلك، فقد يكون احتماله مساويا لاحتمال العموم، كما يقع في بعض قضايا الأعيان كثيرا، وكما يقع في سياق بعض العمومات، حيث يؤذن إيذانا قويا باختصاص الحكم ببعض أفراد العام، وغير ذلك، وسيأتي الكلام على التخصيص بالسياق والقرائن، في الكلام على العام الوارد على سبب ـ إن شاء الله .
وما قيل في العام مع المخصص، يقال أيضا في الحقيقة مع المجاز، والإطلاق مع التقييد، والنسخ مع البقاء، وغيرها، ولا يمكن أن يقال في الاحتمالين المتساويين إنه لا تقابل بينهما، ولا وجه لتخصيص الثلاثة التي خصها بالاستشكال، بل غيرها من المذكورات، أولى بالإشكال، لأنها أندر من الثلاثة بكثير، والله أعلم.
وإلى مسألة تقديم العموم أشار الشيخ ﵀ بقوله: عموم.
والآية التي مثلوا بها للمسألة، سيأتي أنها مع آية ملك اليمين من العامين الذين بينهما عموم وخصوص، ومثل ذلك لا يصح فيه القول بتقديم العموم، لأن كلا من النصين عام، في صورة التعارض، والله أعلم.
ويقدم أيضا البقاء على النسخ، وذلك كقوله جل من قائل: (وإذا
стр. 127
حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) قيل: أمر استحباب للبالغين، وقيل: أمر وجوب كان في صدر الإسلام ثم نسخ، وذلك هو قوله: وبقا.
ويقدم أيضا الإفراد على الاشتراك، ومثلوا لذلك بلفظ النكاح، فقد قيل إنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد الذي هو سببه، وقيل: هو مشترك بينهما.
ويقدم أيضا الإطلاق على التقييد، ومثال ذلك: الصيام في كفارة اليمين، منهم من أوجب متابعته، حملا على كفارتي الظهار والقتل، ومنهم من لم يوجب تتابعه.
والظاهر أن الآية التي مثلوا بها من قبيل العام، (١) لا من قبيل المطلق، والله أعلم.
وإلى هذه المسألة الإشارة بقول الشيخ ﵀ : والإطلاق.
ويقدم أيضا الترتيب على التقديم والتأخير، ومثلوا لذلك بقوله سبحانه جل من قائل: (والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) الآية الكريمة.
قال في النشر: ظاهرها أن الكفارة لا تجب إلا بالظهار والعود معا، وقيل: فيها تقديم وتأخير، تقديره: والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة، ثم يعودون لما قالوا قبل الظهار، سالمين من الإثم بسبب الكفارة، وعلى هذا لا يكون العود شرطا في كفارة الظهار اهـ
والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال
وإلا فحمل العود على المجاز أقرب من هذا، والله أعلم.
وإن يجي الدليل للخلاف … فقدمنَّه بلا اختلاف
معناه أن محل ما ذكر من تقديم حقيقة اللفظ، التي هي معناه الشرعي، وتقديم التأصل على الزيادة، والاستقلال على الإضمار، والتأسيس على التأكيد، والعموم على التخصيص، والبقاء على النسخ، والإفراد على الاشتراك، والإطلاق على التقييد، والترتيب على التقديم والتأخير، ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك، كما هو بين، والله أعلم.
وبالتبادر يُرى الأصيل … إن لم يك الدليل لا الدخيل
стр. 128
وعدم النفي والاطراد … إن وُسم اللفظ بالانفراد
أشار بهذا إلى ما يعرف به كون اللفظ حقيقة في المعنى.
فذكر في أول البيتين، أن من علامة كون اللفظ حقيقة في المعنى، تبادره منه إلى أفهام أهل اللغة عند سماعه بدون قرينة، فإن كان المعنى المراد لا يفهم منه إلا بالقرينة، فهو المجاز، وذلك هو قوله: لا الدخيل، فمراده به المجاز.
واعترض على هذه العلامة بالمشترك المستعمل في معنييه، أو معانيه، فإنه لا يتبادر أحدهما، أو أحدها، لولا القرينة المعينة للمراد مع أنه حقيقة.
وأجيب بأنها يتبادر جميعها عند من قال بجواز حمل المشترك على جميع معانيه، ويتبادر أحدها لا بعينه عند من منع من حمله على جميع معانيه، ورد بأن علامة المجاز تصدق حينئذ على المشترك المستعمل في المعين، إذ يتبادر غيره، وهو علامة المجاز مع أنه حقيقة فيه.
ودُفع هذا الرد، بأنه إنما يصح ذلك لو تبادر أحدهما لا بعينه على أنه المراد، واللفظ موضوع للقدر المشترك مستعمل فيه، وأما إذا علم أن المراد أحدهما بعينه ـ إذ اللفظ يصلح لهما وهو مستعمل في أحدهما ولا يعلمه ـ فذلك كاف في كون المتبادر غير المجاز، فلا يلزم كونه للمعين مجازا، قاله في إرشاد الفحول.
وأشار بقوله: وعدم النفي، إلى أن من علامات كون اللفظ حقيقة في المعنى، عدم صحة نفيه عنه باعتبار ما في نفس الأمر، فإن صح نفيه عنه في نفس الأمر، فهو مجاز. أولهما: كاستعمال لفظ إنسان في زيد، فهو معنى لا يصح نفيه عنه في نفس الأمر.
والثاني كاستعمال الحمار فيه أيضا، فهو غير حمار في نفس الأمر.
قال في النشر: واعترض على هذه العلامة، بأنه يلزم عليها الدور، لتوقفها على أن المجاز ليس من المعاني الحقيقية، وكونه ليس منها يتوقف على كونه مجازا.
وأجيب بأن المراد صحة النفي بالنسبة إلى من لم يعرف أنه معنى حقيقي لذلك اللفظ اهـ
وأشار بقوله: والاطراد إلخ، إلى أن مما يعرف به أيضا كون اللفظ حقيقة في المعنى، اطراده فيه، بأن يصح إطلاقه في كل المواضع التي يوجد بها ذلك المعنى، مع تعذر العدول
стр. 129
عنه في بعض أفراد المعنى، إلى تعبير حقيقي، إذا لم يكن مشتركا، وذلك لصحة التعبير بكل من الرديفين مكان الآخر.
وهذا ما لم يمنع من الإطلاق مانع، شرعيا كان أو لغويا.
أولهما: كأسماء الله لأنها توقيفية.
والثاني: كالقارورة، لما تقدم من وضعه لمعين.
ومقتضى هذا توقف الاستدلال بهذه العلامة على استقراء الألفاظ الأخرى التي تستعمل في ذلك المعنى، ومعرفة مجازيتها بعدم اطرادها، وهذا يجب أن يكون علامة بانفراده للحقيقة، وإلا لزم أن يكون كل ما يعبر به عن ذلك المعنى مجاز، وهو خلاف الأصل، وإذا كان كذلك لم يكن الاطراد حجة، وقد صرح بعدم حجيته بعضهم.
والضد بالوقف في الاستعمال … وكون الاطلاق على المحال
وواجب القيد وما قد جمعا … مخالف الأصل مجازا سمعا
معناه أن اللفظ يعرف كونه مجازا في المعنى، بتوقف إطلاقه فيه، على إطلاقه في نفس الكلام على معنى آخر، وهو المسمى عند أهل البديع بالمشاكلة، كقوله جل من قائل: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فإطلاق الاعتداء في الجزاء، متوقف على إطلاقه في نفس الكلام في الظلم، الذي هو المعنى الحقيقي له، بخلاف إطلاقه في الظلم، فإنه غير متوقف على شيء، وهذا هو المراد بقوله: والضد بالوقف في الاستعمال.
ويعرف أيضا، بكون إطلاق اللفظ فيه إطلاقا في ما يستحيل، لامتناع تعلق المعنى به، كقوله : (واسأل القرية) فالقرية حقيقة في الأبنية، وسؤالها معلوم الامتناع، إذ لا يسأل من لا يتوقع منه الفهم والإجابة، وذلك قرينة على أن المراد أهلها، وهذا هو المراد بقوله: وكون الاطلاق على المحال.
ويعرف كذلك، بوجوب تقييد اللفظ عند استعماله فيه، كنور العلم، فالانكشاف والاهتداء الحاصل بالعلم، لا يمكن أن يستعمل فيه النور مطلقا، بخلاف النور الحسي، وكظلمة الجهل، وأوار الحرب، وصبح الحقيقة، وإلى هذا أشار بقوله: وواجب القيد.
стр. 130
ويعرف أيضا، بجمعه في المعنى على غير جمعه في معنى آخر هو فيه حقيقة، لأن ذلك يقتضي أنه لم يوضع للقدر المشترك بينهما، فلزم المجاز أو الاشتراك، والمجاز أرجح من الاشتراك.
قال في النشر: كالأمر بمعنى الفعل مجازا، يجمع على أمور، بخلافه بمعنى القول، فيجمع على أوامر.
فصل في المعرب
وهو اسم مفعول من التعريب، وعرفه ﵀ بقوله:
ما استعملت في ما له جا العرب … في غير ما لغتهم معرَّب
والمعنى أن المعرب، هو ما استعملته العرب في ما وضع له في غير لغتهم.
ما كان منه مثل إسماعيل … ويوسف قد جاء في التنزيل
إن كان منه ................. .............................
معناه أن الأعلام العجمية، واقعة في القرآن الكريم من غير خلاف، وقد اختلف هل هي من المعرب، والصحيح أنها ليست منه، إذ لا تختص بلغة، وإنما المعرب ما سوى الأعلام، وهو الذي أشار إليه بقوله:
واعتقاد الاكثرِ … والشافعي النفي للمنكر
معناه أن الأكثرين، ومنهم الإمام الشافعي، وابن جرير، وأبو عبدة، والقاضي أبو بكر، وابن فارس ﵏ أجمعين ـ ذهبوا إلى منع وقوع غير الاعلام من كلام العجم، في القرآن الكريم، لقوله جل من قائل: (قرآنا عربيا) وقوله جل من قائل: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته آعجمي وعربي) وقد شدد الإمام الشافعي ﵀ النكير على القائل بذلك.
وذهب قوم إلى وقوعه فيه، وعددوا ألفاظا، كالاستبرق، والاباريق، والأرائك، والأكواب.
وأجيب باتفاق اللغات في هذه الالفاظ.
стр. 131
وذهب قوم إلى التوفيق، فقالوا في هذه الكلمات، إن أصولها عجمية، لكن وقعت للعرب فعربتها بألسنتها، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنها عربية فهو صادق، ومن قال: عجمية فهو صادق، ومال إلى هذا القول الجواليقي، وابن الجوزي، وغيرهما.
وذكر المعرب في الأصول لا يبنى عليه فرع فقهي، ولا تترتب عليه فائدة في هذا الفن، كما أشار إليه بقوله:
وذاك لا يبنى عليه فرع … حتى أبى رجوع در ضرع
والدر بفتح الدال: اللبن، أو كثيره، وحتى في نسخة جدنا المخطوطة من نشر البنود بالحاء، وهو الذي في الطبعة التي عندي منه أيضا، وهو ظاهر المعنى التركيبي لشرحه للشطر، ونصه: يعني أنه لا يبنى عليه فرع، ولا يستعان به في علم الأصول، حتى يعود الدر، بفتح الدال، وهو اللبن، إلى الضرع اهـ
فصل في الكناية والتعريض
مستعمل في لازم لما وضع … له وليس قصده بممتنع
فاسم الحقيقة وضد ينسلب … وقيل بل حقيقة لما يجب
من كونه في ما له مستعملا … والقول بالمجاز فيه انتقلا
لأجل الاستعمال في كليهما … والتاج للفرع والاصل قسما
مستعمل في أصله يراد … لازمه منه ويستفاد
حقيقة، وحيث الاصل ما قصد … بل لازم فذاك أولا وجد
معناه أن الكناية هي اللفظ المستعمل في لازم ما وضع له، مع جواز إرادة ما وضع له، لعدم وجود قرينة مانعة من إرادته، وذلك كقولك: زيد طويل النجاد، وبكر كثير الرماد، قاصدا طول القامة في الجملة الأولى، والكرم في الجملة الثانية.
فالنجاد ـ بكسر النون ـ: حمائل السيف، وطولها يستلزم طول القامة، وكذلك كثرة الرماد تستلزم كثرة الطبخ، وذلك يسلتزم كثرة الضيفان.
وهذا ما أشار إليه بقوله: مستعمل في لازم البيت.
стр. 132
وأشار ببقية الأبيات إلى الاختلاف في اللفظ المكنى به هل هو حقيقة أو مجاز؟
فقيل: ليس بحقيقة، لاستعماله في غير ما وضع له، ولا مجاز، لجواز إرادة الحقيقة. وقيل: إنه حقيقة لاستعماله في ما وضع له ابتداء، وإن كان المقصود بالذات إثبات لازمه، وهذا مثل قولهم في التعريض: إن المعنى المعرض به: هو المقصود الأصلي، فإرادة المعنى الأصلي، لا تنافي إرادة معنى آخر، فما قيل من أن الاستعمال هو الإرادة من اللفظ، وأن ما ذكر يقتضي المغايرة بينهما غير بين جدا.
وقيل: هو مجاز، لاستعماله في مجموع معنييه الحقيقي والمجازي.
ومنهم من فصل، فقال: إن أريد المعنى الأصلي ابتداء، لينتقل منه إلى لازمه، فهو حقيقة، وإن أريد لازم المعنى الأصلي ابتداء، دون توسط إليه بالمعنى الأصلي، فهو مجاز. وهذا هو المراد بقوله: والتاج للفرع والاصل قسما، والمراد بالتاج: تاج الدين السبكي ﵀ والمراد بالفرع: المجاز، وبالأصل: الحقيقة.
ومقتضى هذا أن الحكم عليه بالحقيقة والمجاز، متوقف على معرفة قصد المتكلم.
وسم بالتعريض ما استعمل في … أصل أو الفرع لتلويح يفي
للغير، من معونة السياق … وهو مركب لدى السباق
معناه أن التعريض هو استعمال اللفظ في معناه الحقيقي، أو المجازي، أو الكنائي، ليشار به إلى معنى آخر، لا من جهة وضع اللفظ، بل من معونة السياق والقرائن، وذلك كقولك بحضرة زيد الذي يؤذي المسلمين: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " (١) فهذا الكلام مستعمل في حقيقته التي هي انحصار الإسلام في من سلم المسلمون من لسانه ويده، ولازم ذلك انتفاء الإسلام عمن يؤذي المسلمين، وهو المعنى الكنائي، وسوق الكلام بحضرة زيد الذي يؤذي المسلمين، قرينة على أن المراد الأصلي التعريض به، بانتفاء وصف الإسلام عنه.
وقوله: وهو مركب لدى السباق، أشار به إلى أن اللفظ المعرض به لا يكون إلا مركبا
стр. 133
تركيبا إسناديا.
فصل في الأمر
قال في النشر: والمراد به في هذه الترجمة، أعم من النفسي واللفظي.
هو اقتضاء فعل غير كَفِّ … دُلَّ عليه لا بنحو كُفِّي
معناه أن الأمر النفسي هو اقتضاء فعل غير كف، نحو اضرب، أو كفٍّ مدلول عليه بافعل، نحو صم.
فقوله: دل عليه لا بنحو كفي، وصف للكف في قوله: غير كف.
وكفي في قوله: لا بنحو كفي، هو بضم الكاف أمر للواحدة.
وكف في قوله: غير كف، هو بفتح الكاف: مصدر كف.
وذلك بأن لا يكون كفا نحو: اضرب، أو كفا مدلولا عليه بافعل، نحو: صم، بخلاف الكف المدلول عليه بلا تفعل، فهو نهي لا أمر، ولا فرق في الاقتضاء بين الجازم وغيره، حتى على القول بأن الأمر حقيقة في الوجوب خاصة، لأن المراد بالأمر في ذلك: افعل.
قال في النشر: وأورد عليه أيضا أنه يلزم عليه عدم التمايز بين الأمر الذي هو طلب فعل هو كف، والنهي الذي هو طلب ذلك الكف، كما في: كف عن ضرب زيد، ولا تضرب زيدا، إذ المميز بينهما كون الأول مدلولا لنحو كف، والثاني مدلولا لنحو لا تفعل، ولا دلالة في الأزل لحدوث العبارة، التي هي الدال اهـ
وأجاب عن ذلك شيخ الإسلام الشربيني ـ رحمهما الله بأن الكف في طلب الكف الذي هو أمر، مطلوب لذاته، بخلاف طلب الكف في النهي، فليس مطلوبا لذاته، بل من حيث إنه حال من أحوال غيره.
وعليه فالكف المقصود لذاته لا يعبر عنه بلا تفعل، وإنما يعبر عنه بافعل كصم، بخلاف غيره، فإنما يعبر عنه بلا تفعل.
وانظر هذا مع قوله جل من قائل: (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) وقوله جل من قائل في آية الخمر: (فاجتنبوه) مع قوله جل من قائل: (فهل أنتم منتهون) فظاهر السياق أن (فاجتنبوه) نهي لا أمر، فمنتهون: اسم
стр. 134
فاعل من انتهى: مطاوع نهى، والله أعلم.
وأيضا طلب الكف الذي ليس بمقيد، يجري فيه ما يجري في النهي، من عدم تحقق امتثاله بالكف مرة، فاجتناب الخمر مثلا، وترك البيع، لا يقع امتثالهما بالكف مرة، فالمطلوب فيهما عدم الماهية، ولا يتحقق إلا بالكف المستمر، ولو كان أمرا لأمكن الخروج من عهدته بالمرة، والله أعلم.
نعم لقائل أن يقول: الإجماع منعقد على أن الصوم أمر، للإجماع على توقفه على النية، والإجماع على عدم توقف الخروج من عهدة النهي بعدم فعله على النية.
والظاهر في جواب ذلك: أن الصوم لما كان تروكا مجموعة في وقت واحد، كان طلبه أمرا بإيجاد ماهية، والله أعلم.
هذا الذي حُد به النفسي … وما عليه دل قل لفظي
معناه أن ما ذكر هو حد الأمر النفسي، واللفظ الدال عليه هو اللفظي، فالأمر اللفظي هو اللفظ الدال على اقتضاء فعل غير كف.
وليس عند جل الاذكياء … شرْط علو فيه واستعلاء
وخالف الباجي بشرط التالي … وشرط ذاك رأي ذي اعتزال
واعتبرا معا على توهين … لدى القشيري وذي التلقين
معناه أن الأكثرين على أنه لا يشترط في مفهوم الأمر علو ولا استعلاء.
وذهب أبو الوليد الباجي ﵀ إلى اشتراط الاستعلاء، دون العلو ونسب للمحققين.
واشترطت المعتزلة ـ إلا أبا الحسين منهم ـ العلو، ووافقهم أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن السمعاني ﵏ من الشافعية كما في إرشاد الفحول.
وذهب إلى اشتراطهما معا القاضي عبد الوهاب، والقشيري ـ رحمهما الله .
قال في النشر: ومعنى العلو: كون الطالب أعلى مرتبة من المطلوب منه، والاستعلاء: كون الطلب بغلظة وقهر، قال القرافي وغيره: فالاستعلاء هيئة في الأمر من الترفع وإظهار
стр. 135
القهر، والعلو راجع إلى هيئة الآمر - بكسر الميم - من شرفه وعلو منزلته اهـ
ثم ذكر أن الخلاف المذكور جار في النهي أيضا، قال: والصحيح فيه من ذلك الصحيح في الأمر، وهو عدم اشتراطهما معا.
والامر في الفعل مجاز واعتمى … تشريك ذين فيه بعض العلما
معناه أن الأمر في الفعل، كقوله جل من قائل: (وشاورهم في الأمر) مجاز، وذلك لتبادر القول من الأمر إلى الذهن، والتبادر تقدم أنه من علامات الحقيقة. وقيل: هو مشترك بين الأمر الذي تقدم تعريفه، والفعل، والله أعلم.
وافعل لدى الأكثر للوجوب … وقيل للندب أو المطلوب
وقيل للوجوب أمر الرب … وأمر من أرسله للندب
معناه أن صيغة " افعل " وما في معناها، إذا تجردت عن القرائن الدالة على الوجوب أو الندب أو غيرهما، مختلف فيها هل هي حقيقة في الوجوب خاصة، وهو مذهب أكثر المالكية، وصححه ابن الحاجب، والبيضاوي ـ رحمهما الله قال الرازي ﵀ : وهو الحق.
وذكر الجويني أنه مذهب الإمام الشافعي ـ رحمهما الله .
أو هي حقيقة في الندب خاصة، وبه قال أبو هاشم، وعامة المعتزلة، وجماعة من الفقهاء، وهو رواية عن الإمام الشافعي ﵀ سيحانه وتعالى ـ كما في إرشاد الفحول. أو حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو الطلب، أي: ترجيح الفعل على الترك.
قال في الإرشاد: ونسبه شارح التحرير إلى أبي منصور الماتريدي ﵀ ومشائخ سمرقند.
ونقل عن أبي بكر الأبهري ﵀ أن الأمر من الله للوجوب، وأمر النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ المبتدأ منه للندب.
وهو الذي أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: وقيل للوجوب البيت، وهذا قول غريب من جهة المعنى، ونسب له غير ذلك أيضا، والله أعلم.
стр. 136
واحتج القائلون بكونه حقيقة في الوجوب بنصوص كثيرة من الكتاب العزيز، والسنة النبوية الشريفة دالة على ذلك، وهي وإن لم تكن قطعية في آحادها فمجموعها يحصل القطع، ونصوصية آحادها تتوقف على العلم بالتجرد عن القرائن، والله أعلم.
وما ذكره بعض شروح المراقي من أن من أصرحها حديث بريرة ـ رضي الله عنها ـ غير بين جدا، إذ مقتضى الحديث أن الصيغة التي هي موضوع البحث للطلب الأعم من الوجوب، إما على وجه الاشتراك أو التواطئ، ولو كانت نصا في الوجوب لم يكن لسؤالها وجه.
وإنما اقتضى كلامها أن لفظ الأمر للوجوب، والذي يجري على ما سبق له تبعا للأصل ـ من أن الأمر حقيقة في الطلب وإن لم يكن جازما، وأن الخلاف إنما هو في صيغة افعل وما في معناها ـ أن المراد بقولها: أتأمرني: أتعزم علي، مجازا.
نعم ما سبق هناك محل نظر، فمقتضاه أن الندب لم توضع له صيغة على قول الأكثرين، مع أنه أمر حقيقة، وهو غير بين.
وأيضا ما احتجوا به من النصوص مما ذكره الشيخ ﵀ في الأصل، والبعض المذكور، صريح في انتفاء اسم الأمر عن الندب، فانظر ذلك.
والله أعلم.
ومفهم الوجوب يُدرى الشرع … أو الحجا أو المفيد الوضع
معناه أنه اختلف في ما يدل على اقتضاء الصيغة الوجوب، فقيل: الدال على ذلك هو الشرع، واحتج قائله بما سبقت الإشارة إليه من النصوص التي ظاهرها اللوم على مخالفة الأمر المجرد.
وقيل: الدال عليه العقل، وهو المراد بالحجا في البيت، واحتج قائله بأن الطلب الذي تدل عليه اللغة، إن لم يحمل على الوجوب، جاز الترك، وصار المعنى افعل إن شئت.
قال في النشر: وقوبل بمثله في الحمل على الوجوب، فإنه يصير المعنى افعل من غير تجويز ترك اهـ
وقيل: الدال عليه هو اللغة، وهو المراد بقوله: أو المفيد الوضع، واحتج له بحكم أهل
стр. 137
اللغة قبل ورود الشرع باستحقاق العبد العقاب بمخالفته أمر سيده.
ومذهب الجمهور ـ على ما ذكر في الإرشاد ـ أن الدال على ذلك اللغة والشرع معا، وذهب البلخي ـ كما في الإرشاد أيضا ـ وأبو عبد الله البصري، والجويني، وأبو طالب إلى أن الدال عليه الشرع خاصة، وذكر أن كلا من الفريقين استدل بالعقل والنقل، أما العقل فما تقدم من تقرر عصيان العبد بمخالفته أمر سيده، وأما النقل فما علم من استدلال السلف بالصيغة المجردة عن القرائن على الوجوب من غير نكير، والله أعلم.
وكونه للفور أصل المذهب … وهْو لدى القيد بتأخير أبي
وهل لدى الترك وجوب البدل … بالنص أو ذاك بنفس الاول
وقال بالتأخير أهل المغرب … وفي التبادر حصول الارب
والارجح القدر الذي يشترك … فيه، وقيل إنه مشترك
وقيل للفور أو العزم، وإن … تقل بتكرار فوفق قد زكن
أشار بأول الأبيات، إلى أنه اختلف في الأمر المجرد عن القيد بالفور أو التراخي، إذا قلنا إنه لا يقتضي التكرار، فقيل: يقتضي الفور، فيجب الإتيان بالمأمور به في أول أوقات الإمكان، وهو مذهب البغداديين من أصحابنا، وأخذ للإمام مالك ﵀ من مسائل عديدة، وهو مذهب الحنابلة، وبعض الحنفية والشافعية.
وقوله: وهو لدى القيد بتأخير أبي، أشار به ﵀ إلى أن كونه للفور إنما هو حيث لم يقيد بالتراخي، وهو ظاهر.
وكذلك القول بالتراخي، فمحله عند القائل به: ما لم يقيد بالفور.
واختلف على هذا القول ـ أعني القول بكونه للفور ـ إذا أخر هل يلزم البدل بنفس الأمر، أو إنما يلزم بنص جديد؟
قال في الإرشاد: قال في المحصول: ومنشأ الخلاف أن قول القائل لغيره: افعل، هل معناه افعل في الزمان الثاني، فإن عصيت ففي الثالث، فإن عصيت ففي الرابع، ثم كذلك أبدا.
أو معناه في الثاني - يعني الذي يلي وقت الخطاب - من غير بيان حال الزمان
стр. 138
الثالث، والرابع؟
فإن قلنا بالأول، اقتضى الأمر الأول الفعل في سائر الأزمان.
وإن قلنا بالثاني لم يقتضه.
والحق أن الأمر المطلق يقتضي الفعل من غير تقييد بزمان، فلا يخرج المكلف عن عهدته إلا بفعله، وهو أداء، وإن طال التراخي، لأن تعيين بعض أجزاء الوقت له لا دليل عليه، واقتضاؤه الفور لا يستلزم أنه بعد أول أوقات الإمكان قضاء، بل غاية ما يستلزمه أن يكون المكلف آثما بالتأخير عنه إلى وقت آخر.
وذلك هو قول الشيخ ﵀ : وهل لدى الترك وجوب البدل البيت.
وأما ما ذكره في الشرح من أن المراد بالبدل العزم فهو سهو، وقد تنبه لذلك في الحلي.
وذهب المغاربة من المالكية إلى أنه لا يقتضي الفور، فالمتراخي غير عاص، والمبادر ممتثل، وهو الصحيح عند الحنفية، وعزي إلى الإمام الشافعي ﵀ وأصحابه، واختاره الرازي، والآمدي، وابن الحاجب، والبيضاوي ﵏ أجمعين ـ.
قال ابن برهان ﵀ : لم ينقل عن الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي ـ رحمهما الله نص، وإنما فروعهما تدل على ذلك، قاله في إرشاد الفحول.
وإلى قول المغاربة هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: وقال بالتأخير أهل المغرب البيت.
قال في الإرشاد: وتوقف الجويني ﵀ في أنه باعتبار اللغة للفور أو التراخي، قال: فيمتثل المأمور بكل من الفور والتراخي، لعدم رجحان أحدهما على الآخر، مع التوقف في إثمه بالتراخي، لا بالفور، لعدم احتمال وجوب التراخي.
وقيل: إنه حقيقة للقدر المشترك بين الفور والتراخي، الذي هو طلب الماهية من غير تعرض لوقت، وذلك لأنه لا إشعار له بأحدهما على الخصوص، ولذلك حسن من السيد
стр. 139
أن يقول لعبده: افعل الفعل كذا في الحال، أو غدا، وحذرا من الاشتراك والمجاز.
وقيل: إنه موضوع لكل منهما على انفراده، فهو مشترك، وإلى هذين القولين أشار الشيخ ﵀ بقوله: والارجح القدر الذي يشترك البيت.
وقال القاضي ﵀ : الأمر يوجب إما الفور، أو العزم على الإتيان به في ثاني حال، وذلك هو قول الشيخ ﵀ : وقيل للفور أو العزم.
وقوله: وإن تقل بتكرار إلخ، أشار به إلى ما قدمنا من أن الخلاف في اقتضاء الأمر الفور، إنما هو على القول بعدم التكرار، وأما على أنه للتكرار فهو للفور قطعا، والله أعلم.
وهل لمرة أو اِطلاق جلا … أو التكرر خلاف من خلا
أو التكرر إذا ما عُلقا … بشرط أو بصفة تحققا
اختلف في الأمر، هل هو موضوع للمرة، وهو مذهب أصحابنا، وعزاه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني ﵀ إلى أكثر الشافعية، وقال إنه مقتضى كلام الإمام الشافعي ﵀ والصحيح الأشبه بمذاهب العلماء، وبه قال أبو علي الجبائي، وأبو هاشم، وأبو عبد الله البصري، وجماعة من قدماء الحنفية.
وحجة هذا الفريق حصول الامتثال بالمرة.
وأورد عليه أن ذلك لا يقتضي اعتبارها جزءا من مدلول الأمر، لأن ذلك حاصل على تقدير الإطلاق.
أو هو موضوع لمطلق الطلب، من غير إشعار بمرة ولا تكرار، لنحو ما تقدم بيانه في عدم دلالته على فور ولا تراخ، واختاره الحنفية، والآمدي، وابن الحاجب، والجويني، والبيضاوي ﵏ سبحلنه وتعالى ـ.
قال السبكي ﵀ : وأراه رأي أكثر أصحابنا، واختاره المعتزلة، وأبو الحسين البصري، وأبو الحسن الكرخي.
أو هو موضوع للتكرار مدة العمر حسب الإمكان، إذ لو لم يكن كذلك لامتنع ورود
стр. 140
النسخ عليه بعد الفعل، واستقرأه ابن القصار من كلام الإمام مالك ـ رحمهما الله وبه قال أبو إسحاق الشيرازي، والأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني ـ رحمهما الله وجماعة من الفقهاء والمتكلمين.
وقيل: هو للتكرار إذا علق بشرط أو صفة، كقوله جل من قائل: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) وقوله جل من قائل: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ونسبه في النشر للإمام مالك ﵀ وجمهور أصحابه، والشافعية (١).
ونسبه في الإرشاد لبعض الحنفية والشافعية، وقال: وأجيب بأن الشرط هنا علة، فيتكرر المأمور بتكررها اتفاقا، ضرورة تكرر المعلول بتكرر علته، والنزاع إنما هو في دلالة الصيغة مجردة، والله أعلم.
وأما مسألة الاكتفاء بمسبب واحد عند تعدد السبب، وعدم الاكتفاء به، فالأوجه أن مدركها النظر إلى المصلحة التي هي مبنى الحكم، فإذا كانت مصلحة المسببات المتعددة تحصل بالمسبب الواحد، اكتفي به، كما في الوضوء الواحد، والغسل الواحد، مع تعدد أسبابهما.
وإن كان المسبب الواحد غير محصل لمصلحة المسببات المتعددة، لم يكتف به، كما في
стр. 141
تعدد الجناية، فهي كمن اقترض من شخص عشرة دراهم، ثم اقترض منه عشرة دراهم، فالعشرة الواحدة غير محصلة لمصلحة عشرتين، فلا تكفي في قضائهما، وهكذا.
وإذا كان حصول المصلحة بالمسبب الواحد محتملا، إما للاحتمال في تعيين المصلحة، وإما للاحتمال في حصولها على وجه تام، فهاهنا يكون الخلاف، كقذف الجماعة.
وينبغي أن يعلم أن الاكتفاء بالمسبب الواحد، إنما هو إذا كان تكرر السبب قبل حصول المسبب، وأما إذا حصل السبب ثانية بعد فعل المسبب، فلا بد من مسبب آخر، وإلا لم يكن سببا.
وإذا علمت ذلك، فبناء مسألة تكرر الحكاية بتكرر الأذان على هذا غير بين، فالقائل بسقوط الحكاية إنما بنى ذلك على أصل التخفيف في مواطن المشقة، كما سقط سجود التلاوة عن المتعلم في تكراره حزب السجدة مثلا، والله أعلم.
والامر لا يستلزم القضاء … بل هو بالأمر الجديد جاء
لأنه في زمن معين … يجي لما عليه من نفع بُني
وخالف الرازي إذ المركب … لكل جزء حكمه ينسحب
اختلف في الأمر المقيد بوقت، كافعل في يوم كذا، هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل في ما بعد ذلك الوقت؟ لأنه أمر بمركب، هو الفعل، وكونه في وقت كذا، والأمر بالمركب أمر بأجزائه، فإذا تعذر البعض بقي الطلب متوجها بغيره، وهو مذهب الفخر الرازي ﵀ وجماعة من الحنفية، وجماعة من الحنابلة والمعتزلة.
أو لا يقتضي ذلك، وهو مذهب الجمهور، فلا يلزم قضاؤه إلا بأمر جديد، لأن تقييده بالوقت لا يكون إلا لمعنى يختص به ذلك الوقت عن غيره من الأوقات، وإلا لصح قبل وقته.
وأما ما ذكر من التركب فهو مبني على أن المطلق والمقيد شيئان في الخارج، وهو أمر مختلف فيه.
والمعول أن الأمر بالفعل، لا يستلزم الأمر بقضائه، سواء قيد بوقت، أو لم يقيد به وقلنا إن الأمر يقتضي الفور، وهي المسألة المتقدمة في قوله:
стр. 142
وهل لدى الترك وجوب البدل ...........................
فالقضاء إنما هو بأمر جديد، ولذلك سقط عن من لم يرد النص بوجوبه عليه من ذوي الأعذار، كالحائض، والنفساء، والمجنون، والمغمى عليه في الصلاة.
وأما العامد فهو فحوى الناسي، (١) ولذلك قضى ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ الصلوات في الأحزاب، (٢) والله أعلم.
وما في بعض الشروح هنا عن الدبوسي من أن وجوب القضاء بالقياس على العبادات الفائتة التي دل الدليل على وجوب قضائها، والجامع بينهما استدراك مصلحة الفائت. قال: وحاصله أن ما لم ينقل فيه أمر بالقضاء، يكون مأمورا به قياسا، لا بالأمر الأول، ولا بأمر جديد اهـ
فهو مشكل، فإنه لا يمكن أن يكون إلا بالأمر السابق، أو بأمر جديد، والقياس كما هو معلوم ليس إلا تعميما لنص الأصل في الفرع، والله أعلم.
وليس من أمر بالأمر أمر … لثالث إلا كما في ابن عمر
والامر للصبيان ندبه نُمي … لما رووه من حديث خثعم
اختلف في من أمر شخصا أن يأمر آخر، هل يكون ـ أعني الآمر أولا ـ آمرا للثالث، أو لا؟
وهذا ما لم تقم قرينة على أن المأمور أولا مأمور بالتبليغ، لا بالأمر.
وكذلك ـ على ما يظهر ـ إذا قامت قرينة على أنه مأمور بالأمر، لا بالتبليغ.
أولهما: كما في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ الذي أشار إليه
стр. 143
الشيخ ﵀ (١) وكحديث " مروا أبا بكر فليصل بالناس " (٢) وكحديث " مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم " (٣) بل نقل في النشر عن القرافي ـ رحمهما الله أنه قال في شرح التنقيح: علم من الشريعة أن كل من أمره رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ أن يأمر غيره فإنما هو على سبيل التبليغ، ومتى كان على سبيل التبليغ، صار الثالث مأمورا إجماعا اهـ
وهو ظاهر كلام صاحب الإرشاد، وغير واحد، وهو بين عند التجرد من القرائن.
والثاني كما في قوله جل من قائل: (وأمر أهلك بالصلاة)
فالظاهر أن المراد أمر خاص، وهو التعاهد بالحث والحض.
وكما في حديث " مري غلامك النجار " (٤) فكونها مالكة له ولكسبه، قرينة بينة على توجه الأمر إليها.
ومن هذا أيضا حديث " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين " (٥) فإن المراد ليس الأمر مرة، حتى يكون بلاغا، فهو أمر للولي بتعاهد الولد بالأمر بالصلاة، وتربيته عليها. …
ذهب الجمهور إلى الأول، وذهب إلى الثاني جماعة.
وأشار الشيخ ﵀ بقوله: والامر للصبيان البيت، إلى أن مدرك استحباب الصلاة في حق الصبي الذي هو مذهبنا كما تقدم، هو حديث التي أخذت بضبعي صبي لها وقالت: ألهذا حج يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؟ فقال: " نعم ولك أجر " (٦)
стр. 144
ولذلك فظاهر كلام أصحابنا أن الاستحباب المذكور لا يتوقف على بلوغ سبع سنين. هذا ونسبة المرأة المذكورة في هذا الحديث الشريف إلى خثعم، وقعت في كلام جماعة من أهل العلم، والذي يغلب على الظن أنها وهم، والله أعلم.
تعليق أمرنا بالاختيار … جوازه روي باستظهار
المقصود أن في جواز تعليق الأمر باختيار المأمور، نحو افعل كذا إن شئت، خلافا، واستظهر المحلي جوازه، والتخيير قرينة عدم الوجوب.
وذلك كحديث البخاري ﵀ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: " صلوا قبل المغرب " قال في الثالثة: " لمن شاء "
وكحديثه أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أصاب أرضا بخيبر فجاء إلى النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ يستأمره فيها، فقال: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها "
وكحديثه أن امرأة قالت: يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه؟ فإن لي غلاما نجارا، فقال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ: " إن شئت " فعملت المنبر.
وآمر بلفظة تعم هل … دخل قصدا أو عن القصد اعتزل
اختلف في من أمر غيره بلفظ يشمله، هل يكون داخلا في ذلك الأمر؟ لتناول الصيغة له، أو لا يكون داخلا فيه بقرينة كونه الآمر.
وذلك كقول السيد لعبده: أحسن إلى من أحسن إليك، وقد أحسن هو إليه، وهذا ما لم تقم قرينة بينة أخص من القرينة المذكورة على عدم الدخول، وكذا لو قامت قرينة أيضا على دخوله على ما يظهر والله أعلم.
أنب إذا ما سر حكم قد جرى … بها، كسد خلة للفقرا
معناه أن إنابة المأمور غيره على فعل المأمور به، جائزة، إذا كانت المصلحة التي شرع لها، تحصل مع الإنابة، سواء كان ذلك لضرورة أو لا، سواء كان الحق المأمور به ماليا، كالزكاة، أو بدنيا، كالحج.
стр. 145
فإن كانت المصلحة لا تحصل إلا بالمباشرة، امتنعت الإنابة، وذلك كالصلاة، والطواف، وقالت المعتزلة: لا تجوز الإنابة في البدني إلا لضرورة.
والامر ذو النفس بما تعينا … ووقته مضيق تضمنا
نهيا عن الموجود من أضداد … أو هو نفس النهي عن أنداد
وبتضمن الوجوب فرقا … بعض، وقيل لا يدل مطلقا
ففاعل في كالصلاة ضدا … كسَرقة على الخلاف يبدى
إلا إذا النصُّ الفسادَ أبدى … مثل الكلام في الصلاة عمدا
اختلف في الأمر النفسي بشيء معين مضيق الوقت، هل يستلزم النهي عن أضداده الوجودية؟
وعليه أكثر أصحاب الإمام مالك ﵏ وصار إليه القاضي ﵀ في آخر مصنفاته.
وحجته: امتناع تصور فعله إلا بترك أضداده، وامتناع غفلة الآمر عن ذلك، وإن كان لا يلزم استحضاره لآحاد الأضداد.
أو هو عينه، وهو مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر ـ رحمهما الله والجمهور من المتكلمين، والأصوليين، والمحدثين، ومن الحنفية، والشافعية، لما سبق أيضا.
وقيل: أمر الإيجاب نهي عن ضده، دون أمر الندب.
وقيل: ليس نهيا عنه ولا يتضمنه عقلا، واختاره الجويني، والغزالي، وابن الحاجب ﵏ لجواز الذهول عنه، وفيه ما سبق.
وقيل: نهي عن واحد من الأضداد غير معين، وهو مذهب جماعة من الحنفية، والشافعية، والمحدثين.
واحترز بالنفسي عن اللفظي، فلا خلاف في تغاير صيغتي الأمر والنهي، كما لا خلاف في تغاير مفهوميهما.
واحترز بوصف الضد بالوجودي، عن الضد العدمي، وهو عدم المأمور به، الذي هو